آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 07:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

لولاك ما خلقت الأفلاك ..

لولاك ما خلقت الأفلاك


قال المخالف: (اليوم يحدثنا عن مقام الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه "لأجل محمد صلى الله عليه وآله وسلم خُلقت جميع المخلوقات").
ثم ذكر من كلام ابن تيمية ما نصه: "والله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، وكان آخر الخلق يوم الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق، خلق يوم الجمعة بعد العصر فى آخر يوم الجمعة، وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، آدم فمن دونه تحت لوائه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنى عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته)، أى كتبت نبوتى واظهرت لمّا خلق آدم قبل نفخ الروح فيه، كما يكتب الله رزق العبد واجله وعمله وشقى أو سعيد، إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه، فاذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها، وهو الجامع لما فيها وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا، ومحمد إنسان هذا العين وقطب هذه الرحى وأقسام هذا الجمع، كان كأنها غاية الغايات فى المخلوقات فما ينكر أن يقال: أنه لاجله خلقت جميعها، وأنه لولاه لما خلقت، فاذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قُبل ذلك".[1]
رد الشبهة
مشكلة المخالف مشكلة عدم فهم النصوص وبترها، فيأخذ ما يريد لأجل هواه، فهو لم ينظر في أول كلام ابن تيمية، كما لم يكمل بقية كلامه، وأيضا لم يفهم آخر كلامه الذي نقله هنا.
أما آخر كلامه السابق المنقول والذي لم يفهمه المخالف هو قوله: " فاذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قُبل ذلك".
قلت: وتفسير الكتاب والسنة هو ما ذكره ابن تيمية في أول كلامه وهو الآتي:
"ومحمد سيد ولد آدم وافضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من أجله العالم، أو أنه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا، ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمرا، لكن ليس هذا حديثا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدرى قائله ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله: {سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض}، وقوله: {وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، وأمثال ذلك من الآيات التى يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبنى آدم، ومعلوم أن لله فيها حِكما عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك، ولكن يبين لبنى آدم ما فيها من المنفعة وما أسبغ عليهم، فإذا قيل فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى.
وكذلك قول القائل: (لو لا كذا ما خلق كذا)، لا يقتضى أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة، بل يقتضى إذا كان أفضل صالحى بنى آدم محمد، وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة، أعظم من غيره صار تمام الخلق ونهاية الكمال حصل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ".[2]
فهذا النص بتمامه من أوله حتى نَقْل المخالف لبقيته، فما دخل التصوف والتذوق، إلى آخر المصطلحات الصوفية التي أطلقها المخالف على شيخ الإسلام ابن تيمية فرحا بها والله لا يحب الفرحين.
أما بقية كلام ابن تيمية الذي لم نقله المخالف هو: "واما إذا حصل فى ذلك غلو من جنس غلو النصارى، باشراك بعض المخلوقات فى شىء من الربوبية، كان ذلك مردودا غير مقبول".[3]
وهو ما حصل من المتصوفة في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهم في ذلك قصب السبق مثل قولهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصل الكائنات ومن نوره خلقت، وسجود الملائكة لم يكن لآدم وإنما لأجل نوره الذي ظهر في جبين آدم إلى غير ذلك مما بسطنا القول فيه في بحث مستقل عن عقائد الصوفية.
يقول الدكتور زكي مبارك وهو من دارسي التصوف وبالخصوص الأدب الصوفي، ومما قال له في ذلك: "وقول البوصيري:
دع ما أدعته النصارى في نبيهم وأحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فيه انحراف عن هذه النظرية، لأن ما ادعته النصارى لعيسى عين ما ادعته الصوفية لمحمد، فعيسى عند النصارى رب ولكن له أب هو رب الأرباب! وكذلك محمد عند الصوفية رب له أصل هو الذات الأحدية".[4]
ثم يبين الدكتور مبارك رحمه الله كيف أن الصوفية قلدوا النصارى في تأليه عيسى فألهوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إلى هنا عرف القاريء كيف نشأ الإغراق في مدح الرسول، فهو قائم على أساس القول بوحدة الوجود، وقد صح عندي بعد التأمل الذي دام بضع سنين، أن الصوفية أرادوا أن ينتهبوا شخصية المسيح ليضفوا ثوبها على نبي الإسلام، فإذا كان المسيح ابن الله كما يزعم النصارى، فمحمد أرفع من ذلك لأن محمدا يقدر على كل شيء، وهو أصل الوجود ولولاه لما ظهر عن الله شيء".[5]
قال مقيده عفا الله عنه: فهذا هو الفرق بيننا وبين الصوفية في النظر إلى نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فتنبه! 


[1]) مجموع الفتاوى (11/97).

[2]) مجموع الفتاوى (11/96 ).

[3]) مجموع الفتاوى (11/98).

[4]) التصوف الإسلامي (1/274).

[5]) المصدر السابق (1/279).


عدد مرات القراءة:
912
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :