أبو موسى الأشعري رضي الله عنه من القوم الذين يحبهم الله ويحبونه([1])، ومن الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم مني، وأنا منهم»([2]). فمحبته رضي الله عنه، ومحبة غيره من الصحابة واجبة لحب الله سبحانه وتعالى، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم لهم. فهل يحب الشيعة أبا موسى الأشعري؟ يزعم الشيعة الإثنا عشرية أن أبا موسى الأشعري كان منافقاً([3)، وإماماً من أئمة الكفر([4])، وأنه من -شر الأولين والآخرين([5). ويرى الشيعة وجوب لعنه([6]) والبراءة منه([7]). ويستدل الشيعة على صواب مذهبهم في أبي موسى الأشعري بكونه لم ينصر علي بن أبي طالب، بل اعتزل الفريقين؛ علياً ومن معه، ومعاوية ومن معه: فقد عدوا من الفرق التي ليست على الإسلام: الفرقة التي اعتزلت القتال، وقالوا عنها: فرقة على ملة السامري، لا يقولون: لا مساس، ولكن يقولون لا جهاد، وإمامهم أبو موسى الأشعري([8). وقولهم: على ملة السامري: أي على ملة الكفر؛ لأن السامري كان يعبد العجل، فكفر بسبب ذلك. وزعمهم أن من اعتزل القتال كان كافرا يعد طعناً في علي بن أبي طالب الذي كان يود لو اعتزل مع المعتزلين، فكان يقول: (لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد بن مالك)([9])- يتمنى لو كان فعل كفعلهما- فهل يتمنى إمامهم -المعصوم عندهم- لو كان كفر؟! ثم إن الذين اعتزلوا القتال كانوا متبعين للنصوص التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة؛ حيث إنهم اعتبروا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام([10])، فهل يقال لمن كان متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كافر؟ اللهم لا، ومن قال بكفر من اتبع السنة بسبب اتباعه للسنة فالكفر أولى به. إذاً: فاعتزال أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ومن اعتزل معه فيه مدح لهم بسبب اتباعهم للسنة، ولا يذمون بسبب ذلك كما فعل الشيعة حيث جعلوهم على دين السامري.
([1]) أسند ابن جرير والحاكم أنه لما نزل قول الله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)[المائدة:54]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هم قومك يا أبا موسى، وأومأ بيده إلى أبي موسى الأشعري) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (جامع البيان للطبري (6/ 284)، والمستدرك للحاكم (2/ 313). وانظر: تفسير ابن كثير (2/ 70)، والدر المنثور للسيوطي (2/ 292)، وفتح القدير للشوكاني (2/ 51-53). ([2]) صحيح البخاري (3/ 276)، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد، وصحيح مسلم (4/ 1944-1945)، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأشعريين. ([3]) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص:29-31، 188. ([4]) الشافي للمرتضى (ص:287)، وتلخيص الشافي للطوسي (ص:462). ([5]) الخصال للصدوق (2/ 457-460). ([6]) ويستدلون على ذلك بأن علياً كان يلعنه، وقد تقدم تفنيد ذلك ص (1348). ([7]) علم اليقين للكاشاني (2/ 769)، والفصول المهمة للحر العاملي (ص:170). ([8]) الخصال للصدوق (2/ 457-460)، والأمالي للمفيد (ص:29-30). وانظر: الإيضاح للفضل بن شاذان (ص:29-31)، والملاحم والفتن لابن طاوس (ص:90). ([9]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (6/ 209). ([10]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/ 525-526).
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video