ذكر بعضهم أن البخاري قال في تاريخه "أبو حنيفة ضعيف تركوا حديثه "
الجـواب:
نقول لقد أثنى بعض شيوخ البخاري الكبار على أبي حنيفة, وهم معاصرون له ومقاربون, والبخاري عالم محدث مجتهد فقيه, له آراء واجتهادات, بثها في أبواب كتابه الصحيح, وقد تلمذ لأبي حفص الكبير الحنفي فقيه البخاري, ثم خرج في طلب الحديث مع ابنه أبي حفص الصغير, وقد رجع أبو حفص هذا إلي بلده واستمر البخاري في رحلته, حتى رفعه الله تعالى إلي ما رفعه من درجات وأعطاه من فضل ما أعطاه .
أ – لقد صحب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعض المتحاملين على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى, كالحميدي وإسماعيل بن عرعرة وغيرهما, وتأثر بأقوالهم فيه, ودَّون في تاريخه ما سمعه من هؤلاء المجازفين - وقد قال المحدث الفقيه الشيخ عبد الرشيد النعماني : حكي عن الحافظ زين الدين العراقي أن ابن أبي حاتم جمع في كتاب (( أوهام البخاري في التاريخ )), وقال السخاوي : ولابن أبي حاتم جزء كبير انتقد فيه على الإمام البخاري, انظر (( ما تمس إليه الحاجة )) وأيضاً مقدمة (( لامع الدراري على البخاري )) للشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي وأبو حنيفة وأصحابه المحدثون في الإجابة على الحميدي ص: 275 وقد كذب محمد بن عبد الله بن الحكم الحميدي في كلامه في الناس. انظر (( طبقات السبكي ج:1 ص:224 )) – وقد لا يصح أن أبا حفص الكبير حين منع البخاري من الإفتاء في بلده قد أغضب البخاري ذلك, فأخذ يتحامل على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى, ذلك لأن البخاري أرفع من ذلك وإن كان بشراً غير معصوم .
ب – كان الإمام البخاري يرى أن الإيمان يزيد وينقص, مع العلم أنه لم يصحح حديثاً في ذلك, لأنه ليس فيه حديث صحيح, وكان الإمام أبي حنيفة يرى : أن الإيمان عقيدة يمتلئ بها القلب فلا يتصور فيه زيادة, لأنه لا زيادة فوق اليقين ولا نقصان, لأنه إذا نقص فلا يبقي يقيناً ( وقد اختصرنا الزيادات في موضوع عقيدة الإمام أبي حنيفة )
وكان البخاري يقول : إنه لم يخرج في صحيحه لمن لا يقول بزيادة الإيمان ونقصه, مع أنه كان يروي عن بعض غلاة الخوارج مثل عمران بن حطان الذي مدح قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه, وقد روى الإمام البخاري عن واحد وثمانين راوٍ من أهل الفرق المنحرفة, كما ذكرهم بأسمائهم الحافظ ابن جحر في (( هدي الساري )) والسيوطي في (( تدريب الراوي (( .
جـ – كان الإمام البخاري يرى أن الأعمال جزء من الإيمان, ويرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن الإيمان هو عقد القلب على التصديق بالله تعالى والنطق بالشهادتين, أما الأعمال فليست جزءاً من الإيمان ..
د – كان الإمام البخاري يرى أن تارك العبادات يعُذب بالنار في الآخرة, على حين يرى الإمام أبو حنيفة أن من سلم له الإيمان وفعل المعاصي المختلفة ومات دون توبة, فإن أمره مؤخر إلي الله تعالى, إن شاء عذبه بها بعدله, وإن شاء عفا عنه فيها بفضله, كما قال تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . لذا نرى البخاري يقول في الإمام : رُمي بالإرجاء, فإن كان قصد الإمام البخاري به الإرجاء الذي هو إرجاء أمر المؤمنين إلي الله تعالى يقتضي فيه بما يشاء, فذلك صحيح لأنه عقيدة أهل السنة والجماعة, وإن كان يقصد به الإرجاء الذي يُعنى به لا تضر معصية مع الإيمان بحال – كما هو رأي الجهمية ومن وافقهم – فهذا مردود على قائله أياً كان, فإن حياة الإمام رحمه الله من عبادة الله تعالى وخوف منه وزهد وورع وحرص على مرضاة الله تعالى, ورسائله المدونة فيها عقيدة الإمام من الفقه الأكبر والفقه الأبسط, تردّ هذه الدعوة على الإمام وترفض قبولها عنه .
قال الكوثري رحمه الله تعالى : كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون, يعتقدون أن الإيمان قول وعمل, يزيد وينقص, ويرمون بالإرجاء من يرى الإيمان : والعقد والكلمة, مع أنه الحق الصراح بالنظر إلي حجج الشرع, قال الله تعالى ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره . أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب, وعليه جمهور أهل السنة ( راجع تأنيب الخطيب ص: 44 والرفع والتكميل للشيخ عبد الحي اللكنوي بتحقيق المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص: 230 ) وقال الآمدي : إن المعتزلة كانوا في الصدر الأول يلقبون من خالفهم في القدر مرجئة .
وروى عن عثمان البتي أنه كتب إلي الإمام رحمه الله تعال وقال : أنتم مرجئة فأجابه : بأن المرجئة على ضررين : مرجئة ملعونة وأنا منهم برئ , ومرجئة مرحومة وأنا منهم, وكتب في بأن الأنبياء كانوا كذلك, ألا ترى إلي قول عيسى عليه السلام ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) وقال عبد الشكور السالمي في (( التمهيد )) : ثم المرجئة على نوعين : مرجئة مرحومة وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ومرجئة ملعونة وهم الذين يقولون بأن المعصية لا تضر والعاصي لا يُعاقب . قال الذهبي في (( ميزان الاعتدال ج: 3 ص:163 )) في ترجمة مسعر بن كدام – بعد ذكر وثاقته - : ولا عبرة بقول السلماني : كان من المرجئة : مسعر وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رَوّاد, وأبو معاوية , وعمرو بن ذر , وسرد جماعة قلت – والقول للذهبي - : الإرجاء مذهب لعدة من أجلة العلماء ولا ينبغي التحامل على قائله, وهذا الإرجاء معناه تأخير أمر المؤمن المذنب إلي الله تعالى في الآخرة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له, فكلام البخاري في هذا الجانب إنما هو من قبل المذهب الذي مال إليه كل منهما , ولا مجال للرد بمخالفة المذهب فلكل وجهة هو موليها والله أعلم .
هـ – قال البخاري رحمه الله في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى : تركوا حديثه, وأضاف : روى عن عباد بن العوام وابن المبارك وهشيم ووكيع ومسلم بن خالد ومعاوية والمقرئ أ.هـ إنّ رجلاً روى عنه هؤلاء وأمثالهم, لا يقال فيه تركوا حديثه, ولا ينبغي ذلك!! وقد سبق لنا أن ذكرنا رواية سفيان الثوري وحماد بن زيد وكثيرين عنه .
وهذا ما اجتمع لي من أسباب في كلام البخاري في الإمام رحمهما الله تعالى, وقد يكون معها اتهام بعض الجهّال الإمام بالقول بالرأي في مقابل النصوص معاذ الله . ( وسوف نبين هذه الشبهة في هذا البحث إن شاء الله ) .
ومن هذا يظهر أن كلام البخاري في الإمام رحمهما الله تعالى إنما وقع بسبب الخلاف المذهبي لا غير, وذلك لا يعدّ قدحاً, ولا يجعل الإمام موضع اتهام بحال, قال المحدث الفقيه تاج الدين السبكي في (( قاعدة في الجرح والتعديل ص: 12 وقد أخرجها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في رسالة مستقلة بتحقيقه وعنايته )) : ومما ينبغي أن يتُفقد عند الجرح حالُ العقائد واختلاف بالنسبة إلي الجارح والمجروح, فربما خالف الجراح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك, وقد أشار شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه (( الاقتراح )) إلي هذا, وقال : أراض المسلمين حفرة من حفر النار, وقف على شفيرها طائفتان من الناس, المحدثون والحكام . قلت : ومن أمثلة ما قدّمنا قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ .أ هـ
قال الشيخ عبد الرشيد النعماني في رسالته النافعة (( ما تمس إليه الحاجة من سنن ابن ماجه )) : إن صنيع الإمام البخاري مع الإمام الأعظم يشبه صنيعه مع الإمام جعفر الصادق. قال اذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام جعفر : لم يحتج به البخاري واحتج به سائر الأئمة .