أسباب عامة في تحامل بعضهم على الإمام أبي حنيفة
خلاصة أسباب تحامل بعضهم وكلامهم السَّوْء في الإمام رحمه الله تعالى - وهي أسباب تصدق في المجموع في تحامل بعضهم على سائر الأئمة الأربعة ومن كان مثلهم – والذي قال فيه الإمام أبو يوسف :
حـسـبـي مـن الخـيـرات مـا أعـددتـه ** يـوم القـيامـة فـي رضـى الـرحـمن
ديـن النـبـي مـحـمـد خـيـر الـورى ** ثـم اعـتـقـادي مـذهـب النـعـمان
1- الجهل : جهل أولئك بحقيقة حاله لبعد المسافة بينهم وبينه, وعدم توفر أسباب اللقاء, أو الواسطة الطيبة : من مخبر مصدَّق وناقل بدلاً من ذلك, وقد سبق بيان كيف كان الأوزاعي يتحامل على الإمام رحمهما الله, حتى أطلعه الإمام عبد الله بن المبارك على بعض مسائل الإمام, فلما عرف أنها من مسائله تاب مما كان منه, ورغّب ابن المبارك في الجلوس إليه, ثم حين لقيه ازداد إعجابه به وأخذ عنه .
2- المعاصرة : معاصرة بعضهم له – ومنه تقليد بعض المتأخرين لمشايخهم المعاصرين ونقلهم كلامهم دون تمحيص وتدقيق – والمعاصرة تدفع الأقران إلي التنافس, فالكلام السوء, إلاّ ما حفظ الله تعالى ( وقد قال الإمام الذهبي في تذكرة الحافظ في ترجمة ( الحافظ أبو نعيم ) كلام ابن منده في أبي نعيم فظيع لا أحب حكاياته ولا أقبل قول كل منهما في الآخر, بل هما عندي مقبولان, إلي أن قال كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو حسد وما ينجو منه إلا من عصمه الله وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين, ولو شئت لسردت من ذلك كراريس أ هـ . انظر التعليق على قواعد في علوم الحديث ص: 120 ) .
3- الحسد : والحسد هو الحالقة يحلق الدين وينحرف باللسان عن الشهادة باليقين, ورحم الله الحسن بن عمارة العابد الزاهد, فقد أخذ يوماً بركاب الإمام رحمه الله وهو يقول : ( والله ما أدركنا أحداً يتكلم في الفقه أبلغ ولا أصبر ولا أحضر منك, وإنك لسيد من تكلم فيه في وقتك غير مدافع, وما يتكلمون فيك إلا حسداً / انظر مناقب الموفق ج: 2 ص: 90 ) وأسند الموفق بسنده إلي علي بن الحسين عن أبيه قال : كان يحيى بن معين إذا ذُكر له من تكلم في أبي حنيفة يقول :
حـسـدوا الفـتـى إذ لـم ينـالـوا سعـيـه ** فـالـناس أعـداء لـه وخـصـوم
كـضـرائـر الحـسـنـاء قـلن لـوجهـهـا ** حـسداً وبـغـياً إنـه لـدمـيـم
قال مؤلف قلائد عقود العقيـان : الذي يظهر لي من الحكمة في كثرة حساد الإمام رضي الله عنه, إنما هو لظهور فضله وعلو منزلته ورفع درجته ومرتبته, وزيادة في أجره وتضعيف لثوابه بعد انقضاء أجله وفراغ عمره, كما يروى عن الإمام الشافعي أنه قال : ما أرى أن الله لا يمنع الناس من شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ليزيدهم ثواباً عند انقطاع أعمارهم. قلت : فحال هذا الإمام المحسود مثل حالهم في كثرة الحساد والطاعنين وفي ذلك إظهار فضلهم وشرفهم (( قلائد عقود العقيان مخطوطة بالمكتبة المحمودية ق 8 ))
, كما قال الشاعر :
وإذا أراد الله نـــشـــر فـضـيـلـة ** طُـويـت أتـاح لـهـا لـسـان حـسود
لـولا اشـتـعـال النـار فـيـما جـاورت ** مـا كـان يـعرف طيب عـرف الـعـود
4- الخلاف في الرأي : وهذا هو الأكثر, وهو الذي نجد من آثاره تهماً مردودة, وأحكاماً مصورة, إذا نظرنا إلي حقيقتها رأيناها أوهاماً بنيت على قواعد من الهواء, وظنوناً أرسيت على أصول من الهباء, مثل نعيم بن حماد – قال فيه النسائي : ضعيف, وقال غيره : كان يضع الحديث في تقوية السنة, وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. انظر فقه أهل العراق وحديثهم ص: 88 – الذي وضع قصصاً من نسيج الخيال, محاولاً أن يحط من قدر الإمام, ويطامن من مكانته, فكان مثله في ذلك كمثل من قال :
كنـاطـح صـخـرةً يـومـاً لـيـوهـنـها ** فـلم يـضـرهـا وأوهـى قـرنـه الوعـل
وقال الشيخ عبد الرشيد النعماني في (( ما تمسه إليه الحاجة من سنن ابن ماجه )) : وكذلك أكثر القضاة الذين امتحنوا الرواة في عهد المأمون في مسألة خلق القرآن كانوا على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه, فانتقم منهم هؤلاء الرواة بالنيل من إمامهم, وساووا بين القضاة وأئمتهم (( ص: 54 من مخطوطتي عن الكتاب, وانظر ( مسألة خلق القرآن ) للشيخ عبد الفتاح أبو غدة لتر العجب في التحامل على أئمة عظام بغير حق)) .
5- الانحراف : انحراف بعض القائلين عن الجادة, وقد قررنا هذا من قبل, مثل الآخذين بظواهر النصوص دون فقه وتبصر, أو الزائغين في العقيدة كالمعتزلة وغلاة والخوارج والرافضة وغيرهم .
قال الشيخ تاج الدين السبكي في رسالته (( قاعدة في الجرح والتعديل )) : ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلي الجارح والمجروح, فربما خالف الجارح المجروح فجرحه لذلك, ومن أمثلة ذلك قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ. فيا لله والمسلمين !! أيجوز لأحد أن يقول في الإمام البخاري متروك ؟؟؟؟!! وهو حامل لواء الصناعة ومقدَّم أهل السنة والجماعة ؟! ثم يا لله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام ؟! فإن الحق في المسألة اللفظ معه, إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى, وإنما أنكرها الإمام أحمد رضي الله عنه لبشاعتها .
ولله درّ أبي حنيفة ما أوسع صدره حين قال : ( لما سئل عما إذا كان يكفّر من يرميه من الفرق بالكفر : لا أكفر من يرميني بالكفر ولكن أكذبه . كما في ( العالم والمتعلم ) رواية مقاتل حفص بن سلم عنه .. ثم قال :
ولا أدري كيف أباح الخطيب لنفسه تدوين هذا الفحش والسفه في حق أمثال هؤلاء الأئمة بمثل هذا السند الساقط, مع علمه بمنزلة هؤلاء الأعلام في العلم والورع, ولو كان ذلك في عهد عمر رضي الله عنه لقام عليه بالدرّة أو اعتقله تعزيراً له كما فعل في أمثاله .