آخر تحديث للموقع :

الأحد 22 شعبان 1445هـ الموافق:3 مارس 2024م 09:03:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

سلامة قلوب وألسنة أهل السنة والجماعة للصحابة الكرام رضي الله عنهم ..

سلامة قلوب وألسنة أهل السنة والجماعة للصحابة الكرام رضي الله عنهم

وفيه فصول:

الفصل الأول: وجوب محبتهم والدعاء والاستغفار لهم، والشهادة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم.

الفصل الثاني: إثبات عدالتهم رضي الله عنهم.

الفصل الثالث: تحريم سبهم رضي الله عنهم.

الفصل الأول: وجوب محبتهم والاستغفار لهم، والشهادة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: وجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المبحث الثاني: الدعاء والاستغفار لهم.

المبحث الثالث: الشهادة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم.

المبحث الأول: وجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم، والاحتجاج بإجماعهم، والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم، وتقديم حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك كله، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب حب الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، وقد فهم أهل السنة والجماعة ما دلت عليه النصوص في هذا واعتقدوا ما تضمنته مما يجب لهم من المحبة على وجه العموم رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن تلك النصوص:

(1) قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].

هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم، أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شراً أنه لا حق له في الفيء، روي ذلك عن مالك وغيره، قال مالك: (من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10)] 758([1021]).

(2) روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً بعدي؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه»([1022]).

هذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفاً ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين عليه الصلاة والسلام أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، أو بسبب حب النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يأخذه): أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة([1023]). فالحديث دل على وجوب حب الصحابة رضي الله عنهم وخطورة بغضهم.

قال المناوي في قوله صلى الله عليه وسلم: الله الله في أصحابي: (أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذاناً بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص (فمن أحبهم فبحبي أحبهم) أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياى، أو لحبي إياهم. (ومن أبغضهم فببغضي) أي: فبسبب بغضه إياي، (أبغضهم) يعني: إنما أبغضهم لبغضه إياي....، وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعماً منهم الحب لبعض آخر، وهذا من باهر معجزاته، وقد كان في حياته حريصاً على حفظهم والشفقة عليهم. أخرج البيهقي عن ابن مسعود: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، وإن تعرض إليهم ملحد وكفر نعمة قد أنعم الله بها عليهم؛ فجهل منه وحرمان، وسوء فهم، وقلة إيمان، إذ لو لحقهم نقص لم يبق في الدين ساق قائمة لأنهم النقلة إلينا، فإذا جرح النقلة دخل من الآيات والأحاديث التي بها ذهاب الأنام، وخراب الإسلام إذ لا وحي بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعدالة المبلغ شرط لصحة التبليغ)([1024]).

(3) وروى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»([1025]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم هذا: أن علامات كمال إيمان الإنسان، أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة، وحسن جوارهم، ورسوخ صدقاتهم، وخلوص مودتهم، ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حباً له وروماً لرضاه.. وآية النفاق بالمعنى الخاص (بغض الأنصار)، صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد، ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي، فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافر ظاهراً، وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى لما امتازوا به من الفضائل، فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض، فوجب التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر؛ لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان، فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الادعائي، حتى كأنه: لا علامة للإيمان إلا حبهم، وليس حبهم إلا علامته، ولا علامة للنفاق إلا بغضهم، وليس بغضهم إلا علامته تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركاً لهم في الفضل كل بقسطه([1026]).

(4) وروى مسلم بإسناده إلى عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق؛ من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله».

قال شعبة: قلت لـ عدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث([1027]).

(5) وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»([1028]).

(6) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله»([1029]).

(7) وروى الحافظ الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم»([1030]).

 (8) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»([1031]).

(9) وروى أيضاً بإسناده إلى سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الحي من الأنصار محنة([1032]) حبهم إيمان وبغضهم نفاق»([1033]).

(10) وروى أيضاً بإسناده إلى الحارث بن زياد الساعدي أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة فقال: «يا رسول الله! بايع هذا، قال: ومن هذا؟ قال: ابن عمي حوط بن يزيد أو يزيد بن حوط، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أبايعك، إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده! لا يحب رجل الأنصار حتى يلقى الله تبارك وتعالى إلا لقي الله تبارك وتعالى وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله تبارك وتعالى إلا لقي الله تبارك وتعالى وهو يبغضه»([1034]).

(11) وروى الإمام مسلم بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا ييغضني إلا منافق)([1035]).

فهذه الأحاديث كلها دلت على وجوب حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً مهاجرين وأنصار، ولا يقال: إن ظاهر لفظها في الأنصار فلا يدخل فيها المهاجرون، بل الصحيح أنه يدخل فيها كل فرد من أفراد الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن العناء في الدين رضي الله عنهم أجمعين.

كما اشتملت على ذكر الجزاء الذي ينتظر من يكن لهم المحبة في قلبه ومن يكن لهم البغض، فمن أحبهم فاز بحب الله له، ومن أبغضهم أبغضه الله، وشتان بين الجزاءين، كما دلت على أن القلب الذي امتلأ ببغضهم إنما هو قلب ينضح بالنفاق، خذل صاحبه بعدم الإيمان والعياذ بالله.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبيناً المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار» وفي الرواية الأخرى: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»، وفي الأخرى: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»، وفي حديث علي رضي الله عنه: «والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث: أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب رضي الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له، وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعلياً؛ لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم([1036]).

 وقال الذهبي رحمه الله تعالى مبيناً العلة من جعله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حب علي رضي الله عنه من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضاً، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئاً([1037]).

وقال العيني رحمه الله تعالى شارحاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «آيه الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»: (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة؛ إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وعناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق، ويدل عليه ما روي مرفوعاً في فضل أصحابه كلهم: «من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم»).

وقال القرطبي: (وأما من أبغض -والعياذ بالله- أحداً منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقاً ولا كافراً، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يقال كلهم مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور، مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع له بغض في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك، فهو عاص يجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم، وفضائلهم، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10])([1038])الآية اهـ.

وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاعتقاد ما دلت عليه النصوص المتقدم ذكرها من أن حب الصحابة واجب على كل مسلم، فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: (حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سنة؟ قال: لا. فريضة)([1039]).

وقال الطحاوي رحمه الله تعالى مبيناً ما يجب على المسلم اعتقاده في محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)([1040]).

وقال أبو عبد الله بن بطة في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة: (ويحب جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتبهم ومنازلهم أولاً فأولاً: من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان وأحد؛ فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة الذين سبقت لهم السوابق رحمهم الله أجمعين)([1041]).

فعلى المسلم أن يسلك في حب الصحابة مسلك أهل الحق من أهل السنة والجماعة؛ بحيث يحبهم جميعاً، ولا يفرط في حب أحد منهم، وأن يتبرأ من طريقة الشيعة الرافضة الذين يتدينون ببغضهم وسبهم، ومن طريقة النواصب والخوارج الذين ابتلوا بإيذاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم كل مسلم أن أهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة هذه الفرق فيهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل)([1042]).

فمن أراد السلامة لدينه وأن يسلم له إيمانه فليحبهم جميعاً، وأن يحتم ذلك على نفسه، وعلى كل أبناء جنسه؛ لأن ذلك واجب على جميع الأمة، واتفق على ذلك الأئمة، فلا يزوغ عن حبهم إلا هالك، ولا يزوغ عن وجوب ذلك إلا آفك)([1043]).

 المبحث الثاني: الدعاء والاستغفار لهم:

من حق الصحابة الكرام رضي الله عنهم على كل من جاء بعدهم من عباد الله المؤمنين أن يدعو لهم ويستغفر لهم، ويترحم عليهم، لما لهم من القدر العظيم، ولما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير على كل من أتى بعدهم، فهم الذين نقلوا إلى من بعدهم الدين الحنيف الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ففضلهم مستمر على كل مسلم جاء بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ندب الله جل وعلا كل من جاء بعدهم من أهل الإيمان إلى أن يدعو لهم، ويترحم عليهم، وأثنى على من استجاب منهم لذلك بقوله جل وعلا: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].

فالآية مشتملة على بيان موقف أهل الايمان ممن تقدمهم من الصحابة، فقد بين تعالى أن موقفهم من أولئك الصفوة أنهم يثنون عليهم، ويدعون لهم ابتهاجاً بما آتاهم الله من الفضل، وغبطة لهم فيما وفقوا له من الأعمال المصحوبة بالإخلاص واليقين، وهذا الموقف المبارك ينطبق على أهل السنة والجماعة، فقد وفقهم الله للثناء الجميل والقول الحسن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين يترضون عنهم جميعاً ويستغفرون لهم، وحرم هذا الموقف العظيم الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم سبهم وبغضهم والحقد عليهم، وهذا خذلان أيما خذلان، أعاذنا الله منه.

وقد فهم متقدموا أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف الذين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك طائفة من أقوالهم التي دلت على عمق معرفتهم بما دل عليه كتاب ربهم جل وعلا:

(1) روى الإمام مسلم بإسناده إِلى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: (يا ابن أختى أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم)([1044]).

(2) وعند ابن أبي شيبة بلفظ: (أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسبوهم)([1045]).

(3) وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسبوهم، ثم قرأت الآية: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10)]([1046]).

قال النووي رحمه الله تعالى: (قولها: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم)، قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا، وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة رضي الله عنهم لأن الله تعالى إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفرالله لهم والله أعلم)([1047]).

(4) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون)([1048]).

(5) ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية. عن مالك بن مغول قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: (يا مالك تفاضلت([1049]) اليهود والنصارى الرافضة بخصلة، سئلت اليهود من خير أهل ملتكم، فقالت: أصحاب موسى عليه السلام، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري عيسى عليه السلام، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الفتن المضلة)([1050]).

(6) وروى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر، قال: (أقبلت أنا وأبي دار عامر، فقال له أبي: يا أبا عمرو، قال: لبيك، قال: ما تقول فيما قال فيه الناس من هذين الرجلين، قال عامر: أي هذين الرجلين؟ قال: علي وعثمان، قال: إني والله لغني أن أجيء يوم القيامة خصيماً لـ علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما وغفر لنا ولهما)([1051]).

 (7) أخرج عبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى، أنه قال في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية: (أمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا)([1052]).

(8) وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال بعد قراءته لقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية: (إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم)([1053]).

فهذه جملة صالحة من أقوال السلف الصالح كلها دلت على أن كل من جاء بعد الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم مأمور بالدعاء والاستغفار لهم، والترحم عليهم، وأنه يجب على كل مسلم أن يطهر قلبه من الغل والحقد عليهم، وقد استنبط أهل العلم عن الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة أن من لم يستغفر لهم وكان في قلبه غل عليهم أنه بعيد من أهل الإسلام، ولا حظ له في الفيء وما يغنمه المسلمون.

(9) أخرج ابن مردويه عن ابن عمر: (أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:8] الآية. ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] الآية. ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية. ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا، ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء)([1054]).

(10) وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر (أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:8] الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم)([1055]). ولم يذكر الآية الواردة في الأنصار لكون الرجل تناول عثمان رضي الله عنه وهو من المهاجرين.

(11) روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: (الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الحشر:8] هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم)([1056]).

ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة خارجون من هذه المنزلة؛ لأنهم لم يترحموا على الصحابة ولم يستغفروا لهم بل سبوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم، فحرموا من تلك المنزلة التي يجب على المسلم أن يكون فيها ولا يحيد عنها بحال حتى يلقى ربه جل وعلا.

 (12) وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (من يبغض أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) [الحشر:7] حتى أتى على هذه الآية ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:8] ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] إلى قوله: ((رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10)]([1057]).

(13) وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] يعني: التابعين إلى يوم القيامة).

قال الزجاج: (والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] أي: الذين جاءوا في حال قولهم ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا)) [الحشر:10] فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيء المسلمين بنص الكتاب([1058]) اهـ.

(14) وقال البغوي رحمه الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة -إلى أن قال: فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجاً من أقسام المؤمنين).

 قال ابن أبي ليلى: (الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجاً من هذه المنازل)([1059]).

(15) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:8] إلى قوله: ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].

قال رحمه الله: (وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة)([1060]).

(16) وقال الحافظ ابن كثير: (قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] الآية.. هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100]. فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] أي: قائلين: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ)) [الحشر:10] أي: بغضاً وحسداً ((لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قوله: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]). اهـ([1061]).

(7) وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10] الآية: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أولياً لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلاً لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله سبحانه والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط)([1062])اهـ.

فهذه النصوص التي سقناها في هذا المبحث عن المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة كلها تبين أنهم هم الفائزون بسلامة الصدور من الغل والحقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم يعتقدون أن من حق الصحابة الكرام على من بعدهم الترحم عليهم والاستغفار لهم، فـ أهل السنة والجماعة يترحمون على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم، ويذكرون محاسنهم وينشرون فضائلهم ويقتدون بهديهم ويقتفون آثارهم، ويعتقدون أن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه([1063]).

فمن لم يترحم على الصحابة ويستغفر لهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة، وليس له حظ في شيء من فيء المسلمين.

 المبحث الثالث: الشهادة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم:

من عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون لمن شهد له المصطفى صلى الله عليه وسلم بالجنة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فهناك أشخاص أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة، وهناك آخرون أخبر ببعض النعيم المعد لهم في الجنة، وكل ذلك شهادة منه صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة، وسواء ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم الشخص من أهل الجنة أو أخبر أن له كذا أو مكانته في الجنة كذا، أو أخبر أنه رآه في الجنة. الكل يشهد له أهل السنة والجماعة بالجنة تصديقاً منهم لخبر الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فلقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن عشرة من المهاجرين بأنهم في الجنة وسماهم بأعيانهم وبشرهم بها وأولئك العشرة هم:

(1) أبو بكر: عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر.

(2) أبو حفص: عمر بن الخطاب.

(3) أبو عبد الله: عثمان بن عفان.

(4) أبو الحسن: علي بن أبي طالب.

(5) أبو محمد: طلحة بن عبيد الله.

(6) أبو عبد الله: الزبير بن العوام.

(7) أبو إسحاق: سعد بن أبي وقاص.

(8) أبو محمد: عبد الرحمن بن عوف.

(9) أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح.

(10) أبو الأعور: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.

 وهؤلاء العشرة رضي الله عنهم انتظم تبشيرهم بالجنة حديث واحد.

روى الإمام الترمذي وغيره عن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص، قال: فعد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة»([1064]).

هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم، وكلهم من المهاجرين، وتبشير العشرة هؤلاء بالجنة لا ينافي تبشير غيرهم، فقد جاء تبشير غيرهم في غير ما خبر؛ ولأن العدد في الحديث لا ينفي الزائد، وممن بشر بالجنة سوى هؤلاء العشرة كثير منهم:

(11) بلال بن رباح:

 بلال بن رباح الحبشي المؤذن واسم أمه حمامة، اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد. فأعتقه، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم، وأذن له، شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، خرج رضي الله عنه مجاهداً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات بـ الشام زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه([1065]).

وقد بشر رضي الله عنه بالجنة في غير ما حديث، فقد روى البخاري رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بـ الرميصاء([1066]) امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال»([1067]).

وعند مسلم بلفظ: «... ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال»([1068]).

وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله لـ بلال عند صلاة الغداة: «يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة؛ فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة، قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي»([1069]).

(12) زيد بن حارثة:

هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس وزيد هذا هو والد أسامة بن زيد الحب ابن الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت ((ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)) [الأحزاب:5]، استشهد في مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة رضي الله عنه([1070]).

ومما جاء في بشارته بالجنة ما أخرجه ابن عساكر عن زيد بن الحباب: حدثني حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لـ زيد بن حارثة»([1071]).

فهذا الحديث اشتمل على منقبة ظاهرة لـ زيد بن حارثة حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحد الذين رأى لهم بعض النعيم المعد لهم في الجنة.

(13) حاطب بن أبي بلتعة:

هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل يكنى أبا محمد واسم أبي بلتعة: عمرو بن راشد بن معاذ اللخمي، حليف قريش، ويقال: إنه من مذحج، وقيل: هو حليف للزبير بن العوام، وهو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليف لبني أسد بن عبد العزى، شهد بدراً والحديبية، ومات سنة ثلاثين بـ المدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلى عليه ذو النورين عثمان([1072]).

وقد جاء النص عليه في أنه من أصحاب الجنة، وممن يقطع له بدخولها فيما رواه مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن عبداً لـ حاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً، فقال: «يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية»([1073]).

فهذا الحديث تضمن فضيلة لأهل بدر والحديبية على وجه العموم ولـ حاطب على وجه الخصوص، حيث نص عليه باسمه أنه من أهل الجنة، وأن النار لا تمسه رضي الله عنه وأرضاه.

(14) عكاشة بن محصن:

هو عكاشة بن محصن بن حرثان بن مرة بن بكير بن غنم بن دودان بن أسيد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس السابقين الأولين البدريين أهل الجنة، قتل شهيداً في قتال أهل الردة زمن أبي بكر الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة وقد هداه الله عز وجل فرجع إلى الإسلام([1074]). شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة.

فقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر. فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، قيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس، ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ فقال: سبقك بها عكاشة»([1075]).

 وعند الإمام مسلم من حديث عمران بن حصين، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم»([1076]).

فهذان الحديثان فيهما منقبة ظاهرة لـ عكاشة بن محصن رضي الله عنه، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه من المقطوع لهم بدخول الجنة.

(15) سعد بن معاذ:

هو أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، أسلم رضي الله عنه بـ المدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، ثم كان سبباً في إسلام قومه كلهم، شهد بدراً، وأحداً، والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة حكمه المشهور([1077]) الذي وافق فيه حكم الله من فوق سبع سماوات، وبعد ذلك مات بسبب انتقاض جرحه، وذلك سنة خمس([1078]).

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم ببعض ما أعد الله له في الجنة من النعيم، فقد روى الشيخان من حديث البراء رضي الله عنه، قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: «تعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين»([1079]).

ورويا أيضاً من حديث أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم جبة([1080]) سندس وكان ينهي عن الحرير فعجب الناس منها فقال: «والذي نفس محمد بيده! إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا»([1081]). ففي هذين الحديثين: إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها التي هي المناديل خير من تلك الجبة التي أثارت العجب في نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المنديل أدنى الثياب، فغيره أفضل، وفيهما إثبات الجنة لـ سعد بن معاذ رضي الله عنه([1082]).

(16) ثابت بن قيس بن شماس:

هو: ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وأمه امرأة من طيء، يكنى أبا محمد بابنه محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، كان رضي الله عنه خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه([1083]).

 وقد وردت بشارته بالجنة فيما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: «يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل([1084]) النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى([1085]): فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة»([1086]).

وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك، أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) [الحجرات:2] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمر! وما شأن ثابت أشتكى؟([1087])، قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنة». وفي رواية أخرى له عن أنس قال: (لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث)([1088])ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: (فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة).([1089]).

 هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لـ ثابت بن قيس رضي الله عنه، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة رضي الله عنه وأرضاه.

(17) حارثة بن سراقة:

هو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، شهد بدراً، وقتل يومئذ شهيداً، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظاراً يوم بدر ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قتل بـ بدر من الأنصار([1090]).

وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس رضي الله عنه، قال: «أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: ويحكِ -أو هبلتِ- أوَجنة واحدة هي؟ إنها جنات كثيرة، وإنه في جنة الفردوس»([1091]).

وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا نبي الله! ألا تحدثني عن حارثة -وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة! إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»([1092]). في هذين الحديثين منقبة ظاهرة لـ حارثة بن سراقة، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أمه بأنه في الجنة، وأنه أصاب من الجنان أعلاها، وهي الفردوس.

(18) حارثة بن النعمان:

هو: حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من فضلاء الصحابة، توفي رضي الله عنه في خلافة معاوية بن أبي سفيان([1093]).

و حارثة هذا وردت بشارته بالجنة فيما صح من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذاك البر. كذاك البر» وكان أبر الناس بأمه([1094]).

ورواه أبو عبد الله الحاكم بلفظ: «دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلكم البر. كذلكم البر»([1095]).

قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم: (كذلكم البر. كذلكم البر) (المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم رأى هذه الرؤيا وقصها على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة بقوله (كذلكم البر)، أي: حارثة نال تلك الدرجة بسبب البر، وموقع هذه الجملة التذييل كقوله تعالى: ((وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)) [النمل:34]، وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر براً، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهاً على أن هذه الدرجة القصيا لا تنال إلا ببر الوالدين والتكرار للاستيعاب). اهـ([1096]).

(19) عبد الله بن سلام:

هو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وسلم، كان حليفاً للأنصار، وهو أحد أحبار اليهود، أسلم رضي الله عنه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، توفي بـ المدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين([1097]). أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: (إنه من أهل الجنة) إلا لـ عبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) [الأحقاف:10]([1098])الآية.

ورويا أيضاً- عن قيس بن عباد، قال: «كنت جالساً في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج، وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد([1099]) أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك، رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة([1100]) فقيل له: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف([1101]) فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقيل له: استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت، وذاك الرجل عبد الله بن سلام»([1102]).

وفي سنن الترمذي من حديث طويل عن معاذ بن جبل، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -أي في ابن سلام -: «إنه عاشر عشرة([1103]) في الجنة»([1104]).

هذه الأحاديث تضمنت الشهادة بالجنة لـ عبد الله بن سلام وأنه من المقطوع لهم بها.

قال ابن كثير في ترجمة عبد الله بن سلام: (وهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها)([1105]).

 (20) أم سليم بنت ملحان:

هي: أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء، أو الرميصاء كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت أنساً في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، فمات، فتزوجت بعده أبا طلحة الأنصاري([1106]).

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآها وسمع صوت حركة مشيها في الجنة.

فقد روى البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بـ الرميصاء([1107]) امرأة أبي طلحة»([1108]).

وعند مسلم بلفظ: «أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة»([1109]).

وروى مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دخلت الجنة فسمعت خشفة([1110])، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك»([1111]).

فهذه الأحاديث تضمنت شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لـ أم سليم رضي الله عنها.

788 وهناك جماعة من أهل بيت النبوة غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وردت نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها دلالة واضحة في أنهم ممن يقطع لهم بدخول الجنة، منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، فقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب([1112])، وابنته فاطمة رضي الله عنها أخبر بأنها سيدة نساء أهل الجنة([1113]) وولداها الحسن والحسين فقد بين عليه الصلاة والسلام بأنهما سيدا شباب أهل الجنة([1114])، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه دخل الجنة فنظر فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة متكئ على سرير([1115]).

فكل من تقدم ذكره شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة على سبيل التنصيص عليه باسمه منفرداً، كما شهد صلى الله عليه وسلم بالجنة لخلق كثير من الصحابة على سبيل الجمع كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فأهل بدر كان عددهم رضي الله عنهم بضعة([1116]) عشر وثلاثمائة([1117])، فهؤلاء أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الجنة، فقد روى البخاري من حديث طويل عن علي رضي الله عنه، وفيه أنه قال: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم»([1118]).

 وأما أهل بيعة الرضوان فقد كان عددهم ألفاً وأربعمائة([1119]) وكلهم شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأنهم ممن يقطع لهم بدخولها، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر عند مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها»([1120]).

فقد قال أهل العلم: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً... وإنما قال: (إن شاء الله) للتبرك لا للشك([1121]).

فـ أهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لكل من قدمنا ذكره في هذا المبحث([1122])، بل يشهدون بالجنة لجميع الصحابة من مهاجرين وأنصار حيث إن الله تعالى وعدهم جميعاً بالحسنى كما قال: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].

الفصل الثاني: إثبات عدالتهم رضي الله عنهم:

الفصل الثاني: إثبات عدالتهم رضي الله عنهم:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح.

المبحث الثاني: تعديل الله ورسوله للصحابة.

المبحث الثالث: الإجماع على عدالتهم رضي الله عنهم.

المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح:

- أولاً: معنى العدالة في اللغة:

جاء في الصحاح([1123]) للجوهري: (العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلَتَه، وفلان من أهل المَعْدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدْل وعدول أيضاً: وهو جمع عدل وقد عُدل الرجل بالضم عدالة... إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام).

وجاء في لسان العرب([1124]): (رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق:2]، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر) اهـ.

وجاء في المصباح المنير: (وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و(عُدِّل) هو بالضم، (عدالة) و(عدولة) فهو (عدل) أي: مرضي يقنع به، ويطلق (العدل) على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس:

وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا                      من كل قوم مسلمين عدولاً

وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة)([1125]).

وجاء في القاموس([1126]): (العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعَدُولة والمعدِلة والمعدَلة). اهـ.

فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة([1127])، وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها([1128]).

- ثانياً: تعريف العدالة في الاصطلاح:

أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء:

(1) روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: (العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها)([1129]).

(2) وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: (العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه، ومعروف بالصدق في حديثه، وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير)([1130]).

(3) وعرفها الغزالي بقوله: (والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضاً اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصداً، وبالجملة: كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، وإفراط المزح؟ وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا)([1131]).

(4) وعرفها ابن الحاجب([1132]) بقوله: العدالة: (هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة)([1133]).

(5) وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: (المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة)([1134]).

(6) وعرفها أيضاً بتعريف آخر فقال: والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلماً مكلفاً حراً غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: (وأن يكون ذا مروءة)([1135]).

واشتراط الحرية فيه نظر.

(7) وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف([1136]) حيث قال: (العدالة: هي استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة).

وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: (اجتناب الريبة وانتفاء التهمة).

زاد في الرعاية: (وفعل ما يستحب وترك ما يكره). اهـ.

(8) وقال السيوطي في تعريف العدالة: (حدها الأصحاب: بأنها ملكة، أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة، وهذه أحسن عبارة في حدها، وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر؛ لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار)([1137]).

 هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد، وهو: أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي، وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق.

والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر؛ لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.

والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:

الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصداً.

الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.

ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميعهم رضي الله عنهم عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.

 المبحث الثاني: تعديل الله ورسوله للصحابة:

لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعديل الصحابة الكرام رضي الله عنهم، مما لا يبقي معها شك لمرتاب في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:

(1) قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143].

ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة رضي الله عنهم: أن وسطاً بمعنى (عدولاً خياراً)([1138])، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة.

وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم([1139]).

وقد بين الرازي المعنى لقوله تعالى في الآية: (وسطاً) من وجوه:

 أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين، فكان معتدلاً فاضلاً.

الثاني: إنما سمي العدل وسطاً؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.

الثالث: لا شك أن المراد بقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] طريقة المدح لهم؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له، ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله (وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة.

الرابع: أن أعدل بقاع الشيء وسطه؛ لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوساط محمية محوطة، فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة([1140]) اهـ.

فالآية ناطقة بعدالة الصحابة رضي الله عنهم قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.

(2) قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110].

ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة رضي الله عنهم: أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن البعيد أن يصفهم الله عز وجل بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك؟ كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً -أي: عدولاً- وهم على غير ذلك.

والخطاب في هاتين الآيتين وإن كان موجهاً لمن كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم وقت نزول الآيتين إلا أنه يشمل جميع الأمة ويكون الصحابة هم أولى الناس بالدخول فيه لما لهم من المآثر الجليلة والأعمال الخيرية النبيلة التي جعلتهم أهلاً لأن يتصفوا بتلك الصفات الواردة في الآيتين.

قال الشاطبي([1141]) رحمه الله تعالى: (سنة الصحابة رضي الله عنهم سنة يعمل عليها ويرجع إليها، ومن الدليل على ذلك أمور:

أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]، وقوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143]، ففي الآية الأولى: إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة.

وفي الثانية: إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى.

ولا يقال: إن هذا عام في الأمة، فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول:

أولاً: ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر.

 ثانياً: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام وهم المباشرون للوحي.

ثالثاً: أنهم أولى بالدخول من غيرهم، إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح، وأيضاً: فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء، ولا محاشاة، بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته، وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط -أي: عدول- بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به)([1142]).

(3) قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74].

ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق، ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.

(4) قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].

ووجه دلالة هذه الآية على عدالتهم رضي الله عنهم أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلاً للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلاً في دينه.

 ومن أثنى الله تعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلاً، وإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت عدالة صفوة الخلق وخيارهم بهذا الثناء الصادر من رب العالمين؟!

(5) قوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].

وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، ووجه دلالة الآية على تعديلهم رضي الله عنهم: أن الباري جل وعلا أخبر برضاه عنهم، وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من الرب جل وعلا إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وفق ما أمر الله به، والصحابة رضي الله عنهم كانوا في مقدمة من استقاموا في جميع الأحوال.

فالآية فيها بيان أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الفتح:18]، وأما طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فبقوله: ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18] بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الفتح:18] لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة، كما قال عز وجل: ((وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)) [المجادلة:22]([1143]).

(6) قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].

 فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه، وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم؟

قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: (فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر، فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال، فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث، وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كـ علي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ((مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم؛ إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد)([1144]).

(7) قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) [الواقعة:10-12].

فالصحابة رضي الله عنهم هم السابقون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل خير، وإلى تحصيل كل قربة فيها رضا الرب جل وعلا، ولا يصدر ذلك إلا ممن تحقق بوصف العدالة.

قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر أفضلية جماعات الصحابة حسب سبقهم إلى الإسلام وحسب المشاهد، قال: (فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم إلى تمام بيعة الرضوان، فإنا نقطع على غيب قلوبهم، وأنهم كلهم مؤمنون صالحون، ماتوا على الإيمان والهدى والبر، كلهم من أهل الجنة لا يلج أحد منهم النار ألبتة لقول الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) [الواقعة:10-12] وقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) [الفتح:18] الآية -إلى أن قال: فمن أخبر الله عنهم بذلك فلا يحل لأحد أن يتوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة)([1145]).

(8) قوله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:8-9].

فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق هاتين الكلمتين من الآيتين حيث قال في خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار: (إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحين)، وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) [التوبة:119)]([1146])، فهذه الصفات الحميدة في هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتصفوا بها، ولذلك ختم الله صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون، وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون، وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول.

فهذه الآيات التي أسلفناها من الآيات البينة الدالة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم، فعدالتهم ثابتة بنص القرآن.

- وأما دلالة السنة على تعديلهم رضي الله عنهم:

فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث يطول تعدادها وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم بتعديلهم، ومن تلك الأحاديث:

ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «... ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» الحديث([1147]).

وجه دلالة الحديث على عدالتهم رضي الله عنهم: أن هذا القول صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع، وهذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم؛ حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحداً.

قال ابن حبان رحمه الله تعالى: (وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف؛ إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثني في قوله صلى الله عليه وسلم وقال: ألا ليبلغ فلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً)([1148])اهـ.

 (2) روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: (فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً...) الحديث([1149]).

(3) روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته»([1150]).

(4) وروى بإسناده إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: «صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»([1151]).

هذه الثلاثة الأحاديث فيها دلالة واضحة على أن الصحابة عدول على الإطلاق حيث شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية المطلقة، كما أخبر بأنهم أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث في الدين، ولا يخبر صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لمن كانوا عدولاً مستقيمين على الصراط المستقيم.

(5) روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»([1152]).

وجه الاستدلال بهذا الحديث على عدالة الصحابة رضي الله عنهم: أن الوصف لهم بغير العدالة سب لاسيما وقد نهى صلى الله عليه وسلم بعض من أدركه وصحبه عن التعرض لمن تقدمه لشهود المواقف الفاضلة، فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى([1153]).

فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم، وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق.

قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية([1154]): (باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم وإنما يجب فيمن دونهم، ثم قال: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن).

ثم ساق جملة من الآيات الدالة على ذلك -وقد سبق لنا قريباً ذكر بعضها- وكذلك جملة من الأحاديث إلى أن قال: (والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له).

ثم قال: (على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين).

فلقد صدق رحمه الله تعالى. لو لم تكن عدالتهم منصوصاً عليها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لجزم أهل العقول الصحيحة والقلوب السليمة بعدالتهم استناداً إلى ما تواترت به الأخبار عنهم من الأعمال الجليلة والخيرات الوفيرة التي قدموها لنصرة الدين الحنيف، فقد بذلوا ما أمكنهم بذله في سبيل نصرة الحق، ورفع رايته، وإرساء قواعده، ونشر أحكامه في جميع الأقطار رضي الله عنهم أجمعين.

والعدالة المرادة هنا ليس المقصود بها عدم الوقوع في الذنوب والخطايا فإن هذا لا يكون إلا لمعصوم.

قال ابن الأنباري: (وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا إن ثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل الشر، فإنه لا يصح وما صح فله تأويل صحيح)([1155]).

 المبحث الثالث: الإجماع على عدالتهم رضي الله عنهم:

أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء.. من لابس الفتن وغيرها، ولا يفرقون بينهم. الكل عدول إحساناً للظن بهم، ونظراً لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه والجهاد بين يديه، والمحافظة على أمور الدين والقيام بحدوده؛ فشهاداتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف بحث عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله).

وقد نقل الإجماع على عدالتهم جم غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول:

(1) قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول، قال: (هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء)([1156]).

(2) قال أبو عمر بن عبد البر: (ونحن وإن كان الصحابة رضي الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم)([1157]).

(3) حكى الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين، وعلل حصول الإجماع على عدالتهم بقوله: (ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار)([1158]).

(4) وقال الغزالي: (والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلق أن عدالتهم معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل) ثم ذكر بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم؟ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم)([1159]).

(5) ذكر ابن الصلاح أن الإجماع على عدالة الصحابة خصيصة فريدة تميزوا بها عن غيرهم، فقد قال: (للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة).

وقال أيضاً: (إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحساناً للظن بهم ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم)([1160]).

(6) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن الحروب التي وقعت بينهم كانت عن اجتهاد، وأن جميعهم معذورون رضي الله عنهم فيما حصل بينهم، قال: (ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم)([1161]).

وقال في التقريب: (الصحابة كلهم عدول.. من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به)([1162]).

(7) وقال الحافظ ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل)([1163]).

(8) وقال العراقي في شرح ألفيته بعد ذكره لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على عدالة الصحابة: إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وأما من لابس الفتن منهم وذلك من حين مقتل عثمان فأجمع من يعتد به أيضاً في الإجماع على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحملاً لهم في ذلك على الاجتهاد)([1164]).

(9) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبيناً أن أهل السنة مجمعون على عدالة الصحابة فقال: (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)([1165]).

(10) وقال السخاوي: (وهم رضي الله عنهم باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقاً كبيرهم وصغيرهم. لابس الفتنة أم لا وجوباً لحسن الظن، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعده صلى الله عليه وسلم، وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات؛ مع الشجاعه والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة)([1166])اهـ.

وقال الألوسي رحمه الله تعالى: (اعلم أن أهل السنة -إلا من شذ- أجمعوا على أن جميع الصحابة عدول يجب على الأمة تعظيمهم، فقد أخلصوا الأعمال من الرياء نفلاً وفرضاً، واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضى، وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضاً، فإذا أبصرتهم رأيت قلوباً صحيحة وأجساداً مرضى، وعيوناً قد ألفت السهر، فما تكاد تطعم غمضاً. بادروا أعمارهم لعلمهم أنها ساعات تنقضي ولله در من قال فيهم شعراً:

لله در أناس أخلصوا عملاً                       على اليقين ودانوا بالذي أمروا

أولاهم - نعماً فازداد شكرهم-                          ثم ابتلاهم فأرضوه بما صبروا

وفوا له ثم وافوه بما عملوا                         سيوفيهم يوماً إذا نشروا([1167])

فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموماً أمر مفروغ منه ومسلم، فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله وإجماع الأمة على ذلك، وهناك مذاهب ذهب أصحابها إلى القول بخلاف هذا الإجماع، وأصحابها ممن لا يعتد بقولهم ولا عبرة بخلافهم، وهي لا تستحق أن تذكر، وإنما تذكر لبيان بطلانها ومجانبتها للحق والصواب، وتلك المذاهب هي:

(1) مذهب الشيعة الرافضة:

 الشيعة الرافضة يعتقدون أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليسوا بعدول.. بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الخليفة من بعده بلا فصل هو علي رضي الله عنه، ويعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفراً يسيراً منهم يعدون بالأصابع، وسبب تكفيرهم لهم: أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي رضي الله عنه، ولم يعملوا بالنص عليه، ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم.

فقد روى محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد في كتابه الاختصاص عن الحارث بن المغيرة، قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله عليه السلام، فلم يزل يسأله حتى قال: (فهلك الناس إذاً، فقال: أي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت: أهل الشرق والغرب؟ قال: إنها فتحت على الضلال أي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد ولحقهم عمار وأبو ساسان الأنصاري([1168]) وحذيفة وأبو عمرة([1169]) فصاروا سبعة).

وفي رواية بعدها أنه قال: (ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعد)([1170]).

ولا شك أن من اعتقد كفر الصحابة وارتدادهم أنه كافر؛ لأنه لم يبق له أي علاقة في الدين؛ لأن الكتاب والسنة إنما تلقاهما من جاء بعد الصحابة من الصحابة، فمن اعتقد هذا المعتقد في خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين ماذا بقي له من الدين؟ وبناء على ذلك المعتقد الفاسد الذي يعتقده الشيعة الرافضة في الصحابة رضي الله عنهم يكون من البعيد جداً أن يقولوا بعدالة الصحابة بعد أن وصفوهم بالضلال والارتداد عن الإسلام، وهذا المذهب يحكم ببطلانه وضلال أهله كل من ألقى السمع لما ذكر الله في كتابه وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم، وما قام عليه إجماع أهل الحق ممن يعتد بقوله من بيان مكانة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وكل ما قدمنا في المبحث الثاني من هذا الفصل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها تقضى بفساد هذا المذهب وخبث قائليه، وسوء ما تنطوي عليه سرائرهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناظر بعين البصيرة في شبههم التي يبنون عليها معتقدهم هذا يجد أنها من زخرف القول.. تارة يقولونها من عند أنفسهم، وتارة ينسبونها إلى أهل البيت وهم رضي الله عنهم بريئون من هذا المعتقد ويتبرؤون من كل من استطال بلسانه على الصحابة بالسباب والشتائم، فقد كان موقف أهل بيت النبوة من الصحابة الكرام هو أنهم كانوا في مقدمة العاملين بقوله جل وعلا: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]. وكانوا ينكرون على من يزعم التشيع لهم ولا يعمل بما دلت عليه هذه الآية، ويدعون عليهم ويطردونهم من مجالسهم، ويتوعدونهم بالخروج من الإسلام.

فقد ذكر القرطبي: (أن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم روى عن أبيه، أن نفراً من أهل العراق جاءوا إليه فسبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ثم عثمان رضي الله عنه، فأكثروا، فقال لهم: (أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا. فقال: أفمن الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] قوموا فعل الله بكم وفعل).

 وذكر أيضاً (عن جعفر بن محمد بن عليّ عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان؟ فقال له: (يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:8] الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] الآية. قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10)])([1171]).

فمذهب الشيعة الرافضة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مذهب باطل بنص كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، حيث دلت هذه الأدلة كلها على عدالة جميع الصحابة صغيرهم وكبيرهم ذكراناً وإناثاً.

(2) مذهب المعتزلة:

أما المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاثة أقوال، وإليك هذه الأقوال الثلاثة مع اقتران كل قول ببيان بطلانه:

القول الأول: ذهب جمهورهم إلى أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل علياً، فالجمهور منهم صوبوا علياً في حروبه وخطئوا من قاتله، فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ([1172]) وانتفاء العدالة عنهم، وأسوق الرد على هذا القول بعض ما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة فيما يجب على المسلم اعتقاده حيال ما جرى بين الصحابة من الشجار:

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات -وقد سبق لهم من الله الحسنى- فإن الله يغفرها لهم، إما بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة... وهذه خير أمة أخرجت للناس، ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه، لما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق»([1173])، وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن علياً رضي الله عنه أقرب إلى الحق). اهـ([1174]).

وقال الحافظ ابن كثير مبيناً فساد معتقد المعتزلة في عدالة الصحابة: (وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل علياً، قول باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي وكان معه على المنبر: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([1175]) وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لـ معاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي واجتمعت الكلمة على معاوية وسمي عام الجماعة، وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمي الجميع مسلمين، وقال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) [الحجرات:9] فسماهم (مؤمنين) مع الاقتتال)([1176]).

وممن بين بطلان هذا القول الشوكاني رحمه الله تعالى، فإنه قال في صدد عرضه للأقوال في عدالة الصحابة: (القول الرابع: أنهم كلهم عدول إلا من قاتل علياً، وبه قال جماعة من المعتزلة والشيعة، ويجاب عنه: بأن تمسكهم بما تمسكوا به من الشبه يدل على أنهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله، وتهاوناً بدينه، وجناب الصحبة أمر عظيم، فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالماً، وقد كان في أهل الشام صحابة صالحون عرضت لهم شبه لولا عروضها لم يدخلوا في تلك الحروب ولا غمسوا فيها أيديهم، وقد عدلوا تعديلاً عاماً بالكتاب والسنة فوجب علينا البقاء على عموم التعديل والتأويل لما يقتضي خلافه)([1177]).

فهذا القول الذي قاله جمهور المعتزلة من نفي العدالة عمن قاتل علياً من الصحابة قول باطل؛ لأن الحروب التي جرت بينهم كانت لكل طائفة منهم شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها، فكلهم عدول رضي الله عنهم، ولم يخرج بشيء من تلك الحروب أحد من العدالة؛ لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم رضي الله عنهم([1178]).

القول الثاني: قول واصل بن عطاء:

فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين المتخاصمين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئاً لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة، وأقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقبل شهادة المتلاعنين([1179])، وبناء على معتقده هذا فإنه لم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل، فقد قال: لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم([1180]).

 وقال بقبول شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب طلحة والزبير([1181]) إذ قد يكون أحد الفريقين عدلاً وعلى صواب وهذا الرأي قال به وتبناه ضرار بن عمرو وأبو الهذيل ومعمر بن عياد السلمي حيث قالوا جميعاً: نحن نتولى كل واحد من الفريقين على انفراد([1182]).

وهذا القول كما هو واضح أصحابه قد شكوا في عدالة علي وطلحة والزبير وهو قول ظاهر البطلان، وهو أحقر من أن يرد عليه؛ لأن عدالة علي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة ثابتة بتعديل الله ورسوله إياهم، وبإجماع من قوله معتبر من أهل السنة والجماعة، وكفى بـ علي وطلحة والزبير شرفاً ورفعة أنهم من أصحاب الجنة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وإضافة إلى تلك المنزلة الرفيعة في دخولهم في أهل بيعة الرضوان الذين عدلهم الله وزكاهم من فوق سبع سموات بقوله جل وعلا: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18] فأي تعديل وأي شرف أعظم لمن كان من جملة هؤلاء، فمن تجرأ على تجريح هؤلاء فهو الجدير بالجرح وهو الأولى به، ومن قال بكفرهم فهو الكافر، وهو من الذين ضلوا عن سواء السبيل.

القول الثالث: قول عمرو بن عبيد:

أما عمرو بن عبيد فإنه تقدم خطوة أخرى على من تقدم ذكره من المعتزلة؛ فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل وصفين قد فسقوا جميعاً، وقال: لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل([1183]). وبلغ به الإزراء بهم والتنقص منهم إلى أن قال: لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك نعل ما أجزت شهادتهم([1184]).

وهذه الكلمة الخبيثة التي خرجت منه تنبئ عما يكنه لهم من الكراهية، وما عود عليه لسانه من سبهم وشتمهم، وهذه الكلمة لا يجرؤ أن ينطق بها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

وقد ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى مذهب عمرو بن عبيد وتولى الرد عليه حيث قال: (القول الثالث: إنهم كلهم عدول قبل الفتن لا بعدها فلا يجب البحث عنهم، وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقاً –أي: من الطرفين- لأن الفاسق من الفريقين غير معين، وبه قال عمرو بن عبيد من المعتزلة)، ثم قال رحمه الله مبيناً بطلان هذا القول: (وهذا القول في غاية الضعف لاستلزامه إهدار غالب السنة؛ فإن المعتزلين لتلك الحروب هم طائفة يسيرة بالنسبة إِلى الداخلين فيها، وفيه أيضاً أن الباغي غير معين من الفريقين وهو معين بالدليل الصحيح، وأيضاً التمسك بما تمسكت به كل طائفة يخرجها من إطلاق اسم البغي عليها على تسليم أن الباغي من الفريقين غير معين)([1185]).

ويرد عليه أيضاً: (أن الواجب على كل مسلم أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين، وعلى هذا فإما أن يكون كل مجتهد مصيباً، أو أن المصيب واحد والآخر مخطئ في اجتهاده، وعلى كلا التقديرين فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة)([1186]).

 فقول عمرو بن عبيد في عدالة الصحابة قول ظاهر البطلان ومردود عليه.

- المذهب الثالث:

أن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية([1187])، وقد عزا هذا القول السخاوي والشوكاني إلى أبي الحسين بن القطان([1188]) من علماء الشافعية.

وشبهته أنه قال: (فـ وحشي قتل حمزة وله صحبة، والوليد شرب الخمر. فمن ظهر عليه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة، والوليد ليس بصحابي؛ لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على طريقته)([1189]).

وهذه الشبهة حكم عليها السخاوي بأنها ساقطة؛ إذ الكل أصحابه باتفاق، وقتل وحشي لـ حمزة كان قبل إسلامه ثم أسلم، وليس ذلك مما يقدح به فالإسلام يجب ما قبله، وأما قوله: والوليد ليس بصحابي -إلخ كلامه- فلم يقل قائل من أهل العلم: إن ارتكاب المعصية يخرج من كان صحابياً عن صحبته، وقد كف النبي صلى الله عليه وسلم من لعن بعضهم بقوله: «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله»([1190]). كما كف عمر عن حاطب رضي الله عنه - لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟»([1191]) لاسيما وهم مخلصون في التوبة فيما لعله صدر منهم، والحدود كفارات، بل قيل في الوليد بخصوصه: إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه فشهدوا عليه بغير الحق، وبالجملة فترك الخوض في هذا ونحوه متعين([1192]).

فقول أبي الحسين القطان قول لا يعتد به إذ هو في هذه المسألة أحد الأقوال التي جانبت الصواب.

- المذهب الرابع:

أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه دون من رآه، أو زاره، أو وفد عليه لمدة قليلة، وهذا قول المازري من علماء المالكية، فقد حكى عنه الحافظ ابن حجر أنه قال في شرح البرهان: لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوماً ما أو زاره لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون)([1193]).

ويرد على كلام المازري بأنه لم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء -كما قال الحافظ ابن حجر - وذكر أن الشيخ صلاح الدين العلائي قال: (هو غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كـ وائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ولم يقم عنده إلا قليلاً وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر والله سبحانه وتعالى أعلم). اهـ([1194]).

فقول المازري هذا غير معتبر وهو قول ضعيف كما هو واضح لاستلزامه إخراج جماعة من خيار الصحابة الذين أقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم انصرفوا([1195]) منهم من ذكر في قول صلاح الدين العلائي.

فهذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة، وهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلا ضعفاً، فالواجب على المسلم أن يعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من أن عموم الصحابة عدول ويحرم على كل إنسان ثلبهم بما يشينهم، ولا عبرة بخلاف من خالف في ذلك من الطوائف المخذولة أهل البدع والأهواء مثل الرافضة والمعتزلة والزنادقة وغيرهم ولا من سلك طريقهم في العصر الحديث من الكفرة المستشرقين الذين يزعمون أنهم يعتنون بالدراسات الإسلامية والبحث فيها هم ومن قلدهم من أبناء المسلمين الواقعين في حرمات الله باسم حرية البحث العلمي، ويقولون: إن كل إنسان له أن يقول ما شاء حتى ولو كان في ذلك اعتداء على حرمات المؤمنين وتكذيب القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين تحت ستار حرية الرأي والبحث، وهذا الاتجاه مرفوض عند علماء المسلمين؛ حيث إن للعلم قواعد وأصول وضوابط شرعية يلتزم بها المؤمن حتى يكون بحثه واجتهاده في نطاقها، أما حرية البحث التي فتن بها أهل الأهواء ممن ينتسبون إلى الإسلام وقلدوا فيها الأعداء وطبقوها حسب ما تلقوها، فليست من سنن المؤمنين ولا سبيل المسلمين، ولذلك كانت بحوثهم مناقضة للقواعد الشرعية والأحكام الإسلامية، فالذين يجرحون الصحابة ويطعنون في عدالتهم إنما غرضهم من وراء ذلك هو التشكيك في الإسلام، وهدم قواعده التي قام عليها، وهذا ما فطن له أبو زرعة الرازي في القرن الثالث الهجري، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي زرعة الرازي أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)([1196]).

فقد صدق رحمه الله، فلا يتجرأ على تجريح الصحابة إلا مجروح فتح لنفسه باباً يلج منه إلى الزندقة، فمن يرد السلامة لدينه فعليه أن يعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة في عدالة الصحابة، وهو: أنهم كلهم عدول من لابس الفتن ومن لم يلابسها. وهذا هو المذهب الحق الذي يجب المصير إليه، وما أحسن ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في هذه المسألة حيث قال: (فأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى؛ إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى)([1197]).

الفصل الثالث: تحريم سبهم رضي الله عنهم:

الفصل الثالث: تحريم سبهم رضي الله عنهم:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز.

المبحث الثاني: دلالة السنة على تحريم سب الصحابة.

المبحث الثالث: من كلام السلف في تحريم سب الصحابة.

المبحث الرابع: حكم ساب الصحابة وعقوبته.

المبحث الأول: تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز:

إن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بنص الكتاب العزيز، وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إِلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله جل وعلا، من ذلك:

(1) قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] الآية.

ووجه دلالة الآية على تحريم سبهم: أن الله تعالى رضي عنهم رضىً مطلقاً، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضا من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضا، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة: يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك، حيث قال: ((وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، ومن هنا علم أن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)) [محمد:19].

 وقال تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)) [آل عمران:159]، ومحبة الشيء كراهته لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم)([1198]).

(2) قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57].

هذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله، والعذاب المهين لمن آذاه جل وعلا بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك([1199]) وإيذاء رسوله يشمل كل أذية قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى([1200]). ومما يؤذيه صلى الله عليه وسلم سب أصحابه. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله([1201]) وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم؛ فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم رضي الله عنهم.

(3) قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58].

وهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم([1202]).

ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم: أنهم في صدارة المؤمنين، فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) [البقرة:104]، ومثل قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [الكهف:107] في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة؛ لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم رضي الله عنهم، وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا، وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم ديناً له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبداً فهم في الحقيقة منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين)([1203])اهـ.

وكما هو معلوم أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزيز من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم([1204]).

(4) قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] الآية.

ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم: أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم.

قال أبو عبد الله القرطبي: (روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) [الفتح:29] حتى بلغ ((يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29]، فقال مالك: (من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية) -ثم قال: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين)، ثم ذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: (وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم)([1205])اهـ.

فهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة؛ لأن سبهم إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظاً عليهم، لا محل فيه للإيمان([1206]) نعوذ بالله من الخذلان.

(5) قوله تعالى: ((وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) [الحجرات:12].

 وهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه، والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»([1207]).

وبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة، وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله جل وعلا، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58]»([1208]).

فإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله عز وجل فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بالقول السيئ من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله عز وجل باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

 (6) قوله تعالى: ((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)) [الهمزة:1].

ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه بعد أن سئل عن قوله: ((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ)) [الهمزة:1]، قال: (طعان، ((لُمَزَةٍ)) [الهمزة:1]، قال: مغتاب)([1209]).

وقال مجاهد: (الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس)([1210]).

وقال قتادة: (((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)) [الهمزة:1] قال: يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم)([1211]). وقال أبو العالية: (((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)) [الهمزة:1] قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه)([1212])..، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة من السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين، وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم، فهم الهمازون لهم بالقول؛ بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم، وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطباً بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره.. أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم، وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم، وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم، وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة، والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

 المبحث الثاني: دلالة السنة على تحريم سب الصحابة:

لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك؛ لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا له وزراء وأنصاراً يذبون عنه، وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملاً غير منقوص، ولمقامهم الشريف، ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات؛ جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريحهم، أو الطعن فيهم والحط من قدرهم، ومن تلك النصوص:

(1) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([1213]).

وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً بلفظ: قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([1214]).

(2) وعند الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لـ عبد الرحمن بن عوف تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفقتم مثل أحد ذهباً، أو مثل الجبال ذهباً لما بلغتم أعمالهم»([1215]).

هذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة رضي الله عنهم، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم من المعاصي الكبائر([1216]).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن سب الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون)([1217]).

والنهي في هذين الحديثين المتقدمين كان موجهاً من النبي صلى الله عليه وسلم لمن كانت له صحبة متأخرة أن يسب من كانت له صحبة متقدمة لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة رضي الله عنهم([1218]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضاً؟ وقال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

 قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا، وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى. فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد.

وقوله: (لا تسبوا أصحابي) خطاب لكل أحد أن لا يسب من انفرد عنه بصحبته عليه الصلاة والسلام، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «أيها الناس! إني أتيتكم، فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر. صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟»([1219]).. أو كما قال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر، وذلك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها)([1220])عنه اهـ.

فالنهي عن سبهم عام لكل من وجد على ظهر الأرض أياً كان عن أن يسب أي واحد من الصحابة.

قال المناوي بعد قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (دعوا لي أصحابي): (الإضافة للتشريف تؤذن باحترامهم وزجر سابهم... (لو أنفقتم مثل أحد ذهباً ما بلغتم أعمالهم) أي: ما بلغتم من إنفاقكم بعض أعمالهم لما قارنها من مزيد إخلاص وصدق نية وكمال يقين، وقوله: (أصحابي) مفرد مضاف فيعم كل صاحب له لكنه عموم مراد به الخصوص... يدل على أن الخطاب لـ خالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه، وأن المراد هنا متقدموا الإسلام منهم الذي كانت له الآثار الجميلة والمناقب الجليلة في نصرة الدين من الإنفاق في سبيل الله واحتمال الأذى في سبيل الله ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطباً بذلك حكماً إما بالقياس أو بالتبعية)([1221]).

(4) روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي»([1222]).

(5) وروى أيضاً بإسناده إِلى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»([1223]).

(6) وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من سب أصحابي»([1224]).

هذه الأحاديث الثلاثة مشتملة على لعن من سب الصحابة، ودلت على أن سبهم من الكبائر، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي كبائر وعد سب الصحابة منها([1225])، فعلى المسلم أن يحذر من سبهم، أو يتعرض لهم بما يشينهم رضي الله عنهم، وسبهم معناه: شتمهم، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين): الطرد والإبعاد عن مواطن الأبرار، ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق وتحريم سبهم يشمل من لابس الفتن ومن لم يلابسها؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون فسبهم كبيرة ونسبتهم إلى الضلال أو الكفر كفر([1226]).

(7) روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق»([1227]).

فكل من أطلق لسانه بالسب لهم فهو مستطيل عليهم بغير حق، وهو أفاك أثيم؛ إذ لفظ المسلم في الحديث أول ما ينطق عليهم إذ هم مقدمة المسلمين الذين انقادوا للّه تعالى بالطاعة وأخلصوا العبادة له وحده لا شريك له، وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً([1228]).

(8) روى الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»([1229]).

فإذا كان هذا الوعيد يلحق من سب أي مسلم كان فما الشأن بمن يسب خيار المسلمين والأبرار من عباده المتقين وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم. قال النووي رحمه الله تعالى: (السب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث: فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله: فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم)([1230])، وعلى هذا فـ الرافضة والخوارج ومن سلك طريقهم من أهل البدع الذين يشتمون الصحابة ويتكلمون فيهم بما يعيبهم بغير حق فهم أكثر من يدخل في وصف الفسق كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

قال المناوي مبيناً معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق»: (أي: مسقط للعدالة والمرتبة، وفيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بالفسق، وأن الإيمان ينقص ويزيد؛ لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه لا كما زعم المرجئة، أنه لا يضر مع التوحيد ذنب)([1231]).

فكل من سب الصحابة رضي الله عنهم أو واحداً منهم أسقط نفسه من العدالة وفسق بذلك وأدى إلى نقصان إيمانه بخروجه عن الطاعة.

(9) روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ساب الموتى كالمشرف على الهلكة»([1232]).

أراد: الموتى المؤمنين، وإيذاء المؤمن الميت أغلظ من الحي؛ لأن الحي يمكن استحلاله والميت لا يمكن استحلاله، فلذا توعد عليه بالوقوع في الهلاك([1233]).

(10) وروى أبو القاسم الطبراني أيضاً: عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة»([1234]).

ومعنى الحديث: أي يكاد أن يقع في الهلاك الأخروي، وأراد في ذلك المؤمن المعصوم، والقصد به التحذير من السب([1235]).

وهذا الحديث والذي قبله تضمنا العقوبة الشديدة التي تلحق ساب أي ميت من المسلمين وأي مؤمن كان، فما الشأن بمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خيار موتى المؤمنين وأفضل المؤمنين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟! فكل من سبهم يعد من أهلك الهالكين وأخسر الخاسرين بنص هذين الحديثين، فلا يجوز سب أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي وجه، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن أي كلام يصدر من بعض الصحابه لآخرين منهم لتضمن الأذى، وكان يحذر من ذلك أشد تحذير.

(11) فقد روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا خالد! لا تؤذِ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله، فقال: يقعون في فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار»([1236]).

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أي كلام يتضمن الأذى من بعض الصحابة لآخرين منهم، فما الشأن بحال من ليس من الصحابة ويطلق لسانه عليهم بالسب القبيح الذي يستحي المؤمن من حكايته عنهم؟! لا شك أن من كان هذا شأنه فإنه أنزل نفسه أقبح المنازل وتجرأ على خيار المؤمنين، وعصى سيد المرسلين في أمره بوجوب الإمساك عن الكلام في شأنهم إذا ذكروا.

 (2) فقد روى الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا»([1237]).

فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: إذا ذكر أصحابي بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات (فأمسكوا) وجوباً عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا يليق فإنهم خير الأمة وخير القرون، ولما جرى بينهم محامل([1238])، فالذي يشغل نفسه بما حصل بينهم من الوقائع ويتخذ ذلك ذريعة لسبهم والطعن فيهم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم في أمره بالإمساك عن الكلام فيهم إذا ذكر ما شجر بينهم، وعصاه أيضاً في أمره بالإحسان إليهم، وأمره بحفظه فيهم.

(13) فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى جابر بن سمرة، قال: «خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»([1239]).

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالإحسان إلى جميع الصحابة، والإحسان يكون بالقول كما يكون بالفعل، فيجب على جميع الناس بعدهم أن يحسنوا إليهم بكف ألسنتهم عن غمطهم أو الوقيعة فيهم بلوم أو تعنيف لبذلهم نفوسهم وإطراحها بين يدي الله تعالى في الحروب، وقتالهم القريب والبعيد في ذات الله، وبذلهم أموالهم وخروجهم من ديارهم وصبرهم على البلاء والجهد الذي لا يطيقه غيرهم، وليس ذلك إلا عن أمر عظيم ملك البواطن وصرفها على حكم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، فاستوجبوا بذلك الرعاية وكمال العناية([1240]). فالذي يسبهم ويطعن فيهم لم يحسن إليهم ولم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وإنما أتى بعكس ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أنه فعل ضد ما أمر به، وهو الإساءة إليهم بالقول السيئ نعوذ بالله من ذلك.

والأحاديث التي اشتملت على تحريم سب الصحابة والنهي عنه كثيرة، فالواجب على كل مسلم أن يحذر من الوقوع في ذلك، ويعتقد حرمة ذلك، وأنه من أعظم الذنوب التي لا يقع فيها إلا رافضي جعل للشيطان على نفسه سبيلاً يتبعه في كل شيء يأمره به مما فيه معصية الله عزوجل.

والحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاحترامهم ومعرفة حقهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم، وحفظوا رسول الله فيهم حيث اعتقدوا ما دل عليه الكتاب والسنة من حرمة سبهم، فهم العاملون بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فيما يجب لهم من الحق على الخلق بعدهم. حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم.

--------------

([1021]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (18/ 32).

([1022]) سنن الترمذي: (5/ 358)، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد في مسنده: (4/ 87)، والبيهقي في الاعتقاد، (ص: 161).

([1023]) انظر تحفة الأحوذي: (10/ 365)، الفتح الرباني للساعاتي: (22/ 169).

([1024]) فيض القدير للمناوي: (2/ 98).

([1025]) صحيح البخاري: (1/ 12).

([1026]) فيض القدير للمناوي: (1/ 62).

([1027]) صحيح مسلم: (1 / 85).

([1028]) صحيح مسلم: (1/ 86).

([1029]) المسند: (2/ 501)، ورواه ابن ماجة من حديث البراء بن عازب: (1/ 57)، وأورده الشيخ الألباني في الصحيحة برقم (991).

([1030]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 10/ 39، وقال عقبه: ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن حاتم وهو ثقة، وذكر أيضاً: أن الطبراني رواه بهذا اللفظ عن معاوية بن أبي سفيان ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة اهـ. وأورده أيضاً الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2 / 724).

([1031]) المسند: (4 / 283).

([1032]) معناه: أن الله تعالى يمتحن الناس بحبهم وبغضهم فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله.

([1033]) المسند: (5/ 285)، قال الساعاتي في كتابه الفتح الرباني، (22/ 174): لم أقف عليه لغير الإمام أحمد عن سعد بن عبادة، وسنده جيد ورجاله ثقات. ورواه عبد الرزاق في المصنف: (11/ 59).

([1034]) المسند: (3/ 429)، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (4/ 235)، ورواه أيضاً عبد الرزاق في المصنف: (11/ 59).

([1035]) صحيح مسلم: (1/ 186).

([1036]) شرح النووي على صحيح مسلم: (2/ 63-64).

([1037]) كتاب الكبائر، (ص: 234-235).

([1038]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: (1 / 152).

([1039]) رواه خيثمة بن سليمان في كتاب الرقائق والحكايات، (ص: 171).

([1040]) شرح الطحاوية (ص 467).

([1041]) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، (ص: 271).

([1042]) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس، (ص: 173)، وانظر: قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر، (ص: 103).

([1043]) انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني: (2/ 354).

([1044]) صحيح مسلم: (4/ 2317).

([1045]) المصنف لابن أبي شيبة: (12/ 179).

([1046]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي: (8/ 113).

([1047]) شرح النووي على صحيح مسلم: (18/ 158-159).

([1048]) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة، (ص 119)، وأورده القرطبي في تفسيره: (18 / 33).

([1049]) أي: فضلت. فقد جاء في شرح الطحاوية، (ص: 531) بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة.

([1050]) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن: (7/ 54)، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (18/ 33)، وانظر منهاج السنة: (1/ 6-7)، شرح الطحاوية، (ص: 531-532).

([1051]) حلية الأولياء: (4/ 321)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف: (12/ 179).

([1052]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور: (8/ 113).

([1053]) جامع البيان للطبري: (28/ 44-45).

([1054]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور: (8/ 113-114).

([1055]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور: (8/ 113-114).

([1056]) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة: (1/ 153)، ورواه الحاكم في المستدرك: (2/ 484)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

([1057]) انظر قول مالك في أحكام القرآن لابن العربي: (4/ 1778)، زاد المسير في علم التفسير: (8/ 216)، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن: (7/ 54)، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (6/ 609).

([1058]) زاد المسير في علم التفسير: (8/ 216).

([1059]) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن: (7/ 54).

([1060]) منهاج السنة: (1/ 153)، وانظر شرح الطحاوية، (ص: 529).

([1061]) تفسير القرآن العظيم: (6/ 609).

([1062]) فتح القدير: (5/ 202).

([1063]) انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة، (ص: 264- 265).

([1064]) سنن الترمذي: (3/ 311-312)، وسنن أبي داوُد: (2/ 515-516)، وابن ماجة: (1/ 48).

([1065]) انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد: (3/ 232-239)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 145-150)، أسد الغابة: (1/ 206-209)، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 136-137)، سير أعلام النبلاء: (1/ 347). الإصابة: (1/ 169)، تهذيب التهذيب: (1 / 502).

([1066]) جاء في الآية: (2/ 263) يقال غمصت العين ورمصت من الغمص والرمص وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان، والرمص الرطب، والغمص اليابس.

([1067]) صحيح البخاري: (2/ 293).

([1068]) صحيح مسلم: (4/ 1908).

([1069]) صحيح مسلم: (4/ 1910).

([1070]) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: (3/ 40-47)، الجرح والتعديل: (3/ 559)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 525-530)، أسد الغابة: (2/ 224-227)، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 202-203) سير أعلام النبلاء: (1/ 220-230)، مجمع الزوائد: (9/ 274-275)، الإصابة: (1/ 545-546).

([1071]) أورده السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه للروياني والضياء في المختارة عن بريدة. انظر: فيض القدير للمناوي: (3/ 521)، وذكره الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة: (4/ 474)، وقال: رواه ابن عساكر: (6/ 399/ 2)، من طريقين عن زيد بن الحباب... إلخ السند المذكور، ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وأورده أيضاً في صحيح الجامع: (3/ 141)، وقال عقبه: صحيح.

([1072]) انظر ترجمته في الطبقات لابن سعد: (3/ 114-115)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 347-350)، سير أعلام النبلاء: (2/ 43-45)، البداية والنهاية: (7/ 171)، الإصابة: (1/ 299-300).

([1073]) صحيح مسلم: (4/ 1942).

([1074]) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: (3/ 92-93)، الجرح والتعديل: (7/ 39)، حلية الأولياء: (2/ 12-13)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (3/ 155-157)، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 338)، الإصابة: (2/ 487-489).

([1075]) صحيح البخاري: (4/ 18-19)، وانظر صحيح مسلم: (1/ 199).

([1076]) صحيح مسلم: (1/ 198).

([1077]) وهو أن من أنبت منهم قتل ومن لم ينبت خلي سبيله، انظر حديث عطية القرظي في سنن أبي داوُد: (2/ 453)، سنن الترمذي: (3/ 72)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([1078]) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: (3/ 420-436)، الجرح والتعديل: (4/ 93)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (2/ 25-30)، أسد الغابة: (2/ 296-299)، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 214-215)، سير أعلام النبلاء: (1/ 279-297)، البداية والنهاية: (4/ 143-146)، الإصابة: (2/ 35).

([1079]) صحيح البخاري: (3/ 95)، صحيح مسلم (4/ 1916)، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: (3/ 158).

([1080]) الجبة: هي ما قطع من الثياب مشمراً. هدي الساري، (ص: 96)، وانظر شرح النووي: (16/ 23-24).

([1081]) صحيح البخاري: (2/ 95)، صحيح مسلم: (4/ 1916)، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: (3/ 158).

([1082]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم: (16/ 23).

([1083]) انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 193-197)، تهذيب الأسماء واللغات: (1/ 139-140)، سير أعلام النبلاء: (1/ 308-314)، تهذيب التهذيب: (2/ 12-13)، الأصابة: (1/ 197).

([1084]) هذا الرجل هو سعد بن معاذ كما في رواية مسلم التي ستأتي بعد هذا الحديث.

([1085]) هو ابن أنس راوي الحديث عن أنس. انظر فتح الباري: (8/ 592).

([1086]) صحيح البخاري: (3/ 191).

([1087]) أشتكى: الهمزة للاستفهام أي: أمرض، فالشكوى هنا المرض وهمزة الوصل ساقطة كما في قوله تعالى: ((أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ))[الصافات:153].

([1088]) أي: وروى الحديث على وجهه.

([1089]) الحديثان في صحيح مسلم: (1/ 110-111).

([1090]) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: (3/ 510-511)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 284)، الإصابة في تمييز الصحابة: (1/ 297)، فتح الباري: (7/ 305)، أسد الغابة: (1/ 355-356).

([1091]) صحيح البخاري: (3/ 7).

([1092]) صحيح البخاري: (2/ 139).

([1093]) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: (3 / 487-488)، طبقات خليفة، (ص:90)، المستدرك: (3/ 208)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 282-284)، أسد الغابة: (1/ 358-359)، سير أعلام النبلاء: (2/ 378-380)، الإصابة: (1/ 298-299).

([1094]) المسند: (6/ 151-152)، قال الحافظ: إسناده صحيح. الإصابة: (1/ 298).

([1095]) المستدرك: (3/ 208)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي: 3/ 519، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (2/ 616).

([1096]) ذكره عنه المناوي في فيض القدير: (3/ 519).

([1097]) انظر ترجمته في الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة: (2/ 374-376)، أسد الغابة: (3/ 176)، البداية والنهاية: (8/ 30)، الإصابة: (2/ 312-313).

([1098]) صحيح البخاري: (2/ 314)، صحيح مسلم: (4/ 1930).

([1099]) هذا إنكار من عبد الله بن سلام حيث قطعوا له بالجنة فيحمل على أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو، ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعاً وإيثاراً للخمول وكراهة للشهرة. شرح النووي: (16/ 42)، فتح الباري: (7/ 131).

([1100]) العروة: هي مقبض الشيء. انظر لسان العرب: (15/ 45).

([1101]) هو: الخادم الصغير المدرك للخدمة. شرح النووي: (16/ 42)، النهاية في غريب الحديث: (5/ 66).

([1102]) صحيح البخاري: (2/ 314-315)، صحيح مسلم: (4/ 1930-1931)، وانظر اللؤلؤ والمرجان: (3/ 164).

([1103]) جاء في تحفة الأحوذي: (10/ 307): (عاشر عشرة في الجنة) أي: مثل عاشر عشرة، أو المعنى يدخل بعد تسعة نفر من الصحابة في الجنة ذكره السيد جمال الدين. قال القارئ: وفيه أنه يلزم تقدمه على بعض العشرة، فلعله العاشر من الذين أسلموا من اليهود، أو مما عدا العشرة المبشرة فيدخل الجنة بعد تسعة عشر من الصحابة اهـ.

([1104]) سنن الترمذي: (5/ 336)، وقال عقبه: وفي الباب عن سعد هذا حديث حسن غريب.

([1105]) البداية والنهاية: (8/ 30).

([1106]) طبقات ابن سعد: (8/ 424-434)، الجرح والتعديل: (9/ 464)، الاستيعاب على حاشية الإصابة: (4/ 437-438)، سير أعلام النبلاء: (2/ 304-311)، الإصابة: (4/ 481-442)، تهذيب التهذيب (12/ 471).

([1107]) الرمص: قذى يابس وغير يابس يكون في أطراف العينين. انظر شرح النووي: (16 / 11)، النهاية في غريب الحديث: (2/ 263).

([1108]) صحيح البخاري: (2/ 293).

([1109]) صحيح مسلم (4 / 1908).

([1110]) هي. حركة المشي وصوته. انظر شرح النووي: (16/ 11)، النهاية في غريب الحديث: (2/ 34).

([1111]) صحيح مسلم (4/ 1908).

([1112]) صحيح البخاري: (2/ 315-316)، صحيح مسلم: (4/ 1887).

([1113]) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري: (6/ 627-628)، المستدرك: (3/ 151).

([1114]) انظر المسند: (3/ 3)، سنن الترمذي: (5/ 321)، سنن ابن ماجة: (1/ 44)، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي: (3/ 415).

([1115]) انظر المستدرك: (3/ 209)، الجامع الصغير للسيوطي. انظر فيض القدير للمناوي: (3/ 521)، صحيح الجامع الصغير للألباني: (3/ 140-141).

([1116]) البضع في العدد بالكسر وقد يُفتح: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد. النهاية في غريب الحديث: (1/ 133).

([1117]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري: (7 / 290- 291).

([1118]) صحيح البخاري: (3/ 7).

([1119]) ذكر البخاري ثلاثة أقوال في عددهم وأرجحها ما أوردناه هنا. انظر صحيح البخاري: (3/ 42-43)، وشرحه فتح الباري: (7/ 440).

([1120]) صحيح مسلم: (4/ 1942).

([1121]) شرح النووي على صحيح مسلم: (16/ 58).

([1122]) انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة، (ص: 261-264)، عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: (1/ 128)، لمعة الاعتقاد لابن قدامة، (ص: 28)، العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرحها لمحمد خليل هراس، (ص: 169)، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصديق حسن خان، (ص: 98).

([1123]) 5/ 1760-1761، مختار الصحاح، ص: 415- 416.

([1124]) (11/ 430).

([1125]) المصباح المنير: (2/ 397).

([1126]) (4/ 13).

([1127]) انظر لسان العرب: (11/ 431)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: (11/ 282).

([1128]) انظر المصباح: (2/ 397).

([1129]) الكفاية، (ص: 102).

([1130]) الكفاية، (ص: 103).

([1131]) المستصفى للغزالي: (1/ 157).

([1132]) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس بن عمرو جمال الدين بن الحاجب. فقيه مالكي من كبار العلماء بالعربية، ولد في أسنا من صعيد مصر سنة سبعبن وخمسمائة، وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: (23/ 264-266)، البداية والنهاية: (13/ 168)، الأعلام للزركلي: (4/ 374)، معجم المؤلفين: (6/ 265).

([1133]) مختصر منتهى الأصولي مع شرح القاضي عضد الملة والدين: (2/ 63).

([1134]) نزهة النظر شرح نخبة الفكر، (ص: 29)، وانظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للقرافي، (ص: 361).

([1135]) فتح الباري: (5/ 251- 252)، وانظر: تيسير التحرير: (3/ 44).

([1136]) (12/ 43).

([1137]) الأشباه والنظائر، (ص: 384-385).

([1138]) انظر جامع البيان للطبري: (2/ 7)، الجامع لأحكام القرآن: (2/ 153)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (1/ 335).

([1139]) انظر الكفاية للخطيب البغدادي، (ص: 64).

([1140]) تفسير الرازي: (4/ 97).

([1141]) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي، أبو إسحاق، محدث، فقيه، أصولي، لغوي، مفسر، مات في شعبان سنة تسعين وسبعمائة. انظر ترجمته في فهرس الفهارس: (1/ 134)، الأعلام للزركلي: (1/ 71)، معجم المؤلفين: (1/ 118).

([1142]) الموافقات: (4/ 40-41).

([1143]) التفسير الكبير للرازي: (28/ 95).

([1144]) الجامع لأحكام القرآن: (16/ 299).

([1145]) ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة يين الصحابة، (ص: 265-266).

([1146]) العواصم من القواصم لابن العربي، (ص: 44-45).

([1147]) صحيح البخاري: (1/ 31)، صحيح مسلم: (3/ 1306).

([1148]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: (1/ 91).

([1149]) صحيح البخاري: (2/ 287-288)، صحيح مسلم: (4/ 1964).

([1150]) صحيح البخاري: (2/ 288)، وانظر صحيح مسلم: (4/ 1963).

([1151]) صحيح مسلم: (4/ 1961).

([1152]) صحيح البخاري: (2/ 292).

([1153]) فتح المغيث شرح ألفية الحديث: (3/ 110-111).

([1154]) (ص: 63-67).

([1155]) فتح المغيث: (3/ 115).

([1156]) الكفاية، (ص: 67).

([1157]) الاستيعاب على حاشية الإصابة: (1/ 8).

([1158]) فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/ 112)، وذكره السيوطي في تدريب الراوي: (2/ 214).

([1159]) المستصفى: (1/ 164).

([1160]) مقدمة ابن الصلاح، (ص: 146-147).

([1161]) شرح النووي على صحيح مسلم: (15/ 149).

([1162]) تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي: (2/ 214).

([1163]) الباعث الحثيث: (ص: 181-182).

([1164]) شرح ألفية العراقي المساة بالتبصرة والتذكرة: (3/ 13- 14).

([1165]) الإصابة: (1/ 17).

([1166]) فتح المغيث (3/ 8).

([1167]) الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية، ص.........

([1168]) هو حصين بن المنذر بن الحارث الرقاشي. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: (2/ 395).

([1169]) هو الصحابي الجليل بشير بن عمر الأنصاري النجاري. انظر ترجمته في الاستيعاب: (1/ 157)، الإصابة: (4/ 141).

([1170]) الروايتان في كتاب الاختصاص، للمفيد، (ص: 6)، وانظر كتاب الروضة من الكافي للكليني، حديث رقم (356).

([1171]) الجامع لأحكام القرآن: (18/ 31-32).

([1172]) مقالات الإسلاميين: (2/ 145)، الفرق بين الفرق (ص 120-121).

([1173]) انظر الحديث في صحيح مسلم: (2/ 745).

([1174]) مجموع الفتاوى: (3/ 406- 407).

([1175]) صحيح البخاري: (2/ 114).

([1176]) الباعث الحثيث، (ص: 182).

([1177]) إرشاد الفحول، (ص: 70).

([1178]) انظر الرد على الرافضة لأبي حامد محمد المقدسي، (ص: 316- 317).

([1179]) انظر الملل والنحل للشهرستاني: (1/ 49).

([1180]) ميزان الاعتدال للذهبي: (4/ 329)، وانظر الفرق ببن الفرق، (ص120)، الملل والنحل للشهرستاني: (1/ 49).

([1181]) انظر الفرق بين الفرق، (ص: 120، ص: 320).

([1182]) مقالات الإسلاميين: (2/ 145).

([1183]) انظر الفرق بين الفرق، (ص: 121)، التبصير في الدين، (ص: 69)، الملل والنحل للشهرستاني: (1/ 49).

([1184]) ميزان الاعتدال: (3/ 275).

([1185]) إرشاد الفحول: (ص 70).

([1186]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (1/ 274).

([1187]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (1/ 274)، شرح مختصر المنتهى: (2/ 67).

([1188]) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان البغدادي من كبار الشافعية له مصنفات في أصول الفقه وفروعه، توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. انظر ترجمته في تاريخ بغداد: (4/ 365)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي: (2/ 214-215).

([1189]) انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي: (3 / 112)، ارشاد الفحول للشوكاني، (ص: 69).

([1190]) صحيح البخاري: (3/ 172)، من حديث عمر رضي الله عنه.

([1191]) صحيح البخاري: (3/ 7)، صحيح مسلم: (4/ 1942)، من حديث علي رضي الله عنه.

([1192]) فتح المغيث شرح ألفية الحديث: (3/ 112-113).

([1193]) الإصابة في تمييز الصحابة: (1/ 19).

([1194]) الإصابة: (1/ 19-20)، فتح المغيث شرح ألفية الحديث: (3/ 113-114).

([1195]) انظر إرشاد الفحول للشوكاني، (ص: 70).

([1196]) الكفاية، (ص: 67).

([1197]) الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد، (ص: 46).

([1198]) انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول، (ص: 572- 575)، وحديث عائشة في صحيح مسلم: (4/ 2317).

([1199]) تفسير ابن كثير: (5/ 514).

([1200]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: (6/ 121).

([1201]) انظر المسند للإمام أحمد: (4 / 87).

([1202]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (5/ 514-515).

([1203]) تفسير ابن كثير: (5/ 515).

([1204]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: (6/ 121).

([1205]) الجامع لأحكام القرآن: (16/ 296-297)، وانظر قول مالك في شرح السنة للبغوي: (1/ 229).

([1206]) انظر ما قاله الإمام مالك فيمن يسب الصحابة في تفسير ابن كثير: (5/ 365).

([1207]) سنن أبي داوُد: (2/ 567)، سنن الترمذي: (3/ 220-221)، وقال: حسن صحيح.

([1208]) ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره: (5/ 515)، وأورده السيوطي في الدر المنثور: (6/ 658).

([1209]) الدر المنثور: (8/ 624).

([1210]) الدر المنثور: (8/ 624).

([1211]) الدر المنثور: (8/ 624).

([1212]) الدر المنثور: (8/ 624).

([1213]) صحيح البخاري: (2/ 292).

([1214]) صحيح مسلم: (4/ 1967-1968).

([1215]) المسند: (3 / 266)، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير: (3/ 531)، وانظر سلسلة الأحادث الصحيحة للألباني (4/ 556).

([1216]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم: (16 / 93).

([1217]) شرح النووي على صحيح مسلم.

([1218]) شرح الطحاوية، (ص: 529-530).

([1219]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري: (8 / 303)، من حديث أبي الدرداء.

([1220]) الصارم المسلول على شاتم الرسول، (ص: 576- 577).

([1221]) فيض القدير للمناوي: (3/ 531).

([1222]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (10/ 21)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقة.

([1223]) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالحسن. انظر فيض القدير: (6/ 146)، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير: (5/ 299)، وقال: حسن، وأشار إلى أنه أورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم: (2340).

([1224]) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير: (5/ 274)، وأورده الألباني في كتاب صحيح الجامع الصغير: (5/ 23)، وقال: حسن.

([1225]) انظر: كتاب الكبائر للذهبي، (ص: 233- 237).

([1226]) فيض القدير للمناوي: (6/ 146-147).

([1227]) المسند: (1/ 190)، سنن أبي داوُد: (2/ 567)، صحيح الجامع الصغير: (2 / 242).

([1228]) الصارم المسلول على شاتم الرسول، (ص: 571).

([1229]) صحيح البخاري: (1/ 18)، صحيح مسلم: (1/ 81).

([1230]) شرح النووي: (2/ 53-54).

([1231]) فيض القدير: (4/ 84).

([1232]) أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، انظر: فيض القدير: (4/ 79).

([1233]) فيض القدير: (4/ 79).

([1234]) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي: (4/ 79)، وأورد. الألباني في صحيح الجامع الصغير: (3/ 196)، وعزاه للبزار وقال: حسن، كما أورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1878).

([1235]) فيض القدير للمناوي: (4/ 79).

([1236]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (9/ 349)، وقال عقبه: رواه الطبراني في الصغير والكبير باختصار والبزار بنحوه، ورجال الطبراني ثقات وأخرج الحاكم منه ما يخص خالداً في المستدرك: (3/ 298)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: (12/ 150).

([1237]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (7/ 202) وقال: رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه أبو نعيم في الحلية: (4/ 108)، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالحسن. انظر: فيض القدير للمناوي: (1/ 347، 348). وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير: (1/ 209)، وقال عقبه: صحيح، وأورده في الصحيحة: (1/ 42).

([1238]) فيض القدير للمناوي: (1/ 347).

([1239]) المسند: (1/ 26)، قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: (1/ 230): إسناده صحيح،، وأورده الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (431).

([1240]) فيض القدير للمناوي: (1/ 197).

عدد مرات القراءة:
989
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :