آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإمـامة ..

مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة  في الإمـامة

 
الإمامة في الإسلام لها أهمية عظيمة، وكيف لا؟ وهي نيابة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في إقامة شرع الله في الأرض وسياسة أمور العباد، فهي وسيلة عظمى لتحقيق هذا المقصود الأعظم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( يجب أن يُعرف أنّ ولاية أمـرِ الناس من أعظـم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض...لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه الله من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود لا تتمّ إلا بالقوة والإمارة))([1]).
        وأهل السنة في هذا الباب وسط بين طائفة الرافضة ومن تبعهم، وبين طائفة الخوارج([2]) ومن قلّدهم، إذ الطائفة الأولى أفرطت وغلت وتجاوزت الحدّ، والطائفة الثانية فرّطت وقصرت، فتنكبتا عن الصراط المستقيم والنهج القويم.
        وفيما يلي تعريج موجز على أهم مسائل الإمامة على ضوء منهج أهل السنة والجماعة في النقاط التالية:
 
أولاً: مفهوم الإمامة.
ثانياً: منـزلة الإمامة في الدين.
ثالثاً: مقاصد الإمامة.
    رابعاً: طرق انعقاد الإمامة.
    خامساً: شروط الإمامة.
    وإلى بيان هذه المسائل بإيجاز في الصفحات القادمة:
 
أوّلاً: مفهوم الإمامة:
تقدّم بيان معنى الإمامة في اللغة والاصطلاح([3])، وذكرنا أن الإمامة هي خلافة عن الرسول عليه السلام في إقامة شرع الله وسياسة أحوال العباد وإصلاح شئونهم ومعيشتهم، وأنّ الأمة تجب عليها الطاعة والانقياد لمن كان هذا أمره وشأنه، فهذا هو مفهوم الإمامة عند أهل السنة والجماعة.     
ثانياً: منـزلة الإمامة في الدين:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الإمامة من أعظم واجبات الدين, ولابدّ للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين ويقيم العدل ويسوس أحوال الناس، وينتصف للمظلومين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلاّ بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض)).
وقال / معللاً ذلك: (( لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنـكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة, وكذلك سائر ما أوجبه الله من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتمّ إلا بالقوة والإمارة))([4]).
     وقد دلّ على تقرير هذا الأمر نصوص كثيرة من الشرع، ومنهـا: قول الله :
ﭽ ﯵ  ﯶﯷ     ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾﭼ     [النساء: 59]  .
            والمراد بأولي الأمر على القول الراجح هم الولاة والأمراء والعلمـاء([5]).
     ووجه الاستدلال من الآية ظاهر جدا حيث إن الله تعالى أوجب على المسلمـين
طاعة أولي الأمر منهم، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصبهم؛ لأنّ الله تعـالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجــاده،فدل على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم([6]).
     ومما دلّ أيضاً على وجوب الإمامة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا خـرج ثلاثةٌ في
سفرٍ فليؤمّروا أحدَهم))([7]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر
الاجتماعات أن يُولى أحدُهم،كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك))([8]).
        وقد أجمعت الأمة على أهمية الإمامة ووجوبها، وفي مقدمتهم الصحابة ش فقد أجمعوا على تعيين خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته قبل دفنه وتجهيزه، إلى أن وقع اختيارهم على الصديق ش أجمعين([9]).
        ثالثاً: مقاصد الإمامة:
للإمامة في الإسلام أهداف نبيلة ومقاصد عظيمة دلت عليها النصوص الشرعية وبيّنها أهل العلم المحققون، ومن أحسن ما وقفت عليه في ذلك ما ذكره الإمام الماوردي([10])رحمه الله حيث قال: ((والذي يلزمه -الإمام- من الأمور العامة عشـرة أشياء:
        أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمـة.
        الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعــين.
    الثالث: حماية البيضة والذبّ عن الحريم، ليتصرف الناس في المعايــش،
وينتشروا في الأسفار آمنين.
الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق العباد
من إتلاف واستهلاك.
    الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء
ليسفكوا دماً، أو ينتهكوا عرضا.
        السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة إليه.
        السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشارع.
        الثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال، من غير سرف ولا تقتير.
     التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال والأموال.
     العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفّـح الأحوال؛ لينهـض
بسياسة الأمة، وحراسة الملة)) ([11]).
      ومن المقاصد الأساسية أيضاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))([12]).
      وقال: ((المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نَعِموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياه))([13]).
          رابعاً: طرق انعقاد الإمامة:
    يعتقد أهل السنة والجماعة أن هناك طريقتان شرعيتان تثبت بهما الإمامـة،
ومن ثبتت إمامته بإحدى هاتين الطريقتين، فلا يجوز لأحد مخالفته، بل تجب عليه مبايعته كما تجب عليه طاعته في طاعة الله ورسوله، وهاتان الطريقتان هما:
       1/ طريق الاختيار، أي: اختيار أهل الحل والعقد.
       2/ وطريق العهد والاستخلاف.
    وهناك طريق ثالث، وهو طريق القهر والغلبة، ولكنه لا يعتبر طريقاً شرعياً
في الوصول إلى الإمامة من حيث الأصل، ولكن تجب الطاعة بموجبه، ويحرم الخروج عليه بسببه، من أجل مصلحة المسلمين، وحقن دمائهم([14]) .
       خامساً: شروط الإمامة:
   لـمّا كانت الإمامة من أعظم واجبات الدين ووسيلة مهمة إلى تحقيقــه
وتنفيذه، فلابد أن تكون هنالك شروطا لمن يتولى هذا المنصب العظيم، ويتحمل هذه المسئولية الكبرى؛ ليكون أهلاً لأداء هذه الأمانة.
   وهذه الشروط بيّنها العلماء ووضحـوها، وقسمـوها إلى شروط صحـة
وشروط كمال، وهي باختصار:
   الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والعدالة، والكفاءة، والعلم،
والقرشية وغير ذلك من الشروط، مع اختلافهم في بعض هذه الشروط([15]).
   فهذا هو مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإمامة، ومصدرهم في ذلك
كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومنهج السلف الصالح.
  وبعد هذه اللمحة الموجزة لعقيدة أهل السنة والجماعة في أهم مسائل الإمامة،
أشرع في ذكر عقيدة الرافضة في هذه المسألة في باب مستقل مع بيان موقف علماء الحنفية منهم في ذلك، وقد قسمت الحديث فيه إلى ثلاثة فصول بحيث يحوي كل فصل منه مباحث عديدة.


([1]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص  129.

([2]) الخوارج هي إحدى الفرق الضالة المنتسبة إلى الإسلام، وقد أشار إليها النبي r في بعض
     الأحاديث، وكان بداية ظهورهم في عهد عثمان حيث خرجوا عليه وقتلوه، ثم خرجوا على علي t بعد أن كونوا لهم حزبا وذلك بعد قضية التحكيم، وكفّروا عثمان وعليا ومعاوية ش وكل من رضي بالتحكيم، وهم فرق كثيرة، يجمعهم التكفير بالمعاصي، ومفارقة الجماعة. انظر في تعريفهم: الفرق بين الفرق ص 78، والملل والنحل ص 50، ومقالات الإسلاميين ص 59، والتبصير في الدين ص 38، ودراسات في الفرق والأهواء للدكتور ناصر العقل 2/26.
 
 

([3]) انظر ص 43-44 من البحث.  

([4]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 129.

([5]) انظر: تفسير الجصاص 2/298، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/250، وتفسير ابن كثير 1/677، وفتح الباري لابن حجر 13/139، والمنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج للنووي 12/426.

([6]) انظر تفسير الجصاص 2/298-299، والإمامة العظمى للدكتور عبد الله الدميجي ص47.

([7]) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم برقم(2609) وصححه الشيخ الألباني بنفس الرقم (كما في الطبعة التي اعتنى بها الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان).

([8]) مجموع الفتاوى 28/65.

([9]) انظر فتح الباري  7/ 39، والجامع لأحكام القرآن 1/ 305.

([10]) هو الإمام القاضي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي، صاحب التصانيف، ولي القضاء ببلدان عدة، ثم سكن بغداد ومات في ربيع الأول سنة(450هـ)، وقد بلغ ستا وثمانين سنة. انظر سير أعلام النبلاء 18/64، ووفيات الأعيان 3/282.

([11]) الأحكام السلطانية ص 18 بتصرف، وانظر: تبصرة الأدلة 2/823، وشرح المقاصد للتفتازاني 5/237، وحجة الله البالغة 2/148-149.

([12]) مجموع الفتاوى 28/66  .

([13]) المرجع السابق 28/262.

([14]) انظر في تحريم الخروج على الحاكم المسلم برا كان أو فاجرا: السنة للخلال ص 73 وما بعدها، وشرح السنة للمزني ص 86 وما بعدها، وشرح السنة للبربهاري ص 71 وما بعدها.  
     وانظر طرق انعقاد الإمامة في: تفسير القرطبي 1/310، ومنهاج السنة النبوية 1/499،
     والأحكام السلطانية ص 7، والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة لابن الهمام 2/143،
     وشرح المقاصد للتفتازاني 5/233، وحجة الله البالغة 2/149-150.

([15]) انظر هذه الشروط في الأحكام السلطانية ص 6، وتفسير القرطبي 1/ 312، والمسايرة مع شرحه المسامرة وحاشية قطلوبغا الحنفي ص 162، وحجة الله البالغة 2/149.


عدد مرات القراءة:
821
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :