بعض الروايات الباطلة التي ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي حنيفة رحمه الله
وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد ما لا يُعد ولا يحصى من الروايات الباطلة في حق الإمام رحمه الله تعالى, وقد ذكرت عشرات الكتب في ما سبق في الرد على الخطيب وما ذكره في تاريخه, ولكن لا بأس أن نذكر بعض هذه الروايات ونبين ضعفها :
أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا محمد بن العباس بن أبي دهل الهروي حدثنا أحمد بن محمد بن يونس الحافظ حدثنا عثمان بن سعيد الدرامي قال : سمعت محبوب بن موسى يقول : سمعت ابن أسباط يقول : ) ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني( .
الجـواب:
الحكم على الحديث ضعيف : ففيه يوسف بن أسباط قال أبو حاتم : لا يحتج به, وقال البخاري كان قد دفن كتبه, فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي .. ميزان الاعتدال ( 4 / ترجمة 9456(.
أخبرنا الخلال أخبرنا علي بن عمر الحريري أن علي بن محمد النخعي حدثهم قال : حدثنا محمد بن محمود الصيدناني حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي حدثنا الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال : قال أبو حنيفة : ( لما أردت طلب العلم جعلت أتخير بين العلوم وأسأل عن عواقبها, فقيل لي تعلم القرآن, فقلت إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره ؟ قالوا : تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان .. الخ (
الجـواب:
الحكم على الحديث موضوع : فيه محمد بن شجاع بن الثلجي , قال ابن عدي : كان يضع الحديث في التشبيه ينسبها إلي أهل الحديث يثلبهم بذلك .. ميزان الاعتدال ( 3 / 577 )
أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن أخو الخلال أخبرنا جبريل بن محمد المعدل – بهمذان – حدثنا محمد بن حيوة النخاس حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع قال : سمعت الثوري يقول : ( نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع وقال أبي حنيفة : من قال بقول
سفيان هذا فهو عندنا شاك, نحن المؤمنون هنـا وعند الله حقاً, قال وكيع : ونحن نقول بقول سفيان وقول أبي حنيفة عندنا جرأة ( .
الجــواب:
الحكم على الحديث ضعيف : فيه محمد بن حيوية وهو ابن العباس الخزاز قال في الخطيب : ( ترجمة رقم : 1139 ) : كان متساهلاً فيما يرويه يحدث عن كتاب ليس عليه سماعه, فلا يحصل الظن بانفراد مثله فضلاً عن العلم, ولا سيما فيما خالف فيه الثقات الأثبات.
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث ابن عمير عن أبيه قال : ( سمعت رجلاً يسأل أبي حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال : أشهد أن الكعبة حق, ولكن لا أدري هل هي التي بمكة أم لا ؟ فقال : مؤمن حقاً. وسأله عن رجل قال أشهد أن محمد بن عبد الله نبي ولكن لا أدري, هو الذي قبره بالمدينة ؟ فقال مؤمن حقاً. قال الحميدي : ومن قال هذا فقد كفر, قال : وكان سفيان يتحدث به عن حمزة بن الحارث ) .
الجـواب:
الحديث ضعيف فيه الحارث بن عمير البصري, قال الذهبي : ( وثقه ابن معين من طريق إسحاق الكوسج عنه, وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي, يقول محقق كتاب تاريخ بغداد مصطفى عبد القادر في تاريخ بغداد ( 13 / 324 ) : وما أراه إلا بيّن الضعف, فإن ابن حبان قال في الضعفاء : روى عن الأثبات الأشياء الموضوعات, وقال الحكم : روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة .
أخبرنا الحسن بن محمد الخلال حدثنا محمد بن العباس الخزاز وأخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي أخبرنا موسى بن عيسى بن عبد الله السراج قالا : حدثنا محمد بن محمد الباغندي حدثنا أبي قال : ( كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل : اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة, فكتب إلي حدثني الحارث بن عمير قال : سمعت أبا حنيفة يقول : لو أن رجلاً قال أعرف الله بيتا ولا أدري أهو الذي بمكة أو غيره أمؤمن هو ؟ قال نعم ! ولو أن رجلاً قال : أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات ولا أدري أدفن بالمدينة أو غيرها أمؤمن هو ؟ قال : نعم ! ) .
الجواب:
الحديث ضعيف : فيه محمد بن الباغندي . قال الدارقطني كان كثير التدليس, يحدث بما لم يسمع, ربما سرق حديث غيره, وقال إبراهيم الأصبهاني : كذاب ( انظر الترجمة رقم ( 1285 ) في تاريخ بغداد ) وفي رواية قريبة من هذه الرواية فيها عباد بن كثير, وهو : متروك .. ميزان الاعتدال ( 2 / 370, 375)
أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن تفيل حدثنا أبو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة – وسعيد يسمع – أن أبا حنيفة قال : ( لو أن رجلاً عبد هذه النعل يتقرب بها إلي الله لم أر بذلك بأساً. فقال سعيد : هذا كفر صراحا ) .
الجواب:
الحديث ضعيف : فيه عبد الله بن جعفر بن درستويه, حكى الخطيب عن البرقاني تضعيفه .
أخبرنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن حسنوية الكاتب – بأصبهان – أخبرنا عبد الله بن محمد بن عيسى بن مزيد الخشاب حدثنا أحمد بن مهدي بن محمد بن رستم حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني عبد السلام يعني ابن عبد الرحمن قال : حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي قال : قال لي شريك : كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى, قال تعالى : ( ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) البينة : 5, وقوله تعالى : ( ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) الفتح : 4, وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص, وزعم أن الصلاة ليست من دين الله .
الجــواب:
الحديث موضوع وقبح الله ولعن الذي وضعه وأشعل قبره ناراً, ففيه شريك بن عبد الله : تكلم فيه العلماء كثيراً وضعف يحيى بن سعيد حديثه جداً ( انظر ترجمة رقم 4838 ) .
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السَّراج – بنيسابور – أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي حدثنا عثمان بن سعيد الدرامي حدثنا محبوب بن موسى الأنطاكي قال : سمعت أبا إسحاق الفرازي يقول : سمعت أبا حنيفة يقول : ( إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد, قال إبليس يا رب وقال أبو بكر يا رب, قال أبو إسحاق : ومن كان من المرجئة ثم لم يقل لهذا. انكسر عليه قوله ) .
الجـواب:
الحديث ضعيف : فيه محبوب بن موسى الأنطاكي . قال الدارقطني : صويلح وليس بالقوي, وقال أبو داود : ثقة لا يلتفت إلي حكاياته إلا من كتاب .. ميزان الاعتدال ( 3 / 442 ) وكذلك أبو إسحاق الفزاري : منكر الحديث.
أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب – بأصبهان – أخبرنا أبو بكر بن المقرئ قال : حدثنا سلامة بن محمود القيسي – بعسقلان – حدثنا عبد الله بن محمد بت عمرو قال : سمعت أبا مسهر يقول : ( كان أبو حنيفة رأس المرجئة) .
الجـواب:
الحديث ضعيف : فيه أبو بكر المقرئ, قال الخطيب نفسه : في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة, وقال البرقاني : كل حديثه منكر ( انظر تاريخ بغداد / 635( .
أخبرنا ابن رزق أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا محبوب بن موسى قال : سمعت يوسف ابن أسباط يقول : قال أبو حنيفة : ( لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركته لأخذ بكثير من قولي ) .
الجـواب:
الحديث ضعيف : فيه محبوب بن موسى الأنطاكي . قال الدارقطني : صويلح وليس بالقوي, وقال أبو داود : ثقة لا يلتفت إلي حكاياته إلا من كتاب .. ميزان الاعتدال ( 3 / 442 ) وفيه يوسف بن أسباط قال أبو حاتم : لا يحتج به, وقال البخاري كان قد دفن كتبه, فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي .. ميزان الاعتدال ( 4 / ترجمة 9456
ما جاء في تاريخ بغداد من كلام رجال في القدح في أبي حنيفة
فقد قيل إن الخطيب البغدادي ذكر أقوال كثيرين قدحوا في الإمام رحمه الله تعالى بأسانيد إلي قائليها .
الجـواب:
ولكشف هذه الشبهة انظر كتاب ( تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب ) فسترى تلك الأسانيد ظالمة كاذبة, أو مخطئة, أو جاهلة وحاسدة, وحاشى أن يتكلم سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وأمثالهما من الشيوخ ؛ فضلاً عن أبي يوسف ومحمد وأمثالهما من تلاميذ الإمام فيه رحمه الله تعالى, فإن لهم جميعاً أقوالاً معروفة محفوظة صحيحة النسبة إليهم في الثناء على الإمام وذكر فضله رحمه الله تعالى .
وأقول : شأن أكثر المتقدمين من المؤلفين أن يوردوا الخبر بسنده صحيحاً كان أو غير صحيح, ويرون أنهم يخرجون من العهدة ولا يقعون في الإثم إذا ذكروا سنده, لذا نجد في تفسير الطبري آثاراً لا تصح, بل أحاديث لا تصح, ونجد في تاريخه كذلك أخباراً غير صحيحة, ويرون أنهم إذا ذكروا الأسانيد فقد استغنَوا عن الحكم على الخبر, لأن رجال الأسانيد معرفون عند المشتغلين بعلم الرجال, وذكر السند – أي سند – لا يدل على صحة الخبر, فهناك أحاديث موضوعة مفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لفقت لها أسانيد, وربما جمعوا فيها رجالاً ثقات كذباً وافتراء .
قال الإمام أحمد بن حجر المكي في كتابه ( الخيرات الحسان ص: 76 ) : الفصل التاسع والثلاثون في ردَّ ما نقله الخطيب البغدادي في تاريخه عن القادحين في الإمام أبي حنيفة : اعلم إنه لم يقصد بذلك إلاّ جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرخين, ولم يقصد بذلك انتقاصه ولا حط مرتبته, بدليل أنه قدم ذكر الكلام المادحين وأكثر منه, ومن نقل مآثره, ثم عّقبه بذكر كلام القادحين فيه – قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على كتاب ( الرفع والتكميل ) ص: 275 : إن الخطيب البغدادي قد أفصح عن طريقته في كتابه, فقال : كلما ذكرت في التاريخ رجلاً اختلفت فيه أقاويل الناس في الجرح والتعديل فالتعويل على ما أخرت منه وختنت به الترجمة.أ هـ فالاعتذار عنه بأنه قدم كلام المادحين لا يتفق مع تصريحه بما ألتزمه - . ومما يدل على ذلك أيضاً أن الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلوا غالبها من متكلم فيه أو مجهول, ولا يجوز إجماعاً ثلم عرض المسلم بمثل ذلك, فكيف بإمام من أئمة المسلمين ؟! وبفرض صحة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يعتّد به, فإنه أن كان من غير أقران الإمام فهو مقلد لما قاله أو كتبه أعداؤه, أو من أقرانه فكذلك, لما مر أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول, وقد صرح الحافظان الذهبي وابن حجر بذلك .
وقال يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي في كتابه ( تنوير الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة / وهو مجلد كبير ) قال : لا تغتّر بكلام الخطيب البغدادي, فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء, كأبي حنيفة , وأحمد وبعض أصحابه, وتحامل عليهم بكل وجه, وصنف فيه بعضهم – وهو الملك المعظم أبو المظفر عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفي ( 578 / 624 ) وكتابه هذا طبع في مصر سنة 1351 في نحو مائتي صفحة, وقد نصف في الرد على الخطيب سوى الملك المعظم غير واحد من العلماء, منهم ابن الجوزي وسماه ( السهم المصيب في الرد على الخطيب )