آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 07:01:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الفناء ..

قال المخالف: (تعلّق ابن تيمية بالصوفية المقدسين لديه جعله يُترجم ما يُسمى عند كثير من متطرفي اليوم الخزعبلات فنراه يتكلم في الشطحات والفناء والسوى وغيره من المصطلحات الصوفية بكلام لم يُسبق اليه ممن خاض في هذا الفن فناء عن عبادة السوى. كلمات يفسّرها ابن تيمية بكلام راقي غاية في الذوق)
ثم ساق من كلام ابن تيمية ما نصه: "والمعنى الذى يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن وجود السوى. فالأول: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذى أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو تحقيق لا إله إلا الله فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى فى قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل فى هذا التوحيد كان أفضل عند الله".[1]
رد الشبهة
سبق وذكرنا في المقدمة أن لدى المخالف أربعة مشاكل عويصة: مشكلة الفهم، ومشكلة التعالم، ومشكلة بتر النصوص، وأعظم من ذلك كله جعله بفهمه القاصر التصوف أصل والكتاب والسنة فرع.
فالمخالف اقتصر على ذكر النوع الأول من الفناء وأعرض عن ذكر النوعين الآخرين، لطعنه في بعض أقطاب التصوف المُعَظَمين عند الصوفية وهو منهم.
والنوع الذي اقتصر المخالف عليه ليس له تعلق بالتصوف وأهله، وإنما هم أهل الثاني والثالث، لأن الأول هو فناء النبيين وأتباعهم وفيه قال ابن تيمية:
"هذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه، وطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له، وهو الحنيفية ملة إبراهيم ويدخل فى هذا أن يفنى عن إتباع هواه بطاعة الله، فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطى إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الدينى الشرعى الذى بعث الله به رسله وأنزل به كتبه".[2]
فهل الصوفية موحدون؟ أم قبوريون متعلقون بالصالحين ومشاهدهم وأضرحتهم يصرخون بهم إلى الله ويستغيثون؟. وهم عند ابن تيمية ليسوا موحدين كما في كلامه الآتي.
قال رحمه الله:
"والثانى: أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذى يسميه كثير من الصوفية حال الإصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شىء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو الذى أرسل الرسل، وأنزل الكتب وأمر بطاعته وطاعة رسله ونهى عن معصيته ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقا وأمرا، كان أتم معرفة وشهودا وإيمانا وتحقيقا من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة فى الجمع والكثرة فى الوحدة وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا، كان معذورا للعجز لا محمودا على النقص والجهل. والثالث: الفناء عن وجود السوى وهو قول الملاحدة أهل الوحدة، كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون: وجود الخالق هو وجود المخلوق، وماثم غير ولا سوى فى نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفرا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام".[3]
وقال ابن تيمية عن أهل النوع الثاني في موطن آخر:
"وأما الثانى: وهو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذى يعرض لكثير من السالكين كما يحكى عن أبى يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه فى الماء، فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني، فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات، إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين، ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء فى توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر، وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهى، وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا".[4]
قال مقيده عفا الله عنه: ولو أردت الإستفاضة في بيان أن الصوفية هم من النوع الثاني عند ابن تيمية لخرجنا عن المقصود في الإبانة، وفيما ذكرنا كفاية واللبيب تكفيه الإشارة.


[1]) مجموع الفتاوى (2/369).

[2]) مجموع الفتاوى (2/314).

[3]) مجموع الفتاوى (2/370).

[4]) مجموع الفتاوى (2/313).


عدد مرات القراءة:
665
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :