معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

جهود آل البيت رضي الله عنهم في الدعوة إلى الله ..

الشيخ/ حسن الحسني
حال الأمة قبل الإسلام:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خيراً مما نقول وفوق ما نقول، اللهم لك الحمد، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي ا لبحر سبيلك، في الجنة رحمتك، وفي البحر غضبك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لا إله إلا أنت. اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
إخواني في الله: أي أمة كنا قبل الإسلام؟ وأي جيل كنا قبل الإيمان؟ وأي كيان نحن بغير القرآن؟! كنا قبل لا إله إلا الله أمة و ثنية، أمة لا تعرف الله، أمة تسجد للحجر وتقدس الشجر، أمة تغدر، أمة يقتل بعضها بعضاً، أمة عاقة، أمة لا تعرف من المبادئ شيئاً، فلما أراد الله أن يرفع رأسها، وأن يعلي مجدها، وأن يخلد ذكرها أرسل إليها رسول الهدى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ))[الفتح:29].
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
ولله در من قال:
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل
اللهم صل على نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزلزلت به كيان الوثنية، اللهم صل وسلم على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود.
دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد:
أتى عليه الصلاة والسلام فصعد على جبل الصفا ونادى العشائر والبطون ثم قال لهم: { قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا } فقامت دعوته على هذا الكلمة كما كانت دعوة الأنبياء من قبلهم (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ))[النحل:36].
جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأعلنها صريحةً أنه لا إله إلا الله، فاستجاب له من أراد الله رفع درجته، وصم عنها من أراد الله عذابه في الدنيا والآخرة، استجاب له أصحابه الأبرار وفي مقدمتهم آل بيته الأطهار.
حال الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة، وحال آل البيت على درجة الخصوص
وبعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ورث أتباعه تلك الدعوة فتابعوا المسيرة، وواصلوا الدعوة، فكانوا متبعين ولم يكونوا مبتدعين. وكان لآل البيت رضوان الله عليهم مناهجهم الفريدة وأساليبهم المتميزة في الدعوة إلى الله (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33]. ولعل من الأسباب التي حملتني على لحديث عن هذا الموضوع: كون منهج آل البيت القائم على التمسك بالسنن والاجتهاد في العبادة، والتقلل من الدنيا هو الاتجاه السليم والمشروع، ومعلوم أن صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلُح به أولها.
مكانة أهل البيت عند أهل الإسلام:
ولا ننس مكانة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المسلمين كافة، فهم يحبونهم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: { أذكركم الله في أهل بيتي } وقد اتفق المسلمون على حب آل البيت لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويرون أن شرف النسب تابع لشرف الإيمان، ومن جمع الله له بينهما فقد جمع له بين الحسنيين.
أحب الرسول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا
وأرجو بحبي لهم زلفةً إلى الله عند النشور غدا
ولا سيما من تباهت بهم ذرى المجد والفضل لن يجحدا
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القوم مثل نجوم الدجى لمن تاه في مهمهات الردى
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
أصول الدعوة عند آل البيت:
قبل الحديث عن جهود آل البيت في الدعوة إلى الله كان لزاماً علينا أن نعرف ما هي الأصول التي انطلقت منها تلك الدعوة المباركة:
التمسك بالكتاب والسنة:
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ من خالف كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر]] [كتاب الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب]. فآل البيت وأتباعهم سلكوا المنهج العلمي في ضوء الكتاب والسنة، وابتعدوا عن الجمود والتعصب المذهبي الذي أبعد الناس عن صفاء الدين الإسلامي، وقد روي عن أئمة أهل البيت أنهم قالوا: [[ إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا]] [تهذيب الأحكام: الجزء السابع، باب من أحل الله نكاحهم من النساء].
وعن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف [كتاب الكافي: الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب].
العلم والبصيرة:
العلم أساس الدعوة ومادته، ولا يمكن أبداً لدعوة أن تقوم على الوجه المرضي عند الله إلا إذا كانت مبنيةً على العلم، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ أيها الناس! اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال }} [كتاب الكافي: الجزء الأول، باب فرض العلم].
نماذج مثالية من أهل البيت في طلبهم للعلم:
ولذلك نجد أن أئمة آل البيت توجهوا إلى طلب العلم وتعليمه، أذكر بعضاً منهم:
-الإمام محمد الباقر:
الذي قال عنه الذهبي: شهر بـ(الباقر) من بقر العلم أي: شقه، فعرف أصله وخفيه، ولقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، لا نحابيه ولا نحيف عليه، نحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال.. انتهى كلامه. وقال ابن كثير: أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادةً وشرفاً.
-ومنهم الإمام جعفر الصادق، قال عنه الذهبي: الإمام الصادق شيخ بني هاشم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني، أحد الأعلام. وقال أبو حاتم الرازي: لا يسأل عن مثله.
-ومنهم الإمام موسى الكاظم، قال عنه ابن تيمية: مشهور بالعبادة والنسك. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين.
العمل بمقتضى العلم:
ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واعلم أن العمل هو ثمرة العلم، وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر؛ لذلك شدد الله في الآخرة عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: { يُلقى العالم في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا }[منية المريد].
الصبر والاحتساب:
(( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ))[الأنعام:34] وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {{ الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور }} [كتاب الكافي: الجزء الثاني، باب الصبر].
التخلق بالأخلاق الفاضلة:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }[مستدرك الوسائل: الجزء الحادي عشر، باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق] فعلى الداعية أن يتمسك بحسن الخلق بحيث يظهر عليه أثر العلم في معتقده وفي عبادته وفي هيئته، وفي جميع سلوكه؛ حتى يمثل دور الداعية إلى الله عز وجل، وتكون دعوته مقبولةً عند الناس. فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد رضي الله عنه أنه قال: [[ إنا لنحب من شيعتنا من كان عاقلاً فهماً، فقيهاً حليماً، مدارياً صبوراً، صدوقاً وفياً ]]. ثم قال: [[ إن الله تعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم يكن فيه فليتضرع إلى الله وليسأله إياه ]] [المصدر السابق].
تصفية الدين مما علق به من الشرك والبدع والأفكار الدخيلة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { اتبعوا ولا تبتدعوا، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار }[مستدرك الوسائل: الجزء الثاني عشر، باب وجوب إظهار العلم عند البدع]. و عندما جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأله عن السنة والبدعة؟ أجاب: {{ السنة ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما أحدث من بعده }}[معاني الأخبار].
فهذا هو التعليم المبارك الذي سار عليه آل البيت في مدرستهم المباركة، وكانوا يعلمونه أتباعهم وأحبابهم ليكونوا جميعاً على نهج خير الخلق جميعاً محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
جهود آل البيت في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
فاطمة عليها السلام ودفاعها عن أبيها صلى الله عليه وآله وسلم:
نحن الآن في مكة المكرمة، الزمان: قبل الهجرة النبوية، المكان: الحرم المكي الشريف، وهناك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان -أي: يأتي بأحشاء الإبل- فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم وأكثرهم خبثاً وهو عقبة بن أبي معيط فجاء به، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووضعه على ظهره بين كتفيه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد لا يرفع رأسه.
حينها أقبلت جارية صغيرة تسعى، فطرحت عن ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الأذى، وأقبلت على المشركين صارخة، صارخة في وجوههم تسبهم وتشتمهم؛ فلم يردوا عليها شيئاً، أتدرون من هذه؟ إنها فاطمة الزهراء.. هي زوج من؟! هي أم من؟! هي بنت من؟! هي سيدة نساء العالمين، أما زوجها فعلي بن أبي طالب، وأما أبناؤها فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأما أبوها فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم
علي وفاطم والحسن ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القوم مثل نجوم الدجى لمن تاه في مهمهات الردى
فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته رفع رأسه وقال: { اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش } فلما سمعوا صوته ذهب عنهم ذلك الضحك وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: { اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط } قال ابن مسعود: {{ فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب –قليب بدر- }} فيا له من موقف! ويا له من إقدام! سَلِمَ ذلك اللسان الذي دافع عن رسول الله، وشُلَّ ذلك اللسان الذي طعن في آل بيت رسول الله.
ولو كُنَّ النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال
جهود علي رضي الله عنه في الهجرة:
بعد هجرة الصحابة إلى المدينة أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ينتظر إذن الله بالهجرة، فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره ألا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخلفه بمكة لقضاء الديون ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره أن ينام على فراشه، وقد أحاط المشركون بالدار، فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام مكانه، وأخذ المشركون يرمون علياً بالحجارة -كما كان يرمى نبي الله- وهو يتضور ويتألم، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فلما رأى المشركون علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي رضي الله عنه في طلبه يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فأقبل الصحابة رضي الله عليهم على رسول الله يخبرونه بقدوم علي رضي الله عنه، برقت أسارير وجهه، ذلك الوجه الأنور والجبين الأزهر-بأبي هو وأمي- وقال: { ادعوا لي علياً } قال الصحابة: يا رسول الله، يا رسول الله! لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآه اعتنقه وبكى، بكى رحمةً لما بقدميه من الورم، وكانت تتقطران دماً، خرست الألسنة، نطقت الدموع
إذا اشتبكت دموع على خدود تبين من بكى ممن تباكى
فتفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يديه ومسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكِ بعد يومئذ حتى استشهد رضي الله عنه.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من أخطر أدوار الهجرة، فكان أول فداء في الإسلام، ومن ثم فلابد أن يكون هذا الفدائي من طراز فريد، وهو يعلم أن السيوف المسلولة تنتظره في الصباح، وسيظل المسلمون إلى يوم الدين عندما يذكرون حادثة الهجرة يذكرون هذا الفداء وتلك البطولة التي فاقت كل بطولة، جاد بحياته لماذا؟ لتنتشر دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وليتألق الإسلام في آفاق الدنيا.
دعوة آل البيت إلى تقرير التوحيد:
خلق الله العالم من الإنس والجن لعبادته وأوجبها عليهم، وهذه الغاية بينها الله سبحانه في كتابه حيث قال: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56] وأرسل الله إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه ليرشدوا العباد إلى توحيده تبارك وتعالى (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ))[النحل:36] فكل الرسل بدءوا دعوتهم بتوحيد الله تبارك وتعالى، ابتداءً من نوح عليه السلام وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا سار أئمة آل البيت رضوان الله عليهم معظمين لله تبارك وتعالى حق تعظيمه، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه في كل مكان وفي كل وقت على التوحيد، ويجعل محبة الله تبارك وتعالى والخوف منه في قلوبهم (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))[الجمعة:2].
إن إيمان المسلم بوحدانية الله عز وجل واعتقاده بأنه لا خالق ولا رازق ولا مالك ولا متصرف في خلقه وملكه إلا الله لا شريك له ولا ند له؛ هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها: (( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ))[يونس:31].
لكن يؤسفنا كثيراً.. يؤسفنا حقاً أن نرى في عصرنا الحاضر من الناس من يخالف تلك الفطرة؛ معتقداً بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه وخاصة آل البيت عليهم السلام، سالكين مخرجاً لهذا المعتقد على أن هذه الأعمال كلها بإذن الله تعالى.. و هذا والله أمر عجيب! لأنه مناف لدين الله عز وجل في ربوبيته (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ))[فاطر:3] وقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ))[النمل:62] .
وقد ذكر الكشي في رجاله بأن أقواماً من الناس يحدثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد وعلى آله الطاهرين عليهم السلام، يستأكلون بها الناس، ويأخذون منهم الدراهم، ويزعمون بأن علياً عليه السلام في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً..!
ثم قال: والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولو رأيت جعفر لعلمت أنه واحد من الناس (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ))[الإسراء:23] فمن عبد الله وحده أنجاه وأدخله جنته تكريماً له لما فعل، ومن عبد غير الله أو جعل له نداً أو مساوياً له عاقبه الله بنار جهنم خالداً فيها (( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ))[المائدة:72].
اعلم -رحمك الله- أن العبادة لها أنواع كثيرة يجب صرفها جميعاً لله وحده لا شريك له، ومنها الدعاء بأنواعه من استغاثة واستعانة واستعاذة والذبح والنذر والطواف، والصلاة والزكاة والصيام، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فقد أشرك بالله عز وجل
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حَكِمَ الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام ممن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحظى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعَادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالِ
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهدِ قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل نشر التوحيد وحال بعض الناس بعده:
واستمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الدعوة المباركة حتى دخل كثير من الناس في دين الإسلام، دين التوحيد، متحملاً مع أصحابه أذى قريش وجبروتهم وطغيانهم حتى ظهرت دعوته ولله الحمد والمنة.
ومما يؤسف حقاً أن البعض يقول: لا إله إلا الله؛ ومع ذلك فهو يجعل الأولياء والصالحين شفعاء ووسطاء بينه وبين الله في جميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والنذر والتبرك، فلم يخلص العبادة لله وحده..! (( أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ))[النمل:60].
إخواني في الله: إن أملي ورجائي من كل علماء ودعاة الأمة ألا يوجهوا الناس إلى التعلق بالناس، بل يوجهوهم إلى التعلق برب الناس، ويربوهم على اللجوء والتضرع إلى الله وحده في الرخاء والشدة، في المصيبة والكربة، في المرض والصحة (( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ))[الشعراء: 78-81].
التحذير من الوقوع في الشرك:
عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: { الموجبتان: من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً يدخل النار }[بحار الأنوار: الجزء الثالث، باب ثواب الموحدين].
من مظاهر الشرك التي يحذر منها أهل البيت:
لخطورة أمر الشرك سنذكر بعض الأمور التي حذر منها أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، باعتبارها وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله تعالى، ومن أهم هذه الوسائل وأخطرها:
الصور والتماثيل:
من المداخل الخطيرة لباب الشرك، و التي تعد من الأمور العظيمة التي نهى عنها الله عز وجل: الصور؛ وذلك لما يفعله ذلك المصور من تصاوير يضاهي بها خلق الله عز وجل، والمقصود من التصاوير التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي: تصوير ذوات الأرواح، ولا سيما تصوير المعظمين من البشر كالأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم، وليعلم المسلمون بأن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور.
جاء في الخبر عن أبي جعفر رضي الله عنه: [[ أن إبليس هو أول من صور صورةً على مثال آدم عليه السلام ليفتن بها الناس، ويضلهم عن عبادة الله، ثم صور صورة ود، وهكذا بعده سواع فيغوث ثم يعوق، حتى بعث الله إدريس عليه السلام فحذرهم من عبادة الأصنام ونهاهم عنها ]] [كتاب قصص الأنبياء].
ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصورين، وأخبر أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فهل يعقل بعد هذا تعليق صور الأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم في البيوت والمساجد ومجالس الذكر؟ بل تجرأ البعض إلى تعليق صور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطاهرين! (زعموا!! عليهم من الله ما يستحقون).
عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: [[ ثلاثة يعذبون يوم القيامة، وذكر منهم: من صور صورةً من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ]] [كتاب ثواب الأعمال].
وقد وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بمحو تلك الصور، وخص علياً رضي الله عنه بذلك، قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فقال: { لا تدع صورةً إلا محوتها ولا قبراً إلا سويته } [كتاب الوسائل: الجزء الثالث، باب تزويق البيوت] وضرر هذا الأمر يتعدى إلى نزع البركة وذهاب الخير من البيوت وذلك بنفور الملائكة من التصاوير، فعن أبي جعفر رضي الله عنه قال: { قال جبريل عليه السلام: يا رسول الله! إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان } [كتاب الكافي: الجزء الثالث، باب الصلاة في الكعبة وفوقها].
تحذيرهم من الغلو في الصالحين:
إن من الوسائل المؤدية إلى الشرك بالله تعالى الغلو في الصالحين:
الإفراط والغلو في الصالحين من أشنع وأخطر ما يهدم جناب التوحيد، والغلو: هو مجاوزة الحد. قال الإمام الصادق رضي الله عنه: [[ والله: إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ]] [بحار الأنوار: الجزء الخامس والعشرون، باب نفي الغلو في النبي والأئمة].
برئت إلى الله من كل من أساء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفاة فكل عن الحق قد أبعدا
حب آهل البيت وجوب وضوابط:
اعلم -رحمك الله- أن حب آل البيت واجب، ولا يبغضهم إلا ناصبي منافق. لكن ثمة أمر مهم يجب اعتباره: وهو أن هذه المحبة يجب ضبطها بضوابط شرعية؛ حتى لا يقع المسلم في الغلو والإطراء فيرفع أحداً من الناس فوق منزلته التي أنزله الله بها، كأن يجعل للصالحين والأئمة حقاً من حقوق الله الخاصة به، فيعتقد بأنهم يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون، ولهم التصرف في هذا الكون... وغير ذلك؛ وبسبب هذا الاعتقاد استغاث بهم البعض، ودعوهم من دون الله عند الشدائد، وهذا لا شك بأنه شرك بالله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً }[المصدر السابق].
والصالحون أنفسهم يتبرءون من أن يدعوا لأنفسهم حقاً من حقوق ربهم الخاصة (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ))[المائدة: 116- 117] وهذا ما سار عليه الآل الكرام رضوان الله عليهم، وقد حذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من خطورة الغلو خاصة فيه فقال: {{ يهلك في اثنان: محب غال، ومبغض قالٍ }} [المصدر السابق].
والغريب أنه وجد في الأمة من نسب إلى أئمة آل البيت بعض خصائص الرب جل وعلا! لكن آل البيت تصدوا لهذا الفكر ولم يرضوا به، فعن صالح بن سهل قال: كنت أقول في أبي عبد الله رضي الله عنه بالربوبية، فدخلت فلما نظر إلي قال: [[ يا صالح! إنا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذبنا ]][المصدر السابق].
وقال الصادق رضي الله عنه: [[ لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا ]][المصدر السابق].
فقد فطن الأئمة عليهم السلام إلى حال بعض محبيهم، وما سيؤدي إليه فرط حبهم؛ لذا قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: [[ فوالله! ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله! ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون، ومنشرون ومبعوثون، وموقوفون ومسئولون -إلى أن قال-: أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً ]] [كتاب رجال الكشي].
الحلف بغير الله:
الحلف واليمين من الأقوال العظيمة والدالة على إيمان العبد وتعلقه بالله، ذلك أن الحلف هو: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وقد كثر بين الناس اليوم الحلف بالله كذباً أو بغير الله شركاً كمن يحلف بالأمانة أو بالشرف أو بالوالدين أو بالأولاد أو برأس النبي وآل بيته الأطهار، ومنهم من يحلف بالأحياء والموتى من الأولياء والصالحين تعظيماً لهم وخوفاً من عقابهم.
فإذا استحلف ذلك الشخص بالله عز وجل حلف بالله دون تردد ولو كان كاذباً، وإن استحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بآل بيته أو بالولي الفلاني يتكعكع ويتلعثم، ولا يحلف به إلا صادقاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك }[مستدرك الوسائل: الجزء السادس عشر، باب أنه لا يجوز الحلف ولا ينعقد إلا بالله].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: { لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون }[عوال اللآلي: الجزء الثالث، باب الأيمان].
لذا فالواجب على كل مسلم حفظ يمينه وكلامه وتعظيمه لله، وإن استلزم أن يقسم فليُقسم بالله تعالى وحده ولا شيء غيره.
بحمد الله نبدأ بالمقال وذكر الله في كل الفعال
فذكر الله يجلو كل هم عن القلب السليم على التوالي
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قط شيئاً فإن الله جل عن المثال
إله واحد أحد عظيم عليم عادل حكم الفعال
رحيم بالعباد إذا أنابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام بمن عصاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحضى بخير في الحياة وفي المآل
وأحبب في الإله وعاد فيه وأبغض جاهداً فيه ووالي
وأهل الشرك باينهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جل عن المثال
بهذا جاءنا في كل نص عن المعصوم من صحب وآل
فيا فرداً بلا ثان أجرني وثبتني بعزك ذا الجلال
وعاملني بعفوك واهد قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
وجملني بعافية وعفو فإن تمنن بعفوك لا أبالي
وصلى الله ما غنت بأيك على الأغصان من طلح وغال
على المعصوم أفضل كل خلق وأزكى الخلق مع صحب وآل
جهود آل البيت في تأليف القلوب:
إنما جرى بين الصحابة وبعض آل البيت رضوان الله عليهم جميعاً من الخلاف إنما كان بقدر الله تعالى؛ ليبتلي المؤمنين به هل يمسكون ألسنتهم ويسلمون أم يخوضون فيه ويأثمون، لكن البعض -وللأسف- اختار الخوض في ما جرى بينهم، وتبعاً لذلك وصف الصحابة بالكفر والضلال والعياذ بالله.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يفيد بأن المؤمنين إذا تقاتلوا لا يخرجهم ذلك عن مسمى الإيمان (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ))[الحجرات:9] فسماهما الله مؤمنين رغم تقاتلهم.
أيها الإخوة: إن الحقيقة التي ينبغي أن نؤمن بها أنهم مع ما جرى بينهم إلا أنهم كانوا رحماء بينهم؛ وذلك هو منطوق القرآن (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ))[الفتح:29].
وهذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون فستبقى ناصعةً بيضاء، ترد على أكثر أهل الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم التي استغلها الأعداء وأصحاب الأطماع السياسية لتحقيق مصالحهم، وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة.
هذا نداء إلىالباحثين، والكتبة عن تاريخ الأمة، إلى الداعين إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف، بل إلى كل غيور على هذه الأمة، أقول: لماذا نثير قضايا ومسائل تاريخية لها آثارها السلبية، وتأصل العداوة من غير بحث ولا نظر.. لحساب من؟ ألأجل جماهير العوام؟ أم لأجل تقليد أعمى؟ أم لكسب مادي؟ إنك تعجب من كثير من الكتاب الذين يقضون أوقاتاً ويبذلون جهوداً -في ماذا؟- في مسائل تاريخية أو فكرية هي مبنية على روايات ضعيفة، أو أقوال واهية، أو أهواء بغيضة.
إخواني في الله! يا محبي آل بيت رسول الله: فلنتصفح التاريخ قليلاً، ولنضع كلام القصاصين جانباً، ونستمع إلى كلام أئمة آل البيت مباشرة ماذا قالوا، وكيف تعاملوا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في واقعهم وحياتهم العملية.
ولك أن تذكر هذا الموقف: بعدما قتل الإمام علي رضي الله عنه بايع الناس الحسن بن علي رضي الله عنهما بالخلافة، وكان يتفطر قلبه حسرةً وحزناً على تفرق المسلمين، وكاد أن يحصل قتال شديد بين المسلمين: جيش الحسن، وجيش معاوية رضي الله عنهما، لكنه لما بانت حقيقة الأمر للحسن بن علي رضي الله عنه أرسل لمعاوية يطلب منه الصلح، ويعرض عليه تسليم الخلافة نظير شروط معينة.
ومن الأمور العجيبة أن معاوية قد أرسل في الوقت ذاته رجلين إلى الحسن حتى يعرض عليه الصلح قبل أن يعرف نيته بالصلح! فاتفقت الإرادتان على الصلح، فتم الصلح في خمس وعشرين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين للهجرة. عن أبي عبد الله جعفر رضي الله عنه قال: {{ إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما: أن أقدم أنت والحسين وأصحاب علي. فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن! قم فبايع؛ فقام فبايع. ثم قال للحسين: قم فبايع؛ فقام فبايع. ثم قال: يا قيس! قم فبايع؛ فالتفت إلى الحسين -أي: التفت قيس إلى الحسين عليه السلام- ينظر ما يأمره، فقال -أي: قال الحسين-: يا قيس! إنه إمامي -يعني: الحسن عليه السلام-. وفي رواية: فقام إليه الحسن فقال: بايع يا قيس؛ فبايع }} [كتاب رجال الكشي].
وعندما تم أمر الصلح، وصار معاوية خليفةً للمسلمين نقم بعض الناس على الحسن فعلته حتى هم بعضهم بقتله وطعنوه في فخذه، وقالوا له: يا مسود وجوه المؤمنين!! أهذا يقال عن الحسن؟! والله إن هؤلاء مساكين ؛ لأنه لما هدأت الأمور واستقرت الخلافة لمعاوية بانت آية من آيات النبوة عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن: { أيها الناس: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين } وإذا بالتاريخ يكشف لنا هاتين الفئتين العظيمتين: إنها فئة علي وفئة معاوية رضي الله عنهما.
ولقد سمى المسلمون هذا العام بعام الجماعة؛ لاجتماع المسلمين على خليفة واحد وعلى كلمة واحدة، وحينها هدأت الحروب، وانتظم عقد المسلمين، وتفرغوا مرةً أخرى لأعمال الجهاد في سبيل الله وفتح البلدان ونشر الدعوة الإسلامية.
لله درك يا أيها الحسن! صدق فيك المصطفى حينما قال: { اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه }
أحب الرسول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً إن هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا
اللهم إنا نشهدك، اللهم إنا نشهدك، اللهم إنا نشهدك، ونشهد حملة عرشك، ونشهد ملائكتك، ونشهد عبادك الصالحين بأنا نحب الحسن والحسين وسائر أهل بيت رسول الله؛ فأحبنا يا ألله، فأحبنا يا ألله.
بل انظر كيف رد أئمة أهل البيت على كل من أراد إثارة الضغائن بينهم، وإليك هذه القصة.
رواها علي الأربلي في كتابه كشف الغمة: عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام قال: [[ جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم -أي: ذكروهم بسوء- فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني.. أأنتم المهاجرون الأولون (( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ))[الحشر:8] ؟!! قالوا: لا. قال: فأنتم (( َالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ))[الحشر:9] ؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ))[الحشر:10] اخرجوا عني، فعل الله بكم ]].
فما أروع تلك الكلمة! وما أبلغ هذا الدرس! هذا فهم زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما، الفهم الأصيل!
قال الإمام علي رضي الله عنه: {{ لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب }} [نهج البلاغة].
(( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ))[الفتح:29].
صفحة مشرقة من الجهاد في سبيل الله:
هناك صفحات كثيرة نقتصر على واحدة:
من خصائص علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي لا ينكرها منكر: قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: { لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه } فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { أين علي بن أبي طالب؟ } فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتي به وبه رمد، فبصق في عينيه فدعا له فبرأ، ودفع الراية إليه فانطلق بالناس، فلقي أهل خيبر ولقي مرحبا، ذلك الخيبري اليهودي، فإذا هو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أن مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب أطعن أحياناً وحين أضرب
فبرز له علي رضي الله عنه وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيكم بالصاع كيل السندرة
حيدرة هو الأسد، وقد سمي علي أسداً في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكره علي رضي الله عنه بذلك ليخيفه ويضعف نفسه، وأنه هو الأسد الذي سيقتله، فالتقى هو وعلي بسيفيهما فضربه علي ضربه على هامته بالسيف، عض السيف منها بالأضراس، وسمع صوت ضربته أهل العسكر، ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح فتح خيبر.
تحذير آل البيت من البدع ومحدثات الأمور:
قال علي رضي الله عنه: {{ ما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة، فاتقوا البدع، والزموا المهيع، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها }} [نهج البلاغة].
تعتبر الأمور المستحدثة في الدين بدعاً واجهها أئمة آل البيت على أنها مشكلات يجب إزالتها، فكان للتحذير منها نصيب كبير من جهودهم واهتماماتهم.
كان آل البيت يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل طاروا إليه زرافات ووحدانا، كانت نصوص الكتاب والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس، فقد روي عن أئمة آل البيت رضوان الله عليهم أنهم قالوا: [[ إذا جاءكم عنا حديثان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه ]]. فخلف من بعدهم خلف تركوا السنة واتبعوا البدعة، فتصدى لهم أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، وقاوموهم بالأساليب الحكيمة المتناسبة مع نوع البدعة وضررها وأثرها.
وسنقتصر على ذكر بعض البدع الظاهرة التي كان لأئمة آل البيت فيها موقف وروي لهم فيها أثر، ولن نتتبع كل ما حدث من مخالفات؛ فإن ذلك سيطول:
لبس الحلقة والخيط والتمائم والخواتم ونحوها لرفع البلاء:
يعتقدون بأنها ترفع البلاء والأمراض، أو أنها تجلب الخير والبركة. نقل المجلسي في بحاره من حديث عمران بن حصين { أن رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي عضده حلقة من صفر -وفي رواية: وفي يده خاتم من صفر، أي: من النحاس- فقال: ما هذا؟! قال: هذا من الواهنة. قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهناً } [بحار الأنوار: الجزء التاسع والخمسون، باب الحجامة والحقنة والسعوط والقيء].
وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: كثير من الرقى وتعليق التمائم شعبة من الإشراك [مستدرك الوسائل: الجزء الثالث عشر، باب تحريم إتيان العراف وتصديقه ].
الغلو في القبور:
ما نشاهده في كثير من البلدان الإسلامية من بناء الأضرحة وتجصيصها، وجعلها مزارات تعبد من دون الله، يطاف حولها ويستغاث بها، ويطلب المدد والعون من أصحابها، تقدم لها القرابين وأكاليل الزهور والبخور... إلى غير ذلك من البدع.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: { لا تتخذوا قبري قبلةً ولا مسجداً؛ فإن الله عز وجل لعن اليهود حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } [كتاب من لا يحضره الفقيه: باب التعزية والجزع عند المصيبة]. وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: { لا تتخذوا قبوركم مساجدكم، ولا بيوتكم قبوراً }[الجزء الثاني من مستدرك الوسائل: الصفحة التاسعة والسبعين بعد الثلاثمائة].
بل أتى النهي عن البناء أو تزيين القبور، فعن علي بن جعفر قال: [[ سألت أبا الحسن موسى رضي الله عنه عن البناء على القبر والجلوس عليه: هل يصلح؟ قال: لا يصلح البناء عليه، ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه ]] [الجزء الأول من كتاب الاستبصار: باب النهي عن تجصيص القبر وتطيينه].
وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: {{ بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هدم القبور وكسر الصور }} [الجزء السادس من كتاب الكافي: باب تزويق البيوت] وجاء في بعض الروايات السبب المانع من هذا الفعل، فعن الإمام الصادق رضي الله عنه أنه قال: [[ كل ما جعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميت]] [الجزء الثالث من كتاب الوسائل: الصفحة الثانية بعد المائتين].
النياحة على الميت ولبس السواد:
من الأمور الهامة المتعلقة بمعتقد القضاء والقدر: الصبر على ما قدره الله سبحانه والرضا به، وهذا مطلب هام يغفل عنه بعض أهل الإسلام، والصبر هو: الرضا بما قدره الله، وحبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها عند المصيبة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب }[ الجزء الثاني من مستدرك الوسائل: الصفحة الثانية والخمسين بعد الأربعمائة].
فاعلم -رحمك الله- أن عدم الصبر على قضاء الله وقدره يسخط الرب جل وعلا، وهو ينافي كمال التوحيد لما فيه من عدم الاستسلام لله والرضا بما قدره، فمن صبر عوضه ربه على ما أصابه خيراً في الدنيا والآخرة (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ))[البقرة:155- 157].
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على امرأة تبكي على قبر فقال لها: { اصبري أيتها المرأة! فقالت: يا هذا! اذهب إلى عملك؛ فإنه ولدي وقرة عيني. فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركها، ولم تكن المرأة عرفته، فقيل لها: إنه رسول الله! فقامت تشتد في طلبه حتى لحقته، فقالت: يا رسول الله! إني لم أعرفك، فهل لي أجر إن صبرت؟ فقال: الأجر مع الصدمة الأولى }[الجزء الثاني من مستدرك الوسائل: الصفحة الحادية والخمسين بعد الثلاثمائة].
وفي عصرنا الحاضر نرى كثيراً من المسلمين -هدانا الله وإياهم إلى الحق- يقومون بإحياء ذكرى وفاة واستشهاد الأولياء والصالحين، فيقومون بلطم الخدود وشق الجيوب، وضرب الرءوس بالخناجر والسيوف، وضرب الطبول ولبس السواد؛ معتقدين بأنها تحيي ذكراهم، وتشفعهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار.
عن الصادق عن آبائه قال: { نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرنة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن اتباع النساء للجنائز }[الجزء الرابع من كتاب من لا يحضره الفقيه: باب ذكر جمل من مناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم] حتى ولو كان إظهار الحزن في اللباس فقط دون صراخ ولا لطم فإن ذلك لا يجوز؛ لقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في ما علم أصحابه: {{ لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون }} [الجزء الأول من كتاب من لا يحضره الفقيه: باب ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه]. وعن محسن بن أحمد، عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: قلت له: أصلي في القلنسوة السوداء؟ فقال: لا تصل فيها؛ فإنها لباس أهل النار [الجزء الثالث من كتاب الكافي: باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه].
وقد يتعاطف كثير من الناس مع ما حدث للإمام الحسين -رضي الله عنه- وآل بيته الطاهرين من الظلم وسفك للدماء، وهذا واجب؛ لكنهم يندفعون فيقومون بتلك الأفاعيل التي ذكرناها آنفاً، هل يرضى الإمام الحسين بتلك الأفعال؟ تعالوا معنا نستعرض مواقفه..
فعن محمد بن علي رضي الله عنه قال: {{ لما هم الحسين رضي الله عنه للشخوص إلى المدينة أقبلت نساء بني عبد المطلب فاجتمعن للنياحة، فمشى فيهن الحسين رضي الله عنه فقال: أنشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصيةً لله ولرسوله }} [الجزء الثاني من مستدرك الوسائل: الصفحة الثالثة والخمسين بعد الأربعمائة].
وعن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: {{ إن الحسين قال لأخته زينب: يا أختاه! إن أقسمت عليك فأبري بقسمي، لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي علي وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت }} [الجزء الثاني من مستدرك الوسائل، الصفحة الحادية والخمسين بعد الأربعمائة ].
إخواني في الله، يا محبي آل بيت رسول الله: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن البكاء، فالبكاء مشروع، العين تدمع، والقلب يحزن، لكن المنهي عنه هو ما قد يصاحب البكاء والحزن من ضرب الخدود والصدور بالسلاسل، وشق الرءوس بالسيوف والخناجر، والصراخ والنياحة والعويل، وكل ذلك منهي عنه في الشريعة الإسلامية.. فتأمل بارك الله فيك.
تصدي آل البيت لأفكار الملاحدة والزنادقة
في القرن الثاني الهجري كثر وجود الزنادقة حتى أصبحت الزندقة والإلحاد مشكلةً كبيرة وخطيرة على الإسلام والمسلمين، لكن آل البيت -جزاهم الله خيراً- تصدوا لها، وواجهوا رجالاً من الزنادقة، ردوا شبهاتهم وأجابوا عن مشكلاتهم، ومن تلك المشكلات: دعوى التناقض في القرآن الكريم.
عن حفص بن غياث قال: [[ كنت عند سيد الجعافرة -جعفر بن محمد رضي الله عنه- لما أقدمه المنصور، فأتاه ابن أبي العوجاء -وكان ملحداً- فقال له: ما تقول في هذه الآية (( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ))[النساء:56] هب هذه الجلود عصت فعذبت فما ذنب الغير؟ يقصد: كيف يعذب الله جلوداً لم تذنب؟ فقال أبو عبد الله رضي الله عنه: ويحك! هي هي، وهي غيرها. قال: فمثل لي شيئاً من أمر الدنيا. قال: نعم، أرأيت لو أن رجلاً أخذ لبنةً فكسرها، ثم صب عليها الماء وجبلها، ثم ردها إلى هيئتها الأولى.. ألم تكن هي هي وهي غيرها؟ فقال: بلى، أمتع الله بك ]][كتاب الاحتجاج].
فالمراد بتبديل الجلود: أي: تجديدها؛ لأن القرآن فيه عام وخاص، ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء، لكن الزنادقة لم يألوا جهداً في إثارة الشبهات وإيجاد الشكوك، ولا عجب فهذه مهمتهم وهذا هدفهم: زعزعة العقيدة في قلوب الناس، وتشكيك المسلمين في ربهم جل وعلا.
جاء رجل إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فسأله عن الله تعالى، فرد عليه قائلاً: [[ ألم تركب البحر؟ قال: بلى. قال: فهل هاجت بك الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك حينئذ من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم. قال: فهل خطر ببالك وانقدح في ذهنك من يستطيع أن ينقذك إن شاء؟ قال: نعم. فقال جعفر الصادق: فذاك هو الله (( وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً ))[الإسراء:67]. ]].
محاربة آل البيت للسحر والكهانة
السحر: عبارة عن أعمال خفية تحصل بين الساحر والشياطين، تشتمل على رقىً غير شرعية، وعزائم وطلاسم، واستعمال للدخان، وأدوية، وإراقة دماء من البهائم وغيرها، ولفداحة وضرر هذا المعتقد فقد ذكر الله عز وجل أمر السحر في كتابه (( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ))[البقرة:102] ولأجل ذلك فقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السحر وتعلمه والإتيان إليه وجعله من المهلكات فقال: { اجتنبوا السبع الموبقات -أي: المهلكات- قالوا: وما هي؟ قال: الإشراك، والسحر... } إلى نهاية الحديث [الجزء الثاني من كتاب الخصال: باب تعيين الكبائر التي يجب اجتنابها ].
وعن علي رضي الله عنه قال: {{ من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر، وكان آخر عهده بربه، وحده أن يقتل إلا أن يتوب }} [بحار الأنوار: الجزء السادس والسبعون، باب السحر والكهانة].
ومما ينبغي أن ينتبه له: أن الكاهن قد يتظاهر بالتدين والصلاح، فيظهر للناس في صورة الروحاني المعالج والناصح لهم، ويقوم بالاستخارة أو بالكشف عن فعل ما، أو بالإخبار عن مرض، أو عما سيحدث في المستقبل، أو عن شيء مفقود فيصدقه العوام.
(( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ))[الشعراء:221- 223] ولهم أساليب متنوعة يمارسون بها عملهم وكذبهم على الناس، منها: قراءة الفنجان، وقراءة الكف، وذكر رؤيا للمخدوع بأنه رآه في المنام وسيحصل له كذا وكذا، وكذلك الخيرة من خلال فتح القرآن الكريم وقراءة الآيات وتفسيرها بلا علم ولا دليل.
ولخطورة هذا العمل جاء الوعيد الشديد لمن ذهب إلى الساحر، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: {{ من جاء عرافاً فسأله وصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد. وكان يقول: إن كثيراً من الرقى وتعليق التمائم شعبة من الإشراك }} [الجزء الثالث عشر من مستدرك الوسائل: باب تحريم إتيان العراف وتصديقه].
فهذا هو التعليم المبارك الذي سار عليه آل البيت في مدرستهم المباركة، وكانوا يعلمونه أتباعهم وأحبابهم ليكونوا جميعاً على نهج خير الخلق جميعاً محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أحب الرسول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً إن هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا
وأرجو بحبي لهم زلفةً إلى الله عند النشور غدا
وبعد هذه الرحلة الماتعة، مع تراث آل البيت رضوان الله عليهم، ها نحن نصل وإياكم إلى نهاية هذه المادة، وقبل الختام ليسأل كل منا نفسه: أين أنا من هذه الآيات وتلك الروايات؟ أم أنا من الذين يزعمون محبة آل البيت ثم أكون أبعد ما يكون عن منهجهم ودعوتهم؟
هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتهم إن المحب لمن يحب مطيع
وإني على علم بأن واقع بعضنا قد يكون بعيداً عن تلك الدعوة المباركة، وهذا مما يؤسف حقاً، فيأتيك الهاجس: لعل هذه الروايات عن الأئمة إنما صدرت منهم لظروف سياسية أو ضغوط معينة؛ لتخدع نفسك ثم تسكت، وترضى بعد ذلك بالواقع الأليم الذي تعيشه، ثم لا أجدك تقتنع بذلك، ولك الحق، فآل البيت أجل من أن يقولوا ما لا يعتقدون، وأن يتحدثوا بما لا يؤمنون فيفتنوا الناس في دينهم، بل كانت -والله- كلمة الحق على ألسنتهم لا يحابون أحداً، ولا سالت دماؤهم، وطارت رقابهم، وتمزقت أشلاؤهم؛ يقولونها ولا يخافون في الله لومة لائم.
اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.
أخي الكريم: افعل ما تشاء فلن ألزمك، ولكن تذكر بأن لك موقفاً أمام الله عز وجل يوم القيامة، وسيكلمك كفاحاً بلا ترجمان، وسيسألك عن كل صغيرة وكبيرة.
أيها العبد: أنت مسئول فأعد للسؤال جوابه، وسينقسم الناس في ذلك الموقف الرهيب، فالفائزون سيفرحون ويجيبون: يا ربنا! ما وجدناه في كتابك طبقنا، وما أمره نبيك فعلنا، وبمنهج صحبه وآل بيته اقتدينا. وأما الخاسرون فسيقولون: يا ربنا! كثرت علينا الطرق فضعنا، وتشعبت بنا السبل فتهنا، عالم يفتي بكذا فامتثلنا، وشيخ يقول كذا فصدقنا، لأقوال آبائنا وأجدادنا تعصبنا (( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ))[الزخرف:22].
أخي الحبيب: اقصد البحر وخل القنوات.
اللهم إني أحببت آل نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أصدق الحب وأعمقه، فهبني يوم الفزع الأكبر لأي منهم، فإنك تعلم أني ما أحببتهم إلا فيك يا أرحم الراحمين.
أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم إني أستغفرك من كل كلمة أردت بها الحق فأخطأت سبيلها، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

عدد مرات القراءة:
1854
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :