آخر تحديث للموقع :

الأحد 14 رجب 1444هـ الموافق:5 فبراير 2023م 10:02:20 بتوقيت مكة

جديد الموقع

خمس المكاسب ..
الكاتب : طه الدليمي ..

خمس المكاسب

 
يُلزم الفقه الإمامي المسلمين بأن يدفعوا خمس ما يكسبون ويملكون من مال ومتاع إلى الفقهاء (ومن امتنع عن أدائه كان من الفاسقين الغاصبين لحقهم بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين)([1])!
إن هذا الإلزام يشمل كل شيء: الدار والعقار والسيارة والبستان وأرباح التجارات والصناعات والزراعة والإيجارات والهدايا والهبات والمهور وما يفضل عن مؤونة السنة من الرز والطحين والحنطة والشعير والحبوب والسكر والشاي والنفط والفحم والدهن والحلوى والثياب والفرش والأواني الزائدة والكتب! بل حطب البساتين وحشائشها! بل المال الحرام كالمسروقات والفوائد الربوية وهذه تخمس مرتين : مرة للتحليل ، ومرة بعد التحليل([2])!
وعند إجراء مقارنة بسيطة بين قيمة (الخمس) وقيمة الزكاة نجد الفرق هائلاً: إذ قد يزيد (الخمس) على الزكاة مئات المرات! ولا شك أن ضريبة مرعبة بهذا الشكل لا بد أن تكون النصوص الشرعية التي تفرض وجوبها واضحة كل الوضوح. بحيث لا يمكن تأويلها أو صرفها عن مدلولها أبداً. إن الزكاة - التي تقل عن (الخمس) مئات المرات - ثبتت بعشرات النصوص القرآنية الصريحة صراحة لا تدع مجالاً لتأويلها أو حملها على معنى آخر غير الزكاة.
وانقسمت النصوص الواردة بحقها بين نصوص مثبتة لها آمرة بها، وأخرى محذرة من تركها. كما هو شأن القرآن في ذكر ضروريات الدين. من هذه النصوص:
}وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ{ البقرة/110
}قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ….وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ{ المؤمنون/4
}وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ{ فصلت/6،7
}الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ{ (الحج:41)
وعشرات الآيات غيرها. ومنها ما جاء ذكراً عن شرائع الأمم السابقة، لاشتراك الشرائع في أصول الدين الذي هو }عند الله الإسلام{. وهو واحد في كل الشرائع، وان اختلفت في التفاصيل الفرعية.
فالتوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والصيام والزكاة، حتى الحج ورد في الديانات السابقة.
قال تعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إليه أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ{ الأنبياء/25.
وقال مخاطباً إليهود: }وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ{ البقرة/83. وأكد ذلك عليهم بعد مجيء الإسلام فقال: }وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ{ البقرة/43.
وقال عن عيسى عليه السلام : }وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا{ مريم/31.
وقال عن الأنبياء عليهم السلام: }وَأَوْحَيْنَا إليهمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ{ الأنبياء/73. ولم يذكر الله تعالى (الخمس) قط، ضمن هذه الوصايا والواجبات.
فما الدليل على فرضيته على أمة الإسلام؟!!
 
ما الدليل على وجوب خمس المكاسب على أمة الإسلام؟
هل توجد نصوص قرآنية صريحة في الدلالة على وجوب هذا المورد الهائل، وإعطائه إلى صنف واحد من المجتمع هم الفقهاء؟ كما عدد الله تعالى أصناف المستحقين للزكاة فقال: }إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ التوبة/60.
هل صرح القرآن بذكر خمس المكاسب؟ وذكر مستلمه من الفقهاء ؟ كما صرح بذكر الزكاة ومستحقيها ومستلميها أو العاملين عليها.
 
لا نص في القرآن على (الخمس) ولا على الفقهاء
لا توجد آية واحدة تنص على وجود شيء اسمه (خمس المكاسب)، ولا آية واحدة كذلك تنص على الفقهاء وعلاقتهم بهذا المورد!!
كل ما موجود آية واحدة تتعلق بخمس الغنائم المأخوذة من الكفار عنوة في ساحة القتال وهي قوله تعالى: }وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ الأنفال/41. ويوم الفرقان يوم بدر (يوم التقى الجمعان): جمع المؤمنين بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وجمع الكافرين بقيادة أبي جهل. وسورة الأنفال كلها - بعد ذلك دون استثناء - حديث عن هذه المعركة التي هي أول معركة فاصلة بين المؤمنين والمشركين. غنم فيها المسلمون أموال المشركين فاحتاجوا إلى معرفة كيفية قسمتها. فجاءت الآية بيانا لذلك، وجواباً عن سؤالهم المذكور في أول السورة: }يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأْنْفَالِ{ الأنفال/1.
فما وجه صلة مكاسب المسلمين وممتلكاتهم بموضوع الآية وأجوائها؟!
ليس من صلة إلا التشابه اللفظي لكلمة (الخمس) التي جاءت مقيدة ومضافة إلى الغنائم. وليست مطلقة في جميع الأموال.
وليس في القرآن نص آخر في الموضوع أبداً !
أي أن هذا الأمر العظيم - الاستيلاء على خمس أموال الأمة من قبل طائفة قليلة من الناس (الفقهاء) - لا دليل عليه في القرآن كله إلا لفظ واحد متشابه مع أنه يحتاج إلى نصوص كثيرة واضحة جلية، لا مجال فيها للارتياب، أو ثغرة للتفلت، أوإمكان للتأويل. كما هو الحال في أمثاله من أوامر الشريعة! فكيف يضاف مثل هذا إلى شريعة الإسلام؟!
ولذلك لا تذكر السيرة أو التاريخ أو الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرسل إلى أسواق المسلمين من يجبي إليه خمس مكاسبها وأرباحها، أو عمل إحصائية على دور المسلمين وما فيها من أثاث ومتاع. ولم يفعله أحد من الخلفاء. ولم تذكر أن علياً رضي الله عنه فعله حين صار أميراً للمؤمنين، لا في الكوفة ولا غيرها. ولم يفعله العباسيون. وهم من
بني هاشم الذين يستحقون (الخمس) حسب ما يقضي به الفقه الإمامي([3]).
وهكذا انطبقت القاعدة: (التضييق في العبادات والتوسيع في الأموال والملذات) على هذه المسألة. لأن (الخمس) مال ومتاع، فتوسعوا فيه. ولو كان الأمر عبادياً لفسروا النص الوارد على أضيق محامله!


([1]) حق الإمام في فكر السيد البغدادي ص10/أحمد الحسيني البغدادي.

([2]) انظر منهاج الصالحين للخوئي، ورسالة الخمس لمحمد محمد الصدر.

([3]) انظر الكافي للكليني1/540، منهاج الصالحين للخوئي347-349 وفيه: يقسم الخمس في زماننا نصفين: نصف لإمام العصر ونصف لبني هاشم.


عدد مرات القراءة:
875
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :