آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 06:01:30 بتوقيت مكة

جديد الموقع

المهدي المنتظر عند الشيعة ..
الكاتب : طه الدليمي ..

المهدي المنتظر عند الشيعة

 
أحد أركان الدين وأصوله الكبرى
الإيمان بـ(المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري) هو الحد الفاصل، والأصل الفارق بين الشيعة الاثني عشرية وغيرهم من الشيعة الإمامية ،من جهة. وهو إحدى العقائد الكبرى التي تفصل بينهم وبين عامة المسلمين من جهة أخرى.
وإذا علمت أن انهيار هذا الاعتقاد معناه انهيار الوجود الشرعي لهذه الطائفة التي تمثل أغلبية الشيعة الإمامية في عصرنا - والتي يقرب عددها من سبعين مليون([1])، متفرقين على دول العالم لاسيما إيران وأذربيجان والعراق ولبنان - وانهيار جميع الأحكام المترتبة عليه. ومنها ولاية الفقيه، ونظام الحكم الحالي في إيران، والموارد المالية الهائلة التي تجنى باسم (المهدي). بل لا شيعة اثنى عشرية أساساً بلا وجود لهذا (المهدي)، إذا علمت هذا علمت منزلة هذا الاعتقاد وخطورته لدى هذه الطائفة.
 
تكفير مليار ونصف مليار مسلم
ومما يزيد هذا الاعتقاد خطورة أن الإمامية الاثنى عشرية لم يتوقفوا عند اعتباره أحد أركان الإيمان عندهم. بل تجاوزوا ذلك إلى التصريح بتكفير غير المعتقدين به! وهم ما يقرب من مليار ونصف من المسلمين من أهل السنة والجماعة، فضلاً عن غيرهم من طوائف الشيعة الإمامية كالزيدية والاسماعيلية. فإن هؤلاء جميعاً كفار حسب اعتقاد الطائفة الاثنى عشرية. بل صرحوا - بلا أدنى شبهة - باستحلال دماء
من خالفهم في هذا الاعتقاد وأموالهم، ووجوب لعنهم والبراءة منهم، والوقيعة بهم باتهامهم كذباً وزوراً. وأما غيبتهم والطعن فيهم فمن أحل الحلال وأوجب الواجبات!!
ويكفينا في هذا المقام الاستشهاد بفتوى مرجع كبير من مراجع الطائفة الاثنـي
عشرية وهو الأستاذ الأكبر وآية الله العظمى – كما يلقبونه - مرجع الطائفة أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة النجفية على عهده. (وقد مرت بنا في مبحث (الإمامة). أقتطع هنا جزءاً منها). يقول الخوئي صراحاً بواحاً جهاراً نهاراً:
(( المراد من المؤمن من آمن بالله وبرسوله وبالأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام): أولهم علي بن أبي طالب (ع) وآخرهم القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه وجعلنا من أعوانه وأنصاره. ومن أنكر واحداً منهم جازت غيبته لوجوه:
الوجه الأول: أنه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم وإكثار السب عليهم واتهامهم والوقيعة فيهم أي غيبتهم لأنهم من أهل البدع والريب. بل لا شبهة في كفرهم. لأن إنكار الولاية والأئمة حتى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم وبالعقائد الخرافية كالـجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة. وتدل عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة وما يشبهها من الضلالات. )) ([2]).
وأما استحلال الدم فتفيض بها المصادر المعتمدة. يقول الشيخ يوسف البحراني تحت عنوان: حل دم الناصب وماله (وقد سبق ذكره في مبحث (الإمامة) بشيء من التفصيل): أعلم أنه قد استفاضت الأخبار عنهم -سلام الله عليهم- بحل دماء أولئك المخالفين وحل أموالهم.. فروى الشيخ (أي الطوسي) في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله(ع) قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس/تهذيب الأحكام 4: 122.. وروى الصدوق في كتاب العلل الصحيح عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم([3]).
 
اختلاف الشيعة في تحديد هوية (المهدي) عبر التاريخ
قد يتصور الكثيرون أن مهدي الشيعة الاثنى عشرية هو المهدي الوحيد في تاريخ
الشيعة. وهذا وهمٌ يتبخر سريعاً إذا عرفنا أن تاريخ الشيعة يحوي عشرات الأشخاص
الحقيقيين والوهميين الذين ألصقت بهم (الغيبة) و(المهدوية)!! منهم:
1- علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ادعى الشيعة السبئية غيبته ومهدويته ورجعته.
2- الكيسانية ادعوا مهدوية محمد بن علي بن أبي طالب.
3- عبد الله أبو هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب.
4- وقال بعضهم بمهدوية واحد من أبناء محمد بن علي دون تحديد.
5- عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
6- زيد بن علي.
7- محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بذي النفس الزكية.
8- محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر.
9- الناووسية اعتقدوا بمهدوية جعفر الصادق.
10- إسماعيل بن جعفر.
11- محمد بن جعفر الملقب بالديباج.
12- محمد بن إسماعيل بن جعفر.
13- الفطحية اعتقدوا بوجود ولد لعبد الله بن جعفر الصادق -الذي مات كما مات الحسن العسكري دون خلف- وسموا ذلك الولد محمداً. وكان فقهاء الشيعة ومشايخهم بعد وفاة جعفر الصادق قد أجمعوا على إمامة عبد الله ولده الأكبر بعد إسماعيل -الذي مات في حياة والده جعفر- لكنه توفي دون عقب! مما أوقع الإمامية في أزمة، وفرَّقهم إلى ثلاث فرق: واحدة تراجعت تراجعت عن إمامة عبد الله. والثانية انتقلت بـ(البداء) إلى إمامة موسى بن جعفر الولد الأصغر لجعفر. أما الثالثة فقالت بوجود ولد موهوم لعبد الله سمته (محمداً)، وادعت اختفاءه وظهوره في المستقبل.
وقد رفض علماء الإمامية الاثنى عشرية دعوى الفطحية هذه. وقالوا : إنهـم التجأوا إلى اختراع شخصية وهمية اضطراراً من أجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود([4])، مع اشتراك الفريقين كليهما بالدعوى نفسها للسبب نفسه، سوى الاختلاف
في الشخص الذي أوقعوا عليه الدعوى لا غير.
14- أما الواقفية فقد اعتقدوا بغيبة موسى بن جعفر ومهدويته. والعجيب أن معظم أولاد موسى بن جعفر قالوا بمهدويته! وكذلك معظم أصحابه المقربين كالمفضل بن عمر وداود الرقي وضريس الكناني وأبي بصير. بل كتب علي بن حمزة، وعلي بن عمر الأعرج كل منهما كتاباً حول (غيبته)! ووضعت لذلك روايات ادعوا تواترها! منها: (إن سابعنا قائمنا).
وقد رد موسى بن جعفر على هؤلاء محتجاً بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه مات، ولم يمت موسى بن جعفر؟ بلى والله لقد مات وقسمت أمواله ونكحت جواريه. وقال عنهم: إنهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد في أجل رسول الله([5]). والحجة نفسها تنطبق تمام الانطباق على العقيدة الاثنى عشرية.
15- محمد بن القاسم العلوي.
16- يحيى بن عمر العلوي.
17- محمد بن علي الهادي.
18- الحسن بن علي الهادي العسكري.
19- محمد بن الحسن العسكري.
20- وقال آخرون أنه غير محدد وأنه سوف يولد في المستقبل وهو من ولد علي من فاطمة.
 
أدلة الإمامية القرآنية على أصل (المهدي)
لا شك أن الإيمان بهذا المعتقد العظيم الذي لا يقوم الإيمان إلا به فإذا انهدم انهدم الإيمان وصار صاحبه كافراً حلال الدم والمال- لا بد أن يثبت أولاً من خلال آيات الذكر الحكيم.
والإمامية الاثنى عشرية يعرفون من خلال النظرية والواقع أن هذه الحقيقة هي أول شيء يواجَهون به أثناء النقاش من المخالف والموالف. فلابد من تحضير جواب. فلا مفر إذن من الاحتجاج بالقرآن. وقد جربوا ذلك وحاولوا - على مر العصور - أن يظفروا بما يشفي العلة ويروي الغلة فلم يرجعوا إلا بهذه الآيات، التي من الظلم للحق والعلم والحقيقة أن نصنفها - من حيث الدلالة على هذا الموضوع - حتى في بـاب
المتشابهات!
ولا شك – لدى كل عاقل منصف - أن الاستدلال بهذه الآيات على هذا الاعتقاد نوع من الافتراء على الله جل وعلا:
1- }وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً* فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً*ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً{ (الإسراء:4-6) على أساس أن هذه الآيات نزلت في القائم. أي المهدي المنتظر([6]).
2- }فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً { (البقرة:148). على اعتبار أن المخاطب بالآية أصحاب القائم([7]).
3- }حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ{ (فصلت:53). أي خروج القائم([8]).
4- }وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعدَ حِينٍ{ أي عند خروج القائم([9]).
5- }وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ{ فإذا قائم القائم ذهبت دولة الباطل([10]).
6- }فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ*لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ{ (الأنبياء:13). فإذا قام القائم هرب بنو أمية إلى الردم...الخ. }فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ{ بالسيف([11]).(الانبياء:15).
7- }حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ{ (مريم:75). وذلك بظهور القائم([12]).
8- }يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ{ (ق:42). أي صيحة القائم من السماء([13]).
9- }لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ{ (التوبة:33). عند قيام المهدي.
10-}وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ
بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ (النور:55). 11- }وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{ (القصص:5).     
12- }وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ{ (الأنبياء:105).
 
الفصل الثاني
نقض عقيدة المهدي المنتظر طبقاً للمنهج القرآني
 
والحقيقة الظاهرة لكل قارئ أن هذه الآيات جميعاً - منفصلة ومتصلة - لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بوجود شخص اسمه (محمد بن الحسن العسكري) هو الإمام الحجة الغائب في سرداب سامراء ، من آمن به نجا ، ومن لا فلا.
إن شعوراً يجتاحني وأنا أكتب هذه السطور أن الوقوف عند هذه الآيات، لمناقشتها من أجل الرد على الاحتجاج بها على الاعتقاد المذكور، نوع من العبث ينبغي أن يترفع عنه الإنسان- ذلك المخلوق الكريم الذي منحه الله تعالى العقل ليفكر به فيما يستحق التفكير. إن من الاستهانة بالعقل إلجاءه ليصغي إلى مثل هذا الهذيان. الذي إن دل على شيء فإنما يدل على إفلاس صاحبه من أي دليل معتبر في كتاب الله تعالى يدل على ما يقول. وهو افتراء على الله واجتراء على مقامه جل وعلا، لا يستسيغه المؤمنون الجادون الذين يعرفون معنى قوله سبحانه: }وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ* وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع* إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ*ِوَمَا هُوَ بِالْهَزْل{ (الطارق11-14). ولكن سأطيل من حبل النقاش، وأطبق المنهج القرآني – الذي ألزمت نفسي بتطبيقه – على هذه الآيات، وعلاقتها بهذه العقيدة. فأقول:
 
1- فقدان النص الصريح
   ليست هذه الآيات صريحة الدلالة، ولا في القرآن الكريم كله آية واحدة صريحة يمكن اعتبارها نصاً قاطعاً في الموضوع. لقد اخترع الإمامية الاثنى عشرية هذه العقيدة أولاً ثم أقحموها بعد ذلك إقحاماً في هذه الآيات التي لا علاقة لها بها. بينما المفروض أن تنطق آيات الكتاب نصاً بما يجب من اعتقاد ثم يعتقد به الإنسان بعد ذلك. وهذا المطلوب غير متحصل قطعاً. فإن من المقطوع به أننا لو عرضنا هذه الآيات جميعاً على أي شخص لم يكن قد سمع من قبل بموضوع (المهدي الغائب الإمام الحجة) فإنه لن يستنتج أبداً منها هذا المعنى مهما تفكر فيها وأطال التفكير ولو استنفذ عمره كله. مع أن آيات العقائد الكبرى لا تحتاج إلى أدنى تفكير في دلالتها على تلك العقائد. وهذا يكفي لنسف عقيدة (المهدي المنتظر) من الأساس.
 
2- فقدان شرط التكرار
من شروط الأصول الاعتقادية التكرار، أي أن تأتي مصرحاً بها في كثير من الآيات القرآنية، وهذا الشرط مفقود.
 
3- فقدان (الأم) التي يرجع إليها من الآيات المحكمات
كل آية متشابهة – كما سبق بيانه – تتعلق بالأصول لابد أن يكون لها في القرآن من المحكم ما ترجع إليه يزيل اشتباهها، ويرفع احتمالها كما قال سبحانه: }مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ{ (آل عمران: 7). والاعتقاد بـ(المهدي الغائب) على الصورة التي يعتقدها الإمامية الاثنى عشرية من ضروريات الاعتقاد الذي يكفر منكره أو جاحده. فلا بد من وجود (أم) لما تشابه من آياته المتعلقة به، وإلا كان القول به اتباعاً للمتشابه وهو فعل الزائغين. وهذا الشرط مفقود. فإن الآيات المذكورة لا هي محكمات يصح اعتمادها في الباب، ولا لها من المحكمات (أم) تحدد معناها ونرجع بها إليها.
فالاعتقاد المبني عليها باطل وزيغ عن الصراط المستقيم.
4- إن القول بـ(المهدي) من خلال الآيات غايته أن يكون بالاستنباط وليس بالنص. والاستنباط غير معتبر في الأصول.
5- ليس في القرآن كله أدلة إثبات عقلية على هذه العقيدة.
6- ليس في القرآن كله آية واحدة تنص على الأمر بالإيمان بـ(المهدي المنتظر)، لا عموماً بلا تحديد، ولا خصوصاً بـ(محمد بن الحسن العسكري). كما أنه لا توجد آية واحدة تنص على النهي والتحذير من الكفر به. وهو ما يتناقض مع شأن القرآن في الحديث عن أصول الاعتقاد.
7- هذه الآيات يمكن لجميع الطوائف الإمامية الاحتجاج بها كل طائفة على مهديها الخاص بها، لأنها لا تحدد هوية المهدي المزعوم. وغاية ما يمكن حملها عليه هو (مهدي) عام لا يختص بطائفة دون أخرى. فلا نصيب إذن للإمامية الاثنى عشرية في هذه الآيات كي يثبتوا به صحة الأصل الذي قامت عليه طائفتهم وعقيدتهم التي امتازوا بها.
8- انتفاء المصلحة الدينية – بل والدنيوية – من الاعتقاد بـ(المهدي). فالدين – كما
سبق بيانه مراراً – أصول وفروع: أما الأصول فمذكورة صراحة في القرآن الكريم، وأما الفروع فتكفلت بها السنة النبوية ويمكن التعرف عليها بالاجتهاد من قبل الفقيه، والاختلاف فيها لا يضر إلى الحد الذي نحتاج فيه معه إلى إمام معصوم فضلاً عن (المهدي) الموهوم الذي يستحيل الاستفادة من لا في الفروع ولا في الأصول. ولذلك فإن الإمامية الاثني عشرية يرجعون في شؤون دينهم إلى الفقهاء ويسمونهم بـ(المراجع) وليس إلى (المهدي الغائب). ولطالما اختلفوا بينهم إلى حد التنابز بالتفسيق بل التكفير. ولم نر أو نسمع أن (المهدي) استفادوا منه للفصل بينهم في هذه الأمور الخطيرة فضلاً عن المسائل الصغيرة. ثم هم يدعون الانتساب في الفقه إلى مذهب جعفر بن محمد ويسمون أنفسهم (جعفرية) فما وجه الحاجة إلى (المهدي)؟ ولماذا لا يسمون أنفسهم بـ(المهدوية)؟.
إذا كان الاعتماد على فتاوى (المراجع) مبرئاً للذمة، والأخذ عن الإمام (الصادق) هو الواجب على الأمة، مع غياب (المهدي) وعدم وجود أثر له في كل هذا
فما وجه الحاجة إليه بحيث يجعل أصلاً يكفر جاحده؟!.
 
بل ضرر محض
 إن الإيمان بـ(المهدي) -هذا مع كونه زائداً عن الحاجة ولا تترتب عليه مصلحة بأي حال من الأحوال- مصحوب بجملة أضرار خطيرة منها:
أ- تكفير الأمة جميعاً -بما فيهم الشيعة الإمامية من غير الاثنى عشرية- وهم مليار ونصف المليار.
ب- تفريق الأمة إلى طوائف يكفر بعضها بعضاً ويستحل بعضها دم بعض! ولك أن تتصور أن الإمامية أنفسهم انقسموا طبقاً إلى هذا الاعتقاد إلى أكثر من أربع عشرة فرقة!
ج- للمهدي المزعوم صفات خطيرة جداً مبثوثة في كتب الإمامية الاثنى عشرية
منها أنه إذا خرج فإنه يقتل أكثر العرب([14])! ولا شك أن العرب هم حملة الرسالة ومادة الإسلام. وقتلهم إلى هذا الحد فساد وأي فساد؟!.
9- أما الروايات وأسباب نزول الآيات فلا اعتبار لها هنا، لأن العقائد يجب أن تثبت
أولاً بالنصوص القرآنية الصريحة وليس بالروايات التي لا تمتلك الحصانة الربانية من الاختراع ومنافذ الإضافة والحذف والافتراء. فالانشغال بموضوع ضعف الروايات وصحتها لا معنى له هنا لأنه متعلق بأمر أصولي. والجزم بوضع واختلاق جميع الروايات المذكورة مقطوع به لمن عرف المنهج القرآني في إثبات الأصول، لعدم وجود أساس (للمهدي الغائب) في صريح القرآن. فالروايات تفصل ما أُصِّل أولاً بالآيات الصريحة. وليس من شأنها أن تؤصل ما عدم وجوده من الأساس في القرآن([15]).
 
قواعد الإمامية تبطل الاحتجاج بالنصوص الدينية في إثبات العقيدة
يشتط الإمامية – لا سيما الأصولين منهم - كثيراً ويغمطون الحق ويظلمون الحقيقة، حين يقررون في أصولهم صراحة أن الأساس في إثبات العقائد إنما هو النظر العقلي وليس النصوص الدينية (الآيات والروايات). وفي الوقت نفسه يرهقون أنفسهم ويشغلون غيرهم وهم يحاولون عبثاً إثبات عقائدهم عن طريق الاحتجاج بهذه النصوص الدينية.
فإما أن يكون النظر العقلي هو المعتمد؛ فلا معنى للاحتجاج بالنصوص الدينية. وإما أن تكون هذه النصوص هي المعتمدة؛ فلا يصح ما قرروه في أصولهم من اعتماد النظر العقلي دون غيره. وبما أن هذا مقرر ومصرح به عندهم، فإقحامهم للآيات والروايات في مجال الاحتجاج لا وجه له سوى اللجاج والجدل.
إذن استشهاد الإمامية بالنصوص الدينية لإثبات (المهدي المنتظر) – وجميع عقائدهم التي انفردوا بها – لا معنى له ، ولا حجة فيه من الأساس طبقاً لقواعدهم الأصولية. إن عليهم أن يقلعوا عن هذا الفعل ، ويوفروا جهدهم للنظر العقلي الذي يدّعون أنه الأصل المعتمد في إثبات العقائد. وعلينا أن ننتبه إلى هذه المغالطة فنشطب - ومن البداية - على جميع النصوص التي يحتجون بها. لأنها غير معتبرة ، عندهم قبل غيرهم. فما الداعي لصرف الجهود وحرقها في غير ميدانها ؟!
إلى هنا ينتهي كلامنا المطلوب في نقض الاعتقاد بـ(المهدي المنتظر) فإن فيما سبق بيانه كفاية وزيادة. وكل ما تبقى فنافلة نؤديها من باب التزيد من الفائدة، والاستطراد الذي يؤيد المنهج، ويعززه.
 
الفصل الثالث
نقض الدليل العقلي على عقيدة المهدي المنتظر
 
يصرح كبار علماء الإمامية الاثنى عشرية قديماً وحديثاً كالمفيد والمرتضى والطوسي أن الدليل المعتمد على وجود (المهدي بن الحسن العسكري) هو الدليل العقلي. وهذا هو شأنهم في جميع أصولهم. وهو ما يتطابق وما قرروه في قواعدهم الأصولية.
وعلى هذا الأساس يلزمون جميع المسلمين بهذا الاعتقاد. وملخصه الإيمان بشخص معين (هو محمد بن الحسن العسكري)، موصوف بصفات محددة، غاب هذا الشخص في سرداب سامراء عام 260هـ غيبة صغرى استمرت حوالي سبعين عاماً، كان يلتقي خلالها بمجموعة من السفراء أو النواب حصروا عددهم بأربعة مسمين بأسمائهم، ثم غاب غيبته الكبرى إلى يوم ظهوره، ولا زال غائباً مستوراً منذ ذلك التاريخ. فإذا ظهر ملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. ومن آمن بغير هذا (المهدي) فهو كافر.
ونحن نسأل هل يمكن للعقل أن يتوصل – حتماً – إلى معرفة شخص بهذه الصفات المحددة؟ وهل استفاد الإمامية أنفسهم هذه المعرفة عن طريق النظر والاستنتاج العقلي القائم على أدلة عقلية منطقية مقبولة؟ أم يحاولون إثبات ذلك عن طريق الروايات التي ينقلونها ويروونها في كتبهم؟
لا شك أن العقل يقف عاجزاً تماماً حيال التعرف على هذا الشخص المحدد الصفات، وأنه يستحيل أن يتوصل إلى ذلك دون أن يستند إلى الروايات.
والواقع أن الشيعة آمنوا بـ(المهدي) عن طريق التلقين منذ الصغر. لا أن عقولهم المجردة دعتهم استقلالاً عليه. إنه اعتقاد تبنوه بحكم البيئة كما يولد الصيني والياباني فيكون بوذياً بحكم البيئة لا بحكم العقل، وكما يولد الأوربي والأمريكي فيكون نصرانياً … وهكذا. والدليل أن المولود في غير البيئة الشيعية – كمصر والجزائر واليمن والسعودية، أو أي مدينة أو قرية غير شيعية - ينشأ ويترعرع ولا يخطر موضوع (المهدي) على باله، ولو كان من كبار العلماء والمفكرين والفلاسفة والمنطقيين. بينما تجد كل مسلم على اختلاف بيئته سواء كانت سنية أو شيعية يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ووجوب الصلاة والزكاة والجهاد ، وحرمة
الزنا والكذب والربا.
ثم إن العقل غايته أن يثبت قضايا عامة، بينما الشرع يلزمنا – لكي يصح إيماننا – بقضايا خاصة محددة. فالنبوة معنى عام يثبته العقل. لكن هذا لا يكفي شرعاً دون الإيمان بنبوة خاصة محددة بشخص معين كنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلو افترضنا جدلاً أن العقل يمكن أن يتوصل إلى ضرورة وجود (مهدي)، فإنه لا يمكن أن يتوصل إلى أكثر من مهدي عام غير محدد، دون الاستعانة بالروايات.
إذن الدليل العقلي عاجز عن إثبات مهدي (الشيعة الاثنى عشرية) لأنهم يريدونه (مهدياً) معيناً باسم خاص وصفات خاصة. ولذلك يرفضون كل (مهدي) ادعته الفرق الشيعية الإمامية على مدار التاريخ دون (مهديهم) الخاص بهم. وهذا لا سبيل للعقل وحده أن يتوصل إليه.
ثم هم -مع هذا- يلزمون غيرهم بهذا الاعتقاد الخاص، وإلا كانوا كفاراً ولا يكتفون بهذا دون استحلال دمائهم وحرماتهم. وإذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك – فعلى الإمامية الاثني عشرية أن يجيبونا عن هذا الإشكال:
لو نظر إنسان بعقله ولم يتوصل إلى (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري)، بأي حجة تلزمونه بالإيمان به؟
أباتباع ما أدت إليه عقولكم والتسليم به دون حجة أو دليل؟ وهذا لا يصح عندكم قبل غيركم، لأنه تقليد والتقليد مرفوض في العقائد.
أم بالروايات ؟ وهي خارجة عن باب الاجتهاد والنظر العقلي السبيل الوحيد للاعتقاد عندكم.
أم بعقله؟ وعقله لا يسلم به.
أم بأي شيء؟ ولا شيء آخر البتة؟!
على أي أساس، ولا أساس عندكم تستندون إليه؟! ولا عندنا!
 إن أساسـكم هو النظر العقلي ، وقد نظرنا بعقولنا فوجدناها تستسخـف هذه
العقيدة غاية الاستسخاف! وأساسنا النص القرآني الصريح، وهو مفقود.
ثم إذا كانت عقول مليار ونصف مليار من المسلمين غير معتبرة في الميزان، فعلام جعلتم (العقل) هو الحجة المعتبرة عندكم؟ أم إن عقولكم وحدها هي المعتبرة؟
فبأي حجة عقلية خصصتموها بهذا الاعتبار؟!
وهكذا يتبين أن موضوع (المهدي) الاثني عشري خارج عن دليلي العقل والنقل.
والعجيب أن الإمامية يتناقضون غاية التناقض حين يشترطون النظر العقلي القطعي، ثم هم يحتجون بالنصوص المتشابهة الظنية، وأن قواعدهم ترفض النصوص الدينية -قطعيها وظنيها- ثم هم يتركون هذا كله ليحتجوا بالأكاذيب والموضوعات!!.
 
الفصل الرابع
الأستاذ أحمد الكاتـب ورحلـته مع المهدي المنتظر
 
أحمد الكاتب باحث ومفكر شيعي اثني عشري. ولد في كربلاء ودرس الفكر الشيعي في حوزتها. كان من أشد المتحمسين، وأكثر الدعاة نشاطاً في نشر هذا الفكر والدعاية للمرجعية الدينية وولاية الفقيه. وعندما تمكن الخميني من إقامة دولته الدينية توجه الكاتب إلى إيران واحتل موقعاً في إذاعتها/ القسم العربي.
قادته الإخفاقات المتكررة لنظرية (ولاية الفقيه) على أرض الواقع إلى مراجعة النظرية من جديد مراجعة فقهية استدلالية أدت به إلى أن يعمل لها مراجعة تاريخية فإذا به يفاجأ بجو مشحون من الشكوك والاضطرابات والتناقض والاختلاف. وشيئاً فشيئاً جره البحث إلى موضوع (الإمام المهدي) ليكتشف بعد حين أن (المهدي) أسطورة لا أساس لها من الصحة. وتنبه لأول مرة في حياته إلى السر الذي جعل مادة التاريخ تغيب عن برامج ومدارس الحوزات الشيعية التي تقتصر على اللغة العربية والفقه والأصول والفلسفة والمنطق، ولا يوجد لديها حصة واحدة حول التاريخ الإسلامي أو الشيعي.
يقول أحمد الكاتب: (( لا أستطيع أن أصف المشاعر التي انتابتني وعصفت بي جراء انهيار الإيمان بالمهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري) (بقية الله وذخيرة السماء وأمل الشعوب ومغير العالم) أو التفكير باحتمال وجوده خاصة وإني كنت أعيش في بيئة شيعة مطلقة (في إيران) حيث لا يشك أحد في وجود الإمام الذي يحتفل بذكرى مولده سنوياً أعظم احتفال ويلهج الناس باسمه في الأدعية والزيارات. ويقومون لذكره تعظيماً وإجلالاً ))([16]).
وحين أنهى بحثه تريث في نشره خمس سنوات ممتثلاً لنصيحة بعض إخوانه حتى يتأكد تماماً مما توصل اليه من نتائج أرسل خلالها - كما يقول – (( رسالة إلى عدد كبير من العلماء في قم والنجف وطهران ومشهد والبحرين والكويت ولبنان..أعرض عليهم ما توصلت إليه من نتائج وأطلب منهم مناقشة البحث قبل نشره. ومع أني كنت متيقناً من النتائج التي توصلت إليها فقد احتملت أن يكون قد غاب عني بعض الأدلة والبراهين التي لم أطلع عليها، والتي تثبت ولادة ووجود الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري). وأعلنت استعدادي للتراجع وإقامة حفلة لإحراق الكتاب إذا ما أقنعني أحد بخطأ ما توصلت إليه، واستعدادي لنشر ما يردني من ردود إذا لم أقتنع بها. وقد استجاب بعض العلماء الأفاضل في قم لدعوتي، وطلبوا الكتاب لمناقشته. بينما رد البعض بطريقة عنيفة ومتشنجة وقرروا المقاطعة والإهمال، واستنكر قسم ثالث أن أقوم بمراجعة لمسلمات ثابتة، وتساءل قسم رابع عن مؤهلاتي العلمية مشترطاً حصولي على درجة الاجتهاد([17]) مسبقاً من الحوزة العلمية في قم. فقلت لهم: افترضوا أني قادم من الأهوار أو من خلف الجبال ولم أمض من عمري ربع قرن في الحوزة والتأليف والتدريس فلماذا لا تناقشون البحث وتنظرون بدلاً من ذلك إلى شخصي ))([18]). (( يقول بعض الإخوان: أن الحوار يجب أن يتم داخل جدران الحوزة العلمية ولا يجوز أن يتوسع وينتشر إلى الإطار الجماهيري العام. وقد التزمت بذلك عدة سنوات، وتوسلت إلى كثير من المراجع والفقهاء والمفكرين أن يجلسوا على طاولة الحوار فكانوا يعتذرون بحجج شتى ويتهربون من الحوار بمختلف الطرق. ودعوت إلى عقد ندوة مغلقة في قم أو لندن أو بيروت أو طهران، فلم يجبني إلى ذلك إلا أقل من عدد أصابع اليد الواحدة.
وكان البعض الآخر يدعي دون أن يلتقي بي أنه ردَّ بالتفصيل وأفحمني في جلسة واحدة ))([19]) (( وقد قال لي أحد (رجال الدين) الذين دعوتهم لمناقشة دراستي بصراحة: هل تريد أن تطوي سفرة صاحب الزمان التي نعيش عليها؟ في إشارة منه إلى أموال الخمس التي يأخذها العلماء (باسم الإمام).
وهمس لي آخرون: نحن نتفق معك تماماً، ولكن هل تريد منا أن ننتحر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؟ إذ إننا نعتمد على عامة الناس فيما يقدمونه لنا من أخماس وزكوات. وإن أية إشارة منا أو تأييد لأفكارك يعني انقطاع مورد الرزق وانهيار المشاريع والمؤسسات التي نعمل فيها، ومقاطعة العوام لمساجدنا وحسينياتنا. والغريب أن بعض هؤلاء (العلماء) الذين يمارسون التقية بالمقلوب مع الشيعة يتطرفون في إظهار الخلاف والهجوم الشخصي دون أن يناقشوا أفكاري، من أجل التغطية على عجزهم وتناقضهم مع ذواتهم والمتاجرة بعواطف العوام ))([20]).
وأخيراً نشر الأستاذ أحمد الكاتب بحثه حول المهدي عام 1997م في كتابه ذائع الصيت (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) وقد وجَّه فيه إلى صميم عقيدة (المهدي المنتظر) طعنات قاتلة مميتة، لا أرى أحداً عاقلاً غايته الحقيقة يطلع عليها إلا ويصل إلى ما وصل إليه الكاتب من كون هذه العقيدة مجرد خرافة أو أسطورة لا أساس لها في الكتاب والسنة وتراث الأئمة، ولا وجود لها في التاريخ.
وهذه بعض ما جاء في الكتاب من اعتراضات وطعنات وجهها الأستاذ الكاتب إلى النظرية ملخصة بتصرف:
 
اعتراضات الأستاذ أحمد الكاتب على نظرية (الإمام المهدي)
 
1- وفاة الحسن العسكري دون ولد ظاهر
توفي الحسن بن علي المعروف بالعسكري سنة 260هـ في سامراء، دون أن يترك ولداً مما أدى إلى تفجر أزمة عنيفة في صفوف الشيعة الإمامية الموسوية الذين كانوا يعتقدون باستمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة، فتفرقوا إلى أربع عشرة فرقة، وهذا ثابت في مصادر الشيعة الإمامية الاثنى عشرية. ذكره النوبختي في (فرق الشيعة) وسعد بن عبد الله الأشعري في (المقالات والفرق) والنعماني في (الغيبة) والصدوق في (إكمال الدين) والمفيد (الإرشاد) والطوسي في (الغيبة) وغيرهم، وغيرهم.
ومما يذكره المؤرخون الشيعة أن جارية للحسن اسمها (صقيل) ادعت أنها حامل منه، فتوقفت قسمة الميراث، وحملت الجارية إلى دار الخليفة المعتمد الذي أوعز إلى نسائه وخدمه ونساء الواثق ونساء القاضي ابن أبي الشوارب بتعهد أمرها والتأكد من حملها واستبرائها، حتى تبين لهم بطلان الحمل فقسَّم بين أمه المسماة بـ (حديث) وأخيه جعفر([21]) الذي ادعى الإمامة بعد أخيه فانضم إليه عامة الشيعة منهم (النائب الأول) عثمان بن سعيد العمري.([22])
وسمي هذا العصر الذي امتد إلى منتصف القرن الرابع بعصر (الحيرة). حتى كتب الشيخ علي بن بابويه الصدوق كتاباً سماه (الإمامة والتبصرة من الحيرة).
ويصف محمد بن أبي زينب النعماني في كتابه (الغيبة) حالة الحيرة التي عمت الشيعة في ذلك الوقت فيقول: (إن الجمهور منهم يقول في (الخلف): أين هو؟ وأنى يكون هذا؟ وإلى متى يغيب؟ وكم يعيش؟ هذا وله الآن نيف وثمانون سنة؟ فمنهم من يذهب إلى أنه ميت. ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة. ويستهزئ بالمصدق به. ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد)([23]) ويقول: (أي حيرة أعظم من هذه الحيرة التي أخرجت من هذا الأمر الخلق الكثير، والحجم الغفير؟ ولم يبق ممن كان فيه إلا النزر اليسير، وذلك لشك الناس)([24])
وهذا واضح الدلالة على أن النظرية الإمامية قد وصلت إلى طريق مسدود فلا بد من وجود مخرج لها فيه،وإلا انهارت واندثرت كغيرها من النظريات الإمامية المشابهة.
 
2- النظرية مكونة من جزأين رُكِّبَ أحدهما على الآخر بعد زمن طويل
لقد توصل الكاتب من خلال النظر في تراث الإمامية إلى أنهم في بداية الأمر اعتقدوا بأن للحسن العسكري ولداً من أجل إنقاذ النظرية من السقوط. ولم يكونوا يقولون في البداية أنه الإمام الأخير، وأن الأئمة اثنا عشر فقط. بل كانوا يعتقدون أن الإمامة تستمر في ذرية ذلك الولد المخفي إلى يوم القيامة.
ولكن لطول الغيبة واشتداد الحيرة وتفرق الشيعة، شهد القرن الرابع تطوراً جديداً في النظرية الإمامية هو حدوث (الاثني عشرية) في صفوف الجناح المتشدد من الشيعة الموسوية الذي كان يؤمن بقانون الوراثة العمودية بشدة، ولا يقبل أي تسامح فيها.
هذا التطور هو عملية إنقاذ لأمر سبق أن أجريت له عملية إنقاذ سابقة استنفدت
غرضها، فلا بد من إجراء جديد وعملية أخرى، بالضبط كما يجري لكبسولات القمر الصناعي التي تنفجر الواحدة تلو الأخرى، كلما استنفدت كبسولة وقودها انفجرت الأخرى لتديم الحركة من أجل إيصال القمر إلى مداره.
فلم يكن الإمامية في البداية يعتقدون أن ابن الحسن العسكري هو خاتم (الأئمة). وهذا النوبختي يصرح في كتابه (فرق الشيعة / الفرقة التي قالت بوجود ولد للعسكري) قائلاً: (إن الإمامة ستستمر في أعقاب الإمام الثاني عشر إلى يوم القيامة).
وذلك شيء طبيعي موافق لأصل النظرية. فالنظرية ترفض الشورى وتقول بضرورة وجود إمام في كل عصر يغني المسلمين عن الشورى والانتخاب. فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحداً فقط؟
 
3- دعوى القائمة المسبقة بأسماء (الأئمة) الاثني عشر
وحتى يدعم هذا الجناح وجهة نظره ادعى وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة (الاثني عشر)، ضارباً عرض الحائط التاريخ الشيعي والإمامي. فالإمامية بعد كل إمام يختلفون على الإمام الذي يخلفه! فهناك ما يقرب من ستين إماماً ادعيت لهم الإمامة في تاريخ الشيعة!!
وقد تجاوزت النظرية خلال هذا التاريخ عقبتين كبريين لا يمكن تجاوزهما من ضمن عقبات كثيرة. وفي كل مرة يكون التجاوز بالاضطرار إلى فكرة (البداء): الأولى في زمن جعفر الصادق حين مات في حياته ولده الأكبر إسماعيل الذي كان مرشحاً للإمامة طبقاً لما تفرضه النظرية من كون الإمامة في الولد الأكبر للإمام السابق. فانتقلت الإمامة إلى الابن الأصغر موسى بن جعفر عن طريق (البداء)، بعد أن نقلوها بعد موت إسماعيل إلى أخيه الثاني عبد الله بن جعفر الملقب بالأفطح. لكن هذا مات هذا بعد وفاة أبيه جعفر بسبعين يوماً دون أن يترك له ولداً. في حين قالت فرقة بوجود ولد له في السر مختف، سموه محمداً وهم (الفطحية).
الشيء نفسه تكرر حينما مات محمد الابن الأكبر لعلي الملقب بالهادي في حياة أبيه، فنقلوا الإمامة إلى أخيه الثاني الحسن الملقب بالعسكري عن طريق (البداء). لكن هذا مات دون أن يخلف ولداً. فكان المفترض أن ينتقلوا بـ(الإمامة) إلى أخيه الثالث جعفر بن علي الهادي –وهذا ما حصل أولاً- كما فعلوا في المرة الأولى قبل مئة عام عندما نقلوا الإمامة ثلاث مرات بين ثلاثة أخوة (إسماعيل ومحمد وموسى أولاد جعفر الصادق) ورفضوا تصديق دعوى (الفطحية) بوجود ولد للابن الثاني عبد الله الأفطح. لكنهم هذه المرة أخذوا بالفكرة الفطحية وتركوا الطريقة الموسوية فادعوا للابن الثاني لعلي الهادي وهو (الحسن العسكري) ولداً وسموه بالاسم نفسه (محمد)، وتركوا الابن الثالث (جعفر). والقصة طويلة.. والله تعالى هو وحده المحمود على العافية!
والمهم أنه لو كانت هناك قائمة مسبقة لما حصل كل هذا، ولما اضطروا إلى القول الشنيع- (البداء)، ولقالوا منذ البداية أن الإمامة بعد جعفر لولده موسى، وبعد علي لولده الحسن.
ومما يدل على كذب القائمة المسبقة – بالإضافة إلى أنها مجرد دعوى لم يستطيعوا إثباتها - وجود روايات عديدة تذكر عدم معرفة الأئمة أنفسهم بـ(إمامتهم) أو (إمامة) اللاحق إلا قرب وفاتهم.
وكذلك وفاة زرارة دون معرفته بالإمام بعد جعفر الصادق. وخروج زيد يطلب الخلافة في زمن أخيه محمد الباقر، مع علم زيد وتقواه وعلاقته الحميمة بأخيه.
 
4- الكتاب المسمى بـ(كتاب سليم بن قيس الهلالي)
وكان أصل هذا القول – كما يقول المؤرخ الشيعي المسعودي في (التنبيه والأشراف) - هو (كتاب سليم بن قيس الهلالي). وقد ظهر في القرن الرابع الهجري لمؤلف مجهول قيل أنه من أصحاب علي بن أبي طالب. وفيه تحديد الأسماء الاثني عشر. وقد اعتمد الكليني والنعماني والصدوق في قولهم بالنظرية (الاثنى عشرية) على هذا الكتاب. ولكن عامة الشيعة كانوا يشككون في الكتاب، وذلك لروايته عن طريق (محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة) الكذاب المشهور، و(أحمد بن هلال العبرتائي) الغالي الملعون الذي ادعى النيابة عن (المهدي).
وقد قال ابن الغضائري: "كان أصحابنا يقولون: إن سليماً لا يعرف ولا ذكر
له... والكتاب موضوع لا مرية فيه)([25]). وضعف الشيخ المفيد (كتاب سليم) وقال: "إنه غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس فينبغي للمتدين أن يتجنب العمل بكل ما فيه ولا يعول على جملته والتقليد لروايته)([26]). وانتقد المفيد الصدوق على نقله الكتاب واعتماده عليه، وعزى ذلك إلى منهجه الإخباري.
 
5- الاثنى عشرية يسخرون من الفطحية بما هم واقعون فيه
أجمع فقهاء الشيعة ومشايخهم –ما عدا الإسماعيلية- بعد وفاة جعفر الصادق مباشرة على إمامة عبد الله ولده الأكبر بعد إسماعيل الذي توفي في حياة أبيه. لكن هذا مات بعد مدة وجيزة دون أن يترك ولداً يخلفه. فانقسموا ثلاث فرق: إحداها تراجعت عن إمامته، والأخرى ادعت أن له ولداً مخفياً، والثالثة انتقلت إلى الأخ الثالث موسى بن جعفر، وقد أنكرت ما ادعته الفرقة السابقة وسخرت منه واعتبرته وهماً اضطروا إليه من أجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود، كما جاء ذلك على لسان السيد المرتضى علم الهدى([27]).
ولكن الاثنى عشرية يقعون مضطرين بعد قرن واحد فقط فيما وقع فيه إخوانهم الفطحية من قبل، وسخروا منهم بسببه! ونحن لن نفعل في رد ادعائهم هذا أكثر من إعادة قول الشريف المرتضى على من ادعى مثل ادعائهم سوى الاختلاف في الاسم!.
 
6- علي بن موسى (الرضا) يرد على الواقفية بما ينقض النظرية الاثنى عشرية
بعد وفاة موسى بن جعفر المعروف بـ(الكاظم) قال معظم أصحابه المقربين منه - وكذلك أولاده - بغيبته. حتى كتب علي بن أبي حمزة كتاباً حول (الغيبة)!. وكذلك علي بن عمر الأعرج كتب كتاباً في غيبته!!
وعرف أولئك (بالواقـفية) الذين وقفوا بـ(الإمامة) على موسى بن جعفر. وانتشرت روايات كثيرة حينها تقول بغيبته وأنه هو القائم. لكن ولده علياً (الرضا) شنع
على هؤلاء وكفرهم وتبرأ منهم واحتج عليهم بحجج منها:

  • إن الحجة لله على خلقه لا تقوم إلا بإمام حي يعرف، وهو ما يتناقض مع الغيبة.

  • لو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل
    رسول الله. فمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يمت موسى بن جعفر ! بلى والله لقد مـات

وقسمت أمواله ونكحت جواريه([28]).
ونحن نرد على الاثني عشرية بما رد به (الإمام المعصوم) عندهم على مثل معتقدهم سوى اختلاف الأسماء، فما جوابهم؟!.
 
7- الدليل العقلي أبعد ما يكون عن هذا الوصف
يقول الأستاذ أحمد الكاتب([29]): "إن تسمية عملية الاستدلال النظري على وجود ابن للحسن العسكري بالدليل (العقلي) هو من باب التسامح والاستعارة، وإلا فإنه أبعد ما يكون عن الاستدلال العقلي، إذ يعتمد على مجموعة مقولات نقلية، وبعضها أخبار آحاد بحاجة إلى إثبات الدلالة والسند كمقولة الوراثة العمودية، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين". وقال: "ومن هنا كان إثبات وجود (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) بصورة عقلية لسائر الناس أو سائر المسلمين أو سائر الفرق الشيعية أو حتى لسائر الفرق الإمامية التي لم توافق على مبدأ (الوراثة العمودية) صعباً أو مستحيلاً".
يقول السيد المرتضى: "إن الغيبة فرع لأصول إن صحت فالكلام في الغيبة أسهل شيء وأوضحه، إذ هي متوقفة عليها. وإن كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن"([30]).
(ومع أن التسليم بإمامة الحسن العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى التسليم بوجود ولد له فإن القول بذلك مبني على ضرورة استمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة وبوجوب توارثها بصورة عمودية. وهو ليس إلا افتراض وهمي وظن بغير علم. ولذا يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه (المهدي الثورة الكبرى): "إن الاستدلال الفلسفي يمكن أن يثبت قضايا كلية عامة، ولكنه لا يستطيع أن يضع إصبعه على إنسان في الخارج ويثبت وجوده"([31])).
 
8- لا أدلة نقلية معتبرة
وناقش الأستاذ الكاتب الأدلة النقلية كثيراً - سواء كانت نقلاً روائياً أم نقلاً تاريخياً - وأثبت أنها مختلقة من أوجه كثيرة منها:
ضعف أسانيدها، وقد قام بتحقيقها رواية رواية فتبين له أن أسانيدها مبنية على رجال مجروحين مضعفين في كتب رجال الطائفة الاثنى عشرية([32]).
ومنها اختلافها فيما بينها اختلافاً فاحشاً، وتناقضها مع بعضها، أو مع مقررات المذهب، أو مع ثوابت الدين.
 
9- كثرة المدعين للنيابة واختلافهم فيما بينهم والشبه الكثيرة حولهم([33])
لم تكن دعوى (الغيبة) وادعاء (النيابة) عن (الغائب) قد حصلت مرة واحدة في تاريخ الشيعة، بل حصلت مرات عديدة سبقت تلك التي ادعيت للولد المزعوم للحسن العسكري! كالغيبة التي ادعيت لموسى بن جعفر فقد ادعى أحد أصحابه (محمد بن بشير) النيابة عنه، ثم ورّث النيابة إلى أبنائه وأحفاده.
وأما (محمد بن الحسن العسكري) فقد ادعى النيابة عنه بضعة وعشرون رجلاً!! منهم الشريعي والنميري والعبرتائي والحلاج. وذلك أن دعوى النيابة كانت تجر مصالح مادية ومكانة اجتماعية سياسية للمدعي.
وقد حصل التشكيك من قبل معاصريهم من الشيعة بدعوى هؤلاء المدعين جميعاً بما فيهم النواب الأربعة! لكن دعاواهم كانت تنطلي على البسطاء ويرفضها الأذكياء المحققون الواعون.
أما روايات توثيق هؤلاء الأربعة دون سواهم فلا يثبت منها شيء عند التحقيق، إذ هي قائمة على أسانيد واهية ودعاوى باطلة تشوبها المصالح المادية المتبادلة والخصومات والاختلافات الكثيرة. وكثير منها بادية الوضع من متونها كنسبة علم الغيب للنائب المعين دليلاً على صدقه.
أحد النواب أحمد بن هلال العبرتائي (وهو شيخ شيعة بغداد في زمانه) لعب دوراً كبيراً في تدعيم دعوى النائب الأول عثمان بن سعيد العمري أملاً بأن يوصي بالنيابة إليه من بعده، فلما أوصى بها إلى ابنه محمد، رفض ذلك وادعى النيابة لنفسه.
ويقول محمد بن علي الشلمغاني الذي كان وكيلاً للنائب الثالث الحسين بن روح النوبختي في بني بسطام ثم انشق عنه وادعى النيابة لنفسه: (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه. لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)([34]).
وكان الشيعة كثيراً ما يشككون في هؤلاء النواب حتى اشتهرت عندهم تلك الأيام رواية عن أهل البيت تقول: (خدامنا وقوامنا شرار الخلق)، مما دفعهم للتشكيك بصحة دعاوى النيابة الخاصة. وقد أكد الطوسي صحة الرواية، لكنه عمد إلى تأويلها وصرفها إلى من خان وبدل. وقد ندم بعض الشيعة على إعطاء الأموال إلى العمري. بل وصل التشكيك إلى وجود (المهدي) أصلاً، والتواقيع التي يخرجها العمري وينسبها إليه. وكان من هؤلاء المشككين رجال من أهل البيت، مما دفع العمري إلى أن يصدر كتاباً على لسان المهدي يندد بهم. كما شك قسم آخر بصحة نيابة النوبختي، وتساءل عن مصرف الأموال التي يقبضها باسم (المهدي).
وقد استقر أمر الاثنى عشرية على أربعة من بين بضع وعشرين نائباً واتهموا الآخرين بالكذب طمعاً في جر النار إلى قرصهم، وحرصاً على الأموال، والارتباط بالسلطة العباسية. مع أن هذه التهم تتوجه أيضاً –بل وجهت- إلى أولئك (النواب الأربعة) الذين لم يكونوا بعيدين عنها.
وهكذا تمسي دعاواهم باللقاء بـ(الإمام المهدي) بعد كل هذا غير صالحة للاعتماد، لا تمنح حتى الظن الراجح، بل هي دليل على كذب هذه الأسطورة. إضافة إلى عدم قيام أي نائب من أولئك النواب بأي دور ثقافي أو فكري أو سياسي لخدمة الشيعة والمسلمين ما عدا جباية الأموال والادعاء بتسليمها إلى (الإمام المهدي) مع عدم العلم بمصيرها من قبل الآخرين. ولم يقم واحد منهم بحل مشاكل الطائفة ونقل توجيهات الإمام إلى الأمة بخصوصها، بل إن مشاكل النواب أنفسهم كانت تحل عن غير هذه الطريق: فمشكلة النوبختي مع غريمه الشلمغاني لم يستطع واحد منهما أن يثبت قولاً (للإمام المهدي) يكون هو الفصل بخصوصها. بل لجأ النوبختي إلى علماء قم ليحلوا له مشكلته. وأرسل كتابه (التأديب) إليهم ليبينوا له الصحيح من السقيم([35]). وكان الأولى به أن يعرضه على (المهدي) مادام يلتقي به في السر، لاسيما و(المهدي) يتمتع بفراغ عريض لا يشغله شاغل مع امتلاكه للأموال الهائلة المطلوبة للانصراف عن كل ما يشغله!. إن في هذا دلالة بينة على عدم وجود أي اتصال بينه وبين (المهدي)، وإلا لكان عرض عليه الكتاب وسأله عن صحته من سقمه.
ومن المعروف أن الكليني قد ألف كتابه (الكافي) في أيام النوبختي، وقد ملأه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تتحدث عن تحريف القرآن، وأمور أخرى باطلة، ولكن النوبختي أو السمري لم يعلقا على الموضوع ولم يصححا أي شيء من الكتاب، ولم ينقلا عن (المهدي) شيئاً من ذلك، مما أوقع الشيعة عبر التاريخ في مشكلة التمييز بين الأحاديث الصحيحة والسقيمة، واختلافهم فيها.
ومما يعزز الشك عدم قيام أدعياء النيابة بملأ الفراغ الفقهي، وتوضيح كثير من الأمور الغامضة التي يجب عليهم تبيينها في تلك المرحلة.
ولقد ابتدع السيد المرتضى نظرية (اللطف) التي يقول فيها: إن الإمام المهدي يجب أن يتدخل ليصحح اجتهادات الفقهاء في عصر الغيبة، ويخرب إجماعهم على الباطل، وبناء على ذلك كان الأجدر والأولى والأيسر أن يصحح (الإمام المهدي) – لو كان موجوداً – كتاب الكليني، أو يترك وراءه في (عصر الغيبة الكبرى) كتاباً جامعاً يرجع إليه الشيعة، وهذا ما لم يحصل. ولم يقدم أدعياء النيابة أي شيء يذكر في هذا المجال. وهذا ما يدفعنا للشك في صدقهم، وفي دعواهم بوجود (إمام غائب) من ورائهم.
ومن المضحكات أن العمري حين كان يخرج للناس رسائل وتواقيع باسم (المهدي) لم يكن يسلم الخطوط والتواقيع إلى أحد، بل كان يبرزها لهم فقط أو يستنسخها بخطه! وفي هذا إشارة واضحة ودليل إضافي على عدم وجود شخص حقيقي وراء هذه الرسائل والتوقيعات. ولو كان موجوداً للجأ لإثبات شخصيته بصورة قاطعة، لا عبر هذه الوسائل التي لا يمكن الوثوق بها بل تحمل بذور الشك في طياتها.
ولقد تطورت وسائل الاتصالات في العصر الحديث ، وتعددت كثيراً كالانترنيت
والبريد الإلكتروني والفاكس والفضائيات وغيرها، ويمكن لكل من يمتلك مواصفات (المهدي) وقدرته على الاختفاء أن يستعملها ويتصل بأصحابه أو بالعالم ليثبت نفسه ووجوده ولو من وراء ستار، كما يفعل أسامة بن لادن حفظه الله تعالى، رغم أن العالم كله يبحث عنه!
فهل (المهدي) في غيبوبة عن تغير الحال وتطور وسائل الاتصال؟ أم هو خائف إلى هذه الدرجة رغم قدرته على الاختفاء؟ فعلام هو إمام إذن؟ أم ماذا؟!.
ومن المعلوم جزماً أن (المهدي) لم يترك بعده علماً ينتفع به ولم يحل معضلة. ولقد أصابت المسلمين كوارث كثيرة ومروا بأهوال جسيمة، وهو ساكن لا يتململ، ساكت لا يتكلم. فما وظيفته على وجه التعيين؟ غير جمع الأموال التي كان الشيعة الأوائل يدفنونها لوقت ظهوره، أو يوصي أحدهم الآخر بإيصالها إليه. ثم لما رأى الشيعة بمرور الزمن سخافة هذا الرأي وعدم جدوى العمل به عدلوا عنه إلى آراء شتى لا جامع لها ولا رابط بينها، حتى تعجب الشيخ حسن الفريد (زميل الخميني) في كتابه (رسالة في الخمس) واستغرب بحيرة وتساءل عن السر وراء عدم سؤال الكليني من (صاحب الزمان) عبر وكيله النوبختي عن حكم مسألة الخمس في (عصر الغيبة)([36]).
 
10- قصور النظرية واضطرابها في تقديم تفسير معقول للغيبة
تقول نظرية (الإمامة الإلهية) كما كان يقول بها المتكلمون الإماميون الأوائل الذين أسسوا لها: إن الأرض لا يجوز أن تخلو من إمام (أي من حكومة ودولة) وإن الإمام (أي الرئيس أو الخليفة أو القائد الأعلى) يجب أن يكون معصوماً ومعيناً من قبل الله، وأن الشورى باطلة ولا يجوز انتخاب الإمام من قبل الأمة. وتقول النظرية الموسوية (التي هي أصل النظرية الإمامية الاثنى عشرية والموازية للفطحية): إن الإمامة تتسلسل بشكل وراثي عمودي في ذرية علي والحسين إلى يوم القيامة. ومن هنا افترض المتكلمون وجود وولادة (ابن) للإمام الحسن العسكري. وحين سئلوا عن وجوده قالوا: إن أباه أخفاه خوفاً من السلطة. وحين طال غيابه صاروا يواجَهون بالسؤال الكبير: إذا كانت الإمامة محصورة في هذا الشخص ولا تجوز لغيره من الناس العاديين وغير المعينين من الله، كما لا يجوز لهذا الغير أن يقود الناس ويمارس مهام القيادة، فلماذا يغيب (الإمام) ولا يظهر ليقود الشيعة والمسلمين ويؤسس الحكومة الإسلامية التي لابد منها؟
ومادام أن الأرض لا يجوز أن تخلو من إمام، والإمام الغائب لا يمكن أن يمارس إمامته وقيادته للناس، فما هو السر في الغيبة؟ وإلى متى يغيب؟ وما الفرق بين الغائب وغير الموجود أي المعدوم الوجود أصلاً؟.
ولم يعد تفسير الغيبة بالخوف كافياً لتبريرها لاسيما بعد أن طالت. وقد ظهرت دول عديدة ذات شوكة ومنعة تنادي صباح مساء بتعجيل فرجه وسرعة ظهوره كالدولة البويهية في القرن الرابع الهجري، التي طرحت على الشيخ المفيد سؤالاً مفاده: لماذا يستمر (المهدي) بالاختفاء ونحن مستعدون لنصرته؟ وطالبته بالإجابة على هذا السؤال، فأحال المفيد الإجابة على الله وقال: (إن سر الغيبة لا يعلمه إلا هو)، مع تشكيكه في صدق الشيعة آنذاك وشجاعتهم وتقواهم([37]) وهو هروب من الجواب.
وقامت دولة الصفويين وبحت أصوات الناس في زمانها من النداء بخروج (صاحب الزمان) وانتهت دولتهم وقامت دول أخرى مشابهة. وهذه دولة إيران–الخميني اليوم على النهج نفسه فلماذا لا يخرج (المهدي) لو كان موجوداً؟ أو يتصل بالناس مجرد اتصال يثبت به لهم إثباتاً قاطعاً أنه موجود مع تطور وسائل الاتصال، وتمكنه من الاختفاء؟.
وحين خرج (الواقفية) بنظريتهم التي تقول بمهدوية موسى الكاظم وغيبته، تصدى لهم علي بن موسى الرضا وفند دعواهم مستنداً على تناقض فكرة (الغيبة) مع ضرورة وجود الإمام الذي يفترض أن يتصدى لقيادة المسلمين، ولا يجوز له أن يغيب عن الساحة واحتج بضرورة التفاعل مع الإمام الحي الظاهر قائلاً: (إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي ظاهر) هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه استند إلى بطلان فكرة امتداد حياة إنسان بصورة خارقة لحاجة الناس إليه قائلاً: (لو كان الله يمد
في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه، لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([38]).
وأخيراً… صار علماء الإمامية الاثني عشرية يلجأون إلى القول بإحالة الحكمة من الغيبة إلى الله، فهو وحده العليم بسرها فلا يسأل عنها أحد غيره.
إن هذا الاضطراب في الأجوبة بالانتقال من جواب إلى آخر، والتناقض حين يرفضون رأياً ثم يتبنونه (كما حصل لهم مع الواقفية)، ثم الإحالة إلى مجهول إنما يدل على العجز عن إيجاد جواب مقنع صحيح.
وهكذا يتبين لنا أن (المهدي) ليس سوى خرافة ينبغي أن يترفع عنها العقلاء، وإلا انهدم الحاجز بين المعجزة التي لا تتناقض مع العقل، وبين الخرافة التي ترفضها العقول السليمة.

الفصل الخامس
الفرق بين الخرافة والمعجزة
 
تشترك الخرافة والمعجزة بأن كليهما خارج عن العادة والسنة الكونية، أو سنة الله الطبيعية في خلقه، القائمة على الأسباب الممكنة، وإن كليهما تحت مقدور الله تعالى لأن الله سبحانه لا يعجزه شيء.
فما هو الفرق بينهما؟ أو كيف نفرق بين الخرافات وبين المعجزات الثابتة في ديننا؟ وما الفرق بين إنسان خرافي يعتقد بوقوع أحداث أسطورية كقصة عوج بن عنق، وبين إنسان مؤمن يعتقد بحصول معجزات وكرامات كانتقال عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في أقل من طرفة عين؟
الفرق هو قيام الدليل الكافي على ثبوت وقوع الأمر الخارج عن العادة أو عدمه. على أنه كلما كان الأمر أكثر خروجاً على العادة احتاج إلى دليل أقوى. وكذلك إذا انبنى على الأمر كفر أو إيمان: فالأمر الخارج عن العادة إذا طولبت باعتقاده بحيث يكون إنكاره كفراً واعتقاده إيماناً احتاج لإثباته إلى دليل قاطع في ثبوته ودلالته. والحال مختلف حين يكون الأمر فرعياً أو جزئياً.
الدليل إذن هو الفرق. والدليل لابد أن يكون قوياً بدرجة كافية تتناسب ودرجة خروج الأمر عن العادة إذا كان الأمر دنيوياً ، ودرجة الأمر في السلم الإيماني إذا كان الأمر دينياً من ناحية أخرى. فحين يقال: (إن امرأة أنجبت خمسة توائم) يمكن أن أصدق ما قيل بمجرد أن يكون مصدر الخبر ذا موثوقية مقبولة، كأن يكون المتكلم فراشاً في المستشفى الذي تمت فيه عملية الإنجاب، معروفاً بالصدق. أما إذا قيل: (إن عدد التوائم عشرون) فهذا ما لا يمكن أن أصدقه بحال، وإلا كان عقلي كالإسفنجة تمتص ما يلقى إليها من سوائل، وهذا هو العقل الخرافي.
وحين يقال: (إن رجلاً مات ثم عاد إلى الحياة قبل أن يدفن) وأخبرني بذلك من أثق به وأنه شاهد ذلك فعلاً ، فإنني أصدق ما قيل. لكن لو أخبرني المصدر نفسه عن
رجل مات ودفن ثم عاد إلى أهله ما صدقته إلا إذا كنت أمتلك عقلاً إسفنجيا خرافياً.
فإذا ألزمني هذا المصدر بالإيمان بهذا الرجل وما حصل له وإلا كنت كافراً حلال الدم فهذه هي الكارثة العقلية والدينية بعينها. لأن الخبر لا يمتلك دلائـل الصدق
التي على مثلها يقوم الإيمان والكفر. وما بهذا قام الدين. إنما قام على الدلائل القطعية.
هذا ما يريده الإمامية الاثنى عشرية بالضبط ويطالبون به الناس، وإلا كانوا كفرة لا حرمة لوجودهم ولا احترام لعقولهم!!
فما الفرق بين المثال المضروب وبين التصديق بوجود شخص ولد سراً لم يره أحد قامت الدلائل كلها على عدمه وأولها قسمة الميراث. أخفي هذا الطفل خوفاً عليه ثم ظل مختفياً وطالت مدة اختفائه و(غيبته) رغم فناء عشرات الأجيال! وها قد مر ألف ومئتا عام على اختفائه ولا أثر له!
ثم لا ذكر لهذا الشخص في القرآن الكريم، أو السنة النبوية المطهرة. لا بصورة صريحة جازمة، ولا بصورة ظنية محتملة. كيف أؤمن بمثل هذا؟! وكيف أطالب بالإيمان بمثله؟! حقاً إنها خرافة!!
والإمامية الاثنا عشرية يسخرون في الوقت نفسه من عقائد مماثلة، بل أخف، ويقولون عنها أنها خرافة لمجرد خروجها عن العادة. مثل الاعتقاد بأن نبي الله (الخضر) عليه السلام لا زال حياً مع أن الخضر متفق على ولادته ووجوده على هذه الأرض. وقد ذكرت قصته في القرآن الكريم في سورة الكهف مع نبي الله موسى (ع)، سوى عدم ذكر اسمه صراحة، والخلاف في استمرار حياته إلى اليوم.
فلماذا يصدق الاثنى عشرية باستمرار حياة شخص مفترض لم تثبت ولادته ولم يتفق على وجوده، هذا الاستمرار الأسطوري، ويكذبون في الوقت نفسه استمرار حياة شخص آخر ثبت وجوده في التاريخ لا لشيء سوى خروج حياته عن العادة المألوفة. وإذا قلت لهم كيف تصدقون باستمرار حياة إنسان طيلة هذه المدة؟ أجابوا: إن الله على كل شيء قدير. وهذا حيدة عن الجواب. فالسؤال ليس عن قدرة الله، أو خروج الأمر عن هذه القدرة. وإلا فإن كل خرافة مقدورة لله، فلم لا نصدق كل ما يقال بحجة أن الله على كل شيء قدير؟! فليصدقوا إذن بقصة الخضر، أليس الله على كل شيء قدير؟! أم أن قدرته مختصة بما يتعلق بهم فقط؟! سبحانه!.
إن الخارقة إذا ثبتت بدليل كاف فهي كرامة أو معجزة، وإلا فهي خرافة سخيفة. ولا داع لحشر موضوع قدرة الله في هذه الدعاوى والسخافات، وإلا أمسى دين الله
مسرحاً للأباطيل والخرافات. هكذا فعل الإمامية الاثنى عشرية بأنفسهم!!
وهكذا يفعل كل من ترك كتاب الله تعالى ومنهجه الواضح المبين، فأعرض عن صريح آياته وقواطع دلائله وبيناته، ليتيه في تلك الأودية المهلكة المظلمة، لا يبالي به الله في أي واد هلك!!!        
 
الفصل السادس
 المهدي عند أهل السنة
 
يتعلق الإمامية الاثنى عشرية بقشة مُفادها: أن أهل السنة يعتقدون بـ(المهدي). فعلام الإنكار عليهم إذا كان الجميع يشتركون في عقيدة متماثلة؟.
وهذه مغالطة واضحة لأسباب كثيرة منها:
1- أن مهدي أهل السنة غير (المهدي) الذي يعتقد به الاثنى عشرية. فليس هو محمد بن الحسن العسكري، إنما اسمه محمد بن عبد الله. وليس هو من ذرية الحسين، بل من ذرية الحسن. وليس هو موجوداً الآن، أو مولوداً منذ أكثر من ألف عام وقد غاب في سرداب سامراء، بل يولد في حينه ولادة طبيعية ليس فيها خوارق. ولا يحكم بحكم آل داود (ع) بل بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يقتل العرب بل العرب أول المناصرين له.
2- لا يعتقد أهل السنة أن الإيمان بهذا (المهدي) ركن من أركان الإسلام، أو أصل من أصول الدين لا يصح الإيمان إلا به، ولم يكفروا أحداً على أساسه، ولم يبنوا عليه أي حكم من الأحكام الشرعية أو يعطلوه. بل هو عندهم من فرعيات الاعتقاد التي لا يضر فيها الاختلاف ، وإنكاره لا يقدح في الإيمان.
3- إن أهل السنة غير مجمعين على هذه العقيدة. فمنهم من يثبتها، ومنهم من ينكرها. وممن أنكرها من الأقدمين ابن خلدون، و من المتأخرين الأستاذ عبد المنعم النمر في كتابه (الشيعة – الدروز – المهدي). والشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس الشؤون الدينية والمحاكم الشرعية في قطر في كتابه (لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر).
وقد احتج المنكرون بعدم ورود هذه العقيدة في القرآن ولا في صحاح السنة كالبخاري ومسلم. وإنما جاءت في روايات ضعيفة، أو آحاد لا تقوم بها حجة. وقد تسربت إلينا بفعل التأثر بالعقائد اليهودية والنصرانية. وبتأثير الشيعة. وأنا شخصياً أميل إلى هذا الرأي ، ولا أجزم به.
4- لا ضرر خطيراً يلزم من الاعتقاد بالمهدي طبقاً لما جاء عند أهل السنة، على العكس
عما هو الأمر عليه عند الشيعة. وقد ذكرنا قبل قليل طرفاً من أضراره الخطيرة طبقاً لما جاء عندهم.
5- من اعتقد من أهل السنة بمجيء (المهدي) ، فإنما اعتقد به طبقاً إلى روايات صحت عنده. وليس طبقاً إلى النظر العقلي.
6- القول بأن شخصاً ما يملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً. إذا كان المقصود بالأرض كل الأرض - لا سيما كما يتصور عامة الشيعة أن ذلك سيحدث بلمسة ساحر. وأن الأمور كلها ستتغير وتصفو تماماً بمجرد مجيئه وينشدون في ذلك قولهم: (اطلع يا المهدي وصفيها) - هذا القول من أسخف الأقوال المخالفة للمنقول، والمباينة للمعقول. فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لم يتمكن من القيام بهذا الدور الخيالي! ولا أحد من الأنبياء عليهم السلام. ولا الصحابة الكرام. ولا علي بن أبي طالب الذي هو أفضل من (المهدي) المزعوم! بل كان رضي الله عنه مغلوباً على أمره لم يتمكن من بسط العدل المطلوب في عاصمة خلافته فضلاً عن غيرها.
   ويستحيل عقلاً على شخص واحد أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن تمتلئ جوراً!! لاسيما بعد أن كثر سكان الأرض فصاروا بالمليارات. وعندهم من الإمكانيات الهائلة، والأسلحة الفتاكة المدمرة، والقدرة على الفتك والمقاومة. اللهم إلا على افتراض أن تفنى البشرية فلا يبقى منها سوى قرية صغيرة واحدة يحكمها هذا (المهدي). وعند ذلك يمكن لشيخ قبيلة بإمكانيات بسيطة أن يبسط العدل المطلوب في تلك القرية. فلا داعي لوجود سوبرمانات أو طرزانات بشرية.
إن البشر لا يمكن أن تتغير طبيعتهم بالطفرة فيحدث الإصلاح بهذه السرعة السحرية. بل ذلك مخالف لسنة الله في خلقه، القائمة على التدرج والترقي شيئاً فشيئاً. فالانتقال من غاية الظلم والفساد إلى غاية العدل والرحمة -وفي جيل واحد- مستحيل. وإلا لحدث ذلك لموسى عليه السلام مع بني اسرائيل، ولم يحتاجوا لأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة!
وليس من مقصود الله جل وعلا أن يختفي الظلم تماماً من الأرض بل ذلك شيء أرجأه إلى الحياة الأخرى التي يقول فيها: }لا ظُلْمَ الْيَوْمَ{(غافر:17). حين يتجلى عدل الله كما هو.
ثم ما معنى أن يختفي الظلم من الأرض بضع سنوات معدودات وقد مر عليها آلاف السنين وهي ترزح تحت وطأته؟ هل يستحق هذا كل هذا الاهتمام والوعود والبشارات؟! وما الذي تستفيده منه آلاف الأجيال التي ماتت وهي تعاني من الظلم والاضطهاد؟!.


([1]) ليست هذه إحصائية دقيقة. فقد يزيدون على هذا العدد قليلاً، أو يقلون.

([2]) مصباح الفقاهة، 1/323 ، ط3 - 1371، مطبعة الغدير.

([3]) الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب، ص 257، الشيخ يوسف البحراني.

([4]) الشافي للمرتضى علم الهدى ص184/راجع تطور الفكر السياسي الشيعي لأحمد الكاتب ص190.

([5]) معرفة الرجال للكشي ص 379 – راجع تطور الفكر السياسي الشيعي ص 182.

([6]) الكافي - الروضة 8/175.

([7]) الكافي –الروضة 8/260.

([8]) الكافي – الروضة /312.

([9]) الكافي – الروضة /239.

([10]) المصدر نفسه /240.

([11]) 5/44 – وقد انتهى عصر بني أمية ولم يخرج القائم.

([12]) تفسير القمي 2/390.

([13]) تفسير القمي 2/327 - انظر في هذه الإحالات: تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه للأستاذ أحمد الكاتب ص133-134 والهامش ص139.

([14]) انظر في تفصيل هذا كتاب (بروتوكولات آيات قم) للدكتور عبد الله الغفاري.

([15]) يمكن لمن أراد الاطلاع على ضعف هذه الروايات تفصيلاً الرجوع إلى كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) للأستاذ أحمد الكاتب. فقد كفانا الأستاذ الكاتب مؤونة البحث في هذا، وأثبت بالأدلة التفصيلية ضعف هذه الروايات واختلاقها. سواء كانت روايات منقولة عن (الأئمة)، أم روايات تاريخية تتحدث عن المولد والغيبة والمعاجز المتعلقة بـ(المهدي). فهي منقولة عن رجال مجروحين، ومثبت جرحهم في المصادر الرجالية المعتمدة لدى الطائفة. حتى قال الكاتب: (( وأعتقد أنهم كانوا يوردونها من باب (الغريق يتشبث بكل قشة) وإلا فإنهم أعرف الناس بضعفها وهزالها. ولو كانت فرقة أخرى تستشهد بهكذا روايات على وجود أئمة لها، أو أشخاص من البشر، لسخروا منها واستهزءوا بعقولها، واتهموها بمخالفة المنطق والعقل والظاهر، كما فعل متكلمو الفرقة الاثني عشرية في مناقشتهم لفريق الشيعة الإمامية الفطحية الذين ادعوا وجود ولد مكتوم للإمام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، وقالوا: إن اسمه محمد وأنه المهدي المنتظر، وزعموا ولادته في السر واختباءه في اليمن. وذلك اعتماداً على مبدأ ضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب، وعدم جواز انتقالها إلى أخوين بعد الحسن والحسين. وقال الشيعة الاثنى عشرية عن ذلك الفريق من الشيعة الفطحية: (إنهم اخترعوا وجود شخص وهمي لا وجود له هو: (الإمام المهدي محمد بن عبد الله الأفطح) نتيجة لوصولهم إلى طريق مسدود )) مع أنهم مارسوا الشيء نفسه في عملية افتراض وجود ابن للحسن العسكري وذلك اضطراراً من أجل الخروج من الحيرة التي عصفت بالشيعة الإمامية في منتصف القرن الثالث الهجري. وقد وقع في يدي مؤخراً كتاب   = = قيم للدكتور عداب محمود الحمش هو (المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية دراسة حديثية نقدية) أتى فيه على هذه الروايات وناقشها واحدة واحدة.

([16]) صحيفة الشورى - العدد السابع، جمادى الثاني 1416هـ – تشرين الثاني 1995.

([17]) الدكتور موسى الموسوي كان حائزاً على درجة الاجتهاد، وحين قام بنشر أفكاره التصحيحية لم يستطيعوا أن يطعنوا فيه من هذه الناحية فتوجهوا بالطعن إلى نواح أخرى، مثلاً قالوا: إنه عميل للمخابرات الأجنبية.

([18]) المصدر السابق.

([19]) المصدر نفسه.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) إكمال الدين للصدوق 44، دلائل الإمامة للطبري 244.

([22]) إكمال الدين للصدوق 475.

([23]) 113، 186.

([24]) أيضاً.

([25]) الخلاصة للحلي ص83 –راجع ص199 من كتاب الأستاذ أحمد الكاتب (تطور الفكر...).

([26]) أوائل المقالات وشرح اعتقادات الصدوق، ص247 – المصدر السابق.

([27]) الشافي، 184.

([28]) معرفة الرجال للكشي، ص379.

([29]) المصدر نفسه، ص190.

([30]) رسالة في الغيبة – المرتضى ص2.

([31]) مهدي: انقلاب بزرك ص213.

([32]) المصدر ص193-233.

([33]) المصدر ص221.

([34]) الغيبة، ص241.

([35]) الغيبة، للطوسي ص240.

([36]) المصدر المذكور أعلاه، ص87 / انظر (تطور الفكر...) ص227.

([37]) الأمالي للمفيد، ص390.

([38]) معرفة الرجال للكشي - ص379.


عدد مرات القراءة:
1563
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :