آخر تحديث للموقع :

الخميس 4 رجب 1444هـ الموافق:26 يناير 2023م 10:01:54 بتوقيت مكة

جديد الموقع

المتعة المحرمة شرعاً ..
الكاتب : عبدالرحمن بن آدم ..

المتعة المحرمة شرعاً


     إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد..
     فمن المعلوم شرعاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".[1] ولم يقل صلى الله عليه وآله وسلم كما ترى يا أيها المسلم المؤمن وكما ترين يا أيتها المسلمة المؤمنة "عليه بالإستمتاع من النساء"، مع أنها أسهل من الصوم، فلما لم يقل بها ولم يدل الشباب المسلم المؤمن إليها دل ذلك على أن هذه المتعة ليست من الإسلام في شيء بعد أن أصبحت محرمة شرعاً كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : "يا أيها الناس ! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً"[2].

     فهذه المتعة المحرمة شرعاً لا تحصن فرجاً، ولا تغض بصراً، ولا تعف نفساً، ولا تُقاس بالزواج الإسلامي الشرعي أبداً، كما سيأتي بيان ذلك كله إن شاء الله تعالى.

     قال الشيخ إبن باز رحمه الله شارحاً لما في الحديث الأول المذكور آنفاً : "ودل أيضاً على أن من عجز عن النكاح يشرع له الاشتغال بالصوم، لأنه يضعف الشهوة ويضيق مجاري الشيطان، فهو من أسباب العفة وغض البصر"[3].

     فالمسلم المؤمن عفيف شريف نظيف وكذا المسلمة المؤمنة عفيفة شريفة نظيفة فلما يُدنس كلاً منهما نفسه بما لا يُحصن بها الفرج، ولا يُغض بها البصر، ولا يُعف بها النفس.

     فالعفة أو العفاف سكينةٌ وأدبٌ وطهارة، وحشمةٌ وبراءةٌ وحسن خلق، وصيانةٌ للنفوس المسلمة المؤمنة من الوقوع في الزنا، بخلاف المتعة المحرمة شرعاً فإنها خالية من هذا كله.

     كما وأن العفة والعفاف رضا للرب عن العبد وقد تكفل الرب سبحانه وتعالى بإغناء من عف نفسه من المسلمين المؤمنين من فضله قال الله سبحانه وتعالى {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} .." النور:33، وكما ترى لم يقل سبحانه وتعالى فعليهم بالإستمتاع من النساء الذين لا يجدون نكاحاً.

     وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً لم يقل ومن يستمتع من النساء يعفه الله وإنما قال : "ومن يستعفف يعفه الله"[4].

     قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : من يستعفف يعفه الله، فمن يستعفف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عزوجل.

     والإنسان الذي يُتبعُ نفسهُ هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله، لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتبع النساء، فإنه يهلك، تزني العين، تزني الأذن، تزني اليد، تزني الرجل، ثم يزني الفرج، وهو الفاحشة والعياذ بالله.

     فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله عزوجل وحماهُ وحمى أهله أيضاً." [5]

     إذاً ليست في هذه المتعة المحرمة شرعاً العفة أو العفاف لأحد من المسلمين المؤمنين أبداً.

     فعلى المسلم المؤمن والمسلمة المؤمنة أن يحذروا من أن يدنسوا أنفسهم الطاهرة العفيفة الشريفة النظيفة بهذه المتعة المحرمة شرعاً، وأن يكونوا من أهل العفاف الذين يحبهم الله عزوجل ويرضى عنهم والذين تكفل الله عزوجل ووعدهم بأنه سيغنيهم من فضله متى ما عفوا أنفسهم عن الزنا وعن كل ما يُغضب الرب سبحانه وتعالى.
     فالمسلم المؤمن كيس فطن وكذا المسلمة المؤمنة كيسة فطنة، لا تجرفهم أي تيار طارئ، فالثبات على دين الله عزوجل الإسلام بكتابه وسنته على فهم السلف لهما، هي الغاية المرجوة لدى كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة. وأما ما يدندن حوله البعض من أن نكاح المتعة المحرمة شرعاً هي كمثل النكاح الشرعي والمسيار والنكاح بنية الطلاق والنكاح العرفي ليبرروا فعلهم المحرم شرعاً، فإنها لا تقوم لهم بها حجة ولا تسعفهم، كما سيتبين ذلك في المقارنة والتفريق بين نكاح المتعة المحرمة شرعاً والأنكحة الأخرى من خلال الجدول الآتي لفضيلة الشيخ عثمان الخميس حفظه الله ..

وقفة مع مقولة أن أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه هو أول من حرم الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) ونهى عنها..

     أقول : إن الأصل في تحريم الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) والنهي عنها يرجع إلى تحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها ونهيه عنها، فتحريم أو نهي أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إنما هو للتأكيد على تحريمها، فالغاية من تحريمه أو نهيه رضي الله عنه هو إبلاغ من لم يبلغه تحريمها من الصحابة الكرام رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين، حيث لم يبلغ جميع الصحابة تحريمها كما لم يبلغهم كل ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله أو أقره من حلال أو حرام حين البلاغ وذلك لإنتشار الصحابة في الأمصار وبُعد دار إقامتهم عن دار إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمن المحال أن يقال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلما أراد أن يُبلغ شيئاً يجمع الصحابة كلهم في مكان واحد ثم يبلغهم، فإن هذا غير معلوم عنه صلى الله عليه وآله وسلم بل يرده ما جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم" فليبلغ الشاهد منكم الغائب" وكذلك" بلغوا عني ولو آية "وكذلك ما يرويه أصحاب الحديث من أن هناك من الصحابة من سمع الحديث من التابعي فيقول له من حدثك بهذا فيجيبه التابعي فلان من الصحابة فيمتطي هذا الصحابي راحلته فيأتي هذا الفلان من الصحابة فيقول له : أأنت حدثت بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له : نعم فيأخذ عنه الحديث، مما يدلك على أنه ليس كل الصحابة سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل البلاغ حين البلاغ، كما وأنه ها هنا أمر مهم في غاية الأهمية وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بصدق أصحابه وورعهم وإيمانهم وتقواهم وأمانتهم وحفظهم لما استحفظهم حين استأمنهم واستحفظهم على الوحي بقوله لهم" فليبلغ الشاهد منكم الغائب" وكذلك" بلغوا عني ولو آية"، فأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بلغ كما أُمر أن يُبلغ، لذا حرم ما حرم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليُبلغ من لم يبلغه هذا التحريم، وهذا لابد من أن يقوم به كل مؤمن يؤمن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيحرم ما حرم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويحل ما أحله الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

     مثال تقريبي للأذهان عن نهي أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه للإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) : لو جاءك من لا يعلم بآية النهي عن شرب الخمر مثلاً ولا يعلم بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أيضاً عن شرب الخمر، فقلت له أن الخمر حرام وشددت عليه في ذلك ونهيته، فقيل بعد ذلك في حقك أنك تحرم شرب الخمر وتنهى عنه واشتهر عنك ذلك كما واشتهر تشديدك في هذه المسألة، فهل يصدق في حقك القول أنك تحرم شرب الخمر وتشدد فيه وتنهى عنه من تلقاء نفسك؟، أم أنه يصدق في حقك من أنك حرمت ما حرمه الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبلغت ما علمت بتحريمه من الشرع وما أُمرت أن تبلغه وأكدت على تحريمه، لا شك أنه الثاني، فان قيل لك أن تحريم شرب الخمر والنهي عنه فيه نص من الشرع، قلنا لك كذلك تحريم الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) والنهي عنها فيه نص من الشرع سواء بسواء.

     فالصحابة رضي الله عنهم فيهم من لم تبلغه آية النهي عن شرب الخمر حين البلاغ فكان يشرب الخمر بناءً على أن الأصل في الأشياء الحل حتى يأتي الشرع بتحريمه والنهي عنه، فالآيات في النهي عن شرب الخمر كانت تنزل تدريجياً إلى أن نزل قول الله سبحانه وتعالى "فهل أنتم منتهون" فلما بلغ الصحابي الآية قال انتهيت فسكب الخمر.

     فالإستمتاع من النساء على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد خليفته أبي بكر رضي الله عنه من قبل أناس من الصحابة لعدم علمهم بتحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها ونهيه عنها لا يدل على جواز هذه المتعة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلغ الأمة تحريم هذه المتعة إلى يوم القيامة وأمر من شهد التحريم بأن يبلغ الغائب، فوجود غائب يتمتع من دون علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته من بعده به لا يقدح في البلاغ ولا في المبُلغ صلى الله عليه وآله وسلم ولا في خليفته من بعده رضي الله عنه لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد كلف الأمة بالبلاغ، لذا قام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مبلغاً تحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمتعة ونهيه عنها إلى يوم القيامة لما وجد أن هناك من يقول بها ويقدم على فعلها من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

     وأما ما يروى من أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول بجواز الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) حتى وفاته، فأنه ليس بحجة، فالحجة في الوحي الذي أبلغه إياه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :"مهلاً، يا ابن عباس ! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية"[6]، لا فيما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنه بعد إبلاغه وإعلامه، من رأي، فغاية ما يقال أن ابن عباس رضي الله عنه سمع سابقاً جواز الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) من في النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشريف مباشرة دون واسطة، وهنا سمع لاحقاً تحريمها والنهي عنها بواسطة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فذاك الذي سمعه ابن عباس رضي الله عنه سابقاً من الجواز دون الواسطة هو أقوى لديه مما سمعه لاحقاً من التحريم والنهي بالواسطة، لذا ليس من الغرابة أن يقول بجواز الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) ويصر عليه حتى وفاته.

     فإن صح عنه ذلك فهو اجتهاد منه رضي الله عنه لا يُقلد عليه لا سيما بعد أن علمنا بتحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) ونهيه عنها إلى يوم القيامة.

     فمقولة أن أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه هو أول من حرم الإستمتاع من النساء (نكاح المتعة) ونهى عنها، إن أُريد منها أنه حرمها ونهى عنها من تلقاء نفسه، فهذا لا شك ولا ريب من أنه كلام باطل وضلال وكذب وافتراء يشهد على بطلانه وضلاله وكذبه وافترائه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحريمها والنهي عنها إلى يوم القيامة، وإن أُريد منها أنه أول من قام أو عمل على إبلاغ تحريمها والنهي عنها شرعاً وشدد في إبلاغ ذلك للناس للتأكيد على تحريم الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لها، فهذا لا شك ولا ريب من أنه الحق والصدق.

      وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على حرص أميرالمؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه من أن يقف الناس على مسائل الشريعة ويعلموا بحلالها من حرامها حتى لا يقع الناس في الحرام وينشطوا فيه وهم لا يعلمون بحرمته، فهذه منقبة تحسب له رضي الله تبارك وتعالى عنه لا مثلبة كما يعتقده من ضل عن الحق وأخذ في طريق الباطل يجول، والعياذ بالله.

      إذاً هذه المتعة المحرمة شرعاً لا يصح فيها شيء من الحِل بعد أن حرمها ونهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة أبداً وما جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من أنه كان يعتقد حلها إنما هو لعدم علمه بتحريمها كما سبق بيانه.  
 

جدول الفروقات بين نكاح المتعة المحرمة والأنكحة الأخرى من مطوية الشيخ عثمان الخميس حفظه الله والتي هي بعنوان " الفروقات المفحمة بين الزواج الصحيح والمتعة المحرمة ".




 
والله الموفق للحق والصواب


[1]- رواه البخاري ومسلم،

[2]- رواه مسلم.

[3]- مجموع فتاوى إبن باز، ج 3 ص329.

[4]- رواه البخاري ومسلم

[5]- شرح رياض الصالحين ج 1 ص 196

[6]صحيح مسلم / كتاب النكاح / حديث رقم 1407


العنوان: المتعة المحرمة شرعاً .. العداد: 2 الحجم: 360.00KB
عدد مرات القراءة:
1201
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :