معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

أن عثمان رضي الله عنه منع المراعي من الجبال والأودية وحمى الحمى ..

أن عثمان رضي الله عنه منع المراعي من الجبال والأودية وحمى الحمى

ومن الأمور التي نقمتها الرافضة على عثمان رضي الله عنه: أنهم يقولون: إنه منع المراعي من الجبال والأودية وحماها[665].
والرد على هذا الهراء:
أن الحمى لم يكن ذو النورين ابتدأه، فقد كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، فقد كان الرئيس منهم إذا نزل منزلاً مخصباً استعوى كلباً على مكان عالٍ فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه[666]، فلما جاء الإسلام نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، واختص الحمى ببهائم الصدقة المرصدة للجهاد والمصالح العامة، فقال صلى الله عليه وسلم«لا حمى إلا لله ولرسوله»[667]، وورد أنه صلى الله عليه وسلم حمى مكاناً يسمى النقيع[668]، ومما هو معلوم أن الحال استمر في خلافة الصديق على ما كان عليه في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصديق لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في عهده صلى الله عليه وسلم على الرغم أن حاجة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل، وفي زمن الفاروق اتسع الحمى فشمل الشرف[669] والربذة وكان لـ عمر عامل على الحمى هو مولى له يدعى هنياً، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث زيد بن أسلم عن أبيه نص وصية عمر لعامله هذا على الحمى، بأن يمنع نعم الأثرياء كـ عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وأن يتسامح مع رب الغنيمة ورب الصريمة لئلا تهلك ماشيتهما[670]، وكما اتسع عمر رضي الله عنه في الحمى عما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لزيادة سوائم بيت المال في زمنه اتسع عثمان بعد ذلك لاتساع دولة الإسلام، وازدياد الفتوح.
قال العلامة ابن العربي في صدد رده على الطاعنين عليه بمسألة الحمى، قال: وأما الحمى فكان قديماً فيقال: إن عثمان زاد فيه لما زادت الراعية، وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت لزيادة الحاجة. اهـ[671].
فالذي أجازه النبي صلى الله عليه وسلم لسوائم بيت المال، ومضى عليه الشيخان يجوز مثله لبيت المال في زمن ذي النورين، ويكون الاعتراض عليه اعتراضاً على أمر داخل في التشريع الإسلامي، ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحّوا منها أحداً، وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيراً وشاءً، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه، وسأل من يعرف ذلك من الصحابة: أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.[672].
ناصر الشيخ ..


 [665] كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة: 1/ 50، حق اليقين لعبد الله شبر: 1/ 191.
[666] فتح الباري: 5/ 44.
[667] صحيح البخاري: 2/ 53.
[668] المصدر السابق: 2/ 53، والنقيع في المدينة على عشرين فرسخاً منها. انظر: معجم البلدان: 5/ 299، فتح الباري: 5/ 45.
[669] قال ياقوت: وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن فما كان مشرقاً فهو الشريف وما كان مغرباً فهو الشرف. معجم البلدان: 3/ 236.
[670] انظر صحيح البخاري: 2/ 180.
[671] العواصم من القواصم، ص:72-73.
[672] انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4/ 347


أن عثمان رضي الله عنه قد ارتكب مخالفة كبيرة لما حمى الحمى[1001] عن المسلمين[1002].

ويقال لهم: إن ما فعله عثمان رضي الله عنه من حمى الحمى قد فعله قبله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن قبلهما رسول الله صلى الله عله وسلم[1003] فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى لخيل المسلمين»[1004].
فقد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم لخيل المسلمين المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال.
ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا سيما وأن حاجة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل
[1005].
وقد استمر الحال على ذلك في خلافة الفاروق رضي الله عنه، وكان قد استعمل على الحمى مولى له يسمّى هنياً، فقال له: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، ثم قال رضي الله عنه يبرر سبب حميه للحمى: والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبراً
[1006]، فحميه رضي الله عنه للحمى أمر ثابت[1007]؛ قال الإمام البخاري: [بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع، وأن عمر حمى السرف والربذة][1008].
أما عثمان رضي الله عنه فإنه كان متبعاً في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، وقد أجاب الغوغاء لما اعترضوا على حميه الحمى بقوله: إني والله ما حميت حمي قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة... وما لي من بعير غير راحلتي، وما لي ثاغية، ولا راغية
[1009]، وإني قد وليت وأنا أكثر العرب بعيراً وشاء، فما لي اليوم شاة ولا بعير، غير بعيرين لحجي، ثم التفت إلى الصحابة وقال لهم: أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم[1010].
فلم يحم لنفسه شيئاً رضي الله عنه، بل حماه لإبل الصدقة، وخيل المسلمين.
وقد بين علي رضي الله عنه أن عثمان رضي الله عنه كان في حميه للحمى متبعاً لا مبتدعاً، فقال: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسن
[1011]، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه، وقد حماه عمر من قبله[1012].
أما زيادته لمواضع الحمى، فقد زاد من قبله، وهو أمر جائز، فإن عثمان رضي الله عنه زاد فيه لما زادت الرعية. وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة
[1013].
وخلاصة القول: أن عثمان رضي الله عنه كان في حميه للحمى متبعاً لا مبتدعاً، ولا يسلّم للشيعة، ولا للغوغاء من قبلهم طعنهم فيه رضي الله عنه بسبب ذلك.
عبدالقادر صوفي ..


 [1001] أي منع من استصلاح بعض الأراضي وزراعتها لتبقى منبتاً للعشب والكلأ، وذلك لرعي المواشي، وغير ذلك. الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص:222.
[1002] تلخيص الشافي للطوسي ص:445، وكشف المراد للحلي ص:405-406.
[1003] راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص:222-223، والأحكام السلطانية للماوردي ص:164-165.
[1004] مسند أحمد 2-91، 155، 157، وقد صححه أحمد شاكر. المسند بتحقيقه 8/ 52.
[1005] حاشية العواصم من القواصم لمحب الدين الخطيب ص:85.
[1006] صحيح البخاري 4/ 165، ك. الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود: أسلموا تسلموا.
[1007] فتح الباري لابن حجر 6/ 177.
[1008] صحيح البخاري 3/ 227، ك. المساقاة، باب لا حمى إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
[1009] يريد الإبل والشياه.
[1010] تاريخ الطبري 5/ 102.
[1011] أي: لـيُحسن رعيها. الصحاح للجوهري 5/ 2139.
[1012] البداية والنهاية لابن كثير 7/ 187.
[1013] العواصم من القواصم لابن العربي ص:84-85.


توسع عثمان في حِمَى نفسه

الشبهة:

ادَّعت الشيعة أن عثمان بن عفان قد خالف النبي ق، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ب أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ق قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»([1]).

قال الأميني بعد تقريره تحريم الحمى: «كان هذا الناموس متسالَمًا عليه بين المسلمين حتى تقلَّد عثمان الخلافة، فحمى لنفْسِهِ دون إبل الصدقة كما في أنساب البلاذري (5/ 37)، والسيرة الحلبية (2/ 87)، أو لَهُ ولِحَكَمِ ابن أبي العاص كما في رواية الواقدي، أو لهمَا ولبني أمية كلهم كما في شرح ابن أبي الحديد (1/ 67) قال: حمى (عثمان) المرعى حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.

إلى أن قال: نقم ذلك المسلمون على الخليفة فيما نقموه عليه، وعدَّتْهُ عائشة مما أنكروه عليه فقالت: وإنا عتبنا عليه كذا، وموضع الغمامة المحماة، وضربه بالسوط والعصا، فعمدوا إليه حتى إذا ماصوه كما يماص الثوب»([2]). 


([1]) صحيح البخاري (3/ 113).

([2]) الغدير، الأميني (8/ 235).

الرد علي الشبهة:

الحمى([1]) في أصله جائز، وذلك أن النبي ق ثبت أنه حمى كما في صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ب أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ق قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ»، وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ق حَمَى النَّقِيعَ»([2]).

    1. الإجماع على جواز الحمى

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «وَقَدْ كَانَ لِلرَّسُول ق أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ»، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: حَمَى النَّبِيُّ ق النَّقِيعَ لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا سَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْلُ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ، وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ، وَضَوَالُّ النَّاسِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ([3]).

وَقَال فِي الْآخَرِ: لَيْسَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ق أَنْ يَحْمِيَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلهِ وَرَسُولِهِ».

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حَمَيَا، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ إِجْمَاعًا»([4]).

قال الحلي: «والحمى قد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله لخاصَّة نفسه وللمسلمين؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله»، ولكنه (ع) لم يحم لنفسه، وإنما حمى النقيع (بالنون) لإبل الصدقة، ونعم الجزية، وخيل المجاهدين في سبيل الله، وعندنا أن للإمام أن يحمِيَ لنفسه ولإبل الصدقة ونعم الجزية وخيل المجاهدين على حد ما كان للنبي، وأما غيرهما من آحاد المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهم ولا لغيرهم»([5]).

وقال: «ونقول بموجب الحديث، فإن الإمام قائم مقام الرسول، والمقدمة الأولى ممنوعة، والثاني وهو الصحيح عندنا وعندهم، وبه قال مالك وأبو حنيفة أن عمر بن الخطاب حمى موضعًا وولَّى عليه مولًى له يقال له: هني»([6]).

فإذا كان الإمام يجوز له أن يحمي كما حمى رسول الله ق، فليس الاعتراض على عثمان إلا اعتراض على الشريعة التي أجازت له ذلك.

إن ما زعمته الشيعة من حمى عثمان لنفسه -كما ذكر الأميني في أصل الشبهة- كذب، فقد رجعنا للمصادر التي ذكرها الأميني فلم نجد فيها ذكرًا لما زعمه من أن عثمان رضي الله عنه حمى لنفسه، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل حتى البلاذري في أنساب الأشراف ذكر رواية عن أبي مِخْنف أن الثوار لَمَّا اعترضوا عليه لم يقولوا له: إنك حميت لنفسك.

قال البلاذري: «وروى أَبُو مخنف أَن المصريين ورَدُوا الْمَدِينَةَ، فأحاطوا وغيرهم بدار عثمان في المرة الأولى، فأشرف عَلَيْهِم عُثْمَانُ فَقَالَ: أيها النَّاس، مَا الَّذِي نقمتم عَليَّ؟ فإني معتبكم ونازل عِنْدَ محبتكم، فَقَالُوا: زدت فِي الحمى لإبل الصدقة عَلَى مَا حمى عُمَر، فَقَالَ: إنها زادت فِي ولايتي»([7]).

فهذا المرجع الذي أحال إليه الأميني السبئي يذكر خلاف ما زعمه هذا الرافضي الكذاب، فالرواية تصرح بأنهم عابوا عليه أن زاد في حمى إبل الصدقة، بينما الرافضي ادعى أن المصدر قد ذكر أن عثمان قد حمى لنفسه!

بل وروى البلاذري أيضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ: «أَن عُثْمَان حمى النقيع لخيل الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يحمل فِي كُل سنة عَلَى خمسمائة فرس وألف بعير، وكانت الإبل ترعى بناحية الربذة فِي حمى لَهَا، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: النقيع عَلَى ليلتين من الْمَدِينَة»([8]).

وقد زاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في حمى إبل الصدقة وخيل المسلمين لَمَّا زادت في زمانه، ولَمَّا كان الحمى في أصلها جائزًا بغير تحديد لمقدار جاز على كل مقدار زيادةً ونقصانًا، يقول القاضي ابن العربي: «وأما أمر الحمى فكان قديمًا، فيقال: إن عثمان زاد فيه لَمَّا زادت الرعية، وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة فيه لزيادة الحاجة»([9]).

ومعنى «لا حمى إلا لله ولرسوله»([10]) أنه نهيٌ عن الحمى الخاص لمالٍ مملوك لشخص معين، أيًّا كان ذلك الشخص، قال أبو يعلى الفراء: «فمعناه: لا حمى إلا على مثل ما حماه رسول الله ق لمصالح كافة المسلمين، لا على مثل ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى لنفسه»([11]).

    1. حديث: «المسلمون شركاء» لا يمنع الحمى أو يحرمه

وأما عن قوله ق: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار»([12]) فهذا لا ينفي جواز الحمى لمواشي المسلمين، قال السِّنْدي في حاشيته: «والمشهور بين العلماء أن المراد بالكلأ: الكلأ المباح الذي لا يختص بأحد، وبالماء: ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها، وبالنار: الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه»([13]).

    1. الحمى لا يمنع الفقراء

أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن أسلم، عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولًى له يدعى هنيًا على الحمى، فقال: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياي ونَعَمَ ابن عوف، ونَعَمَ ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله، إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا»([14]).

    1. انتقاد أم المؤمنين عائشة لحمى أمير المؤمنين عثمان ا

أما الخبر الذي ورد فيه عيب أم المؤمنين عائشة على حمى عثمان، والذي أخرجه الخطيب وابن عساكر في تاريخيهما بسنديهما عنها أنها قَالَتْ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَقَمْنَا عَلَى عُثْمَانَ خِصَالًا ثَلَاثَةً: إِمْرَةَ الْفَتَى، وَضَرْبَةَ السَّوْطِ، وَمَوْقِعَ الْغَمَامَةِ الْمُحْمَاةِ، حَتَّى إِذَا أَعْتَبْنَا مِنْهُنَّ مُصْتُمُوهُ مَوْصَ الثَّوْبِ بِالصَّابُونِ، عَدَوْتُمْ إِلَيْهِ الْحُرَمَ الثَّلاثَة، حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَحُرْمَةَ الْخِلافَةِ، وَاللهِ لَعُثْمَانُ كَانَ أَتْقَاهُمْ، أَوْ أَتْقَاكُمْ، لِلرَّبِّ، وَأَوْصَلَهُمْ لِلرَّحِمِ، أَحْصَنَهُمْ فَرْجًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ»([15]).

هذه الرواية ضعيفةٌ؛ فيها عكرمة بن عمار، ضعيف منكر الحديث، قال ابن الجوزي: «... قَالَ يحيى وَأَبُو دَاوُد: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيف، وَقَالَ الفلاس: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ الْعقيلِيُّ: فِي حفظه اضْطِرَاب، وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يقلب الْأَخْبَار وَيرْفَع الْمَرَاسِيل، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِه»([16]).

لو سلمنا جدلًا أن عثمان رضي الله عنه قد حمى لنفسه كما ادَّعى الأميني، فإن الشيعة قالوا بجواز ذلك للإمام.

قال الحلي: «مسألة: للإمام أن يحمي لنفسه ولخيل المجاهدين وإبل الصدقة والضوال، وكذا نعم الجزية ومواشي الضعفاء»([17]).

وعند أهل السنة يدخل الأمر في مسائل الاجتهاد، ولذلك يقول الصنعاني: «واختُلِف: هل يحمي الإمام لنفسه، أو لا يحمي إلا لما هو للمسلمين؟ فقال المهدي: كان له ق أن يحمي لنفسه، لكنه لم يملك لنفسه ما يحمي لأجله، وقال الإمام يحيى: والفريقان لا يحمي إلا لخيل المسلمين، ولا يحمي لنفسه، ويحمي لإبل الصدقة ولمن ضعف من المسلمين عن الانتجاع؛ لقوله: «لا حمى إلا لله...». الحديث»([18]).

فهل يستباح دم الخليفة لأجل دخوله -جدلًا- في مسألة فقهية سائغ فيها الاجتهاد؟ بل في جائز بلا خلاف على فقه السبئية!

كان عثمان كان من أكثر العرب مالًا وبعيرًا، فلما ولي الخلافة خرج من أكثر ذلك، وقد جاء في تاريخ الطبري أن عثمان قال: «وَقَالُوا: وحميت حمى، وإني وَاللهِ مَا حميت، حُمِيَ قبلي، وَاللهِ مَا حموا شيئًا لأحد، ما حموا إلا ما غلب عَلَيْهِ أهل الْمَدِينَة، ثُمَّ لم يمنعوا من رعيةٍ أحدًا، واقتصروا لصدقات الْمُسْلِمِينَ يحمونها؛ لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثُمَّ مَا منعوا وَلا نحوًا منها أحدًا إلا مَن ساق درهمًا، وما لي من بعير غير راحلتين، وما لي ثاغية وَلا راغية([19])، وإني قَدْ وليت، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءً، فمالي الْيَوْم شاة وَلا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ»([20]).

وقد قال علي بن أبي طالب وهو يرد عن عثمان: «فَقَالَ: أَمَّا الْحِمَى فَإِنَّمَا حَمَاهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ لِتَسْمَنَ، وَلَمْ يَحْمِهِ لِإِبِلِهِ وَلَا لِغَنَمِهِ، وَقَدْ حَمَاهُ عُمَرُ مِنْ قَبْلِهِ»([21]).

فهذا مما يُمدَحُ به عثمان ا، فقد كان يحمي حمى الإسلام والمسلمين، ويُطعم الخيل المسوَّمة والإبل المجهّزة والْمُعدة لحرب أعداء الله ورسوله، ونشر التوحيد، وهذا مما يغيظ أعداء الله ورسوله؛ ولذلك راموا الطعن في عثمان بما هو عين المدح له رضي الله عنه. 


([1]) الحِمَى هُوَ: «أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ فِيهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ؛ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا». التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد ابن يوسف المواق (7/ 613).

وعرَّفه علَّامتهم الحلي بقوله: «والمراد من الحمى: أن يحمِيَ بقعة من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع سائر الناس من الرعي فيها». تذكرة الفقهاء، الحلي (2/ 411) ط القديمة.

([2]) صحيح البخاري (3/ 113).

([3]) قال الحافظ: «قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمُا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ق، وَالْآخَرُ مَعْنَاهُ: إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ق، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ بَعْدَهُ أَنْ يَحْمِيَ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولُ اللهِ ق، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خَاصَّةً، وَأَخَذَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، لَكِنْ رَجَّحُوا الْأَوَّلَ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّ عُمَرَ حَمَى بَعْدِ النَّبِيِّ ق». فتح الباري، ابن حجر (5/ 44).

([4]) الموسوعة الفقهية الكويتية (2/ 246) مجموعة من المؤلفين.

([5]) تذكرة الفقهاء، الحلي (2/ 411) ط القديمة.

([6]) السابق نفسه.

([7]) أنساب الأشراف، البلاذري (5/ 551 - 552).

وروى اللالكائي عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: «لما قدم المصريون على عثمان جعلنا نطلع خلال الحجرة، فنسمع ما يقولون، قال: فسمعت عثمان يقول: ويحكم، لا تزكوا أنفسكم. قالوا: أنت أول من حمى الحمى، وقد أنزل الله D: [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ] {يونس:59}، وحميت الحمى. قال: ما أنا بأول من حمى الحمى، حمى عمر بن الخطاب، فلما وليت زادت الصدقة، فزدت في الحمى قدر ما زادت نعم الصدقة، فأستغفر الله وأتوب إليه». شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (8/ 1443).

([8]) أنساب الأشراف، البلاذري (5/ 526).

([9]) انظر: العواصم من القواصم، ابن العربي (ص٢٨٩).

([10]) صحيح البخاري (3/ 113).

([11]) الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء (ص223).

([12]) مسند أحمد (38/ 174) ط الرسالة.

([13]) حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 91).

([14]) صحيح البخاري (4/ 71) ط السلطانية.

قال أبو يعلى: «ولا يجوز لأحد من الولاة أن يأخذ من أرباب المواشي عوضًا عن مراعي موات أو حمى؛ لقوله ق «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ»». الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء (ص224).

([15]) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (14/ 191) ت بشار، تاريخ دمشق، ابن عساكر (39/ 489).

([16]) الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي (2/ 185).

([17]) تذكرة الفقهاء، الحلي (2/ 412) ط القديمة.

([18]) سبل السلام (2/ 121).

([19]) ما لي ثاغية ولا راغية: ما لي شاة ولا بعير.

([20]) تاريخ الطبري (4/ 347).

([21]) البداية والنهاية (10/ 272) ط هجر.
موقع رامي عيسى ..


عدد مرات القراءة:
2515
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :