آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 07:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

خروج من القبر ..

قال المخالف: (رُؤية الموتى يخرجون بأبدانهم من قُبورهم، يقعدون في قبورهم، رُؤية أثر العذاب عليهم، أُمور برزخية تظهر في عالم الشهادة ...نعم ... لم يتفرد الصوفية بذلك).
ثم ساق من كلام ابن تيمية ما نصه: "واذا عرف أن النائم يكون نائما وتقعد روحه، وتقوم وتمشى وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالا وأمورا بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب، مع أن جسده مضطجع وعينيه مغمضة وفمه مطبق، ويتكلم ويصيح لقوة الأمر فى باطنه، كان هذا مما يعتبر به أمر الميت فى قبره، فإن روحه تقعد وتَجلس وتُسأل وتُنعم وتُعذب وتصيح، وذلك متصل ببدنه مع كونه مضطجعا فى قبره، وقد يقوى الأمر حتى يظهر ذلك فى بدنه، وقد يُرى خارجا من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه ويمشى ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين فى قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب ومن يقعد بدنه أيضا إذا قوى الأمر، لكن هذا ليس لازما فى حق كل ميت، كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس لازما لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر".[1]
رد الشبهة
في كلام ابن تيمية أمور:
أولا: قعود الميت في قبره.
قعود الميت في قبره ورد في السنة الصحيحة أحاديث تثبت ذلك منها:
حديث أنس t عن النبي r قال: (العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له …الحديث).[2]
وحديث البراء بن عازب t عن النبي r قال: (إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله …الحديث).[3]
ثانيا: خروج الميت من قبره وسماع صوته ورؤيته.
أما رؤية الميت خارج قبره، فليس هو شأن صوفي كما زعم المخالف، فقد وردت عدة روايات في ذلك لا تخلوا من مقال قبل أن تعرف الصوفية في المسلمين العرب، وهو ما اعتمده ابن تيمية ، وإن كان ابن تيمية نفسه ذهب إلى أن هذا الخارج قد يكون جنيا كما سيأتي، وأقول:
الروايات في هذا الباب أكثر من رواها ابن أبي الدنيا في كتابه (من عاش بعد الموت)، واللالكائي في (اعتقاد أهل السنة:
"فعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: خرجت مرة لسفر، فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجج نارا في عنقه سلسلة من نار، ومعي أداوة من ماء، فلما رآني قال: يا عبد الله إسقني! قال: فقلت عرفني ودعاني باسمي، أو كلمة تقولها العرب: (يا عبد الله) إذ خرج على أثره رجل من القبر، فقال: يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة فاجتذبه وأدخله القبر، قال: ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانب بيتها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بول وما بول شن وما شن! فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: هذا كان زوجا لي وكان إذا بال لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفَاجّ[4] فكان يأبى، فهو ينادي منذ يوم مات: بول وما بول. قلت: فما الشن؟ قالت: جاءه رجل عطشان، فقال: أسقني! فقال: دونك الشن فإذا ليس فيه شيء فخر الرجل ميتا، فهو ينادي منذ يوم مات شن وما شن. فلما قدمت على رسول الله r أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده".[5]
وهي قصة فيها مقال، فقد رواها عن سالم عن أبيه بنحو ما سبق ابن عبدالبر في التمهيد، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة[6].
قال ابن عبدالبر بعد أن أورد القصة في التمهيد بسنده عن ابن أبي الدنيا: "هذا الحديث ليس له إسناد ورواته مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به ولكن للاعتبار، وما لم يكن فيه حكم فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء والله المستعان".[7]
وذكر الذهبي عن ابن عمر t بنحو ما سبق مختصرا براو متروك ووافقه ابن حجر.[8]
ثالثا: ختم ابن تيمية كلامه بقوله:
"لكن هذا ليس لازما فى حق كل ميت! كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس لازما لكل نائم! بل هو بحسب قوة الأمر!".
وفي هذا تنبيه للمعترض ذهل عنه؟ وفيه يقرر ابن تيمية أن من تألّف هذا الأمر، فإنه من فعل الشيطان وأكثر من تعلق به الصوفية، وربما يكون هذا تناقضا أو رجوعا من ابن تيمية، أو يكون مدسوسا عليه لورود ما يخالفه من قوله في مواطن، قال رحمه الله:
"فرؤيا الأنبياء في المنام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته، وبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، وبعضهم يقول: هي رفيقه وكثير من هؤلاء يُرى يقوم من مكانه ويدع في مكانه صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول: يُرى في مكانين ويُرى واقفا بعرفات، وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين، والصادقون قد رأوا ذلك عيانا لا يشكون فيه، ولهذا يقع النزاع كثيرا بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك المرئي كان جنيا تمثل بصورة الإنسان، والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير".[9]
وقال أيضا: "وقد يرى القبر انشق وخرج منه صورة إنسان، فيظن أن الميت نفسه خرج من قبره، أو أن روحه تجسدت وخرجت من القبر، وإنما ذلك جني تصور في صورته ليضل ذلك الرائي، فإن الروح ليست مما تكون تحت التراب وينشق عنها التراب، فإنها وإن كانت قد تتصل بالبدن فلا يحتاج في ذلك إلى شق التراب، والبدن لم ينشق عنه التراب وإنما ذلك تخييل من الشيطان وقد جرى مثل هذا لكثير من المنتسبين إلى المسلمين وأهل الكتاب والمشركين، ويظن كثير من الناس أن هذا من كرامات عباد الله الصالحين، ويكون من إضلال الشياطين، كما قد بسط الكلام في هذا الباب في غير هذا الكتاب مثل الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وغير ذلك".[10] 


[1]) مجموع الفتاوى (5/525).

[2]) البخاري (الجنائز ح 1328)، ومسلم (الجنة ح 2870).

[3]) البخاري (الجنائز ح 1369).

[4]) التفاج: المبالغة في تفريج ما بين الرجلين،  وهو من الفج الطريق. انظر النهاية في غريب الحديث (3/412).

[5]) من عاش بعد الموت (ص 32) حدثنا عبد الله قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكي قال حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي عن كلثوم بن جوشن القشيري عن يحيى المدني به..).

[6]) أخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (6/1141 رقم 2149، ) أنا محمد بن عبدالله القاسم قال نا إبراهيم بن عبدالرزاق بن الحسن قال نا محمد بن إبراهيم بن الصوري قال نا الفريابي قال نا السري ابن يحيى.

[7]) التمهيد (20/10).

[8]) ميزان الإعتدال (2/331) ، لسان الميزان (3/204).

[9]) الجواب الصحيح (2/326).

[10]) الجواب الصحيح (3/348).


عدد مرات القراءة:
742
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :