قال الرافضي: "الوجه الرابع: أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم والزهد والورع والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن والمداومة على ذلك من زمن الطفولة إلى آخر العمر، ومنهم من يعلم الناس العلوم، ونزل في حقهم: "هل أتى" وآية الطهارة، وإيجاب المودة وآية الإبتهال وغير ذلك. وكان علي يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة، ويتلوا القرآن مع شدة ابتلاءه بالحروب والجهاد" وذكر أن أولهم علي بن أبي طالب وأنه أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله الله نفس رسول الله وآخاه وزوجه ابنته وظهرت منه معجزات كثيرة حتى ادعى قوم فيه الربوبية، وكان ولداه سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وفدى رسول الله الحسين بابنه إبراهيم. وأسرد أسماء هؤلاء الأئمة مع فضلهم واحداً تلو الآخر. فذكر علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، ثم ابنه محمد الباقر ثم جعفر الصادق ثم موسى الكاظم.. إلخ. فالجواب: نحن نعلم علماً يقينياً أن الإمامية لم يأخذوا مذهبهم من هؤلاء الأئمة فالأئمة، يعتقدون كل ما يعتقده أهل السنة من التوحيد كإثبات صفات الله والقدر وإثبات خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والدعاء لهم بالخير وغير ذلك. ومعروف لدى الجميع أن الشيعة اختلفوا اختلافاً شديداً في مسائل الإمامة ([1]) والصفات والقدر فأي من الأقوال مأخوذ من الأئمة المعصومين؟؟ لا شك أن الأقوال المتناقضة لا تكون من الإمام المعصوم، وإلا فأين العصمة؟ لو فرضنا أن علياً معصوم والشيعة في هذه الاختلافات والتنازع وكل يدعي الأخذ من المعصوم فأين السند حتى ننظر فيه فنحكم على القول بالصحة أو عدمه؟ لا يوجد!! بل منقولاتهم منقطعة ومروية عن طائفة شيمتها الكذب. فدعوى الرافضة العصمة في علي ليس إلا كدعوى النصارى الألوهية في المسيح مع أنه برئ مما نسب إليه. إن لعلي فضائل عظيمة ومناقب جمة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عدل عنها هذا الرافضي وعمد إلى الأكاذيب والأباطيل.وأما استدلاله بالآية "هل أتي" بأنها نزلت في حقهم فكذب ظاهر، لأن الآية مكية باتفاق العلماء ولم يكن زواج علي وفاطمة إلا بعد الهجرة ولم يولد الحسن والحسين إلا في السنة الثالثة والرابعة بعد الهجرة فكيف تكون نزلت في حقهم؟؟ وأما آية الطهارة فلا تدل على طهارة أهل البيت وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم ويذهب الرجس عنهم، وهي قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))[الأحزاب:33]، فالإرادة هنا إرادة شرعية وليس إرادة كونية، وهي التي تتضمن الأمر والمحبة والرضا،وليست هي المشيئة التي يستلزم بها وقوع المراد. ونحوها قوله تعالى: (( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ ))[المائدة:6]، فإرادة الله المؤمنين هنا إرادة شرعية بالتطهير كما في الآية التي ذكرت قبلها. ولو أن مفهوم الآية كما تزعمون لما احتاج الرسول إلى أن يدعو لهم فيقول لما أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) رواه مسلم وأصحاب السنن ([2]). وكذلك سياق الكلام يدل على أن الآية متضمنة للأمر والنهي: (( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا *يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا *... )) والآيتان بعدها. فمفهوم السياق أن الله يريد منهن بفعل هذه المأمورات وترك هذه المنهيات تطهيرهن وإذهاب الرجس عنهن، والآيات دليل على أنهن من أهل البيت ليس كقول الشيعة بالعكس، وأما ذكر ضمير المخاطبين (ليذهب عنكم.... ويطهركم) حتى يعم غيرهن وإلا لكنّ مختصات في الآية. والله أعلم. وأما إيجاب المودة فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل في قوله تعالى: (( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ))[الشورى:23] قال: فقلت: أن تودوا ذوي قربى محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: عجبت إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قرابة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم. وابن عباس إمام في هذا الفن والآية لم تنزل في حقهم لأنها مكية ولم يتزوج علي بفاطمة حينذاك فضلا عن أن يولد له الحسن والحسين. وأما آية الابتهال فقد ثبت أنه لما نزلت أخذ النبي بيد علي وفاطمة والحسن والحسين يباهلهم وما ذلك إلا لأنهم أقرب الناس إليه فليس له ولد ذكر يمشي معه ويقول للحسن (إن ابني هذا سيد) وفاطمة هي الوحيدة التي بقيت من بناته صلى الله عليه وسلم حينذاك. ولا يقتضى ذلك كونهم أفضل من بقية الناس وأعلمهم فكمال الفضل يكون بالإيمان والتقوى لا بالقرب والنسب، يقول تعالى: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ))[الحجرات:13]، وأبو بكر الصديق هو أتقى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ([3]) ووصفه علي بأنه يصلي ألف ركعة وهذا ذم له؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على ثلاثة عشر ركعة ([4]) ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) ([5]). وقوله: إن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوى مجردة؛ بل ينازعه جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين والمؤاخاة إنما كان بين المهاجرين والأنصار لا غير. وأما قوله: (وأنفسنا وأنفسكم) فهي مثل قوله تعالى: (( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا )) يعني: أن الواحد من المؤمنين من أنفس المؤمنين والمؤمنات وإن كان تزويجه صلى الله عليه وسلم لعلي، فاطمة فضل لعلي، فإن عثمان تزوج بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي (ذو النورين) فهذه فضيلة لعثمان وكذلك في تزويجه صلى الله عليه وسلم بنت أبي بكر الصديق وبنت عمر فضيلة لهما. وأما ما ادعاه من ظهور المعجزات لعلي فإن كان يعني به الكرامات كما جرى ذلك عند كثير من الناس -إطلاق المعجزات على الكرامات- فقد حصلت الكرامات لكثير من عوام الناس فضلاً عن علي ما دل ذلك على فضلهم على غيرهم. ثم لو كان ظهور المعجزات الكثيرة سبباً لادعاء الناس الألوهية في الشخص لادعى الصحابة الألوهية للرسول صلى الله عليه وسلم لأن معجزاته أكثر بكثير من معجزات علي،ولم يفعلوا. وكذلك معجزات إبراهيم وموسى عليهما السلام أكثر من معجزات علي ولم يدعى فيهما الألوهية. وأما قول الرافضي: (وكان والده سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وسلم). فيقال له: الذي ورد في الصحيح في شأن الحسن هو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([6) وهذا مدح له من الرسول صلى الله عليه وسلم لترك القتال على الإمامة وكان أيضاً يدعو لهما هو مع أسامة بن زيد فيقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) ([7) وكان لحسن والحسين من الفضل العظيم وقد أدخلهما الرسول صلى الله عليه وسلم تحت الكساء مع أبويهما وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً). وقوله: أنهما أزهد الناس فمما لا دليل عليه. "وإنهما جاهدا في الله حق جهادهما حتى قتلا" فكذب لأن الحسن ما اختار القتال وإنما سلم الأمر لمعاوية، ومات الحسن مسموماً، ولم يمت مقاتلاً. وأما الحسين فإنه أيضاً ما خرج يريد القتال ولكن ظن أن الناس يطيعونه فلما انصرفوا عنه أراد العودة إلى بلده إلى الثغر أو إلى يزيد فلم يمكنه أولئك الظلمة أحد الأمور الثلاثة إلا أن يأخذوه أسيراً إلى يزيد فأبي فتقاتلوا إلى أن قتل مظلوما وما أراد القتال ابتداء. • ** دفع افتراءات عن زين العابدين والباقر والصادق ** أما علي بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علماً وديناً، قال عنه محمد بن سعد في الطبقات: "كان ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً" وقال عنه يحي بن سعيد:" هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة " وأما كونه يصلي ألف ركعة كل ليلة فقد تقدم فساده في علي فلا فرق، وأما ما ذكره من تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيد العابدين فلا أصل له عند العلماء. وكذا أبو جعفر محمد بن علي من خيار أهل العلم والدين، وقيل: سمي بالباقر لأنه بقر العلم لا لأجل بقر السجود جبهته وأما تسميته بالباقر بأن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فلا، وليس هذا عند أهل العلم بل هو موضوع كذلك حديث تبليغ جابر له السلام كل ذلك موضوع وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما جعفر الصادق فهو أيضاً من خيار أهل العلم والدين، وقال عمرو بن أبي المقدام:" كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين " ففي قوله: إنه اشتغل بالعبادة عن الإمامة ظاهر التناقض إذ الإمامة عندهم واجب ولا يخلو وقت من إمام، فلو كان واجباً فلماذا عدل عن الواجب إلى النوافل؟ وأما قوله: "هو الذي نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية". الجواب: هذا فيه أحد الأمرين: إما أن يكون ابتدع علوماً لم يكن لسابقه، أو أن الذين سبقوه قصروا جداً في نشر هذا العلم مما هو واجب عليهم وهذا غلط كبير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لأمته كل ما يجب عليهم من أمور دينهم وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ثم أخذ الصحابة في نشر الدين بعده وبلغوه إلى الأمة. ونسبوا إلى جعفر الصادق ما لم ينسبوها لغيره من الأقاويل والأباطيل. • ** موسى بن جعفر الكاظم ** موسى بن جعفر هو الذي جاء بعد أبيه ويقول عنه أبو حاتم الرازي: "ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين" ولد بالمدينة وذهب إلى بغداد ثم عاد إلى المدينة وأخيرا عاد إلى بغداد وحبس إلى أن توفي هناك. والذين جاءوا بعده ليس لهم ذكر في العلم ولكن لهم من الفضل مالهم وقد اشتهر بالعبادة ومع هذا فإن الحكاية المذكورة عن شقيق البلخي لاتصح كما لايصح قوله" تاب على يديه بشر الحافي " متى رآه وهو محبوس في السجن؟ • ** علي بن موسى الرضا ** قال الرافضي: "وكان ولده علي الرضا أزهد أهل زمانه وكان أعلمهم، وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً وولاه المأمون بعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل، ووعظ يوماً آخاه زيداً، فقال: يا زيد! ما أنت قائل لرسول الله إذا سفكت الدماء وغرك حمقي أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار..... فلا يكون الإحصان سبباً لتحريم ذريتها على النار وأنت تظلم، والله مانالوا ذلك إلا بطاعة الله، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوه بطاعته إنك إذا لأكرم على الله منهم. وذكر أيضا " وقيل لأبي نواس: لم لاتمدح الرضا؟ فأجاب بأبيات منها: قلت لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه فيقال: من المصائب التي ابتلي بها ولد الحسين يمدحهم الشيعة بما هو للذم أقرب ويتركون مكارمهم المعروفة الثابتة، وهذا الذي ذكره الرافضي من أنه أزهد الناس وأعلمهم، فدعوى مجردة بلا دليل ويعلم الناس أنه كان في زمانه من هو أعلم منه وأزهد منه كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكذلك قوله: إنه أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً "فكذب ظاهر؛ لأن جمهور الفقهاء المشهورون ما أخذوا عنه، إلا أن يكون طلبة الفقهاء إنهم قد يأخذون عنهم لأنهم يأخذون عن المتوسطين في العلم بل ربما أخذوا ممن دونهم. والحديث الذي ذكره الرافضي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن فاطمة فكذب باتفاق علماء الحديث بل حتى من لم يكن من أهل الصنعة يعرف ذلك إن قوله: { إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار } يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها من النار، وهذا باطل قطعاً، فإن سارة أحصنت فرجها ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار. وأما تسمية جبريل بخادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبارة من لا يعرف قدر الملائكة، وأما الحكايات والأشعار التي يروونها من دون أصل فهذا هو المتعارف عندهم بل هو شعارهم. • ** محمد الجواد ** قال الرافضي: "كان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقوى والجود ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون وزوجه ابنته أم الفضل بعد أن أمتحنه في مسالة: المحرم إذا قتل صيدا " فأجاب: بما حير السائل الموكل وهو يحيى بن أكثم ([8])" الجواب: أن يقال: إن محمد بن الجواد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولهذا سمي بالجواد، وعاش خمساً وعشرين سنة، وزوجه المأمون ابنته وكان يرسل ألف ألف درهم واستقدمه المعتصم بغداد ومات بها سنة (120) هـ تقريباً. • ** علي بن محمد الهادي ** قال الرافضي: "وكان ولده علي الهادي ويقال له: العسكري.... لأنه أقام بموضع يقال له: العسكر في سر من رأى، وبلغ المتوكل مقامه بالمدينة وميل الناس إليه فخاف منه فدعى يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره وضج أهل المدينة لذلك خوفاً عليه لأنه كان محسناً إليهم ملازماً للعبادة في المسجد، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه، ثم فتش منزله ولم يجد سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينه وتولى خدمته بنفسه، ولما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي والي بغداد فقدم إلى المتوكل فأكرمه، ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفي تصدق بدراهم كثيرة،فسأل الفقهاء فلم يجد عندهم جواباً، فبعث إلى علي الهادي فسأله، فقال: تصدق بثلاثة وثمانين درهما، فسأله المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ))[التوبة:25]، وكانت المواطن هذه الجملة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة وبعث ستاً وخمسين سرية. ونمي إلى المتوكل بعلي بن محمد فبعث إليه فجيء به وهو في مجلس الشراب... وقال: أسمعني صوتا! فقال: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) وأنشده شعراً منها: باتوا على قلل الأجيال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم وأسكنوا حفراً يابئس ما نزلوا ........... إلخ فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته. فيقال: هذا الكلام يسرده بلا مستند، ومما يدل على فساد قوله ذكره والي بغداد، وأنه كان إسحاق بن إبراهيم الطائي، ومعروف أنه ليس طائياً بل هو خزاعي، فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب، وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهور، وابن هذا محمد بن عبد الله بن طاهر كان نائباً على بغداد في خلافة المتوكل وغيره، وهو الذي صلى على أحمد بن حنبل لما مات، وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائباً لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل، وهؤلاء كلهم من خزاعة وليسوا من طيء. وأما ذكره من إفتاء للمتوكل بأن يتصدق بثلاثة وثمانين درهماً - لما نذر من أنه سيتصدق بدراهم كثيرة إن عوفي، فقد حكى عن علي بن موسى مع المأمون، وعلى أية حال: إما أن يكون كذباً أو جهلاً من المفتي بذلك. والأدلة المذكورة على ذلك باطلة ! لان الغزوات التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ هذا العدد اتفاقاً، ولا السرايا أيضا بلغ العدد المذكور. وهذه الآية نزلت يوم حنين فينبغي أن يكون المعدود فقط غزوات التي وقعت قبلها لا بما حدثت بعدها - ومعلوم أن غزوة الطائف وتبوك وكثير من السرايا وقعت بعدها. وكذلك لو صح الاستدلال لوجب استثناء الغزوات التي ما انتصر فيها المسلمون كغزوة أحد وسرية مؤته وغيرها. ولفظ " الكثير " عام يناول العشرات ومئات بل الآلاف وأكثر، قال تعالى: (( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً )) والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة كما نص القرآن، وقال تعالى: (( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )). • **محمد بن الحسن المنتظر** قال الرافضي: وولده مولانا المهدي محمد عليه السلام. وروى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي). فيقال: ذكر المؤرخون وأهل العلم بالأنساب كابن جرير الطبري وابن قانع وغيرهما: أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسب ولا عقب، خلافاً لمن يدعي ذلك من الإمامية، وعلى اختلاف فيما بينهم منهم من يقول له ولد دخل السرداب بسامراء وله سنتان من العمر، وقيل: ثلاث، وقيل: خمس، هذا ولو ثبت وجوده لوجب أن يكون تحت حضانة أم أو أخ أو قريب ونحوهم ويحفظ له ممتلكاته شرعا قال تعالى: (( وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ ))[النساء:6]، فهذا الذي لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغ الرشد فكيف يكون إماما لجميع المسلمين؟! وسواء كان موجوداً أو غير موجود فإنه لم يحصل منه شيء من مقاصد الإمامة؛ لأن الأمة لم تستفد منه ديناً ولا دنيا. وقد يقال: إنه احتجب من الناس لظلمهم، فلو كان هذا هو السبب لخفائه لاختفى من كان قبله من آبائه؛ لأن الظلم أيضاً في زمنهم منتشر. وما زالت تدعوا له بالخروج من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ([9]) ولم يحصل شيء من هذا، ومعلوم اضطراراً أنه لا تكاد تجد من يعيش هذه السنوات في هذه الأمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد) ([10]). فمن احتج بحياة الخضر على حياته فقد أخطأ لأن المحققين أثبتوا على أن الخضر قد مات، وبتقدير عدم وفاته فإنه ليس من هذه الأمة ومعلوم أن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين كما ثبت في الحديث. ([11]). وأما ما استدل به الرافضي عن خروج المهدي في آخر الزمان... عن ابن عمر مرفوعا. فيقال له: كيف تستدل بما لا تعتبره حجة لديك -الحديث المروي من كتب أهل السنة- فربما قال: حجة عليهم، فنذكر كلامهم فيه. ثم هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به؟ ثم إن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم فإن لفظه: (يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي) يعني: اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن، وذكر عن علي أنه من ولد الحسن لا من ولد الحسين. وقد روى علماء أهل السنة الأحاديث الصحيحية عن المهدي منها حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل من أهل بيته يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا) ([12]). وأما الحديث الذي ذكره الرافضي: (اسمه كاسمي وكنيته كنيتي) فكذب بهذا اللفظ؛ لأن الوارد هو: (يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي) كما سبق. وأما نسبة الحديث إلى ابن الجوزي إن أراد أبا الفرج صاحب المصنفات الكثيرة فكذب، وإن أراد سبطه يوسف بن قزاوغلي صاحب التاريخ المسمى "بمرآة الزمان" فهو كحاطب ليل يجمع بين الغث والسمين في مؤلفاته ويكثرها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة. وأما ما ذكر الرافضي من أن الأئمة هؤلاء معصومون فهلا ذكر دليلاً؟ وأما كون الأرض لا تخلو من إمام، الشاهد يكذب هذا والواقع عندكم على خلافه، إذ كيف تتصورون حضور مفقود غائب. وبالنظر إلى جميع ما استدل به الرافضي يظهر لنا أنه يعتمد على الأباطيل والأحاديث الضعيفة والموضوعة وقصص واهية وكاذبة، وإن استدل بما هو صحيح إما أن يكون لا حجة فيه أصلاً أو فسره على هوى. إن أصول الدين هو أهم المطالب وليس مسألة الإمامة التي هي من الوسائل فتوحيد الله هو أول شيء، ثم بقية أركان الإسلام الخمسة من الصلاة والزكاة والصوم والحج، والطاعة إنما تجب لله ورسوله، وطاعة أولي الأمر مقيدة بما هو في طاعة الله أو في المعروف والطاعة لله والرسول هي الطريقة للسعادة والنجاة من النار ليس معرفة الإمام، ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، ويجب موالاة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء لهم وكذلك أهل بيتهم ويشمل نساءهم ونشهد لهم بالخير والصلاح. ----------------------------------- [1]انظر: الشيعة والتشيع فرق وتايخ للأستاذ احسان إلهي ظهير / وتاريخ فرق الشيعة للنوبختي. [2]مسلم (4/ 1883) والترمذي (5/ 30) (5/ 328) والمسند (6/ 292-398) [3]البخاري (1/ 96- ) ومسلم (4/ 1854) [4]البخاري (3/ 51) ومسلم (1/ 508) [5] البخاري (4/ 161) (2/ 50) ومسلم (2/ 816) وغيرهما [6]البخاري (3/ 186) ومواضع آخرى منه. وسنن أبي داود ( 4/ 299) [7]المسند (5/ 205-210) [8]بتحريف يسير [9]هذا في عصر شيخ الإسلام ( المؤلف ) والآن يزيد على إحدى عشر قرن ولم يظهر. [10]البخاري (1/ 119) مسلم (4/ 1965) [11]انظر سنن الترمذي (5/ 123-124) وقال حسن غريب من هذا الوجه. [12]انظر سنن أبي داود (4/ 151) والترمذي (3/ 343) والمسند (2/ 117).
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video