مقدمة كتاب رحماء بينهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم، وهذه حقيقة شرعية يتفق عليها أهل الإسلام جميعاً، وهذا الاتفاق نعمة كبرى على هذه الأمة ولله الحمد والمنة. ولا عبرة بمن شذ من الأمة في تفضيل بعض الأئمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العلم أو غيره([1])، فهذه الروايات المدونة في الكتب تجد من يؤولها أو يضعفها. إن وضوح منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكانته وأنه صاحب الشفاعة الكبرى والحوض المورود، وصاحب المنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة- هي الحقائق لا ينكرها أحد. لقد انتقلت بركات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقاربه آل البيت وأصحابه رضي الله عن الجميع. فمنزلة آل البيت كبيرة، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث متواترة في بيان ذلك، وهي تشمل من صحب منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتشمل ذرياتهم، وفيها بيان فضلهم ومنزلتهم. وكذلك كل ما ورد في الصحابة رضي الله عنهم، فإن آل البيت عليهم السلام الذين فازوا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أول من يشمله ذلك. وقد سبق في الرسالة الأولى الحديث عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذه الوريقات سوف أتحدث عن الرحمة بين هؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم، وينبغي علينا عدم السآمة من الحديث عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفضلها؛ والتلازم بين صاحب البركات الذي بمجرد الإيمان به وصُحبته فاز الأصحاب بلقب "صحابي" واختلفت منازلهم ودرجاتهم في جنات النعيم بأعمالهم وجهادهم مع سيد المرسلين، وكذلك منازلهُم في الدنيا من المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم، وكلّا وعد الله الحُسنى، قال الله تعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10]. فالجميع لهم فضلهم ومنزلتهم، وعلينا إدراك عِظم الصُّحبة، وأنها منزلة قائمة بذاتها، ومنازلهم بحسب أعمالهم، فهم طبقات: فالسابقون الأولون لهم أعلى المنازل، ومن جمع الله له بين الصحبة والقربى -وهم آله الأطهار- فسلام عليهم ورضي الله عنهم فلهم منزلة الصحبة وحق القربى، ومنازلهُم بحسب أعمالهم. أيها القارئ الكريم: إن البحث عن أسباب الافتراق في الأمة وعلاجها مطلبٌ شرعي، وحديثي عن قضية كُبرى، لها آثارها التي عصفت بالأمة، وسوف أختصر الكلام عن الرحمة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آل البيت عليهم السلام وسائر الناس، فمع ما جرى بينهم من حروب إلا أنهم رحماء بينهم، وهذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون، وسكت عنها رواة الأخبار، فستبقى تلك الحقيقة ناصعة بيضاء تردّ على أكثر أصحاب الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم التي استغلها أصحاب الأهواء والأطماع السياسية، والأعداءُ لتحقيق مصالحهم وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة. نداء: إلى الباحثين والكَتَبة عن تاريخ الأمة، بل إلى الداعين إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف، إلى الذين يتحدثون عن خطورة العولمة وآثارها ووجوب توحيد الصف لمواجهة آثارها. بل إلى كل غيور على هذه الأمة، أقول: لماذا نثير قضايا ومسائل تاريخية لها آثارها السلبية وتؤصل العداوة من غير بحث ونظر؟؟ ألأجل جماهير العوام، أو لأجل تقليد أعمى أو كسب مادي؟!! إنك تعجب من كثير من الكتّاب والباحثين الذين يقضون أوقاتاً ويبذلون جهوداً كبيرة في مسائل تاريخية أو فكرية هي مبنية على روايات ضعيفة واهية أو أهواءٍ ونحو ذلك، بل منهم من يعتقد أنه يُحسن صنعاً وأنه وصل إلى حقائق علمية!!! وما وصلوا إليه فيه تفريق للأمة، وإذا سألتهم عن ثمار عملهم وجهدهم لا تجد جواباً!! وأحسنهم حالاً من يقول لك: لأجل العلم وكفى!!! وأين هنا الأساس العلمي الذي اعتمد عليه؟؟. وقد سبق في رسالة الصحبة بيان التلازم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وأن من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزكية الذين آمنوا به، وهم الأميون الذين أكرمهم الله بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصُحبته، قال الله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2]. فهؤلاء هم الذين قام رسول الرحمة والهدى بتربيتهم (تزكيتهم) وتعليمهم. وقد سبق الحديث -أيضاً- عن التلازم بين الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم وبين جنده. والرسول القدوة صلى الله عليه وآله وسلم والذين أخذوا عنه. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجار والذين جاوروه وعاشوا معه. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والذين كانوا تحت سلطانه. سبق الحديث عن التلازم في الرسالة الأولى وإن شئت فقل في الفصل الأول ([2]). أيها القارئ الكريم: لا شك ولا ريب لديك بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام خير قيام بما أمره الله سبحانه وتعالى من إبلاغ الرسالة، وتزكية أصحابه وتعليمهم وغير ذلك، ومن ثمار هذه التزكية تلك الخصال الحميدة التي أصبحت سجية للصحابة رضي الله عنهم. ويكفي أنهم خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]. فتأمل قوله سبحانه: ((أُخْرِجَتْ)) [آل عمران:110] مَن الذي أخرجهم وجعل لهم هذه المنزلة؟ وهذا مثل قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143]. والآيات التي أنزلها الله تعالى في وصفهم والثناء عليهم وذِكْرهم كثيرة جداً، وقد سبق الحديث عن بعض مواقفهم وما نزل فيها من آيات فلا داعي للتكرار. ----------------- ([1]) بوب المجلسي في بحار الأنوار باباً سماه: "باب أن الأئمة أعلم من الأنبياء" (2 /82). وانظر: أصول الكافي (1 /227). ([2]) الرسالة الأولى بعنوان: (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). من صفات أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيها القارئ الكريم: تذكر أن هؤلاء جيلٌ فريد، فقد حصلت لهم مزايا لا يمكن أن تحصل لغيرهم، فقد فازوا بشرف الصُحبة، صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي ربّاهم وعلّمهم وأدّبهم، وبهم جاهد الكفار، وهم الذين نصروه. ونقف مع صفة واحدة من صفاتهم ينبغي أن تدرس وتشرح ويسود ذكرها وتصبح معلومة لدى المسلمين على اختلاف فرقهم وطوائفهم! أتدري ما هي تلك الصفة؟ إنها صفة الرحمة. والسؤال: لماذا الحديث عن تلك الصفة؟ هل فكرت معي أيها المطالع الكريم عن سر هذه الصفة العزيزة؟ إنك ستجد -ولا شك- أسباباً كثيرة للحديث عنها، ولكني أذكر لك هاهنا عدة أسباب بُغية الاختصار لهذه الرسالة. أما السبب الأول: فهو لذات الصفة وما فيها من معانٍ، وما ورد فيها من آيات وأحاديث وآثار عن سيد الأبرار صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، فربنا سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم. وقد قال سبحانه في وصف الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:128]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لا يَرحم لا يُرحم) متفق عليه. والحديث عن ذات الصفة يطول، والنصوص الواردة فيها كثيرة لا تخفى عليك. السبب الثاني: أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الصفة في الثناء على أصحاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اختيار هذه الصفة دون غيرها حِكمٌ وفوائد بالغة الأهمية، ومن الإعجاز العلمي وصفهم بتلك الصفة. ومن تأمل فيها ظهر الإعجاز، وذلك أن النص جاء في تخصيص ذكر صفة الرحمة الموجودة فيما بينهم. لماذا ذكر الله تلك الصفة دون غيرها؟؟ لأن فيها الرد على الطعون التي لم تكن قد ظهرت وسُطرت في الكتب، وأصبحت فيما بعد أحاديث القصاصين ومَن جاء بعدهم. والله أعلم. قال الله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29]. السبب الثالث: أن تقرير هذه الحقيقة -أعني أن أصحابه رحماء بينهم، وأن صفة الرحمة متأصلة في قلوبهم- يرد الروايات والأوهام والأساطير التي صَوَّرت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنهم وحوش فيما بينهم، وأن العداوة بينهم هي السائدة!! نعم. إذا تأصل لديك أن الصحابة رحماء بينهم، واستقر ذلك في سويداء قلبك اطمأنَّ القلب، وخرج ما فيه من غلٍّ للذين أمر الله تعالى بالدعاء لهم، قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]. السبب الرابع: من الأصول المعتمدة لدى الباحثين: الاهتمام بالمتن مع السند، والبحث في متون الروايات بعد ثبوت أسانيدها وعرض الروايات على نصوص القرآن والأصول الكُلية في الإسلام، وكذلك الجمعُ بين الروايات، هذا هو منهج الراسخين في العلم. فلا بد من اعتماد هذا المنهج في دراسة الروايات التاريخية، ولكن للأسف الشديد قد أهمل الباحثون دراسة الأسانيد، واكتفوا بوجود الروايات في بطون كتب التاريخ والأدب!! والذين اهتموا بالأسانيد منهم من غَفَل عن النظر في المتون ومعارضتها للقرآن. أيها القارئ الكريم: قبل أن تحكم وتتعجل في توزيع الاتهامات، بل والأحكام معتمداً على رصيدك التاريخي والمعلومات الأسرية بل والشحن العاطفي - تمهل وطالع الأدلة التي ذكرتها هنا، وهي غير مألوفة مع وضوحها، وقربها، وقوة معانيها ودلالاتها، فهي تستند إلى الواقع المحسوس، وكذلك قوة النص القرآني، فهذه آخر آية في سورة الفتح: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]. وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] فاتل الآية وتأمل في معانيها يا رعاك الله! --------------- المبحث الأول : دلالة التسمية الاسمُ له إشارة على المسمى، وهو عنوانه الذي يُميزه عن غيره، وقد جرت عادة الناس على العمل به؛ فلا يشك عاقل في أهمية الاسم، إذ به يعرف المولود ويتميز عن إخوانه وغيرِهم، ويصبح علماً عليه وعلى أولاده من بعده، ويفنى الإنسان ويبقى اسمه. والاسم مشتق من السمو، بمعنى العلو، أو من الوَسْم، وهو العلامة. وكلها تدل على أهمية الاسم للمولود. وأهمية الاسم للوالد لا تخفى، منها: الدلالة على دينه وعقله، فهل سمعت بأن النصارى أو اليهود تسمي أولادها محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ أو أن المسلمين يسمون أولادهم اللات والعزى إلا من شذ؟ فالابن يرتبط بأبيه من خلال الاسم، وينادي الأب والأهلُ وَلَدَهُم باسمه الذي اختاروه، فيكثر استعمال الاسم بين أفراد الأسرة، وقديماً قيل: (من اسمك أَعرفُ أباك) ([1]). أهمية الاسم في الإسلام: ويكفي لمعرفة أهمية الاسم اهتمام الشريعة بالأسماء، فقد غيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسماء بعض الصحابة من الرجال والنساء، بل غيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اسم مدينته التي كانت تسمى يثرب إلى المدينة، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التسمية بملك الأملاك ونحوه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أخنع اسمٍ عند الله رجلٌ تسمى ملك الأملاك)، وأرشد الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم إلى التسمية باسم عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما مما فيه إشعار المسمى بعبوديته لله عز وجل، وكذلك تعبيد المرء لله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن). وكان رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الاسم الحسن ويتفاءل به، وهذا معروف من هديه عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام. ومن المقرر لدى علماء الأصول واللغة أن الأسماء لها دلالات ومعانٍ، وبحث تلك المسألة في كتب اللغة وأصول الفقه، فقد أطال العلماء رحمهم الله في بحث المسألة وما يتعلق بها ويتفرع عنها من مسائل كثيرة. هل يعقل..؟!! أيها القارئ الكريم: لا تعجل ولا تستغرب، وَاصِل معيَ القراءة وإجابات الأسئلة: بماذا تسمي ولدك؟؟ هل تختار لولدك اسماً له معنى محبب عندك وعند أمه وأهله أم تسمي ولدك بأسماء أعدائك؟ يا سبحان الله!! نختار لأنفسنا أسماء لها دلالة ومعنى لدينا، والذين هم من خير الناس نرفض ذلك في حقِّهم ونقول: لا؛ هم اختاروا أسماء أولادهم لأسباب سياسية واجتماعية على غير ما اعتاده الناس؛ فاختيار الأسماء عندهم لا دلالة له؟!! عقلاء الأمة وسادتها، وأصحاب العزة في أنسابهم وأنفسهم يُحرمون من أبسط المعاني الإنسانية، فلا يسمح لهم أن يسموا أولادهم بأسماء أحبابهم وإخوانهم اعترافاً بفضلهم ومحبتهم، بل يسمون بعض أولادهم بأسماء أعدائهم!! هل تصدق ذلك؟؟ وللعلم: ليست تسمية عابرة لفرد، بل لمجموعة أولاد، وليست بعد نسيان العداوة بعد قرون، لا. بل جاءت التسمية في وقت ذروة العداوة -هكذا زعموا- ونحن نقول: بل في وقت ذروة المحبة.. وهذه مسألة مهمة لا بد من دراستها والاهتمام بها؛ لأن فيها دلالات كبيرة جداً، وفيها الرد على الأساطير والأوهام، والقصص الخيالية، وفيها مخاطبة للنفس والعاطفة وإقناع للعقلاء؛ فلا يمكن ردها ولا تأويلها. وبعد ذلك إليك المقصود: - سيدنا علي؛ من فرط محبته للخلفاء الثلاثة سمى بعض أولاده بأسمائهم وهم: - أبو بكر بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام. - عمر بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام. - عثمان بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام. - وأما الحسن عليه السلام فقد سمى أولاده: أبا بكر بن الحسن.. عمر بن الحسن.. طلحة بن الحسن، وكلهم شهدوا كربلاء مع عمهم الحسين عليه السلام. - والحسين عليه السلام سمى ولده: عمر بن الحسين. - وسيد التابعين علي بن الحسين زين العابدين الإمام الرابع عليه السلام سمى ابنته: عائشة، وسمى ابنه عمر، وله ذرية من بعده([2]). وكذلك غيرهم من آل البيت من ذرية العباس بن عبد المطلب، وذرية جعفر بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل، وغيرهم، وليس هنا محل استقصاء الأسماء، بل المراد ذِكر ما يدل على المقصود، وقد سبق ذكر أولاد علي والحسن والحسين عليهم السلام. المناقشة: من الشيعة من ينكر: أن علياً وأولاده عليهم السلام سموا أولادهم بهذه الأسماء، وهذا صنيع من لا عِلم له بالأنساب والأسماء، وصلته بالكتب محدودة. وهم قلة ولله الحمد. وقد رد عليهم كبار أئمة الشيعة وعلمائهم؛ لأن الأدلة على وجود هذه الأسماء قطعية من الواقع: من وجود ذرياتهم، ومن خلال كتب الشيعة المعتمدة، حتى الروايات في مأساة كربلاء، حيث استشهد مع الإمام الحسين أبو بكر بن علي بن أبي طالب، وكذلك أبو بكر بن الحسن بن علي عليهم السلام. ومن سبق ذكرهم. فهؤلاء استشهدوا مع الحسين، وقد ذكر ذلك الشيعة في كتبهم، ولا تقل: إنك لا تسمع هذه الأسماء في الحسينيات، وفي المأتم أيام عاشوراء، فإن عدم ذكرهم لا يعني عدم وجودهم. وقد كان عمر بن علي بن أبي طالب وعمر بن الحسن من الفرسان المشهود لهم بالبلاء في ذلك اليوم. المهم أن مسألة (تسمية الأئمة عليهم السلام أولادهم بأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من كبار الصحابة) هذه المسألة لا نجد لها جواباً شافياً مقنعاً عند الشيعة، فلا يمكن أن نجعل الأسماء لا دلالة لها ولا معنى، ولا يمكن أن نجعل المسألة (دسيسة) قام بها أهل السنة في كتب الشيعة؛ لأن معنى ذلك الطعن في جميع الروايات في كل الكتب، فكل رواية لا تُعجب الشيعة يمكن أن يقولوا: هي دسيسة وكذب. بل يطّرد القول في كل رواية لا توافق هوى ذاك العالم فيردّها بكل بساطة ويقول: هي دسيسة!! لا سيما أن لكل عالم الحق في قبول الروايات أو ردها، فلا ضابط لذلك عندهم. ومن الطرائف المضحكة المبكية أنه قيل: إن التسمية بأسماء كبار الصحابة الذين تقدم ذكرهم لأجل سبّهم وشتمهم!! قيل: إن التسمية لأجل كَسْب قلوب العامة، فالإمام سمى أولاده لكي يشعر الناس بمحبته للخلفاء ورضاه عنهم!!! (أي: تقية). يا سبحان الله! هل يجوز لنا أن نقول بأن الإمام يفعل أعمالاً يغرر أصحابه وعامة الناس بها؟؟ وكيف يقوم الإمام بالإضرار بذريته لأجل هذا؟؟ ومن هم الذين يداريهم الإمام بهذه الأسماء؟ تأبى شجاعته وعزته عليه السلام أن يهين نفسه وأولاده لأجل بني تيم أو بني عدي أو بني أمية. والدارس لسيرة الإمام يدرك حق اليقين أن الإمام من أشجع الناس، بخلاف الروايات المكذوبة التي تجعل منه جباناً لا يثأر لدينه ولا لعرضه ولا لكرامته، وما أكثرها للأسف الشديد. النتيجة: إن ما قام به الأئمة: علي وبنوه عليهم السلام من أقوى الأدلة العقلية والنفسية والواقعية على صدق محبة آل البيت للخلفاء الراشدين وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت بنفسك تعيش هذا الواقع فلا مجال لرده، وهذا الواقع مصدّق لقوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29]. أيها القارئ الكريم: غير مأمور أعد تلاوة الآية وتدبر في معانيها، وتأمل في صفة الرحمة. ----------------- ([1]) انظر: تسمية المولود للعلامة الشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد. ([2]) انظر: كشف الغمة (2/334)، الفصول المهمة (283)، وكذلك سائر الأئمة الاثني عشر تجد هذه الأسماء في ذريتهم، وقد تحدث علماء الشيعة عن ذلك وذكروا الأسماء يوم الطف من (17-185). انظر على سبيل المثال: إعلام الورى للطبرسي (203)، والإرشاد للمفيد (186)، وتاريخ اليعقوبي (2/213). \المبحث الثاني : المصاهرة أيها القارئ الكريم: ابنتك فلذة كبدك، وثمرة الفؤاد، تجعلها عند من؟ هل ترضى أن تجعلها عند فاجر مجرم بل قاتل أمها أو أخيها؟ ماذا تعني لك كلمة صهري.. نسيبي؟ المصاهرة لغةً: مصدر صاهر، يقال: صاهرت القوم إذا تزوجت منهم، قال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والإخوة...إلخ ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضاً. فصهر الرجل قرابة امرأته، وصهر المرأة قرابة زوجها. الخلاصة: إن المصاهرة في اللغة: قرابة المرأة وقد تطلق على قرابة الرجل، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى من آياته، قال الله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً)) [الفرقان:54]. تأمل في الآية وكيف أن ذلك الإنسان (بشراً) جعله الله يرتبط بغيره بالنسب والمصاهرة، فالمصاهرة رباط شرعي جعله الله قرين النسب، والنسب هم قرابة الأب، ومن العلماء من يرى أن النسب مطلقُ القرابة. فتذكر أن الله قرن بين النسب والصهر، وهذا له دلالات عظيمة فلا تغفل عنها. المصاهرة تاريخياً: للمصاهرة لدى العرب منزلة خاصة، فهم يرون التفاخر بالأنساب، ومنه التفاخر بأزواج بناتهم ومنزلتهم. والعرب لا يزوّجون من يرونه أقل منزلة منهم، هذا هو المشهور عنهم، بل يوجد ذلك لدى طوائف كثيرة من العجم، ويعتبر التميّز العنصري اليوم أشد المشاكل الاجتماعية لدى الغرب. والعرب تغار على نسائها مما قاد بعضهم إلى وأد بناته الصغيرات خوفاً من العار، كانت تراق الدماء وتنشب الحروب لأجل ذلك. ولا تزال آثارها إلى اليوم باقية كما لا يخفى عليك أيها القارئ، وهذه إشارة تغني عن طول العبارة. المصاهرة في الإسلام: جاء الإسلام فقرر معالي الأمور، فأمر بالصفات الحميدة ونهى عن القبيح، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن العبرة بالتقوى، قال الله تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] وهذا في الميزان الشرعي. وتجد الفقهاء رحمهم الله قد بحثوا موضوع الكفاءة في الدين والنسب والحرفة وما يتعلق بها في مباحث مطولة، ومنها: هل تعتبر الكفاءة شرطاً لصحة العقد أو لزومه، وهل هي حق للزوجة أو يشاركها الأولياء؟ وغير ذلك من المباحث في كلامهم عن النكاح. أما في مسألة صيانة العِرض والغيرة على النساء فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل المقتول دون عرضه شهيداً، وقاد الحرب بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم لأجل المرأة التي عبث اليهود بسترها، والقصة مشهورة في نقض بني قينقاع العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلاصتها أن يهودياً طلب من فتاة تشتري منه ذهباً أن تكشف عن وجهها فرفضت، فقام بعقد طرف ثوبها وهي جالسة لا تشعر، فلما قامت انكشفت، فصرخت تطلب الغوث، وكان بالقرب منها شاب مسلم فقام إلى اليهودي فقتله، واجتمع اليهود عليه فقتلوه، مع أسباب أخرى ظهرت منهم دلّت على نقضهم العهد. أيها القارئ الكريم: تأمل في بعض الأحكام الشرعية مثل اشتراط الولي في عقد النكاح والإشهاد عليه، بل وحد القذف، وحد الزنا، وغيرها من الأحكام التي فيها حفظ العِرض، ومن خلال التفكير في تلك الأحكام وما فيها من حِكم وآثار، وما فيها من تشريعات بديعة يظهر لك أهمية هذا الموضوع. والمصاهرة تترتب عليها الأحكام الكثيرة، وتأمل في تشريع عقد النكاح (الميثاق الغليظ): يقوم الرجل بالخطبة ولها أحكامها، فقد يُقبل أو يرد، ويستعين الخاطب بأهله وأصحابه لأجل الحصول على الموافقة، ويسأل الأهل وأولياء المرأة عن الخاطب، ولهم الحق في قبوله أو رده، حتى ولو دفع هدايا أو عَجَّل بدفع المهر ونحو ذلك فلهم رد الخاطب مادام العقد لم يتم. والعقد لا بد فيه من شهود، وإشهار النكاح مطلب شرعي، لماذا؟ لما يترتب على النكاح من أحكام، فهو يقرب البعيد ويجعلهم أصهاراً، ويحرم على الزوج نساء بسبب النكاح على التأبيد، أو مادامت الزوجة بذمته، ولا يسمح منهج هذه الرسالة بإطالة البحث، وإنما المقصود التذكير بأهمية الموضوع لأجل ما بعده.. فتأمل في الآتي: المثال الأول: أخت الحسن والحسين زوّجها أبوها علي عليهم السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهل نقول بأن علياً عليه السلام زوج ابنته خوفاً من عمر؟! أين شجاعته؟ وأين حبه لابنته؟؟ أيضع ابنته عند ظالم؟؟ أين غيرته على دين الله؟ أسئلة كثيرة لا تنتهي، أم نقول: إن علياً عليه السلام زوّج ابنته لعمر رغبة في عمر وقناعة به، نعم. تزوج عمر ببنت علي عليه السلام زواجاً شرعياً صحيحاً لا تشوبه شائبة([1])، ويدل هذا الزواج على ما بين الأسرتين من تواصل ومحبة، كيف لا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجاً لبنت عمر؟! فالمصاهرة قائمة بين الأسرتين قبل زواج عمر بأم كلثوم. المثال الثاني: يكفي قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (ولدني أبو بكر مرتين) هل تعرف من هي أم جعفر؟ إنها فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ([2]). أيها اللبيب: لماذا قال جعفر عليه السلام: (أبو بكر) ولم يقل: محمد بن أبي بكر؟ لقد صرح باسم أبي بكر؛ لأن بعض الشيعة ينكر فضله، وأما ابنه محمد فالشيعة متفقون على فضله، فبالله عليك بمن يفتخر الإنسان؟!. أيها القارئ الكريم: التداخل بين أنساب الصحابة من المهاجرين والأنصار يعرفه كل من له اطلاع على أنسابهم، حتى الموالي منهم، فقد تزوجوا من سادات قريش وأشرافهم، فهذا زيد بن حارثة رضي الله عنه -وهو الصحابي الوحيد الذي جاء ذكر اسمه في القرآن في سورة الأحزاب- من هي زوجته؟ إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش. وهذا أسامة بن زيد زوَّجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفاطمة بنت قيس وهي قرشية([3]). وهذا سالم مولى، زوّجه أبو حذيفة رضي الله عنه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، ووالدها سيد من سادات قريش ([4]). والحديث عن المصاهرة بين الصحابة يطول جداً، وأكتفي بذكر أمثلة يسيرة في التزاوج بين آل البيت والخلفاء الراشدين: هل تعلم أن سيدنا عمر رضي الله عنه تزوج بنت فاطمة بنت رسول الله عليها وعلى أبيها أفضل الصلاة والسلام؟ أم جعفر الصادق عليه السلام سبق ذكرها، ومن هي جدته الكبرى؟ كلتاهما حفيدة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. أيها القارئ الكريم: دع عنك وسوسة الشياطين، وعليك بالتفكير الجاد والعميق، فأنت مسلم ومنزلة العقل لا تخفى عليك، والآيات التي فيها الحث على التدبر والأمر بالتفكر كثيرة وليس هنا محل بسطها. لذا علينا أن نفكر بعقولنا، ونترك التقليد، ولنحذر أن يعبث العابثون بعقولنا، نعوذ بالله السميع العليم من شياطين الإنس والجن. أيها القارئ الحبيب: هل ترضى أن يُسب أبوك وأجدادك وأن يقال: إن سيدة نسائك تزوجت بالرغم عن أنوف عشيرتك كلهم؟ هل ترضى أن يقال بأن ذلك فَرج غصبناه؟؟ الأسئلة لا تنتهي، أي عقل يرضى بهذا الهراء؟! وأي قلب يقبل هذه الرواية؟! فنسأل الله أن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم ارزقنا محبة الصالحين من عبادك أجمعين، اللهم آمين يا رب العالمين. وقبل المبحث الثالث: إليك بعض النصوص من كتب الشيعة المعتمدة لديهم ومن علمائهم المعتبرين التي فيها إثبات زواج عمر من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم. قال الإمام صفي الدين محمد بن تاج الدين (المعروف بابن الطقطقي الحسني (ت:709ه) نسابة ومؤرخ وإمام) في كتابه الذي أهداه إلى أصيل الدين حسن بن نصير الدين الطوسي صاحب هولاكو وسمي الكتاب باسمه - قال في ذكر بنات أمير المؤمنين علي عليه السلام: (وأم كلثوم أمها فاطمة بنت رسول الله تزوجها عمر بن الخطاب فولدت له زيداً ثم خلف عليها عبد الله بن جعفر) (ص:58). وانظر كلام المحقق السيد مهدي الرجائي فقد نقل نقولات ومنها تحقيق العلامة أبي الحسن العمري -نسبة إلى عمر بن علي بن الحسين- في كتابه المجدي، قال: (والمعول عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفا من أن العباس بن عبد المطلب زوجها عمر برضى أبيها عليه السلام وإذنه، وأولدها عمر زيداً).اه. وذكر المحقق أقوالاً كثيرة منها: أن التي تزوجها عمر شيطانة، أو أنه لم يدخل بها، أو أنه تزوجها بالقوة والغصب... إلخ. وقال العلامة المجلسي: (...وكذا إنكار المفيدِ أصلَ الواقعة؛ إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود تلك الأخبار وما سيأتي بأسانيد أن علياً عليه السلام لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته وغير ذلك مما أوردته في كتاب بحار الأنوار، إنكار عجيب، والأصل في الجواب هو أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار... إلخ) (ج2ص:45 من مرآة العقول). قلت: قد ذكر صاحب الكافي في كافيه عدة أحاديث منها -باب المتوفى عنها زوجها المدخول بها أين تعتد وما يجب عليها-: حميد بن زياد عن ابن سماعة عن محمد بن زياد عن عبد الله بن سنان ومعاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها أتعتد في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، إن علياً عليه السلام لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته)(انظر: الفروع من الكافي ج6ص115). أيها القارئ الكريم: لقد خاطبت بعض علماء الشيعة المعاصرين عن الزواج، ومن أجمل الردود ما سطره قاضي محكمة الأوقاف والمواريث الشيخ عبد الحميد الخطي، قال ما نصه: (وأما تزويج الإمام علي عليه السلام فارس الإسلام ابنته أم كلثوم فلا نشاز فيه، وله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة لكل واحد من المسلمين، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة رضي الله عنها بنت أبي سفيان، وما كان أبو سفيان بمنزلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما يثار حول الزواج من غبار فلا مبرر له على الإطلاق. وأما قولكم: إن شيطانة تتشكل للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتقوم مقام أم كلثوم، فهذا قول مضحك مبكٍ، لا يستحق أن يعنى به ولا يقام له، ولو تتبعنا مثل هذه الخرافات التي تنسج لَرَأَينا منها الشيء الكثير الذي يضحك ويبكي). اهـ. ولم يتعرض الشيخ لقضية البحث، وهي دلالة المصاهرة في الترابط الأسري، وأنها لا تكون إلا عن قناعة، وأن فيها دلالة على المحبة والأخوة والتآلف بين الأصهار. ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أن الفرق في غاية الوضوح بين زواج المسلم من كتابية: فهذا جائز، وأما زواج الكتابي من مسلمة فإنه لا يجوز.. فتأمل ذلك. الخلاصة: إن المصاهرة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غاية الوضوح، ولا سيما بين ذرية الإمام علي عليه السلام وذرية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكذلك المصاهرة مشهورة بين بني أمية وبين بني هاشم قبل الإسلام وبعده، وأشهرها زواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بنت أبي سفيان رضي الله عنهم. (انظر: الملاحق آخر الكتاب). والمقصود هنا الإشارة إلى شيء من الآثار النفسية والاجتماعية الناجمة عن المصاهرة والتي من أعظمها المحبة بين الصهرين، وإلا فإن الآثار كثيرة، ولعل فيما سبق كفاية وغنية عما لم يُذكر، وبالله التوفيق. -------------- ([1]) وسوف أذكر لك نقولات عن علماء الشيعة تؤكد هذا الزواج وترد على كل المطاعن. ([2]) وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. انظر: عمدة الطالبين (195) ط طهران، والكافي (1/472). ([3]) رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: (2/1114-1119) (1480). ([4]) رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (4/1469، 5/1957) (3778، 4800). المبحث الثالث : دلالة الثناء أيها القارئ الكريم: هل عشت في غربة مع رفقةٍ من أهلك وعشيرتك بل من قريتك؟ كيف عشتم سنوات الغربة؟؟ هل عشت في ثكنة عسكرية مع هؤلاء أو مع أحبابك؟؟ أيها القارئ الكريم: هل عشت في فقر واضطهاد مع أصحابك الذين اجتمعت معهم برباط عقائدي يجمع بين العقل والعاطفة؟ ما رأيك فيمن عاش هذه المواقف كلها، وكانوا كلهم رفقة أصحاباً في السراء والضراء، بل معهم خير البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا سيما السابقين عاشوا تلك المواقف، فكانت حياتهم الاجتماعية مختلفة، ولها طابعها الخاص، الذي يعرفه كل من درس السيرة، أو كان له اهتمام بسيط بحياة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. أيها القارئ الكريم: لعلك وأنت تقرأُ هذه الأسطر تنتقل معي إلى أعماق التاريخ، لمّا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة في دار الأرقم والدعوة سرية، ثم لمّا ظهر الإسلام هناك، ثم لما هاجر أصحابه الكرام إلى الحبشة بلاد الغربة وبعدها إلى المدينة، لقد تركوا الأهل والأموال والوطن، فتأمل حالهم في الأسفار البعيدة الشاقة وهم على الإبل وسيراً على الأقدام، عاشوا جميعاً الخوف والحصار في المدينة في غزوة الخندق، وقطعوا البيداء والقفار في غزوة تبوك، عاشوا مرحلة الانتصارات في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين وقبلها مكة وغيرها. تأمل في الآثار النفسية: كيف تكون المودة والصحبة بينهم؟ ولا يغب عن ذهنك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وهو القائد لهم والمربي والمعلم، وليكن حاضراً في ذهنك أن القرآن ينزل من رب السموات والأرض إلى قائد هذه المجموعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. تأمل في هؤلاء: اجتمعت قلوبهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتآلفت.. قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتربيتهم وعاش معهم والقرآن ينزل عليهم؛ فتصور معي تلك المواقف والأيام. ولقد سبق الحديث عنها في الرسالة الأولى (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). لا شك أن الوفاق والوئام والمحبة هي السائدة بينهم، قال الله تعالى: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)) [آل عمران:103]. لو تكرمت تَدَبَّر في معانيها: شهادة من الله سبحانه وتعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ((فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)) [آل عمران:103] هذه منّة من الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا رادَّ لفضل الله. نعم كانت العداوة بين الأوس والخزرج مشتعلة، ولكن الله سبحانه وتعالى أزال هذه العداوة وجعل بدلاً منها محبة ووئاماً. أيها القارئ الكريم: ما يضرك أن تؤمن بهذا، وأن تحسن الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ربهم سبحانه يَشْهَد لهم وَيُذَكِّرهُم بفضله عليهم، من جعلهم إخوة صافية قلوبهم، استقر فيها التآلف والمحبة والوئام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدل على العموم الآية التالية: قال الله تعالى: ((وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال:63]. أيها القارئ الكريم: تأمل في الآية وكرِّر تلاوتها ففيها ذكر الفضل من الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر وبالمؤمنين، والذي يهمنا هنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو أنفق مال الأرض جميعاً ما حصل له ذلك، ولكن الله سبحانه هو صاحب الفضل، ومع ذلك يوجد من ينكر ذلك وتأبى نفسه إلا مخالفة النصوص، والزعم أن العداوة هي السائدة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الله عز وجل يخبرنا بأنه ألّف بين قلوبهم، وألف بينهم، وجعلهم إخواناً، وجعلهم رحماء بينهم، ومع ذلك تكرر الأساطير والأخبار بأن العداوة بينهم قائمة!! وقد جاءت آيات كثيرة -سبق ذكر بعضها- في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، وآيات في ذكر أوصافهم وأفعالهم، ومنها الإيثار الناتج عن المحبة: قال الله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8] ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9]. وما سبق فيه إشارة إلى بعض النصوص القرآنية وهي كثيرة، وقد اقتصرنا على ما يدل على المحبة، ويؤكد وجودها، وأنها متأصلة في قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما لا يخفى عليك فإن الإيثار، والأخوة، والموالاة، وألفة القلوب، كل هذه المعاني وردت فيها نصوص قرآنية وهي تؤكد على صفة المحبة، وقد جاء أكثر من نص قرآني صريح فيها؛ فتأمل الآية السابقة ففيها إثبات محبة الأنصار للمهاجرين، وتأمل في آخر آية من سورة الفتح. وبعد: إليك هذه القصة التي رواها علي الأربلي في كتابه كشف الغمة (ج2/ 78 ط إيران) عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا:لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10] اخرجوا عني، فعل الله بكم). اهـ. فهذا فهم زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام وهو من التابعين، وقد امتلأت الكتب في ثناء بعضهم على بعض: كتب أهل السنة وكذلك كتب الشيعة، والدارس لكتاب نهج البلاغة يجد خطباً كثيرة وإشارات صريحة كلها في الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اخترت واحدة منها لما فيها من اقتباس من القرآن الكريم. قال الإمام علي عليه السلام: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب) اهـ. وكلامه عليه السلام في الثناء عليهم يطول، ولحفيده الإمام زين العابدين رسالة ضمّنها الدعاء لهم والثناء عليهم، وتجد لكل إمام من الأئمة عليهم السلام أقوالاً كثيرة في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، بل قد جاءت روايات كثيرة عنهم فيها التصريح بالثناء على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين وغيرهم، ولو جمعت لجاءت في مجلدات. أيها القارئ الكريم: لقد أكثرت عليك الكلام مع حرصي على الاختصار فأرجو المعذرة! وأسأل الله الكريم أن ينفعني وإياك به، ولكن لا بد من بيان الحقيقة متكاملة، وآمل أن تصبر معي قليلاً؛ فإن الرسالة أوشكت على الانتهاء، وبقيت وقفة مختصرة لبيان منزلة آل البيت لدى أهل السنة والجماعة؛ لكي تعلم وفقك الله تعالى بأن أهل السنة حريصون كل الحرص على التمسك والعمل بالقرآن الكريم (الثقل الأكبر) وهم كذلك متمسكون بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (العترة) وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة. ففيما سبق تأكيد للرحمة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، وفيهم أقاربه وخواصه الذين دخلوا معه في الكساء، وفي الوقفة الآتية إيضاح لبعض حقوقهم كما قررها علماء السنة رحمهم الله تعالى. موقف أهل السنة من آل البيت عليهم السلام مطلب في التعريف اللغوي والاصطلاحي: آل البيت أهل الرجل، والتأهل: التزوج، قاله الخليل([1]). وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام من يدين به([2]). أما الآل: فجاء في معجم مقاييس اللغة قوله: آل الرجل: أهل بيته([3]).. وقال ابن منظور: "وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله: أولياؤه، أصلها (أهل) ثم أبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل) فلما توالت الهمزتان أبدلت الثانية ألفاً"([4]) وهو لا يضاف إلاّ إلى ما فيه شرف غالباً، فلا يقال (آل الحائك) خلافاً لأهل، فيقال: أهل الحائك. وبيت الرجل داره ([5])، وإذا قيل: البيت انصرف إلى بيت الله الكعبة؛ لأن القلوب -قلوب المؤمنين- تهوي إليه، والنفوس تسكن فيه، وهو القبلة، وإذا قيل: (أهل البيت) في الجاهلية انصرف إلى سكانه خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: (أهل البيت) فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([6]). ما المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ اختلف العلماء في تحديد آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال أشهرها: 1- هم الذين حرمت عليهم الصدقة. قاله الجمهور. 2- هم ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته، واختاره ابن العربي في أحكام القرآن وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول من أخرج زوجاته. 3- إن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، وانتصر له الإمام النووي في شرحه على مسلم، وكذلك صاحب الإنصاف، ومن العلماء من حصره في الأتقياء من أتباع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. والراجح القول الأول. سؤال: من هم الذين حرموا الصدقة؟؟ هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا الراجح، وبه قال الجمهور، ومن العلماء من قصره على بني هاشم فقط دون بني المطلب. والمراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية هم الأئمة الاثني عشر فقط دون غيرهم، ولهم تفصيلات وتفريعات ليس هنا محل بسطها، فإن الخلاف بين فِرَقهم كبير في هذه المسألة ولأجلها حصل التفرق. (راجع كتاب: فرق الشيعة للنوبختي). عقيدة أهل السنة في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: لا تكاد تجد كتاباً من كتب العقيدة التي فيها شمول لمسائل الاعتقاد إلا وتجد فيها النص على هذه المسألة، وذلك لما لها من أهمية، وقد كتب فيها العلماء رسائل مستقلة لأهميتها. وخلاصة الكلام في عقيدة أهل السنة ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وهي رسالة مختصرة جداً، ومع ذلك قال فيها رحمه الله: «ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)([7]) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)([8])، وقال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) » ([9]) اهـ. وأكتفي بهذا النص عن إمام يرى كثير من الشيعة أنه من أشد أهل السنة عداوة لهم؛ لأجل كتابه منهاج السنة الذي كتبه رداً على ابن المطهر الحلي. وتفصيل حقوقهم على النحو الآتي: أولاً: حق المحبة والموالاة: أيها القارئ الكريم: لا يخفى عليك أن محبة كل مؤمن ومؤمنة واجب شرعي، وأما ما سبق ذكره من محبة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموالاتهم فهذه محبة وموالاة خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لقرابتي). أما الأولى التي لله وهي الأخوة الإيمانية والموالاة فهذه للمسلمين عامة، فإن المسلم أخو المسلم، فهي تشمل جميع المسلمين بما فيهم آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرابته محبة خاصة بهم؛ لأجل قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] وهذا معنى الحديث السابق على المعنى الصحيح في الآية؛ لأن من المفسرين من قال: تحبونني لقرابتي فيكم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له قرابة بجميع بطون قبائل قريش. المقصود أن محبتهم وموالاتهم وتوقيرهم لأجل قرابتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة، وهي غير الموالاة العامة لأهل الإسلام. ثانياً: حق الصلاة عليهم: فمن حقوقهم الصلاة عليهم، قال الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:56]. وروى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علمتم) ([10]). ومثله حديث أبي حميد الساعدي المتفق عليه. والأدلة على ذلك كثيرة، قال ابن القيم رحمه الله: إنها حق لهم دون سائر الأمة، بغير خلاف بين الأئمة. اهـ([11]) وهذا في الصلاة الإبراهيمية. ثالثاً: حق الخمس: وكذلك لهم الحق في الخُمس، قال الله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) [الأنفال:41]. والأحاديث كثيرة، وهذا سهم خاص بذي القربى، وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح([12]). فائدة: الحقوق كثيرة، وقد أشرنا إلى أهم تلك الحقوق، وهذه الحقوق يستحقها من ثبت إسلامه ونسبه، فلا بد من ذلك، ولا بد من حسن العمل. وكان رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من الاعتماد على النسب، كما فَعَلَ في مكة في القصة المشهورة لما قال: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! لا أغني عنكِ من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئاً) رواه البخاري، ومعلوم ما نزل في أبي لهب نعوذ بالله من النار. ----------------- ([1]) انظر: كتاب العين (4/89). ([2]) الصحاح (4/1628)، ولسان العرب (11/ 28). ([3]) معجم مقاييس اللغة (1/161). ([4]) لسان العرب (11/ 31)، وبنحوه الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن (30). ([5]) لسان العرب (2/14). ([6]) المفردات في غريب القرآن (29)، وقد أطال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله الكلام عن هذا في مصنف خاص بهذا الشأن (جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام) فارجع إليه، وإلى مقدمة المحقق، فقد ذكر الكتب التي صنفت في هذا الموضوع، وهذا يدلك على اهتمام علماء السنة بهذا. ([7]) رواه مسلم وغيره.في كتاب فضائل الصحابة: باب فضل علي عليه السلام (4/1873) (2408). ([8]) رواه أحمد في فضائل الصحابة، وأطال محققه الكلام فيه، والمهم أن معناه صحيح لدلالة الآية عليه. ([9]) رواه مسلم في صحيحه (4/1782) (2276). ([10]) رواه مسلم في كتاب الصلاة:باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/305)(405). ([11]) جلاء الأفهام، وقد بسط القول في ذلك رحمه الله. ([12]) انظر: المغني (9/288)، ورسالة صغيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية في "حقوق آل البيت". موقف أهل السنة والجماعة من النواصب فائدة: من إتمام الكلام عن مكانة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندنا معشر أهل السنة والجماعة نشير إلى بيان موقف أهل السنة والجماعة من النواصب، وذلك فيما يلي: النصب لغة: إقامة الشيء ورَفعِهِ، ومنه ناصِبَةُ الشرِّ والحرب. وفي القاموس: (النواصب والناصبة وأهل النصب المتدينون بِبُغض علي عليه السلام؛ لأنهم نصبوا له، أي: عادوه). وهذا أصل التسمية، فكل من أبغض آل البيت فهو من النواصب.. أيها القارئ الكريم: كلام علماء الإسلام صريح وواضح في الثناء على الإمام علي وبنيه عليهم السلام، وعقيدتنا أننا نشهد بأن علياً والحسن والحسين عليهم السلام في جنات النعيم، وهذا ظاهر ولله الحمد. وأشير هنا إلى موقف أهل السنة من النواصب، وبراءة أهل السنة من النصب، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأنها من أسباب الفرقة والاختلاف في الأمة، وتوجد طائفة من المستفيدين والمنتفعين بهذه الفرقة تتحدث بما يشعل الفرقة ويزيدها في كل مناسبة، بل وبدون مناسبة، بكل كلام يذكي وقودها ويشعل نارها، وهذا الكلام من البهتان والزور والكذب المحض. فتجد المتحدث يتهم أهل السنة بكراهية الإمام علي وبنيه عليهم السلام، ويطلق للسانه العنان في اختلاق الكذب، وأحسن أحواله أن يكرر ويردد الروايات والقصص الخيالية عن بغض أهل السنة للإمام علي عليه السلام. وأهل السنة يروون الأحاديث الكثيرة في فضائله، فلا تجد كتاباً في الحديث إلا وفيه ذكر فضائل الإمام علي عليه السلام ومناقبه. أيها القارئ الكريم: كلام أهل السنة في النواصب واضح، وأكتفي بنقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي يرى الشيعة أنه أشد علماء السنة عداوة لهم، حيث قد صنف أكبر موسوعة سنية في الرد على الشيعة. قال رحمه الله: (وكان سب علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية؛ كما رواه البخاري في صحيحه عن خالد الحذَّاء عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه! فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا، حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن). ورواه مسلم عن أبي سعيد أيضاً قال: (أخبرني من هو خير مني أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار -حين جعل يحفر الخندق جعل يمسح رأسه ويقول-: بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية). ورواه مسلم أيضاً عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (تقتل عماراً الفئة الباغية). وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته، وأن الداعية إلى طاعته داعٍ إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داعٍ إلى النار-وإن كان متأولاً- وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً أو باغٍ بلا تأويل، وهو أصح القولين لأصحابنا، وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين([1]). وتأمل في قوله الآتي: قال رحمه الله -بعد أن بسط القول في كلام أهل السنة في يزيد، وحرر المسألة، وبين اختلاف الناس فيه- قال ما نصه: (وأما من قتل الحسين، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([2]). فهذا كلام إمام من أئمة السلف؟!! فهل يمكن بعد ذلك لخطيب أو متعالم أن يطعن في أهل السنة ويقول بأنهم نواصب؟ وقفة: أخي المبارك: ربما ثار في نفسك تساؤلات كثيرة حول ما قرأت في هذه الرسالة، وما ثبت تاريخيّاً من وجود قتال في صفين والجمل بين الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إن في كل فريق طائفة منهم، وعامتهم أو أكثرهم مع علي ومن معه من آل بيته عليهم السلام، وهذه تحتاج إلى رسالة خاصة أسأل الله أن يعينني على إخراجها لبيان حقيقةِ تلك القضايا وغيرها. وأذكر نفسي وإياك بقول الله سبحانه: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الحجرات:9] ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات:10]. فأثبت لهم الإيمان مع وجود الاقتتال.. والآية صريحة لا تحتاج إلى تعليق ولا تفسير، فكلهم مؤمنون وإن حصل الاقتتال بينهم. وكذلك قوله سبحانه: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة:178] وهذا في قتل العمد.. فالله سبحانه وتعالى أثبت الأخوة الإيمانية بين القاتل وأولياء الدم، فجريمة القاتل الشنيعة -والتي ذكر الله عقوبتها الشديدة- لم تخرجه من دائرة الإيمان، فهو مع أولياء المقتول إخوة، والله يقول: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات:10]. والموضوع يحتاج إلى رسالة مستقلة -كما سبق ذكره- لعل الله أن ييسر إخراجها قريبا إن شاء الله تعالى. ------------ ([1]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (4/437). ([2]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (4/487). المصاهرات بين البيت الهاشمي وبين بقية العشرة المبشرين بالجنة المراجع…غيرهم…البيت الهاشمي…م المصادر كلها…عائشة بنت الصديق حفصة بنت عمر رملة بنت أبي سفيان…رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم…1 مصادر كثيرة جداً، وسبق النقل منها حديثاً…عمر بن الخطاب…أم كلثوم بنت علي…2 الأصل في أنساب الطالبيين (ص: 65) لابن الطقطقي عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص:118) لابن عتبة وغيرهما…عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان…فاطمة بنت الحسين…3 كافة المراجع الشيعية والسنية…العوام بن خويلد، وولدت له الزبير بن العوام قبل الإسلام…صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام…4 منتهى الآمال (ص:341) للشيخ عباس القمي وتراجم النساء للشيخ محمد حسين الحائري (ص:346) وغيرهما…تزوجها عبد الله بن الزبير وبقيت معه حتى مات عنها وبعد قتله أخذها أخوها زيد معه…أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب…5 منتهى الآمال (ص:342) لعباس القمي وتراجم النساء لمحمد الأعلى (ص:346) وغيرهما…تزوجها عمرو بن الزبير بن العوام…رقية بنت الحسن بن علي بن أبي طالب…6 تراجم النساء (ص: 361) لمحمد الأعلى…تزوج خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير…الحسين الأصغر بن زين العابدين…7 وغير ذلك كثير، وقصة زواج سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير تكفي شهرتها عن الخوض فيها، والمصاهرات من تتبعها وترجم لها فسيجد ما يملأ مجلدات، فهي كثيرة جداً. ------------ الخاتمة الحمد لله الذي منَّ علينا بحب النبي صلى الله عليه وآله الطيبين وأصحابه الأخيار. أيها الحبيب: بعد أن عشنا مع آل رسول الله الأطهار عليهم صلوات الله وسلامه، وأصحابه الأخيار عليهم رضوان الله تعالى، بعد أن عشنا معهم وأدركنا تراحمهم وما بينهم من صلة رحم ومصاهرة، ومودة، وأخوة، وتآلف قلوب، ذكرها الله في القرآن الكريم - علينا أن نجتهد في دعاء رب العالمين أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين قال فيهم في كتابه الكريم بعد أن أثنى على المهاجرين والأنصار، قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، وكما قال زين العابدين عليه السلام: (جاء إلى الإمام نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا:لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10]. اخرجوا عني، فعل الله بكم. اه) كشف الغمة (2/78) ط. إيران. إنه مهما ظهرت البينات ووضحت الحجة، فإن الإنسان لا يستغني عن مولاه عز وجل، فمن المعلوم أن الله عز وجل أيّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الباهرة، وبالقرآن الكريم الذي وصفه الله بالنور المبين، ومع حسن خلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقوة بيانه وفصاحته وما هو عليه من حسن مظهر ومخبر، ومعرفة أهل مكة له من طفولته إلى بعثته - ومع ذلك كله بقي كثير من أهل مكة على كفرهم حتى جاء الفتح. فعلينا أن نجتهد في الدعاء وطلب التوفيق والثبات على الحق واتباعه أينما كان؛ لأن الهداية من الله عز وجل. أخي الكريم: تذكر أنك مطالب بما أمرك الله به، والله محاسبك على ذلك؛ فاحذر أن تقدم كلام أي أحد من البشر على كلام الله سبحانه وتعالى، فقد أنزل لك القرآن بلسان عربي مبين وجعله هدى وشفاء للمؤمنين، وجعله عمى على غيرهم؛ كما قال سبحانه: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44]. فاهتد بهذا القرآن واجعله نصب عينيك، وفقك الله لمرضاته. أيها المبارك: حساب الخلق كلهم على الله سبحانه وتعالى وليس لبشر ذلك، وإنما لأهل الصلاح الشفاعة بشروطها.. فعلينا أن نبتعد عن التطاول على المولى سبحانه وتعالى والحكم على عباده. إنه لا يضرنا أن نحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقية أصحابه رضي الله عنهم بل هو الموافق للقرآن الكريم، والموافق للروايات الصحيحة.. فتأمل. وفي الختام: علينا أن نجتهد في دعاء المولى سبحانه وتعالى أن ينزع ما في قلوبنا من كراهية لهم وأن يبصرنا بالحق، وأن يعيننا على أنفسنا وعلى الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video