اتهامه بتقديم القياس على النصوص
الـجـواب:
نقول : أن هذه الشبهة بطلانها بيّن, فقد جاء في كتاب (( الانتقاء )) أن أبا حنيفة رحمه الله قال : ( آخذ بكتاب الله تعالى, فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول الصحابة, آخذ بقول من شئت منهم وأودع قول من شئت منهم, ولا أخرج عن قولهم إلي قول غيرهم, فإذا انتهى الأمر – أو جاء – إلي إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسّيب – وعَّدد رجالاً – فقوم اجتهدوا, فأجتهد كما اجتهدوا .. انظر (( الانتقاء – لابن عبد البر ومناقب الموفق ج: 1 ص: 82)).
الحديث المعروف الذي قد أجمع عليه, ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً, ثم يرجع إلي الاستحسان أيهما كان أوفق رجع إليه. قال سهل : هذا علم أبي حنيفة رحمه الله تعالى عِلم العامة (( مناقب الموفق ج: 1 ص: 89, 90 (( .
وجاء في مناقب الموفق بسنده إلي الصيمري , والصيمري بسنده إلي عبد الله بن يونس, قال : أنبأ الحسن بن صالح قال : كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ, فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه, وكان عارفاً بحدث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة, شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده, وقال : كان يقول : إن لكتاب الله ناسخاً ومنسوخاً, وإن للحديث ناسخاً ومنسوخاً, وكان حافظاً لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخير الذي قُبض عليه مما وصل إلي بلده (( المصدر السابق )) . وبنفس السند إلي الصميري قال : أخبرنا عمر بن إبراهيم أنبأ مكرم أنبأ أحمد أنبأ علي ابن المديني سمعت عبد الرزاق يقول : كنت عند معمر فأتاه ابن المبارك فسمعنا معمراً يقول : ما أعرف رجلاً يتكلم في الفقه ويسعه أن يقيس ويستخرج في الفقه أحسن معرفة من أبي حنيفة, ولا أشفَقَ على نفسه من أن يُدخل في دين الله شيئاً من الشك من أبي حنيفة .
ونقل ابن عبد البر بسنده إلي محمد بن الحسن رحمه الله تعالى قال : العلم على أربعة أوجه : ما كان في كتاب الله الناطق وما أشبهه, وما كان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المأثورة وما أشبهها, وما كان فيما أجمع عليه الصحابة وما أشبهه, وكذلك ما اختلفوا فيه, ولا يُخرج على جميعهم, فإن وقع الاختيار فيه على قول فهو علم نقيس عليه ما أشبهه, وما استحسنه فقهاء المسلمين وما أشبهه وكان نظيراً له, ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة (( السنة ومكانتها في التشريع الإسلام للدكتور مصطفى السباعي ص: 38 – وأصول السرخسي ج: 1 ص: 318 – وجامع بيان العلم ج: 2 ص: 36((.
فهذه النقول في جملتها تدل على مجموع المصادر الفقهية عند الإمام رحمه الله تعالى, فهي القرآن العظيم, والسنة الشريفة, وما أجمع عليه الصحابة وما اختلفوا فيه ولا يخرج عن أقوالهم – والقياس والاستحسان والعرف – أي اتباع ما عليه الناس ببلده ويعني بهم الفقهاء وأهل العلم , فكيف يُدَّعـي أنه يقدس القياس على النص ؟؟؟!
نقل الإمام الشعراني بسنده إلي الإمام رحمه الله تعالى أنه قال : كذب والله وافترى علينا من يقول : إننا نقدم القياس على النص !! وهل يحتاج بعد النص إلي قياس ؟ ونقل عنه أيضاً قوله : نحن لا نقيس إلاّ عند الضرورة الشديدة, وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة, فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذٍ مسكوتاً على منطوق به. وذكر عنه أيضاً قوله : ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين, بأبي وأمي وليس لنا مخالفته, وما جاء عن الصحابة تخَّيرنا, وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال (( الميزان للشعراني ج: 1 ص: 51 وما بعدها (( .
نعم إن الإمام رحمه الله تعالى يرجح الرواية بفقه الراوي على روايةٍ غير فقيه, لأن شأن الفقيه أن يدرك ويفهم ما قد لا يدركه غير الفقيه, خاصة وأن الحديث قد يروى بالمعنى, وقد جاء هذا على لسان أبي حنيفة رحمه الله تعالى في مناقشته الإمام عبد الرحمن الأوزاعي كما جاء في الأخبار .
روى عن سفيان بن عيينة قال : اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي رحمهما الله في دار الخياطين بمكة, فقال الأوزاعي لأبي حنيفة : ما لكم لا ترفعون أيديكم في الركوع وعند الرفع منه ؟
فقال أبو حنيفة : لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع ( وكان الإمام يحفظ أحاديث الرفع ولكن يراها منسوخة (
فقال : كيف وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع ؟!
فقال أبو حنيفة : حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود إلي شيء من ذلك .
قال الأوزاعي : أحدَّثك عن الزهري وسالم وأبيه وتقول حدثنا حماد عن إبراهيم ؟!
فقال أبو حنيفة : كان حماد أفقه من الزهري , وكان إبراهيم أفقه من سالم , وعلقمه ليس بدون ابن عمر , وإن كان لابن عمر صحبة, فالأسود له فضل كبير . (( حجة الله البالغة للإمام الدهلوي ج: 1 ص: 231(( .
فانظر – رعاك الله – كيف لم يعارض الأوزاعي الإمام أبي حنيفة في أصله هذا . رحمهما الله تعالى .
فحاشى لله أن يرد الإمام الحديث بقياس الرأي أو ميل الهوى والغرض !!