آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 07:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مقام الصديقية الخاص بالصوفية ..

مقام الصديقية الخاص بالصوفية


قال المخالف: (مقام الصديقية الخاص بالصوفية، "الصوفية من أكمل صديقي زمانهم").
ثم نقل من كلام ابن تيمية ما نصه: "ثم التصوف عندهم له حقائق وأحوال معروفة، قد تكلموا فى حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: الصوفى من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر، التصوف كتمان المعانى وترك الدعاوى واشباه ذلك، وهم يسيرون بالصوفى معنى الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون، كما قال الله تعالى: {أولئك الذين انعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا}، ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفى، لكن هو فى الحقيقة نوع من الصديقين، فهو الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذى اجتهدوا فيه، فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال: صديقو العلماء وصديقو الأمراء، فهو أخص من الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين أنهم صديقون، فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضا، كل بحسب الطريق الذى سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده، وقد يكونون من أجلّ الصديقين بحسب زمانهم، فهم من أكمل صديقى زمانهم والصديق فى العصر الأول أكمل منهم، والصديقون درجات وانواع ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه واحكمه وغلب عليه".[1]
رد الشبهة
كلامه المخالف سفسطة من القول، إذ ابن تيمية رحمه الله كان يتكلم على بدايات التصوف وأهله، وانصفهم على طريقته الوسط في نقد المخالف، من ذكر محسانهم ومثالبهم وموافقاتهم للشرع ومخالفاتهم، فظن المخالف - وبعض الظن إثم - من بعض عبارات الثناء، أن ابن تيمية صوفي متذوق.
والمخالف نقل كلامه مبتورا، إذ بقيته تبين مقصوده وليس كما ظن المخالف، فلا يفرح لأن الله لا يحب الفرحين.
وهناك عبارتان من كلام ابن تيمية ركز عليها المخالف وغرته:
العبارة الأولى: قوله: "هو فى الحقيقة نوع من الصديقين فهو الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة".
قال مقيده عفا الله عنه: كلام ابن تيمية بعده يبين مقصوده، وهو أن الصديقية عند الصوفية القدامى لا عموم الصديقية فقال: "فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال صديقو العلماء .......الخ".
العبارة الثانية: قوله: " فهم من أكمل صديقى زمانهم والصديق".
قلت: وهو ظاهر في أنه الصوفية القدامى، والقيد بصديقي ذاك الزمان فقط وليس في كل الأزمنة.
تكلم ابن تيمية عن التصوف في القرون الثلاثة الأوَل، وإنه اشتهر التكلم به بعد ذلك، ثم ذكر التنازع في معنى الصوفي، وتكلم على أول ظهور التصوف في البصرة وحال من ظهر فيها منهم، وتنازع العلماء في ما ينتابهم من الأحوال، ثم خلص إلى أن هذه الأمور التي فيها زيادة عبادة خرجت منها، ثم ذكر تنازع العلماء في هذه العبادة الزائدة بين القدح والمدح وذكر الصواب فيه، حتى وصل إلى الكلام الذي نقله المخالف آنفا.
وأنقل تتمة كلام ابن تيمية ليفهم المقصود ويتضح خلاف ما أراده المخالف:
قال رحمه الله: "ولأجل ما وقع فى كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس فى طريقهم، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا أنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة فى ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام، وطائفة غلت فيهم وادعوا انهم افضل الخلق واكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفى هذه الأمور ذميم.
والصواب أنهم مجتهدون فى طاعة الله، كما اجتهد غيرهم ....إلى أن قال:
وقد انتسب اليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا، فان أكثر مشائخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل: الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فى طبقات الصوفية، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب فى تاريخ بغداد.
فهذا أصل التصوف ثم انه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ثلاثة أصناف:
صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم.
فأما صوفية الحقائق: فهم الذين وصفناهم.
وأما صوفية الأرزاق: فهم الذين وقِّفَت عليهم الوقوف كالخوانك فلا يشترط فى هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق فان هذا عزيز وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك ولكن يشترط فيم ثلاثة شروط:
أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم.
والثانى: التأدب بآداب أهل الطريق وهى الآداب الشرعية فى غالب الأوقات وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها.
والثالث: ان لا يكون احدهم متمسكا بفضول الدنيا فاما من كان جماعا للمال أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة ولا يتأدب بالآداب الشرعية أو كان فاسقا فإنه لا يستحق ذلك.
وأما صوفية الرسم: فهم المقتصرون على النسبة فهمهم فى اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء فى الصوفية بمنزلة الذى يقتصر على زى أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة امره أنه منهم وليس منهم".


[1]) المصدر السابق (11/17).


عدد مرات القراءة:
1013
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :