آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 07:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

منازعة القدر ..

منازعة القدر


قال المخالف: (الإمام الصوفي المقدّس لدى ابن تيمية الشيخ عبدالقادر الجيلاني يقول : (الرجل من يكون منازعا للقدر ,لا من يكون موافقا للقدر)، ثم يأتي تفسير الذوّاق لكلام الصوفية ابن تيمية).
ثم ساق من كلام ابن تيمية ما نصه:
" وهذا   مقام عظيم   فيه غلط الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان، مالا يحصيهم إلا الله الذى يعلم السر والإعلان، وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذُكر عنه، فبين أن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإنى انفتحت لى فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر. والذى ذكره الشيخ رحمه الله هو الذى امر الله به ورسوله، لكن كثير من الرجال غلطوا، فإنهم قد يشهدون ما يُقَدّر على احدهم من المعاصى والذنوب، أو ما يُقَدّر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله، وقضائُه وقدرُه داخل فى حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون الإستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة، فيضاهون المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء}، وقالوا: {أنطعم من لويشاء الله اطعمه}، وقالوا: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}".[1]
رد الشبهة
وكعادة المخالف، يورد من كلام ابن تيمية ما يظنه تصوفا وليس كذلك، وينسى تعالما قراءة ما قبل ومابعد، ليتسنى له معرفة السبب الذي لأجله قال ابن تيمية ما قال وفهمه، فابن تيمية ذكر هذا الكلام عن عبدالقادر الجيلاني في كتابه العبودية في سياق تحليله العلمي للعبادة والعَبْد، وذكر ما يتعلق بذلك من الكتاب والسنة، وأن العبادة هي إسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، ومثّل لهذه الأمور بأدلة من الكتاب والسنة، وأن هذه العبادة هي التي المحبوبة والمرضية له سبحانه، ولأجلها خلق الخلق وأرسل الرسل، وأن من اصطفى سبحانه من عباده نعتهم بالعبودية، كقوله فيهم: (عباد الله وعباد الرحمن وعبادي) ونحوه.
ثم بين رحمه الله أن العبادة أصلها الذل، وأن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل والحب، وأن الله سبحانه يجب أن يكون أحب شيء للعبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، وأن لا يستحق المحبة والذل التام إلا هو سبحانه.
ثم حرر رحمه الله القول في العبد، وأن المراد به المُعَبّد الذي عبّده الله فذلّله ودبّره وصرّفه، وأنه بهذا الإعتبار جميع المخلوقين برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، عباد لله تحت مشيئته وقدرته، فهو خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، عرفوا ذلك أو أنكروا علموا أو جهلوا.
ثم بين رحمه الله أن معرفة الحق سبحانه، إذا كانت مع الإستكبار والجحود كانت عذابا على صاحبها، وبين أن العبد قد يعترف أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه ومحتاج، فهذا عرف العبودية المتعلقة بالربوبية، وأن مثل هذا العبد قد يتضرع لربه ويتوكل عليه، وهذا النوع من العبيد قد يطيع ويعصي ويشرك معه غيره، فهذا النوع لا يصير مؤمنا واستدل بقوله تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (يوسف:106).
ثم تطرق للكلام على الحقيقة ومن يتكلم فيها ويشهدها، وبدأ بالكلام على (الحقيقة الكونية) التي يشترك فيها المؤمن والكافر البر والفاجر، واعتراف إبليس بها، مستدلا لكل ما سبق من الكتاب والسنة، وبين أن من وقف عند هذه الحقيقة وشهودها، ولم يقم بما أمر الله به من (الحقيقة الدينية)، التي هي عبادته وتأليهه وطاعة أوامره وأوامر رسوله، كان من جنس إبليس أهل النار، وإن ظن أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان، كان من أشر أهل الكفر والإلحاد.
ثم بين رحمه الله النوع الثاني من معنى "العبد" وهو بمعنى العابد لله، فلا يعبد سواه، ويطيع أومره وأوامر نبيه ويوالي أولياه ويعادي أعداءه، ففرق بين العبد المُعبّد والعبد العابد، وبالفرق بينهما يُعرف الفرق بين (الحقيقة الدينية والحقيقة الكونية)، وأن من اكتفى بالأخيرة كان من أتباع إبليس والكافرين برب العالمين.
وبعد هذا التحليل المقتضب لأ كثر من عشر صفحات من كتاب العبودية، بدأ ابن تيمية كلامه الذي ساقه المخالف، وأن هذا الأمر مقامه عظيم وأكثر المشايخ الذين خاضوا غلطوا فيه لاشتباه المسالك، فزلق فيه من زلق من كِبارهم، وأن الشيخ عبدالقادر لم يمسك حين ذكر القدر، وذلك لما أكرمه الله تعالى من حقيقة الولاية وذلك لمعرفته بالحقيقتين.
وهذا من الجيلاني ليس من التصوف في شيء، فقد وضح شيخ الإسلام أن هذا الموقف من الشيخ هو ما أمر الله به ورسوله وأن كثيرا من الرجال غلطوا فيه، حيث يشهدون ما قدره الله من المعاصي والذنوب والكفر على الناس، وأنه جار بمشيئة الله وقضائه وقدره وداخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون أن الإستسلام لذلك وموافقته والرضا به دينا فضاهوا المشركين الذين قال فيهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام:148)، وقوله:{أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} (يّـس:47).
ثم بَيّن رحمه الله خطأ ذلك، إذ لو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به، ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض ونحوه، واستدل بقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}، كما استدل بحديث محاججة آدم لموسى عليهما السلام في الصحيحين، وأن هذا ليس احتجاجا بالقدر على الذنب، بل إن آدم قد تاب من ذنبه الذي قدره الله فاجتباه ربه وهداه، لكنه لَوم لآدم لآجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة.
ثم بين أن ليس للعبد أن يذنب وإن أذنب فعليه بالإستغفار، وكذلك ذنوب العباد لا نرضى بها، بل يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيله سبحانه كل بحسبه، ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل كثيرة.
وأطال النفس رحمه الله كعادته في الإستدال من الكتاب والسنة في بيان هذه المسألة الشائكة، والرد على أهل الضلال من أهل الأديان وبعض زنادقة الصوفية كابن عربي. وفي هذا كفاية للبيب. 


[1]) مجموع الفتاوى (10/158).


عدد مرات القراءة:
739
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :