آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 07:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

منهج القرآن في عرض أصول الدين وإثباتها ..
الكاتب : طه الدليمي ..
منهج القرآن في عرض أصول الدين وإثباتها
 
يتبين من خلال استقراء القرآن أن الله تعالى أثبت هذه الأصول في كتابه بالنصوص الصريحة القطعية الدلالة التي لا تحتاج إلى تفسير يوضحها، أو رواية تعضدها، أو رأي يقوي دلالتها ويسندها.
ولم يغفل القرآن ذكر أي مسالة من المسائل الضرورية والأساسية. وهي المسائل التي لا يصح التسامح فيها أو الاختلاف عليها. للزومه الفساد في الدين والدنيا. بل جاء مستوعباً لها بلا استثناء. كما أخبر تعالى فقال:  }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ{ (النحل/89). ولا شك أن هذه الكلية أو التعميم، إنما يقصد به الأساسيات والأصول. وإلا فإن عامة الفروع غير مبينة فيه -كما أسلفنا-
إن هذه المسائل الأساسية تنقسم إلى قسمين: قسم يدخل في باب الإيمان والعقيدة. وقسم آخر يدخل في باب الأعمال والشريعة. وهذا يقتضي أن أتناول بالبحث منهج القرآن فيهما كلاً على حدة.
 
منهج القرآن في إثبات أصول العقيدة
 
أركان الإيمان التي يدور حولها الإسلام ستة. ونستطيع أن نجمعها في ثلاثة أركان. هي أصولها ولبابها: وحدانية الله تعالى. ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. واليوم الآخر. إذ القدر يدخل في باب الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة والكتب يدخلان في باب النبوة.
وهذه الثلاثة هي محور الصراع الفكري بين الإسلام وخصومه. وعليها دارت دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وآيات القرآن الكريم في مكة خصوصاً. فكيف أقام القرآن الأدلـة
القطعية على صحتها؟
يتبين من خلال الاستقراء التام لمعرفة المنهج القرآني في إثبات العقيدة أن القرآن
الكريم يتبع المنهج الأتي:
  1. الإخبار  
إذ يذكر القرآن الكريم هذه الأصول ويخبر عنها بالنصوص القطعية التي تصرح بأنه لا اله إلا الله. وأن محمداً رسول الله. وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وهكذا بقية الأصول.
 وينقسم الإخبار إلى قسمين: أ. أمر بالإيمان        ب. نهي عن الكفران.
بغض النظر عن صيغة الأمر والنهي.
  1. الإثبات
إذ لا يكتفي القرآن بتقرير الحقيقة والخبر المجرد عنها. حتى يضيف إلى ذلك إقامة البرهان العقلي على صحة الخبر. فالنصوص في هذا الباب ليست أخباراً مجردة. وإنما هي أخبار برهن الله تعالى على صدقها بالدليل العقلي.
  1. التكرار
وبين الإخبار والإثبات تتكرر الآيات. وتكثر حتى تبلغ المئات. إذ لا يكتفي القرآن في تقرير الأصول بآية أو آيتين. أو نصف آية من هنا وربعها من هناك - كما هو الملاحظ على أدلة الفرق المنحرفة- وإنما يستطرد بمئات الآيات التي تتضافر جميعاً لتؤدي غاية واحدة هي تقرير الأصل الاعتقادي وإثباته صراحة.
  1. القطع والوضوح
وآيات الأصول قطعية الدلالة على الأصل المقصود. بحيث لا يمكن تأويلها أو صرفها إلى معنى آخر. وذلك لوضوح ألفاظها وصراحتها أولاً. ولكثرة الآيات وتضافرها في تأدية المعنى - أو الأصل المقصود - ثانياً.
 

الأدلة التفصيلية على هذه الحقائق الأربع

 
1. وحدانية الله تعالى
جاء الإخبار عنها في آيات يعسر حصرها لكثرتها. منها:
}اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ البقرة/255، آل عمران/2
}وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ{ الأنبياء/25
}فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ{ محمد/19
}شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ{ آل عمران/18
}قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{ الإخلاص/1
وجاء النهي عن الكفر بها في آيات كثيرة. منها:
}مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ النحل/106
}فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأْعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآْخِرَةِ وَالأْولَى{ النازعات 23-24
}أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً{ الكهف/37
}أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ{ هود/60
}أُوْلئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الاَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ{ الرعد/5
وجاء الإثبات بالأدلة العقلية في آيات كثيرة جداً. منها:
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ{ البقرة/21
}أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون{ الطور/35
}هَلْ مِنْ خَالقٍ غَيْرُ اللَّهِ{ فاطر/3
}لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا{ الأنبياء/22
وهذه الآيات قطعية الدلالة على وحدانية الله فتحقق الشرطان الآخران: التكرار والقطع.
 
2. نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
جاء الإخبار عنها في آيات لا تحصى. منها:
}محمد رسول الله{ الفتح/29
}وما محمد إلا رسول{ آل عمران/144
}إنك لمن المرسلين{ يس/3
وجاء الإنكار والتحذير من عدم الإيمان بها في آيات كثيرة. منها:
}يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأْرْضُ{ النساء/42
}وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ{ القلم/51
}وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً{ الفرقان/41
}يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{ محمد/33
وجاء الإثبات بالأدلة العقلية في آيات كثيرة. منها:
}وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{
البقرة/23-24
}وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأْقَاوِيلِ لأََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ{ الحاقة/44-46
}قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ{ الأحقاف/9
}وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ{ النحل/103
وهكذا تتوالى الآيات بلا حصر فتكثر،وهي قطعية الدلالة على نبوة محمدصلى الله عليه وآله وسلم.  فتحقق الشرطان الآخران التكرار والقطع بوجود رسول اسمه محمد يجب على العالمين الإيمان به من دون أدنى شبهة أو لبس.
 
3- الإيمان باليوم الآخر
جاء الإخبار عنه في آيات كثيرة جداً. منها:
}مالك يوم الدين{ الفاتحة/3
}وبالآخرة هم يوقنون{ البقرة/4
}إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًايَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا{ النبأ/17-18
}كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{ البقرة/28
وجاء النهي والتحذير من الكفر به في آيات كثيرة منها:
}وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ{ المطففين/10-12
}وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ{ السجدة/20
}وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآْخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ{ الروم/16
وجاء إثباته بالأدلة العقلية في آيات كثيرة كذلك منها:
}قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأْخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأْرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ يس/78-82
}لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ-الى قوله تعالى-أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُْنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى{ سورة القيامة
}وَيُحْيِ الأَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ{ الروم/19
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ -الى قوله تعالى- ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ{ الحج/5-8
وهكذا عشرات ومئات الآيات الصريحة الواضحة فتحقق الشرطان الآخران التكرار والقطع بوقوع يوم القيامة.
 

منهج القرآن في إثبات أصول الشريعة

 
يتبين من خلال استقراء القرآن: أن أصول الأعمال وأساسياتها في الشريعة تثبت بأمرين لا بد منهما - إضافة إلى التكرار - هما:
1. الإخبار
2. القطع في الدلالة
أي تثبت بالخبر القرآني القطعي الدلالة. والإخبار ينقسم إلى أمر ونهي.
أما البرهان العقلي فلا حاجة إليه هنا. لأن الأعمال إنما يخاطب بها المسلم الذي آمن ابتداءاً بصحة ما نزل من القرآن. فهو لا يحتاج للعمل بها إلى أكثر من علمه بأن الله كلفه بها.
ولا بد أن يكون الخبر المنشئ لأصل العمل قطعياً في دلالته. لأنها أمور أساسية
ضرورية، لا تقبل الاختلاف. وإلا لزم الفساد.
وأهم الأعمال أركان الإسلام الأربعة: الصلاة والزكاة والصيام والحج تأمل كيف ثبتت أصولها
([1]) في شريعتنا من خلال القرآن!
 
الصــلاة
الأمر بها : }أقم الصلاة{.  وردت خمس مرات في القرآن.
}أقيموا الصلاة{.  وردت تسع مرات في القرآن.
      أما بقية تصريفات (أقام) فتبلغ العشرات.
النهي عن تركها : }فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ{ الماعون/5-4
}وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ -إلى قوله تعالى- فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَـى{ القيامة/24-35
}وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى{ التوبة/54
}فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا{ مريم/59   
}وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ{ الروم/31
}فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ{ التوبة/5
 
الزكــاة
الأمر بها : }وآتُواْ الزَّكَاةَ{في اثني عشر موضعاً إضافة الى عشرات المواضع بصيغ أخرى كقوله تعالى: }وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ{ المؤمنون/4
النهي عن تركها : }فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ{ التوبة/5
}وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ{ فصلت/6-7
وهكذا ثبت أصل الصيام والحج والجهاد. وغيره من أساسيات دين الإسلام.
وأما أصول المحرمات كالقتل والزنا فالأدلة عليها بالآيات القطعية الدلالة أشهر من أن تذكر. وإن كان ولا بد فلنستشهد بالزنا كمثال:
قال تعالى: }وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً{ الإسراء/32
}وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{ الفرقان/68،69
وغير ذلك من الآيات القطعية الدلالة في تحريم الزنا
([2]).
 
 
النظرية المعرفية الإمامية في إثبات الأصول

خلاصة النظرية

 
تقوم النظرية المعرفية الإمامية في إثبات الأصول على الاجتهاد، أو النظر العقلي المستقل عن النصوص الدينية (الكتاب والسنة) التي يقتصر دورها على تأييد ما ثبت بـ(العقل) أولاً.
يقول الشريف المرتضى:
(إن المعلوم منهم اعتقاد وجوب الإمامة وأوصاف الإمام من طريق العقول والاعتماد عليها في جميع ذلك، وإن كانوا ربما استدلوا بالسمع استظهاراً وتصرفاً في الأدلة)
([3]).
(إن التواتر عندنا ليس بطريق إلى إثبات أعيان الأئمة في الجملة ووجوب وجودهم في الأعصار، بل طريق ذلك هو العقل وحجته)
([4]).
(أما وجود الإمام وصفاته المخصوصة فليس يحتاج في العلم بها إلى خبر، بل العقل يدلنا على ذلك على ما بيناه)
([5]).
(وكل ذلك  يبين أنه  لا  بد من  نص  قاطع منه عليه السلام فـي الإمام وصفته وما يقوم به في الجملة. فعندنا أن بيان ذلك غير محتاج إليه، لأن العقول تدل على وجوب الإمامة وعلى صفات الإمام وما يحتاج فيه إليه. وما تدل العقول عليه ليس يجب بيانه من طريق السمع)
([6]).
ويقول محمد رضا المظفر في كتابه (عقائد الشيعة)
([7]):
(ذم الله المقلدين لآبائهم بقوله تعالى: }قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
([8]) شَيئاً{. كما ذم من يتبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ)…فلا يصح والحال هذه أن يهمل الإنسان نفسه في الأمور الاعتقادية، أو يتكل على تقليد الآباء أو المربين بل يجب عليه بحسب الفطرة العقلية المؤيدة بالنصوص القرآنية أن يفحص ويتأمل وينظر ويتدبر في أصول اعتقاداته المسماة بأصول الدين التي أهمها التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد.
ومن قلد آباءه أو نحوهم في هذه الأصول فقد ارتكب شططاً وزاغ عن الصراط المستقيم ولا يكون معذوراً حتى لو كان مصيباً في اعتقاده للواقع…).
ثم يردف كلامه هذا مباشرة بما يبين اعتقاده في دور النصوص الدينية في معرفة الأصول الاعتقادية وأنه لا يعدو عنده التأييد والتبعية لما ثبت بالعقل ابتداءاً وأن هذا الثبوت العقلي هو الواجب المفروض في حق العباد، علمائهم وعامتهم أي مجتهدين ومقلدين، فيقول: (وعليه فهنا ادعاءان [الأول] وجوب النظر والمعرفة في أصول العقائد ولا يجوز تقليد الغير فيها [الثاني] أن هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوباً شرعياً أي لا يستقى علمه من النصوص الدينية وإن كان يصح أن يكون مؤيداً بها بعد دلالة العقل).
([9])
وقال شارح الكتاب الأستاذ محسن الخرازي معلقاً على النص:
(حاصله هو التفصيل بين أصول الاعتقادات بمعنى أساسها وبين غيرها بكفاية الأدلة السمعية في الطائفة الثانية دون الأولى من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد)
([10]).
ويقول الشيخ جعفر السبحاني: (يجب عل كل مسلم أن يحصل اليقين في المسائل التي يجب أن يعتقدها، ولا يجوز له اتباع الآخرين في هذه المسائل من دون أن يحصل له اليقين.
وحيث أن أمهات الأصول وكليات المسائل الاعتقادية محدودة ومعدودة ولكل منها أدلة عقلية واضحة، فإن تحصيل اليقين للأشخاص في أصول الدين وأساسيات العقيدة قضية سهلة)
([11]).
 
 
نقض النظرية
 
إن أصول الدين يجب أن تكون يقينية قطعية. وحتى تكون كذلك لا بد أن تكون الأسس التي تقوم عليها يقينية قطعية كذلك وإلا انهارت من الأساس.
إن هذا التنظير أو التأصيل - الذي يذكره محمد المظفر، والمتفق عليه بين الإمامية لا سيما الأصوليون منهم - ليس له أساس معتبر يقوم عليه. فإذا ثبت أن هذا الأساس ضعيف لا تقوم على مثله الأصول انهارت أصول الإمامية لانهيار الأساس الذي قامت عليه تلك الأصول.
إن الدليل على ضعف هذا الأساس هو قيامه على مغالطة فكرية. حقيقتها التمويه وخلط الأمور، من أجل إبعاد أو إخفاء مصدر الخطر القاتل من بين الأمور المخلوطة، ذلك المصدر الذي يضرب النظرية ويهدمها من الأساس.
 
موضع المغالطة في النظرية المعرفية الإمامية
لقد حصرت النظرية المصادر المحتملة للمعرفة الأصولية في أمرين اثنين لا ثالث لهما:
(الأول) هو التقليد. وقد اعتبرته النظرية باطلاً لأنه اتباع للظن.
(والثاني) هو الاجتهاد العقلي المجرد عن النصوص  الدينية.  وقد  اعتبرته النظرية
البديل الوحيد عن التقليد دون التعرض إلى كونه داخلاً في دائرة الظن أو اليقين. وكأن الخيار الوحيد البديل عن التقليد هو الاجتهاد أو النظر العقلي.
وهذا نوع من الاحتيال الفكري يعتمد على كون الذهن البشري معتاداً بداهة على القفز من النقيض إلى النقيض المقابل كبديل عن نقيضه الذي تبين له بطلانه أو ضرره. بينما قد يُظهر التدبر والتفكر أن الحق أو النفع لا في هذا ولا ذاك، وإنما في نقطة الوسط.
إن الذي تقوله النظرية الإمامية هو الآتي: بما أن التقليد ثبت بطلانه، إذن الحق في نقيضه الذي هو النظر العقلي. وهذا بالضبط هو العملية التي يقوم بها العقل دون تريث، وهو ينتقل من التقليد إلى الاجتهاد أو النظر العقلي كبديل مقابل للنقيض الذي تبين له بطلانه.
إن حصر المصدر المعرفي الأصولي في هذين الأمرين مع إثبات أحدهما بإسقاط الآخر، أو بإثبات بطلان الآخر هو المغالطة الفكرية الكبرى التي تقوم عليها النظرية الإمامية اعتماداً على نقطة ضعف خفية في الذهن البشري، ألا وهي القفز من النقيض إلى النقيض دون التوقف عادة عند النقطة الوسط التي قد تكون هي البديل الصحيح.
ونقطة الوسط التي تهملها النظرية الإمامية كخيار ثالث معتبر هي النصوص الدينية القطعية. وهي النصوص القرآنية الصريحة.
فالمغالطة تتكون من جزأين أو ركنين تقوم عليهما النظرية هما:
* حصر بديل التقليد -أو تفسير عدم التقليد- بأمر واحد فقط هو الاجتهاد أو النظر العقلي. مع أن عدم التقليد يستلزم أمرين اثنين لا واحداً فقط : أولهما اتباع النصوص القرآنية القطعية (ثبوتاً ودلالة). والثاني الاجتهاد أوالنظر العقلي.
إن النص القرآني الصريح مفهوم المعنى بذاته فلا يحتاج إلى نظر أحد أو اجتهاده، سواء كان عامياً أم عالماً يقلده العامي في ذلك النظر.  وبعبارة أخرى: ان فهم العامي للنص الصريح غير مقيد بفهم العالم. وهو يقيني قطعي لا ظن فيه، ولا يحتمل الخطأ لصراحة النص ووضوحه. فلا علة فيه تقتضي إبعاده عن دائرة الاستدلال. فالاجتهاد إذن ليس هو الخيار الوحيد حتى يصح اعتماده بديلاً وحيداً عن التقليد الذي ثبت بطلانه.
* والركن الآخر الذي قامت عليه المغالطة هو: إثبات النظر العقلي اعتماداً على ثبوت بطلان التقليد. أي: بما أن التقليد باطل إذن النظر العقلي صحيح. بل هو البديل الصحيح الوحيد الذي لا يصح غيره!
وهذا لا يكون إلا إذا تردد الأمر بين التقليد والنظر العقلي فقط. أمَا وأن هناك بديلاً آخر في المسألة هو اتباع النصوص الدينية الصريحة القطعية فإن الاقتصار على النظر العقلي وحده اعتماداً على ثبوت بطلان التقليد مغالطة مرفوضة.
إن هذا يشبه أن يقول أحد رجلين لآخر: بما أن هذا المال ليس لك، أو ثبت أنه ليس لك، إذن أنا صاحب المال! إن هذه مغالطة لا تُقبل إلا في حالة واحدة هي انحصار الملكية بواحد من هذين الرجلين دون وجود رجل آخر. فإذا تبين أن المدعين ثلاثة وليسوا اثنين فقط، صار قول ذلك الرجل وادعاؤه نوعاً من الاحتيال والمغالطة في ميزان الحق. إن المنطق يفرض عليه أن يثبت بطلان ملكية الرجل الآخر كذلك قبل أن يدعي هذه الملكية لنفسه دون سواه، وإلا كان مغالطاً محتالا.
هذا النوع من المغالطة أو الاحتيال هو بالضبط ما يجري في النظرية الإمامية في إثبات الأصول.
إن الأمر – في حقيقته – متردد بين ثلاثة مصادر محتملة لمعرفة الأصول هي: التقليد، والنظر العقلي، والنصوص الدينية. تقول النظرية: بما أن التقليد ثبت بطلانه لأنه ظن، إذن النظر العقلي هو المصدر الوحيد لإثبات الأصول. دون أن تُدخل الاختيار الثالث - الذي هو كلمة الله - في ميزان المعادلة، أو عملية الاختيار!!!
 
النظر العقلي - كالتقليد - غير منزه عن الظـن
إن العلة في عدم صلاحية التقليد لإثبات الأصول: كونه ظناً لا يمنح صاحبه اليقين. وهو أمر متفق عليه. فهل النظر العقلي منزه عن هذه العلة؟ أم إنه – كالتقليد – يعتريه الظن فلا يصح اعتماده في إثبات الأصول؟
إن النظر العقلي هو إعمال العقل وتحريكه للتفكر في الأدلة العقلية من أجل تحصيل المعاني المطلوبة، وهي هنا الأصول.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الموضع هو: هل هذا الفعل – إذا صدر عن غير معصوم – منزه عن الخطأ قطعاً؟ والجواب القطعي: كلا وإلا لما اختلف العقلاء فيما بينهم في إثبات ونفي المعاني المتحصلة بالأدلة العقلية البحتة والفلاسفة خير مثال.
إذن النظر العقلي قابل للخطأ، فهو غير منزه عن الظن. فكيف يصلح أساساً لبناء الأصول القائمة على القطع واليقين؟!
والنظر العقلي قد يصدر من العالم أو من العامي.
فأما نظر العالم فلو كان قطعياً يقينياً لكان صالحاً لأن يعتمد أو يقلد من قبل العامي فيكون التقليد مقبولاً في الأصول لخلوه من العلة المانعة وهي الظن. وهذا مخالف لما جرى الاتفاق عليه. إذن النظر العقلي ليس يقينياً. وما دام هو ليس يقينياً فهو ظني. والظني لا يصلح دليلاً في الأصول.
إذن النظر العقلي ليس هو البديل عن التقليد في إثبات الأصول لاشتراكهما في علة واحدة مانعة هي الظن.
هذا بالنسبة لنظر العالم، فكيف بنظر غيره من العوام؟!
إن تطرق الظن إلى نظر العامي أولى منه إلى نظر العالم. فهو أولى بالمنع، وعدم الاعتبار.
وهكذا يتبين لنا أن النظر العقلي لا يمتلك شرط الدليل الأصولي ألا وهو القطع أو اليقين. فهو غير صالح للاعتماد في إثبات الأصول.
 
قبول المعقول مشروط بموافقة المنقول وليس العكس
يقول تعالى: }إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ{ (الجاثـية:3). فلو نظر إنسان بعقله في السموات والأرض، وتوصل -كما هو شأن الكثيرين- إلى ما يناقض النصوص الدينية، هل يكون ما توصل إليه معتبراً شرعاً؟ ويكون هو معذوراً أمام الله في اعتقاده بغير مراد الله، ونقيض ما أنزله على رسوله؟
لا أظن عاقلاً يقول بهذا. فالنظر العقلي إذن غير مقبول شرعاً- بل ولا عقلاً- ما لم يكن موافقاً ومنضبطاً بالنص الديني.
إذن النصوص الدينية هي الأصل. وما يستنتجه الإنسان بعقله تبع، وظيفته تأييد ما ثبت أولاً بالنصوص الدينية. وليس العكس، كما تقول به النظرية الإمامية.
 
النصوص الدينية القطعية هي المصدر الوحيد لإثبات أصول الدين
يتبين مما سبق أن التقليد والاجتهاد أو النظر العقلي، كليهما لا يصلح أساساً لإثبات أو معرفة الأصول لأن مبناهما على الظن، وما كان كذلك لا يصلح لذلك.
فما هو البديل القطعي اليقيني الذي هو ليس بتقليد ولا اجتهاد؟
ليس من بديل بهذه الشروط سوى نصوص القرآن الصريحة. أما من حيث الثبوت فإن هذا المصدر قطعي الصدور عن الله تعالى. وأما من حيث الدلالة فإن الآيات الصريحة قطعية كذلك، فلا ظن يتطرق إليها لا من هذه الناحية، ولا من هذه الناحية.
وهي مفهومة بذاتها لكل قارئ أو سامع ،حتى لو لم يكن عالماً مجتهداً، فلا يحتاج فهمها من قبل العامي إلى تقليد. وهذا الفهم لا يحتاج إلى نظر عقلي من خارج الآيات، أو اجتهاد معرض للخطأ.
إذن النصوص الدينية القطعية (أي الآيات الصريحة)، صالحة لأن تكون مصدراً معتبراً لمعرفة وإثبات أصول الدين. لامتلاكها للشروط المطلوبة. وبما أنها المصدر الوحيد الحائز على هذه الشروط، إذن هي المصدر الوحيد البديل عن الاجتهاد والتقليد. اللذين لا يصلحان لذلك لوجود العلة المانعة. ألا وهي الظن.
إن اتباع النصوص القرآنية الصريحة لا يمكن اعتباره (تقليداً)، فلا يمكن تسمية المسلم الذي يأخذ أصوله عن هذا الطريق (مقلداً) للآباء أو المربين والعلماء. فما يقال عن المقلد (من ارتكابه الشطط والزيغ عن الصراط المستقيم. وعدم قبول عذره أمام الله تعالى وإن كان مصيباً في اعتقاده…) إلى آخر ما جاء في كتاب (عقائد الشيعة) المذكور -لا علاقة له بمن يتبع آيات القرآن الصريحة في التعرف على أصول دينه.      
 
أصل الأصول في الإسلام ثبوت القرآن عن الله
صدور القرآن الكريم عن الله جل وعلا هو أصل الأصول في الإسلام. فإذا ثبت هذا الأصل ثبتت جميع الأصول التي جاءت فيه بالنصوص الصريحة، وصارت ملزمة للمسلم والكافر على حد سواء. لأن نصوص القرآن عندما يثبت صدورها عن الله. ويقر العقل بهذه الحقيقة، تصير حجة قائمة على الجميع.
وبما أن الأصول جاءت في القرآن بالنصوص الصريحة، فلا حاجة بعدها -لكي تثبت، ويكون ثبوتها بالحجة العقلية الملزمة للمسلم وغيره- إلى النظر العقلي المجرد. إلا على سبيل التأييد لا أكثر.
إن الحجة العقلية على ثبوت هذا الأصل – أي صدور القرآن عن الله- ليست عقلية مجردة، أي منفصلة عن نصوص القرآن بحيث تكون الحجج خارجية مستقلة أو قائمة بنفسها، وتكون النصوص القرآنية مجرد مؤيدات تابعة لما ثبت أولاً بتلك الحجج العقلية المجردة. أو يجري الإثبات أولاً خارج دائرة القرآن الذي هو حجة الله البالغة. ثم بعد ذلك نأتي إلى القرآن لنجعل منه تابعاً يؤيد ويوقع على ما نرى بعقولنا، وكأنه عاجز – وهو كلمة الله وعلمه- عن الإتيان بما تأتي به عقولنا القاصرة العاجزة ! أو أننا نتفضل عليه لنمنحه صك التوثيق الذي يفتقر إليه!!
إنما جعل الله تعالى دليله العظيم وحجته البالغة على صدور هذا القرآن من عنده هي القرآن نفسه. فالقرآن -وليس شيئاً آخر خارجاً عنه- هو الذي يشهد بنفسه لنفسه أنه من عند الله.
يقول تعالى: }وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ{ (البقرة:23،24).
إن هذه الآية تجعل الدليل على أصل الأصول في دين الإسلام هو القرآن نفسه عن طريق أي سورة من سوره. فكل سورة من سور القرآن –بل كل آية من آياته- دليل قائم بذاته يشهد لهذا القرآن بصحة الصدور عن الله. يقول تعالى: }أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً{ (النساء:82). أي أن هناك -على الأقل- مائة وأربعة عشر دليلاً على صحة هذا الأصل، الذي تثبت بثبوته جميع أصول الدين، ثبوتاً عقلياً ملزماً لكل إنسان عاقل، مسلماً كان أم كافراً!
فهل نحتاج بعد هذا العدد الهائل من الأدلة إلى دليل آخر؟!! اللهم إلا على سبيل التوسع والتزيد. وهو أمر غير ممنوع، بل مطلوب شرعا.
وهنا صار النظر العقلي تابعاً ومؤيداً لما ثبت أولاً بالنظر أو النص القرآني، وليس العكس كما تنص عليه النظرية الإمامية. أي ان النظرية الإمامية في الأصول، قد انهارت، وانقلبت رأساً على عقب.
وكذلك انهار القول (بأن الكافر يحتاج إلى حجج عقلية من خارج القرآن، على أساس عدم ثبوت صحة القرآن لديه). لأن الدليل الإلهي (وهو نص ديني) على ثبوت صحة القرآن قاطع بالنسبة للكافر والمسلم. اللهم إلا من كان من المجادلين الذين لا يبغون الحق. وهؤلاء لا ينتفعون بحجة، ولا ينفع معهم زيادة تعريف أو بيان!
وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم بعد أن ظهرت الحجة واضحة بالقرآن نفسه:
}فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{
(البقرة:24). وهم المقصودون بقوله سبحانه في الآيات التالية وأمثالها:
 }مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ{ (غافر:4).
 }وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ{ (غافر: من الآية5).
 }إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{ (غافر:56).
 }وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً{(الكهف:56).
}وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ{ (الحج:3).
 }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ{ (الحج:8).
 }وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ{ (الحج:68).
 }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ{ (غافر:69).
هل هذا الجدل إلا بالنظر العقلي مقابل (آيات الله) ؟
فإن كان النظر العقلي حجة، فقد أوصلهم هذا النظر إلى عدم صحة نبوة نبيهم. فعلام يعجب الله سبحانه من صنيعهم؟ ويقول عنهم في الآية التي بعدها: }الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ{ (غافر:70).
}وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ{ (الجاثية:9،10) وهذا اعتراض من  الله على الكافر الذي  يسمع  آيات  الله  (النصوص الدينية) ثم  لا  يتبعها. ولو لم تكن النصوص الدينية حجة على الكافر - كما هي حجة على المسلم - لما صح هذا الاعتراض.
 
انقلاب الدليل الخبري إلى دليل عقلي
إن ثبوت صدور القرآن قطعاً عن الله تعالى يجعل من أدلته الخبرية القطعية أدلة عقلية لا يحتاج إثبات مضامينها إلى دليل ونظر عقلي من خارجه لأن العقل يقضي بداهة، ويجزم جزماً قاطعاً بأن الخبر الصادر عن الله حق لا ريب فيه. فإذا أردنا أن نقيم عليه أدلة عقلية فعلى سبيل التأييد لا أكثر.
وعلى هذا الأساس نحن نثبت جميع الأصول التي جاءت في القرآن الكريم بالآيات الصريحة القطعية الدلالة. لأنه إذا صح ثبوت المصدر، صح ثبوت جميع ما فيه من المضامين الصريحة.
وأخيراً نقول: كيف تجعل الحجج العقلية في مقابل الحجج الإلهية وتكون قسيماً لها؟! هل يمكن أن يكون لقول من قوة الحجة ما لقول الله تعالى منها والله جل شأنه يقول: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأنعام:149)؟!!
 
عجز العقل
يتصف العقل البشري بثلاث صفات ملازمة له لا تنفك عنه بحال هي: القصور والمحدودية والتناقض.
أما قصوره : فلأنه عاجز عن إدراك الحقائق من جميع وجوهها. وهو في الوقت نفسه يعلم شيئاً وتغيب عنه أشياء. وهذا هو السبب في أن مجالات علمه تتوسع باستمرار، وما يجهل منها أكثر مما يعلم. فمجالات علمه قليلة محددة بحدود اذا تجاوزها ضل وتخبط ، وفي هذا يقول سبحانه:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً)(الإسراء:85). وهذه هي المحدودية الناشئة عن القصور. وأما تناقضه فيعني أن البشر يختلفون فيما يعقلون ويستحيل أن تتفق عقولهم على كل شيء.
والدين يمتاز بثلاث ميزات معاكسة هي: الإطلاق والشمولية والثبات.
* فالدين أوله معرفة الله تعالى الذي لا تحده حدود. والعقل بقصوره عاجز عن معرفة كل شئ عن الرب جل وعلا كما قال سبحانه:(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(طـه:110). وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا أحصي ثناء عليك انت كما أثنيت على نفسك)).
* والدين شامل لكل زمان ومكان ومجال كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف:54)، وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل:89). والعقل بقصوره ومحدوديته عاجز عن ملاحقة كل هذا كما قال سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً)(الإسراء:85).
* والدين يقوم على ثوابت وأسس يقينية لا تحتمل الاختلاف. وفي هذا يقول سبحانه:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103) ويقول:(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات)(آل عمران:105). والعقل بتناقضه لا يمَكِّـن أصحابه من أن يتفقوا على كل شئ من هذه الثوابت والأسس. إذن لا علاقة للعقل بوضع معالم الدين وتأسيس أصوله. وإنما لا بد أن تكون الجهة الواضعة له ذات علم مطلق شمولي لا تحده حدود ولا ينتابه قصور ويستحيل في حقه التناقض والاختلاف. ولا جهة بهذه الصفات أو الشروط إلا جهة الوحي. وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: 82). وهذا هو السر في اختلاف جميع الطوائف التي لم تبْنِ أصولها على صريح كلام الله تعالى، وتناقضها فيما بينها لأن ما جاءت به إنما جاءت به من عند غير الله جل وعلا.
وخلاصة القول أن يعرف الإنسان أنه من المستحيل أن يحيط القاصر علماً بالمطلق، والمحدد بالشامل، والمتناقض بالثابت.
 
الرجوع إلى العقل في الأصول إهانة له
افترض انك كنت جالسا مع جماعة من العقلاء فسمعتم صرخة انطلقت ثم خفتت، فراح الجالسون يتناقشون فيما بينهم: هل هذا الذي صرخ طويل أم قصير؟ أبيض أم اسمر؟ أعمى أم مبصر؟ أعرج أم مقعد؟ غني أم فقير؟..الخ. هل تظن هؤلاء جادين أم يمزحون؟ وإذا كانوا جادين هل يمكن أن يكونوا عقلاء؟!
إن العقل يمكن ان يدرك هل المستغيث قريب أم بعيد؟ وهل هو صغير أم كبير؟ رجل أو امرأة؟ أما أن يذهب إلى أكثر من هذا فإن هذا إقحام للعقل في غير مجاله، ولا يأتي بطائل. وهو إهانة للعقل ونزول به عن مكانته، لأن العقل محدود ومحدد المجال.
كذلك الذين أقحموا العقل في تأسيس الأصول إنما أهانوه واستخفوا به من ناحية، وأساءوا إلى الدين ولعبوا به بأن حرفوه وجعلوه عرضة للتناقض والاختلاف من ناحية اخرى، فهؤلاء لهم أوفى نصيب من قوله تعالى:(اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)(الأنعام: 70).
 
عجز العقل عن وضع دين متكامل 
ولهذا لم يحدث في التأريخ أن أحداً من العقلاء والعباقرة والفلاسفة والحكماء تمكن
بعقله المجرد من وضع دين متكامل صالح لأن يتعبد به الناس ويسيروا على منهاجه. إن كل دين محترم وجد على الأرض فهو من وضع الإله لأن العقل عاجز بذاته عن أداء هذه المهمة. وما وضعه الإنسان من أديان كالبوذية والمجوسية والكونفوشيوسية فهي أديان ناقصة متناقضة مضحكة تهين العقل الإنساني وتحط منه، على عكس الأديان السماوية. وما تجده من تناقض ونقص وخلل في هذه الأديان كاليهودية والنصرانية والطوائف الدينية الإسلامية المنحرفة فبسبب تدخل العقل في ما لا يحل له من هذه الأديان لأنه تدخل في غير مجاله مما عاد بالسلب على الدين والعقل: فالعنصرية اليهودية مثلا، والتثليث النصراني والعصمة اللاهوتية الإمامية هي إفرازات عقلية وليست مبادئ سماوية. هذه الإفرازات هي التي دمرت الدين الواحد وفرقت أهله شيعاً وأحزابا. ولولا تدخل الإنسان بعقله في الدين لظل الدين واحدا ثابتا، ولكفى الناس والأجيال جميعا نبي واحد ولم يحتاجوا إلى تعدد الأنبياء.
ولذلك كانت مهمة كل نبي هي إعادة الناس إلى أصل الدين عن طريق الوحي وإزالة اثار تدخلات البشر بعقولهم المحدودة، وسر ختم النبوة هو حفظ الوحي (القرآن): فحين حكم الرب بحفظ الوحي ختم النبوة.
فتدخل العقل يتناقض مع سر ختم النبوة بل مع أصل بعثة الأنبياء. إن مهمة كل مجدد (الذي يمثل دور الأنبياء قبل الإسلام) إعادة الناس إلى الوحي وإخراجهم من حمأة التدخل البشري في أصول الدين عن طريق عقولهم القاصرة المحددة المتناقضة.
 
النظرية الإمامية في الأصول باب من أبواب الكفر
إن القول بأن النظر العقلي هو الأساس في إثبات الأصول، وأما النصوص الدينية فدورها يقتصر على التأييد والتبعية -هذا القول ما هو إلا باب من أبواب الكفر. بل هو الكفر بعينه! لأنه إلغاء لدور النبوة، وتعطيل لأثرها في الدين والحياة: فإذا كانت أصول الدين تؤخذ عن طريق النظر العقلي، وليس عن طريق النصوص الدينية أولاً،
فلا حاجة إلى بعثة الأنبياء!
وكذلك فإنه إلغاء لدور القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى هدى للناس أجمعين وحكماً بينهم إلى يوم الدين، وحصره في زاوية ضيقة يتساوى فيها - وهو كلمة الله العليا! - مع كلام البشر. هذه الزاوية هي الفرعيات. أما الأصول فتقوم على نظر الإنسان وعقله. وما النصوص الدينية – كلمة الله ! - سوى تابع لا يقدر على الاستقلال بنفسه،
يؤيد ما جاء عن غيره. وإلا فلا اعتبار لقوله!
فما قيمة القرآن إذا كان تابعاً لنظر الإنسان؟!! وعلام هذا الاهتمام العظيم الذي أولاه الرب جل وعلا لكتابه. من التعهد بحفظه، واعتناء نبيه  صلى الله عليه وآله وسلم –ومن أول يوم نزل فيه- بكتابته دون غيره؟! أمن أجل أن يكون مرجعاً في الفرعيات! وأما الأصول فلا شأن له بها؟!
أليس هذا قلباً للدين، ونقضاً لما جاء من حقائق في الكتاب المبين؟!!
 اقرأ مثلاً قوله تعالى:
}اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تذَكَّرُونَ{ (الأعراف:3).
}اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ{ (الأنعام:106).
}كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ{ (البقرة:213).
}إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى{ (النجم: من الآية:23).
}وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ{ (الجاثـية:9- 10).
لكن المجادلين بغير الحق مصروفون عن الإيمان. كما قال سبحانه: }سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ{ (الأعراف:146)
 
من الإفرازات الكفرية للنظر العقلي.. عقيدة الإمامية في المجتهد
يقول محمد المظفر: (عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته. وهو الحاكم والرئيس المطلق. له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس. والراد عليه راد على الإمام. والراد على الإمام راد على الله تعالى. وهو على حد الشرك بالله تعالى. كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام.)
([12]).
أي عقل هذا الذي يقبل هذا الكلام المتهافت ليجعل من إنسان يخطئ ويصيب حجة على الخلق، بحيث يكون الرد عليه رداً على الله تعالى نفسه، وشركاً به ؟!!!
ولذلك لما احتج صاحب هذه العقيدة لعقيدته هذه لم يأت لها بحجة عقلية، وإنما أحالنا إلى رواية لم يذكرها نسبها إلى (صادق أهل البيت)!! والرواية (نص ديني) وليس نظراً عقليا. والنص الديني – حتى لو صح - ليس حجة بنفسه عند الإمامية.
هذا على افتراض صحة النسبة! فكيف وهو لم يكلف نفسه محاولة إثباتها على أي وجه من الوجوه!! فكيف وإثبات صحة هذه النسبة إلى جعفر بن محمد (صادق أهل البيت) مستحيل. لأنه لم يكن زنديقاً ولا مجوسيا.
إن جعفر (الصادق) يعلم بالضرورة من دين الله أن إنزال كلام المخلوق منزلة كلام الخالق إشراك بالله، ورفع لمنزلة المخلوق إلى درجة الربوبية. إنه افتراء
على الله، وعلى رسوله، وعلى المؤمنين. وكذب على أئمة الدين. وهو مردود على لسان جعفر بن محمد (ر) ، الذي روت له مصادر الأمامية أنفسهم أنه قال: (وقد اشتكى إليه الناس حيرتهم إزاء كثرة ما ينقل عنه من أقوال متضاربة عمن يوثق به وعمن لا يوثق به):
(إذا ورد عليكم حديث له شاهد من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فالذي جاءكم أولى به)
([13]).
وقال: (ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه)
([14]).
وقال أيضاً: (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)
([15]).
وعقيدة الإمامية هذه تخالف كتاب الله صراحة ولا توافقه. فهي زخرف باطل مردود على من جاءنا به. وهي عين كفر اليهود والنصارى والمشركين والكفار جميعاً الذي رده الله تعالى في آيات كثيرة. وحذر منه رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد التحذير.
يقول تعالى: }تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ*إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ{ (الشعراء 97-99). وهذه التسوية بالطاعة. بأن جعلوا أمر هؤلاء المجرمين (وهم العلماء) ونهيهم كأمر الله ونهيه. وطاعتهم كطاعته. كما قال سبحانه في موضع آخر: }يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا*وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا*رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً{ (الأحزاب:66-68) وقال: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ{
(التوبة:31). وما ذلك إلا بطاعتهم كما يطاع الرب. بحيث يكون الراد عليهم كالراد على الله. وإلا فإن اليهود والنصارى وأمثالهم، لم يعتقدوا في علمائهم أنهم خلقوهم من دون الله. فالربوبية هنا ربوبية الطاعة، وليست ربوبية الخلق([16]). وهو عين (عقيدة الإمامية في المجتهد). وعين ما نراه في الواقع من عامتهم في علاقتهم بعلمائهم. لأنه في غيبة (النصوص الدينية) -وهي حارس العقيدة الأمين ورقيبها العتيد- صار علماء الإمامية يصولون ويجولون يقولون بعقولهم ما يشاؤون، ويحكمون بآرائهم ما يشتهون، بلا رقيب ولا حسيب. وصار عوامهم يتقبلون ما يلقي به علماؤهم إليهم من أفكار، دون اعتراض أو نقاش مهما كانت مخالفة للنقل الصحيح، أو العقل الصريح!!

([1]) أما تفريعاتها فبعضها في القرآن. وبعضها في السنة.
([2]) انظر في تفصيل هذا الموضوع الذي لا غنى عنه لمؤمن يريد معرفة أصول دينه يقيناً وجزماً رسالة [القواعد السديدة في حماية العقيدة] للمؤلف.
([3]) الشافي في الإمامة 1/98.
([4]) أيضاً 1/195.
([5]) أيضاً 1/195.
([6]) أيضاً 1/127-128.
([7]) وهو الكتاب المقرر والمعتمد في تدريس العقائد الإمامية في مدارس الحوزة النجفية. والكتاب نفسه مطبوع باسم آخر هو (عقائد الإمامية).
([8]) في الأصل: (لا يعلمون) !!
([9]) عقائد الشيعة ص 6،7 - المطبعة الحيدرية في النجف – 1373 هجـ، 1954م.
([10]) بداية المعارف الإلهية في شرح العقائد الإمامية ص 15. والكتاب من مقررات التدريس في حوزة قم كما جاء التعريف عنه في مقدمة الكتاب. والكاتب مضطرب في تقريراته: فبينما هو يدخل الإمامة والمعاد - كما في النص السابق - في الأصول التي لا تكفي الأدلة السمعية فيها دون      =
= العقلية يعود ليقرر - في الصفحة نفسها - الاكتفاء فيهما بالأدلة السمعية! ثم يعود في الصفحة الثانية ليقرر أن الأصول الاعتقادية خمسة هي (التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد والعدل) وليست أربعة - دون إضافة العدل إليها - كما هو ظاهر كلام شيخه السابق. وهذا يلزم منه - حسب  القاعدة –                 وجوب النظر العقلي فيها جميعاً. ولا عجب ! فإني رأيت المذهب الإمامي الاثني عشري أشد المذاهب اضطراباً واختلافاً على الإطلاق، ليس في الفروع فحسب وإنما في الأصول والفروع! ويمكن مراجعة كتابنا (أسطورة المذهب الجعفري) للاطلاع على صورة مصغرة لهذا الاضطراب والاختلاف ، رغم ما هو شائع من الادعاء بخلافه!. 
([11]) العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت -جعفر السبحاني ص329. الطبعة الأولى، قم 1419هـ – 1998م. نقله إلى العربية جعفر الهادي.
([12]) عقائد الشيعة  ص10،9.
([13]) أصول الكافي للكليني 1/69.
([14]) أيضاً.
([15]) أيضاً.
([16]) وقد جاء هذا المعنى مصرحاً به في تفاسير الأمامية أنفسهم. يقول محمد مغنية في تفسير الآية [الكاشف 4/33]: (هذا دليل آخر بأنهم  لا يؤمنون بالله. بل بما يقول رجال دينهم وعقيدتهم. قال الإمام جعفر الصادق (ع): (إنهم ما صاموا ولا صلوا لهم. ولكنهم أحلوا لهم حراماً، وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون).
ويقول محمد الطباطبائي [الميزان 9/245]: (واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله هو إصغاؤهم لهم، وإطاعتهم من غير قيد وشرط. ولا يطاع كذلك إلا الله سبحانه… فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة).
إشكالية (التمسك بالعترة)
 
إشكالات لا جواب لها([1])
لقد جعل الإمامية الدليل المعتبر في إثبات الأصول النظر العقلي المستقل عن النصوص الدينية. وجعلوا (الإمامة) أصلاً من أصول الاعتقاد. فلو أن إنساناً نظر بعقله واجتهد طاقته فلم يتوصل إلى هذه العقيدة، فما حجة الإمامية على هذا الإنسان
- وهو يمثل الغالبية الساحقة لأهل القبلة - كي يلزموه بالإيمان بها؟   
أهي اتباع نظرهم العقلي؟ وهذا لا يصح عندهم. لأن اتباع نظر الغير تقليد. والتقليد ليس بحجة في الأصول.
أم الحجة في الروايات؟ وهي خارجة عن دائرة النظر العقلي، الذي هو السبيل الوحيد لإثبات الأصول عندهم. والقول في الآيات كالقول في الروايات.
ما بقي لدينا إلا عقل الناظر نفسه. وعقله لا يسلِّم بهذه العقيدة.
هل عندكم من حجة أخرى تلزموننا بها أيها الإمامية؟! إذن كيف تكفرون ملياراً ونصف المليار، أي ألف مليون وخمسمائة ألف مليون أخرى معها من المسلمين الذين يخالفونكم فيما تعتقدون. لا تلزمهم عقولهم بما تلتزمون؟؟!!
على أي أساس، ولا أساس؟! فالأساس عندكم هو النظر العقلي. وقد نظرنا بعقولنا فلم نجدها تسلم بهذه العقيدة. وأساس اعتقادنا نحن النص القرآني القطعي. وهو مفقود!
ثم إذا كانت عقول مليار ونصف مليار من المسلمين -وخمسة مليارات من سواهم لم توصلهم عقولهم إلى شيء اسمه (الإمامة)- غير معتبرة في الميزان، فعلام جعلتم (العقل) هو الحجة المعتبرة الوحيدة في التوصل إلى معرفة أساس الدين، وحقائقه العظمى التي لا قيام للدين إلا بها؟!
عقل من إذن هو المعتبر عندكم ؟ وبأي حجة عقلية اعتبرتموه؟!!
 
إشكالية (التمسك بالعترة)
أوجب الإمامية على الناس (التمسك بالعترة)، وحكموا بكفر من خالفهم في ما ذهبوا إليه. 
والسؤال المشكل الذي يطرح نفسه هنا هو: هل (التمسك بالعترة) -أي الأخذ بأقوالهم- يدخل في دائرة النظر العقلي، أم دائرة النص الديني؟
لا شك أن أقوال (العترة) نصوص دينية. وقواعد الإمامية تبطل اعتماد النصوص الدينية في إثبات الأصول. إن هذا يستلزم عدم جواز الاعتماد على أقوال العترة في إثبات أي أصل من الأصول. أي عدم جواز (التمسك بالعترة) في أصول الدين! ويجعل دورهم قاصراً على فرعياته. وهي منزلة يتساوون فيها مع غيرهم من الفقهاء غير المعصومين!
فهل هذا هو معنى (التمسك بالعترة) عندهم؟ أم شيء آخر؟
ولا شيء! لأن الدين أصول وفروع. فإذا انتفى اعتبار (العترة) في الأصول لم يبق إلا الفروع. وها قد تساووا فيها مع الفقهاء العاديين! وهو ما لا يتوافق مع الأهمية العظمى التي جعلوها لهم. إذن حصل تناقض في الاعتقاد، والتناقض دليل البطلان.
وإن كابروا فقالوا: إن (التمسك بالعترة) واجب أصولاً وفروعاً، قلنا لهم: فأين تضعون النظر العقلي من المعادلة؟
ونقول أيضاً: فكتاب الله تعالى وسنة رسوله  صلى الله عليه وآله وسلم ، هل يجب التمسك –أي الاحتجاج- بهما في الأصول كما في الفروع؟ فإن قالوا: لا. جعلوا أقوال (العترة) فوق أقوال الله، وأقوال رسوله! وهو كفر بواح!! وإن قالوا: نعم. انهارت نظريتهم في الأصول!!!
 
الرواية المخترعة : (كتاب الله وعترتي)
إن الرواية التي يتعلق بها الإمامية: (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما). تقضي بضلال من تمسك بغير كتاب الله والعترة.
وهذا هو أساس دين الإمامية الذي كفروا على أساسه المسلمين. في الوقت الذي تصرح فيه كتب أصولهم بأن النصوص الدينية (والتمسك بالعترة تمسك بنص ديني) غير معتبر في الأصول دون النظر العقلي. ومن المعلوم أن النظر العقلي ليس كتاباً ولا (عترة). فإما أن الرجوع إلى الكتاب و(العترة) في أصول الدين ضلال. وإما أن
النظرية الإمامية في الأصول هي الضلال!!
ويمكن صياغة المعنى السابق بعبارة أخرى:
إن الاحتجاج برواية (كتاب الله وعترتي) يستلزم ما يلي:
  1.  بطلان القول بأن الأصول مبناها على النظر العقلي دون النص الديني.
  2.  بطلان الاحتجاج بجميع الحجج العقلية التي احتجوا بها في أصولهم.
  3.  بطلان الأصول التي أضافوها إلى الدين بمقتضى النظر العقلي.
وإن الاحتجاج أو الاعتماد على النظر العقلي في الأصول يستلزم ما يلي:
  1.  بطلان رواية (كتاب الله وعترتي) ([2]).
  2.  بطلان الاحتجاج بجميع النصوص الدينية التي بنوا عليها أصولهم.
  3.  بطلان الأصول التي أضافوها بمقتضى النصوص الدينية التي احتجوا بها.
ولا مهرب من سلوك أحد السبيلين.
 
الأصل بين المعنى العام والمعنى الخاص
إن العقل الإنساني مهما نظر واجتهد في التعرف على الأصول، فإنه لا يستطيع إثبات أكثر من معان عامة. بينما الشرع يلزمنا بمعان خاصة محددة.
مثلاً: العقل يثبت النبوة. ولكن النبوة التي يثبتها العقل نبوة عامة غير محددة بشخص معين بينما الشرع يلزمنا بالإيمان بنبوة شخص معين محدد هو محمدصلى الله عليه وآله وسلم ، فلو قال إنسان: أنا أؤمن بأن لله أنبياء لكنه لم يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإيمانه هذا غير معتبر أي باطل شرعاً وصاحبه كافر ما لم ينتقل من المعنى العام للنبوة إلى المعنى الخاص لها.
وإثبات المعنى الخاص لا يمكن تحقيقه بالنظر العقلي المجرد عن النص الديني. إذ لولا نصوص القرآن لما استطعنا بعقولنا أن نثبت أن محمداً نبي. ولا غيره من الأنبياء. وقد عاش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعين سنة بين قوم عقلاء حكماء، لكن أحداً منهم لم يخطر بباله أن هذا الرجل نبي. رغم أنهم كانوا ينتظرون النبي الخاتم، ويترقبون بعثته! وبعضهم خرج إلى الشام كزيد بن نفيل –وهو أحد الأحناف- عله يعثر له على خبر. والنبي الموعود بينهم يرونه صباح مساء! لكن عقولهم لم تدلهم عليه. غاية ما توصلوا إليه أن أسموه بـ(الصادق الأمين). ولما بعث نبياً أنكروه! ولا شك أن بعضاً من هؤلاء المنكرين إنما أنكره لعدم اقتناعه العقلي بما يقول. وليس لأسباب أخرى، كما هو شأن  البعض الآخر. حتى محمد نفسه –وهو أكمل الخلق عقلاً- حين جاءه الوحي في (حراء)، لم يعرف أنه الوحي، وأنه صار به نبياً. حتى ذهب إلى ورقة بن نوفل وقص عليه الخبر!!
والإمامية يلزمون الناس بـ(إمامة) أشخاص معينين دون سواهم. فالإثنى عشرية – مثلاً - يؤمنون بـ(إمامة) اثني عشر (إماماً) أولهم علي. وآخرهم (المهدي) المنسوب إلى الحسن العسكري. والإسماعيلية يؤمنون بـ(أئمة) آخرين هم غير (أئمة) الإثنىعشرية. ويكفرون الإثنىعشرية. كما أن هؤلاء يكفرونهم، لا لعدم الإيمان بـ(الإمامة) من حيث الأصل والعموم، ولكن لعدم التوافق في تحديد (الأئمة) على الخصوص.
فإثبات (إمامة) عامة غير معتبر عند الإمامية. ما لم تكن (إمامة) محددة بأشخاص معينين. وهذه لا مجال للنظر العقلي فيها دون النص الديني. وإلا كيف يمكن للعقل البشري أن يثبت (إمامة) شخص كالحسن العسكري، دون أن يستند إلى نص ديني؟!
إذن اعتبار النص الديني في شرعنا أساسي وليس إضافياً، أو أنه مجرد تابع يؤيد ما ثبت بالنظر العقلي أولاً.
والنتيجة الحتمية التي نصل إليها هي:
إما أن نعتمد النظرية الإمامية في الأصول، أي النظر العقلي. وهو لا يُثبت سوى معان عامة -فتبطل جميع المذاهب الإمامية. فلا إثنىعشرية. ولا إسماعيلية. ولا غيرهما من المذاهب التي التزمت وألزمت غيرها بـ(أئمة) محددين.
وإما أن نقول بضرورة الالتزام بمذهب معين كالإثنىعشري بناءاً على ما جاء بالنصوص الدينية -فتبطل النظرية الإمامية في الأصول.
 ولا بد لهم من اختيار أحد الأمرين، والخروج من أحد السبيلين.
 
أصول الطائفة الإمامية 
 والآن نتناول بالحديث فرقة من الفرق التي جانبت المنهج القرآني في إثبات أصولها. وذلك تطبيقاً لما أسلفت بيانه من قواعد وأصول، وليطمئن قلب القارئ من صحتها، ويزداد الذين آمنوا إيماناً. وتبييناً لميزة المنهج الذي اتبعتُه في رد الحجج الباطلة إلا وهي سهولة إبطالها والإجهاز عليها بأيسر جهد وأقرب طريق، مع وضوح الحق دون الوقوع في متاهات الجدل والبحث في دهاليز الدلالات إلا بعد ظهور الحق وبيانه بالحجة البالغة القاطعة التي تميزه عن الباطل بلا لبس أو اشتباه.
هذه الفرقة هي (الإمامية الاثنا عشرية) التي ألزمت المسلمين بأصول اعتقادية وعملية وخيرتهم بين الإيمان بها شرطاً للنجاة، أو الكفر إن هم جحدوها ولم يلتزموا بها.

([1]) لا أقصد بعدم الجواب عدم القدرة على الإتيان بالردود الجدلية. كيف وهي بضاعة الكذابين وتجارة المبطلين، التي يغص بها سوق المفلسين!! انظر إلى سيدهم إبليس اللعين! كيف جادل رب العالمين بأنه مخلوق من نار، وآدم من طين! وانظر إلى السامري! وكيف جادل موسى u قائلاً: }بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي{ (طـه: 96). وأنا أعرف سلفاً أن لإبليس والسامري أتباعاً يحافظون على منهجهم، ويسيرون عليه حذو القذة بالقذة!  
([2]) يدعي البعض -أو يتوهم- أن هذه الرواية وردت في (صحيح مسلم). وهذا غير صحيح. والموجود فيه هو: (أوصيكم الله في أهل بيتي). أما الأمر بـ(التمسك) فجاء مقترناً بالكتاب فقط.

عدد مرات القراءة:
3094
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :