آخر تحديث للموقع :

الخميس 4 رجب 1444هـ الموافق:26 يناير 2023م 10:01:54 بتوقيت مكة

جديد الموقع

موقف علماء الحنفية من عقيدة الشيعة في القرآن الكريم ومصحف فاطمة ..
الكاتب : عبدالرحمن محمد شاه ..

موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة في القرآن الكريم ..

 
وفيه تمهيد وثلاثة فصول:
تمهيد: مجمل اعتقاد أهل السنة في القرآن الكريم.
 
الفصل الأول: موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة في نصوص القرآن الكريم.
 
الفصل الثاني: موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة في معاني القرآن الكريم.
 
الفصل الثالث: مصحف فاطمة عند الرافضة وعقيدتهم فيه، وموقف علماء الحنفية منه.
 
تمهيد: مجمل اعتقاد أهل السنة في القرآن الكريم.
فإن القرآن الكريم هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، وهو مصدر العز والكرامة والتمكين، وهو الهداية للبشرية جمعاء إنسهم وجنهم، كيف لا وهو كلام رب العالمين وخالق السماوات والأرضين، أنزله الله بواسطة أمين السماء إلى أمين الأرض، ووعد بالحفاظ عليه من كيد الكائدين وتحريف المحرفين وعبث العابثين، فقال أ: ﭼ [الحجر: ٩] .
         ولذا فإن المسلمين أولوه اهتمامهم البالغ وعنايتهم الفائقة وأنزلوه المنزلة اللائقة به بحيث لم يحظ أي كتاب سماوي بمثل ما حظي به القرآن الكريم.
         وسأشير في هذا المقام باختصار إلى مجمل اعتقاد أهل السنة تجاه هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
         ويتجلى ذلك في النقاط التالية:
         أولاً: معنى القرآن الكريم.
         ثانياً: مكانة القرآن الكريم الجليلة ومنزلته العظيمة.
         ثالثاً: إبراز نماذج من جهود المسلمين في خدمة هذا الكتاب العزيز.
وإلى بيان هذه النقاط بإيجاز: 

أولاً: معنى القرآن لغة واصطلاحاً:
سبق وأن عرّفنا أن القرآن مشتق من القراءة أي مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا([1]) وهو بمعنى التلاوة والبيان، فهو متلو ومقروء على الألسنة.
وقيل إنه مصدر من القراءة، أو القرء بالهمز ودون الهمز(القري)، بمعنى الجمع، يقال: (قرأت الشيء قرآناً: جمعته وضممت بعضه إلى بعض...)([2]).
وسمي القرآن (قرآناً)؛ لأنه يجمع السور والآيات فيضم بعضها إلى بعضها، وقيل: لأنه جمع العلوم كلها من الأمر والنهي والوعد والوعيد، والقصص،وقيل لأنه جمع ثمرة الكتب المنزلة كلها([3]).
وتقدم أنه لا منافاة بين المعنيين؛ فإن القرآن الكريم كلام الله متلو ومقروء بالألسنة، ومضمومة آياته وسوره بعضها إلى بعض، وهو يحوي ثمرات الكتب السماوية المنزلة، كما أنه جامع للعلوم المتنوعة المختلفة([4]).
أما في الاصطلاح فتقدم أن عبارات أهل العلم في ذلك متنوعة من باب التنوع في العبارات والتفنّن في الدلالات، وملخصها: أن القرآن هو كتاب الله ﻷ وكلامه سبحانه بألفاظه وحروفه ومعانيه، أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، منه بدأ وإليه يعود، الموجود بين دفتي المصحف والمنقول إلينا نقلاً متواترا من غير زيادة ولا نقصان([5])

ثانياً: مكانة القرآن الكريم الجليلة ومنزلته العظيمة:
فإن القرآن الكريم هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء ولا يملّه الأتقياء، لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي ثماره، من علِم علمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل وأُجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه قصمه الله وحشره يوم القيامة أعمى، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، ومن تعرض له بطعن أذلّه الله.
وبالجملة فإن فضائله جمة ومناقبه غزيرة لا تكاد تحصى ولا تعد، ولكني سأشير إلى بعض منها:
أ/ إنه كلام رب العالمين، فهي صفة من صفاته العليا، ففضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وكفى بذلك فضلا وشرفا، وقد دلت على ذلك نصوص الشرع وإجماع أهل العلم([6]).
وأكتفي بذكر دليل واحد على ذلك، قال الله تعالى: ﭽ ﭼ [التوبة: ٦] فالآية صريحة في أن القرآن كلام الله بحيث لا تحتاج إلى أدنى تأمل([7]).
كما أجمع أهل العلم أيضاً في سائر الأقطار والأمصار على أن القول بخلق القرآن كفر؛ وذلك لأن صفاته تعالى غير مخلوقة، ومن صفاته صفة الكلام والتي منها القرآن الكريم.
وقد استدل أهل العلم على تقرير هذا الأصل بأدلة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين وأدلة من العقل والفطرة([8]) ولا يسع هذا المقام لذكرها، وأذكر منها (ما أخبر الله تعالى في كتابه عن زعيم هؤلاء -أي القائلين بخلق القرآن- الأكبر وإمامهم الأكفر الذي ادعى أنه مخلوق، وهو الوحيد واسمه الوليد بن المغيرة، فأخبر الله عن الكافر دعواه فيه، ثم أنكر عليه دعواه وردها عليه، ووعده النار أن ادّعى أن قولَ الله قولُ البشر...قال الله تعالى: ﭽ ﭼ [المدثر: ١١] إلى قوله: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [المدثر: 22- ٢٦] يعني أنه ليس بقول البشر كما ادّعى الوليد، ولكنه قول الله ﻷ )([9]).
            ب/ ومما يدل على عظم مكانة القرآن الكريم هو أن الله ﻷ تولى حفظه بنفسه الكريمة فقال تعالى: ﭽ ﭼ [الحجر: ٩].
قال الإمام الطبري رحمه الله: في تفسير هذه الآية: (أي: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه)([10]).
         وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل)([11]).
            وهذا بخلاف الكتب المتقدمة فإن الله ﻷ لم يتولّ حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فوقع فيها التحريف والتبديل ([12]) وكفى بذلك فضلا وشرفا للقرآن الكريم.
            ج/ إنها معجزة خالدة بليغة تحدى الله بها العرب فعجزوا أن يأتوا بمثلها أو بشيء منها، فكان التحدي أولاً بأن يأتوا بكتاب مثله، كما قال أ: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [الإسراء: ٨٨] فلما عجزوا عن ذلك تحداهم بأن يأتوا بعشر سور منه، فقال: ﭽ ﭑ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ [هود: ١٣]، فعجزوا أيضاً، فتحداهم الله ﻷ ثالثاً بأن يأتوا ولو بسورة منه، فقال أ: ﭽ ﭼ [البقرة: ٢٣] فعجزوا أيضاً([13]).
            قال ابن كثير رحمه الله: ( فأخبر الله في هذه الآيات الكريمات خبرا جازما أن هذا القرآن لا يُعارَض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى)([14]).
            د/ ومما يدل على عظيم مكانة القرآن أنه أول مصدر التلقي للمسلمين، قال الله تعالى: ﭽ ﭼ [الأنعام: ٣٨].
          وقال ﻷ: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [الإسراء: ٩].
وقال: ﭽ ﭽ ﭿ ﭼ [المائدة: ١٥].
            وقال : ﮊ ﮋ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [المائدة: ١٦].
            وقال ﻷ: ﭽ ﭪ ﭫﭼ [الأعراف: ٣].
 وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على مصدرية القرآن ومرجعيته الدائمة في أمور الحياة والآخرة كما تربط الفوز والسعادة فيهما على التمسك والأخذ به.
         و/ ومن فضائل القرآن الكريم: الحصول على الأجر الجزيل والثواب العظيم لصاحبه، كيف لا، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وقد تضافرت النصوص على ذلك ومنها:
         * قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)([15]) .
         * وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)([16]).
         * وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)([17]).
         * وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ، ورتِّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)([18]).
         وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل على شرف القرآن الكريم وعظيم منزلته عند الله تعالى([19]).
         ولأجل هذه الفضائل العظيمة فقد كان للعناية بالقرآن الكريم وعلومه أكبر الحظ وأوفر النصيب لدى المسلمين، فقاموا بجهود جبارة ومساعي مشكورة تجاهه، وهذا ما سيكون الحديث عنه في الفقرة التالية.
 
 

ثالثاً: إبراز نماذج من جهود المسلمين في خدمة هذا الكتاب العزيز.
         لقد حظي القرآن الكريم بعظيم العناية وكبير الجهد من المسلمين في الحفاظ عليه وعلى التضلع من علومه المباركة بحيث لم يحظ أي كتاب سماوي أو أرضي بمثل هذه العناية والاهتمام مصداقا لقول الله ﻷ: ﭽﮗ ﭼ [الحجر: ٩].
         ومن حفظ الله لكتابه العزيز إنزاله بواسطة أمين السماء إلى أمين الأرض الذي عرف بأمانته حتى قبل بعثته وشهد بذلك أعداءه قبل مواليه، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبذل كل ما في وسعه ويصرف كل اهتمامه بهذا الكتاب العظيم، فكان يتابع جبريل عليه السلام حين يلقي الوحي عليه وحين يعارضه القرآن، وفي السنة التي انتقل فيها إلى الرفيق الأعلى عارضة مرتين([20]).
وكان من عظيم عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم به أنه كان يتابع جبريل عليه السلام بكل دقة حين إلقائه القرآن عليه، وفي بعض الأحيان كان ينتهي من قراءته قبل انتهاء جبريل عليه السلام منه، وذلك حرصاً منه على حفظ القرآن الكريم وخوفاً من انفلاته ونسيانه، إلى أن خاطبه الله بقوله: ﭽ ﯼ ﯽ ﯿ ﰉ ﰊ ﭼ [القيامة: 16- ١٩] وسلاّه بقوله: ﭽ ﭼ [الأعلى: 6- ٧]([21]).
         ومن شديد عنايته صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الكريم أيضاً أنه أمر بكتابته واتخذ لذلك كُتاباً من أمناء الأرض وهم الصحابة ش بما فيهم الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية ابن أبي سفيان ش، فكان إذا نزلت عليه آية أو سورة أرشدهم إلى كتابتها مع ذكر موضعها في القرآن الكريم، وكانوا يمتثلون أمره فيكتبون ذلك بحسب ما تيسر لهم من أدوات الكتابة آنذاك([22]).
         وكان من عظيم عنايته صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الكتاب أيضاً أنه كان يحفظّه الصحابة ويعلّمه إياهم، فكثر منهم حفاظ القرآن الكريم كل بحسب ما تيسر له، فضمن ذلك حفظ القرآن في الصدور وكتابته في السطور.
         أما اهتمام الصحابة ش بالقرآن الكريم فكان امتدادا لما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتجلى هذا الاهتمام في أمور عديدة، ومنها:
         تلقيهم القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشافهة لفظا ومعنى، وجهدهم الجهيد في حفظه وفهمه والعمل به، وبسبب ذلك فقد كان من الصحابة حفاظ كثيرون وفقهاء ومفسرون([23]).
         ولشدة حرصهم على القرآن الكريم فإنهم لم يكتفوا بحفظه في الصدور بل أضافوا إلى ذلك كتابته في السطور بحسب ما تيسر لهم من أدوات الكتابة آنذاك.
       وقد كان جمع الصديق وذي النورين للقرآن الكريم أصرح دليل على عظيم عنايتهم وشديد اهتمامهم بالقرآن الكريم، فجمعه الصديق بعد أن كان مفرّقاً في أدوات الكتابة وصدور الرجال؛ حرصاً منه على حمايته وخوفاً عليه من ضياعه وانفلاته، وذلك حين استحرّ القتل بالقراء في بعض المعارك والحروب([24]).
       أما عثمان رضي الله عنه فإنه جمعهم على مصحف واحد وذلك بعد أن اشتد الخلاف بين الناس في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان، فكان البعض منهم يصوّب قراءته ويخطّئ قراءة الآخر بسبب اختلاف لهجاتهم، فأشار بعض الصحابة ش على عثمان رضي الله عنه بجمع الناس على قراءة واحدة خوفا من التفرق والتشتت، ففعل رضي الله عنه ذلك، وبه ارتفع الخلاف والتنازع، واجتمع الناس على مصحف واحد وهو المصحف الأم وهو ما سمي بمصحف عثمان ط([25]).
       وكل هذا يؤكّد لنا أنهم كانوا يسهرون على القرآن الكريم وعلى حمايته من أي شيء يكّدر صفوه ويحطّ من شأنه.
       ولم يكتف الصحابة ش بمجرد حفظ القرآن وتلاوته بل تعلموا تفسيره وفهموا مراده وتضلّعوا من علومه، ولذلك فقد برع منهم كثيرون في هذا الجانب كعبد الله بن عباس -حبر الأمة وترجمان القرآن-، وكذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وآخرون ش ([26]).
       كما كانوا رضوان الله عليهم حريصين على إقراء الناس وتعليمهم تفسيره ومراده، ولذلك فقد تخرج على أيديهم أئمة جهابذة من التابعين في حفظ القرآن وتفسيره([27]).
       وهكذا تخرّج على أيدي هؤلاء الأئمة من التابعين أئمة أعلام في تفسير القرآن الكريم وتوضيح مراده والذب عن حرمته ومكانته، وهكذا استمرت هذه السلسلة المباركة وإلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها([28]).
         هذا وقد اهتم العلماء -إضافة إلى ما تقدم- بعلوم القرآن الكريم([29])وتوضيح غريبه([30]) وعلوم قراءته([31]) فأنشأت لذلك حلقات ومدارس وألفت فيها العديد من المؤلفات القيمة والكتب الذهبية.
         وبالجملة: فإن اهتمام الأمة بالقرآن الكريم فوق التصور والوصف؛ حيث أصبحت الأمور الدقيقة منه مخدومة بمؤلفات غزيرة نافعة، فأصبحت هنالك مؤلفات في (أقسام القرآن، وأمثال القرآن، وبدائع القرآن، ورسم القرآن، وما أشبهها مما يدهشك تصوره -بَلْه الاطلاع عليه-، ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم، ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر وتزيد، بينما الزمان يفنى والعالم يبيد! أليس هذا إعجازا آخر للقرآن يريك إلى أيّ حدٍّ بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل؟! ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه)([32]).
         ولا ينسى المنصف ما تقوم به المملكة العربية السعودية -حرسها الله من كل مكروه- من خدمات عظيمة وجهود جبارة تجاه هذا الكتاب الكريم، والتي تتمثل في مدارس وجمعيات ومسابقات لتحفيظ القرآن الكريم، كما أنشأت في بعض جامعاتها كليات خاصة لدراسة علومه وفنونه ومنها كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
         وتتمثل كذلك في إنشاء مجمع الملك فهد يرحمه الله لطباعة المصحف الشريف، حيث يقوم المجمع تحت إشراف لجنة من كبار العلماء والمتخصصين في علوم القرآن والقراءات، وتحت مراقبة فنيين مهرة لضمان خروج المصحف سالماً من أي خطأ أو زلل، ومن ثم تتولى توزيعه في جميع أقطار المعمورة، كما يقوم المجمع أيضا بترجمة معانيه إلى لغات كثيرة لتعم الاستفادة وينتشر الخير...إلى غير ذلك من الخدمات الجليلة التي يتولاها هذا الصرح الشامخ تحت رعاية كريمة من رجال هذه الدولة المباركة([33]).
         فهذه هي النظرة العابرة لبعض جهود المسلمين تجاه هذا الكتاب العظيم والتي يستحيل معها ما زعمته الرافضة الزنادقة من وقوع الزيادة والنقصان فيه، وهذا ما سيكون الحديث حوله في الفصل القادم بإذن الله تعالى.                   
 
الفصل الأول
موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة
في نصوص القرآن الكريم.
 
وفيه مبحثان:
 
المبحث الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم،
 وموقف علماء الحنفية منه.
 
المبحث الثاني: أنواع التحريف المزعوم
 عند الرافضة في القرآن الكريم،
 وموقف علماء الحنفية منها. 
 
المبحث الأول
إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم، وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم.

مدخل:
القول بتحريف القرآن الكريم هو من لوازم عقيدة الإمامة والطعن في الصحابة ش حيث إن الصحابة في نظر الرافضة غصبوا آل محمد حقهم في الإمامة ولذلك طعنوا فيهم بأقبح أنواع الطعون، والطعن فيهم أدى بهم إلى الطعن في القرآن الكريم لأنهم حملته ونقلته؛ إذ الطعن في الناقل طعن في المنقول، ولذلك جاء ترتيب هذا الباب إثر باب الإمامة والصحابة.
وفي نظري القاصر فإن جذور عقيدة التحريف ترجع إلى مقالات عبد الله ابن سبأ حيث ورد في رسالة (الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية / ما يشير إلى أن السبئيين قد بدأوا في إشاعة مثل هذه المقالات فكانوا يقولون: هُدينا لوحي ضلّ عنه الناس، وأن نبيّ الله كتم تسعة أعشار القرآن)([34]).
وذكر الجوزجاني([35]) في كتابه الشهير (أحوال الرجال) أن ابن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند عليّ)([36]).
فيظهر من النص الأول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلّغ كامل القرآن إلى جميع الناس –والعياذ بالله- لأنه كتم تسعة أعشاره.
بينما النص الثاني يبين لنا مصير ذلك القرآن الكامل فيقول بأنه كان عند علي ط، وهذا النص يذكّر القارئ بتلك الروايات التي تداولتها كتب الرافضة من أن القرآن الكامل كان عند علي ط، ولكن الصحابة لم يقبلوا منه ذلك، فأبقاه عنده ثم توارثه الأئمة من أولاده إلى أن صار بيد الإمام الثاني عشر الموهوم.
وسنعرض في هذا المبحث هذه العقيدة عند الرافضة، مع بيان رد علماء الحنفية عليهم فيها.

المطلب الأول: إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم.
إن من أبرز أصول الرافضة الاعتقادية زعمهم أن القرآن الكريم الموجود المتداول بين المسلمين ليس هو القرآن الذي أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو محرف ومبدل، ومزاد فيه ومحذوف منه شيء كثير.
وقد نسب هؤلاء الزنادقة هذا العمل الشنيع إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذبا وزورا، بناء على زعمهم الكاذب أن أولئك قد غصبوا آل محمد حقهم في الإمامة، فقالوا عنهم إنهم حذفوا كل الآيات التي نزلت في فضائل آل البيت وحقوقهم، والآيات التي نزلت في مثالب الصحابة بأسمائهم وأعيانهم، وآيات أخر كثيرة حذفوها وأسقطوها من القرآن الكريم، بل وحذفوا بعض السور بأكملها كسورة الولاية وسورة النورين المزعومتين، حتى لم يبق من القرآن إلا ثلثه، وزعموا أنهم زادوا في القرآن ما ليس منه.
وزعموا في مقابل ذلك أن القرآن الذي أنزله الله تعالى، والذي سلّمه من التحريف والتبديل هو موجود عند إمامهم الغائب الموهوم الذي لا وجود له، وأن ذلك القرآن جمعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلال ستة أشهر، وجاء به بعد أن جمعه إلى الصحابة ش فلم يقبلوه منه، لأن فيه ما يفضحهم ويهتك أستارهم، فقال لهم علي رضي الله عنه لن تروه بعد يومكم هذا إلى أن يخرج قائم آل محمد، فبقي مخفياً عنده، ولم يظهره بعد ذلك حتى في وقت خلافته وقوته وشوكته، وقد توارثه الأئمة من آل محمد إلى أن بقي عند الإمام الثاني عشر الموهوم -كما زعموا- إلى غير ذلك من الأكاذيب التي شحنوا بها كتبهم وسودوا بها أوراقهم.
وقد صبغوا هذه الأكاذيب بصبغة العصمة والقداسة، وذلك بنسبتها إلى الأئمة الذين يعتقدون عصمتهم وهم منهم براء، فرووا هذه الأكاذيب على ألسنتهم كذباً وزوراً ليلبسوا بها على عقول البلهاء والغفلة وضعاف الإيمان.
وهي محاولة ظاهرة كالشمس في رائعة النهار لهدم دين الإسلام، ونصرة دين المجوس الذي أطفأه الله بأنوار الإسلام على أيدي خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين،ﭽﮄ ﮊ ﮋ ﮎ ﭼ [الصف: ٨].
فهذه هي عقيدة الرافضة في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهم مجمعون على هذه العقيدة قديما وحديثا، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا أفراد على عدد الأصابع تظاهروا بإنكار التحريف تقيةً ونفاقاً جرياً على عادتهم وطريقتهم، وسيأتي إثبات ذلك في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.
وأبدأ الآن بذكر رواياتهم وأقوالهم التي توضح هذه الحقيقة وتثبتها، وسأكتفي بذكر أسماء بعضهم على سبيل التمثيل لا الحصر، فمنهم:
* سليم بن قيس الهلالي، وهو من أكابر العلماء عندهم، وكتابه هو العمدة في إثبات عقائدهم بل هو أبجدهم، وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن لم يكن عنده هذا الكتاب فهو محروم من خير كثير([37]) -كما صرحوا بذلك-، وأكتفي بذكر روايتين من هذا الكتاب:
الرواية الأولى: ما رواه بسنده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه مما دار بين علي والشيخين ومن معهما من الصحابة ش من أمر الخلافة، في خبر طويل فيه:
(فلما رأى غدرهم وقلة وفائهم له لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه...فلما جمعه كله وكتب تنزيله وتأويله والناسخ والمنسوخ، بعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه علي عليه السلام إني لمشغول، وقد آليتُ على نفسي يميناً ألاّ أرتدي رداءً إلا للصلاة حتى أؤلّف القرآن وأجمعه، فسكتوا عنه أياماً فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فنادى عليٌّ بأعلى صوته: أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مشغولاً بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله آية إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمني تأويلها،

ثم قال لهم علي: لئلا تقولوا غداً إنا كنا عن هذا غافلين...فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه)([38]).
الرواية الثانية: وهي أصرح من الأولى، ومما جاء في هذه الرواية ما نسبه إلى طلحة من محادثاته مع علي ب، حيث قال طلحة لعلي:(يا أبا الحسن شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلتَ: أيها الناس إني لم أزل مشغولاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغسله وتكفينه ودفنه، ثم شغلتُ بكتاب الله حتى جمعته لم يسقط منه حرف، فلم أر ذلك الذي كتبتَ وألّفتَ، ورأيتُ عمر بعث إليك حين استخلف أن ابعث به إليّ فأبيتَ أن تفعل فدعا عمر الناس، فإذا شهد رجلان على آية قرآن كتبها، وما لم يشهد عليه غير رجل واحد رماه ولم يكتبه، وقد قال عمر -وأنا أسمع-: قد قتل يوم اليمامة رجال كانوا يقرءون قرآنا لا يقرؤه غيرهم فذهب، وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكُتّاب عمر يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها، والكاتب يومئذ عثمان فما تقولون؟ وسمعتُ عمر وأصحابه الذين ألّفوا وكتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان: إن الأحزاب تعدل سورة البقرة، والنور ستون ومائة، والحجرات ستون آية، والحجر تسعون ومائة آية، فما هذا؟ وما الذي يمنعك يرحمك الله أن تخرج ما ألّفت للناس، وقد شهدتُ عثمان حين أخذ ما ألّف عمر فجمع له الكُتّاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، ومزق مصحف أُبيّ وابن مسعود وأحرقهما بالنار، فما هذا؟ فقال أمير المؤمنينعليه السلام يا طلحة، إن كل آية أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وآله عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وكل حلال وحرام، أو حدّ، أو حكم شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عندي حتى أرش الخدش...)([39]).
فهاتان الروايتان تفيدان بأن القرآن الكريم قد اعتراه التحريف وقد حذف منه شيء كثير، وأن القرآن السالم من التحريف بقي عند علي رضي الله عنه .
ومنهم:
* الفضل بن شاذان النيسابوري([40]) فقد صرّح بعقيدة التحريف فقال مبوّباً: (ذكر ما ذهب من القرآن) واستدل لذلك بما ظن أنه يؤيد هذه العقيدة الفاسدة، كالاستدلال ببعض الأخبار التي ثبتت عن طريق أهل السنة مما يدل على وقوع النسخ لبعض تلك الآيات من القرآن الكريم، والأخبار التي ليست في شيء مما ذهب إليه، وأخبار أخرى موضوعة.
وزعم أنه ألزم أهل السنة بالتحريف فقال: (ثم رويتم أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف كانا وضعا صحيفة فيها القرآن ليكتباها فجاءت شاة فأكلت الصحيفة التي فيها القرآن، فذهب من القرآن جميع ما كان في تلك الصحيفة)([41]).
وكذب هذا الزنديق أيضاً على أهل السنة بأنهم رووا أن سورة البينة كانت مثل سورة البقرة قبل أن يعتريها التحريف والحذف لما فيها من أسماء المنافقين -يقصد بذلك الصحابة-([42]).
ومنهم:
* محمد بن الحسن الصفّار، فقد عقد في كتابه بابا أسماه: (باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ساق تحته أخبار كثيرة صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم، ومن تلك الأخبار:
ما رواه بسنده عن أبي جعفر أنه قال: (ما يستطيع أحد أن يدّعي أنه جمع القرآن كله غير الأوصياء).
وروى أيضا بسنده عن سالم بن أبي سلمة قال: (قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤه الناس، فقال أبو عبد الله : مَهْ مَهْ، كُفَّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام فقرأ كتاب الله على حدّه وأخرج المصحف الذي كتبه عليٌّ عليه السلام...)([43]).
ومنهم:
* أبو نصر محمد بن مسعود العياشي([44])، فهو أيضاً من الذين أكثروا روايات التحريف في مؤلفاتهم، فقد ملأ كتابه التفسير بتلك الروايات المنسوبة إلى أئمتهم، والتي تصرح بتحريف القرآن، ومن ذلك:
ما رواه بسنده عن أبي عبد الله قال: (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين)([45]).
وما رواه بسنده عن إبراهيم بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا يحصى، يعرف ذلك الوصاة).
وروى أيضاً بسنده عن أبي جعفر قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن).
إلى غير ذلك من الأخبار التي هي صريحة في وقوع التحريف في القرآن([46]).
ومنهم:
* علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني، وقد أكثر في تفسيره من روايات التحريف، فشحنه بالروايات الصريحة الدالة على تحريف القرآن، كما صرح بنفسه بتحريف القرآن في مواضع عديدة، فقد قال في مقدمة تفسيره: (فالقرآن منه ناسخ ومنه منسوخ...ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما أنزل الله...) ثم شرع في تفصيل ذلك بذكر الأمثلة([47]).
ومنهم:
* محمد بن يعقوب الكليني، وهو من أكابر هؤلاء الزنادقة الذين تولوا كبر هذه الجريمة الشنعاء، فملأ كتابه الكافي -الذي هو أصح الكتب عندهم على الإطلاق- بروايات كثيرة صريحة دالة على تحريف القرآن الكريم بحيث لا تقبل أي تأويل، وسأورد بعض النماذج من كتابه، نظراً لمكانته العظيمة في قلوب الرافضة، ومن تلك النماذج:
ما رواه بسنده تحت باب (أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وأنهم يعلمون علمه كله) عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ما ادّعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده)([48]).
ومقصوده من هذه الرواية أن القرآن الذي جمعه الصحابة هو محرف؛ لأن القرآن الكامل ليس إلا عند علي رضي الله عنه وأولاده.
ومن الروايات التي رواها الكليني أيضاً ما رواه بسنده تحت باب(نكت من التنزيل في الولاية) عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: (نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في علي) بغياً...)([49]).
فكلمة (في علي) هي من وضع الرافضة وتحريفهم لكلام الله ؛ لأن الآية كما هي في المصحف العثماني: ﭽ ﭭ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ [البقرة: 90].
ومنها ما رواه بسنده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد عليه السلام سبعة عشر ألف آية)([50]).
والمعلوم أن عدد آيات القرآن هو: ستة آلاف ومائتان وبضعة وستون آية، فأين ذهب الباقي؟!
والذي تفيده هذه الرواية أن المدون في المصحف هو ثلث القرآن فقط!!
وغير ذلك من الروايات التي ملأ بها هذه الضال كتابه الذي يزعمون أنه أصح الكتب عندهم([51]).
ومنهم:
* أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي، فقد نص على وقوع التحريف في القرآن الكريم، حيث زعم أن أبا بكر وعثمان ب إنما قصدا من جمعهما للقرآن الكريم إسقاط الآيات التي تنصّ على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى لا يفسد عليهم أمرهم، وقد عدّ جمعهما للقرآن بدعة منهما حيث قال: (ومن بدعة أبي بكر أنه لما أراد أن يجمع ما تهيأ له من القرآن، صرخ مناديه في المدينة من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا نقبل من أحد منه شيئاً إلا بشاهدي عدل، وإنما أراد هذا الحال لئلا يقبلوا ما ألفه أمير المؤمنين عليه السلام؛ إذ كان ألّف في ذلك الوقت جميع القرآن بتمامه وكماله، من ابتدائه إلى خاتمته على نسق تنزيله، فلم يقبل منه ذلك خوفاً أن يظهر فيه ما يفسد عليهم أمرهم، فلذلك قالوا: لا نقبل القرآن من أحد إلا بشاهدي عدل...)([52]).
وقال في حق عثمان رضي الله عنه وما قام به من جمعه للقرآن: (ومن بدع عثمان: أنه جمع ما كان عند الناس من صحف القرآن فلم يترك عند أحد صحيفة فيها شيء من القرآن إلا أخذها منه...ثم عمد إلى الصحف فألف منها هذا المصحف الذي في أيدي الناس...فقد قصد إلى إبطال بعض كتاب الله، وتعطيل بعض شريعته، ومن قصد إلى ذلك فقد حق عليه قوله تعالى: ﭽ ﭸ ﭺ ﭻ ﭼ ﭿ ﭼ [البقرة: ٨٥] إلى آخر ما شطح به هذا الضال من الهراء والبهتان([53]).
ومنهم:
* أبو عبد الله محمد بن النعمان، الملقب بالمفيد، فقد صرح بوقوع التحريف في القرآن الكريم، وادعى استفاضة الأخبار على ذلك، حيث قال في كتابه (أوائل المقالات) في باب(القول في تأليف القرآن وما ذكر قوم من الزيادة فيه والنقصان) (أقول: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان، فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخأأأخير المتقدم، ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه، وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه...)([54]).
وقال في موضع آخر: (واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا منه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله...)([55]).
ومنهم:
أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، وهو أيضاً من أكابر الذين نصّوا على التحريف، فقد أورد في كتابه (الاحتجاج) روايات كثيرة صريحة لإثبات ذلك، ومن تلك الروايات:
ما رواه أنه (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر فقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي عليه السلام وانصرف..)([56]).
وزعم هذا الأفّاك أيضاً أنه (جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم، ومن ذلك أنه تعالى شهّر هفوات الأنبياء وزلاّتهم كما في قوله: ﭽ ﮱ ﭼ [طه: ١٢١]، وكنى عن أسماء المجرمين ولم يظهرها كما في قوله: ﭽﮗ ﮨﮪ ﭼ [الفرقان: ٢٩-30]،
فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء؟
فأجابه علي عليه السلام بقوله: إن الكناية عن أصحاب الجرائم العظيمة من المنافقين في القرآن ليس من فعله تعالى، وإن ذلك من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الآخرة، وقد بين الله قصص المغيرين بقوله: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ( ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﭼ) [البقرة: ٧٩] إلى آخر ما افتراه هذا الأفاك الكذاب([57]).
ومما نسبه هذا الأفاك إلى علي رضي الله عنه قوله في جوابه على اعتراض أحد الزنادقة قوله: (ولو شرحتُ لك كلّ ما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء)([58]).
إلى غير ذلك من الأقوال الصريحة التي تجلي لنا موقف هذا الرافضي على أنه من القائلين بالتحريف.
ومنهم:
* الفيض الكاشاني، فقد صرح بوقوع التحريف في القرآن الكريم، ونقل أخبارا كثيرة دالة على ذلك من كتب أسلافه، حتى جعل عنوان إحدى مقدمات تفسيره حيث قال: (المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك)، ثم أورد تحت هذا العنوان روايات كثيرة في ذلك، ثم قال معلقاً على تلك الأخبار:
(أقول: المستفاد من مجمع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزله الله ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد صلى الله عليهم غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله...)([59]).
 
ومنهم:
* محمد بن الحسن الحرّ العاملي، فقد أورد في كتابه وسائل الشيعة أخبارا صريحة على وقوع التحريف والتبديل في القرآن الكريم من غير أن يتعرض لها بشيء من النقد، وذلك دليل على تقبله وتسليمه لتلك الروايات([60]).
ومنهم:
* محمد باقر المجلسي، وهو من أكابر الذين بذلوا كل ما في وسعهم لإثبات هذا القول وإظهاره، فقد ملأ كتبه بروايات التحريف المنسوبة إلى الأئمة، وصرح هو بنفسه بتحريف القرآن، بل شنع على من قال بخلافه، فنجده في كتابه (بحار الأنوار) نقل خبرا طويلاً ونسبه إلى علي ط، ومما جاء فيه:
(ومنه -أي من القرآن- ما هو باق، ومنه ما هو محرف عن جهته، ومنه ما هو على خلاف تنزيله).
وكذلك ذكر الخبر المنسوب إلى علي رضي الله عنه في احتجاجه على الزنديق، ومما فيه: (ولم يكَنِّ عن أسماء الأنبياء تجبّرا وتعزرا، بل تعريفا لأهل الاستبصار أن الكناية عن أسماء ذوي الجرائم العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وأنها من فعل المغيرين والمبدلين والذين جعلوا القرآن عضين...)([61]).
وفي كتابه (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول) صحح الخبر الذي رواه الكليني في الكافي بسنده عن عبد الله قال: (إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية)([62])، فقال معلّقاً على هذا الخبر:
 (فالخبر صحيح، ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيرا من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر)([63]).
وكذلك أورد في كتابه (تذكرة الأئمة) سورة النورين، وسورة الولاية -المزعومتين عندهم- وبعض الآيات التي زعموا أنها حذفت من القرآن الكريم([64]).
فهذا بعض ما ذكره هذا الرافضي الذي يلقبونه بشيخ الإسلام، وهو أحرى بأن يلقب بشيخ الضلال والعميان.
 

ومنهم:
* نعمة الله الموسوي الجزائري، فهو أيضاً من أكابر القائلين بتحريف القرآن الكريم فقد صرح بذلك في كتابه (الأنوار النعمانية) كما ذكر أن الأخبار متواترة في ذلك وأنهم مجمعون على صحتها.
فقال بعد أن أظهر إنكاره لتواتر القراءات: (الثالث: أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادةً وإعراباً، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها).
 إلى أن قال: (الخامس: أنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصيته صلى الله عليه وآله، فبقي بعد موته ستة أشهر مشغولاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فردوه...وقد أرسل عمر زمن تخلفه إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي ألّفه، وكان عليه السلام يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود، أو يخفيه عنده حتى يقول الناس إن القرآن هو هذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير، فلم يبعث له إليه، وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء، ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا؛ لِما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه...)([65]).
ومنهم:
* حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي، فهو من أكابر الذين رفعوا راية القول بتحريف القرآن من المتأخرين، وأظهر ذلك بكل جرأة ووقاحة، وبيّن أن ذلك هو قول الرافضة جميعهم كما يشهد بذلك كتابه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب).
 وقد استفرغ في كتابه هذا جهده ووسعه لإثبات هذا القول المشين، واستدل على ذلك بكل ما أملاه عليه هوى نفسه وزبالة عقله من شبه وخيالات.
كما أنه نقل في هذا الكتاب أقوال من تقدمه من أسلافه، وادعى أنه وردت عن الأئمة ما يزيد على ألفي رواية صريحة على وقوع التحريف في القرآن([66]).
وقد حاول الرافضة إخفاء هذا الكتاب عن الساحة لأنه يكشف ما هم عليه من التقية والنفاق وعداء لكتاب الله تعالى؛ ومن حاول المساس بهذا الكتاب العظيم ونال من مكانته فإنه بعيد عن الإسلام وإن تسمى به، وأنه يجب كشف عواره ليعرف المسلمون عداوته؛ لأنه يحارب الإسلام في أصله العظيم وركنه الركين، وقد أراد الله ذلك ففضحهم وهتك أستارهم، وذلك بظهور هذا الكتاب على الساحة.
ونظراً لأهمية هذا الكتاب في نفوس الرافضة وعظيم مكانة مؤلفه في أوساطهم، فإني سأقدم تقريرا موجزا عن هذا الكتاب ليعرف القارئ مدى الضلال والطغيان عندهم في حق كتاب الله ﻷ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
قسم هذا المفتري كتابه (فصل الخطاب) إلى ثلاث مقدمات وبابين:
 ففي المقدمة الأولى: تحدث عن الأخبار التي رواها أسلافه في جمع القرآن وجامعيه([67]).
وفي المقدمة الثانية: ذكر أقسام التحريف الممكن حصوله في القرآن وما لا يمكن حصوله فيه، فذكر أن التحريف الممكن حصوله في القرآن كالآتي:
نقصان السورة، ونقصان الآية، وزيادة الكلمة وتبديلها، وزيادة الحرف ونقصانه، وتبديله، وتبديل الحركات بعضها ببعض، والترتيب بين السور والآيات، وبين الكلمات، وحدود السور والآيات، فزعم أن هذه الأنواع من التحريف يمكن حصولها في القرآن الكريم ([68]).
وفي المقدمة الثالثة: وضح موقف علمائهم المتقدمين والمتأخرين من القرآن من حيث تحريفه وعدمه، وذكر أن لهم في ذلك قولين:
ثم ذكر بعض أسماء القائلين بالتحريف ونقل أقوالهم الصريحة في ذلك، وصرح بأنه لم يخالف في ذلك من المتقدمين إلا أربعة أشخاص، وهم: الصدوق، والمرتضى، والطوسي، وأبو علي الطبرسي، فقال: (ومن جميع ما ذكرنا ونقلنا بتتبعي القاصر يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين وانحصار المخالف فيهم بأشخاص معيّنين...)([69]).
وسيأتي أن موقف هؤلاء الأربعة مبني على مصالح لهم، كما قال نعمة الله الجزائري بعد أن أشار إلى موقفهم هذا: (والظاهر أن هذا القول إنما صدر عنهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف بها)([70]).
قلت: ومما يؤيد هذا القول أنه ورد عن هؤلاء ما يفيد موافقتهم لسائر علمائهم القائلين بالتحريف([71]).
وإضافة إلى ذلك فإن كثيرا من علمائهم المتأخرين نقدوا أقوال هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا بإنكار التحريف([72]).
وأما الباب الأول فقد ذكر فيه النوري ما تخيّل إليه من الشبه على إثبات التحريف في القرآن الكريم([73]).
وأما الباب الثاني فقد استعرض فيه أدلة القائلين بعدم التحريف وزعم أنه فندها([74]).
فهذا هو ملخص ما اشتمل عليه هذا الكتاب الذي قصد به مؤلفه تدمير كتاب الله ﻷ والنيل من قدسيته وعظيم مكانته.
فهؤلاء بعض من قال بتحريف القرآن من الرافضة من المتقدمين والمتأخرين، وتركت ذكر كثير من القائلين بالتحريف خشية الإطالة والإطناب.
وأما المعاصرون من الرافضة فموقف كثير منهم مبني على التقية، بينما البعض الآخر تغافل عن الموضوع وأغمض عينه عن ذكر هذه المسألة نهائياً؛ حتى لا تنكشف عورتهم أمام المسلمين([75]).
ولكن يأبى الله إلا أن يفضح من تلاعب بكتابه ونال من قداسته وعظيم مكانته، فأظهر موقفهم القائل بالتحريف على لسان بعضهم شعروا بذلك أو لم يشعروا، وقد حق عليهم قول الله تعالى في وصف المنافقين: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﭼ [البقرة: ٩].
فهذا إمامهم وزعيمهم روح الله الخميني مدعي الوحدة والإصلاح ينقل في مؤلفاته روايات التحريف والنيل من القرآن الكريم ولم يحرك لنقدها وإنكارها ساكنا، وسكوته يدل على تقبله لتلك الروايات، بل وليس ذلك فحسب؛ بل إنه اعتمد ووقّع على ما يسمونه بدعاء صنمي قريش وفيه تصريح بوقوع التحريف والتبديل في كتاب الله تعالى([76]).
ومن الروايات التي ذكرها الخميني في بعض مؤلفاته رواية الكليني بسنده عن أبي جعفر أنه قال: (ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء).
وعن جابر الجعفي قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده عليهم السلام)([77]).
هذا هو موقف زعيمهم الذي يدعو إلى الوحدة بين المسلمين وتوحيد صفوفهم تجاه القرآن الكريم، فماذا يقول المنصفون والمتحررون من سلاسل التقليد الأعمى والتعصب المذهبي من الشيعة حول هذه النظرية!!
وبعد: فهذه هي عقيدة الرافضة قديما وحديثا حول كتاب الله ﻷ الذي قال الله عنه: ﭽﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [فصلت:42].
 فهم مجمعون قديما وحديثا على أن القرآن الكريم محرف مبدل، وأن ذلك من ضروريات دينهم ولوازم مذهبهم([78]).
ولا عبرة بعد ذلك بقول من يتظاهر منهم بخلافه؛ لأنه نابع عن عقيدة الكذب الذي هو تسعة أعشار دينهم.
وبعد أن ذكرت مذهبهم وعقيدتهم هذه، أذكر موقف علماء الحنفية من تلك العقيدة الفاسدة السخيفة في المطلب القادم بإذن الله تعالى.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من إجماع الرافضة
 على القول بتحريف القرآن الكريم.
تقدم الكلام في المطلب الماضي على إثبات إجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن الكريم، والإشارة إلى حقيقة قول من تظاهر منهم بإنكار تلك العقيدة، وتبيّن أن إنكارهم مبني على التقية التي هي أكبر جزء دينهم، وفي هذا المطلب أذكر موقف علماء الحنفية من تلك العقيدة الخطيرة التي تعد أخطر محاولة للنيل من كتاب الله الذي هو مصدر المسلمين وعزهم وشرفهم.
حيث قام علماء الحنفية بالرد على هذه العقيدة الكفرية من جميع جوانبها، وقلعوها من جذورها وأساسها، ولذا فإني ألخص موقفهم هذا في سبعة وجوه، وهي:
الوجه الأول: إثباتهم لإجماع الرافضة على القول بتحريف القرآن، وإبانتهم لحقيقة من تظاهر منهم بإنكار هذه العقيدة.
الوجه الثاني: بيانهم للأسباب التي جعلت الرافضة تقول بتحريف القرآن الكريم.
الوجه الثالث: بيانهم للأمور التي تترتب على هذه العقيدة الخطيرة.
الوجه الرابع: جوابهم على أبرز شبهات الرافضة على هذه العقيدة الفاسدة.
الوجه الخامس: نقضهم لهذه العقيدة الخبيثة بآيات من كتاب الله العزيز.
الوجه السادس: نقضهم لهذه العقيدة بإجماع المسلمين.
الوجه السابع: إبرازهم لجهود الصحابة ش والتي يستحيل معها وقوع التحريف بأيّ نوع كان.
الوجه الثامن: تكفيرهم للرافضة بسبب هذه العقيدة المشينة.
وإلى بيان هذه الوجوه في الصفحات القادمة:
 
بيان الوجه الأول:
لقد بيّن علماء الحنفية أن الرافضة مجمعون على القول بتحريف القرآن الكريم، وأن من تظاهر منهم بخلاف ذلك فإن قوله محمول على التقية والتلبيس والخداع، وفيما يلي ذكر نماذج من تلك الأقوال:
* قال الشيخ شمس الدين ابن كمال باشاه / في رسالته المسمّاة (بيان الفرق الضالة) ما نصّه: (وكل الإمامية قالوا إنّ القرآن بُدّل، ولا يثقون بآياته)([79]).
* وقال الشيخ ميرزا مخدوم الحسني الحنفي رحمه الله: (ومن هفواتهم -أي الرافضة- المحنثة أنهم ذكروا في كتب حديثهم وكلامهم: أن عثمان رضي الله عنه نقّص عن آيات القرآن...).
ثم مثّل الشيخ على ذلك بنماذج من كتبهم([80]) يأتي ذكرها في محلّها.
* وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي رحمه الله:(قالت الاثنا عشرية من الإمامية: إن القرآن الموجود اليوم في أيدي المسلمين ليس كله كلام الله، بل زاد الناس فيه بعض الألفاظ، وليس هو كلام الله الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقي إلى حين توفي، بل أسقطوا منه -أي الصحابة- كثيرا من السور والآيات)، ثم استشهد الشيخ على إثبات هذا الأمر بروايات من كتب الرافضة ([81]).
 وقال في رسالته(سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين) في معرض حديثه عن دعوى الرافضة تمسكهم بحديث الثقلين، ما نصّه: (أما الكتاب وهو القرآن، فإنه ساقط الاعتبار عند الشيعة بالكلية لا يصلح التمسك به كالتوراة([82]) والإنجيل([83])؛ لكثرة وقوع التحريف فيه بزعمهم، وكثير من أحكامه منسوخة، وكثير من الآيات والسور الناسخة للأحكام والمخصصة للعموميات أسقطت، والذي بقي منه مبدل الألفاظ، وبعضه زائد، والبعض نقص منه)([84]).
* وقال أبو الثناء الألوسي رحمه الله: (وزعمت الشيعة أن عثمان بل أبا بكر وعمر أيضا ش حرفوه وأسقطوا كثيرا من آياته وسوره...فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقا وغربا، وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام مركزا وقطبا أشد تحريفا عند هؤلاء من التوراة والإنجيل وأضعف تأليفا منهما وأجمع للأباطيل...)([85]).
* وقال حفيده أبو المعالي الألوسي / في معرض رده على دعوى الرافضة -أنهم أخذوا دينهم من الكتاب والسنة وأقوال العترة-، ما نص كلامه: (كذبوا والله في ذلك، فإن الكتاب الكريم محرف بزعمهم، قد أسقط نحو ثلثه، كما صرحت بذلك كتبهم فلا يعبأون به، ولا يعرجون عليه، ولا يقيمون له وزناً، وأنه مخلوق لا ينزهونه، هذا شأن الكتاب لديهم)([86]).
* وقال الشيخ منظور نعماني / بعد أن ذكر نقولا من كتب الرافضة الدالة على التحريف: (هناك ثلاث نقاط هامة يمكن أن نستخلصها من روايات التحريف عند الرافضة، وهي نقاط هامة يجب أن نضعها في اعتبارنا حين نفكر في هذه القضية.
1/ الروايات الخاصة بالتحريف والحذف والإضافة في القرآن الكريم، وهي أقوال الأئمة المعصومين والروايات المتواترة -بزعمهم-، وطبقاً لبيان محدثهم النوري الطبرسي فهي تزيد على ألفي رواية([87])، وطبقاً لبيان علامتهم المجلسي لا يقل عددها عن عدد الروايات الخاصة بمسألة الإمامة التي هي أساس المذهب الشيعي([88]).
2/ لا يوجد مجال للشك في الروايات التي ذكرت مسألة التحريف والحذف والتبديل الذي وقع بزعمهم على القرآن الكريم.
3/ وعليه؛ فإن عقيدة علماء الشيعة المتقدمين قد اتفقت على مسألة التحريف، ولم يختلف في هذا من علماء الشيعة سوى أربعة لا خامس لهم).
ثم قال: (وما يجدر بالذكر هنا هو أن آلاف الروايات الخاصة بالتحريف والتي رويت عن الأئمة ذكر عدد كبير منها في كتاب الشيعة المعتبر(الكافي) وهي روايات متواترة تدل صراحة على التحريف، وهي ما اعتقده وآمن به علماء الشيعة المتقدمون.
والآن هل يمكن لأي عالم من علماء الشيعة أن ينكر مسألة التحريف التي تعد من أساسيات العقيدة الشيعية؟
من الواضح أن الإجابة بالنفي هي الإجابة الصحيحة، إلا أن بعض الشيعة يتظاهرون بإنكار هذه العقيدة من باب التقية؛ اقتداء بأئمتهم الذين زعموا فيهم أنهم أنكروا إمامتهم من باب التقية([89])، ومن هنا تكون الأربعة الذين أنكروا التحريف؛ إنما أنكروه على أساس التقية.
والذي يدل على كذب دعوى بعض الرافضة الآن إنكارهم التحريف: احترامهم لمؤلف كتاب(فصل الخطاب) الذي تجرأ هذه الجرأة الكبيرة، بل إنه احتلّ بمؤلفاته مكانة عظمية لدرجة أنه حينما هلك دفنوه في مبنى المشهد الرضوي بالنجف، وهو عندهم من أقدس البقاع وأشرفها([90]).
إضافة إلى ذلك، فقد استشهد بأقواله كثير من علمائهم ومشايخهم([91]).
ومن الجدير بالذكر أن كتاب(فصل الخطاب) حين نشر في أواخر القرن الثالث عشر الهجري قوبل بثورة عظيمة من بعض علماء الشيعة في إيران والعراق ممن اتبعوا سياسة إنكار عقيدة التحريف، فكتب النوري الطبرسي رده عليهم في كتاب مستقل أسماه(رد الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، والحقيقة أن هذين الكتابين لا يتركان لدى أي شيعي مجالا لإنكار عقيدة التحريف، وكفى الله المؤمنين القتال)([92]).
وقال الشيخ عبد الشكور اللكهنوي([93]) في رسالته (تنبيه الحائرين) -ما ترجمته-: إن الشيعة لا يؤمنون بالقرآن الذي أنزله الله على عبده بواسطة جبريل وتلقاه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحفظوه واستظهروه واعتنوا به حفظا وإيصالا إلى كافة الأمصار، وهكذا أخذ منهم التابعون إلى أن وصل إلينا، فالشيعة لا يؤمنون بهذا القرآن ولا يمكنهم الإيمان به، وإن تظاهروا به فهو كذب ونفاق؛ لأنهم يزعمون أن القرآن الأصلي هو الذي جمعه عليّ رضي الله عنه وأخفاه، وقد توارث ذلك إلى من بعده من الأئمة إلى أن صار بيد المهدي المنتظر المزعوم، وإذا خرج فسوف يظهره)([94]).
 وقد نصّ على ذلك التونسوي([95]) ثم قال: (وأما ما يحتج به بعض الشيعة بأقوال علمائهم الأربعة وهم: الصدوق، والشريف المرتضى، وأبو جعفر الطوسي، وأبو علي الطبرسي، على أنهم جحدوا ثبوت التحريف، فاحتجاجهم بهؤلاء باطل؛ لأن مدار مذهب الشيعة على أقوال الأئمة المعصومين -بزعمهم-، وجمهور المحدثين منهم ورواياتهم التي تتجاوز ألفي رواية كلها قائلة بالتحريف، فما وزن أقوال هؤلاء الأربعة أمام أقوال أئمتهم وجماهير محدثيهم؟!
ثم أيضاً فإن هؤلاء الأربعة لم يتظاهروا بإنكار التحريف إلا تقية بسبب الظروف التي كانت لا تتيح لهم فيها المجاهرة بعقيدة التحريف، إضافة إلى أن كثيرا من متأخريهم نقدوا موقف هؤلاء الأربعة منهم، كما قال النوري الطبرسي: (لم يعرف من القدماء موافق لهم)([96]).
وبعد أن ذكر الشيخ التونسوي بعض رواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم وأقوال علمائهم في إثبات التحريف عندهم، عقّبها بقول المجلسي: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر)([97]).
وذكر الشيخ بعد قول المجلسي هذا قول محدثهم نعمة الله الجزائري: (أن تسليم تواترها -أي أخبار التحريف- عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعرابا، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها)([98]).
ثم نقل الشيخ عدة نقول عن النّوري، وهي صريحة في إجماعهم على القول بالتحريف.
وهكذا سرد الشيخ أسماء الكتب التي كتبها علماؤهم في مختلف العصور على القول بالتحريف، وهي التي سرد أسماءها الطبرسي في كتابه فصل الخطاب ([99]).
ثم عقب الشيخ ذلك بقوله: (فهذه الكتب ترشدنا أن هذه العقيدة عندهم من ضروريات الدين)([100]).
ثم أشار بعد ذلك إلى موقف بعض معاصري الرافضة المتظاهرين بإنكار عقيدة التحريف، -بدعوى أن روايات التحريف ضعيفة في ميزانهم، وأن أهل السنة ظلموهم بنسبة هذه العقيدة إليهم- فقال رادّاً عليهم بأنهم لو كانوا صادقين في دعواهم هذه، فيجب عليهم أن يلتزموا بأمور ثلاثة، وهي:
أولاً: أن يأتوا برواية واحدة صحيحة من أئمتهم المعصومين -بزعمهم- من مصدر معتمد تنصّ على أن القرآن محفوظ ومصان من التحريف، ولن يأتوا بهذه الرواية.
ثانياً: أن يكفّروا من قال بتحريف القرآن، ويعلنوا فسادهم في الجرائد والمجلات وغير ذلك من الوسائل.
 ثالثاً: أن يكفّوا عن ترويج الكتب المشحونة بروايات التحريف والتبديل، والعقائد التي نتج عنها القول بالتحريف، وأن يعلنوا براءتهم عنها وعن أصحابها الضالّين المضلين([101]).
ولا يمكنهم أن يأتوا بهذه الأمور الثلاثة ما داموا معتنقين هذا المذهب الهدام للإسلام والمسلمين([102]).
وقد نصّ على ذكر هذه الأمور الثلاثة أيضاً عبد الشكور اللكهنوي في رسالته(تنبيه الحائرين)([103]).
بيان الوجه الثاني:
ذكر علماء الحنفية أن قول الرافضة بالتحريف يرجع إلى الأسباب التالية:
 السبب الأول: عقيدة الإمامة التي تمثل أعظم أركان الدين عندهم، وفي ذلك قال الشيخ محمد منظور نعماني: (الاعتقاد بتحريف القرآن الكريم من النتائج المترتبة على الإيمان بعقيدة الإمامة التي هي أساس المذهب الشيعي)([104]).
وقال محمد يوسف اللّدهيانوي -ما ترجمته-: إن ادعاء الرافضة تحريف القرآن الكريم نتيجة حتمية لقولهم بالإمامة والطعن في الصحابة، وإنّ هذا الكلام لم يتجرأ به كثير من الكفار فضلاً عن أن يتلفظ به من يدّعي الانتماء إلى دين الإسلام([105]).
وقد زاد الشيخ محمد منظور نعماني هذا السبب وضوحا، فقال بعد أن تحدث عن أهمية الإمامة عند الرافضة: (بعد أن اطلعنا على أهمية عظمة عقيدة الإمامة عند الرافضة، يتبادر إلى الأذهان سؤال طبيعي وهو: لماذا لم يرد ذكر هذه العقيدة في القرآن الكريم؟ حيث إن القرآن الكريم ذكر في آيات كثيرة عقيدة التوحيد والرسالة والآخرة، إلا أن إمامة علي رضي الله عنه لم ترد في أي موضع منه!
ودعوى التحريف هي الإجابة على هذا السؤال الذي دوّخ عقول الرافضة وأدهشهم، فقالوا كذبا وزورا تخلصا من هذا الاعتراض: إن إمامة علي رضي الله عنه كانت قد ذكرت مئات المرات في القرآن الكريم، إلا أن من جاء بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغصبوا الخلافة، قاموا بتحريف القرآن فحذفوا هذه الآيات منه…)([106]).
وقد فصّل الحديث في ذلك الشيخ عبد الشكور اللكهنوي في رسالته (تنبيه الحائرين) حيث ردّ فيها على أحد الروافض (وهو الحائري) من مدينة بنجاب([107])، وقد كتب رسالة ادعى فيها تحريف القرآن الكريم بعنوان (موعظة تحريف القرآن) فردّ عليه الشيخ بهذه الرسالة القيمة وطلبه وأصحابه للمناظرة مرات عديدة فلم يستجب أحد منهم لذلك([108]).
أقول: ومما يدل على مصداقية ما ذكره علماء الحنفية من أن القول بالإمامة هو أحد أسباب التحريف عند الرافضة، ما نصّ عليه شيخهم أبو الحسن العاملي حيث قال: (وعندي في وضوح صحة هذا القول -أي القول بالتحريف- بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات التشيع، وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة...)([109]).
السبب الثاني: فإن من أسباب تحريف القرآن عند الرافضة هو اعتقادهم بارتداد الصحابة واتهامهم إياهم بالكفر والنفاق بدعوى أنهم غصبوا آل محمد حقهم في الإمامة، ولا شك أن الطعن فيهم يؤدي إلى الطعن في القرآن الكريم؛ لأنهم نقلته ومبلغوه إلى من بعدهم، وفي ذلك قال أبو المعالي الألوسي مبيناً أنهم يقولون بالتحريف بسبب زعمهم: (أنّ نقلته مثل ناقلي التوراة والإنجيل؛ لأن بعضهم كانوا منافقين كالصحابة العظام -والعياذ بالله-، وبعضهم كانوا مداهنين في الدين كعوام الصحابة؛ فإنهم تبعوا رؤساءهم طمعاً في زخارف الدنيا، فارتدوا عن الدين كلهم إلا أربعة أو ستة، فغيروا خطاب الله تعالى...فكما أن التوراة والإنجيل لا يعمل بهما أصلاً فكذلك هذا القرآن...)([110]).
وقال الشيخ عبد الشكور اللكهنوي وهو يتحدث عن أسباب عقيدة التحريف عند الرافضة -ما ترجمته-: تدّعي الرافضة إن هذا القرآن الموجود هو من جمع واعتناء أشد أعداء الله الذين كانوا منسلخين عن الدين، وكان الكذب على الله ورسوله ديدنهم، فأخرجوا من كتاب الله ما هو داخل فيه وأدخلوا فيه ما ليس منه، وقد كان حزب هؤلاء راضيا بصنيعهم هذا، بل تعاونوا معهم ووقفوا في صفهم، فكيف يمكن الإيمان بكتاب وصل إلينا عن طريق الخونة والكذبة؟
ثم ردّ عليهم بقوله: إن صحابة النبي عليه الصلاة والسلام بما فيهم الخلفاء الثلاثة ش قد أثنى الله عليهم في كتابه وأمر بالسير على نهجهم، فلا يمكن مع ذلك أن تصدر عنهم مثل هذه الأعمال، ومعلوم أن الغرض من الطعن فيهم هو الطعن في القرآن الكريم الذي هو مصدر تشريع المسلمين ومصدر عزتهم ونصرتهم([111]).
وقد نصّ على ذكر هذا السبب غير واحد من علماء الحنفية كالشيخ عبد العزيز الدهلوي([112]) ومحمد منظور نعماني([113]) والتونسوي([114]) وغيرهم([115]).
السبب الثالث: إن وجود آلاف الروايات المتقولة على الأئمة -في كتب الرافضة- الناطقة بتحريف القرآن من أهم الأسباب التي جعلت الرافضة تؤمن بعقيدة التحريف ولا سيما المتأخرين منهم، وفي ذلك قال الشيخ عبد الشكور اللكهنوي -ما ترجمته-: إنه قد وردت في كتب الرافضة روايات كثيرة صريحة في التحريف عن الأئمة بحيث إنها تزيد على ألفي رواية، وهي مثل روايات الإمامة في العدد والحجية، فرفضها عندهم مثل رفض عقيدة الإمامة التي هي أساس مذهبهم.
ثم قال: وقد اتضح بهذا كله أنه يستحيل إيمان الرافضة بالقرآن الموجود؛ لأن دينهم من صنع الأيدي المعادية لهذا الدين كأمثال ابن سبأ وزرارة وأبي بصير وغيرهم من الكذابين الوضاعين.
فهم خالفوا المسلمين في جميع أمورهم، بل جعلوا مخالفتهم أمرا يدينون الله به، وصاروا معادين للمسلمين على مرّ التاريخ، ولقد صدق العلامة ابن تيمية / فيهم إذ قال: وبالجملة فأيامهم في الإسلام كلها سود، لم يزالوا موالين لأعداء الله ومعادين لأوليائه([116]) فهذه هي حقيقة هؤلاء الطاعنين في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد([117]).
بيان الوجه الثالث:
لقد بيّن علماء الحنفية أن عقيدة تحريف القرآن تترتب عليها نتائج وخيمة تدل على خطورة هذه العقيدة وشناعتها، ومن تلك النتائج ما يلي:
أولاً: إن هذه العقيدة هي تكذيب صريح لله ﻷ حيث قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﭽ ﭼ [الحجر: ٩].
 وقال أ في وصف هذا الكتاب: ﭽﮓ ﮔ ﮕ ﮚﮛ ﭼ [فصلت: ٤٢] .
وكل ما يكون الله حافظا له كيف يمكن تبديله وتغييره؟! فالله تكفل بحفظه وسيظل محفوظا إلى يوم القيامة من عبث العابثين وتحريف المحرفين، فأين تلك الروايات الملفقة المزورة من قول من هو أصدق قيلاً وأحسن حديثاً!!
كما أن الله تعالى أثنى على صحابة رسوله ش في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، فلو كانوا يقدمون على هذا الفعل الشنيع –وحاشاهم- فكيف يثني عليهم علام الغيوب، أفليس هذا طعنا في علمه ﻷ ؟!!
ثانياً: يلزم من هذه العقيدة القبيحة رفع الوثوق عن القرآن كله؛ لأن المغيَّر والمحرَّف منه غير معيّن، وهذا موجب للشك في كل سورة وآية بل في كل كلمة وكل حرف، ولا شك أن ذلك خروج بيّن عن الدين.
ثالثاً: يلزم من هذه العقيدة تكفير جميع الصحابة بما فيهم عليّ ش؛ لأنهم أقروا ذلك وسكتوا عليه مع قدرتهم على الإنكار، ولا سيما علي رضي الله عنه عندما تولى الخلافة.
رابعاً: لو وقع التحريف في عهد الخلفاء الثلاثة ش -كما تدعي الرافضة- لردّه عليٌّ رضي الله عنه عند ما تولى الخلافة، وكيف لم يسكت عن معاوية رضي الله عنه ويدعه وشأنه وهو أمر أقل شأنا من تحريف القرآن، ويسكت عن بيان الحق في القرآن الذي هو عمدة الدين وحجة المكلفين.
خامساً: تزعم الرافضة أن عليا رضي الله عنه قعد في بيته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جمع القرآن كله([118]) فلولا أن جمعه موافق لجمع عثمان رضي الله عنه لأظهر ذلك عند ما آل الأمر إليه، وقد صحّ أنّ عثمان رضي الله عنه لمّا نهى عن التمتع خالفه علي رضي الله عنه وقال له: "كيف تنهى عن شيء فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟"، وأحرم بالعمرة ودخل مكة متمتعا([119])، ومعلوم أنّ هذا الحكم أقل شأنا من تحريف القرآن، فلو تعرّض أحد لتحريفه لما قبل منه ذلك علي ط، بل لقاتله على ذلك.
سادساً: يلزم من هذه العقيدة الخطيرة ضياع جهود المسلمين في حفظ القرآن الكريم واعتنائهم به من القرن الأول وإلى يومنا هذا؛ لأنهم ضيّعوا جهودهم في كتاب محرّف مثل التوراة والإنجيل.
ولو كان كذلك لما أطبقوا على حفظه وتلاوته والتعبد به؛ لأن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على ضلالة.
سابعاً: إن هذه العقيدة الخطيرة فتحت أمام الكفار باب الطعن في القرآن الكريم، فكم من مستشرق وغيره استدلّ على الطعن في القرآن بشبهاتهم وأقوالهم، ولكنهم جهلوا أو تجاهلوا أن أعمال هؤلاء لا تحسب على الإسلام وأهله([120]).
قلت: وما أحسن ما قاله ابن حزم -حيث قال في رده على ما تعلق به النصارى من أقوال الرافضة- : (وأما قولهم -أي النصارى- في دعوى الروافض تبديل القرآن؛ فإن الروافض ليسوا من المسلمين، إنما هي فرقة حدثَ أولها بعد موت رسول الله بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة من كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر…)([121]).

بيان الوجه الرابع:
لقد أشار علماء الحنفية إلى أقوى شبه الرافضة التي استندوا عليها في إثبات وقوع التحريف في القرآن الكريم، وهي أقل من أن يردّ عليها، بل هي أوهى من بيت العنكبوت، ولذلك فإن علماء الحنفية لم يفصلوا في نقاشها والرد عليها، وإنما أشاروا إلى بطلانها إشارات عابرة ولمحات سريعة، وسأذكر أولاً تلك الشبه ثم أعقبها برد علماء الحنفية.
 فمن شبههم:
1/ زعمهم أن الآيات أو الكلمات التي يقول عنها أهل السنة أنها مما نسخت تلاوتها وبقي حكمها أو نسخا معاً، إنها مما أسقطت من القرآن الكريم، وليس هناك ما يسمى بمنسوخ التلاوة([122]).
2/ زعمهم أن اختلاف مصاحف الصحابة بعضها عن بعض كمصحف ابن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهم، واختلافها عن مصحف الأم العثماني في أمور كثيرة من الكلمات والترتيب بين السور والآيات دليل على أن القرآن وقع فيه تحريف من الصحابة([123]).
فهاتان الشبهتان هما أقوى ما استدل به الرافضة لإثبات التحريف وفي ذكرهما كفاية للدلالة على معتقدهم.
أما تعلقهم بالشبهة الأولى: فأشار إلى بطلانها الشيخ محمد عبد الستار التونسوي / حيث قال: (وأما ما يتمسك به بعض غفلة الشيعة حينما يعجزون عن إثبات إيمانهم بالقرآن الموجود المحفوظ الأكمل ويقولون: لو أن روايات التحريف في كتبنا موجودة فلا بأس بها؛ فإن كتبكم تذكر نسخ التلاوة والاختلاف في القراءات([124])، فتمسكهم هذا إنما هو تمسك الغريق بالحشيش؛ فإن نسخ التلاوة أمر ثابت بالنصوص([125]) وهكذا اختلاف القراءات، فأين الثرى من الثريا، نعوذ بالله من المتغابين المعاندين...)([126]).
وقال أبو الثناء الألوسي / -وهو يبرّأ أهل السنة عما نسبه إليهم بعض الروافض من القول بالتحريف كقولهم بمنسوخ التلاوة-([127])، فقال ما نصّه: (إن نسبة ذلك -أي القول بالتحريف- إلى بعض أهل السنة هو كذب أو سوء فهم؛ لأنهم أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنا كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أسقط زمن الصدّيق رضي الله عنه ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ، وما لم يكن في العرضة الأخيرة، ولم يأل جهدا رضي الله عنه في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين فلهذا نسب إليه)([128]).
وقال أيضاً: (ونحن نقول بإسقاط بعض ما أنزل قرآنا ولكن كان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان نسخاً لما أسقط، وأما الإسقاط بعد رسول الله فمما لا ينبغي أن يقول به مسلم، ومن ادعاه فقد كفر...ولعمري إن هاتيك القولة قولة شنعاء وجهالة عمياء)([129]).
 

وأما تعلّقهم بالشبهة الثانية فقد أزال وهمهم هذا الإمام أبو الثناء الألوسي حيث ساق عدة روايات من طريق أهل السنة تدل على أن مصاحف بعض الصحابة ش كانت فيها زيادة على ما يوجد في المصحف العثماني، ثم بيّن أن ذلك محمول على ما لم تتواتر قراءته، أو نسخت تلاوته ولم يكن في العرضة الأخيرة، إلا أن بعض الصحابة ش لم يبلغهم خبر النسخ فبقيت أشياء منسوخة مثبتة في مصاحفهم إلى زمن عثمان رضي الله عنه لما جمعهم على مصحف واحد وأحرق ما عداه بإجماع من يعتدّ به([130]).
وقال / وما شاع أنّ علياً لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخلّف بجمع القرآن، فبعض طرقه ضعيف، وبعضها موضوع، وما صحّ فقيل إنه محمول على الجمع في الصدر، وقيل كان جمعاً بصورة أخرى لغرض آخر، ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم([131]).
وقال / في معرض ردّه على الطبرسي صاحب (تفسير مجمع البيان) -بعد أن ذكر شيئا من المقارنة بين مصاحف بعض الصحابة في عدد السور وترتيبها- ما نصّه:
(وترتيب كلٍّ متغاير، ومغاير لترتيب مصحفنا مغايرة لا سترة عليها -يعني في ترتيب السور وتعدادها-([132])..مع اختلافٍ كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب، وكأن ران البعض غطى على قلب هذا البعض فقال ما قال، ولم يفكر في حقيقة الحال، ولم يبال بوقع النبال، قاصداً أن يتستر بمنخل مختل كذّبه نور ذي النورين، الساطع عليه من برج شمس الكونين، ومن بدر صحبه، مع أن نسبة هذا الجمع إليهما من أوضح الأمور، بل أشهر من المشهور، وهو شائع أيضا عند الشيعة، وليس لهم إلى إنكاره ذريعة، ولكن مركب التعصب عثور، ومذهب التعسف محظور)([133]).
 

بيان الوجه الخامس:
 لقد استدل علماء الحنفية على نقض عقيدة الرافضة بآيات من كتاب الله العزيز، ومن تلك الآيات: 
1/ وقوله ﻷ: ﭽ ﭼ [الحجر: ٩].
 2/ وقوله أ: ﭽﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [فصلت: ٤٢].
3/ وقوله أ: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [الإسراء: ٨٨].
4/ وقوله ﻷ: ﭽ ﯼ ﯽ ﯿ ﰉ ﰊ ﭼ [القيامة: 16-19].
 وغيرها من الآيات الواضحات التي تصرح بصيانة القرآن الكريم من تحريف المحرفين وعبث العابثين([134]).
وأشير هنا إلى أقوال بعضهم في تفسير بعض هذه الآيات، ومن تلك الأقوال:
* ما ذكره الإمام أبو البركات النسفي / في تفسير قول الله تعالى: ﭽ ﭼ حيث قال: (وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة؛ فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فوقع التحريف...)([135]) .
* وقال الإمام أبو الثناء الألوسي / في تفسير الآية السابقة: (ﭽ ﭼ أي من كلّ ما يقدح فيه كالتحريف والزيادة والنقصان وغير ذلك...ولم يحفظ سبحانه كتابا من الكتب كذلك، بل استحفظها جل وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه فلم يزل محفوظا أولا وآخرا...)([136]).
* وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي / بعد أن ذكر بعض هذه الآيات: (وكل ما يكون الله حافظا له كيف يمكن تبديله وتغييره...)([137]).
بيان الوجه السادس:
ومما ردّ به علماء الحنفية على عقيدة الرافضة السخيفة هو استدلالهم بإجماع المسلمين على صيانة القرآن الكريم من التحريف والتبديل، ومن أقوالهم في ذلك:
* ما قاله الشيخ عبد العزيز الدهلوي / في معرض تقريره لعقيدة أهل السنة في بعض أصول الدين حيث قال: (العقيدة العاشرة: أن القرآن المجيد هو كلام الله ولم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان قط، ولن يكون لهذه الأمور إليه سبيل أصلاً أبدا)([138]).
وقد بيّن الشيخ أن عقيدة الرافضة القبيحة مخالفة للعترة التي يدّعون محبتهم واتباعهم، فقال بعد أن ذكر مخالفة عقيدتهم لكتاب الله: (وأما مخالفة هذه العقيدة للعترة: ففي كل روايات الإمامية مذكور أن أئمة أهل البيت كلهم كانوا يقرأون هذا القرآن، ويتمسكون بعامه وخاصّه وغيرهما من وجوه النظم، ويوردونه استشهادا، ويفسرون آياته...ويعلّمونه أولادهم وخدامهم وأهلهم، ويأمرونهم بتلاوته في الصلاة...)([139]).
* وقال الشيخ محمد عبد الستار التونسوي رحمه الله: (واتفق المسلمون قاطبة على أن القرآن الذي في المصاحف بأيدي المسلمين شرقا وغربا فما بين ذلك، من أول القرآن إلى آخر المعوذتين كلام الله تعالى ووحيه أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من كفر بحرف منه فقد كفر)([140]).
* وقال الشيخ محمد سر فراز خان -ما ترجمته-: اتفق جميع المسلمين على أن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين هو القرآن الذي كان في اللوح المحفوظ أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبريل عليه السلام في ثلاث وعشرين سنة، وليس فيه حرف زائد ولا ناقص، فهو كما أنزله الله وسيظل كذلك محفوظا إلى يوم القيامة، ولكن الرافضة قالوا بالزيادة والنقصان فيه وهو كفر محض وضلال مبين([141]).
بيان الوجه السابع:
لقد أبرز علماء الحنفية جهود الصحابة رضوان الله عليهم في خدمة كتاب الله العزيز، وتلكم الجهود العظيمة منهم هو أكبر دليل على صيانة القرآن الكريم مما ترميه به الروافض؛ بحيث يستحيل مع تلك العناية الفائقة وقوع أي عبث أو تحريف أو تلاعب به، ومن جهودهم التي أبرزها علماء الحنفية أمران مهمان:
أولهما: شدة اهتمام الصحابة ش بتعلّم كتاب الله تعالى وحفظه وتعليمه بحيث حفظه الجم الغفير منهم وفهموا مراده، فبرز منهم حفاظ ومفسرون، ومع هذا الحرص العظيم فإنه يستحيل أن يعتريه شيء من التحريف والتبديل؛ لأنه لو تعرض له أحد بذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار([142]).
الثاني: ما تواتر عن جمع الصديق وذي النورين ب للقرآن الكريم، حرصا منهما على صيانته وعدم ضياعه أو وقوع الاختلاف فيه، وفي ذلك قال الإمام أبو الثناء الألوسي في مقدمة تفسيره تحت عنوان(الفائدة السادسة):
 إن القرآن الكريم جمع على عهد الصديق كما أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أنه قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن([143])، وإني أخشى أن يذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيتُ الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب([144]) واللّخاف([145]) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري([146]) لم أجدها عند غيره فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ب([147]).
وورد أن أبا بكر قال لعمر وزيد ش : (اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه)([148]).
ولعلّ الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، أو على أنه مما عرض عليه عام وفاته.
وقد أخرج ابن أبي داود([149]) بسند حسن عن عبد خير([150]) قال سمعت عليا يقول: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين)([151]).
ثم تحدث الألوسي / عن جمع عثمان ذي النورين، وذكر أن جمعه كان يختلف عن جمع الصديق، فكان جمع الصديق هو جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرّقاً، وأما جمع عثمان فكان الهدف منه جمع الناس على حرف واحد ولهجة واحدة لما وجد من الاختلاف بين بعض الصحابة في القراءة وإنكار بعضهم على البعض الآخر، فأشار عليه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه بأن يدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأمر زيد بن ثابت ومعه ثلاثة من الصحابة بأن يكتبوه على لسان قريش لأنه نزل بلغتهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق([152]) وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن عليا رضي الله عنه قال كما أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة([153]) عنه: (لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا جميعا، والله لو وُلّيت لفعلتُ الذي فعل)([154]).
وأما ما نُقل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما أحرق مصحفه: (لو ملكتُ كما ملكوا لصنعتُ بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي) فهو كذب كسوء معاملة عثمان معه التي تزعمها الرافضة حيث أخذ المصحف منه، وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان رضي الله عنه هو ما ذكره غير واحد من المحققين، حتى صرحوا بأنه لم يصنع شيئا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجاً بأن القرآن نزل بلغتهم([155]).
وبعد أن تحدّث الألوسي عن الجمعين عقّب ذلك بقوله: (وبعد انتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى، وتصدّر فيه للخلافة الراشدة عليٌّ المرتضى، وهو الأسد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء من القرآن، وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان...)([156]).
وقد أشار القاضي كمال الدين البياضي([157]) إلى هذين الجمعين أيضا([158]).
بيان الوجه الثامن:
نظراً لخطورة القول بتحريف القرآن الكريم؛ فإن علماء الحنفية أفتوا بتكفير الرافضة، ومن أقوالهم في ذلك:
* قال الشيخ ميرزا مخدوم الحسني –بعد أن ذكر قولهم بالتحريف-: "ما أبقى هؤلاء المنافقون -يقصد الرافضة- حجة إسلامية ومعجزة محمدية إلا وقد قدحوا فيها قدحا عظيما، ومع ذلك فإن الغبي يزعمهم مسلمين"([159]).
* وقال الملاّ علي القاري: "إن للرافضة أحاديث موضوعات، وتأويلات باطلة في الآيات، وزيادات وتصحيفات"، ثم ذكر بعض الأمثلة على تحريفهم وقال:
"وهذا وأمثاله كفر، قال تعالى:ﭽ ﭼ [الحجر: ٩] فمن أنكر حرفا واحدا مما في مصحف عثمان، أو زاد فيه أو نقص؛ فقد كفر"([160]).
* وقال أبو الثناء الألوسي: "وأما الإسقاط -أي إسقاط القرآن- بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فممّا لا ينبغي أن يقول به مسلم، ومن ادعاه فقد كفر..."([161]).
 وقال الشيخ التونسوي: "..بل إن أهل السنة قاطبة معتقدون بأن القائل
بالتحريف في القرآن كافر خارج عن ملة الإسلام"([162]) .
 وقد نصّ على تكفير الروافض أيضاً بسبب قولهم بالتحريف: رشيد أحمد جنجوهي([163]) ([164])، وعبد الشكور اللكهنوي ([165])، ومحمد سرفراز([166])، ومحمد الهاشمي([167])، وآخرون ([168]).
وبعد: فإن ما تقدم ذكره من موقف علماء الحنفية في الذب عن القرآن الكريم هو مذهب كافة المسلمين، ومن طعن فيه أو حاول المساس به فإنه يجب فضح جرمه وكشف عواره وإبانة زندقته للعالمين.
وبعد هذا العرض لعقيدة الرافضة والرد عليها، أنتقل إلى بعض تفاصيل تلك العقيدة، ألا وهي أنواع التحريف المزعوم عند الرافضة في نصوص القرآن الكريم مع الرد عليها.
 
المبحث الثاني
أنواع التحريف المزعوم عند الرافضة
 في القرآن الكريم،
وموقف علماء الحنفية منها.
 
وفيه ثلاثة مطالب:
 
المطلب الأول: زعم الرافضة التحريف بالنقص والحذف، وموقف علماء الحنفية منه.
 
المطلب الثاني: زعم الرافضة التحريف بالزيادة،
وموقف علماء الحنفية منه.
 
المطلب الثالث: زعم الرافضة وقوع التحريف
 في ترتيب السور والآيات والكلمات،
 وموقف علماء الحنفية منه. 
 
المطلب الأول
زعم الرافضة التحريف بالنقص والحذف،
وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مسألتان:
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة التحريف
 بالنقص والحذف.
 
المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية
 من زعم الرافضة التحريف
 بالنقص والزيادة.
 
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة التحريف بالنقص والحذف:
تزعم الرافضة أن في القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم نقصا كبيرا، فقد حذف منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدار ثلثيه، وفيما يلي ذكر بعض رواياتهم وتصريحات علمائهم في تقرير ذلك:
 فقد روى شيخهم الكليني وغيره بأسانيدهم (عن أبي عبد الله عليه السلام قال:(إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية) ([169]).
وقد وثّق المجلسي -وهو شيخ المحدثين عندهم- هذا الخبر بأنه خبر صحيح، وأنه يدل على نقص القرآن وتغييره([170]).
وزعموا أن الآيات المحذوفة من القرآن كان فيها فضائل أئمتهم ومثالب أعدائهم -يقصدون بذلك الصحابة- كما زعموا أن الصحابة قدموا على هذا العمل لغرض غصبهم آل محمد حقهم في الإمامة، ومن ثم سيطرتهم على الآخرين([171]).
وزعموا أيضا أن الصحابة حذفوا من القرآن الكريم سورتين هما: سورة النورين وسورة الولاية.
فأما سورة النورين المزعومة فنصّها كما ذكره المجلسي: {بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي اللذان بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم، نبي وولي بعضها من بعض وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم، فالذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا به مكذبين، إن لهم في جهنم مقام عظيم، إذا نودي لهم يوم القيامة أين الضالون المكذبون للمرسلين، ما خلقهم المرسلون إلا بالحق، وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب، وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين}([172]).
وأما سورة الولاية المزعومة فهي كما ذكرها بعضهم {بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضها من بعض وأنا السميع العليم، إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آياتٍ لهم جنات نعيم، والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي أولئك يسقون من الحميم...الخ}([173]).
ولا شك أن من كانت له أدنى معرفة بقواعد اللغة العربية وأساليبها وإعجاز القرآن الكريم وبلاغته، فإنه يدرك بدون تأمل تزوير هذه الألفاظ واصطناعها من حيث ركاكتها وكثرة لحنها وابتعادها عن الذوق القرآني وأوجه إعجازه الكثيرة، فلم يزدهم ذلك إلا عارا وخزيا.
أما الآيات أو الكلمات التي زعموا حذفها من القرآن الكريم، فمنها ما يلي:
* دعواهم أنه حذف بين الجزاء والشرط في قوله تعالى: ﭽ ﮊ ﮋ ﮎ ﮏ ﭼ [النساء: ٣] أكثر من ثلث القرآن، وفي ذلك افترى شيخهم الطبرسي على عليٍّ رضي الله عنه أنه قال لأحد الزنادقة وكان قد اعترض على القرآن الكريم: بقوله: ( وأما ظهورك على تناكر قوله تعالى: ﭽ ﮊ ﮋ ﮎ ﮏ ﭼ وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء يتامى، فهو من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين قوله {في اليتامى} وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، ولو شرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية من إظهاره من مناقب الأولياء، ومثالب الأعداء... ([174]).
* ومن ذلك دعواهم سقوط أكثر آيات سورة التوبة، وأكثر آيات سورة الأحزاب وأن سورة الأحزاب كانت أطول من سورة البقرة حيث كان فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم([175]).
* وكذلك دعواهم أن سورة الحجر كانت مائة وتسعين آية، وسورة النور مائة وستين آية ([176]).
ومن المعلوم أن عدد آيات سورة الحجر في المصحف العثماني تسع وتسعون آية، وسورة النور أربع وستون آية.
* وكذلك زعمهم أنه حذف بعد قوله تعالى: ﭽ ﭼ [الشرح: ١] جملة {وجعلنا علياً صهرك}([177]).
* ومن مزاعمهم الفاسدة أيضاً: أن أكثر آيات سورة البينة حذفت منها كما قال الفضل بن شاذان: "إن سورة (لم يكن) كانت مثل سورة البقرة قبل أن يضيع منها ما ضاع، وإنما بقي في أيدينا منها ثمان آيات، أو تسع آيات"([178]).
فهذه هي بعض نماذج من أكاذيبهم حول أسطورة وقوع الحذف والنقص في القرآن الكريم.
أما الكلمات أو الجمل التي زعموا حذفها فلا حصر لها، وأكتفي بذكر نماذج منها:
* فمنها زعمهم حذف كلمة (في علي) في مواضع كثيرة من القرآن كقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا (في عليّ) فأتوا بسورة من مثله...}[ البقرة: 23 ]([179]).
و{بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في عليّ) بغياً.. } ([180]) [البقرة: 90 ].
و{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى (في عليّ) من بعد ما بيناه للناس في الكتاب...} ([181])[البقرة: 159].
و{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك (في عليّ) ... } ([182]) [المائدة: 67 ].
* ومنها حذف كلمة(آل محمد) في آيات كثيرة، فمنها:
{فبدّل الذين ظلموا (آل محمد حقهم) قولا غير الذي قيل لهم...} ([183]) [البقرة: 59].
و{إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران (وآل محمد) على العالمين}([184])[آل عمران: 33].
و{وسيعلم الذين ظلموا (آل محمد) أي منقلب ينقلبون}([185]) [الشعراء: 227].
* ومنها حذف جملة فيها اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر الأئمة:
 كما روى الكليني بسنده عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل (كلماتٍ في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم) فنسي ولم نجد له عزما.. } هكذا والله أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله"([186]) .
* ومنها حذف جملة (أهل الولاية):
 وفي ذلك روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله أنه قال: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده (وأهل الولاية) كفرتم ... }([187]).
* ومنها حذف جملة (وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) من آية الكرسي:
 وفي ذلك روى شيخهم الكليني بسنده عن أبي جرير القمي أنه قال: وفي نسخة عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام: {له ما في السماوات وما في الأرض (وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه...}([188]).
* ومنها حذف حرف (مِنْ وإبدال مكانها حرف إلى) في آية الوضوء:
وفي ذلك روى الكليني وغيره عن محمد بن الحسن وغيره عن الهيثم التميمي قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ [المائدة: ٦]، فقلت هكذا ومسحت من ظهر كفي إلى المرافق، فقال ليس هكذا تنزيلها إنما هي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق، ثم أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه) ([189]).
إلى غير ذلك من التحريفات التي شحنوا بها كتبهم وسودوا بها أسفارهم([190]) والتي تؤكّد لنا أنهم هم المحرفون المبدلون، وصدق عليهم مثل(رمتني بدائها وانسلّت)([191]).
 

المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة
 التحريف بالنقص والحذف.
تقدم في المبحث السابق رد علماء الحنفية على الرافضة بصفة عامة في قولهم بالتحريف من وجوه كثيرة، وسأقصر الحديث هنا عن بيان موقفهم تجاه بعض ما يندرج تحت تلك العقيدة الفاسدة، وهو ردهم لزعم الرافضة بوقوع النقص والحذف في القرآن الكريم، ومن أقوالهم في ذلك:
* ما قاله الشيخ ميرزا مخدوم الحسني / -وهو يتحدث عن بعض هفوات الرافضة- ما نصّ كلامه: (ومن هفواتهم المحنثة أنهم ذكروا في كتبهم أن عثمان رضي الله عنه نقّص عن آيات القرآن، فكان في سورة (ألم نشرح) بعد {رفعنا لك ذكرك} وعلياً صهرك ، فأسقطه عنها لحسد اشتراك الصهرية([192])، وكانت سورة الأحزاب كالأنعام فقد أسقط منها ما كان في فضل القربى([193]) وأمثال ذلك...
 وأنت تعرف أن هذا المقال يورث رفع الوثوق عن القرآن الذي هو فصل الخطاب والفرقان وحجة الله والتبيان؛ إذ جواز النقصان في سورة واحدة مستلزم لجوازه في غيرها، وهو مستلزم لجواز الزيادة، ومع هذين الإمكانين يمتنع الوثوق بالضرورة العقلية، فانسلبت الحجية عن الكتاب الذي فاق الكتب المنزلة من الرحمن، وبه صار محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد رسل الإنس والجان([194])، وبه يمتاز الكفر من الإيمان والطاعة من العصيان، وهو حجتنا هذا اليوم ويوم يلتقي الجمعان...
فكما أن قولهم يرفع الوثوق عن مواعيد القرآن وبشاراته فهو كذلك يسلب الاعتماد عن سوره وآياته...ومع تلك المقالات الشيطانية الخارجة عن قوانين الحكمة والكلام، بل التي تشهد ببطلانها وتنادي على فسادها عقول كافة الأنام...ويزعمون أنهم أطفأوا بذلك مشاعل الدين القويم، كلا إنهم أشعلوا لأنفسهم لهب الجحيم وحرموها عن نعيم الوهاب الكريم...)([195]).
 وذكر الشيخ عبد العزيز الدهلوي /في معرض حديثه عن مكائدالرافضة حيث قال: (الكيد الثالث عشر: ما يقوله الشيعة إن عثمان بن عفان،بلأبا بكر وعمر أيضاً حرفوا القرآن وأسقطوا وطرحوا منه كثيرا من الآيات والسور التي نزلت في فضائل أهل البيت وأحكامهم؛ فإن تلك الآيات والسور كانت مذكوراً فيها الأمر باتباع أهل البيت والنهي عن مخالفتهم، وإيجاب محبتهم، وأسماء  مخالفيهم وأعدائهم، والطعن فيهم واللعن عليهم، فشقت هذه الأمور على الشيخين وعثمان رضي الله عنهم فأسقطوا كثيرا من الآيات وبعض السور...  ومن جملة المسقطات: {وجعلنا علياًَ صهرك} كان في خلال آيات [ألم نشرح] وهو يدل على تخصيص صهرية علي دون عثمان ب ([196]). ومنها: سورة الولاية التي كانت سورة طويلة قد ذكر فيها محض فضائل أهل البيت وأئمتهم ومدائحهم ومناقبهم، وهكذا يفترون على الله كذبا كثيرا، وقد تكفل بجواب هذا الطعن من نزّل على عبده الفرقان حيث قال: ﭽﮗ ﭼ فما كان في حمايته وكلايته([197]) لا يمكن للبشر تنقيصه وتحريفه أبدا، بل يستحيل سرمدا...)([198]).
 وقال الشيخ منظور نعماني بعد أن ذكر جملة من الروايات من كتابهم  الكافي على هذا النوع من التحريف: (وعلى كل حال فإن روايات كتب الشيعة التي تذكر التحريف والإسقاط والإضافة والتغيير والتبديل، وخاصة تلك الروايات التي تدّعي إخراج العبارات التي تذكر علياً والأئمة من القرآن الكريم إنما هي إجابة على السؤال الذي قد يواجه الشيعة من أنه إذا كانت الإمامة لها  نفس درجة الإيمان بوحدانية الله والإيمان برسوله فلماذا لم تذكر في القرآن الكريم؟!([199])
وقد أشار الشيخ قبل ذلك إلى الرواية التي تداولتها كتب الرافضة وهي التي تصرح على حذف ثلثي القرآن، ثم علق عليها بأنها خلاف ما عليه المسلمون  بشتى طوائفهم ونحلهم من أن القرآن الذي أنزله الله تعالى أقل من سبعة آلاف آية. 
ثم تعرّض بعد ذلك إلى الحوار المختلق المزعوم الذي جرى بين علي رضي الله عنه وأحد الزنادقة([200]) فقال معقبا عليه: "والعجيب أن التقية لم تمنع من إظهار فكرة التحريف في القرآن، والواقع أن هذا الحوار وما ورد في غيره من الروايات ما هو إلا اختلاق
ومحض افتراء على أهل البيت وهم أبرياء منه تماماً" ([201]).
ثم ختم الشيخ حديثه عن سورة الولاية المزعومة والتي تعتقد الرافضة سقوطها من القرآن الكريم وأشار إلى أنها أسطورة من أساطيرهم الكثيرة([202]).
وهكذا أشار الشيخ محمد التونسوي إلى أن سورة الولاية إنما هي من مفتريات الرافضة وأكاذيبهم الكثيرة في فرية تحريف القرآن([203])، كما رد هذه العقيدة بآيات من كتاب الله العزيز، وقد تقدم ذكر بعضها. 
وذكر الشيخ محمد طاهر الهاشمي أن قول الرافضة هذا إنما هو مبني على عدائهم للإسلام ونقلته الأخيار الذين قدموا الغالي والنفيس وضحوا بأنفسهم  وأموالهم في خدمة هذا الدين وانتشاره في أرجاء المعمورة ([204]).
فتبيّن مما تقدم أن قول الرافضة بوقوع النقص في القرآن الكريم إنما هو أحد مظاهرهم العدائية تجاه كتاب الله الذي هو مصدر الدين والعز والتمكين، وهو تكذيب صريح لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.
 
المطلب الثاني
زعم الرافضة التحريف بالزيادة،
وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مسألتان:
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة التحريف بالزيادة.
 
المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة التحريف بالزيادة.
 
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة التحريف بالزيادة في القرآن الكريم.
إن من نظر في كتب الرافضة وجد أن رواياتهم القائلة بالتحريف بالزيادة في القرآن الكريم هي قليلة بالنسبة إلى الروايات القائلة بالتحريف بالنقص والحذف، ولذلك فإن بعض علمائهم أنكروا التحريف بالزيادة مع قولهم بالتحريف بالنقص والحذف، بل ادّعى الطبرسي مؤلف تفسير مجمع البيان الإجماع على ذلك في مقدمة تفسيره([205]).
كما نسب بعضهم القول بذلك إلى بعض أئمتهم كأبي جعفر؛ حيث رووا عنه أنه قال: (إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلا حروف، وقد أخطأت به الكتبة وتوهمتها الرجال)([206]) .
ولكنها دعوى فاشلة أمام رواياتهم الصريحة القائلة بوقوع الزيادة في القرآن الكريم، كما أن تصريحات بعض علمائهم على ذلك خير شاهد على وجود هذه العقيدة عندهم وإن تظاهر بعضهم بإنكارها، وسأكتفي هنا بذكر بعض الروايات وبعض أقوالهم على إثبات هذه العقيدة عندهم، ومن ذلك:
* ما أسنده العياشي إلى أبي جعفر أنه قال: (لو لا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه، ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق بالقرآن صدّقه القرآن) ([207]) .
فهذه الرواية صريحة في وقوع الزيادة في القرآن الكريم بحيث لا تحتمل أي تأويل([208]).
* وذكر النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب عن علي رضي الله عنه قوله -وهو منه بريء- (رأيت كتاب الله يُزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي للصلاة حتى أجمعه) ([209]) .
وهذا الخبر أيضا نص صريح في وقوع الزيادة بحيث لا يقبل أي تأويل، وبذلك يكون أمامهم خياران لا ثالث لهما، فإما أن ينكروا هذا الخبر ويرفضوه فتنسف بذلك أسطورتهم ودعواهم وجود القرآن الكامل الذي جمعه علي رضي الله عنه والموجود عند مهديهم الموهوم -على حسب زعمهم-، وإما أن يقبلوا هذا الخبر فيقولوا بوقوع الزيادة في القرآن؛ لأنه قول من لا يعتريه عندهم الخطأ والنسيان.
* وقال الفيض الكاشاني في إحدى مقدمات تفسيره، ما نصه: (المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك... ) ([210]) .
* وقال النوري الطبرسي في معرض حديثه عن أنواع التحريف في القرآن عندهم، فقال:
 (وأما الأنواع الممكن حصولها في القرآن فكالآتي: نقصان السورة ونقصان الآية، وزيادة الكلمة وتبديلها، وزيادة الحرف ونقصانه... ) ([211]) .
فهذا تصريح بوقوع الزيادة في القرآن ممن يعدّ كتابه -عند الرافضة- هو العمدة في فرية التحريف بحيث أُحِلّ مؤلفه مكانة عظيمة في أوساط الرافضة وقلوبهم، فلا يقبل منهم بعد ذلك أي تعسف وتأويل ، فكما أنهم صرحوا بوقوع النقص في القرآن الكريم، صرحوا كذلك بوقوع الزيادة فيه.
وبعد هذا العرض الموجز لعقيدة الرافضة في المسألة أنتقل إلى بيان موقف علماء الحنفية من هذا الزعم الفاسد في السطور الآتية.

المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة التحريف بالزيادة.
تقدم فيما مضى الرد التفصيلي على فرية تحريف القرآن من خلال جهود علماء الحنفية في الذب عن القرآن الكريم وحفاظهم على قداسته، وقد كان ردهم شاملاً لجميع أنواع التحريف المزعومة؛ ولذلك أحيل القارئ إلى ردودهم التفصيلية التي تقدمت في المبحث الأول من هذا الفصل، ولكن لا بأس من إيراد إشارات عابرة إلى بعض أقوالهم التي تنصّ على بطلان هذا النوع من التحريف، ومن أقوالهم في ذلك:
* ما ذكره الإمام أبو البركات النسفي / في تفسير قول الله تعالى: ﭽﮗ ﭼ حيث قال: (وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة؛ فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فوقع التحريف...)([212]) .
* وقال صاحب الفتاوى التتار خانية: (ومن أنكر حرفا من هذا القرآن كفر)([213]).
* وقال الملا علي القاري / بعد أن ذكر قول الرافضة بالنقص والزيادة
في كتاب الله: (فمن أنكر حرفا مما في مصحف عثمان أو زاد فيه أو نقص،
فقد كفر)([214]) .
* وقال الإمام أبو الثناء الألوسي / في تفسير قوله تعالى: ﭽ ﭼ أي من كلّ ما يقدح فيه كالتحريف والزيادة والنقصان وغير ذلك...ولم يحفظ سبحانه كتابا من الكتب كذلك، بل استحفظها جلّ وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه، فلم يزل محفوظا أولا وآخرا...)([215]) .
* وقال الشيخ عبد الشكور اللكهنوي بعد أن ذكر اتهام
الرافضة الصحابة ش بالنقص والزيادة في القرآن الكريم -ما ترجمته-: إن صحابة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فيهم الخلفاء الثلاثة ش قد أثنى الله عليهم في كتابه وأمر
بالسير على نهجهم، فلا يمكن مع ذلك أن يصدر عنهم مثل هذه الأعمال، ومن
المعلوم أن الغرض من الطعن في الصحابة ش هو الطعن في القرآن الكريم الذي
وصل إلينا عن طريق أولئك الأخيار، فهؤلاء الرافضة هم أعداء هذا الدين، يريدون
تشكيك المسلمين في مصدر تشريعهم ومصدر عزتهم ونصرتهم([216]) .
وقد نصّ على رد هذه الفرية كثير من علماء الحنفية غير هؤلاء الذين تقدم النقل عنهم، وأترك ذكر أقوالهم روماً للاختصار والإيجاز ([217]) .

المطلب الثالث
زعم الرافضة وقوع التحريف
 في ترتيب السور والآيات والكلمات،
 وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مسألتان:
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة وقوع التحريف
في ترتيب السور والآيات والكلمات.
 
 
المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية
 من زعم الرافضة وقوع التحريف
 في ترتيب السور والآيات والكلمات.
 
مدخل:
نقل غير واحد من العلماء الإجماع على أن ترتيب الآيات والكلمات توقيفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستندوا في إجماعهم هذا إلى أخبار صريحة صحيحة مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، وهذا الأمر لا خلاف فيه بين المسلمين([218]).
وإنما وقع الخلاف بينهم في الترتيب بين سور القرآن الكريم، هل هو توقيفي أم اجتهادي؟
فذهب بعض أهل العلم إلى القول الأول، وذهب آخرون إلى القول الثاني، وقد ذكر السيوطي أدلة أصحاب القولين ثم ختم الكلام بقوله: (قلت: ومما يدل على أنه توقيفي-أي ترتيب السور- كون الحواميم رتبت وِلاءً وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وِلاءً، بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص ب(طس) مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات وِلاءً وأخرت طس عن القصص)([219]).
قلت: ومما يؤيد كون الترتيب بين السور توقيفيا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على صحة هذا الترتيب بين أغلب السور إن لم يكن كلها، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران)([220]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أعطيت مكان التوراة السبع)([221])-أي السبع الطوال-.
 
وما ورد عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي([222]) قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف([223])..فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: طرأ عليّ حزبي من القرآن، فأردت ألاّ أخرج حتى أقضيه، فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: نحزّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل([224]).
قال ابن حجر بعد ذكره لهذا الحديث: (فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...)([225]).
وقال أبو جعفر النحاس([226]): (المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )([227]).
قلت: وأيضا فإن إجماع الصحابة ش على مصحف عثمان وقبله على مصحف أبي بكر ب يقتضي أن يكون الترتيب توفيقيا؛ إذ من المحال أن يجتمعوا على مثل هذا الأمر العظيم من دون أن يكون له أصل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -والله أعلم-.
أما الرافضة فقد ذهبوا إلى القول بخلاف ذلك كعادتهم في النيل من قداسة القرآن ومكانته كما سيأتي توضيح موقفهم هذا في الصفحات القادمة.
 
المسألة الأولى: زعم الرافضة وقوع التحريف
في ترتيب السور والآيات والكلمات.
تقدم الحديث عن اعتقاد الرافضة أن القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم، بل هو محرف ومبدل.
ومن جملة ما ادعوا فيه التحريف وقوعه في ترتيب السور والآيات والكلمات، قال شيخهم المفيد: (فأما القول في التأليف: فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم، ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه)([228]).
وهذا الكلام يستوجب أن تذكر الآية المنسوخة قبل الآية الناسخة، وأن يكون ذكر المكي قبل المدني في الترتيب.
وذكر النوري الطبرسي أنواع التحريف في القرآن فقال: (نقصان السورة، ونقصان الآية، وزيادة الكلمة وتبديلها، وزيادة الحرف ونقصانه وتبديله، وتبديل الحركات بعضها ببعض، والترتيب بين السور والآيات وبين الكلمات وحدود السور والآيات) ([229]).
وقال أيضاً في معرض حديثه عن الأدلة التي تخيلها صريحة في وقوع التحريف، ما نصه: (الدليل الثاني عشر: الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى الصور المتقدمة، وهي كثيرة جدا حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد..والعلامة المجلسي وغيرهم..بل ادعى تواترها جماعة...واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معوّل أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية ) ([230]).
وقال الفيض الكاشاني: (أقول المستفاد من مجمع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزله الله ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي، وفي كثير من المواضع ومنها: لفظة آل محمد صلى الله عليهم غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله...)([231]).
ومن الأمثلة أيضا على هذا النوع من التحريف عندهم ما يلي:
* دعواهم أن هنالك آيات في سور وباقيها في سور أخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﭽ ﭼ [البقرة: ٦١].
 قالوا: بقية هذه الآية موجودة في سورة المائدة وهي قوله : ﭽ ﭼ [المائدة: ٢٢] .
* وزعموا أن بقية قوله تعالى في سورة الفرقان: ﭽﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﭼ [الفرقان: ٥] موجودة في سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: ﭽ ﮊ ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ [العنكبوت: ٤٨] فنصفها في سورة الفرقان،ونصفها الأخرى في سورة العنكبوت([232]).
* وفي قوله تعالى: ﭽﮘ ﭼ [هود: ١٧] روى علي بن إبراهيم القمي بسنده عن الصادق أنه قال: (إنما أنزل: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى}([233]).
يعني بتقديم ﭽ ﭼ على قوله:ﭽ ﭼ .
* ومنها قوله تعالى: ﭽ ﭼ [آل عمران: ٤٣]، قالوا: هو {اركعي واسجدي}([234]).
* ومنها قوله تعالى: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [الكهف: ٦] ،قالوا هو: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم أسفاً إن لم يؤمنوا بهذا الحديث}([235]).
* ومنها قوله تعالى: ﭼ [آل عمران: ١١٠]، فقد قال المجلسي في كتابه بحار الأنوار: (باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله مما رواه مشايخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد عليه السلام، قوله ﻷ: ﭽ ﭼ فقال أبو عبد الله لقارئ هذه الآية: ويحك خير أمة يقتلون ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت جعلت فداك فكيف هي؟ فقال أنزل الله {كنتم خير أئمة..}([236]).
* ومثله في قوله تعالى: ﭽ ﭼ [النحل: ٩٢] حيث افترووا على أبي عبد الله أنه قال في هذه الآية: "أي أمة أربى! إنما هي {أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم}([237]).
إلى غير ذلك من مزاعمهم الساقطة وخرافاتهم التافهة حول كتاب الله ﻷ.
         وبعد هذا العرض الموجز لعقيدتهم أذكر موقف علماء الحنفية تجاه تلك العقيدة السخيفة في السطور الآتية بإذن الله تعالى.
 
المسألة الثانية: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة
وقوع التحريف بين ترتيب السور والآيات والكلمات.
فإن ما تقدم عرضه من أقوال علماء الحنفية في رد عقيدة التحريف في المبحثين السابقين يتضمن الرد على هذا الزعم الباطل أيضا؛ لأن إبطال عقيدة التحريف بصفة عامة مستلزم لبطلان أنواعه كلها.
ولذلك فإني لا أطيل في بيان موقف الحنفية من هذه الخرافة، ولكن سأورد قولا أو قولين لهم من باب إعطاء القارئ لمحة موجزة عن موقفهم تجاه هذه الخرافة.
 فمن أقوالهم في ذلك:
* قال الشيخ ميرزا مخدوم الحسني: (ومن فروع خرافة عقيدة التحريف أنهم يقولون: {الضحى} و{ألم نشرح} معاً سورة واحدة([238])، وكل منهما جزء لها...
ويعدّون ﭽ ﭼ [البقرة: ٢٥٥] إلى قوله تعالى: ﭽ ﭪ ﭫﭼ [البقرة: ٢٥٧] آية واحدة، وهذه المجموع هي آية الكرسي عندهم...
فقولهم هذا يسلب الاعتماد عن ترتيب سور القرآن وآياته مع تواتر الكل، فاحتمل على تقدير صحة ذلك الاحتمال في مثل سورة {الفلق} و{الناس} و{لم يكن} و{الزلزلة}، ومثل ما ذكر في آية الكرسي يحتمل في آيات سورتي{الكوثر} و{الإخلاص} بل الآيتان منهما أولى بأن تعد آية واحدة، وقس عليها سائر السور المعجزات والآيات البينات...)([239]).
* وقال الشيخ أبو المعالي الألوسي -وهو يتحدث عن مدى دعوى الرافضة التمسك بالقرآن- ومشيراً إلى هذا النوع من التحريف، ما هو نصّ كلامه: (إن القرآن الذي أنزله الله تعالى لم يبق حقيقا بأن يستدل به بزعمهم الفاسد، لأنه لا اعتماد على كونه قرآنا إلا إذا أخذ بواسطة أحد أئمتهم، وليس القرآن المأخوذ من أئمتهم موجودا في أيديهم، والقرآن المعروف غير معتدّ به عند أئمتهم -بزعمهم- وأنه لا يليق الاستدلال به لوجهين:
الأوّل: لما رووا عن أئمتهم أن القرآن المنزل وقع فيه تحريف في كلماته عن مواضعها...وترتيبه هذا أيضاً غير معتدٍّ به لكونه متغيراً عن أصله، وما هو موجود الآن في أيدي المؤمنين هو مصحف عثمان الذي كتبه وأرسل منه سبع نسخ إلى أطراف العالم وألجأ الناس على قبوله وقراءته على ما رتّبه وآذى من خالف ذلك، فلا يصح التمسك به ولا يعتمد على نظمه من العام والخاص والظاهر والنص ونحوها؛ لأنه يجوز أن يكون هذا القرآن الذي بين أيدينا كله أو أكثره منسوخاً بالآيات أو السور التي أسقطت منه أو مخصوصا بها.
الثاني: أن نقلة هذا القرآن مثل ناقلي التوراة والإنجيل...فكما أن التوراة والإنجيل لا يعمل بهما أصلاً فكذلك هذا القرآن...)([240]).
وممن أشار إلى بطلان هذا النوع من التحريف الملاّ علي القاري([241]) وغيره من علماء الحنفية([242]).
وبناء على ما تقدم، فإن القول بتحريف القرآن الكريم هو قول الرافضة جميعهم ولا عبرة بقول من تظاهر منهم بخلاف ذلك؛ لأن ذلك مبني على الكذب الذي لا محيص لهم عنه، وهذا الموقف منهم تجاه كتاب الله تعالى يشهد على عدائهم للإسلام وأهله؛ لأن من طعن في كتاب الله بأي نوع كان فإنه عدو لله ورسوله والمؤمنين.
 
الفصل الثاني
موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة في معاني القرآن الكريم.
 
وفيه ثلاثة مباحث:
 
المبحث الأول: زعم الرافضة أن القرآن الكريم
 لا يفسره إلا المعصوم،
 وموقف علماء الحنفية منه.
 
المبحث الثاني: زعم الرافضة ادعاء النسخ
 في أخبار القرآن الكريم قياساً على أحكامه، وموقف علماء الحنفية منه.
 
المبحث الثالث: تأويلاتهم الفاسدة للآيات القرآنية، وموقف علماء الحنفية منها. 

مدخل:
تقدم في الفصل الماضي محاولات الرافضة الكثيرة لإسقاط مرجعية القرآن الكريم والنيل من قداسته ومنزلته بدعاوي التحريف والتبديل والزيادة والنقصان...، ولكنها باءت بالفشل وعادت عليهم بالخزي والعار أمام ميزان أهل الحق، وصدق الله تعالى إذ قال: ﭪ ﭫ ﭼ [إبراهيم: ٢٦].
         ثم لجأوا إلى سلوك طريق آخر زاعمين أنه سيحقق آمالهم ألا وهو تفسير الآيات القرآنية بما يوافق أهواءهم وشهواتهم، ثم نسبوا ذلك التفسير إلى من يعتقدون عصمتهم وقداستهم.
 فقسم من القرآن حرفوه وقسم لجأوا إلى تأويله تأويلاً باطنيا سخيفا، وما لم يمكنهم هذا ولا ذاك ادعوا فيه النسخ بحجة جواز النسخ في أخبار القرآن قياساً على أحكامه.
وللقارئ أن يتفطن إلى هذه المحاولات الشيطانية المتنوعة تجاه القرآن الكريم وكلام رب العالمين والتي ليس الهدف من ورائها إلا إطفاء نور الإسلام واستعادة ملك المجوس، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فكلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، جريا على سنة الله تعالى منذ أن خلق البشرية وإلى يوم العقبى.
وفيما يلي ذكر لبعض تلك المحاولات مع بيان تهافتها وسخافتها من خلال كلام علماء الحنفية.
 
المبحث الأول
زعم الرافضة أن القرآن الكريم  لا يفسره إلا المعصوم،  وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: زعم الرافضة أن القرآن الكريم لا يفسره إلا المعصوم.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة أن القرآن الكريم لا يفسره إلا المعصوم.
 
المطلب الأول: زعم الرافضة أن القرآن الكريم لا يفسره إلا المعصوم.
فإن مما علم من دين الإسلام بالضرورة أن علم القرآن ومعرفة معانيه لم يكن أمرا سرّيا يتوارثه سلالة معينة ،كما تزعم الرافضة اختصاص ذلك في أئمتهم، بل كان الصحابة ش بما فيهم علي رضي الله عنه الطليعة الأولى الذين نالوا شرف تلقي القرآن من فيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة وحفظا وتفسيرا ومن ثم نقلوه إلى من بعدهم، وهكذا سار على منوالهم علماء هذه الأمة فقدّموا جهودا جبارة في خدمة تفسير هذا الكتاب العزيز حتى وصل إلينا بعيدا عن أي إشكال وغموض، ولكن الرافضة خرقوا هذا الإجماع وزعموا أن هذا القرآن لا يفسره إلا فئة قليلة لا تتجاوز عدد الأصابع، وأن من اعتمد في تفسيره على غير هؤلاء فقد جانب الحق وضل عن سواء السبيل.
واستفاضت رواياتهم وأقوالهم في ذكر هذا الزعم، وسأكتفي بذكر نماذج منها:
* فقد روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله قال: (إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسِّرا، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله فسّره لرجل واحد، وفسّر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب)([243]).
* وروى فرات بن إبراهيم الكوفي بسنده عن أبي جعفر أنه قال: (...إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا) ([244]).
* وروى المجلسي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله أنزل عليّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير عليٍّ هلك) ([245]) .
ورواياتهم في هذا المعنى كثيرة جدا حتى عقد علمائهم في ذلك أبوابا في كتبهم وذكروا تحتها روايات لا حصر لها.
فمثلاً عقد الكليني عدة أبواب، ومنها:
(باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة)([246]).
و(باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة) ([247]).
و(باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة) ([248]).
وهكذا عقد المجلسي عدة أبواب في المسألة، ومنها:
(باب أن الأئمة هم أهل علم القرآن) وذكر تحته أربعا وخمسين رواية ([249]).
و(باب أنهم خُزّان الله على علمه) وذكر تحته بضع عشرة رواية ([250]).
وعقد الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة بابا بعنوان: (باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة) وذكر في ذلك قرابة ثمانين رواية ([251]).
* وفي كتابه الفصول المهمة في أصول الأئمة عقد بابا بعنوان:(باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة)([252]).
 
* وذكر الفيض الكاشاني في إحدى مقدمات تفسيره: (المقدمة الثانية في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت) ([253]).
وغير ذلك من رواياتهم وأقوالهم في هذا الشأن، والتي تصرح بحصر معرفة تفسير القرآن في أئمتهم ونفيه عن غيرهم من الصحابة ش والتابعين ومن جاء بعدهم من علماء هذه الأمة.

المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة
أن القرآن الكريم لا يفسره إلا المعصوم.
الناظر في كتب القوم ولاسيّما كتب تفاسيرهم يجد أنهم مفترون أعظم الافتراء والبهتان على أئمة أهل البيت في تفسير كتاب الله ، وذلك لأنهم نسبوا إليهم ما يستحيي المسلم من ذكره من تأويلات بعيدة وتحريفات سخيفة.
وليس هدفهم من حصر مرجعية التفسير في الأئمة إلا ترويج خرافاتهم وبث سمومهم على ألسنة أولئك الأخيار، وهي محاولة سبئية للنيل من حرمة القرآن الكريم وقداسته وعظيم مكانته.
وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكافة الصحابة تفسير هذا الكتاب العزيز، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي([254]) (حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً)([255]).
فدعوى اختصاص علم القرآن وتفسيره باثني عشر شخصا ينافي اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتفسير القرآن كالخلفاء الثلاثة وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهم، وقد كان علي رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس([256]) رضي الله عنه حيث(نُقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر عليٍّ، وابن عباس يروي عن غير واحد من الصحابة كعمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار، وروايته عن عليٍّ قليلة جدا، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئا من حديثه عن عليٍّ، وخرّجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم...وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابتٌ عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن عليٍّ قليل جدا، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب عليه)([257]).
إضافة إلى أنه ثبت عن علي رضي الله عنه غير مرة أنه نفى أن يكون قد خصه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلم دون غيره من الصحابة([258]).
أما أقوال علماء الحنفية في رد هذه الفرية فمنها:
* ما قاله الشيخ عبد العزيز الدهلوي في معرض حديثه عن مكائد الرافضة، ما نصه: (الكيد العشرون: أنهم يفسرون كلمات القرآن على وفق ما تهوى أنفسهم من غير دلالة لغوية وشرعية، وينسبون ذلك التفسير إلى أهل البيت ليزداد اعتباره وقدره، مثل تفسير [المؤمنين] بشيعة علي([259]) حيث ما ورد، وتفسير [الكافرين] بأهل السنة([260])، وتفسير [المنافقين] بالصحابة([261])، وتفسير [الجبت والطاغوت] بالشيخين([262])، أعاذنا الله من ذلك) ([263]).
* وقال الشيخ محمد طاهر الهاشمي -ما ترجمته-: إن دعوى اختصاص تفسير القرآن الكريم باثني عشر شخصا هي منافية لقول الله تعالى: ﭽ ﭥ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [النحل: ٤٤]، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة بأن يبين للناس ما أنزله عليه من القرآن الكريم من غير اختصاص أحد أو فئة بذلك
كما تقتضي كلمة{} ذلك، وقد قام رسول الله بذلك أحسن أداء وقيام، ولذلك اشتهرت واستفاضت تفاسير كثير من الصحابة ش كتفسير ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
واستدل الإمام أبو الثناء الألوسي بقول الله تعالى: ﭽ ﭻ ﭼ ﭽﭼ [النساء: ٨٢] على إبطال زعم الرافضة أن القرآن لا يفسره إلا المعصوم، ووجه استدلاله بهذه الآية هو أنه لو كان تفسير القرآن خاصا بالأئمة الاثني عشر لكان خطابنا بهذه الآية لا معنى له بل لكان لغواً، وفي هذا المعنى قال: (اُستُدل بالآية على فساد قول من زعم أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام المعصوم كما قال بعض الشيعة)([264]).
إذاً: فقول الرافضة بأن القرآن لا يفسره إلا المعصوم مخالف للآيات القرآنية التي تقدم ذكرها، وهو مخالف لواقع الصحابة ش الذين تعلموا القرآن وحفظوه وفسروه لمن بعدهم، كما أنه مخالف لما تواتر عن علي رضي الله عنه من إنكار أن يكون قد خصّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلم أو شيء دون غيره من الصحابة ش، وكفى بذلك فساد دعوى الرافضة وبطلانها.
هذا وإن للرافضة محاولة أخرى في النيل من القرآن الكريم وأخباره، لغرض ترويج أفكارهم ونشر عقائدهم، كما سيأتي الحديث عنها في المبحث القادم.
 
 
المبحث الثاني
زعم الرافضة ادعاء النسخ في أخبار القرآن الكريم قياساً على أحكامه، وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: زعم الرافضة ادعاء النسخ
 في أخبار القرآن الكريم
 قياساً على أحكامه.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية
 من زعم الرافضة ادّعاء النسخ
 في أخبار القرآن الكريم قياساً على أحكامه.

المطلب الأول: زعم الرافضة ادعاء النسخ([265])
في أخبار القرآن الكريم قياساً على أحكامه.
لا زال الحديث في كشف خطط الرافضة الشيطانية ومطاعنهم السبئية حول كتاب الله ﻷ، ومن تلك الخطط الفاشلة زعمهم وقوع النسخ في أخبار القرآن قياسا على أحكامه، وهدفهم من هذا الزعم هو وقوع النسخ في الآيات التي مدح الله فيها الصحابة ش وترضى عنهم ووعدهم بالنعيم والجنات([266]) كقوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭦﭧ ﭪ ﭼ [التوبة: ١٠٠] وغير ذلك من الآيات التي تقدم جملة منها في باب عدالة الصحابة ش .
فهذه الآيات هي قواصم لظهور الروافض الذين يلعنون ويكفرون صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلا ونهارا، ويعدون ذلك من أفضل العبادات وأجل القربات -عاقبهم الله بما يستحقون-، ولذلك زعموا أن في أخبار القرآن نسخا كما في أحكامه، وهم يلمحون بذلك إلى نسخ هذه الآيات ونظائرها التي تردّ عليهم إفكهم وكذبهم.
ومن هذا الباب قولهم بالبداء لله تعالى، وحملهم المحو والإثبات في القدر على النسخ في الأحكام كما سيأتي الحديث عن ذلك مبسطا في الباب الرابع.
وسأقتصر هنا على ذكر بعض رواياتهم التي تدل على وقوع النسخ في أخبار القرآن عندهم، فمنها:
* ما رواه العياشي بسنده (عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال كان علي بن الحسين يقول: لو لا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة، فقلت له: أية آية؟ قال قول الله:
ﭼ [الرعد: ٣٩] ([267]).
وقد أورد هذه الرواية علماؤهم في مؤلفاتهم([268]) للاستشهاد بها على وقوع النسخ في أخبار القرآن الكريم؛ لأن الرواية قائلة بأن المحو والإثبات يشمل بعض الأخبار التي ستكون في المستقبل، ومن المعلوم أن كثيرا من علماء الرافضة لا يفرقون بين النسخ والمحو والإثبات فكلاهما عندهم واحد([269]).
* وروى الكليني بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب([270]).
وهذه الرواية يتداولها علماؤهم([271]) حول أسطورة خروج مهديهم الموهوم، وهي صريحة في وقوع النسخ في المدة التي حدّدها الله لخروج مهديهم -على حسب زعمهم- فهي من قبيل وقوع النسخ في الأخبار.

المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من زعم الرافضة ادعاء النسخ
في أخبار القرآن الكريم قياساً على أحكامه.
إن قول الرافضة بوقوع النسخ في أخبار القرآن الكريم هو إحدى دعاويهم الكاذبة التي يريدون من ورائها بث سمومهم ونشر أفكارهم والتستر على أباطيلهم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وهذه الدعوى الكاذبة تستلزم الجهل والكذب والبداء في أخبار الله تعالى –تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-.
ثم إنه لو جاز النسخ في أخبار القرآن الكريم لما عرف حق من باطل ولما تميز صدق من كذب ولبطلت المعاني...([272]).
كما أن نسبة هذا الأمر إلى المخلوق نقص في حقهم فالخالق أولى وأجل بقياس الأولى، فهب أن أحدا أخبر بوقوع شيء في وقت معين، ثم أخبر بخلافه ألا يعدّ ذلك جهلا وكذبا؟! فإذا كان ذلك في حق المخلوق فالله له المثلى الأعلى سبحانه.
وأيضاً فإن قياس النسخ في أخبار القرآن على وقوع النسخ في بعض الأحكام الشرعية هو قياس مع الفارق؛ لأن النسخ في الأحكام الشرعية لا يستلزم الكذب والجهل في حق الشارع سبحانه؛ فالله سبحانه يأمر بشيء أو ينهى عنه ويعلم أنه سينسخه إلى ذلك الوقت بما في ذلك مصلحة عباده، وهذا بخلاف النسخ في الأخبار؛ فإن من أخبر بوقوع شيء في زمن معين ثم وقع خلافه فذلك دليل على كذبه وجهله بوقوع ذلك الشيء، ولذلك ينزه الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
         وهذه اللوازم الفاسدة هي التي أشار إليها علماء الحنفية في ثنايا كلامهم في رد هذا الإدعاء الكاذب، ومن أقوالهم في ذلك:

* ما قاله الإمام السرخسي([273]) -بعد أن تكلم عن وقوع النسخ في بعض الأحكام الشرعية-، ما هو نصّ كلامه: (وليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه؛ لأن الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون، ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه...
وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضاً، يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبَر به على ما أخبر به الصادق الحكيم، بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل لظاهر قوله تعالى: ﭽ ﭼ [الرعد: ٣٩].
 ولكنّا نقول الأخبار ثلاثة:
 خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا يكون موجودا.
 وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا.
 وخبر عما هو كائن في المستقبل نحو الإخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا من التردد، فتجويز النسخ في شيء من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على المخبر به.
        ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال: اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك، والقول بجواز النسخ في معاني الأخبار يؤدي إلى هذا لا محالة وهو البداء والجهل الذي تدعيه اليهود([274]) في أصل النسخ)([275]).
وقال / أيضاً مبيناً ما يمكن وقوع النسخ فيه وما لا يمكن:
(ولا يجوز النسخ في معاني الأخبار على ما قرّرنا، وإنما محل النسخ الأحكام المشروعة بالأمر والنهي مما يجوز أن لا يكون مشروعا ويجوز أن يكون مشروعا مؤقتا، وذلك ينقسم أربعة أقسام: قسم منه ما هو مؤبد بالنص، وقسم منه ما يثبت التأبيد فيه بدلالة النص، وقسم منه ما هو مؤقت بالنص فهذه الأقسام الثلاثة ليس فيها احتمال النسخ أيضا وإنما احتمال النسخ في القسم الرابع وهو المطلق الذي يحتمل أن يكون مؤقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء.
فأما بيان القسم الأول في قوله تعالى: ﭽ ﭼ [آل عمران: ٥٥] ففيه تنصيص على التأبيد، وكذلك في قوله تعالى: ﭽ ﭼ [النساء: ٥٧] لأن بعد التنصيص على التأبيد بيان التوقيت فيه بالنسخ لا يكون إلا على وجه البداء وظهور الغلط والله تعالى يتعالى عن ذلك.
وما ثبت التأبيد فيه بدلالة النص فبيانه في الشرائع بعد ما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستقرا عليها فإنه ليس فيها احتمال النسخ؛ لأن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي وقد ثبت بدليل مقطوع به أن رسول الله خاتم النبيين وأنه لا نسخ لشريعته، فلا يبقى احتمال النسخ بعد هذه الدلالة فيما كان شريعة له حين قبض، ونظيره من المخلوقات الدار الآخرة فقد ثبت بدليل مقطوع به أنه لا فناء لها.
وأما القسم الثالث فبيانه في قول القائل أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء، ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطاً منه لجهله بعاقبة الأمر، والنسخ الذي يكون مؤديا إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرِد شرعٌ بهذه الصفة.
فأما القسم الرابع فبيانه في العبادات المفروضة شرعا عند أسبابٍ جعلها الشرع سبباً لذلك فإنها تحتمل التوقيت نصاً: يعني في الأداء اللازم باعتبار الأمر، وفي الأسباب التي جعلها الله تعالى سببا لذلك، فإنه لو قال: جعلتُ زوال الشمس سبباً لوجوب صلاة الظهر عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما، ولو قال جعلت شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما)([276]).
* وقال الملاّ علي القاري رحمه الله: (والنسخ لا يجوز في الأخبار عند علماء الأعلام وإنما هو من مختصات الإنشاء والأحكام، وإلا فيلزم الخلف في أخباره، ويتوجه البداء في آثاره وهو متعال عن ذلك علوا كبيرا)([277]).
* وقد حكى الإمام الجصاص / قريبا من هذا الكلام عن بعض السلف([278]).
* وهكذا أكّد أبو الثناء الألوسي / وغيره من الحنفية على أنه لا يمكن وقوع النسخ في الأخبار البتة؛ لما في ذلك من النقص، والله تعالى منزه عن كلّ نقص وعيب([279]).
وبعد إبطال زعم الرافضة في هذه المسألة أنتقل إلى بيان تأويلاتهم الفاسدة للآيات القرآنية مع بيان رد علماء الحنفية عليهم في ذلك.
 
 
المبحث الثالث
تأويلاتهم الفاسدة للآيات القرآنية
وموقف علماء الحنفية منها.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: تأويلات الرافضة للآيات القرآنية.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من تأويلات الرافضة للآيات القرآنية.

المطلب الأول: تأويلات الرافضة الفاسدة للآيات القرآنية.
إن مسلك التأويل هو أحد مسالك الرافضة الخطيرة لبث سمومهم ونشر عقائدهم الفاسدة، فما من عقيدة من عقائدهم إلا وقد أولوا لإثباتها آيات عديدة بحيث لا توجد أية علاقة لا من جهة الشرع ولا من اللغة ولا من العقل، بين تلك الآيات وبين ما يدّعون.
 ومن يتتبع كتبهم ولا سيما تفاسيرهم يجدها مشحونة بالتأويلات السخيفة التي لا يخالجه أي شك في بطلانها وسخافتها، بل سيجد نفسه كأنه يقرأ في دين غير دين الإسلام، وتعظم المصيبة ويزداد الشر عندما يجد القارئ نسبة هذه التأويلات الكفرية إلى خيار خلق الله وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -والله المستعان-.
ويُعدّ كتابهم الكافي الذي -هو أصح الكتب عندهم- وخاصة قسم الأصول منه مرجعا أساسيا عندهم لتلك التأويلات والتحريفات([280]) وهكذا بحار الأنوار -الذي يُعدّ أكبر موسوعة حديثية عندهم- قد حوى مجلدين ضخمين الثالث والعشرين والرابع والعشرين لذكر تلك التأويلات والتحريفات، فعقد عدة أبواب في المجلد الثالث والعشرين بعنوان (أبواب الآيات النازلة في الأئمة) ويستمر ذكر تلك التأويلات إلى نهاية المجلد الرابع والعشرين، ولنضرب مثلا ببعض أبوابه على سبيل المثال، فقال عن الأئمة:
 (باب أنهم عليهم السلام الصافون والمسبحون، وصاحب المقام المعلوم، وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة)([281]).
وقال أيضا: (باب أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة والقصر المشيد، وتأويل السحاب والمطر والظل والفواكه وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركاتهم)([282]).
وقال أيضاً: (باب أنهم عليهم السلام وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداءهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي)([283]).
وقال: (باب أنهم هم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن وفيه بعض الغرائب وتأويلها)([284]).
أما كتب تفاسيرهم في هذا الباب فهي ظلمات بعضها فوق بعض، فلا تكاد تجد آية إلا وصرفوها عن مدلوها ومرامها، وأولوها بما يوافق أهوائهم وأغراضهم، ولو تحولت هذه الآيات إلى تلك التأويلات الباطنية التي شحنوا بها كتبهم لما بقيت لنا عبادة نتعبد الله بها، بل ولما بقي من الإسلام شيء البتة، وهذا هو هدفهم المنشود الذي يسعون إليه بمختلف الدسائس والمكائد.
وسأنتقل بعد إعطاء هذه الفكرة الموجزة لذكر نماذج من كتبهم حول هذه القضية الخطيرة، كما سأؤجل ذكر نماذج عديدة إلى حين بيان موقف علماء الحنفية من هذه العقيدة خشية التكرار.
وتأتي هذه التأويلات الموجودة في كتب الرافضة لخدمة جميع عقائدهم وأفكارهم، والتي في مقدمتها مسألة الإمامة التي انبثقت منها سائر عقائدهم وأفكارهم، ولأجل ذلك فقد كان لها حظا أكبر ونصيبا أوفر من تلك التأويلات والتحريفات من بين سائر عقائدهم وأفكارهم.
 ومن الآيات التي أولوها في مسألة الإمامة وغيرها -على سبيل المثال- ما يلي:
* حملهم اسم الرب في آيات عديدة على أئمتهم، ومن ذلك:
1/ قوله تعالى: ﭽ ﭼ [الفجر:27- ٢٨] قالوا المراد من الرب في الآية هو علي رضي الله عنه ([285]).
2/ وقوله تعالى: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ [الزمر: ٦٩] قال بعضهم عن جعفر الصادق إنّ رب الأرض هو الإمام، فحين يخرج الإمام يكفي نوره ولا يفتقر الناس إلى الشمس والقمر([286]).
 * حملهم آيات كثيرة على أسطورة الإمامة والولاية، ومن ذلك:
أ/ قوله تعالى: ﭽ ﭼ [الروم: ٣٠]، رووا عن الإمام الباقر أن المقصود بإقامة الوجه للدين هو الإيمان بالولاية والإمامة([287]).
ب/ وقوله تعالى: ﭽ ﭼ [الأحزاب: ٧٢]، وفي تفسيرها نسبوا إلى الإمام جعفر الصادق أنه قال: (المقصود بالأمانة هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام)([288]).
ج/ وقوله تعالى: ﭽ ﭝ ﭼ [البقرة: ٣]، قالوا المقصود بالإيمان بالغيب: هو الإيمان بالإمام الثاني عشر([289]).
* ومن جملة تأويلاتهم: حملهم آيات كثيرة نزلت في حق الكفار والمنافقين والمرتدين على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها:
1/ قوله تعالى: ﭽﮙ ﭼ [النساء: ١٣٧] رووا في تفسير الآية عن الإمام جعفر أنها نزلت في حق الخلفاء الثلاثة حيث آمنوا بالنبي في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء([290]).
2/ وقوله تعالى: ﭽ ﰈ ﭼ [الفرقان: ٥٥] قالوا المراد بالكافر على ربه من غصب الخلافة عن علي رضي الله عنه ([291]) ويقصدون به الصحابة ش ولا سيما الشيخين منهم.
3/ وقوله تعالى: ﭽ ﭼ [الكهف: ٥١] قالوا نزلت هذه الآية لما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه بأن يعز الإسلام بأحد الرجلين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو عمرو بن هشام([292]).
* ومن جملة تأويلاتهم: آيات عديدة أولوها إلى عقيدة الرجعة والتقية، وسيأتي الحديث عنها في الباب الرابع بإذن الله تعالى.
فهذه هي بعض نماذج من تحريفاتهم لكتاب الله ، وهي إحدى مؤامراتهم الخطيرة التي يهدفون عن طريقها بث سمومهم وترويج عقائدهم في أوساط ضعاف العقول والبلهاء من الناس.
وأشير إلى أنه تقدمت جملة كبيرة من مثل هذه التأويلات السخيفة في المسائل التي تم الحديث عنها في بابي الإمامة والصحابة مع الرد عليها من خلال كلام علماء الحنفية، وسيأتي ذكر نماذج أخرى في ثنايا كلام علماء الحنفية في المطلب القادم مع بيان بطلانها.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من تأويلات الرافضة الفاسدة للآيات القرآنية.
بعد أن عرجنا على تأويلات الرافضة الفاسدة للآيات القرآنية أعقب ذلك برد علماء الحنفية، وبالنظر في أقوالهم نجدها متنوعة في تفنيد تلك التأويلات فنجدهم أحيانا يفصلون في تفنيدها، وتارة يكتفون بحكايتها لأن حكايتها تغنى عن ردها، وتارة يحكونها مع استغرابها واستبعادها، أو التعليق عليها بمستحيل، وتارة يعبرون بأنهم زعموا، وما شابه ذلك من الألفاظ التي تعبر عن رفضهم لتلك التأويلات السخيفة.
ونظراً لكثرة أقوالهم في المسألة فإني سأكتفي بذكر نماذج منها، ومن تلك الأقوال:
* ما قاله الشيخ عبد العزيز الدهلوي في ثنايا حديثه عن هفوات الرافضة وشطحاتهم: (الهفوة السابعة: أنهم يحرفون القرآن المجيد ويحملونه على غير محمله مخالفاً للسياق والسباق والمعاني المأثورة بحيث يضحك منه من له أدنى حظ من العقل، وكل تفاسيرهم من هذا القبيل، ونبين عدة أمثلة منها:
فمثلاً يقولون: المراد من الصراط المستقيم في قوله تعالى: ﭽﭧ ﭼ [الفاتحة: ٦] حبّ عليٍّ، والمراد من ﭽ ﭬ ﭭ ﭼ [الفاتحة: ٧] عليّ وأولاده([293]).
وهذان التفسيران لا يخفى فسادهما؛ فلو كان المراد بالصراط المستقيم حبّ أحد لكان أولى وأحق به حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأيضاً: يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مأمورا بالدعاء للهداية إلى حب عليّ، مع أنهما لا ربط لهما أصلاً بنظم القرآن.
وأيضاً يقولون: المراد من قوله تعالى: ﭽ ﭬ ﭭ ﭼ [البقرة: ٨] صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي مقدمتهم الشيخان ش ([294]).
وأيضاً يقولون في قوله تعالى: ﭽ ﰈ ﭼ [الفرقان: ٥٥] أي في أخذ الخلافة ([295]) مع أن المراد من الكافر ههنا عابد صنم بدليل ما قبلها: ﭽ ﯼ ﯽ ﯿ ﰈﭼ [الفرقان: ٥٥].
وأيضاً يقولون: إن معنى ﭽ ﭼ [الزمر: ٦٥] أي لئن أشركت في الخلافة مع عليٍّ([296]) ولا ينظرون إلى صدر الآية حيث إنها تقول بأن الله أوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ومن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام، فعلى هذا كيف يتصور في حق الأنبياء السابقين تشريكهم غير عليٍّ معه في الخلافة حتى يصح النهي؟ ولو كان النهي وارداً لِمَ استخلفوا غير عليٍّ؟!
وأيضاً إن سياق هذه الآية وسباقها صريح في أن مراد الآية التحذير من الوقوع في الشرك، حيث إن سباقها: ﭽ ﭼ [الزمر: ٦٤]، وسياقها: ﭽ ﭼ [الزمر: ٦٦] يوضح هذا المعنى وينفي التأويل الذي ابتدعته الرافضة.
وأيضاً يقولون: إن المراد من السلطان في آية: ﭽ ﯼ ﯽ ﯿﭼ [القصص: ٣٥] صورة عليٍّ ط، وكلما كان فرعون أراد بموسى وهارون عليهما السلام سوء أو أذىً فكانا يُظهران له صورة عليٍّ رضي الله عنه فيحصل عنده خوف ورعب فيتخلى عن الإضرار بهما([297]).
وقد ذكر الله تعالى إن غلبتهما على فرعون كانت بالآيات، والآيات صيغة جمع لا أقلّ من آيتين في حملها بالضرورة، وصورة علي لو كانت فواحدة.
وأيضاً حيثما ذكر الله تعالى بيان قصة موسى وآياته مفصلاً اقتصر على ذكر عصاه ويده البيضاء، كما في سورة طه: ﭽ ﭼ [طه: 22- ٢٣] بعد قوله تعالى ﭽ ﮎ ﭼ [طه: ١٩]، وفي سورة القصص قال: ﭽ ﭼ [القصص: ٣٢] بعد قوله تعالى ﭽ
 [ القصص: ٣١] وقوله: ﭼ [القصص: ٣٢] وكذا في بعض سور القرآن.
وفي بعض الآيات جاء ذكر تسع آيات مثل قوله تعالى:ﭽ ﭼ [الإسراء: ١٠١] وذكر الله خمسة من هذه الآيات، فقال بعد أن ذكر آية العصا واليد البيضاء: ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﭼ [الأعراف: ١٣٣] وفي آية أخرى قال: ﭽ ﯼ ﯽﭼ [الأعراف: ١٣٠] فهذه هي الآيات التسع([298])ولم يذكر فيها صورة علي ط.
وأيضاً: فإن الله تعالى خاطب موسى وهارون عليهما السلام لما رأى خوفهما من ظلم فرعون بقوله: ﭽ ﭼ [طه: ٤٦] ولم يقل: جعلت معكما صورة علي.
ولو سلّّمنا مع ذلك كله أن المراد بالسلطان هو صورة علي وقد كانت تؤثر في نفس فرعون إلى قدر أنه كان يخاف منها -كما يزعمون- فلماذا لم يؤثّر جسده الحقيقي في قلب أبي بكر وعمر ب حتى يخافا ولا يأخذا حقه في الخلافة؟!
وأيضاً يقولون: إن المراد من {ربّكِ} في آية: ﭽ ﭼ [الفجر:27- ٢٨] علي([299]) رضي الله عنه .
وأيضاً يقولون: المراد من الإنس والجان في آية: ﭽ ﯽ ﯿ ﭼ [الرحمن: ٣٩] شيعة عليّ، فلا يسألون عن ذنب أصلاً؛ لأن ولاية عليٍّ ستبدّل سيئاتهم حسنات([300]).
أوَ لا يعلمون أن جملة {إنس ولا جان} نكرة في سياق النفي، وذلك يوجب العموم في الألفاظ النكرة، فلا وجه لاختصاص اللفظ بشيعة علي أصلاً.
وأيضاً: فلو أن رجلا من الشيعة زنى وشرب الحمر وأكل الحرام وأتى بالغيبة والنميمة وغيرها من المعاصي فهل لا يسأل عنها أصلاً؟ بل توجب ارتكابه لهذه الأمور عندهم في حقه ثوابا كالصلاة والصوم، فهذا المذهب هو أفسد المذاهب حتى من دين الإباحية والزنادقة؛ لأن الإباحيين يرون فعل هذه الأمور مباحة وحلالاً ولا يخافون على فعلها عقوبة، وهؤلاء متوقعون عليها أجرا وثوابا مع علمهم بأنها ذنوب ومعاصي، فشتان ما بينهما.
وأيضاً يقولون: حيثما ما وقع في القرآن المجيد أمر بالصبر أو مدح للصابرين مثل: ﭽ ﭫ ﭬ ﭼ [البقرة: ١٥٥]، ومثل: ﭽ
 [ آل عمران: ٢٠٠] أريد به صبر الشيعة على المشاق التي يواجهونها من مخالفيهم إلى حين خروج مهديهم الموهوم([301])، مع أن العمل بالتقية يحفظهم من وقوع أي ضرر بهم، فأيّ حاجة لهم إلى الصبر ؟([302]).
وغير ذلك من التأويلات التي أشار الشيخ عبد العزيز الدهلوي إلى بطلانها([303]).
* وذكر الإمام أبو الثناء الألوسي مجموعة من التأويلات التي توضح موقف الرافضة من القرآن، فقال في قوله تعالى: ﭽ ﭼ [البقرة: ٣] (زعمت الشيعة أنه القائم([304])، وقعدوا عن إقامة الحجة على ذلك)([305]).
وقال أيضاً عند تفسيره لآية: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [البقرة: ١٤٣] (ذهب بعض الشيعة إلى أن الآية خاصة بالأئمة الاثني عشر، ورووا عن الباقر أنه قال: "نحن الأمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه"([306])، ولا يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد)([307]).
وقال أيضاً عند قوله تعالى: ﭼ [المائدة: ٥٤]: (قالت الإمامية: هم علي وشيعته يوم وقعة الجمل وصفين..([308]) ولا سند لهم في ذلك إلا مروياتهم الكاذبة)([309]).
وقال عند قوله تعالى: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ [الأعراف: ٤٤] (ورواية الإمامية عن الرضا أنه علي ط([310]) مما لم يثبت من طريق أهل السنة، وبعيد عن هذا الإمام أن يكون مؤذّنًا وهو إذ ذاك في حظائر القدس)([311]).
 وقال عن تأويلهم للنحل في قوله تعالى: ﭽ ﮊ ﭼ [النحل: ٦٨] بأنه علي رضي الله عنه ([312]): (ومن بدع تأويلات الرافضة..أن المراد بالنحل علي رضي الله عنه وقومه، وعن بعضهم أنه قال عند الخليفة العباسي المهدي([313]): إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله تعالى طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم، فضحك المهدي، وحدّث به المنصور([314]) فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهما)([315]).
وعن غلوّهم المفرط في حق أئمتهم قال / عند تفسيره لقوله تعالى: ﭽ ﮕ ﭼ [طه: ٨٢] قال: (وروى الإمامية من عدة طرق عن أبي جعفر الباقر أنه قال: ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت، فو الله لو أن رجلا عبد الله تعالى عمره بين الركن والمقام ثم مات ولم يجيء بولايتنا لأكبه الله تعالى في النار على وجهه([316])..
 وأنت تعلم أن ولايتهم وحبهم ش مما لا كلام عندنا في وجوبه، لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما خاطب الله به بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام مما يستدعي القول بأنه ﻷ أعلمَ بني إسرائيل بأهل البيت وأوجب عليهم ولايتهم إذ ذاك، ولم يثبت ذلك في صحيح الأخبار)([317]).
وهناك تأويلات كثيرة ذكرها أبو الثناء الألوسي([318]) وحفيده أبو المعالي الألوسي([319]) وأنا أضرب عنها صفحا روما للاختصار وخوفا من الإسهاب، وهي أقل من أن يرد عليها لسخافتها وتهافتها فالباطل يحمل دليل بطلانه عليه.
* وهكذا ذكر الشيخ منظور نعماني جملة كبيرة من هذه التأويلات السخيفة ونبه على أنها تحمل في طياتها السخرية بالقرآن الكريم والإساءة إلى مكانته العظيمة ومنزلته الرفيعة.
ثم بدأ بعد ذلك بذكر نماذج من كتابهم الكافي الذي هو أصح كتاب عندهم على الإطلاق، ونظرا لكثرة تلك النماذج فإنني سأكتفي بذكر نماذج منها:
* فبعد أن أورد تفسير الرافضة لقوله تعالى: ﭽ ﭼ [الأحزاب: ٧٢] على أن المقصود بالأمانة هي ولاية علي رضي الله عنه ([320]).
قال معقباً عليه: (وهذا يكفي لأن يفهم القارئ أن وضع لفظ "الأمانة" مرادفاً لإمامة علي رضي الله عنه أشبه بما قام به أحد القاديانيين([321]) في ادعائه بأن المقصود بالأمانة هنا هو الإيمان بنبوة ميرزا غلام أحمد قادياني، وهذا هو حال جميع الروايات الواردة في هذا الباب.
والحقيقة أن من ينسب مثل هذه الروايات إلى أئمة أهل البيت، فإنما هم يسيئون بذلك إلى مكانتهم العلمية والدينية)([322]).
وقال أيضاً: (المقصود في قوله تعالى: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮛﮝ ﭼ [الشعراء: 192- ١٩٥] أن الروح الأمين وهو جبريل عليه السلام حمل القرآن الكريم بلسان عربي مبين فصيح، ونزل به على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبلّغه للناس وينذرهم بالعاقبة([323]إلا أن ما جاء في "أصول الكافي" رواية عن الإمام الباقر يثير العجب، وذلك أنه فسّر المنَزّل هي إمامة علي ط([324])...
ونحن على يقين من أن أي إنسان يفتح القرآن ويقرأ هذه الآيات ويفهمها سيصاب بالحيرة مما يرويه هؤلاء عن أولئك الأجلاء، ومن يروي مثل هذه الروايات عن هؤلاء الأئمة إنما يعبر عن جهله ويعلن للملأ أنه لا عقل له)([325]).
وقال في تفسير قوله تعالى: ﭼ [النساء: 137]، ففي هذه الآية يوضح القرآن الكريم أحوال أولئك الذين قبلوا الإسلام ظاهرا ثم انقلبوا عليه وكفروا بالله، ثم أظهروا الإيمان بعد ذلك، ثم عادوا مرة أخرى إلى الكفر، ثم زادوا في كفرهم ، فأمثال هؤلاء لن يغفر الله لهم أبدا([326]).
ومن الواضح أن الآية توضح أحوال المنافقين...لكن الشيعة رووا في تفسير الآية عن الإمام جعفر الصادق أنها نزلت في حق الخلفاء الثلاثة حيث آمنوا بالنبيّ في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية، ثم آمنوا بالبيعة لعلي رضي الله عنه ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا ...الخ([327])
عاقبهم الله بما يستحقون([328]).
* وذكر الشيخ موسى جار الله([329]) في رسالته المسمى (الوشيعة في نقض عقائد الشيعة) أمثلة عديدة على تحريفهم الواضح لكتاب الله، ومنها الرواية المنسوبة إلى الإمام الباقر كما رواها العياشي...لمّا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أعزّ الإسلام بأحد العمرين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام، أنزل الله: ﭽ ([330]) [الكهف: ٥١].
فقال الشيخ موسى معلقاً على هذه الرواية: (تضع كتب الشيعة مثل هذا الوضع وإن كان فيه تحريف لنظم القرآن، وتجهيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيل للإمام الباقر، وجهل عظيم بمواقع الآيات ومنازل السور، وفيه تجهيل لله وطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حيث جعلته الشيعة مثل "الباحث عن حتفه بظلفه"([331]) فإن عمر رضي الله عنه على زعم الشيعة هو الذي حرف القرآن، وغصب حق الإمامة، وأبطل تدابير النبيّ عليه الصلاة والسلام.
 وكيف يغفل الإمام الباقر عن مثل قول الله: ﭽ ﭑ ﭒ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ [النساء: 45- ٤٦].
 وإذا لم يكن من الذين هادوا ضرر لا للنبي ولا للقرآن ولا لأهل البيت مثل أضرار أتت من عمر رضي الله عنه -بزعمهم- للنبي وللقرآن ولأهل البيت، فيكون الله جهل أشد الأعداء، ولم يكن وليا ولا نصيرا للنبي ولا لأهل البيت من ظلم عمر ومن تحريفه للقرآن ومن غصبه حق آل البيت، وبناء عليه يلزم منه وصف الله ﻷ بالجهل والعجز)([332]).
وأشار الشيخ إلى أن الرافضة حرفوا كل آية نزلت في الكفار إلى الطعن في الصحابة ولا سيما الخلفاء الثلاثة ش أجمعين([333]).
وبعد أن ذكر الشيخ مجموعة من تأويلاتهم السخيفة وتحريفاتهم الواضحة([334]) قال: (هذه أمثلة من التحريفات تنزيلاً أو تأويلاً في أمهات كتب الشيعة تحريف غالٍ غالٍ، وانتحال مبطلٍ قالٍّ، وتأويل جاهلٍ ضالٍّ...فنحن نبرأ الأئمة منها احتراماً لأهل البيت وحباً لكل إمامٍ)([335]).
* وذكر الشيخ محمد عبد الستار التونسوي عددا من تأويلاتهم السخيفة، ونظرا لضيق المقام فإني سأكتفي بذكر نموذج واحد منها:
فذكر / في تحريفهم لقول الله تعالى: ﭽ ﭼ [الزمر: ٦٥] أي لئن أشركت في الخلافة مع عليّ ([336]) حيث قال:(فانظروا كيف افتروا على جعفر الصادق في تفسير الآية مع أن هذه الآيات في توحيد الله ﻷ وأنه هو الذي يجب أن تكون له جميع العبادات)([337]).
وعلى غرار هؤلاء ذكر الشيخ محمد سرفراز نماذج من تأويلات الرافضة وتحريفاتهم لكتاب الله تعالى مع الرد عليها والإشارة إلى بطلانها([338]).
وبعدُ: فهذه هي بعض النماذج من تأويلات الرافضة وتحريفاتهم لكتاب الله ﻷ، وهي إحدى مؤامراتهم الكثيرة للنيل من مرجعية القرآن وحجيته وعظيم مكانته وقداسته، وهي كلها تدور حول قضية الإمامة فكأن القرآن لم ينزل إلا فيها، فهم حريصون كل الحرص على تقرير هذه القضية التي رتبوا عليها ما سواها من العقائد، فنسبوا هذه التأويلات السخيفة إلى من يدعون إمامتهم تمويها وتلبيسا على عقول أولئك الغفلة وضعفة العقول من الناس، وبهذه الحيلة الشيطانية والمكيدة السبئية نجحوا في إدخال هذه الخرافات والخزعبلات إلى عقول مقلديهم الذين لا محيص لهم عنهم، وهذا المسلك الباطني الخبيث سلكه كل من أراد أن يكون معول هدم للإسلام وأهله قديما وحديثا، ولكن علماء الحق كانوا لهم بالمرصاد تحقيقا لوعد الله ﻷ بحفظ هذا القرآن من تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فردوا باطلهم في نحورهم وكيدهم في صدورهم، ففضحهم الله شر فضيحة وأذلهم أسوأ ذلة، وصدق الله: ﭽ ﭼ[الأنعام: ٥٥].
وبعد هذه المناقشة لتأويلات الرافضة السخيفة يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال وهو: إذا كانت الرافضة لا يقيمون لهذا القرآن وزنا ولا يقدرونه حق قدره، فهل هنالك كتاب يحوي مثل علوم هذا القرآن وحكمه وأحكامه وأخباره؟؟
ويجيب الرافضة على هذا التساؤل بقولهم إن هناك كتابا يحوي هذه العلوم ويزيد عليها بأضعاف مضاعفة، ألا وهو مصحف فاطمة...
وهذا ما جعلني أفرد هذه المسألة في فصل مستقل لأهميتها في كيان الرافضة العقدي من جهة، ولخطورتها من جهة أخرى.
 
 
الفصل الثالث
مصحف فاطمة عند الرافضة
واعتقادهم فيه، وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مبحثان:
 
المبحث الأول: ادّعاء الرافضة وجود مصحف فاطمة، وموقف علماء الحنفية منه.
  
المبحث الثاني: عقيدة الرافضة في مصحف فاطمة، وموقف علماء الحنفية منها.
 
مدخل:
فإن من دعاوي الرافضة الكثيرة العارية عن الدليل والبرهان دعواهم أن آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خصهم الله بعلوم دون غيرهم، من أمور الغيب وأمور الحلال والحرام، بل وكل ما يحتاج إليه الناس في أمورهم الدينية والدنيويه.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن نواة هذه المقالة وجذورها قد وضعها عبد الله بن سبأ وأتباعه في عصر متقدم، فقد ذكر الجوزجاني في كتابه الشهير (أحوال الرجال) أن ابن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند عليّ)([339]).
 فيظهر من هذا النص أن دعوى اختصاص علي رضي الله عنه بعلوم ليست عند غيره هي إحدى مقالات السبئية التي تلقاها عنهم أتباعهم الشيعة الاثنا عشرية، والتي عمموها في فاطمة رضي الله عنها وسائر أئمتهم بحيث اتخذت صورا متنوعة وأشكالاً متعددة في مذهبهم.
وانطلاقا من هذه الدعوى السبئية زعموا أنه قد نزلت على فاطمة وأئمتهم ش كتب سماوية واختصوا بعلوم ليست عند غيرهم، بل وحتى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن تلك الكتب على سبيل المثال:
1/ الصحف المنسوبة إلى علي رضي الله عنه ومنها صحيفة فيها تسع عشرة صحيفة قد أودعها رسول الله -بزعمهم- عند الأئمة ([340]).
2/ الجفر الأبيض والجفر الأحمر، والأبيض منهما يشتمل على علوم جميع الكتب السماوية وعلوم الأنبياء السابقين، والأحمر عبارة عن السلاح التي يقاتلون بها مخالفيهم في آخر الزمان، وذلك عند خروج إمامهم المعدوم ([341]).
3/ اللّوح المنسوب إلى فاطمة رضي الله عنها وهي بزعمهم نزلت من السماء وفيها أسماء أئمتهم والوصية لهم بالإمامة ([342]).
4/ الجامعة: وهي-كما قالوا-: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإملائه من فلق فيه، وخط علي رضي الله عنه بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل ما يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش ([343]).
قلت: وقد تقدمت النقول عن علي رضي الله عنه وبعض أولاده على نفي اختصاصهم بشيء من العلم دون غيرهم من الصحابة ش أجمعين ([344]).
5/ المصحف المفترى على فاطمة رضي الله عنها والذي يسمونه بمصحف فاطمة، وهو الذي سيكون الحديث عنه هنا، ونظرا لمكانته الكبيرة عندهم واشتماله
–بزعمهم- على جميع العلوم وكل ما يحتاجه الناس في أمورهم الدينية والدنيوية، فإني قسمت الحديث فيه إلى مبحثين:
الأول منهما في بيان ادعائهم حول وجود هذا المصحف مع ذكر رواياتهم في ذلك.
والمبحث الثاني في بيان عقيدتهم فيه، مع الرد عليهم من خلال كلام علماء الحنفية.
وسيتبين لنا من خلال ذلك مخالفتهم لدين الإسلام الذي لا يعترف بوجود أي مصحف سوى القرآن الكريم، كما سيتبين لنا تناقضهم في هوية هذا المصحف وحقيقته ومحتواه، وأنهم مختلفون في ذلك إلى أقوال متباينة وآراء متناقضة، وذلك يوضح لنا خرافة هذه الأسطورة التي قصد من ورائها هؤلاء الزنادقة الطعن في القرآن الكريم والنيل من حجيته ومرجعيته وذلك بزعمهم أن هذا المصحف اشتمل على علوم وأمور ليست في القرآن الذي جعله الله تبيانا لكل شيء، كما سيتضح ذلك أكثر في الصفحات القادمة.
 
المبحث الأول
ادعاء الرافضة وجود مصحف فاطمة ، وموقف علماء الحنفية منه.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: ادعاء الرافضة وجود مصحف فاطمة .
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من ادعاء الرافضة بوجود مصحف فاطمة.
 
 المطلب الأول: ادعاء الرافضة وجود مصحف فاطمة ك:
تنسب الرافضة إلى فاطمة رضي الله عنها مصحفا ضخما خاصا بها، بحيث لا يوجد فيه شيء من هذا القرآن المعروف لدى المسلمين، وإنما يحتوي على جميع العلوم، وكل ما يحتاجه الناس في أمور دينهم ودنياهم، وكذلك يحتوي على أمور الغيب بتفاصيلها.
وتفيد جملة من رواياتهم في هذا الباب بأن الغرض من هذا المصحف هو تسلية فاطمة رضي الله عنها وتعزيتها بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بنزول هذا المصحف عليها.
كما تفيد رواياتهم أن فاطمة رضي الله عنها تركته عند أولادها من بعدها يستقون منه كل ما يحتاجون إليه.
ومن يتتبع رواياتهم حول شأن هذا المصحف المنسوب إلى فاطمة رضي الله عنها تأكّد عنده خرافة هذه الأسطورة بحيث إن رواياتهم وأقوالهم في بيان حقيقة هذا المصحف وتحديد هويته متناقضة ومتضاربة تماما بحيث تصرح بعض رواياتهم بأنه وحي أوحاه الله تعالى إلى فاطمة رضي الله عنها بواسطة ملك، وروايات تقول بأنه نزل عليها مكتوبا من السماء جملة واحدة.
 بينما تصرح روايات أخرى بأنه من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي رضي الله عنه بيده.
كما تفيد روايات أخرى إنه من تأليف علي ط، بينما يصرح بعضهم بأن هذا المصحف ألّفته فاطمة رضي الله عنها باجتهاد منها بعد موت أبيها، وغير ذلك من الروايات والآراء المتضاربة التي هي منقولة في كتبهم المعتمدة ومن أئمتهم المعصومين -بزعمهم- والتناقض في شيء واحد أصرح دليل وأوضح برهان على بطلانه وكذبه.
وإليك عرض تلك الروايات والأقوال:
* فقد روى الصفار والكليني عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة؛ وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة عليه السلام، قال قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله ، فأرسل الله إليها ملكاً يُسلّي غمّها ويحدّثها، فشكتْ ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا...أما أنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون...).
وفي رواية أخرى عندهما عن أبي عبد الله: (..وكان جبريل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان عليّ عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام)([345]).
فهاتان الروايتان صريحتان في أن هذا المصحف هو وحي أوحاه الله إلى فاطمة رضي الله عنها بواسطة الملك الذي جاء لتسليتها وتعزيتها بعد وفاة أبيها، وأن الذي تولى كتابته هو علي ط، وأن هذا الوحي هو وحي حقيقي.
قلت: وقد اتفق المسلمون على أن الوحي انقطع بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يوحى إلى فاطمة؟ وكيف يكون تعزيتها بإخبارها بما سيحصل لأولادها من فتن ومصائب، ثم كيف تعطى علماً نفاه الله عن أبيها سيد الأولين والآخرين حيث أمره بأن يقول للناس: ﭽ ﭝ ﭼ [الأعراف: ١٨٨] ؟!
* وأيضاً فإن هناك رواية عندهم عن جعفر الصادق بأن هذا القرآن ليس وحيا إلى فاطمة رضي الله عنها وبالتالي لم يكتبه علي رضي الله عنه؛ بل هو (نزل عليها مكتوبا في ورق من درّ أبيض له دفتان من زبرجدتين...وأن جبريل وإسرافيل وميكائيل حملوه وأنزلوه عليها)([346]).
وبالنظر إلى هذه الرواية نجدها متفقة مع الروايتين السابقتين بوجود هذا المصحف وكونه وحيا إلا أنها خالفتهما في كون هذا المصحف نزل مكتوبا من السماء، بينما نسبت الروايتان السابقتان كتابته إلى علي ط، وكلها صادرة عن المعصومين -بزعمهم-!!
* وفي مقابل هذه الروايات التي تنصّ على أن هذا المصحف هو وحي من الله إلى فاطمة رضي الله عنها روايات أخرى تنصّ على نقيض ذلك؛ فهناك روايات تصرح بأنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي رضي الله عنه بيده، كما روى الصفار بسنده عن أبي عبد الله في خبر مطول، وفيه قال: (وعندنا مصحف فاطمة، ما فيه آية من كتاب الله، وإنه لإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وخطه عليٌّ عليه السلام بيده...)([347]).
وقد اتضح من هذه الرواية أن المصحف من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عليّ رضي الله عنه وهو الذي تولى كتابته وليس بوحي من الله كما نصّت عليه الروايات السابقة.
* ويرى بعض شيوخ الرافضة أن هذا المصحف ألّفته فاطمة رضي الله عنها باجتهادها بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما كانت سمعته منه في حياته ومن زوجها في التشريع والأخلاق والآداب، وما سيحدث في مستقبل الزمان من الأحداث والتقلبات ([348]).
* وهناك رأي آخر ينسف كل ما تقدم ذكره من الروايات والأقوال، وهو أن هذا المصحف ألّفه علي رضي الله عنه لزوجه فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها تسلية لها وذلك بعد انتهائه من جمع القرآن، فهو ليس وحيا ولا من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك يقول عبد الحسين الموسوي في مراجعاته الساقطة: (وبعد فراغه من الكتاب العزيز ألّف لسيدة نساء العالمين كتابا كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة...)([349]).
والذي ننتهي إليه بعد هذه الآراء المتباينة والمواقف المتضاربة هو أن هذا المصحف مكذوب على فاطمة رضي الله عنها وإلا لما وقعوا في مثل هذه التناقضات، وهو جزء من كذبهم الكثير الذي لا حصر له، وهو قطرة من بحر كذبهم التي يستهدفون من ورائه بث سمومهم وترويج ضلالاتهم.

المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من ادعاء الرافضة
وجود مصحف فاطمة ك.
لقد بيّن غير واحد من علماء الحنفية على أنه ليس هنالك مصحفا يسمى مصحف فاطمة وإنما هو خرافة من خرافات الرافضة الكثيرة التي لا حصر لها.
وصرحوا أيضاً أن هدف الرافضة من ادعاء هذا المصحف هو الوصول إلى أغراضهم الخبيثة ومقاصدهم الدفينة والتي تتمثل في عدائهم لهذا الدين الذي أطفأ نار المجوسية بمائه العذب الزلال، وبنوره الذي أضاء به البشرية وأخرجها من ظلمات الوثنية والكفر والضلال: ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮊ ﮋ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ [المائدة: 15- ١٦].
ولما كان فساد هذا الادعاء واضحا ليس بحاجة إلى كبير رد؛ فإني سأكتفي بذكر نقول قليلة من كلام علماء الحنفية لمزيد من الإيضاح في بطلانه وتفنيده، فمن أقوالهم في ذلك:
* قال الشيخ محمد منظور نعماني بعد أن ذكر رواية أبي بصير عن الإمام جعفر الصادق / أنه قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد)([350]).
فقال معلقاً على هذه الرواية: "من الملاحظ هنا أن الإجابة التي نقلها راوي الرواية أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق ذكرت القرآن مرتين هكذا (قرآنكم)، فهل هذا القرآن ليس قرآنهم!!
وهناك الآلاف من هذه الافتراءات التي افترى فيها أبو بصير وغيره على أئمة أهل البيت، ولا يمكن لأي مؤمن أن يساوره أي شك في إيمان أهل البيت حتى يضعوا قرآنا غير القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله عليه الصلاة والسلام.
ونحن على يقين أن الإمام جعفرا الصادق لم يذكر أبدا هذا الأمر عن القرآن الكريم، وتلك الروايات هي في الأصل من اختلاق هؤلاء الرواة الذين ألّفوا المذهب الشيعي ونسبوا كل هذه الخرافات إلى الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر وكبار أهل البيت ، وراوي الرواية السابقة أبو بصير هو واحد من أولئك الناس الذين لعبوا دورا كبيرا في هذا الافتراء الكاذب على أهل البيت ([351]).
* وقال الشيخ محمد سر فراز -بعد أن ذكر الرواية السابقة وكذلك الرواية التي تقول بأن هذا المصحف كان تسلية لفاطمة بسبب وفاة أبيها:
من الأمور الواضحة لدى المسلمين أن القرآن الكريم نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام في ثلاث وعشرين سنة منجّماً حسب الوقائع والأحداث([352])، وهو اليوم في أيديهم، ولا يعرفون مصحفا اسمه مصحف فاطمة ويزيد على القرآن ثلاث مرات وليس فيه حرف واحد من هذا القرآن.
 وإذا كان هذا المصحف المزعوم أزيد من القرآن الكريم بثلاث مرات فمن متى وإلى متى كان ينزل على فاطمة مع العلم بأن القرآن الكريم -وهو أقل منه- نزل في ثلاث وعشرين سنة، وفي أي وقت كُتب كما يزعمون؟!!
وأعجب من ذلك قولهم إن هذا المصحف ليس فيه ولا حرف واحد من القرآن الذي أنزله الله بواسطة جبريل على النبي عليهما الصلاة والسلام وتلقته الأمة بالقبول، وهذا يدل على أن هذا المصحف المزعوم ليس باللغة العربية؛ بحيث لو كان باللغة العربية لحوى بعض الحروف مع أن حروف اللغة العربية متحدة، وكل ذلك يدل على أن هذا الزعم خرافة ومحض خيال، ولا يمكن للرافضة إنكار هذا الأمر؛ لأنه قول إمام معصوم مؤكد بالحلف، فأي عقل يصدّق هذا!! ([353]).
 وهكذا ذكر الشيخ موسى جار الله على أن هذا المصحف هو خرافة من خرافاتهم الكثيرة التي لا يقبلها أي عقل ولا يصدقها أي منطق([354]).
 
 المبحث الثاني
عقيدة الرافضة في مصحف فاطمة،
وموقف علماء الحنفية منها.
 
وفيه مطلبان:
 
المطلب الأول: عقيدة الرافضة في مصحف فاطمة.
  
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة في مصحف فاطمة.
  
المطلب الأول: عقيدة الرافضة في مصحف فاطمة ك:
إن مصحف فاطمة المزعوم هو أشبه ما يكون بمهديهم المعدوم بحيث إن كلا منهما لا وجود له في الحقيقة والواقع، ومن السخافة وقلة العقل وانتكاس الفطرة أن تبنى العقيدة على شيء لا وجود له، وتعظم المصيبة إذا صبغت تلك العقيدة بشيء من القداسة والعصمة، كما هو حال ودأب هؤلاء الوضّاعين الذين نسبوا تلك العقائد إلى أئمتهم الذين يرون عصمتهم في جميع أمورهم وأحوالهم.
ولئن كان لمصحف فاطمة رضي الله عنها وجود -مع اعتقادهم أن من جملة ما فيه هو علم ما سيكون- لتغير وجه التاريخ ولما أصاب أئمتهم -كما تعترف به كتبهم- من المحن والقتل...، ولما اختفى منتظرهم خوفا من القتل، ولما كان للتقية والنفاق أدنى حاجة؛ إذ بمعرفة أسباب وقوع المكروه يتجنبون المكروه، وبمعرفة أسباب المعروف والمحبوب يفوزون بالمرغوب، ولما يكن ذلك كذلك علم أنه ليست هناك حقيقة ولا وجود لمصحف يدعونه بمصحف فاطمة، وهو من الافتراء الذي يستحقون عليه حد المفترين.
وأشير إلى مجمل عقيدتهم في هذا المصحف المزعوم في النقاط التالية:
أ/ تعتقد الرافضة أن مصحف فاطمة هو أكبر من القرآن الكريم بثلاث مرات، وفي ذلك نسبوا إلى أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: (...وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات...)([355]).
وورد في بعض كتبهم صفة نزول هذا المصحف على فاطمة رضي الله عنها ، وهي: أنه لما نزل هذا المصحف على فاطمة رضي الله عنها بواسطة الملائكة ثم عرجوا منها إلى السماء، بدأت فاطمة على قراءة هذا المصحف من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره ([356]).
وهذا الخبر في غاية من الغرابة؛ إذ كيف يمكن لفاطمة رضي الله عنها أن تختم هذا المصحف في هذه المدة القصيرة علما بأنه يشتمل على جميع علم الغيب وأخبار الأمم السابقة، وفيه أخبار جميع السماوات، وفيه أمور الحلال والحرام وجميع ما يحتاج إليه الناس، وفيه أخبار أهل الجنة وعدد من يدخلها وأسمائهم وأوصافهم، وعدد أهل النار ومن يدخلها بأسماءهم وأعيانهم، وفيه علم القرآن والكتب السماوية الأخرى...الخ.
ولو اقتصرتْ على قراءة رؤوس الأقلام لما أمكنها أن تختم مثل هذا المصحف في هذه المدة الزمنية القصيرة، فقولهم هذا ليس إلا تحلّلاً من العقل.
ب/ ومن عقائدهم أيضا حول هذا المصحف المزعوم قولهم بأنه لا يوجد فيه حرف واحد من القرآن الكريم، وفي ذلك رووا عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: (...والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد...)([357]).
ج/ تذكر جملة كبيرة من رواياتهم محتوى هذا المصحف في أنه يحتوى على علم الغيب، وفي ذلك نسبوا إلى أبي جعفر محمد الباقر أنه قال في وصف هذا المصحف: (...فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في السماوات من الملائكة، وغير ذلك، وعدد كل من خلقه الله بأسمائهم وأسماء آبائهم، وأسماء من كذّب ومن أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين من الأولين والآخرين، وأسماء البلدان، وصفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى وقصصهم،ومن وَلِي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمة وصفتهم وما يملك كل واحد، وصفة كبرائهم وجميع من تردد في الأدوار...وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار ، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أنزل، وعلم التوراة كما أنزلت، وعلم الإنجيل كما أنزل، وعلم الزبور وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلدان)([358]).
 وإذا كانت هذه الرواية تفيد بأن محتوى هذا المصحف هو علم الغيب، فإن ثمة روايات تصرح بأنه كتاب تشريع وبيان الحلال والحرام، كما نسبوا إلى أبي عبد الله الصادق أنه قال عن هذا المصحف: (ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش)([359]).
وهناك روايات تفيد بأن هذا المصحف لا يشتمل إلا على وصية فاطمة رضي الله عنها ([360]).
بينما يذهب البعض الآخر منهم أن المصحف يحتوى على الحِكَم والأمثال ومواعظَ وعبرٍ وأشياء أخر...([361]).
وغير ذلك من الروايات والأقوال المتضاربة في محتوى هذا المصحف.
درحمه الله: ومن معتقداتهم أن هذا المصحف سيحمله مهديهم أثناء رجعته وظهوره ([362]).
فهذا بعض ما يعتقدونه حول هذه الخرافة التي لا ينطق بها إلا من تحلّل من العقل تماما وتلبس بلباس الكذب والبهتان حسدا وعدوانا.
 
المطلب الثاني: موقف علماء الحنفية من عقيدة الرافضة
في مصحف فاطمة رضي الله عنها .
تقدم الكلام في المبحث السابق بأن هذا المصحف لا وجود له في الحقيقة والواقع، بل هو واحد من تلك الأمور الخيالية التي بني عليها هذا المذهب؛ للتوصل إلى أهدافهم وأغراضهم الخبيثة.
ولا بأس من ذكر إشارات عابرة في رد بعض ما يعتقده هؤلاء حول هذا المصحف المزعوم، وذلك في السطور الآتية:
* أما قولهم بأن مصحف فاطمة ليس فيه شيء من هذا القرآن، بل ولا حرف واحد، ففي إثبات تناقضهم في ذلك قال الشيخ محمد سر فراز -ما ترجمته-: على الرغم من اتفاق أغلب الرافضة على أن هذا المصحف ليس فيه ولا حرف واحد من القرآن الكريم، إلا أن هناك رواية في أصح الكتب عندهم -وهو الكافي- أن الإمام جعفرا الصادق قرأ أول سورة المعارج قائلاً: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع من الله ذي المعارج} بزيادة جملة [للكافرين بولاية علي] فقال له أبو بصير: جعلت فداك إنا لا نقرأ هكذا، فقال: هكذا أنزل الله بها جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله، وهكذا والله ثبتت في مصحف فاطمة عليها السلام)([363]).
فهذه الرواية تصرح بأن مصحف فاطمة يحتوي على شيء من القرآن؛ بحيث إن الرواية التي تنصّ على أن مصحف فاطمة ليس فيه حرفا من القرآن مروية عن الإمام جعفر الصادق عن طريق أبي بصير، وكذلك هذه الرواية رواها عنه أبو بصير، فكلتا الروايتان مرويتان عن معصوم واحد، بحيث إن الراوي عنه واحد، وهما مذكورتان في أصح الكتب عندهم، فماذا يقول المنصفون من الشيعة تجاه هذا التناقض الواضح!!!([364]).
* وكذلك أشار الشيخ محمد سر فراز إلى اعتقادهم حول محتوى هذا المصحف، وذكر أنهم في ذلك متناقضون إلى أقوال كثيرة بحيث لا يمكن الجمع بينها، وذلك يزيد هذه الأسطورة فسادا وبطلانا ([365]).
* وهكذا أشار الشيخ محمد منظور نعماني إلى حلمهم الكاذب بأن مهديهم سيحمل هذا المصحف وغيره من الكتب معه ليحكم بها بين الناس، وذكر أنها خيالات ليس لها أي حظ من الحقيقة ([366]).
وقد ذكر الشيخ موسى جار الله في كتابه الوشيعة بأن سبب عدم قبول الرافضة لهذا القرآن الكريم وعدم اهتمامهم به هو انتظارهم لمصحف فاطمة وغيره من الكتب التي يحلمون بها أثناء خروج مهديهم الذي لا وجود له ([367]).
وعودا على بدء: فإن عقيدة الرافضة في هذا الباب أقل من أن يرد عليها، إذ بطلانها واضح كالشمس في رائعة النهار، وهذه هي سمة أكثر عقائدهم التي تحمل في طياتها التناقض والفساد والبطلان.


([1]) الصحاح للجوهري 1/50(مادة: قرأ) 125، ولسان العرب 13/201.

([2]) معجم مقاييس اللغة ص 85(مادة: قري)، والصحاح للجوهري 1/50.

([3]) النهاية في غريب الحديث ص 725، ومعجم مقاييس اللغة ص 853،      والمفردات للراغب 2/239.0(مادة: قرأ).   

([4]) انظر النهاية لابن الأثير ص 725، والقرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم 1/29.

([5]) انظر تمهيد الرسالة (مبحث التعريف بالقرآن).

([6]) انظر ذلك في: الرد على الجهمية للدارمي ص 161، وكتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة 1/328-404، وشرح السنة للبربهاري ص 64، وكتاب الشريعة للآجري 1/489، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 2/141،والحجة في بيان المحجة لقوام السنة 2/203، ورسالة في القرآن وكلام الله لابن قدامة ص 33-58، والاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي 130، ومجموع الفتاوى 12/117.  

([7]) انظر مقدمة القيرواني بشرح الدكتور محمد بن  عبد الرحمن الخميس ص 30.

([8]) انظر رد الدارمي على الجهمية ص 162، ورده على بشر المريسي ص 106، والرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي ص 105، والحجة في بيان المحجة 2/209، والمناظرة لأهل البدع في القرآن ص 34، وشرح السنة للبربهاري 93، وكتاب الشريعة 1/489، وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي 2/241.

([9]) الرد على الجهمية للدارمي ص 162، وانظر المناظرة لأهل البدع في القرآن لابن قدامة ص 46. 

([10]) جامع البيان في تفسير آي القرآن 17/68. 

([11]) تفسير القرآن العظيم 2/713.

([12]) انظر مدارك التنـزيل وحقائق التأويل 2/269، ومجموع الفتاوى 1/3 . 

([13]) مجموع الفتاوى 1/7، 14/197، وانظر القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم 1/396-399. 

([14])تفسير القرآن العظيم 1/83-84.  

([15]) أخرجه الترمذي في كتاب ثواب القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر، ص 651 برقم(2910) وصححه الألباني في تخريجه لأحاديث المشكاة برقم(2137).  

([16]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه 4/1919 برقم(4739).  

([17]) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن 1/549 برقـم(244).  

([18]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، ص 227 برقم(1464) وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم(2240).

([19]) اعتنى الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره بذكر هذه النصوص التي تشهد بفضل القرآن وصاحبه. انظر 1/30-39 من تفسيره .

([20]) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم 4/1911 برقم(4711) و(4712).

([21]) انظر تفسير القرطبي 19/95، وأصل القصة في صحيح البخاري، كتاب بدأ الوحي، باب كيف  كان بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 1/6 برقم(5). 

([22]) انظر القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم 2/810-811.

([23]) انظر الإتقان للسيوطي 1/142، وتفسير القرطبي 1/69، والقرآن الكريم ومنزلته بين السلف  2/806.   

([24]) انظر في ذلك كتاب المصاحف لابن أبي داود 1/153، 157، وتفسير القرطبي1/ 85، والقرآن الكريم ومنزلته بين السلف 2/813.

([25]) انظر كتاب المصاحف 1/206، وتفسير القرطبي 1/87، وروح المعاني 1/21-23.  

([26]) انظر تفسير القرطبي 1/69.

([27]) من هؤلاء الذين تخرجوا على أيدي الصحابة ش من التابعين: مجاهد بن جبر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعلقمة، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم كثير. انظر تفسير القرطبي 1/70.   

([28]) المرجع السابق 1/71، وانظر القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم 1/364.

([29]) ومن تلك الكتب: كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، والبرهان في علوم القرآن للزركشي، ومناهل العرفان للزرقاني، وعلوم القرآن لمناع القطان وغيرها.  

([30]) ومن تلك المؤلفات: معاني القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن لابن الأنباري، ومعاني القرآن للزجاج، والمفردات في غريب القرآن للراغب، وغريب القرآن لأبي عبيد القاسم ابن سلام وغيرها. 

([31]) منها: حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع للشاطبي، والنشر في القراءات العشر وغيرها.

([32]) مناهل العرفان 1/33.   

([33]) انظر مجلة الرابطة في عددها 324 شهر رجب، عام 1412هـ ص 34-36.   

([34]) رسالة الإرجاء(ضمن كتاب الإيمان للعدني ص 148) باب اتباع السنة. 

([35]) هو الإمام، أبو سليمان، موسى بن سليمان الجوزجاني الحنفي، صاحب أبي يوسف  ومحمد، حدث عنه: القاضي أحمد بن محمد البرتي، وبشر بن موسى، وأبو حاتم الرازي، وآخرون، وكان صدوقا محبوبا إلى أهل الحديث، قيل إن المأمون عرض عليه القضاء فامتنع، توفي سنة(200هـ).  انظر سير أعلام النبلاء 10/194، والجواهر المضية 3/518، والأعلام 7/323.

([36]) انظر أحوال الرجال للجوزجاني ص 38. 

([37]) قلت: وهذه الشخصية منحولة ومزورة لا وجود لها في الواقع، لأن الكتاب الذي نسب إليه يثبت ذلك عند التأمل.  

([38]) كتاب سليم بن قيس ص 146-147.

([39]) المرجع السابق ص 210-211.

([40]) هو الفضل بن شاذان بن الخليل، أبو الأزدي النيسابوري، المتوفى سنة(260هـ) قال عنه الحلي الرافضي: "له عظيم الشأن في هذه الطائفة،...وهذا الشيخ أجل من أن يغمز عليه؛ فإنه رئيس طائفتنا..". انظر ترجمته في رجال الحلي ص 1321-، ومعجم رجال الحديث للخوئي 13/289، والذريعة 2/490.

([41]) كتاب الإيضاح ص 211.

([42]) المرجع السابق ص 209-211، وانظر الأصول من الكافي 2/631.
 

([43]) بصائر الدرجات ص 213-214، وانظر ذكاء الأذهان بجواب جلاء الأذهان ص 553.

([44]) هو محمد بن مسعود بن عياش، أبو النضر العياشي السمرقندي، قال عنه النجاشي: "ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة" وقال الطوسي: "جليل القدر، واسع الأخبار، بصير بالروايات مطلع عليها، له كتب تزيد على مائتي مصنف". انظر ترجمته في الفهرست للنجاشي، والفهرست للطوسي، والكنى والألقاب لعباس القمي 2/449.   

([45]) تفسير العياشي 1/13.

([46]) المرجع السابق 1/12-14.

([47]) تفسير القمي 1/5.

([48]) الأصول من الكافي 1/228.

([49]) المرجع السابق 1/417.

([50]) المرجع نفسه 2/634.

([51]) انظر المرجع السابق 1/416-417، 2/633-634، 8/290.

([52]) الاستغاثة من بدع الثلاثة 1/151.

([53]) المرجع نفسه 1/152-153.

([54]) أوائل المقالات ص 80-81.

([55]) المصدر السابق ص 46.

([56]) الاحتجاج 1/227-228.

([57]) المرجع السابق 1/358-372 بتصرف يسير.

([58]) المرجع نفسه 1/377-378.

([59]) الصافي في تفسير القرآن 1/49-50.

([60]) انظر وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 27/196.

([61]) بحار الأنوار 93/113-125.

([62]) الأصول من الكافي 2/634.

([63]) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 2/536.

([64]) انظر تذكرة الأئمة ص 18-20 (بالفارسية) نقلاً عن موقف الرافضة من القرآن الكريم ص 101 ، وانظر حياة القلوب 3/389 ،وحق اليقين(كلاهما بالفارسية) ص 372.

([65]) الأنوار النعمانية 2/360-364.

([66]) انظر فصل الخطاب ص 251.

([67]) المرجع السابق ص 2-24.

([68]) المرجع السابق ص 24-26.

([69]) فصل الخطاب ص 33، 26-36.

([70]) الأنوار النعمانية 2/358-359.

([71]) انظر لمعرفة ذلك كتاب موقف الرافضة من القرآن الكريم ص 129 وما بعدها، وأصول مذهب الشيعة 1/346-365، والشيعة والقرآن للشيخ إحسان إلهي ظهير ص 68 وما بعدها.

([72]) ذكر الشيخ إحسان إلهي جملة من تلك الأقوال في كتابه : الشيعة والقرآن ص 71-86.

([73]) انظر فصل الخطاب ص 36-360.

([74]) المرجع السابق ص 360-384.

([75]) انظر موقف الرافضة من القرآن الكريم ص 116.

([76]) انظر مقدمة كتاب تحفة العوام لمقبول أحمد الرافضي، وانظر وثيقة رقم (5) في كتاب مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 2/330.

([77]) شرح دعاء السحر ص 70-71، وانظر الروايتين في الأصول من الكافي 1/228.

([78]) انظر أسامي علماء الرافضة وإجماعهم قديما وحديثا في كتاب روح القرآن للسيد نجم الحسن الرافضي ص 61- 72 حيث عدّ من علمائهم مائة واثنين وأربعين شخصا وكلهم مطبقون على عقيدة التحريف. 

([79]) رسالة في بيان الفرق الضالة ص 182(ضمن رسائل المؤلف الخمس في الفرق والمذاهب).

([80]) النواقض لظهور الروافض ص 146.

([81]) التحفة الاثني عشرية ص 52-53(تحقيق: أحمد المدخلي)، وانظر مختصر التحفة ص 82.  

([82]) التوراة هي كلمة عبرانية تعني الشريعة أو الناموس، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى ×نورا وهدى لبني إسرائيل، وألقاه إليه مكتوبا في الألواح، وهي عند اليهود خمسة أسفار يعتقدون أن موسى ×كتبها بيده، ويسميها النصارى بالعهد القديم، ولكنه منسوخ عندهم. انظر المعجم الوسيط ص90(مادة:تار)، ودراسات في اليهودية والنصرانية ص 74، والأديان والمذاهب المعاصرة للشيـــخ عبد القادر شيبة الحمد ص 22.   

([83]) الإنجيل كلمة يونانية تعني الخبر الطيب أو البشارة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى × هدى ونورا، وقد ضيع النصارى هذا الكتاب، واخترعوا أناجيل من عندهم. انظر المعجم الوسيط ص 29، والأديان والمذاهب المعاصرة ص 41، ودراسات في اليهودية والنصرانية ص 197.

([84]) سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين ص 78، وانظر مختصر التحفة ص 50.

([85]) روح المعاني 1/23-24.   

([86]) ردّ الألوسي على حصون العاملي الرافضي ص 49، وانظر مختصر التحفة ص 50.

([87]) انظر فصل الخطاب ص 251. 

([88]) تقد تقدم النقل عنه كما في كتابه مرآة العقول 2/536.

([89]) ستأتي الإشارة إلى تفنيد اعتراض يورده البعض بقوله: إن كثيرا من معاصري الرافضة في هذا العصر ينكرون عقيدة التحريف ويقولون إن أهل السنة ظلموهم بنسبتهم إلى هذه العقيدة.

([90]) انظر كلام الشيخ محب الدين الخطيب في كتابه القيم "الخطوطة العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية" ص 10.

([91]) ولما نشر هذا الكتاب استبشر به المستشرقون من أعداء الإسلام وترجموه بلغاتهم، وقد ذكر ذلك محمد مهدي الأصفهاني الكاظمي في كتابه(أحسن الوديعة 2/90) وهو ذيلٌ على كتاب الخوانساري(روضات الجنات)، وانظر الخطوط العريضة ص 15-16.   

([92]) الثورة الإيرانية ص 206-207 بتصرف يسير، وانظر للمزيد: الخطوط العريضــة للشيخ محب الدين الخطيب ص 10-11.  

([93]) هو عبد الشكور اللكنوي بن ناظر علي بن فضل على الفاروقي، تلقى علومه الأولية من الشيخ نور محمد ثم رحل إلى لكنؤ فأخذ من علمائها، ثم عين مدرسا في المدرسة الفاروقية في لكنؤ فأخذ يؤلف ويرد على الرافضة، ومن مؤلفاته: البيّنات(وهو في الرد على الرافضة)، وسيرة الخلفاء الراشدين(وكلاهما بالأردية)، توفي سنة(1381هـ). انظر أكابر علماء ديوبند ص 154-155.

([94]) تنبيه الحائرين ضمن كتاب العقائد والأفكار الضالة لمحمد يوسف اللدهيانوي ص 131.

([95]) بطلان عقائد الشيعة ص 33.

([96]) انظر فصل الخطاب ص 33. 

([97]) مرآة العقول 2/536.   

([98]) الأنوار النعمانية 3/360.   

([99]) انظر فصل الخطاب ص 28-32.   

([100]) بطلان عقائد الشيعة ص 33-44 بتصرف واختصار، وانظر: النجوم الأحد عشر لعبد الشكور اللكهنوي ص 43 تحت عنوان(إقامة البرهان على أن الشيعة أعداء القرآن)، وإرشاد الشيعــة ص 32، 92-93، ومذهب الشيعة ص 98-101، وتاريخ التشيع وأفكاره  ص 704-710.

([101]) قلت: كما فعل بعض المنصفين منهم، حيث تبرأوا من هذه الأكاذيب والضلالات وأصحابها وأعلنوا موقفهم هذا، كالبرقعي(انظر كسر الصنم ص 180) وحسين الموسوي ( انظر لله ثم للتاريخ ص 79) والياسري(كما في أعلام التصحيح والاعتدال ص 207) وأحمد الكاتب(المرجع نفسه ص  253) وغيرهم.

([102]) بطلان عقائد الشيعة ص 44-45 بتصرف.

([103]) تنبيه الحائرين ص 51.

([104]) الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام ص 192. 

([105]) اختلاف الأمة والصراط المستقيم ص 20.   

([106]) الثورة الإيرانية ص 195 بتصرف. 

([107]) بنجاب: أحد أقاليم باكستان وأكثره سكانا، ومن أشهر مدنه: لاهور،وفيصل آباد،وإسلام أباد، وغيرها.  

([108]) انظر مقدمة رسالة "تنبيه الحائرين". 

([109]) مقدمة البرهان ص 49، نقلاً عن كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار ص 80(لله ثم للتاريخ) للدكتور حسين الموسوي، وقد أورده الطبرسي في فصل الخطاب ص 32.     

([110]) مختصر التحفة الاثني عشرية ص 50.
    

([111]) تنبيه الحائرين ص 22، وانظر العقائد والأفكار الضالة ص 134. 

([112]) انظر التحفة الاثني عشرية 1/201(تحقيق: عمر العيد).

([113]) انظر الثورة الإيرانية ص 195، 201.

([114]) انظر بطلان عقائد الشيعة ص 33.

([115]) انظر تاريخ التشيع وأفكاره ص 706، واختلاف الأمة والصراط المستقيم ص 20.

([116]) انظر كلام شيخ الإسلام بمعناه في منهاج السنة 7/416.    

([117]) تنبيه الحائرين ص 23، وانظر العقائد والأفكار الضالة ص 134-137. 

([118]) انظر كتاب سليم بن قيس ص 146-147 . 

([119]) انظر صحيح البخاري كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد 2/549 برقم(1488).  

([120]) انظر هذه الوجوه وغيرها في: الأجوية العراقية على الأسئلـــة  الإيرانية ص 168 وما بعدها، والتحفة الاثني عشرية 1/53-54 (تحقيق: أحمد المدخلي)، و1/255(تحقيق: عمر العيد)، وروح المعاني 1/24، والنواقض لظهور الروافض ص 146، وبطلان عقائد الشيعة ص 45، وإرشاد الشيعة ص 36-38.  

([121]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/216-217.

([122]) انظر فصل الخطاب ص 106.    

([123]) انظر المرجع السابق ص 121-145.     

([124]) انظر فصل الخطاب ص 210.

([125]) راجع نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 33-35، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/47، وروضة الناظر مع شرحه نزهة الخاطر 1/201.

([126]) بطلان عقائد الشيعة ص 46.

([127]) كما فعل النوري الطبرسي في فصل الخطاب ص 106. 

([128]) الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية ص 173، وانظر في مصداق ما قاله: الإتقـان في علوم القرآن 1/156. 

([129]) الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية ص 173، وانظر الإتقان في علوم القرآن 2/47. 

([130]) انظر روح المعاني 1/25.   

([131]) روح المعاني 1/22 وقد أجاب ابن حجـر في فتح الباري 9/17 جوابا مقاربا له. 

([132]) انظر تقرير ذلك في الإتقان 1/130. 

([133]) روح المعاني 1/26 بتصرف يسير.  

([134]) انظر استدلالهم بهذه الآيات في التحفة الاثني عشرية 1/53(تحقيق: أحمد المدخلي)، والأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية ص 173، وتفسير مدارك التنـزيل 2/269،      وروح المعاني 14/16، وبطلان عقائد الشيعة ص 45 -46، وإرشاد الشيعة ص 36.

([135]) تفسير المدارك 2/269.

([136]) روح المعاني 14/16.

([137]) التحفة الاثني عشرية 1/53(تحقيق: أحمد المدخلي).  

([138]) المرجع السابق نفسه 1/52.  

([139]) المرجع نفسه 1/55، وانظر الثورة الإيرانية ص 199.

([140]) بطلان عقائد الشيعة ص 46، وانظر الإجماع على ذلك في الشفا 2/1104.  

([141]) إرشاد الشيعة ص 31. 

([142]) انظر التحفة الاثني عشرية 1/54(تحقيق: أحمد المدخلي).     

([143]) ثبت أنه قتل يوم اليمامة قرابة سبعين من حفظة كتاب الله ﻷ، انظر فتح الباري 9/16،والبداية والنهاية 6/321(حوادث سنة 12هـ).

([144]) العسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، وقيل غير ذلك، انظر فتح الباري 9/19، والنهاية في غريب الحديـث ص 601(مادة: عسب).

([145]) اللّخاف، جمع لخفة، وهي صفائح الحجارة الرقاق، وقيل هي حجارة بيض رقاق، انظـر فتح الباري 9/19، والنهاية في غريب الحديث ص 820(مادة: لخف).

([146]) هو خزيمة بن ثابت الأنصاري أبو خزيمة، ذو الشهادتين، صحابي جليــل، وهو الذي وجدت أواخر سورة التوبة مكتوبة عنده حين جمع القرآن في خلافة الصــديق، توفي      سنة(40هـ) في خلافــة علي ط. انظر معجم الصحابة للبغوي2/248.

([147]) انظر صحيح البخاري كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {لقد جاءكم رســول من أنفسكم}4/1720 برقم(4402).

([148]) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود 1/157 ، وفتح الباري 9/17 وقد وثق ابن حجر رجال إسناده.

([149]) هو الإمام أبو بكر ابن أبي داود، صاحب كتاب المصاحف، ثقة ثبت مات سنة(254هـ)، انظر تهذيب التهذيب 1/188. 

([150]) هو عبد خير بن يزيد بن جوني بن عبد عمرو بن عبد يعرب ابن الصائد الهمذاني، أبو عمارة الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عن جمع من الصحابة وعنه جمع من التابعين، وقد عده بعض المحدثين في الطبقة الأولى من التابعين.  انظر الإصابة 5/102، وتهذيب  التهذيب 6/113.

([151]) كتاب المصاحف 1/153-154، وانظر فتح الباري 9/17.

([152]) روح المعاني 1/22، وقد أجاب ابن حجر في فتح الباري جوابا مقارباً له 9/17.  

([153]) هو سويد بن غفلة بن عامر بن وداع بن معاوية بن الحارث الجعفي يكنى أبا بهثة، يقال: صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأصح أنه قدم المدينة بعد دفنه صلى الله عليه وآله وسلم بيسير، وروى عن جمع من الصحابة وعنه جمع من التابعين،ومات سنة(80هـ)، وقيل(81هـ). انظر الإصابة 3/270، وطبقات ابن سعد 6/68، والكاشف 1/473.   

([154]) كتاب المصاحف 1/206 ،وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى 2/42 منه جملة(فو الله لو وُليت لفعلت مثل الذي فعل)  وصحح إسنادها ابن حجر في فتح الباري 9/24.   

([155]) انظر كلام ابن حجر في الفتح بمعناه 9/24، وانظر عن جمع ذي النورين: كتاب المصاحف 1/195.

([156]) روح المعاني 1/21-22 باختصار. 

([157]) هو القاضي أحمد بن حسام الدين الحسن بن سنان الدين الرومي الحنفي المعروف ببياضي زاده، ألّف إشارات المرام من عبارات الإمام في شرح الكتب المنسوبة إلى أبي حنيفة كالفقه الأكبر، والعالم  والمتعلم، والوصية، وتوفي سنة( 1097هـ).انظر هدية العارفين 1/88، والأعلام 1/112.

([158]) انظر إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان ص 172-173. 

([159]) النواقض لظهور الروافض ص 147.

([160]) شم العوارض في ذم الروافض ص 141-142.

([161]) الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية ص 173.

([162]) بطلان عقائد الشيعة ص 46.

([163]) هو الشيخ رشيد أحمد بن هداية أحمد بن بير بخش بن غلام حسن الحنفي الرامبـوري ثم الجنجوهي، كان محاربا للبدع  وأهلها، كما كان حريصا على خدمة السنة النــبوية وأهلها، وله عدد من المؤلفات منها: سبيل الرشاد، والفتاوى الرشيدية وغيرهـا، توفي سنة(1323هـ). انظر نزهة   الخواطر 8/163، وأكابر علماء ديوبند ص 27-32.

([164]) انظر هداية الشيعة ص 14(بالأردية).

([165]) انظر البينات ص 170(بالأردية).

([166]) انظر إرشاد الشيعة ص 31.

([167]) انظر تاريخ التشيع وأفكاره ص 710.

([168]) انظر للمزيد فتاوى علماء شبه القارة الهندية في كتاب "الوثيقة التاريخية" ص 63 وما بعدها، فقد ذكر فيه ما يزيد على مائتي عالم وكلهم أفتوا بكفر الرافضة بسبب قولهم بالتحريف.
 
([169]) الأصول من الكافي 2/634 والاعتقادات للمفيد ص 634، وشرح أصول الكافي للمازندراني 11/87.   

([170]) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 12/525.

([171]) انظر فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ص 32.
 
([172]) انظر تذكرة الأئمة للمجلسي ص 19-20 .

([173]) انظر تذكرة الأئمة ص 18-19، وفصل الخطاب 180-181، وقد ذكر النوري الطبرسي أن محمد بن شهر آشوب المازندراني أشار إلى حذف هذه السورة من القرآن في كتابه المثالب، وهذه السورة المزعومة نقلها النوري الطبرسي من كتاب "دبستان مذاهب" لمؤلفه محسن فاني كشميري، وقد طبع الكتـــاب -على حسب كلام الشيخين منظور نعماني، ومحب الدين الخطيب- طبعات عديدة. انظر الثورة الإيرانية ص 208، وتعليق الشيخ محب الدين الخطيب على مختصر التحفة  ص 32.

([174]) الاحتجاج 1/377-378.

([175]) انظر فصل الخطاب ص 113.

([176]) المرجع السابق ص 113.

([177]) انظر بحار الأنوار 36/116.

([178]) الإيضاح ص 211، 227، وانظر فصل الخطاب ص 118، والشيعة وتحريف القرآن ص 64.

([179]) انظر الأصول من الكافي 1/417، وبحار الأنوار 23/373.

([180]) انظر الأصول من الكافي 1/417، وتفسير العياشي 1/50، وبحار الأنوار 23/372 .

([181]) انظر تفسير العياشي 1/71، وتفسير نور الثقلين 1/148، وبحار الأنوار 2/76 .

([182]) تفسير القمي 1/10، وبحار الأنوار 35/58، والصافي في تفسير القرآن 1/50 .

([183]) الأصول من الكافي 1/423-424، وتفسير العياشي 1/45، وبحار الأنوار 24/222.    

([184]) تفسير القمي 1/100، وتفسير فرات الكوفي ص 78.

(7) تفسير القمي 1/11، والصافي في تفسير القرآن 1/50.  

([186]) الأصول من الكافي 1/416، وبحار الأنوار 24/176-177.  

([187]) الأصول من الكافي 1/421، والصافي في تفسير القرآن 4/336.

([188]) الروضة من الكافي 8/290، وانظر تفسير القمي 1/84.

([189]) الفروع من الكافي 3/28، وتهذيب الأحكام 1/57.

([190]) وقد ذكر الشيخ إحسان إلهي في ظهير في كتابه "الشيعة والقرآن" نماذج كثيرة من كتبهم على هذا النوع من التحريف المزعوم ص 167-344.  

([191]) هو مثل يضرب لمن يُعَيِّر غيره بعيبٍ هو فيه. انظر مجمع الأمثال للميداني 1/268، وجمهرة الأمثال للعسكري 1/475.
([192]) انظر هذا الإدعاء الكاذب في بحار الأنوار 36/116.

([193]) المرجع السابق 35/235.

([194]) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق جمهور أهل العلم على أن الرسل والأنبياء ليسوا إلا من الإنس، أما الجن فليس منهم أحد لا رسول ولا نبي بل منهم نُذُرٌ إلى أقوامهـم.
      انظر النبوات لشيخ الإسلام ص 396.    

([195]) النواقض لظهور الروافض ص 146-150 بتصرف يسير.

([196]) عدّ الشيخ أبو الثناء الألوسي على زعم الرافضة الخاطئ حول هذه السورة، ونبّه على أن هذه السورة مكية، وعلي رضي الله عنه لم يكن صهرا لرسول الله إلا في المدينة، فبأي دليل يدّعون مصاهرته في مكة! انظر روح المعاني 30/178.  
([197]) هكذا في المصدر المنقول عنه، والأولى أن يقول[كِلائته] مِن كَلأَ يَكْلأ كِلاء وكِلاءة بمعنى الحفظ.  المعجم الوسيط (مادة: كلأ).

([198]) التحفة الاثني عشرية 1/203(تحقيق: عمر العيد)، وانظر للاستزادة:  السيوف المشرقة ص 151.

([199]) الثورة الإيرانية ص 201.

([200]) كما في الاحتجاج للطبرسي 1/377-378.  

([201]) الثورة الإيرانية ص 198-199.

([202]) المرجع السابق ص 208-209.

([203]) انظر بطلان عقائد الشيعة ص 36.  

([204]) تاريخ التشيع وأفكاره ص 706، وانظر إرشاد الشيعة ص 40.

([205]) انظر مجمع البيان في تفسير القرآن 1/42-43، ولكن النوري الطبرسي مؤلف فصل الخطاب ذكر وقوع الزيادة في الكلمات والحروف، كما في ص 25 من فصل الخطاب.

([206]) انظر الصافي في تفسير القرآن 1/41-42.

([207]) تفسير العياشي 1/13، وانظر بحار الأنوار 89/55، 115، والصافي في تفسير القرآن 1/41، وفصل الخطاب ص 237.

([208]) حمل بعضهم الروايات القائلة بوقوع الزيادة في القرآن على التبديل ومنهم يوسف البحراني في الدرر النجفية ص 297، ولكن هذا التأويل تعسف ظاهر وتكلف واضح؛ لأن الخبر صريح في  وقوع الزيادة، علماً بأن خبر الزيادة منسوب إلى أبي جعفر الذي نسب إليه بعضهم القول بعدم الزيادة.

([209]) فصل الخطاب ص 237. 

([210]) الصافي في تفسير القرآن 1/40.

([211]) فصل الخطاب ص 25.
 
([212]) تفسير المدارك 2/269.

([213]) الفتاوى التتارخانية للأندريتي 5/490.

([214]) شم العوارض في ذم الروافض ص 141-142.

([215]) روح المعاني 14/16.

([216]) تنبيه الحائرين ص 22، وانظر العقائد والأفكار الضالة للدهيانوي ص 134.

([217]) انظر علي سبيل المثال: شم العوارض ص 142، والنواقض لظهور الروافض ص 146، والوثيقة التاريخيـة ص 65، وإرشاد الشيعة ص 37-38، وتاريخ التشيع (وأفـكاره      ص 706.
([218]) انظر فتح الباري 9/51، 53، والإتقان في علوم القرآن 1/121.

([219]) الإتقان 1/124، 126.

([220]) أخرجه مسلم في كتاب، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة 1/355 برقم(804).

([221]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/107 برقم(17023) وقال شعيب الأرناووط: إسناده حسن.

([222]) هو الصحابي الجليل أوس بن أوس الثقفي، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديــث صحيحة من رواية الشاميين عنه، توفي سنة(59هـ).انظر الإصـــــابة 1/143،      ومعجم الصحابة 1/72.

([223]) ثقيف: نسبة إلى ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان بن مضر، ونزلت أكثر هذه القبيلة بالطائف وانتشرت منها في البلاد. انظر الأنساب للسمعاني 1/508، ومعجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة 1/147.

([224]) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الصلاة والسنة فيها، باب في كم يستحب أن يختم القرآن، ص 238 برقم(1345) وأقره ابن حجر في الفتح(9/45).

([225]) فتح الباري 9/54.

([226]) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس: مفسر، أديب، مولده ووفاته بمصر، صنف تفسير القرآن، وإعراب القرآن، وناسخ القرآن ومنسوخه، وتوفي سنة(338هـ). انظر وفيات الأعيان 1/99، والأعلام 1/208.

([227]) نقلاً عن الإتقان 1/126.
 
([228]) أوائل المقالات ص 81.

([229]) فصل الخطاب ص 25.

([230]) المرجع السابق ص 251 .

([231]) الصافي في تفسير القرآن 1/49-50.

([232]) انظر البرهان في تفسير القرآن 1/34.

([233]) تفسير القمي 1/8.

([234]) انظر تفسير القمي 1/8 ، والصافي في تفسير القرآن 1/336، وبحار الأنوار 14/200.

([235]) انظر تفسير القمي 1/9 .

([236]) بحار الأنوار 89/60، وتفسير العياشي 1/195، ونور البر اهين لنعمة الله الجزائري 1/526، والصافي في تفسير القرآن 1/50.

([237]) انظر بحار الأنوار 36/149، والصافي في تفسير القرآن 3/154، وشرح أصول الكافي 6/127.
 
([238]) انظر في ذلك من لا يحضره الفقيه 1/306.

([239]) النواقض لظهور الروافض ص 149(تحقيق: أحمد القحطاني).
([240]) مختصر التحفة ص 50.

([241]) انظر شم العوارض ص 142.

([242]) انظر تاريخ التشيع وأفكاره ص 706.

([243]) الأصول من الكافي 1/250، وانظر وسائل الشيعة 27/178.

([244]) تفسير فرات الكوفي ص 91، 258، وانظر وسائل الشيعة 27/202.  

([245]) بحار الأنوار 38/94، وانظر وسائل الشيعة 27/186. 

([246]) الأصول من الكافي 1/210.

([247]) المرجع السابق 1/213.

([248]) المرجع نفسه 1/212.

([249]) بحار الأنوار 108/317.

([250]) المرجع السابق 26/105.

([251]) وسائل الشيعة 27/194.

([252]) الفصول المهمة 1/452.

([253]) تفسير الصافي 1/19.  

([254]) هو أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة، الإمام العلم، عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ القرآن وجوده ومهر فيـه، وعرضه على عثمان وعلى علي، وابن مسعود، وأخذ عنه جمع من التابعــين،وتوفي سنة(74هـ) على خلاف فيه. انظر السير 4/267.

([255]) مجموع الفتاوى 13/331، وانظر هذا الأثر في تفسير مجاهد 1/68، وسيـر أعلام النبلاء 4/269، والكاشف 1/544.

([256]) انظر تفسير ابن عطية(المحرر الوجيز) 1/16، وتفسير القرطبي 1/69.

([257]) منهاج السنة 4/155.

([258]) انظر شيئا من تلك النصوص في مطلب الرد على الوصية المزعومة.

([259]) انظر مثلاً: بحار الأنوار 67/1-72.

([260]) انظر المرجع السابق 72/131-157.

([261]) راجع على سبيل المثال: تفسير العياشي 1/281، وتفسير القمي 1/156، والبرهان للبحراني 1/62.

([262]) انظر ما تقدم في مبحث سبهم للصحابة ش.

 (7) التحفة الاثني عشرية 1/213(تحقيق: عمر العيد) بتصرف بيسير، وانظر مختصر التحفة  ص 113.

([264]) روح المعاني 5/93.

([265]) النسخ في اللغة يطلق على معنيين: أولهما: الرفع والإزالة، ومنه قوله تعالى: ﭽ ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ   ﮜ   ﮝ  ﮞ  ﮟﭼ [الحج: ٥٢]، والثاني: النقل من موضع إلى موضع، ومنه قوله تعالى: ﭽ ﯪ  ﯫ     ﯬ   ﯭ  ﯮ     ﯯ ﭼ [الجاثية: ٢٩] .  وشرعاً: رفع الحكم الشرعي الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخٍ عنه. انظر قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن ص 42 لمرعي الكرمي، والناسخ والمنسوخ للمقري ص 20، وروضة الناظر 1/189، والإتقان في علوم القرآن 2/40.  

([266]) انظر الإشارة إلى هذا الأمر الخطير في مختصر التحفة ص 50.  

([267]) تفسير العياشي 2/215.

([268]) انظر على سبيل المثال: بحار الأنوار 2/139، وتفسير الصافي 1/878، وتفسير نور الثقلين 2/512.

([269]) انظر علوم القرآن للسيد باقر الحكيم ص 201-202.

([270]) الأصول من الكافي 1/368.

([271]) انظر على سبيل المثال: الغيبة للطوسي ص 428، وبحار الأنوار 4/114، ومستدرك الوسائل 12 /301، وتفسير نور الثقلين 2/510.
 
([272]) انظر الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ص 44، 62، 531، والناسخ والمنسوخ لابن حزم ص 8، وقلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ من القرآن ص 44، والناسخ والمنسوخ للمقري ص 26.  

([273]) هو محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي، المعروف بشمس الأئمة عنـــد الحنفية،كان إماما أصوليا فقيها، وله عديد من المؤلفات فمنها: المبسـوط، وشــرح مختصر الطحــاوي، توفي  في حدود التسعين وأربعمائة، وقيل في حدود خمسمائة. انظر الجواهر المضية 3/78، وتاج التراجم ص 234.   

([274]) انظر مقالة اليهود في الناسخ والمنسوخ لابن حزم ص 8، والناسخ والمنسوخ للنحاس  ص 44.

([275]) أصول السرخسي 2/59.

([276]) أصول السرخسي 2/59-60، وانظر أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار 3/244.

([277]) أدلة معتقد الإمام أبي حنيفة في أبوي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ص 90-91.

([278]) أحكام القرآن 2/276.

([279]) روح المعاني 7/185-186،  12/24،  27/135، وانظر تاريخ التشيع وأفكاره ص 698-699.

([280]) انظر مثلاً: الأصول من الكافي 1/205-220، و ص 412-436.

([281]) بحار الأنوار 24/87.

([282]) المرجع السابق 24/100.

([283]) بحار الأنوار 24/187 وقد تقدم في باب موقفهم من الصحابة ش رميهم الخلفاء الثلاثة بهذه الألفاظ.

([284]) المرجع السابق 24/286.

([285]) انظر هذا التأويل في تفسير القمي 2/422، وتفسير نور الثقلين 5/577، وتفسير الصافي 5/328.

([286]) تحفة العوام لمقبول أحمد نقلاً عن بطلان عقائد الشيعة ص 16،وانظر التفسير الأصفى للكاشاني 2/1092.

([287]) الأصول من الكافي 1/419، وانظر تفسير القمي 2/154.  

([288]) الأصول من الكافي 1/413، وتفسير القمي 2/198، وتفسير فرات الكوفي ص 342-343.

([289]) انظر التبيان في تفسير القرآن 1/55، ومجمع البيان 1/38.

([290]) انظر تفسير العياشي 1/281، وتفسير القمي 1/156.

([291]) انظر تفسير القمي 2/115، وتفسير نور الثقلين 4/25، وتفسير الصافي 4/20.

([292]) انظر تفسير العياشي 2/328.  

([293]) انظر هذه التأويلات في تفسير القمي 1/28، وتفسير الصافي 1/85،87، 4/384، وتفسير نور الثقلين 1/21، وتفسير البرهان 1/283.

([294]) انظر تفسير العسكري ص 112، وتفسير الصافي 1/94، وتفسير البرهان 1/59.

([295]) انظر تفسير القمي 2/115، وتفسير نور الثقلين 4/25، وتفسير الصافي 4/20، وتفسير البرهان 3/172.   

([296]) انظر الأصول من الكافي 1/427، وتفسير القمي 2/251، وتفسير الصافي 4/328، وتفسير نور الثقلين 4/498، وتفسير البرهان 4/83.

([297]) انظر هذا المعنى في تفسير البرهان 3/226، ومشارق أنوار اليقين ص 81.

([298]) انظر تفسير ابن كثير 3/92، وتفسير القرطبي 10/292، وبحر العلوم 2/285.

([299]) انظر تفسير القمي 2/422، وتفسير نور الثقلين 5/577، وتفسير الصافي 5/328.   

([300]) انظر تفسير القمي 2/345، وتفسير نور الثقلين 5/195، وتفسير الصافي 5/112.

([301]) انظر تفسير القمي 1/129، وتفسير الصافي 1/204، 411، وتفسير نور الثقلين 1/328، 4/133.

([302]) التحفة الاثني عشرية 2/741-750(تحقيق: الفارس) باختصار.

([303]) المرجع السابق 2/774، وانظر للاستزادة: السيوف المشرقة ص 156.

([304]) انظر التبيان في تفسير القرآن 1/55، وتفسير الصافي 1/11/ 92.

([305]) روح المعاني 1/114.

([306]) كما في الأصول من الكافي 1/190، وبحار الأنوار 23/334.

([307]) روح المعاني 2/4-5، وقد تقدم شرح المثل ص 83.

([308]) انظر بحار الأنوار 36/32.

([309]) روح المعاني 6/163.

([310]) انظر تفسير القمي 1/231، والأصول من الكافي 1/426، وبحار الأنوار 24/269.

([311]) روح المعاني 8/123.

([312]) انظر بحار الأنوار 24/110.

([313]) هو أبو عبد الله محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن علي الهاشمي العباسي، تولى الخلافة بعد وفاة أبيه المنصور، وتملك عشر سنين وشهرا ونصفا، وعاش ثلاثا وأربعين سنة، ومات سنة(169هـ). انظر سير أعلام النبلاء  الذهبي 7/400، وفوات الوفيات 3/400.

([314]) تقدمت ترجمته ص 293. 

([315]) روح المعاني 14/187 بتصرف، وقد نقل الألوسي هذه القصة عن تفسير الكشاف 2/336.

([316]) انظر تفسير القمي 2/61، وبحار الأنوار 24/148-149، 27/176.

([317]) روح المعاني 16/241.

([318]) انظرها للمزيد في جهود أبي الثناء الألوسي في الرد على الرافضة للدكتور الفاضــل عبد الله بوشعيب البخاري ص 179-189، وانظر تفسيره روح المعاني فقد تتبع فيه أغلب تأويلات الرافضة وتحريفاتهم وعقبها بالرد والتفنيد.

([319]) انظر مختصر التحفة ص 102-105. 

([320]) الأصول من الكافي 1/413، وانظر تفسير القمي 2/198، وتفسير فرات الكوفي ص 342-343.

([321]) القاديانيون هم أتباع ميرزا غلام أحمد بن غلام مرتضى بن عطا محمد المغولي الفارسي، ومن مقالاته: ادعاؤه بأنه خاتم النبيين، وأنه المسيح الموعود، ونسبته إلى الله أمورا لا تليق بشأنه، وطعنه في أنبياء الله والصحابة، وطعنه في القرآن، واختراعه كتابا سماه القرآن، وتحريمه للجهاد، وتفضيله مدينة القاديان على الحرمين، وتكفيره لكل من لم يؤمن به...أخزاه الله بعد أن باهله الشيخ ثناء الله فمات وهو في الحمام يقضي حاجته عام(1908م). انظر القاديانية للشيخ إحسان إلهي ظهير ص 101-233، وماذا تعرف عن القاديانية لأبي الحسن الندوي والمودودي، والمذاهب المعاصرة  للدكتور عبد الرحمن عميرة ص 295.

([322]) الثورة الإيرانية ص 130-131 بتصرف يسير.

([323]) انظر هذا المعنى في: تفسير بحر العلوم 2/483، وروح المعاني 19/120، وإرشاد العقل السليم 6/267.

([324]) انظر الأصول من الكافي 1/412.

([325]) الثورة الإيرانية ص 131-133 بتصرف يسير.

([326]) انظر تفسير الآية في بحر العلوم 1/397 ، وتفسير مدارك التنزيل 1/257، وإرشاد العقل السليم 2/243 .

([327]) الأصول من الكافي 1/420،  وانظر تفسير العياشي 1/281، وحياة القلوب 3/233.

([328]) الثورة الإيرانية ص 134-135 باختصار.

([329]) هو الشيخ موسى جار الله بن فاطمة التركستاني القازاني التاتاري، الروستوفدونى الروسي، شيخ إسلام روسيا، قبل الثورة البلشفية وفى إبانها، ولد في روسيا وتفقه في العربية وتبحر في علوم الإسلام، وكان إماما في جامع كبير، أنشأ مطبعة كبيرة خدم فيها اللغة العربية والفارسية والتركية والروسية خدمة مفيدة ولكنه تعرض للقبض والسجن بسبب جهوده الإسلامية، وبعد أن خرج من السجن هجر بلاده وسافر إلى عدة دول إسلامية، وألّف العديد من المؤلفات ومنها: الوشيعة في نقض عقائد الشيعة وغيره، وتوفي بالقاهرة سنة(1369هـ). انظر الأعلام للزركلي 7/320، ومعجم المؤلفين 13/36. 

([330]) انظر تفسير العياشي 2/328.

([331]) مثل يضرب في حاجة تؤدي بصاحبها إلى التلف، وفي حين يورّط فيه الرجل نفسه. انظر جمهرة الأمثال للعسكري 1/364، والمستقصى في أمثال العرب 2/207.

([332]) الوشيعة في نقض عقائد الشيعة ص 64-65 باختصار.

([333]) المرجع السابق ص 65.

([334]) انظر المرجع السابق ص 63-66.

([335]) المرجع نفسه ص 65-66.

([336]) كما في الأصول من الكافي 1/427، وتفسير القمي 2/251.

([337]) بطلان عقائد الشيعة ص 17 بتصرف يسير، وانظر الوشيعة: 16،18، 79-80.

([338]) راجع إرشاد الشيعة ص 39-40.

([339]) انظر أحوال الرجال للجوزجاني ص 38. 

([340]) بحار الأنوار 26/24. 

([341]) انظر الأصول من الكافي 1/24، 240.

([342]) انظر الأصول من الكافي 1/532، وبحار الأنوار 36/193. 

([343]) انظر المرحعين السابقين 1/239، 26/22. 

([344]) راجع مبحث الوصية المزعومة عند الرافضة، ومبحث انحصارهم الإمامة في أئمتهم. 

([345]) بصائر الدرجات ص 174، والأصول من الكافي 1/240-241.

([346]) دلائل الإمامة لابن رستم الطبري ص 105. 

([347]) بصائر الدرجات الكبرى ص 137. 

([348]) انظر سيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم الحسيني 1/104-105 نقلاً عن موقف الشيعة الاثني عشرية من الصحابة لفضيلة الشيخ الدكتور عبد القادر محمد عطا 1/381. 

([349]) المراجعات ص 336.

([350]) الأصول من الكافي 1/238.

([351]) الثورة الإيرانية ص 134-135.  

([352]) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/228، والإتقان 1/76.    

([353]) إرشاد الشيعة ص 41-42. 

([354]) انظر الوشيعة في نقض عقائد الشيعة ص 97-98. 

([355]) الأصول من الكافي 1/238، وانظر بصائر الدرجات ص 171-172.   

([356]) انظر دلائل الإمامة ص 106. 

([357]) بصائر الدرجات ص 171، والأصول من الكافي 1/238، وكشف الغمة 2/170. 

([358]) دلائل الإمامة ص 106-107 وانظر الروايات المماثلة لهذه الرواية في الأصول من الكافي1/242، وكشف الغمة 2/170. 

([359]) الأصول من الكافي 1/240. 

([360]) انظر بصائر الدرجات ص 157. 

([361]) المراجعات ص 336.

([362]) الأنوار الوضية لحسن آل عصفور ص 63(نقلا عن موقف الشيعة الاثني عشرية من الصحابة 1/378). 

([363]) انظر الروضة من الكافي 8/57، ونقلها عنه البحراني في تفسيره البرهان 3/150. 

([364]) إرشاد الشيعة ص 40. 

([365]) المرجع السابق ص 43. 

([366]) انظر الثورة الإيرانية ص 109. 

([367]) انظر الوشيعة ص 37، 107-108.


عدد مرات القراءة:
963
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :