آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أهل السنة والجماعة يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم ..
الكاتب : د. ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

وفيه تمهيد وأربعة فصول:

الفصل الأول: خلافة الصديق رضي الله عنه.

الفصل الثاني: خلافة الفاروق رضي الله عنه.

الفصل الثالث: خلافة ذي النورين عثمان رضي الله عنه.

الفصل الرابع: خلافة علي رضي الله عنه.

 الفصل الأول: خلافة الصديق رضي الله عنه: 

وفيه مباحث:

المبحث الأول: الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه.

المبحث الثاني: كيفية مبايعته رضي الله عنه بالخلافة.

المبحث الثالث: ذكر النصوص التي فيها الإشارة إلى خلافته من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

المبحث الرابع: بيان انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه.

المبحث الخامس: ذكر بعض شبه الشيعة الإمامية في أن الخليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبيان بطلانها.

تمهيد:

قبل أن أشرع في ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الراشدين في الإمامة أسبق ذلك بهذا التمهيد المتضمن لبيان معنى الإمامة في اللغة والاصطلاح، وبيان حكم الإمامة عند أهل السنة والجماعة.

- أولاً: معناها في اللغة:

قال الزجاج: (الإمام الذي يؤتم به، ويفعل كفعله، ويقصد ما قصده، ومنه قوله تعالى: ((فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)) [النساء:43] أي: فاقصدوا)([387])وجاء في الصحاح للجوهري: (والأم (بالفتح) القصد، يقال أمه وتأممه إذا قصده... والإمام خشبة البناء التي يسوى عليها البناء والإمام الصقع من الأرض والطريق، قال تعالى: ((وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ)) [الحجر:79] والإمام الذي يقتدى به)([388]).

وجاء في لسان العرب: (والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين. إلى أن قال: والجمع أئمة... وإمام كل شيء قيمهُ والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم... وأممت القوم في الصلاة إمامة وائتم به أي: اقتدي به؛ وإمام الغلام في المكتب ما يتعلم كل يوم، والإمام الخيط الذي يمد على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه ساق البناء، والحادي إمام الإبل وإن كان وراءها لأنه الهادي لها، ويقال: فلان إمام القوم معناه: هو المتقدم لهم ويكون الإمام رئيساً كقولك إمام المسلمين)([389]).

فالإمامة في اللغة ذات معان متقاربة كما في هذه التعاريف اللغوية، وكلها فيها التوضيح إلى أن المراد بالإمام عند العرب هو الذي يتبع ويقتدى به، وهو القيم على مصالح الناس وشئونهم، وكذلك كان الأئمة الأربعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم قاموا بمصالح الأمة على أتم وجه وأكمله؛ فيلزم من ولي من أمر المسلمين أن يقتدي بالخلفاء الراشدين في أعمالهم الطيبة وسيرتهم الحسنة نحو الأمة؛ ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الالتزام الكامل والتمسك التام بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده حيث قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»([390]).

- ثانياً: تعريف الإمامة في الاصطلاح:

لقد عرف العلماء الإمامة في الاصطلاح بتعريفات مختلفة من حيث اللفظ، وعلى الرغم من اختلاف تعبيراتهم في تحديدها من حيث اللفظ إلا أنها تتحدُ في مدلولها من حيث المعنى، ومن هذه التعريفات:

(1) قال الماوردي: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم)([391]).([392]).

(2) وعرفها إمام الحرمين الجويني([393]) بقوله: (الإمامة رياسة تامة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدنيا والدين([394]).

(3) وعرفها ابن خلدون بقوله: (هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به)([395]).

فهذه التعاريف فيها بيان حد الإمامة في الاصطلاح، وهي مترادفة لفظاً متحدة من حيث المعنى، بين فيها هؤلاء العلماء أن سياسة الإمام يجب أن تكون وفق الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون بعيداً عن الحكم بالهوى والشهوة في كل حال، ولا بد أن يكون حكمهُ بالشرع في كل الأمور الدينية والدنيوية حتى يصدق عليه أنه نائب عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا بالقيام بشرع الله الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من كتاب وسنة، ولفظ الإمام والخليفة والأمير ألفاظ مترادفة وكلها جاءت في ألفاظ من الحديث النبوي الشريف مثل قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق ولكم مثل ذلك»([396]) وقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»([397]) وقوله صلى الله عليه وسلم: «... ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»([398]) فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يروون هذه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقاها عنهم التابعون كذلك دون أن يفرقوا بين لفظ خليفة وإمام وأمير، وقد سمي الصديق رضي الله عنه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ولي الفاروق أرادوا أن يطلقوا عليه: خليفة خليفة رسول الله وكذلك من يأتي بعدهُ، فنظروا فإذا باللفظ يطول فاتفقوا على تسميته بأمير المؤمنين([399]) وكذلك سمي عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

- ثالثاً: حكم الإمامة:

أجمع عامة المسلمين على وجوب نصب إمام للأمة يقيم لهم أحكام شرع الله، ولم يخالف هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج والأصم والفوطي([400]) من المعتزلة.

قال أبو محمد بن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم، وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم بـ اليمامة)([401]).

فـ أهل السنة والجماعة مذهبهم: أن نصب الإمام الأعظم واجب بنص الشرع الحنيف لتجتمع به كلمة المسلمين وتنفذ به أحكام الشريعة، وهذا المذهب هو المذهب الحق المؤيد بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، فأما دلالة الكتاب على وجوبها فمن ذلك:

(1) قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) [البقرة:30] الآية

وجه دلالة الآية: أن أهل العلم اعتبروها أصلاً في وجوب نصب الإمام ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع التنازع، وينتصر لمظلومهم من ظالميهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش.. إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: (هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة([402]) ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك)([403]).

(2) قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59].

وفي هذه الآية أوجب الله تعالى على عباده المؤمنين طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم، والمراد بأولي الأمر هم الأمراء والولاة.

فقد أخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال في قوله تعالى: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59]: (هم الأمراء)([404])وهو مروي عن ابن عباس وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل([405]).

وقد ذكر العلامة ابن جرير عدة أقوال في المراد بقوله: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59] ثم رجح قول من قال: (هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة)([406]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (الظاهر -والله أعلم- أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء)([407]).

فالآية دلت على أنه يجب على المسلمين أن ينصبوا لهم إماماً يرجعون إليه.

(3) قال تعالى: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)) [ص:26]. وهذه الآية فيها إرشاد وتعليم من الباري جل وعلا لعباده المؤمنين أنه لا بد من خليفة يقوم بالحكم بما أنزل الله بين عباده لتصلح به البلاد والعباد.

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد)([408]). والآيات الدالة على وجوب نصب الإمام كثيرة جداً، فما من آية أنزلها الله على رسوله بتشريع حكم من الأحكام والتي لها علاقة بموضوع الإمامة وشئونها إنما هي تأكيد جازم على إيجاد الإمامة الشرعية في المجتمع المسلم؛ لأن وجود ولي الأمر من الضروريات التي حث الإسلام على وجودها في كل الأحيان، إذ هناك أمور يتطلب تنفيذها وجود الإمامة العظمى.

وأما دلالة السنة على وجوب نصب الإمام الأعظم فقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة منها:

(1) روى الإمام أحمد وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا أو قالوا: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعِش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»([409]). فقد بين عليه الصلاة والسلام أنه سيكون من بعده خلفاء راشدون يخلفونه في أمته، ويسيرون على نهجه في سياسة الأمة بالكتاب والسنة، وحث الناس على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وفي هذا بيان أنه لا بد للناس من إمام يرجع إليه في إقامة الحدود وقطع التنازع والاختلاف، ولذا تواتر أن الصفوة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين بايعوا الصديق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يدفنوه صلى الله عليه وسلم، ولما أحس الصديق بدنو أجله استخلف الفاروق رضي الله عنه، ولما طعن الفاروق رضي الله عنه أبو لؤلوة المجوسي جعل الأمر شورى في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واتفقوا على أن يخلف الفاروق عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولما استشهد عثمان رضي الله عنه بايعوا أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهذه طريقتهم في الخلافة، فنجد أنهم حرصوا كل الحرص في تنصيب الإمام، ولم يتهاونوا في ذلك، وهذا مما يجب على المسلمين أن يقتدوا بهم فيه بأمر من أرسله الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.

(2) وروى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى نافع مولى ابن عمر قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع([410]) حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: «اطرحوا لـ أبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له([411]) ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»([412]).

فقد بين عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن البيعة فريضة في عنق كل مسلم للإمام الحق الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين، وما دامت البيعة واجبة على كل مسلم فإن هذا الواجب لا يتأتى أداؤه إلا بنصب الإمام الذي يرجع إليه في تنفيذ أحكام الشريعة وحسم التنازع والاختلاف الذي يحصل بين الناس، فالحديث دلالته واضحة على وجوب نصب الإمام بالشرع لا بالعقل.

(3) وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم([413]) الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فواببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم»([414]) هذا الحديث فيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم([415]).

(4) روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: «ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم...» الحديث([416]).

وعند أبي داوُد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»([417]).

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرشد أمته أنه إذا خرج ثلاثة في سفر فإن عليهم أن يختاروا أحدهم أميراً عليهم مع أن السفر يكون في مسافة محدودة ومدة وجيزة فما الشأن بالإمامة العظمى، فإن وجوبها متحتم على الأمة من باب أولى؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذين الحديثين: (فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها ديناً يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر»([418]).

- وأما دلالة الإجماع على وجوب نصب الإمام:

فقد أجمعت الأمة على أنه لا بد من نصب الإمام الأعظم للأمة ليرجع إليه في شئون العباد وقد نقل الإجماع بعض أهل العلم.

فقد قال الماوردي: (وعقدها –أي: الإمامة- لمن يقوم بها واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم)([419])وقال البغوي رحمه الله: (واتفقت الأمة من أهل السنة والجماعة على أن الاستخلاف سنة، وطاعة الخليفة واجبة إلا الخوارج المارقة الذين شقوا العصا، وخلعوا ربقة الطاعة)([420]).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش، فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد: هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين)([421]).

وقال النووي رحمه الله: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل)([422])وقال عبد الرحمن بن خلدون: (نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذلك في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام)([423]).

ومما تقدم تبين أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب.. بل جعلوه رضي الله عنهم من أهم الواجبات؛ حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلافهم رضي الله عنهم في التعيين لا تأثير له على الإجماع المذكور.

 المبحث الأول: الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه:

عقيدة أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الأربعة في الإمامة كترتيبهم في الفضل، فالإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم أبو السبطين علي رضي الله عنهم أجمعين، فأهل الحق يعتقدون اعتقاداً جازماً لا مرية فيه ولا شك أن أولى الناس بالإمامة والأحق بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى عباد السماك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: (الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وما سوى ذلك فهم منتزون).([424]).

قال أبو عمر: (قد روي عن مالك وطائفة نحو قول سفيان هذا، وتأبى جماعة من أهل العلم أن تفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية لمكان صحبته).([425]). وروى بإسناده إلى أبي نوبة قال: (سمعت أبا إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس ومخلد بن الحسين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي). وروى أيضاً بإسناده إلى الربيع بن سليمان يقول: (سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول: (أقول في الخلافة والتفضيل بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم).([426])وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: (قال الشافعي في مسألة (الحجة في تثبيت خبر الواحد): (ولم تزل كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره -إلى أن قال: وهكذا كانت كتب خلفائه من بعده وعمالهم، وما أجمع المسلمون من كون الخليفة واحداً والقاضي واحداً والأمير واحداً والإمام واحداً فاستخلفوا أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم أمر عمر أهل الشورى ليختاروا واحداً، فاختار عبد الرحمن عثمان بن عفان)).([427])وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي قال: (سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء -فقلت-: يا أبا عبد الله! إنما أسألك عن التفضيل من تفضل قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء المهديون الراشدون ورد الباب في وجهي، قال أبو علي: ثم قدمت الري فقلت لـ أبي زرعة وسألت أحمد وذكرت له القصة، فقال: لا نبالي من خالفنا، نقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة والتفضيل جميعاً هذا ديني الذي أدين الله به وأرجو أن يقبضني الله عليه).

وروى أيضاً: بإسناده إلى سلمة بن شبيب قال: (قلت لـ أحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة)([428]).

وروى أبو الفرج ابن الجوزي إلى أبي بكر المروذي قال: قال أحمد بن حنبل: (لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر ليصلي بالناس، وقد كان في القوم من هو أقرأ منه، وإنما أراد الخلافة)([429]).

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: (كنت بين يدي أبي جالساً ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخية فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وذكروا خلافة علي بن أبي طالب فزادوا وأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم فقال: (يا هؤلاء! قد أكثرتم القول في علي والخلافة، إن الخلافة لم تزين علياً بل علي زينها) قال السياري -أحد رجال السند-: فحدثت بهذا بعض الشيعة فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض)([430]). فهذه طائفة من أقوال بعض كبار أئمة أهل السنة، وكلها تبين أنهم يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الفضل، وأن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق، وعلى هذا الاعتقاد مشى من جاء بعدهم من أهل السنة، ودونوا هذا الاعتقاد في كتبهم، ودعوا الناس إلى اعتقاده، فقد قال الإمام الطحاوي: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لـ عثمان رضي الله عنه، ثم لـ علي رضي الله عنه)([431])وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى في ذكر سياقه لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة: ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم... وأحقهم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق...، ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهو الفاروق، ثم من بعدهما على هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين رضي الله عنه، ثم علي هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة)([432]).

وقال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للأدلة على أن الصديق هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم: (فوجب أن يكون إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين)([433]).

وقال ابن أبي زيد القيراوني: (وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين)([434]).

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ويجب أن يعلم: أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين، ومقدم خلق الله أجمعين من الأنصار والمهاجرين بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه...، ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لاستخلافه إياه...، وبعده أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه...، وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه)([435]). وقال أبو عثمان الصابوني مبيناً عقيدة أهل الأثر في ترتيب الخلافة: (ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الصحابة واتفاقهم عليه...، ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده، ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه، ثم خلافة علي رضي الله عنه ببيعة الصحابة إياه عرفه ورآه كل منهم رضي الله عنه أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه، فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون الذين نصر الله بهم الدين وقهر وقسر بمكانهم الملحدين وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام)([436]).

وقال أبو عمر بن عبد البر: (الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله)([437]).

وقال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى مبيناً أن الصديق رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم: (وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده عمر رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له، ثم علي رضي الله عنه لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»)([438]) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف في مسألة تقديم عثمان على علي في الأفضلية، ثم بين أن أمر أهل السنة استقر في هذه المسألة على تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما فقال: (وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله)([439]). وقال في موضع آخر: (اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي)([440]). وقال الصديق حسن خان: (وأحقهم بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلوات على جميع أصحابه، وإجماع الصحابة على تقديمه ومتابعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)([441]).

وقال عمر بن علي بن سمرة الجعدي([442]) في صدد ذكره لترجمة الصديق رضي الله عنه: (ثم استخلف أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة.. معدن الوقار وشيخ الافتخار.. صاحب المصطفى بالغار.. سيد المهاجرين والأنصار الصديق أبو بكر التيمي... قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يصلي بالناس أيام مرضه، وبذلك احتج عمر رضي الله عنه على الأنصار يوم السقيفة فقال: (رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، وأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقادوا له وبايعوه))([443]). فهذه طائفة من أقوال أئمة أعلام من أهل السنة والجماعة سقناها في هذا المبحث كلها توضح وتبين أن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويعتقدون بأن أحق الناس بالخلافة بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وهذا ما يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به ويموت عليه.

 المبحث الثاني: كيفية مبايعته رضي الله عنه بالخلافة:

لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يحدد الكيفية التي يختار بها الإمام الذي يتولى أمر المسلمين، ومع هذا لم يغفل أهل العلم هذه المسألة بل ذكروا طرقاً يتم بها اختيار إمام للمسلمين، وبعض هذه الطرق استنبطوها من تولية الخلفاء الراشدين ولا شك في مشروعية طريقة تولي الخلفاء الراشدين؛ لأن المصطفى عليه الصلاة والسلام حث المسلمين عامة على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وتلك الطرق التي يختار الإمام بها ذكرها أهل العلم ودونوها في كتبهم.

فقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد ذكره لقول عمر رضي الله عنه: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني) إلى آخره: (حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الوفاة وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا وإلا فقد اقتدى بـ أبي بكر، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة، وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل)([444]). وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: (والإمامة تنال بالنص كما تقول طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقوله آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بـ عمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع والله أعلم، أو يقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف وقد نص عليه الشافعي)([445]).

وقد بين هذان الإمامان النووي وابن كثير الطرق التي تنال بها الإمامة، وهي: إما طريقة الاختيار، أو العهد من الإمام السابق إلى من يراه من المسلمين لائقاً بهذا المنصب من بعده، أو القهر والغلبة.

وأما الكيفية أو الطريقة التي تمت بها مبايعة الصديق رضي الله عنه؛ فإنه لما قبض الرب جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة([446]) بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرادوا عقد الإمامة لـ سعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين، ولما انتهوا إليهم حصل بينهم حوار في أمر الخلافة، حيث اضطرب أمر الأنصار فجعلوا يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين، فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»([447]) فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، وبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه، واجتمعوا على إمامته، واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته، وانقطع الحوار في مسألة الخلافة باجتماعهم على أبي بكر رضي الله عنه، وقد بين عمر رضي الله عنه كيفية بيعة أبي بكر رضي الله عنه في حديث طويل رواه البخاري وفيه أنه قال: (قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم: أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لـ أبي بكر: يا أبا بكر! انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان([448]) فذكرا ما تمالئ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك([449]) فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم([450]) فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد. فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم -معشر المهاجرين- رهط وقد دفت دافة([451]) من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا([452]) من أصلنا، وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحد([453]) فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها([454]) المحكك وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش([455]) فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت([456]) من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته([457]) وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار ونزونا([458]) على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساداً، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا)([459]).

ولقد اعترف سعد بن عبادة رضي الله عنه بصحة ما قاله الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من أن قريشاً هم ولاة هذا الأمر وسلم طائعاً منقاداً لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد تذكير الصديق إياه بذلك.

فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في طائفة من المدينة قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً مات محمد ورب الكعبة -وفيه- فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره، وقال: لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: (قريش ولاة هذا الأمر)، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم)، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء)([460]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث: (فهذا مرسل حسن، ولعل حميداً أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك، وفيه فائدة جليلة جداً وهي: أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة، وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين)([461]). والبيعة التي حصلت للصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة تعتبر بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار، وقد بويع رضي الله عنه بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء، وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل تجهيزه عليه الصلاة والسلام.

روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم قال: (كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا -يريد بذلك أن يكون آخرهم- فإن يك محمد قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وأن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين فإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه) وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر، قال الزهري عن أنس بن مالك: (سمعت عمر يقول لـ أبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة).([462]).

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم، أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبي بكر، وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال: فدعا بـ الزبير فجاء فقال: قلت: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا بـ علي بن أبي طالب فجاء فقال: قلت: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه)([463]).

قال ابن كثير: (فيه فائدة جليلة وهي: مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه... وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهراً سيفه يريد قتال أهل الردة)([464]).

وأما ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها من أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بـ المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم» فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته([465]) فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لـ علي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد... فقال عمر لـ أبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك([466]) فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، إني والله لآتينهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته([467]) فقال علي لـ أبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت. فكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر المعروف.([468]).

فتأخر علي رضي الله عنه المدة المذكورة في الحديث عن بيعة الصديق رضي الله عنه أجاب عنه بعض أهل العلم بما يقنع الذين يسمعون، ويشفي من سلمت قلوبهم من الأحقاد والأضغان لأصحاب رسول الله.

فقد قال الإمام النووي: (أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر أبو بكر رضي الله عنه، ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه، أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه؛ فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، إنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق العصا، وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر، وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب؛ فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك: رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم)([469]).

وقال الحافظ ابن كثير معللاً عدم استجابة الصديق رضي الله عنه لما طلبته فاطمة رضي الله عنها من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين الورثة قال: (فلم يجبها إلى ذلك؛ لأنه رأى أن حقاً عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها -وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة- عتب وتغضب، ولم تكلم الصديق حتى ماتت، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر رضي الله عنه... مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: (حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس، وقال: ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس وهو حي). إسناد جيد ولله الحمد والمنة، ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة -المهاجرين منهم والأنصار- على تقديم أبي بكر وظهر له برهان قوله عليه الصلاة والسلام: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»)([470]).

فبيعة علي رضي الله عنه للصديق بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة» كما تقدم. ومن هذا يعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا حصل لهم بعض العتب على بعضهم فإنهم كانوا سريعي الرجوع عند مراجعة الحق وظهوره، ولم يجعلوا للغل في قلوبهم سكناً بل كانت قلوبهم على قلب رجل واحد وحتى أم الحسنين رضي الله عنها رجعت عن عتبها على الصديق وعدلت عن مطالبته فيما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال فدك بعد أن أبان لها الحكم فيه كما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت له: (أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم)([471])وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها رضي الله عنها([472]) ولم تطب نفس الإمام الأكبر والصديق الأعظم أبو بكر رضي الله عنه أن تبقى سيدة نساء العالمين عاتبة عليه.. بل ترضاها وتلاينها قبل موتها فرضيت رضي الله عنها على رغم أنف كل رافضي على وجه الأرض.

فقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: (لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي: يا فاطمة! هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ومرضات رسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت)([473]).

ففي هذا الأثر صفعة قوية للرافضة الذين فتحوا على أنفسهم شراً عريضاً وجهلاً طويلاً، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم بسبب ما ذكر من هجران فاطمة رضي الله عنها لـ أبي بكر، ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين([474]).

ثم إن الصديق رضي الله عنه لم يقبل الإمامة حرصاً عليها ولا رغبة فيها وإنما قبلها تخوفاً من وقوع فتنة أكبر من تركه قبولها رضي الله عنه وأرضاه([475])، ولما بويع رضي الله عنه البيعة الثانية التي هي بيعة عامة الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس خطبة عامة حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله: (أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله)([476]).

وقوله رضي الله عنه: (قد وليت عليكم ولست بخيركم) من باب الهضم والتواضع؛ إذ أنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم([477]).

ففي هذه الروايات المتقدمة بيان كيفية مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد انعقدت له الخلافة بعقد خيار هذه الأمة المحمدية وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار.. الذين هم بطانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة، وبهم قهر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هم الذين بايعوا أبا بكر، وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق([478]).

 المبحث الثالث: ذكر النصوص التي فيها الإشارة إلى خلافته من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية:

- أولاً: الآيات القرآنية:

لقد وردت آيات في الكتاب العزيز فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحق الناس من هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:

(1) قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة:6-7] ووجه الدلالة أن أبا بكر رضي الله عنه داخل فيمن أمر الله جل وعلا عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم، وأن يسلك بهم سبيلهم، وهم الذين أنعم الله عليهم، وذكر منهم الصديقين في قول: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69] وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين([479]) فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم، ولما كان أبو بكر رضي الله عنه ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله من هذه الأمة بخلافة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

قال محمد بن عمر الرازي: قوله: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة:6-7] يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ)) [النساء:69] الآية، ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان معنى الآية: أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين، ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الاقتداء به؛ فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه)([480]).

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم –أعني: الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم، فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وذلك في قوله: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة:6-7]وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين؛ فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق([481]).

(2) وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54].

هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين، فقد مدحهم الله بأكمل الصفات، وأعلى المبررات، ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق: أنه (كان في علم الله سبحانه وتعالى ما يكون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتداد قوم، فوعد سبحانه -ووعده صدق- أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقتالهم، فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب، ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل، وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم آية للعالمين، ودلالة على صحة خلافة الصديق رضي الله عنه)([482])روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه قال في قوله: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: (فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم بقوم يحبهم ويحبونه بـ أبي بكر وأصحابه)([483])وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري رحمه الله أنه قال في قوله: ((مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: (هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم). ثم قال: وكذلك قال عكرمة وقتادة والضحاك، وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لـ عمر بن عبد العزيز: (إن أبا بكر الصديق قام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب، أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبى أن يقبل فهم إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قابلاً في حياته، فانتزع السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه، وأدخلهم من الباب الذي خرجوا منه حتى قبضه الله).([484]).

فدلت الآية السابقة على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدهم أبو بكر رضي الله عنه هو والصحابة الكرام رضي الله عنهم حتى رجعوا إلى الإسلام كما أخبر الله تعالى في الآية وهذا من الكائنات التي أخبر بها الرب جل وعلا قبل وقوعها.

(3) قال تعالى: ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة:40] ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع، حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر رضي الله عنه وأيده بجنود من الملائكة، ثم بين تعالى أنه ثاني اثنين ثالثهما رب العالمين، وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم([485]) لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين، قال عليه الصلاة والسلام في شأنهما: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»([486]).

قال أبو عبد الله القرطبي: (قال بعض العلماء في قوله تعالى: ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)) [التوبة:40] ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً، وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين؛ لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولاً، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبق الإسلام إلا بـ المدينة وجواثاً([487]) فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين)([488]).

(4) قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] الآية. (ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة، وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم، وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق؛ فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره، وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما)([489]).

(5) قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)) [النور:55].

هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق رضي الله عنه وعلى خلافة الثلاثة بعده، فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق([490]).

قال الحافظ ابن كثير: (وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية)([491]).

(6) قال تعالى: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)) [الفتح:16].

قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل الله على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه: ((فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً)) [التوبة:83] وقال في سورة أخرى: ((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ)) [الفتح:15]يعني قوله: ((لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً)) [التوبة:83] ثم قال: ((كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [الفتح:15] وقال: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا)) [الفتح:16] يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم ((كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)) [الفتح:16] والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل له ((فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً)) [التوبة:83] وقال في سورة الفتح: ((يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ)) [الفتح:15] فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام، وجعل خروجهم معه تبديلاً لكلامه؛ فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم)([492]). وقد قال مجاهد في قوله: ((أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)) [الفتح:16]: (هم فارس والروم) وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: (هم فارس)، وهو أحد قولي ابن عباس رضي الله عنه، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة، فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم([493]) فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم، وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين رضي الله عنه([494]).

(7) قال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8].

وجه دلالة هذه الآية على خلافته رضي الله عنه: أن الله جل وعلا سماهم صادقين، ومن شهد له الرب جل وعلا بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال، وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله([495]) صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته رضي الله عنه.

- ثانياً: أما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح أو الإشارة، ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها، ومن تلك الأحاديث:

(1) ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن جبير بن مطعم قال: «أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك -كأنها تقول الموت-؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر»([496]).

اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

قال أبو محمد بن حزم: (وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر)([497]).

وقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث: أن مواعيد النبي صلى الله عليه وسلم كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها، وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس)([498]).

(2) وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: (من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثم انتهت إلى هذا)([499]).

قال النووي: (هذا دليل لـ أهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه دلالة لـ أهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته صريحاً.. بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولاً، ولذكر حافظ النص ما معه، ولرجعوا إليه؛ لكن تنازعوا أولاً ولم يكن هناك نص، ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر، وأما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي، وأول من كذبهم علي رضي الله عنه بقوله: (ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة) الحديث([500]) ولو كان عنده نص لذكره، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام، ولا أن أحداً ذكره له، والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم... للمرأة حين قالت: «يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر» فليس فيه نص على خلافته، وأمر بها بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به، والله أعلم)([501]).

(3) وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: «إني لا أدرى ما قدر بقائي فيكم؛ فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه»([502]).

فقوله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي»، أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة.([503]).

(4) وروى الشيخين في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني؛ فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أرَ نزع رجل قط أقوى منه، حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر»([504]).

هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما، وبيان صفتها، وانتفاع المسلمين بها.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: «وفي نزعه ضعف» قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته)([505]).

(5) وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»([506]).

(6) وعند الإمام أحمد عنها رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـ عبد الرحمن بن أبي بكر: «ائتني بكتف([507]) أو لوح حتى أكتب لـ أبي بكر كتاباً لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر»([508]).

دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق رضي الله عنه؛ حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره رضي الله عنه، وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع.. ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ثم اجتمعوا على أبي بكر رضي الله عنه، قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر هذا الحديث: (فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده)([509]).

(7) وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر»([510]).

وفي لفظ آخر للشيخين: «لا يبقين في المسجد خوخة([511]) إلا سدت إلا خوخة أبي بكر»([512]) فأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ ابن حجر: (قوله «إلا باب أبي بكر» هو استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا باباً غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد، قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لـ أبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها([513]) كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حسم بقوله: «سدوا عني كل خوخة في المسجد» أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده)([514]).

(8) وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف»([515]) فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم([516]).

(9) وفي رواية أخرى عنها رضي الله عنها أنها قالت: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس، قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، فقالت عائشة: فقلت لـ حفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه. إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت حفصة لـ عائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً»([517]).

(10) وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: «دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: بلى. ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس. قلنا: لا. هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لي ماء في المخضب([518]) ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء([519]) فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: أصلى الناس قلنا: لا. هم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس، فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلاً رقيقاً: يا عمر! صل بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك، قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله قال: هات. فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي»([520]).

هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وترجيحه على جمع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها: فضيلة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يعدل إلى غيره([521]).

(11) وروى الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه أن «أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه؛ حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك»([522]).

(12) وروى البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: «لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فأقيمت الصلاة؛ فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه، فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا، فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات»([523]) فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق رضي الله عنه في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة، وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(13) فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، قال: فأتاهم عمر رضي الله عنه، فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر)([524]).

(14) وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: (قال علي: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا؛ فقدمنا أبا بكر)([525]).

وكما فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقديم الصديق في الصلاة أن ذلك إشارة إلى أنه أحق الناس بالإمامة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كذلك فهم هذا الفهم من جاء بعدهم من أهل العلم، فقد قال أبو بكر المروذي([526]): قيل لـ أبي عبد الله أحمد بن حنبل (قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم). فلما مرض قال: قدموا أبا بكر يصلي بالناس. وقد كان في القوم من هو أقرأ من أبي بكر؟ فقال أبو عبد الله: إنما أراد الخلافة)([527]). وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً» -قال ابن كثير - وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضي الله عنه وأرضاه([528]).

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق، فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبـ عمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك، وإنما لم ينص عليه نصاً لا يحتمل غيره -والله أعلم- لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه، وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعتهم). اهـ([529]).

ولا يفوتنا أن نذكر في ختام هذا المبحث: أن أهل السنة لهم قولان في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي.

- القول الأول: منهم من قال: إن إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثابتة بالنص الخفي والإشارة، وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث([530]) وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل([531]) رحمة الله عليه، واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة، وبأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب إلا باب أبي بكر، وقد تقدمت هذه الأحاديث قريباً.

- القول الثاني: ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثابتة بالنص الجلي، وهذا قول طائفة من أهل الحديث([532]) وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري([533]) واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» وبقوله لـ عائشة رضي الله عنها: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وحديث رؤياه صلى الله عليه وسلم: «أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه» وكل هذه الأحاديث تقدم تخريجها قريباً في هذا المبحث.

والقول الذي يطمئن إليه القلب وترتاح له النفس في خلافة أبي بكر رضي الله عنه أن يقال: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر رضي الله عنه، وإنما دلهم عليها لإعلام الله سبحانه له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة، وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية رضي الله عنه وأرضاه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره للخلاف الوارد في خلافة الصديق هل ثبتت بالنص الجلي، أو الخفي: (والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راضٍ بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهداً، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً قاطعاً للعذر، ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود، ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، رواه البخاري ومسلم... إلى أن قال: فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له، واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله؛ فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً، لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها، وأنها حق، وأن الله أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها، وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها؛ لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة، فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص)([534]).

فهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة؛ لأن النصوص متفقة على إثبات فضله الذي لا يلحقه فيه أحد، وإرشاد الأمة إلى أنه أحق الناس بنيابة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لسابقته إلى الإسلام وفضله العظيم الذي لا يشاركه فيه أحد، فخلافته رضي الله عنه ورد في القرآن والسنة التنبيه والإشارة إليها، والله أعلم.

 المبحث الرابع: بيان انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه:

لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لفضله وسابقته ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الصلوات على جميع الصحابة، وقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته، ولم يتخلف منهم أحد، ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين، وكانوا لأوامره ممتثلين، ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن علياً تخلف عن بيعته هو والزبير. قد قدمنا قريباً ما يدل على بطلان هذا الزعم من ثبوت بيعتهما في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من بيعة السقيفة، ومن زعم أن علياً والزبير رضي الله عنهما بايعا ظاهراً وخالفا باطناً فقد قال فيهما أقبح القول، فهما رضي الله عنهما أجل قدراً وأكبر محلاً من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أولى بالخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين.

فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: (أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لـ أبي بكر: يا خليفة رسول الله! ورضوا به من بعده رضي الله عنهم)([535]).

وقال أبو الحسن الأشعري: (أثنى الله عز وجل على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال عز وجل: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18] الآية. قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك([536]).

وقال أيضاً بعد أن ذكر آيات من القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: (ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه: أن المسلمين جميعاً تابعوه وانقادوا لإمامته...، ثم رأينا علياً والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين، وهذا يسقط حجية الإجماع؛ لأن الله عز وجل لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق)([537]). وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق رضي الله عنه: (وكان رضي الله عنه مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيباً لقوله رضي الله عنه لما قال: (أقيلوني فلست بخيركم؟ فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك.. قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ألا نرضاك لدنيانا) يعنى بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا، وكان رضي الله عنه أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً)([538]).

وقال أبو عثمان الصابوني: (ويثبت أهل الحديث خلافة أبي بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: (رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا)، وقولهم: (قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخرك؟) وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله وارتفعوا به وارتقوا)([539]).

وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعاً بالخلافة لـ أبي بكر رضي الله عنه: (وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلاً وأجل قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق، أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره، ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط، والإجماع أحد حجج الشريعة، ولا يجوز تعطيله بالتوهم، والذي روي أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة رضي الله عنهم، وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلاً وجعله من قول الزهري منقطعاً من الحديث، وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن علياً بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة، ويحتمل أن علياً بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته، وكان أبو بكر معذوراً فيما منع، فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري، ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته، ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه، ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخراً خطأً، ومن زعم أن علياً بايعه ظاهراً وخالفه باطناً فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول، وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: (ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بلى. قال: أبو بكر ثم عمر) ونحن نزعم أن علياً كان لا يفعل إلا ما هو حق، ولا يقول إلا ما هو صدق، وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية.... فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل، وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه؛ فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل. وبالله العصمهَ والتوفيق)([540]).

وقال عبد الملك الجويني: (أما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فقد ثبتت بإجماع الصحابة؛ فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه... وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراساً([541]) وشماساً([542]) في عقد البيعة له كذب صريح، نعم. لم يكن رضي الله عنه في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه؛ قد استفزه الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد)([543]).

 وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهو –أي: أبو بكر - أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديمه ومتابعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)([544]).

وقال أبو عبد الله القرطبي: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش)([545]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق رده على الرافضي: (فلما اتفقوا على بيعته([546]) ولم يقل قط أحد: إني أحق بهذا الأمر منه لا قرشي ولا أنصاري فإن من نازع أولاً من الأنصار لم تكن منازعته للصديق بل طلبوا أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير، وهذه منازعة عامة لقريش فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة وقال لهم الصديق: (رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح قال عمر: فكنت والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إليَّ أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، وقال له بمحضر الباقين: أنت خيرنا وأفضلنا وأحبنا إلى رسول الله) وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه ولا رغبة بذلتهم ولا رهبة، فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه، والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرهم، ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا من أبي بكر، ولا قاله أحد في أحد بعينه إن فلاناً أحق بهذا الأمر من أبي بكر، وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية؛ لأن العرب -في جاهليتها- كانت تقدم أهل الرؤساء، وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك، فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا، وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، فأما الذين لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض وهو التقديم بالإيمان والتقوى فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر، ولا خالف أحد من هؤلاء ولا هؤلاء، وفي أنه ليس في القوم أعظم إيماناً وتقوى من أبي بكر؛ فقدموه مختارين له مطيعين، فدل على كمال إيمانهم وتقواهم واتباعهم لما بعث الله به نبيهم من تقديم الأتقى فالأتقى، وكان ما اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولهم أفضل لهم، والحمد لله على أن هدى هذه الأمة، وعلى أن جعلنا من أتباعهم)([547]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما)([548])وقال يحيى بن أبي بكر العامري رحمه الله تعالى: (وقد كانت بيعته إجماعاً من الصحابة الذين هم أعرف بالحال، وأدرى بصحة الدليل في المقال، والإجماع حجة قطعية من غيرهم فما ظنك بهم؟)([549]) فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لإجماع الصحابة على إمامته، وانقيادهم له جميعاً، وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة، فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله! وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقاً فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلاً غيره.

 المبحث الخامس: ذكر بعض شبه الشيعة الإمامية في أن الخليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبيان بطلانها:

يزعم الشيعة الإمامية بأن علياً رضي الله عنه هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل، ويدعون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه وأوصى له بالخلافة([550]) يعتقدون هذا اعتقاداً جازماً. والناظر بعين البصيرة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يجد أنه ليس هناك دليل فيه ما يدل على معتقدهم هذا، وبالنظر في كتب الملل والنحل اتضح أن أول من أحدث هذه المقالة التي مضمونها أن علياً وصي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أوصى له بالخلافة- عبد الله بن سبأ اليهودي([551]) الذي رام بهذه المقالة الكيد للإسلام، وتفريق كلمة المسلمين، وقد تقبل مقالته الفاسدة من بعده الشيعة الإمامية والنظام([552]) ومن وافقه من فرق المعتزلة، وقد جعل الشيعة الإمامة ركناً من أركان الإيمان التي لا يكمل إيمان الإنسان إلا بها([553]) بل بالغوا فيها حتى قالوا: إنها أفضل من أركان الإسلام الأخرى([554]) ثم زعموا أن كل إمام من أئمتهم من أهل البيت منصوص على إمامته بالتلميح تارة، وبالتصريح أخرى حيث إن كل إمام من أئمتهم يوصي بالإمامة لمن بعده([555]) ولكي يضللوا على جهلة المسلمين وليستميلوهم إلى اعتقاد أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو علي رضي الله عنه عمدوا إلى آيات من كتاب الله تعالى فيها ثناء ومدح لعامة عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين وجعلوها خاصة برابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجعلوا يؤولونها على حسب معتقدهم الباطل، كما اختلقوا كثيراً من الأحاديث لنصرة بدعتهم الفاسدة واعتقادهم الباطل، ويجادلون بها على أنها أدلة مسلمة، وفي الحقيقة إنها شبه يصطادون بها جهلة المسلمين ومن قل نصيبه من العلم منهم، وسأذكر في هذا المبحث طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث التي يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عند محاجتهم في مسألة الإمامة، وسأقرن تلك الآيات والأحاديث بالرد بما يبين بطلان دلالتهما على ما يدعون وما يهدفون إليه.

- أولاً: ذكر بعض شبههم من الآيات القرآنية وهي:

- الشبهة الأولى:

قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) [البقرة:37] وجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم يذكرون عن ابن عباس أنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه فقال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه فتاب عليه». وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها فيكون هو الإمام لمساواته النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به إلى الله([556]).

 وهذا الاستدلال باطل من وجوه:

الأول: أنهم يطالبون بثبوت هذا النقل إلى ابن عباس ولا سبيل لهم إلى هذا.

الثاني: أن هذا الذي نسبوه إلى ابن عباس كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وقد أورده أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات([557]) من أفراد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني فإن له كتباً في الأفراد والغرائب قال الدارقطني: تفرد به حسين الأشقر([558]) راوي الموضوعات عن الأثبات عن عمرو بن ثابت([559]) وليس بثقة ولا مأمون.

الثالث: أن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [الأعراف:23] وقد روي عن السلف هذا وما يشبهه، وليس في شيء من النقول الثابتة لتفسير الآية ما يذكره الشيعة من القسم.

الرابع: أن الكفار والفساق إذا تاب أحدهم إلى الله تاب الله عليه وإن لم يقسم عليه بأحد؛ فكيف يحتاج آدم في توبته إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين لا مؤمن ولا كافر؟ ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحداً في توبته بمثل هذا الدعاء.

 الخامس: يقال لهم: إن هذه الخصيصة المكذوبة التي ذكرتموها ليست من خصائص الأئمة، إذ أنها حسب زعمكم ثابتة لـ فاطمة رضي الله عنها، وخصائص الأئمة لا تثبت للنساء، وما لم يكن من خصائصهم لم يستلزم الإمامة؛ فإن دليل الإمامة لا بد أن يكون ملزوماً لها يلزم من وجوده استحقاقها، فلو كان هذا دليلاً على الإمامة لكان من يتصف به يستحقها، والمرأة لا تكون إماماً بالنص والإجماع([560]).

- الشبهة الثانية:

قوله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)) [البقرة:124] الآية، وجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم ينسبون إلى ابن مسعود أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انتهت الدعوة إلي وإلى علي.. لم يسجد أحدنا لصنم قط؛ فاتخذني نبياً واتخذ علياً وصياً» وهذا نص في الباب([561]).

والرد على هذا الاستدلال من وجوه:

الأول: أن هذا الحديث كذب باتفاق الحفاظ.

الثاني: أن قوله: (انتهت الدعوة إلينا) كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه إن أريد أنها لم تصب من قبلنا كان ممتنعاً لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة، فقد قال تعالى: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ)) [الأنبياء:72-73] وقال عن بني إسرائيل: ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) [السجدة:24] ففي هاتين الآيتين إخبار بأنه تعالى جعل أئمة من ذرية إبراهيم قبل أمتنا، وإن أريد انتهت الدعوة إلينا أنه لا إمام بعدنا لزم ألا يكون باقي الإثني عشر أئمة.

الثالث: أن كونه لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد على الإسلام، مع أن السابقين الأولين أفضل منهم، فكيف يجعل المفضول مستحقاً لهذه المرتبة دون الفاضل؟ وليس كل من لم يكفر أو من لم يأت بكبيرة أفضل ممن تاب عنها مطلقاً.. بل قد يكون التائب من الكفر والفسوق أفضل ممن لم يكفر ولم يفسق كما دل على ذلك الكتاب، فإن الله فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وأولئك كلهم أسلموا من بعد، وهؤلاء فيهم من ولد على الإسلام، وفضل السابقين الأولين على التابعين لهم بإحسان، وأولئك آمنوا بعد الكفر والتابعون ولدوا على الإسلام، وقد ذكر الله في القرآن أن لوطاً آمن لـإبراهيم وبعثه الله نبياً، وقال شعيب: ((قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا)) [الأعراف:89] وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر، ثم نبأهم بعد توبتهم، وهم الأسباط الذين أمرنا أن نؤمن بما أوتوا، وإذا كان في هؤلاء من صار نبياً فمعلوم أن الأنبياء أفضل من غيرهم، وهذا مما تنازع فيه الرافضة وغيرهم ويقولون: من صدر منه ذنب لا يصير نبياً، والنزاع فيمن أسلم أعظم لكن الاعتبار بما دل عليه الكتاب والسنة، والذين منعوا من هذا عمدتهم: أن التائب من الذنب يكون ناقصاً مذموماً لا يستحق النبوة ولو صار من أعظم الناس طاعة، وهذا هو الأصل الذي نوزعوا فيه والكتاب والسنة يدلان على بطلان قولهم فيه([562]).

وبهذه الوجوه اتضح بطلان استدلال الشيعة بالآية الكريمة على إمامة علي رضي الله عنه.

 - الشبهة الثالثة: آية المباهلة.

وهي قوله تعالى: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)) [آل عمران:61].

ووجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه: أنهم يزعمون أنها دلت على أفضليته من وجهين:

أحدها: أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل، وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعاً على صحة عقيدته.. أفضل الناس عند الله.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم جعله مثل نفسه بقول: (أنفسنا وأنفسكم) لأنه أراد بقوله (أبناءنا) الحسن والحسين (ع) وبقوله (أنفسنا) نفسه ونفس علي (ع)... وإذا جعله مثل نفسه وجب أن لا يدانيه ولا يقاربه في الفضل أحد([563]).

قال السماوي مبيناً وجه الدلالة من الآية على ما يريده الشيعة: (فإذا عرفنا أن علياً بنص الكتاب هو نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم... فهل يصح الرجوع إلى أحد من الناس أياً كان ونفس الرسول موجود بينهم؟ وهل يحكم الناس حاكم... ونفس الرسول حاضر؟)([564]).

وقال ابن المطهر الحلي مبيناً وجه الدلالة من الآية: (نقل الجمهور كافة أن أبناءنا إشارة إلى الحسن والحسين، ونساءنا إشارة إلى فاطمة، وأنفسنا إشارة إلى علي، وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لـ علي؛ لأنه تعالى قد جعله نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاتحاد محال، فيبقى المراد بالمساواة له الولاية، وأيضاً لو كان غير هؤلاء مساوياً لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه؛ لأنه في موضوع الحاجة، وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم، وهل تخفى دلالة هذه الآية على المطلوب إلا على من استحوذ الشيطان عليه وأخذ بمجامع قلبه وحببت إليه الدنيا التي لا ينالها إلا بمنع أهل الحق من حقهم)([565]).

- والرد على استدلالهم هذا:

يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه مردود وباطل، ودليل واضح على الجهل والقول بغير علم؛ إذ تقريرهم أن الرسول عنى بقوله: أنفسنا نفسه ونفس علي غير مسلم لهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبيناً بطلان فهمهم من الآية مساواة علي للرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (وهو خلاف المستعمل في لغة العرب، ومما يبين ذلك أن قوله: (نساءنا) لا يختص بـ فاطمة بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك لكن، لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم كن قد توفين قبل ذلك، فكذلك أنفسنا ليس مختصاً بـ علي بل هو جمع، كما أن نساءنا صيغة جمع، وكذلك أبناءنا صيغة جمع، وإنما دعا حسناً وحسيناً لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما)([566])وجاء في مختصر التحفة الإثني عشرية. وما قاله علماؤهم بأن الشخص لا يدعو نفسه فكلام مستهجن، إذ قد شاع وذاع في العرف القديمِ والجديد أن يقال: دعته نفسه إلى كذا ودعوت نفسي إلى كذا، ((فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ)) [المائدة:30]، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي... إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء، فكان معنى: (ندع أنفسنا) نحضر أنفسنا، وأيضاً: لو قررنا أن الأمير من قبل النبي لمصداق (أنفسنا) فمن تقرره من قبل الكفار لمصداق (أنفسكم) في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة (ندعو)؟ ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبنائهم بعد قوله (تعالوا) فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكماً كما أن الحسنين داخلان في الأبناء، كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة، ولأن العرف يعد الختن من غير ريبة في ذلك، وأيضاً: قد جاء لفظ النفس بمعنى الشريك في النسب والدين كقوله تعالى: ((وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)) [البقرة:84] أي: أهل دينكم ((وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ)) [الحجرات:11] ((لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً)) [النور:12] فلما كان للأمير اتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة وهذا غير بعيد، فلا يلزم المساواة([567]).

ولو سلم للشيعة بمساواة علي للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الصفات كما يزعمون للزم من ذلك اشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به، وهو باطل بالإجماع؛ لأن التابع دون المتبوع، وأيضاً: لو كانت الآية دليلاً لإمامته لزم -أن يكون علي - إماماً في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو باطل بالاتفاق، وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ، فلا يكون مفيداً للمدعي، إذ هو غير متنازع فيه([568]).

أما زعمهم: لو كان غير من دعاهم عند المباهلة مساوياً لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه؛ لأنه في موضع الحاجة، وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم، يقال لهم: لم يكن المقصود من أخذه صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم إجابة الدعاء إذ دعاؤه صلى الله عليه وسلم وحده كاف، ولو كان المراد بمن دعاه معه أن يستجاب دعاؤه لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم كما كان يستسقي بهم، وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وكان يقول: «فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»([569]) أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ومن المعلوم وإن كان علي وفاطمة والحسن والحسين مجابي الدعوة فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة، لكن لم يكن المقصود من دعوة من دعاه إجابة دعائه بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل، ومن المعلوم بالضرورة لدى كل مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء لكن لم يأمره الله سبحانه بأخذهم لأنه لم يحصل به المقصود، فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعاً كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم، فلو دعا النبي صلى الله عليه وسلم قوماً أجانب لأتى أولئك بأجانب ولم يكن يشتد عليهم نزول البهلة بأولئك الأجانب كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم؛ فإن طبع البشر يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو قرابته وأن يدعو أولئك قرابتهم([570]). فتبين مما تقدم ذكره عن أهل العلم أن الآية ليس فيها ما يدل على إمامة علي وبنيه كما يزعم الشيعة ذلك، وأن استدلال الشيعة بها على هذا المطلب تعسف منهم وتكلف خاطئ وفاسد، وغاية ما تدل عليه الآية هو اختصاص علي رضي الله عنه بهذه المنقبة على غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم أشركه في المباهلة إنما هو إرضاء للخصم وإفحام له؛ إذ المعروف من طبيعة الإنسان ألا يعرض أقاربه للهلاك، فكونه عليه الصلاة والسلام يدعو ألصق الناس به وأقربهم إليه دليل واضح على صحة نبوته، ولهذا لما رأى نصارى نجران صدقه خافوا على أنفسهم، وتخلوا عن مباهلته، ولكن الشيعة لما ابتلوا بدفع الحق وعدم التسليم له أصيبوا بعدم فهم ما تدل عليه آيات الكتاب العزيز.

-       الشبهة الرابعة:

-   قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] ووجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم يكذبون على الثعلبي أنه قال: إنما نزلت في علي، وهذا دليل على أنه أفضل فيكون هو الإمام([571]).

وهذا الاستدلال مردود بوجوه:

الوجه الأول: أن هذا كذب على الثعلبي، وأنه قال في تفسيره لهذه الآية: قال علي وقتادة والحسن أنهم أبو بكر وأصحابه.

الوجه الثاني: أن هذا قول بلا حجة؛ فلا يجب قبوله ولا الالتفات إليه.

الوجه الثالث: أن قولهم هذا معارض لما هو أشهر منه وأظهر، وهو أنها نزلت في أبي بكر وأصحابه([572]) الذين قاتلوا معه أهل الردة وهذا هو المعروف كما تقدم، لكن الشيعة أرادوا أن يجعلوا فضائل الصديق لـ علي، وهذا من المكر السيئ الذي لا يحيق إلا بأهله. ولا يشك مسلم في أن علياً رضي الله عنه ممن كان يحب الله ويحبه الله لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان ولا كان جهاده للكفار أعظم من جهاد هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء.. بل كل منهم له سعي مشكور وعمل مبرور، وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير جزاء؛ فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.

 الوجه الرابع: يقال لهم: على سبيل الفرض: إنها نزلت في علي فهل يصح أن يقول قائل: إنها مختصة به ولفظها يصرح بأنهم جماعة قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] إلى قوله: ((وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) [المائدة:54] فهذا صريح في أن هذا ليسوا رجلاً واحداً فإن الواحد لا يسمى قوماً في لغة العرب لا حقيقة ولا مجازاً، ولو قيل: المراد هو وشيعته، لقيل: إذا كانت الآية أدخلت مع علي غيره فلا ريب أن الذين قاتلوا الكفار والمرتدين أحق بالدخول فيها من غيرهم.

الوجه الخامس: أن قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] لفظ مطلق ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائناً من كان لا يختص ذلك بـ أبي بكر ولا بـ علي، وإذا لم يكن مختصاً بأحدهما لم يكن هذا من خصائصه. فبطل أن يكون بذلك أفضل ممن يشاركه فيه فضلاً عن أن يستوجب بذلك الإمامة.. بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوماً يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين([573]).

وبهذه الوجوه الخمسة يبطل استدلال الشيعة بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه.

- الشبهة الخامسة: آية الولاية.

وهي قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55].

ووجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم يدعون الإجماع أنها نزلت في علي رضي الله عنه، ويذكرون حديثاً يعزونه إلى تفسير الثعلبي عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: «علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، فمنصور من نصره، ومخذول من خذله. أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الظهر فسأل سائل فلم يعطه أحد شيئاً فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم إنك تشهد أني سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطني أحد شيئاً وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى وكان متختماً فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم وذلك بعين النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن موسى سألك وقال: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) [طه:31-32] فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً ((قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا)) [القصص:35] وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال: يا محمد! اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55]»([574]).

قال ابن المطهر الحلي مبيناً وجه الدلالة من الآية: (ونقل ابن المغازلي الواسطي الشافعي أن هذه الآية نزلت في علي، والولي هو المتصرف، وقد أثبت له الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله)([575]).

وقال الطوسي: (ووجه الدلالة فيها: أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى الأولى والأحق، وثبت أيضاً: أن المعنى بقوله: (الذين آمنوا) أمير المؤمنين)([576])(ع).

والناظر بعين البصيرة يرى أن هذا الخبر الذي ساقوه لبيان وجه دلالة الآية على إمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل خبر مفترى وكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يعرف فيه ذلك من ألفاظه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد وضع بعض الكذابين حديثاً مفترى: أن هذه الآية نزلت في حق علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل)([577]). وقد بين رحمه الله وجوه بطلان هذا الخبر المفترى فقال: (وكذبه بين من وجوه كثيرة: منها: أن قوله: (الذين)، صيغة جمع وعلي واحد.

ومنها: أن الواو ليست واو الحال، إذ لو كان كذلك كان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع، فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة، ومنها: أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق علماء الملة فإن في الصلاة شغلاً، ومنها: أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسناً لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع.. بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن، ومنها: أن علياً لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم؛ فإن أكثر الفقهاء يقولون: لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.

ومنها: أن هذا الحديث فيه: أنه أعطاه السائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل، ومنها: أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين كما يدل عليه سياق الكلام)([578]).

وقال أيضاً رحمه الله تعالى: (إن ألفاظ الحديث مؤذنة بأنه حديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن علياً رضي الله عنه ليس قائداً لكل البررة بل لهذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو أيضاً: قاتلاً لكل الكفرة بل قتل بعضهم كما قتل غيره بعضهم، وما أحد من المجاهدين القاتلين لبعض الكفار إلا وهو قاتل لبعض الكفرة وكذلك قوله: «منصور من نصره مخذول من خذله» هو خلاف الواقع، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقاً.... وأيضاً: فالدعاء الذي عن النبي صلى الله عليه وسلم عقب التصدق بالخاتم من أظهر الكذب؛ لأن من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم أنفقوا في سبيل الله وقت الحاجة إليه ما هو أعظم قدراً ونفعاً من إعطاء سائل خاتماً، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً»([579]) وقد تصدق عثمان بألف بعير في سبيل الله في غزوة العسرة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم»([580]) والإنفاق في سبيل الله وفي إقامة الدين في أول الإسلام أعظم من صدقة على سائل محتاج، والإنفاق الذي صدر في أول الإسلام في إقامة الدين ما بقي له نظير يساويه، وأما إعطاء السائلين لحاجتهم فهذا البر يوجد مثله إلى يوم القيامة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تلك النفقات العظيمة النافعة الضرورية لا يدعو بمثل هذا الدعاء فكيف يدعو به لأجل إعطاء خاتم لسائل قد يكون كاذباً في سؤاله، ولا ريب أن هذا ومثله من كذب جاهل أراد أن يعارض ما ثبت لـ أبي بكر بقوله: ((وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)) [الليل:20-21] بأن يذكر لـ علي رضي الله عنه من هذا الجنس فما أمكنه أن يكذب أنه فعل ذلك في أول الإسلام فكذب هذه الأكذوبة التي لا تروج إلا على جاهل.. إلى أن قال: فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يشد بشخص من الناس كما سأل موسى أن يشد أزره بـ هارون فقد افترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخسه حقه)([581]).

وقد خطأ ابن كثير رحمه الله تعالى من ظن أن قوله تعالى في الآية: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55] جملة حالية، وعلل ذلك بأنه: يلزم منه أن يكون دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء وممن نعلمه من أئمة الفتوى([582]).

وقال الدهلوي مبيناً عدم نزول الآية في علي، وعدم صحة الحديث الذي اختلقه الرافضة لبيان دلالتها على إمامة علي رضي الله عنه حيث قال: وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم عليه في حالة الركوع فإنما هو للثعلبي فقط وهو متفرد به ولا يعد المحدثون من أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة ولقبوه بحاطب ليل([583]) فإنه لا يميز بين الرطب واليابس، وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح وهو من أوهى ما يروي في التفسير عندهم([584]).

وأما زعم الشيعة أن لفظ: الولي هو المتصرف وقد أثبتت له([585]) الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله.

فهذا يدل على جهل الشيعة حيث (يجعلون الولي هو الأمير، ولم يفرقوا بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر، والأمير يسمى الوالي، ولكن قد يقال: هو ولي الأمر كما يقال: وليت أمركم، ويقال: أولو الأمر، وأما إطلاق القول بالمولى وإرادة الولي فهذا لا يعرف.. بل يقال في الولي المولى ولا يقال: الوالي، فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعاداة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض، وهذا مما يشترك فيه الخلفاء الأربعة وسائر أهل بدر وأهل بيعة الرضوان فكلهم بعضهم أولياء بعض، ولم تدل الآية على أحد منهم يكون أميراً على غيره بل هذا باطل إذ لفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي، والآية عامة في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامة)([586]).

وبما تقدم ذكره اتضح بطلان استدلال الشيعة على إمامة علي رضي الله عنه إذ هي بعيدة كل البعد عن مراد الشيعة من حيث النزول والدلالة.

- الشبهة السادسة:

قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) [مريم:96] وجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم يقولون: إن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني روى بإسناده إلى ابن عباس قال: نزلت في علي، والود محبة في القلوب المؤمنة، وفي تفسير الثعلب ي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي! قل اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودة» فأنزل الله: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) [مريم:96] ولم يثبت لغيره ذلك فيكون هو الإمام([587]).

والرد على هذا الاستدلال وبيان بطلانه من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بالدليل على صحة هذا النقل وإلا فالاستدلال بما لا تثبت مقدماته باطل بالاتفاق، وهو من القول بلا علم، ومن قفو الإنسان ما ليس له به علم، ومن المحاجة بغير علم، والعزو المذكور لا يقبل الثبوت باتفاق أهل السنة والشيعة.

الوجه الثاني: أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.

الوجه الثالث: قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [مريم:96] عام في جميع المؤمنين فلا يجوز تخصيصها بـ علي بل هي متناولة لـ علي وغيره، والدليل على ذلك: أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في الآية؛ فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بـ علي رضي الله عنه.

الوجه الرابع: أن الله تعالى أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات وداً، وهذا وعد منه صادق والله لا يخلف الميعاد، فقد جعل للصحابة رضي الله عنهم الود في قلوب جماهير المسلمين ولاسيما الخلفاء رضي الله عنهم ولاسيما أبو بكر وعمر. وعلي رضي الله عنه في مقدمة من يودهما ويحبهما. رضي الله عن صحابة نبيه أجمعين([588]).

وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية على ما تدعيه الشيعة من تقديم علي رضي الله عنه في الإمامة.

- الشبهة السابعة:

قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)) [النور:36-37] ووجه استدلالهم بها أنهم يقولون: قال الثعلبي بإسناده عن أنس وبريدة قالا: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال: «بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله! هذا البيت منها –يعني: بيت علي وفاطمة؟- قال: نعم. من أفضلها»، وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم؛ فيكون علي هو الإمام وإلا لزم تقديم المفضول([589]).

واستدلالهم بهذه الآية مردود لوجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل إذ مجرد عزو ذلك إلى الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل السنة والشيعة، وليس كل خبر رواه واحد من الجمهور يكون حجة عند الجمهور. بل علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به لا في فضيلة أبي بكر وعمر ولا في إثبات حكم من الأحكام إلا أن يعلم ثبوته بطريقه...، ثم علماء الجمهور متفقون على أن الثعلبي وأمثاله يروون الصحيح والضعيف، ومتفقون على أن مجرد روايته لا توجب اتباع ذلك...، وتفسيره وإن كان غالب الأحاديث التي فيه صحيحة ففيه ما هو كذب موضوع باتفاق أهل العلم.

الوجه الثاني: أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، ولهذا لم يذكره علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد عليها في الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد مع أن في بعض هذه الكتب ما هو ضعيف بل ما يعلم أنه كذب لكن هذا قليل جداً، وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذباً من أن يذكروه في مثل ذلك.

الوجه الثالث: أن يقال: الآية باتفاق الناس هي في المساجد كما قال تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)) [النور:36] الآية، وبيت علي ليس موصوفاً بهذه الصفة.

الوجه الرابع: يقال لهم: بيت النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من بيت علي باتفاق المسلمين ومع هذا لم يدخل في هذه الآية لأنه ليس في بيته رجال وإنما فيه هو والواحدة من نسائه، ولما أراد بيت النبي قال: ((لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ)) [الأحزاب:53] وقال: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب:34].

الوجه الخامس: دعواهم أن الآية في بيوت الأنبياء كذب فإنه لو كان كذلك لم يكن لسائر المؤمنين فيها نصيب، وقوله: ((يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) [النور:36-37] متناول لكل من كان بهذه الصفة. إذ لفظ الآية دل على أنهم رجال وليسوا رجلاً واحداً، فهذا دليل على أن هذا لا يختص بـ علي بل هو وغيره مشتركون فيها، وحينئذ فلا يلزم أن يكون أفضل من المشاركين له فيها.

السادس: وأمَّا دعواهم امتناع تقديم المفضول على الفاضل فإنه إذا سلم فإنما هو في مجموع الصفات التي تناسب الإمامة وإلا فليس كل من فضل في خصلة من الخير استحق أن يكون هو الإمام، ولو جاز هذا لقيل: ففي الصحابة من قتل من الكفار أكثر مما قتل علي، وفيهم من كان عنده من العلم ما ليس عند علي، وبالجملة لا يمكن أن يكون واحد من الأنبياء له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه، ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الأنبياء من كل وجه، ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه.. بل يكون في المفضول نوع من الأمور التي يمتاز بها عن الفاضل، ولكن الاعتبار في التفضيل بالمجموع([590]).

فالآية لا دلالة فيها على ما ذهب إليه الرافضة حيث إن المراد بالبيوت فيها هي المساجد، وهي عامة في كل من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وليس فيها دلالة على إمامة علي رضي الله عنه ولا على أفضليته.

- الشبهة الثامنة: آية التطهير

وهي قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] هذه الآية فهم الشيعة منها أنها تدل على عصمة أهل البيت، ثم أخذوا منها الدلالة على إمامة علي رضي الله عنه.

قال الطوسي: (إن لفظ (إنما) تجري مجرى ليس...، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم، وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبتت عصمتهم ثبت ما أردناه)([591]).

وقال ابن المطهر الحلي: (وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظة (إنما) وإدخال اللام في الخبر والاختصاص في الخطاب بقوله: (أهل البيت) والتكرير بقوله: (ويطهركم) والتأكيد بقوله: (تطهيراً) وغيرهم ليس بمعصوم، فتكون الإمامة في علي؛ ولأنه ادعاها في عدة من أقواله كقوله: (والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقاً فيكون هو الإمام)([592]).

والرد على هذا الاستدلال:

يقال لهم: إن الآية ليس فيها أي إشارة تدل على عصمة أحد من أئمة أهل البيت التي يلزم منها عند الشيعة إمامتهم، وذلك أن الآية ما هي إلا كقوله: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)) [المائدة:6] وكقوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) [البقرة:185] وكقوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)) [النساء:26-27] فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين، وأمرهم به ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة -وكما هو معلوم- أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه، وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره([593]).

والإرادة في آية التطهير إنما هي إرادة دينية شرعية تذهب الرجس عن أهل البيت بامتثالهم الأوامر الربانية واجتنابهم المنهيات، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية التطهير قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([594]) فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير، فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم لم يحتج إلى الطلب والدعاء([595]).

وإذا كان الشيعة يستدلون بهذه الآية على عصمة أهل البيت فإنه يلزم على معتقدهم هذا أن يكون الصحابة -لاسيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة- معصومين؛ لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل: ((وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [المائدة:6] وقال: ((لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ)) [الأنفال:11] وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا الإتمام أدل على عصمتهم؛ لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان([596]).

وأما زعمهم أن علياً ادعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقاً... إلخ

 فإن هذا لا يسلم.. بل كل مسلم يعلم بالضرورة أن علياً ما ادعاها قط حتى قتل عثمان -وما قال: (إني معصوم، ولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلني الإمام بعده، ولا أنه أوجب على الناس متابعتي ولا نحو هذه الألفاظ.. بل من المعلوم بالضرورة أن من نقل هذا ونحوه عنه فهو كاذب عليه، إذ أن علياً رضي الله عنه كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر الذي يعلم الصحابة كلهم أنه كذب)([597]).

فآية التطهير ليس فيها دلالة على عصمة أهل البيت؛ لأنها لم ترد بصيغة الإخبار، وليس فيها أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على إمامتهم، ومما يدل على ذلك: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مذكورات في الآية. والسياق إنما هو في مخاطبتهن من قوله: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)) [الأحزاب:30] إلى قوله: ((وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره وليس مختصاً بأزواجه بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك، ولذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم([598]).

- الشبهة التاسعة: آية المودة.

وهي قوله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] ووجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم ينسبون إلى الإمام أحمد أنه روى في مسنده عن ابن عباس قال: «لما نزلت: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما» وكذا في تفسير الثعلبي ونحوه في الصحيحين وغير علي من الصحابة والثلاثة لا تجب مودته؛ فيكون علي أفضل فيكون هو الإمام؛ ولأن مخالفته تنافي المودة، وبامتثال أوامره تكون مودته، فيكون واجب الطاعة وهو معنى الإمامة([599]).

والرد على بطلان هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا الحديث، ودعواهم أن أحمد روى هذا الحديث في المسند كذب ظاهر، فإن مسند أحمد موجود وبه من النسخ ما شاء الله وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي غيرهما ما يناقض ذلك، ولا ريب أن الرافضة جهال بكتب أهل العلم لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها.. فهم يعزون إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلاً لا حقيقة له.. يعزون إلى مسند أحمد ما ليس فيه أصلاً، لكن أحمد رحمه الله صنف كتاباً في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وقد يروي في هذا الكتاب ما ليس في المسند.

الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهم المرجوع إليهم في هذا، ولهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.

الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة. ومن المعلوم أن علياً إنما تزوج فاطمة بـ المدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي صلى الله عليه وسلم الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق؟

الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] فقلت: أن لا تؤذوا محمداً في قرابته، فقال ابن عباس: (عجلت. إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فقال: لا أسألكم عليه أجراً لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم)([600])فهذا ابن عباس ترجمان القرآن وأعلم أهل البيت بعد علي يقول: ليس معناها مودة ذوي القربى لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجراً لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولاً أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ الرسالة.

الوجه الخامس: أنه قال: (لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) لم يقل: إلا المودة للقربى ولا المودة لذوي القربى، فلو أراد المودة لذوي القربى لقال: المودة لذوي القربى كما قال: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)) [الأنفال:41] وكذلك قوله: ((فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)) [الروم:38] وهكذا في غير موضع، فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها: (ذوي القربى)، لم يقل: (في القربى) فلما ذكر هذا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.

الوجه السادس: يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجراً ألبتة بل أجره على الله كما قال تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ)) [ص:86]، ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ)) [سبأ:47].

ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم واجبة لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية ولا محبتهم أجر للنبي صلى الله عليه وسلم مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات... فمن جعل محبة أهل بيته أجراً له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأً عظيماً، ولو كان أجراً له لم نثب عليه نحن لأنا أعطيناه أجره الذي يستحقه بالرسالة، فهل يقول مسلم مثل هذا؟!

الوجه السابع: أنا نسلم أن علياً تجب مودته وموالاته بدون الاستدلال بهذه الآية، لكن ليس في وجوب موالاته ومودته ما يوجب اختصاصه بالإمامة ولا الفضيلة. وأمَّا اعتقادهم: أن الثلاثة لا تجب موالاتهم، فممنوع بل يجب أيضاً مودتهم وموالاتهم؛ فإنه قد ثبت أن الله يحبهم، ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه، فإن الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان، وكذلك هم من أكابر أولياء الله المتقين، وقد أوجب الله موالاتهم.. بل قد ثبت أن الله رضي عنهم ورضوا عنه بنص القرآن، وكل من رضي الله عنه فإنه يحبه، والله يحب المتقين والمحسنين والمقسطين والصابرين وهؤلاء أفضل من دخل في هذه النصوص من هذه الأمة بعد نبيها([601]).

وأما استنباطهم من هذا الحديث -الذي لم يثبت-: أن المخالفة تنافي المودة وامتثال أوامره هو مودته؛ فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة.

فالجواب عليه من وجوه:

الوجه الأول: إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوي القربى فتجب طاعتهم، فيجب أن تكون فاطمة أيضاً إماماً، وإن كان هذا باطلاً فهذا مثله.

الوجه الثاني: أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من وجبت مودته كان إماماً حينئذ؛ بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل مصيرهما إمامين، وعلي تجب مودته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إماماً.. بل تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان.

الوجه الثالث: زعمهم أن المخالفة تنافي المودة. يقال لهم: متى؟ إذا كان ذلك واجب الطاعة أو مطلقاً؟ الثاني ممنوع وإلا لكان من أوجب على غيره شيئاً لم يوجبه الله عليه إن خالفه فلا يكون محباً له، ولا يكون مؤمن محباً لمؤمن حتى يعتقد وجوب طاعته. وهذا معلوم الفساد! وأما الأول فيقال: إذا لم تكن المخالفة قادحة في المودة إلا إذا كان واجب الطاعة فحينئذ يجب أن يعلم أولاً وجوب الطاعة حتى تكون مخالفته قادحة في مودته. فإنه لا يعلم أن المخالفة تقدح في المودة حتى يعلم وجوب الطاعة؛ ولا يعلم وجوب الطاعة إلا إذا علم أنه إمام، ولا يعلم أنه إمام حتى يعلم أن مخالفته تقدح في مودته.

الوجه الرابع: يقال: المخالفة تقدح في المودة إذا أمر بطاعته أو لم يؤمر؟ والثاني منتفٍ ضرورة، وأما الأول فإنا نعلم أن علياً لم يأمر الناس بطاعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.

الوجه الخامس: يقال هذا بعينه في حق أبي بكر وعمر وعثمان فإن مودتهم ومحبتهم وموالاتهم واجبة، ومخالفتهم تقدح في ذلك([602]).

فالآية إذن ليس فيها دليل على ما ذهب إليه الشيعة من الادعاء أنها نزلت في أهل البيت، وأنها تدل على إمامتهم وفضلهم.

-       الشبهة العاشرة:

-   قوله تعالى: ((وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)) [الزخرف:45] وجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي: أنهم يعزون إلى ابن عبد البر وأبي نعيم أنهما رويا «أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال: سلهم يا محمد علام بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله، وعلى الإقرار بنبوتك، والولاية لـ علي بن أبي طالب» وهذا صريح بثبوت الإمامة لـ علي([603]) ويرد على هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون في هذا الكذب القبيح بثبوت صحته إذ لا يشك أحد في أن هذا وأمثاله من أسمج الكذب وأقبحه، لكن على طريق التنزل في المناظرة، وأن هذا لو لم يعلم أنه كذب لم يجز أن يحتج به حتى يثبت صدقه، فإن الاستدلال بما لا تعلم صحته لا يجوز بالاتفاق، فإنه قول بلا علم، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع.

الوجه الثاني: أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم أنه كذب موضوع.

الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يصدق به من له عقل ودين، وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب؛ فإن الرسل صلوات الله عليهم كيف يسألون عما لا يدخل في أصل الإيمان، وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأطاعه ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً لم يضره ذلك ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة، فإذا كان هذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة والله تعالى قد أخذ الميثاق عليهم لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. هكذا قال ابن عباس وغيره([604]) قال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) [آل عمران:81] فأما الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد فلم يؤخذ عليهم، فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين؟!

الوجه الرابع: أن لفظ الآية ((وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)) [الزخرف:45] ليس في هذا سؤال لهم: بماذا بعثوا؟

الوجه الخامس: يقال لهم: إن كنتم تزعمون أن الرسل إنما بعثوا بهؤلاء الثلاثة فهذا كذب عليهم، وإن كنتم تزعمون أنها أصول ما بعثوا به فهذا أيضاً كذب، فإن أصول الدين التي بعثوا بها من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأصول الشرائع أهم عندهم من ذكر الإيمان بواحد من أصحاب نبي غيرهم.. بل ومن الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الإقرار بمحمد يجب عليهم مجملاً، كما يجب علينا نحن الإقرار بنبواتهم مجملاً، لكن من أدركه منهم وجب عليه الإيمان بشرعه على التفصيل كما يجب علينا، وأمَّا الإيمان بشرائع الأنبياء على التفصيل فهو واجب على أممهم، فكيف يتركون ذكر ما هو واجب على أممهم ويذكرون ما ليس هو الأوجب؟!

الوجه السادس: أن ليلة الإسراء كانت بـ مكة قبل الهجرة بمدة قيل: إنها سنة ونصف، وقيل: إنها خمس سنين، وقيل غير ذلك، وكان علي صغيراً ليلة المعراج، لم يحصل له هجرة ولا جهاد ولا أمر يوجب أن يذكره به الأنبياء، والأنبياء لم يذكر علي في كتبهم أصلاً، وقد دخل في الإسلام كثير من أهل الكتاب ولم يذكر أحد منهم أن علياً رضي الله عنه ذكر في كتبهم، فكيف يجوز أن يقال: إن كلاً من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي ولم يذكروا ذلك لأممهم ولا نقله أحد منهم([605])؟!

وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية للشيعة الرافضة على ما يذهبون إليه من أنها دالة على إمامة علي رضي الله عنه.

- الشبهة الحادية عشرة:

قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)) [الواقعة:10-11] ووجه استدلالهم بهذه الآية: أنهم ينسبون إلى أبي نعيم أنه روى عن ابن عباس قال في هذه الآية: (سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب) كما يقولون: روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)) [الواقعة:10] قال: (سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق هارون إلى موسى، وسبق صاحب يس إلى عيسى، وسبق علي إلى محمد صلى الله عليه وسلم) وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام([606]).

وهذا الاستدلال باطل من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل؛ لأن أبا نعيم وابن المغازلي يدونان كثيراً من الأحاديث الموضوعة.

الوجه الثاني: أن هذا باطل عن ابن عباس ولو صح لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه.

الوجه الثالث: أن الله تعالى يقول: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ)) [التوبة:100] وقال تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر:32] والسابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الذين هم أفضل ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل دخل فيهم أهل بيعة الرضوان وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فكيف يقال: إن سابق هذه الأمة واحد؟!

الوجه الرابع: دعواهم أن هذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة ممنوع؛ فإن الناس متنازعون في أول من أسلم فقيل: أبو بكر أول من أسلم فهو أسبق إسلاماً من علي. وقيل: إن علياً أسلم قبله لكن علياً كان صغيراً وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء، ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع فيكون هو أكمل سبقاً بالاتفاق وأسبق على الإطلاق على القول الآخر، فكيف يقال: علي أسبق منه بلا حجة تدل على ذلك؟!

الوجه الخامس: أن هذه الأفضلية للسابقين الأولين لم تدل على أن كل من كان أسبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره، وإنما يدل على أن السابقين أفضل قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فالذين سبقوا إلى الانفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم، فإن الفتح فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية،([607]) وإذا كان أولئك السابقون قد سبق بعضهم بعضاً إلى الإسلام فليس في الآيتين ما يقتضي أن يكون أفضل مطلقاً بل قد يسبق إلى الإسلام من سبقه غيره إلى الإنفاق والقتال، ولهذا كان عمر رضي الله عنه ممن أسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة وبإجماع الصحابة والتابعين وما علمت أحداً قط قال: إن الزبير ونحوه أفضل من عمر، والزبير أسلم قبل عمر، ولا قال من يعرف من أهل العلم: إن عثمان أفضل من عمر، وعثمان أسلم قبل عمر، وإن كان الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال فمعلوم أن أبا بكر أخص بهذا؛ فإنه لم يجاهد قبله أحد لا بيده ولا بلسانه.. بل هو من حين آمن بالرسول ينفق ماله ويجاهد بحسب الإمكان، فاشترى من المعذبين في الله غير واحد، وكان يجاهد مع الرسول قبل الأمر بالقتال كما قال تعالى: ((وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً)) [الفرقان:52] فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن أَمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر»([608]) والصحبة بالنفس وذات اليد هو المال، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه أَمَنَّ الناس عليه في النفس([609]) والمال، وحسبنا هنا من الآيات القرآنية التي يدعون أنها أدلة على أن علياً رضي الله عنه هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا فصل ما تقدم.

ونقتصر عليها في هذا المبحث لأنه كما تقدم معنا أن هذه الآيات التي ذكرناها هنا يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عندما يحاجون في مسألة الإمامة، وإلا فالآيات التي يستدلون بها على إمامة علي رضي الله عنه كثيرة، فقد أورد ابن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة في معرفة الإمامة أربعين آية([610]) وذكر الخميني في كتابه كشف الأسرار([611]) أن مائة وأربعين آية تدل على أن الإمام هو علي رضي الله عنه، وكما قدمنا أنها ليست أدلة وإنما هي شبه يتصيدون بها ضعاف العقول من المسلمين ومن حظه قليل من العلم، فهي آيات قرآنية عامة واردة في جميع المؤمنين والشيعة يخصصونها بـ علي رضي الله عنه، وكما تقدم من الآيات التي أسلفناها أنه لا دلالة فيها على إمامة علي رضي الله عنه ولا على أفضليته، وكذلك بقية الآيات التي لم يرد ذكرها هنا كلها من هذا القبيل.

 - ثانياً: شبههم من الأحاديث:

أما شبههم من الأحاديث التي يستدلون بها على أن علياً رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهي إما أحاديث صحيحة تدل على فضله ولا تدل على إمامته، وإما أحاديث ضعيفة غير صحيحة لعلل في أسانيدها، وإما أحاديث مكذوبة مختلقة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الشبه ما يلي:

- الشبهة الأولى: حديث المنزلة.

فقد روى الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـ علي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»([612])

فقد فهم الشيعة من هذا الحديث النبوي أن النبي عليه الصلاة والسلام نصب علياً رضي الله عنه إماماً للمسلمين، فقد روى الصدوق([613]) بإسناده إلى هارون العبدي قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» قال: استخلفه بذلك والله على أمته في حياته وبعد وفاته وفرض عليهم طاعته فمن لم يشهد له بعد هذا القول بالخلافة فهو من الظالمين([614]).

وقال ابن المطهر الحلي مبيناً وجه دلالة حديث المنزلة على إمامة علي رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن جملة منازل هارون: أنه كان خليفة لـ موسى ولو عاش بعده لكان خليفة أيضاً؛ ولأنه خلفه مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة فيكون أولى بأن يكون خليفة)([615]).

 والرد على هذا الاستدلال.

يقال لهم: لا يشك مسلم في صحة هذا الحديث، وأنه يدل على فضل علي رضوان الله عليه لا على أنه الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مناسبة ورود الحديث تأبى أن يكون مراد النبي عليه الصلاة والسلام التنصيص على خلافة علي وإمامته، ولو أراد ذلك لصرح بلفظ لا يتطرق إليه احتمال، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يخرج من المدينة لغزو أو غيره إلا ويستخلف أحد الصحابة على المدينة.. فلما كانت غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم([616]).

ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه؛ لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحداً كما كان يبقي في جميع مغازيه؛ فإنه كان يكون بـ المدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف، فكل استخلاف يستخلفه في مغازيه مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى وغزوة بني المصطلق وخيبر وفتح مكة وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال، ومغازيه بضع عشرة غزوة وقد استخلف فيها كلها إلا القليل، وقد استخلف في حجة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك، وفي كل مرة يكون بـ المدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه علياً؛ فلهذا خرج إليه علي رضي الله عنه وقال: (أتخلفني في النساء والصبيان)([617]).

 وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه وقال: إنما خلفه لأنه يبغضه، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما استخلفه لأمانته عنده، وإن الاستخلاف ليس بنقص ولا غض فإن موسى استخلف هارون على قومه، فكيف يكون نقصاً وموسى يفعله بـ هارون؟ فطيب بذلك قلب علي، وبين أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته لا يقتضي إهانته ولا تخوينه...، ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون؛ لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فجميع العسكر كان معه ولم يتخلف بـ المدينة غير النساء والصبيان أو معذور أو عاص، وقول القائل: هذا بمنزلة هذا وهذا مثل هذا هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء -فإنه قد ثبت- من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء واستشار عمر فأشار بالقتل قال: «أخبركم عن صاحبيكم مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ((فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [إبراهيم:36] ومثل عيسى إذ قال: ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [المائدة:118] ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ((وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً)) [نوح:26] أو مثل موسى إذ قال: ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) [يونس:88]»([618])فقوله لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى ولهذا مثل نوح وموسى أعظم من قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فإن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء لكن فيما دل عليه السياق من الشدة في الله، واللين في الله وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي بل ولا هو مثل استخلافاته فضلاً عن أن يكون أفضل منها وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير من الغزوات ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على علي إذا قعد معه، فكيف يكون موجباً لتفضيله على علي؟ بل قد استخلف على المدينة غير واحد وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى ومن جنس استخلاف علي، وليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى، وأما زعمهم أنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل، فإن قوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته فقال هذا على سبيل الجبر له وقوله: (بمنزلة هارون من موسى) أي: مثل منزلة هارون، وأن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره وإنما يكون له ما يشابهها فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: «مثله مثل إبراهيم وعيسى، وعمر: مثله مثل نوح وموسى...» ومما يبين ذلك: أنه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطاباً بينهما يناجيه به، ولا كان أخره حتى يخرج إليه علي ويشتكي بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلهم بلفظ يبين المقصود، ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون فإن هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخاطب علياً بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك فلو كان علي قد عرف أنه المستخلف من بعده كما رووا ذلك فيما تقدم لكان علي مطمئن القلب أنه مثل هارون بعده في حياته ولم يخرج إليه يقول: (أتخلفني مع النساء والصبيان)([619])ولو كان علي بمنزلة هارون مطلقاً لم يستخلف عليه أحداً، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية حين قدم، وكان قد أعطى الراية رجلاً فقال: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»([620]).

وأما قولهم في الاستدلال: لأنه خليفة مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة يكون أولى بأن يكون خليفة.

فالجواب: أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي استخلافاً أعظم من استخلاف علي، واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم علياً، وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع، فليس جعل علي هو الخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان على المدينة عام حجة الوداع وكان علي بـ اليمن وشهد معه الموسم لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير علي، فإن كان الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك، وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة بل قد استخلف عدداً غيره -ولكن الرافضة - يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بـ علي رضي الله عنه([621]).

قال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده على الطاعنين في إمامة الصديق رضي الله عنه: (فإن قال: قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ علي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»([622]).

قيل له: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة هارون من موسى، وإنما خرج هذا القول له من النبي صلى الله عليه وسلم عام تبوك إذ خلفه بـ المدينة فذكر المنافقون أنه مله وكره صحبته فلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم فذكر له قولهم فقال صلى الله عليه وسلم: «بل خلفتك كما خلف موسى هارون»)([623]).

وقال أبو محمد بن حزم مبيناً المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»: (وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السلام؛ لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون فتى موسى الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة، وإذا لم يكن علي نبياً كما كان هارون نبياً ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى فقد صح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط، وأيضاً فإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك فقال المنافقون: استقله فخلفه. فلحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى ذلك إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختاراً استخلافه كما استخلف موسى عليه السلام هارون عليه السلام أيضاً مختاراً لاستخلافه، ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه. فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لـ علي فضلاً على غيره ولا ولاية الأمر بعده كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين. اهـ([624]).

وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه للحديث: (واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة فإن هارون كان خليفة موسى، وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته؛ لأنه مات قبل موسى باتفاق. أشار إلى ذلك الخطابي([625]).

فلا دلالة في الحديث للشيعة من أن الخلافة كانت من جملة منازل هارون كما يزعمون ولا يسلم لهم بهذا الادعاء؛ لأن هارون كان نبياً مستقلاً في التبليغ ولو عاش بعد موسى أيضاً لكان كذلك ولم تزل عنه هذه المرتبة قط وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أن الاستدلال على خلافة علي رضي الله عنه من هذا الطريق لا يصح أبداً([626]).

- الشبهة الثانية: حديث الراية:

فقد زعم ابن المطهر الحلي أن الجمهور رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر خيبر تسعاً وعشرين ليلة وكانت الراية لأمير المؤمنين علي فلحقه رمد أعجزه عن الحرب وخرج مرحب يتعرض للحرب فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال: خذ الراية. فأخذها في جمع من المهاجرين ولم يغن شيئاً ورجع منهزماً، فلما كان من الغد تعرض لها عمر فسار غير بعيد ثم رجع يخبر أصحابه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جيئوني بـ علي، فقيل: إنه أرمد فقال: أرونيه. أروني رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار. فجاءوا بـ علي فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه فبرأ فأعطاه الراية ففتح الله على يديه وقتل مرحب» ووصفه عليه السلام بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره، وهو يدل على أفضليته فيكون هو الإمام([627]).

والرد على هذا الاستدلال من وجوه:

 الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل ولا سبيل لهم إلى هذا.

الوجه الثاني: دعواهم أنه رواه الجمهور يقال لهم: إن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا بل الذي في الصحيحين أن علياً رضي الله عنه كان غائباً عن خيبر لم يكن حاضراً فيها حيث كان أرمد، ثم إنه شق عليه التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلحقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه: «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» ولم تكن الراية قبل ذلك لـ أبي بكر ولا لـ عمر ولا قربها واحد منهما بل هذا من الأكاذيب ولهذا قال عمر: «فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وبات الناس كلهم يرجو أن يعطاها، فلما أصبح دعا علياً فقيل له: إنه أرمد. فجاءه فتفل في عينه حتى برأ فأعطاه الراية»([628]) وكان هذا التخصيص جزاء مجيء علي مع الرمد، وكان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وعلي ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته صلى الله عليه وسلم، فليس في الحديث تنقيص بـ أبي بكر وعمر أصلاً([629]).

الوجه الثالث: أن مدعى الشيعة غير حاصل -من هذا الحديث الصحيح- إذ لا ملازمة بين كونه محباً لله ورسوله ومحبوباً لهما وبين كونه إماماً بلا فصل أصلاً على أنه لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره، كيف وقد قال الله تعالى في حق أبي بكر ورفقائه: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] وقال في حق أهل بدر: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ)) [الصف:4] ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله، ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله، وقال في شأن أهل مسجد قباء: ((فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) [التوبة:108] وقال صلى الله عليه وسلم لـ معاذ: «يا معاذ! إني أحبك»([630]) ولما سئل «من أحب الناس إليك؟ قال عائشة قيل: ومن الرجال؟ قال: أبوها»([631]) وإنما نص على المحبة والمحبوبية في حق علي مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله: (يفتح الله على يديه)([632])وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»([633]) فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون (يفتح الله على يديه) وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم([634]).

- الشبهة الثالثة: حديث الثقلين.

فقد استدل الشيعة به على إمامة علي رضي الله عنه وبنيه، وهم يسوقونه بطرق مختلفة، وقد ساقه ابن المطهر الحلي بلفظ: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وقال: «أهل بيتي هم كسفينة نوح.. من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» ثم قال: وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته وعلي سيدهم، فيكون واجب الطاعة على الكل؛ فيكون هو الإمام([635]).

وقال الصدوق مبيناً وجه دلالة هذا الحديث الذي لم يصح بهذا اللفظ كما سنرى قريباً حيث قال: (والعترة علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة وسلالة النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين نص الله تبارك وتعالى عليهم بالإمامة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم اثنا عشر. أولهم علي وآخرهم القائم عليه السلام على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة)([636]).

وقال ابن طاوُس([637]) بعد ذكره لروايات كثيرة لحديث الثقلين: (فهذه عدة أحاديث برجال متفق على صحة أقوالهم يتضمن الكتاب والعترة. فانظروا وأنصفوا هل جرى من التمسك بهما ما قد نص عليهما؟ وهل اعتبر المسلمون من هؤلاء من أهل بيته الذين ما فارقوا الكتاب؟ وهل فكروا في الأحاديث المتضمنة أنهما خليفتان من بعده؟ وهل ظلم أهل بيت نبي من الأنبياء مثل ما ظلم أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها؟ وهل بالغ نبي أو خليفة أو ملك من ملوك الدنيا في النص على من يقوم مقامه بعد وفاته أبلغ مما اجتهد فيه محمد رسول الله؟ لكن له أسوة بمن خولف من الأنبياء قبله، وله أسوة بالله الذي خولف في ربوبيته بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها)([638]).

ولقد كفانا مؤنة الرد على استدلالهم بحديث الثقلين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قد رد عليهم وأبطل استدلالهم من وجوه عدة هي: الوجه الأول: أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد. ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي»([639]) وهذا اللفظ يدل على أن الذي أمر بالتمسك به وجعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله، وأما قوله: «وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»، فهذا رواه الترمذي([640]) وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح([641])، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى وغيره، لكن أهل البيت لم يتفقوا على شيء من خصائص مذهب الرافضة بل هم المبرءون المنزهون عن التدنس بشيء منه. وأما قوله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح» فهذا لا يعرف له إسناد صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التى يعتمد عليها.

الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عترته: إنها والكتاب لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض وهو الصادق المصدوق فيدل على أن إجماع العترة حجة، وهذا قول طائفة من علماء الحنابلة رحمهم الله تعالى لكن العترة هم بنو هاشم كلهم ولد العباس وولد علي وولد الحارث بن عبد المطلب وسائر بني أبي طالب وغيرهم وعلي وحده ليس هو العترة، وسيد العترة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبين ذلك أن علماء العترة كـ ابن عباس وغيره لم يكونوا يوجبون اتباع علي في كل ما يقوله، ولا كان علي يوجب على الناس طاعته في كل ما يفتي به ولا عرف أن أحداً من أئمة السلف لا من بني هاشم ولا غيرهم قال: إنه يجب اتباع علي في كل ما يقوله.

الوجه الثالث: أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته، بل أئمة العترة كـ ابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر وفيهم من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على علي والنقول عنهم ثابتة متواترة.

الوجه الرابع: أن هذا معارض بما هو أقوى منه، وأن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع، والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة وأفضل الأمة أبو بكر([642])، فإن كانت الطائفة التي إجماعها حجة يجب اتباع أفضلها مطلقاً فهو أبو بكر، وإن لم يكن بطل ما يذكر الشيعة في إمامة علي رضي الله عنه([643]).

ومما تجدر الإشارة إليه: أن حديث الثقلين قد تعددت رواياته في مصادر أهل السنة والجماعة، وأن الدكتور علي أحمد السالوس قد تتبع هذا الحديث وقام بدراسة طرقه المتعددة وأخرجها في كتابه: حديث الثقلين وفقهه. وتوصل إلى أن ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم لا خلاف حول صحته، وأما بقية الروايات فقد قال عنها: (ورأينا الروايات الأخرى لهذا الحديث، وظهر ما بها من ضعف وهنا ملحظ هام وهو: أن الضعف أساساً جاء من موطن واحد وهو الكوفة، وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير، ومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع)([644]). فدعوى ابن طاوُس من الاتفاق على صحة أقوال رجال الأحاديث التي ساقها وحديث الثقلين الوارد في صحيح مسلم ليس فيه أكثر من الحث على حب آل بيت النبوة وحفظ حقوقهم؛ لأن ذلك من كمال حبه صلى الله عليه وسلم وحفظ حقوقهم، وتذكيره صلى الله عليه وسلم بأهل بيته لا يلزم منه إمامتهم، ولو كان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بيان إمامتهم لأفصح عن ذلك بلفظ في غاية البيان والوضوح.

- الشبهة الرابعة: حديث الغدير.

لقد أخذ حديث الغدير عند الشيعة منزلة رفيعة وافتخروا به وأشادوا به وأفردوه بالتأليف وفيه يقول الأميني: (للإمامية مجتمع باهر يوم الغدير عند المرقد العلوي الأقدس يضم إليه رجالات القبائل، ووجوه البلاد من الدانين والقاصين إشادة بهذا الذكر)([645]).

ومفاد قصة الغدير كما يذكرونها في كتبهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على الحج في سنة عشر من الهجرة وأعلن ذلك للناس فاجتمعوا إليه جماعات ووحدانا، وقاد النبي صلى الله عليه وسلم قافلة الحجيج إلى مكة قاصدين البيت الحرام مصطحباً معه نساءه وسائر أهل بيته، ثم بعد أن قضى مناسكه قفل راجعاً إلى المدينة وسار حتى وصل غدير خم من الجحفة وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، ويومها نزل عليه جبريل من الله بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67] وأمره أن ينصب عليهم علياً إماماً ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كل أحد فحشر الناس في ذلك الموضع وأوقف سيرهم ورد مقدمتهم على مؤخرتهم ثم وقف عليهم خطباً إلى أن قال: «يا أيها الناس! من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فـ علي مولاه. يقولها ثلاث مرات، ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ألا فليبلغ الشاهد الغائب ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، وولاية علي من بعدي»([646]).

ووجه استدلالهم من حديث الغدير عبارة: «من كنت مولاه فـ علي مولاه» وهذه العبارة لا تعني عند الشيعة إلا النص على إمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن المطهر الحلي مبيناً وجه الدلالة منه: (والمراد بالمولى هنا الأولى بالتصرف لتقدم التقوى منه صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألست أولى منكم بأنفسكم»)([647]).

وروى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق قال: قلت لـ علي بن الحسين عليهما السلام: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فـ علي مولاه» قال: أخبرهم أنه الإمام بعده([648]).

وقبل أن أبين بطلان حديث الغدير هذا نبين أنه يحمل في ثناياه جهل الشيعة المركب بعدم معرفتهم بمكان وزمان نزول آيات القرآن الكريم فدعواهم أن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)) [المائدة:67] أنزلت يوم الغدير فهذه الدعوى غير صحيحة، فقد رجح العلامة ابن كثير أنها مما نزل بـ المدينة بل إنها من أواخر ما نزل فقد قال رحمه الله تعالى: (والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم)([649]).

وسياق الآية يشعر ببعد نزولها يوم الغدير بشأن خلافة علي رضي الله عنه، ذلك أن الآية سبقت بآيات كلها وردت في ذم أهل الكتاب وبيان تعداد معاصيهم وتعديهم حدود الله جل وعلا، قال العلامة ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)) [المائدة:67]: (وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجترائهم على ربهم، وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه، ورداءة مطاعمهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم، والتهجين لهم وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذراً منهم أن يصيبه في نفسه مكروه ما قام فيهم بأمر الله، ولا جزعاً من كثرة وقلة عدد من معه، وأن لا يتقي أحداً في ذات الله فإن الله تعالى كافيه كل أحد من خلقه ودافعٌ عنه مكروه كل من يتقي مكروهه)([650]).

وأما قوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3] فإن نزولها كان بـ عرفة وحادثة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة، قال ابن جرير رحمه الله تعالى ذاكراً القول الراجح في مكان ووقت نزول هذه الآية: (وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة لصحة سنده ووهن أسانيد غيره)([651])فادعاؤهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزولها: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية علي من بعدي» فإنه كما قال الألوسي: (من مفترياتهم، وركاكة الأمر شاهدة على ذلك)([652]).

وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المائدة لم ينزل منها شيء في غدير خم أو بعده، حيث قال رحمه الله: (فمن زعم أن المائدة نزل منها شيء في غدير خم أو بعده فهو كاذب باتفاق أهل العلم)([653])وأما لفظ حديث الغدير فقد تصدى أهل العلم من أهل السنة والجماعة لبيان درجته كما أوضحوا ما يدل عليه ما صح من لفظه من وجوه.

الوجه الأول: أن لفظ «من كنت مولاه فـ علي مولاه» ليس هو في الصحاح ولكن رواه طائفة من أهل العلم([654]) وقد تنازع الناس في صحته أو عدمها على قولين:

القول الأول: نقل عن الإمام البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه.

وإلى هذا القول ذهب أبو محمد بن حزم فإنه ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: وأما من كنت مولاه فـ علي مولاه فلا يصح من طرق الثقاة أصلاً([655]).

القول الثاني: نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي([656]) ثم إن القائلين بصحة الحديث من أهل السنة سلفاً وخلفاً بينوا المراد من الحديث، وما الذي يدل عليه، وأنه ليس المراد به الخلافة.

فقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى فضيل بن مرزوق قال: (سمعت الحسن بن الحسن وسأله رجل: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فـ علي مولاه؟ قال لي: بلى. والله لو يعني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمارة والسلطان لأفصح لهم بذلك، فإن رسول الله كان أنصح للمسلمين! فقال: يا أيها الناس! هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، والله لئن كان الله ورسوله اختار علياً لهذا الأمر وجعله القائم به للمسلمين من بعده ثم ترك على أمر الله ورسوله لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله)، ثم قال: ورواه شبابة بن سوار عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يتولاهم فذكر قصة ثم قال: (ولو كان الأمر كما يقولون: إن الله ورسوله اختار علياً لهذا الأمر وللقيام على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان علي لأعظم الناس خطية وجرماً في ذلك إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمره ويعذر فيه إلى الناس، قال: فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لـ علي: من كنت مولاه فـ علي مولاه؟ فقال: أما والله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان يعني بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم)([657]).

 ففي هذين الأثرين عن الحسن بن الحسن تكذيب لما نسبه الصدوق إلى علي بن الحسين من أنه قال: إن المراد بقوله: (من كنت مولاه فـ علي مولاه) أنه أخبرهم بأنه الإمام بعده. فاتضح أن ذلك من زيادات الشيعة المنكرة على أهل البيت وأنهم يدخلون ألفاظاً منكرة في الأحاديث والآثار على حسب ما تملي لهم به أهواؤهم.

وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من كنت مولاه فـ علي مولاه» يعني بذلك ولاء الإسلام وذلك قول الله عز وجل: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)) [محمد:11].

وأما قول عمر بن الخطاب لـ علي: (أصبحت مولى كل مؤمن) يقول: ولي كل مسلم([658]).

وقال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده لحجج الرافضة التي يدعون أنها تدل على إمامة علي رضي الله عنه مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا احتج بالأخبار وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فـ علي مولاه» قيل له: مقبول منك ونحن نقول: وهذه فضيلة بينة لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعناه: من كان النبي صلى الله عليه وسلم مولاه فـ علي والمؤمنون مواليه، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [التوبة:71] والولي والمولى في كلام العرب واحد، والدليل عليه قوله تبارك وتعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)) [محمد:11] أي: لا ولي لهم وهم عبيده وهو مولاهم وإنما أراد لا ولي لهم...، وإنما هذه منقبة من النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي رضي الله عنه، وحث على محبته وترغيب في ولايته لما ظهر من ميل المنافقين عليه وبغضهم له، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»([659]).

 وقال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى: (وأما حديث الموالاة فليس فيه -إن صح إسناده- نص على ولاية علي بعده، فقد ذكرنا من طرقه في كتاب الفضائل ما دل على مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته فقال: «من كنت وليه فـ علي وليه» وفي بعض الروايات: «من كنت مولاه فـ علي مولاه» والمراد به ولاء الإسلام ومودته، وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضاً ولا يعادي بعضهم بعضاً، وهو معنى ما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال: (والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)([660])وفي حديث بريدة حين شكا علياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتبغض علياً؟ فقلت: نعم. فقال: لا تبغضه وأحببه وازدد له حباً. قال بريدة: فما كان من الناس أحد أحب إلي من علي بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم»([661]) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قولي أهل العلم في الحديث من حيث الصحة وعدمها: (ونحن نجيب بالجواب المركب فنقول: إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فلا كلام، فإن قاله فلم يرد به قطعاً الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغاً مبيناً، وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة، وذلك أن المولى كالولي، والله تعالى قال: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55] وقال: ((وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) [التحريم:4] فبين أن الرسول ولي المؤمنين، وأنهم مواليه أيضاً، كما بين أن الله ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض.

 الوجه الثاني: أما الزيادة وهي قوله: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» فلا ريب أنه كذب فقد نقل أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم قال: قلت لـ أبي عبد الله: (حسين الأشقر تحدث عنه؟ قال: لم يكن عندي ممن يكذب في الحديث، فقال له العباس بن عبد العظيم: حدث في أبي بكر وعمر، فقلت له: يا أبا عبد الله! صنف باباً فيه معايب أبي بكر وعمر فقال: ما هذا بأهل أن يحدث عنه، وذكر أنه حدثه بحديثين).

أحدهما: أنه قال: إن علياً قال له: «إنك ستعرض على البراءة مني فلا تتبرأ مني» فاستعظمه أبو عبد الله وأنكره.

الثاني: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» فأنكره أبو عبد الله جداً وكأنه لم يشك أن هذين كذب([662]).

الوجه الثالث: زعمهم أن المراد بالمولى هو الأولى بالتصرف غير صحيح، وإنما المراد بالموالاة المضادة للمعاداة وهذا حكم ثابت لكل مؤمن، فـ علي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه، وفي الحديث إثبات إيمان علي في الباطن والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطناً وظاهراً ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب، لكن ليس فيه أنه ليس من المؤمنين مولى غيره، فكيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم له موال وهم صالحوا المؤمنين؟ فـ علي أيضاً له مولى بطريق الأولى والأحرى وهم المؤمنون الذين يتولونه([663]). وبهذه الوجوه المتقدمة يبطل استدلال الشيعة على خلافة علي بحديث الغدير الذي هو من عمدة أدلتهم على ذلك، بل إن أخبار الغدير التي فيها الأمر باستخلاف علي غير صحيحة عند أهل السنة ولا مسلمة لديهم أصلاً([664]).

 - الشبهة الخامسة: حديث الدار:

لقد تداول الشيعة هذا الحديث فيما بينهم وتناقلوه في كتبهم وقبلوه وسلموا به سنداً ومتناً، وجعلوه دليلاً على إثبات إمامة علي رضي الله عنه: بل استنبط منه بعضهم بداية نشأة التشيع.

فقد قال الزنجاني: (إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها، فإنه لما نزل عليه قوله تعالى: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] جمع النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم وأنذرهم وقال: أيكم يؤازرني فيكون أخي ووارثي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا)([665]).

وحديث الدار كما قال الحلي: وهو ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] جمع رسول الله بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلاً وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاعاً من اللبن، وكان الرجل يأكل الجذعة في مقعد واحد ويشرب الفرق([666]) من الشراب في ذلك المقام، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا ولم يتبين ما أكلوا؛ فبهرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وتبين لهم آية نبوته فقال: «يا بني عبد المطلب! إن الله بعثني إليكم خاصة، فقال: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم، فقال أمير المؤمنين: أنا يا رسول الله! أؤازرك على هذا الأمر، فقال: اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا، فقال علي: فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى، فقال: اجلس، ثم أعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت فقلت: أنا أؤازرك يا رسول الله! على هذا الأمر، فقال: اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي! فنهض القوم وهم يقولون لـ أبي طالب ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك»([667]).

قال الشيعي مهدي السماوي مشيداً بهذا الافتراء: (قد بلغ حداً من التواتر والشهرة لا تستطع الأقلام إغفاله ولا الألسن أن تكم عن التحدث به لواسع شهرته وانتشاره من حيث السند، وأمَّا مضمونه فأوضح من أن يحتاج إلى بيان في دلالته على إمامته (ع) وخلافة رسول الله (ص) ووراثته له سائر ما يورث الأنبياء، فهو يثبت بوضوح كون الإمام وزير الرسول وأخاه ووصيه وخليفته من بعده)([668]).

وحديث الدار هذا تناوله شيخ الإسلام ابن تيمية بالنقد والتفنيد وبين زيفه وبطلانه من وجوه عدة هي:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل وما يدعونه من نقل الناس كافة من أبين الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث لا يوجد في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذى يحتج به، وإذا كان يوجد في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي بل وابن جرير وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلاً على صحته باتفاق أهل العلم، فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف، وهذا الحديث غايته أن يوجد في كتب التفسير التي فيها الغث والسمين وفيها أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة مع أن كتب التفسير التي يوجد فيها مثل تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي ينقل فيها بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي اتفق أهل العلم على صحتها ما يناقض ذلك، ولكن هؤلاء المفسرين ذكروا ذلك على عادتهم في أنهم ينقلون ما ذكر في سبب نزول الآية من المنقولات الصحيحة والضعيفة، ولهذا يذكر أحدهم في سبب نزول الآية عدة أقوال ليذكر أقوال الناس وما نقلوه فيها وإن كان بعض ذلك هو الصحيح وبعضه كذب، وإذا احتج بمثل هذا الضعيف وأمثاله واحد فذكر بعض ما نقل في تفسير الآية من المنقولات وترك سائرها ينقل مما يناقض ذلك كان هذا من أفسد الحجج... -وهذا الحديث- مناقض لما علم بالتواتر من أئمة التفسير الذين لم يذكروا هذا بحال لعلمهم أنه باطل.

الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع، ولهذا لم يروِه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات؛ لأن أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب وقد رواه ابن جرير([669]) والبغوي([670]) بإسناد فيه عبد الغفار بن القاسم بن فهد أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه([671])، ورواه أيضاً ابن أبي حاتم وفي إسناده عبد الله بن عبد القدوس وهو ليس بثقة([672])، وإسناد الثعلبي أضعف لأن فيه من لا يعرف.

الوجه الثالث: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلاً حين نزلت هذه الآية فإنها نزلت بـ مكة في أول الأمر، ثم ولا بلغوا أربعين رجلاً في مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بني عبد المطلب لم يعقب منهم باتفاق إلا أربعة وهم بنو هاشم، ولم يدرك النبوة من عمومته إلا أربعة العباس، وحمزة، وأبو طالب، وأبو لهب فآمن اثنان وهما حمزة والعباس ونفر اثنان أحدهما نصره وأعانه وهو أبو طالب، والآخر عاداه وأعان أعداءه وهو أبو لهب، وأما العمومة وبنو العمومة فـ أبو طالب كان له أربعة بنين طالب وعقيل وجعفر وعلي، وطالب لم يدرك الإسلام وأدركه الثلاثة فآمن علي وجعفر في أول الإسلام وهاجر جعفر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة عام خيبر وكان عقيل قد استولى على رباع بني هاشم وتصرف فيها، ولهذا لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته تنزل غداً في دارك بـ مكة قال: «وهل ترك لنا عقيل من دار»، وأما العباس فبنوه كلهم صغار إذ لم يكن فيهم بـ مكة رجل -وعلى سبيل الفرض أنهم كانوا رجالاً- فهم عبد الله وعبيد الله، والفضل، وأما قثم فولد بعدهم، وأكبرهم الفضل وبه كان يكنى، وعبد الله ولد في الشعب بعد نزول قوله: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] وكان سنه في الهجرة نحو ثلاث سنين أو أربع سنين ولم يولد للعباس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا الفضل وعبد الله وأما سائرهم فولدوا بعد، وأما الحارث بن عبد المطلب وأبو لهب فبنوهما أقل والحارث كان له ابنان أبو سفيان وربيعة وكلاهما تأخر إسلامه وكان من مسلمة الفتح، وكذلك بنو أبي لهب تأخر إسلامهم إلى زمن الفتح، وكان له ثلاثة ذكور فأسلم منهم اثنان عتبة ومغيث وشهدا الطائف وحنيناً، وعتيبة دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكله الكلب؛ فقتله السبع بـ الزرقاء من الشام كافراً([673]) فهؤلاء بنو عبد المطلب لا يبلغون عشرين فأين الأربعون؟

الوجه الرابع: أما دعواهم: أن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن كذب على القوم ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل ولا عرف فيهم من كان يأكل جذعة ولا يشرب فرقاً.

الوجه الخامس: أن قوله للجماعة: «من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي» كلام مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز نسبته إليه؛ فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين وأعانوه على هذا الأمر وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته وفارقوا أوطانهم وعادوا إخوانهم وصبروا على الشتات بعد الألفة، وعلى الذل بعد العز، وعلى الفقر بعد الغنى، وعلى الشدة بعد الرخاء -وسيرتهم معروفة مشهورة- ومع هذا فلم يكن أحد منهم خليفة له، وأيضاً: فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلاً أمكن أن يجيبوه، أو أكثرهم أو عدد منهم، فلو أجابه منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده أيعين واحداً بلا موجب أم يجعل الجميع خلفاء في وقت واحد، وذلك أنه لم يعلق الوصية والخلافة والأخوة والمؤازرة إلا بأمر سهل وهو الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر، وما من مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر إلى يوم القيامة إلا وله من هذا نصيب وافر، ومن لم يكن له من ذلك حظ فهو منافق، فكيف يجوز نسبة مثل هذا الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟!

الوجه السادس: أن حمزة وجعفراً وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه علي من الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر، فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا بالله ورسوله في أول الأمر، بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم به في دار الأرقم، ولم يكن يجتمع هو وبنو عبد المطلب كلهم في دار واحدة؛ فإن أبا لهب كان مظهراً لمعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما حصر بنو هاشم في الشعب لم يدخل معهم أبو لهب.

الوجه السابع: أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا، ففي الصحيحين عن ابن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فخص وعم فقال: «يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها»([674]) فإن قالوا: هذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسرين والمصنفين في الفضائل كـ الثعلبي والبغوي وأمثالهما والمغازلي يقال لهم: مجرد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتفاق أهل العلم بالحديث، فإن في كتب هؤلاء من الأحاديث الموضوعة ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع وفيها شيء كثير يعلم بالأدلة اليقينية السمعية والعقلية أنها كذب، بل فيها ما يعلم بالاضطرار أنه كذب، والثعلبي وأمثاله لا يتعمدون الكذب بل فيهم من الصلاح والدين ما يمنعهم من ذلك لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب ويروون ما سمعوه، وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث([675]).

وبهذه الوجوه تبين عدم صحة هذا الحديث الذي جعله الرافضة من أدلتهم على أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي رضي الله عنه.

- الشبهة السادسة: خبر الطائر:

خبر الطائر مفاده أنهم يقولون: روى الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه وآله أتي بطائر فقال: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي عليه السلام فدق الباب فقال أنس بن مالك: إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجة فرجع، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله كما قال أولاً. فدق علي عليه السلام الباب قال أنس: أوَلم أقل لك: إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجة؟ فانصرف، فقال النبي صلى الله عليه وآله كما قال في الأوليين. فجاء علي عليه السلام فدق الباب أشد من الأوليين، فسمعه النبي صلى الله عليه وآله وقد قال له أنس إنه على حاجة فأذن له بالدخول، فقال: يا علي! ما أبطأك عني؟ قال: جئت فردني أنس، ثم جئت فردني أنس، ثم جئت الثالثة فردني، فقال: يا أنس! ما حملك على هذا؟ فقال: رجوت أن يكون الدعاء لأحد من الأنصار، فقال: يا أنس! أوَفي الأنصار خير من علي عليه السلام؟ أوَفي الأنصار أفضل من علي عليه السلام؟» وإذا كان أحب الخلق إلى الله تعالى وجب أن يكون الإمام([676]) ويرد على هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل، ودعواهم أن كافة الجمهور رووه محض افتراء عليهم، فإن حديث الطير هذا لم يروه أحد من أصحاب الصحيح ولا صححه أئمة الحديث ولكن هو مما رواه بعضهم([677]) كما رووا أمثاله في فضل غير علي، بل قد روى في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصنف في ذلك مصنفات، وأهل العلم بالحديث لا يصححون لا هذا ولا هذا.

الوجه الثاني: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه؛ فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الأكل ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله؟

الوجه الثالث: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة فإنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن علياً أحب الخلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من بعده، وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.

الوجه الرابع: أن يقال لهم: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن علياً أحب الخلق إلى الله، أو ما كان يعرف فإن كان يعرف، ذلك كان يمكنه أن يرسل يطلبه كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول: اللهم ائتني بـ علي فإنه أحب الخلق إليك، فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك، ولو سمى علياً لاستراح أنس من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه علي، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف ذلك بطل ما يدعونه من كونه كان يعرف ذلك، ثم إن في لفظة (أحب الخلق إليك وإلي) فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه؟

الوجه الخامس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقيها بالقبول تناقض هذا، فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه؟ يبين هذا لكل متأمل ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من فضائل القوم، فقد جاء في الصحيحين([678]) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر» وهذا الحديث مستفيض بل متواتر عند أهل العلم بالحديث؛ فإنه قد أخرج في الصحاح من وجوه متعددة، وهو صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أحد أحب إليه من أبي بكر، فإن الخلة هي كمال الحب، وهذا لا يصلح إلا لله، فإذا كانت ممكنة ولم يصلح لها إلا أبو بكر علم أنه أحب الناس إليه، وقوله في الحديث الصحيح لما سئل: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها»([679]) وقول الصحابة: (أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) يقوله عمر بين المهاجرين والأنصار ولا ينكر ذلك منكر، وأيضاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله، وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسنة، وإنما كان أتقاهم؛ لأن الله تعالى قال: ((وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)) [الليل:20-21] وأئمة التفسير يقولون: إنه أبو بكر([680]).

الوجه السادس: أن حديث الطير موضوع، وممن صرح بوضعه ابن طاهر فقد قال: (حديث الطائر موضوع، إنما يجيء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره)([681]).

وقد صرح العلامة ابن الجوزي بعدم صحته، فقد أورده في كتابه العلل المتناهية عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق واحد وقال: هذا حديث لا يصح، وأورده أيضاً: عن أنس من ستة عشر طريقاً وبين علة كل طريق ثم قال في الآخر: (وقد ذكره ابن مردويه من نحو عشرين طريقاً كلها مظلم، وفيها مطعن، فلم أر الإطالة بذلك وقال: أنبأنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا محمد بن طاهر المقدسي قال: كل طرقه باطلة معلولة)([682])فإن اعترض معترض وقال: إن الحاكم قد أخرجه في مستدركه على الصحيحين وقال: إنه على شرطهما ولم يخرجاه([683]).

يرد على هذا بأن حكم الحاكم على هذا الحديث بهذا الحكم لم يسلم له به فقد تعقبه الحافظ الذهبي بقوله: (ولقد كنت زماناً طويلاً أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه، فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء)([684])وذكر أيضاً: أن الحاكم سئل عن حديث الطير فقال: لا يصح، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم([685]).

وبهذه الوجوه المتقدمة يتضح أن حديث الطير غير صحيح، وأنه حديث موضوع ولا حجة للرافضة فيه على ما يدعون.

- الشبهة السابعة: حديث التسليم على علي بإمرة المؤمنين.

زعمت الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين، وجعلوا هذا دليلاً على إمامته. وهذا الحديث ذكره الحلي فقال: (ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين وقال: «بأنه سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين» وقال: «هذا ولي كل مؤمن بعدي» وقال في حقه: «إن علياً مني وأنا منه أولى بكل مؤمن ومؤمنة» فيكون علي وحده هو الإمام لذلك وهذه نصوص في الباب)([686]).

 والرد على هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: أنهم يطالبون بإسناد هذا الحديث وبيان صحته.

وأما قوله: رواه الجمهور فهذا من الكذب المحض عليهم؛ حيث إنه غير موجود في كتب الأحاديث المعروفة لا الصحاح ولا المسانيد ولا السنن وغيرها وإِن كان وجد في بعض الكتب التي يروى فيها الصحيح والضعيف والموضوع فليس ذلك بحجة يجب اتباعها باتفاق المسلمين، والرب جل وعلا قد حرم علينا الكذب وأن نقول عليه ما لا نعلم، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([687]).

الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وكل من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروِه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه.

الوجه الثالث: أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قائل هذا كاذب والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن الكذب؛ وذلك أن سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين، فإن قيل: علي هو سيدهم بعده، قيل: ليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا بل هو مناقض لهذا؛ لأن أفضل المسلمين المتقين المحجلين هم القرن الأول ولم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولا إمام ولا قائد غيره، فكيف يخبر عن شيء لم يحضر ويترك الخبر عما هم أحوج إليه وهو حكمهم في الحال؟ ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يقود علي؟ وأيضاً: فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجلين كفار أو فساق ممن يقود، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: «وددت أني قد رأيت إخواني، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، قالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دُهْم([688]) بُهْم([689]) ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض»([690]) الحديث. فهذا يبين أن كل من توضأ وغسل وجهه ويديه ورجليه فإنه من الغر المحجلين، وهؤلاء جماهيرهم إنما يقدمون أبا بكر وعمر، والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ولا أعقابها فلا يكونون من المحجلين في الأرجل، وحينئذ فلا يبقى أحد من الغر المحجلين يقودهم ولا يقادون مع الغر المحجلين؛ فإن الحجلة لا تكون في ظهر القدم وإنما الحجلة في الرجل كالحجلة في اليد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار»([691]) ومعلوم أن الفرس لو لم يكن البياض إلا لمعة في يده أو رجله لم يكن محجلاً، وإنما الحجلة بياض اليد أو الرجل فمن لم يغسل الرجلين إلى الكعبين لم يكن من المحجلين، فيكون قائد الغر المحجلين بريئاً منه كائناً من كان!!

الوجه الرابع: زعمهم أن علياً رضي الله عنه سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يعلم بالاضطرار أنه كذب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئاً من ذلك، بل كان يفضل عليه أبا بكر وعمر تفضيلاً بيناً ظاهراً عرفه الخاصة والعامة؛ حتى إن المشركين كانوا يعرفون منه ذلك، ولما كان يوم أحد قال أبو سفيان -وكان حينئذ أمير المشركين-: أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك»([692]) الحديث. فهذا مقدم الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رؤوس هذا الأمر، وأن قيامه بهم، ودل ذلك على أنه كان ظاهراً عند الكفار أن هذين وزيراه وبهما تمام أمره، وأنهما أخص الناس به، وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما، وهذا أمر كان معلوماً للكفار فضلاً عن المسلمين، والأحاديث الكثيرة متواترة بمثل هذا([693]).

الوجه الخامس: أما قوله: «هو ولي كل مؤمن بعدي» هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان فأما الولاية التي هى الإمارة فإنما يقال فيها والي كل مؤمن([694]).

وبهذه الوجوه ظهر بطلان هذه الشبهة التي هي أوهى من بيت العنكبوت. وحسبنا من حججهم التي يدعون أنها أدلة مسندة إلى السنة ما تقدم، وقد اتضح أنها أحاديث مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم لم تثبت عنه، وما صح عنه منها فإنما يدل على فضل علي رضي الله عنه لا على أنه أفضل الصحابة، ولا على أنه الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صح عن علي وغيره نصوص عدة كلها تبين بطلان اعتقاد الشيعة في الإمامة جملة وتفصيلاً من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصِ له بالإمامة، وأنه لم ينص على الخلافة عيناً لأحد من الناس، وتلك النصوص هي: 1) روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: (يا أبا الحسن! كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم)([695]).

فهذا نص صريح من علي رضي الله عنه في أنه لا نص عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة، ولو كان هناك نص كما تزعمه الرافضة لقال للعباس: لماذا نذهب إليه ونسأله وقد نص علي وأوصى لي بالخلافة، ولما اعتدى عليه الخبيث الخارجي عبد الرحمن بن ملجم ظلماً وعدواناً وضربه ضربةً أودت به إلى الموت قيل له: ألا تستخلف؟ فكان رده على هذا العرض: إن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً عند وفاته. حتى يتأسى به.

2) فقد روى أبو بكر البيهقي بإسناده إلى شقيق بن سلمة قال: قيل لـ علي بن أبي طالب: (ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)([696])فهذا دليل واضح من أن دعوى النص عليه رضي الله عنه إنما هو من اختلاق الرافضة الذين ملئت قلوبهم بالبغض والحقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهم علي وأهل بيته، وإنما يدعون حبهم تستراً ليتسنى لهم الكيد للإسلام وأهله.

3) وروى أيضاً: بإسناده إلى عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: (أيها الناس! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله -أو قال: حتى ضرب الدين بجرانه- ثم إن أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها)([697]).

4) وروى الشيخان في صحيحيهما عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه)([698])فقد كذب، فيها أسنان الإبل([699]) وأشياء من الجراحات). وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور([700]) فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، وذمة المسلمين واحدة([701]) يسعى بها أدناهم([702]) ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً»([703]) فهذا الحديث الثابت في الصحيحين وفي غيرهما عن علي رضي الله عنه يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة، فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه، ويؤخروا من قدمه بنصه حاشا -وكلا- ولما؟ ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول صلى الله عليه وسلم ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام([704]).

قال الإمام النووي بعد ذكر قول علي رضي الله عنه: (من زعم أن عندنا شيئاً نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب): (هذا تصريح من علي رضي الله تعالى عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم: إن علياً أوصى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة، وإنه صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي رضي الله عنه هذا)([705]).

5) روى البخاري بإسناده إلى الأسود بن يزيد قال: (ذكروا عند عائشة أن علياً رضي الله عنهما كان وصياً، فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: حجري فدعا بالطست؟ فلقد انخنث([706]) في حجري فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه؟)([707]).

فقوله: (ذكروا عند عائشة أن علياً رضي الله عنهما كان وصياً).

قال القرطبي: كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لـ علي، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك وكذا من جاء بعدهم، فمن ذلك ما استدلت به عائشة، ومن ذلك أن علياً لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء - الشيعة - تنقصوا علياً من حيث قصدوا تعظيمه؛ لأنهم نسبوه -مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين- إلى المداهنة والتقية والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك، وقال غيره: الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك، واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي ذلك لكونه منحصراً في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها([708]).

6) وروى البخاري بإسناده إلى طلحة بن مصرف قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية وأمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله)([709])والوصية المنفية في قول عبد الله بن أبي أوفى إنما هي الوصية في الخلافة، فقد توفي عليه الصلاة والسلام عن غير وصية في شأن الخلافة، وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث اشتملت على وصيته بأشياء كثيرة، أما الذي لم يوصِ به قطعاً هو الخلافة فإنه لم يوصِ بها لأحد من بعده([710]).

7) فقد روى الشيخان من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: (ألا تستخلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال ابن عمر: فعرفت حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مستخلف)([711])فهذه النصوص القطعية تبين بطلان زعم الشيعة من دعوى النص على علي رضي الله عنه في الخلافة، وأن علياً رضي الله عنه براء مما نسبه إليه الشيعة من أنه الخليفة المنصوص عليه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن دعواهم النص عليه إنما يتضمن الطعن فيه رضي الله عنه؛ لأنه لو كان معه نص فلم لا يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم؟ فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز والعاجز لا يصلح للإمارة. وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن والخائن معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل([712]) وحاشاه رضي الله عنه من هذه الصفات كلها وحاشا الإمام الأكبر والصديق الأعظم أن يتقدم على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي شهد الله له بأنه أتقى الأمة وأبرها على الإطلاق.

8) قال هذيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وَدَّ أبو بكر أنه وجد عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرم أنفه بخرامة([713]) فكل هذه النصوص التي ختمنا بها هذا المبحث المروية عن علي رضي الله عنه وعن غيره من الصحابة دلت دلالة قطعية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص ولم يعهد بالخلافة من بعده لأحد لا لـ أبي بكر ولا لـ علي رضي الله عنهما، وإنما أشار إشارة قوية يفهمها كل ذي لب وعقل إلى الصديق رضي الله عنه، وأخبر أن المؤمنين لن يختاروا سواه، ووقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

كما توضح هذه النصوص لكل من له أدنى معرفة أن النصوص التي يستدل بها الشيعة الرافضة على أن علياً رضي الله عنه هو الخليفة بالنص بعد النبي صلى الله عليه وسلم موضوعة، وأنها من اختراعاتهم الباطلة، وأن عقيدتهم في الإمامة مبنية على الأحاديث الموضوعة التي اختلقها الزنادقة الملحدون، وأن قصدهم منها هو إفساد دين الإسلام، فعلى من افتراها من الله ما يستحق وحسبه ما وعده به الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([714]).

 الفصل الثاني: خلافة الفاروق رضي الله عنه: 

الفصل الثاني: خلافة الفاروق رضي الله عنه:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: استخلاف الفاروق بعهد من أبي بكر رضي الله عنهما.

المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه.

المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته.

 المبحث الأول: استخلاف الفاروق بعهد من أبي بكر رضي الله عنهما:

إن طريقة تولية الفاروق رضي الله عنه الخلافة بعد الصديق الأعظم رضي الله عنه كانت باستخلاف أبي بكر إياه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه مرض قبل وفاته خمسة عشر يوماً، ولما أحس بدنو أجله رضي الله عنه عهد في أثناء هذا المرض بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، ولم يعهد الصديق رضي الله عنه بالخلافة لـ عمر رضي الله عنه إلا بعد أن استشار نفراً من فضلاء الصحابة فيه مع أن عمر رضي الله عنه هو المعروف بصلابته في الدين، وأمانته وشدته على المنافقين.. إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي اتصف بها في ذات الله عز وجل، ولكن الصديق رضي الله عنه فعل هذا مبالغة في النصح للأمة المحمدية، وقد ذكر أهل السير والتواريخ صيغة عهد الصديق بالخلافة للفاروق رضي الله عنه، فقد روى ابن سعد وغيره: أن أبا بكر الصديق لما استعز([715]) به دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: (أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن. فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله! فقال: عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتك وشاور معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك. يرضى للرضى ويسخط للسخط. الذي يسر خير من الذي يعلن، ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وسمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذ سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فقال: أبالله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمرم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت لك من وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عيلكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم. والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم قال بعضهم: لما أملى أبو بكر صدر هذا الكتاب بقي ذكر عمر، فَذُهب به قبل أن يسمي أحداً، فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت؟ فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، والله إن كنت لها لأهلاً، ثم أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به، قال ابن سعد: على القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به وبايعوا، كم دعا أبو بكر عمر خالياً فأوصاه بما أوصاه به، ثم خرج من عنده، فرفع أبو بكر يديه مداً فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده، وأصلح له رعيته)([716]).

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن الحسن بن أبي الحسن قال: (لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي، فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيك، قال: فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا، قال: فعليكم عهد الله على الرضى؟ قالوا: نعم، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر علي برجل ووالله إنك عندي لها لأهل وموضع؟ فقال: عمر، فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق، فقال: اكتب عمر)([717])ومن هذا السياق تبين واتضح أن تولية الفاروق رضي الله عنه الخلافة كانت بعهد من الصديق رضي الله عنه، ولقد صدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له رضي الله عنه فلقد قام بالخلافة أتم القيام؛ حيث كان إماماً ناصحاً لله ولرسوله ولدين الإسلام حيث كثرت في خلافته الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ونعمت الأمة الإسلامية بعدله رضي الله عنه، ولحسن اختيار الصديق رضي الله عنه في أن يكون الفاروق هو الخليفة من بعده اعتبر من أشد الناس فراسة بسبب ذلك فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التى رأت موسى عليه السلام فقالت لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما) قال الحاكم: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم. بهذا الإسناد صحيح([718]).

 المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه:

إن حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه مما لا يشك فيها مسلم لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر، وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة والإجماع كلها دلت على حقية خلافة أبي بكر، وما دل على حقية خلافة الصديق رضي الله عنه دل على حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه؛ لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعاً ما ثبت للأصل، فحينئذ لا مطمع لأحد من الشيعة الرافضة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه، ولما سنذكره هنا من بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه، وإذا ثبت حقية خلافة الصديق رضي الله عنه قطعاً صار النزاع في حقية خلافة الفاروق عناداً وجهلاً وغباوة وإنكاراً لما هو معلوم في الدين بالضرورة، ومن اعتقد عدم حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه كـ الشيعة الرافضة إنما يعد من الجهلة الحمقى حقيق أن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله، ولا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه، فخلافة الفاروق رضي الله عنه حق بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وقد وردت الإشارة إلى حقية خلافته في طائفة من النصوص القطعية الصحيحة منها:

(1) في نص القرآن دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وعلى وجوب الطاعة لهم، وهو أن الله تعالى قال مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم في الأعراب ((فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً)) [التوبة:83] وكان نزول براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شك([719]) التي تخلف فيها الثلاثة المعذرون الذين تاب الله عليهم في سورة براءة، ولم يغز عليه الصلاة والسلام بعد غزوة تبوك إلى أن مات صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى أيضاً: ((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ)) [الفتح:15] فبين أن العرب لا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تبوك لهذا، ثم عطف سبحانه وتعالى عليهم أثر منعه إياهم من الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً)) [الفتح:16] فأخبر تعالى أنهم سيدعوهم غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون، ووعدهم على طاعة من دعاهم إلى ذلك بجزيل الأجر العظيم، وتوعدهم على عصيان الداعي لهم إلى ذلك العذاب الأليم.

قال أبو محمد بن حزم: (وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون إلا أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؛ فإن أبا بكر رضي الله عنه دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس، وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك([720]) فوجب طاعة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم بنص القرآن الذي لا يحتمل تأويلاً، وإذ قد وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم رضي الله عنهم([721]).

 (2) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين نزعاً ضعيفاً والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن»([722]).

هذا الحديث تضمن الإشارة إلى خلافة الشيخين رضي الله عنهما، كما تضمن الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه، وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمنه، فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لـ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وآثار صحبته، فقد كان عليه الصلاة والسلام هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام.. حيث قرر قواعد الدين ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأنزل الله تعالى عليه قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3].

ولما التحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى خلفه أبو بكر رضي الله عنه على الأمة سنتين وأشهراً وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «ذنوباً أو ذنوبين» وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى([723]) وقد حصل في خلافته رضي الله عنه قتال المرتدين وقطع دابرهم واتساع رقعة الإسلام، ولما توفي الصديق رضي الله عنه خلفه عمر رضي الله عنه فانتشر الإسلام في زمنه أكثر وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله لطول ولايته واتساع بلاد الإسلام وكثرة الأموال من الغنائم وغيرها، فالحديث اشتمل على حقية خلافة عمر رضي الله عنه وصحتها وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.

 (3) روى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه»([724]).

دل هذا الحديث دلالة صريحة على حقية خلافة عمر رضي الله عنه، فقوله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين) بفتح الذال. أي: الخليفتين اللذين يقومان من بعدي أبو بكر وعمر، فأمره صلى الله عليه وسلم بطاعتهما يتضمن الثناء عليهما لكونهما أهلاً لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وإيماء لكونهما الخليفتين بعده، وسبب الحث على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضية والطبيعة القابلة للخير، ولذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء، وصار أفضل الخلق بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين([725]).

(4) روى الشيخان في صحيحيهما بإسناديهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم»([726]).

ففي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه، والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها -مع طول مدته- الناس بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لـ عمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافاً، والفتن إلا انتشاراً([727]) فالحديث فيه إشارة واضحة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه.

(5) روى أبو داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بـ أبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»([728]).

في هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الفضل؛ فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم جميعاً، كما أن الحديث تضمن الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه، وأنه يلي الخلافة بعد الصديق رضي الله عنه، وقوله له في الحديث: «فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم» وذلك لما علم صلى الله عليه وسلم من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر([729]).

(6) وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف([730]) السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون([731]) منها: فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعبرها، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله -بأبي أنت- أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً. قال: فوالله يا رسول الله! لتحدثني بالذي أخطأت. قال: لا تقسم»([732]).

تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه. ووجه ذلك أن قوله في الحديث: (ثم أخذ به رجل آخر فعلا به) هو أبو بكر رضي الله عنه، وقوله ثانياً: (ثم أخذ به رجل آخر فانقطع) إشارة إلى خلافة الفاروق رضي الله عنه.

(7) روى أبو داود بإسناد إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط([733]) برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم»([734]).

دل هذا الحديث بالإشارة الواضحة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافهّ، وإلى حقية خلافتهم رضي الله عنهم، وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الرؤيا؛ ولذلك عبروا تنوط بعضهم ببعض بولاية الأمر بعده عليه الصلاة والسلام.

(8) روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ قال: فأتيته فسألته فقال: إلى أبي بكر، فأتيتهم فأخبرتهم، فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بـ أبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: إلى عمر، فأتيتهم فأخبرتهم...» الحديث([735]).

اشتمل هذا الحديث على الإشارة إلى حقية خلافة عمر رضي الله عنه، وأنه يلي أمر المسلمين بعد وفاة الصديق رضي الله عنه.

(9) روى البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر وعثمان، يعني في الخلافة)([736])وهذا أيضاً من الآثار التي إشارتها واضحة إلى حقية خلافة الفاروق رضي الله عنه.

(10) وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (وسمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا)([737])يعني وقفت على أبي عبيدة، وهذا الحديث من أدلة أهل السنة والجماعة على تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة([738]).

 (11) وروى الشيخان في صحيحيهما عن ابن أبي مليكة قال: (سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه([739]) الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما)([740]).

(12) ومما دل على حقية خلافته رضي الله عنه: اجتماع الصحابة على أنهم لا يقدمون إلا أفضلهم وأخيرهم مع قول أبي بكر وعلي رضي الله عنهما فيه.

فأما قول أبي بكر رضي الله عنه فيه فهو قوله: (اللهم أمرت عليهم خير أهلك)([741])وأما قول علي رضي الله عنه فيه فهو ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين)([742]). فهذه الأحاديث التي أوردناها في هذا المبحث كلها فيها الدلالة الواضحة على حقية خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه.

قال السفاريني رحمه الله تعالى: (اعلم أن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه مرتبة ولازمة لحقية خلافة الصديق الأعظم أبي بكر رضي الله عنه، وقد قام الإجماع وإشارات الكتاب والسنة على حقية خلافته، فما ثبت للأصل الذي هو الصديق من حقية الخلافة يثبت لفرعه الذي هو عمر بن الخطاب فيها فلا مطمع لأحد من فرق الضلال في الطعن والنزاع في حقية الخلافة، وقد علم أهل العلم علماً باتاً ضرورياً أن الصحابة الكرام أجمعوا على تولية الصديق الخلافة، ومن شذ لا يقدح في ذلك من غير مرية)([743]).

 المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه:

إن خلافة الفاروق رضي الله عنه لم يختلف فيها اثنان؛ فإنه لما عهد الصديق رضي الله عنه بالخلافة من بعده لـ عمر رضي الله عنه أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبول ذلك العهد ولم يعارض في ذلك منهم أحد بل أقروا بذلك وسمعوا له وأطاعوا، وكذلك التابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة خلافة الفاروق رضي الله عنه، واعتقدوا اعتقاداً جازماً أنه رضي الله عنه أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه.

وقد نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل.

فقد تقدم معنا قريباً ما رواه ابن سعد وغيره في صيغة عهد الصديق بالخلافة لـ عمر رضي الله عنه، وفيه أن الصديق رضي الله عنه أمر عثمان أن يخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: (أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا) قال ابن سعد: علي القائل وهو عمر فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به وبايعوا([744]).

وروى ابن الأثير بإسناده إلى يسار المدني قال: (لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: يا أيها الناس! إني قد عهدت عهداً أفترضون به؟ فقال الناس: قد رضينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر بن الخطاب)([745]).

فكان ما توقعوه لأنهم كانوا رضي الله عنهم يعلمون أنه لا أحد أفضل من عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر، ولذلك أقروا جميعاً بعهد الصديق ورضوا به، ثم بايعوه. وروى ابن جرير بإسناده إلى أبي السفر سعيد بن محمد قال: (أشرف أبو بكر على الناس من كنيفة([746]) وأسماء بنت عميس ممسكته وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا)([747]).

وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (دخلت على عمر حين طعن. فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين! أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيداً فقال: أعد علي فأعدت عليه، فقال: والله الذي لا إله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع)([748]).

وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى مبيناً الإجماع على خلافة الفاروق رضي الله عنه: (لما علم الصديق رضي الله عنه من فضل عمر رضي الله عنه ونصيحته وقوته على ما يقلده، وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله تعالى أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يعرفون منه ما عرفه ولا يشكل عليهم شيء من أمره فوض إليه ذلك فرضي المسلمون له ذلك وسلموه، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتابعوه كاتباعهم أبا بكر رضي الله عنه فيما فرض الله عليه الاجتماع، وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان كالدليل لهم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به)([749]).

وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بعد ذكره خلافة الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال: (ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله سبحانه بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده)([750]).

وقال النووي في معرض ذكره لإجماع الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلافة لـ عمر حيث قال: (أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر)([751]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه، وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر؛ فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم)([752]).

وقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه لـ عمر رضي الله عنه، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه)([753]).

وقال أبو حامد محمد المقدسي بعد ذكره لطائفة من الأدلة على ثبوت خلافة أبي بكر: (وإذ قد صحت إمامة أبي بكر رضي الله عنه فطاعته فرض في استخلاف عمر رضي الله عنه بما ذكرناه، وبإجماع المسلمين عليها)([754]).

وقال الملا علي القاري ذاكراً للإجماع على فضل عمر وحقية خلافته فقال: (وقد أجمعوا على فضيلته وحقية خلافته)([755])اهـ.

ومن هذه النقول التي تقدم ذكرها تبين أن خلافة عمر رضي الله عنه تمت بإجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تلقوا عهد أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة لـ عمر بالقبول والتسليم، ولم يعارض في ذلك أحد، وكذا أجمعت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخالفهم إلا من لا يعتد بخلافه ممن ابتلي ببغض أصحاب رسول الله كـ الشيعة الرافضة ومن جرى في ركابهم ممن فتن بهم؛ فإن اعترض معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما رواه ابن سعد وغيره من أن بعض الصحابة سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عوف وعثمان على أبي بكر فقال له قائل منهم: (ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا؟ وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت لك من وراءك)([756])والجواب عن هذا: أن هذا الإنكار الصادر إن صح من هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمر بعد أبي بكر واستحقاقه للخلافة، وإنما كان خوفاً من خشونته وغلظته لا اتهاماً له في قوته وأمانته([757]).

فالذي يجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً لا مرية فيه أن أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفضله وعهد أبي بكر إليه وإجماع المسلمين كافة على صحة خلافته وحقيتها.

 الفصل الثالث: خلافة ذي النورين عثمان رضي الله عنه: 

الفصل الثالث: خلافة ذي النورين عثمان رضي الله عنه:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: كيفية توليه الخلافة.

المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه.

المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه.

 المبحث الأول: كيفية توليه الخلافة رضي الله عنه:

لما طعن عمر رضي الله عنه لم يستخلف أحداً بعينه ليكون الخليفة على المسلمين من بعده.. بل أوصى أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال: (لا أتحمل أمرهم حياً وميتاً([758])، وإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على خير هؤلاء كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم) ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه، خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه؛ فلذلك تركه وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ولما مات الفاروق رضي الله عنه ودفنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه اجتمع النفر الذين جعل عمر الأمر فيهم شورى للتشاور فيمن يلي الخلافة بعد عمر رضي الله عنه، ففوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة؛ حيث فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ما له في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن لـ علي وعثمان: (أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه؟ والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فسكت علي وعثمان رضي الله عنهما، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم. ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، فقال كل منهما: نعم. ثم تفرقوا)([759]).

وقد روى البخاري في صحيحه من حديث طويل عن عمرو بن ميمون فيه تفاصيل حادثة استشهاد عمر رضي الله عنه وعدد الذين طعنوا معه، ووصية عمر لابنه عبد الله أن يحسب ما عليه من الدين وكيف يقضيه، وطلبه رضي الله عنه الاستئذان من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فأذنت في ذلك رضي الله عنها بطيب نفس، كما اشتمل هذا الحديث على الكيفية التي بويع بها لـ عثمان والاتفاق عليه، ومما جاء فيه بشأن خلافة عثمان رضي الله عنه أنهم قالوا: (أوص يا أمير المؤمنين.. استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة -إلى أن قال- لما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه)([760]).

وروى أيضاً: بإسناده إلى الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: (لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع([761]) من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائماً فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادعُ لي علياً فدعوته فناجاه حتى ابهار([762]) الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)([763]). ففي هذين الحديثين بيان أن عمر رضي الله عنه لم يعهد بالخلافة من بعده إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وقد التمس بعض أهل العلم وجه الحكمة من جعل عمر الأمر شورى بين الستة دون أن يعين واحداً.

فقد قال ابن بطال: (إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكاً متوسطاً خشية الفتنة، فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر معقوداً على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم طرفاً وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفاً وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه). اهـ([764]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقارباً، فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى أنه إن عين واحداً فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوباً إليه فترك التعيين خوفاً من الله تعالى، وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم، فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان، فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة، وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف، وكان كما رآه فعلم أنه إن ولَّي واحداً من الستة فلا بد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله على ذلك طباع بني آدم، وإن كانوا من أولياء الله المتقين، وذكر في كل واحد من الستة الأمر الذي منعه من تعيينه وتقديمه على غيره، ثم إن الصحابة اجتمعوا على عثمان رضي الله عنه؛ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره والواجب أن يقدم أكثر الأمرين مصلحة وأقلهما مفسدة، وعمر رضي الله عنه خاف أن يتقلد أمراً يكون فيه ما ذكر، ورأى أنهم إذا بايعوا واحداً منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان، وكان الفرق بين حال المحيا وحال الممات أنه في الحياة يتولى أمر المسلمين فيجب عليه أن يولي عليهم أصلح من يمكنه، وأما بعد الموت فلا يجب عليه أن يستخلف معيناً إذا كانوا يجتمعون على أمثلهم، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم يجتمعون على أبي بكر استغنى بذلك عن كتابة العهد الذي كان قد عزم على أن يكتبه لـ أبي بكر، وأيضاً: فلا دليل على أنه يجب على الخليفة أن يستخلف بعده فلم يترك عمر واجباً، ولهذا روجع في استخلاف المعين، وقيل له: أرأيت لو أنك استرعيت([765]) فقال: (إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ))([766])اهـ.

ومما تقدم تبين لنا الكيفية التي تولى بها ذو النورين عثمان رضي الله عنه الخلافة، وأنها تمت باختيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له قاطبة، فهو أحق الناس على الإطلاق بالخلافة بعد عمر رضي الله عنه.

 المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه:

لا يشك مؤمن في حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وصحتها، وأنه لا مطعن فيها لأحد إلا ممن أصيب في قلبه بزيغ فنقم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ما حل في قلبه من الغيظ منهم، وهذا لم يحصل إلا من الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم في هذه الحياة الدنيا هو سب الصحابة رضي الله عنهم وبغضهم، ولا قيمة لما يوجهونه من المطاعن على خلافة الثلاثة رضي الله عنهم لظهور بطلانه، وأنها افتراءات لا تصح، وقد جاء في جملة من النصوص القطعية الصحيحة والآثار الشهيرة التنبيه والإيماء إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه، ومن ذلك:

(1) قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)) [النور:55] الآية وجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان رضي الله عنه أنه من الذين استخلفهم الله في الأرض ومكن لهم فيها وسار في الناس أيام خلافته سيرة حسنة؛ حيث حكم فيهم بالعدل وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهذه الآية تضمنت الإشارة إلى حقية خلافته رضي الله عنه.

(2) قوله تعالى: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)) [الفتح:16].

 ووجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان رضي الله عنه هو: أن الداعي لهؤلاء الأعراب داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم وهو أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فـ أبو بكر دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس، وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك؛ فوجبت طاعة هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم بنص القرآن، وإذا وجبت طاعتهم صحت خلافتهم([767]) رضي الله عنهم وأرضاهم.

(3) روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا هو عثمان بن عفان»([768]) هذا الحديث فيه إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة، وإخبار عن بلوى تصيب عثمان، وهذه البلوى حصلت له رضي الله عنه، وهي حصاره يوم الدار حتى قتل آنذاك مظلوماً، فالحديث علم من أعلام النبوة، وفيه الإشارة إلى كونه شهيداً رضي الله عنه وأرضاه.

(4) وروى أبو داود بإسناده إلى أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بـ أبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»([769]).

تضمن هذا الحديث الإشارة إلى ترتيب الخلفاء الثلاثة في الفضل، كما تضمن الإشارة إلى أن ترتيبهم في الخلافة يكون على حسب ترتيبهم في الفضل، وإلى حقية خلافتهم جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم.

(5) وروى أبو داود رحمه الله بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم»([770]).

هذا الحديث علم من أعلام النبوة الدالة على صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ حيث حصل في شأن ترتيب الخلافة الراشدة طبقاً لهذه الرؤيا، كما اشتمل على التنبيه على حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وفيه إشارة واضحة إلى ترتيب الخلافة الراشدة بعده صلى الله عليه وسلم، وقد فهم هذا راوي الحديث وكان كما قال([771]).

(6) وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان يحدث أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: اعبرها، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله -بأبي أنت- أصبت أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، قال: فوالله يا رسول الله! لتحدثني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم»([772]) تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه، فقوله في الحديث: «ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به» هو عثمان رضي الله عنه لكن قوله: «ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به» فيه إشكال من حيث كونه يوصل له بعد انقطاعه مع العلم أن خلافة عثمان رضي الله عنه لم يحصل فيها انقطاع ولم تنقطع إلا بموته رضي الله عنه وأرضاه. وقد ذكر العلامة ابن القيم وجه الإشكال في شرحه الحديث على سنن أبي داود مع بيان إزالته حيث قال رحمه الله تعالى: وهذا يشكل عليه شيئان:

أحدهما: أن في نفس الرؤيا (ثم وصل له، فعلا به) فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس الرؤيا.

والثاني: أن قتل عثمان رضي الله عنه لا يمنع أن يوصل له، بدليل أن عمر قد قتل ومع هذا فأخذ به وعلا به، ولم يكن قتله مانعاً من علوه به.

أما الأول فلفظه: (ثم وصل له) لم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه (ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل) فقط. وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به، وقال الصديق في تفسيره في نفس حديث البخاري: (فينقطع به ثم يوصل له)، فهذا موضع الغلط، وهذا مما يبين فضل صدق معرفة البخاري، وغور علمه في إعراضه عن لفظة (له) وإنما انفرد بها مسلم، وأما الثاني: فيجاب عنه: بأن عمر رضي الله عنه لم ينقطع به السبب من حيث علا به، وإنما انقطع به بالأجل المحتوم، كما ينقطع الأجل بالسم وغيره، وأما عثمان فانقطع به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها وهي الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه، وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه، فخلعوه هم بالقتل ظلماً وعدواناً، فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها، ثم وصل لغيره رضي الله عنه، وهذا سر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعيين موضع خطأ الصديق، فإن قيل: لم تكلفتم أنتم بيانه وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الصديق من تعرفه، والسؤال عنه؟ قيل: منعه من هذا ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة، وما يحصل للرابع من المحنة وانقطاع السبب به، فأما وقد حدث ذلك ووقع فالكلام فيه كالكلام في غيره من الوقائع التي يحذر الكلام فيها قبل وقوعها سداً للذريعة، ودرءاً للمفسدة، فإذا وقعت زال المعنى الذي سكت عنها لأجله). اهـ([773]) فالحديث فيه إشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

(7) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنه، قال: قلنا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالأمير وأصحابه، وأشار إلى عثمان»([774]).

وهذا الحديث أيضاً فيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق نبوته؛ حيث أخبر بالفتنة التي حصلت أيام خلافة عثمان وكانت كما أخبر، كما تضمن الحديث التنبيه على حقية خلافة عثمان؛ إذ أنه صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى أن يلزموه، وأخبر بأنه حين وقوع الفتنة والاختلاف أمير المؤمنين ومقدمهم، وأمرهم بالالتفاف حوله وملازمته لكونه على الحق، والخارجون عليه على الباطل أهل زيغ وهوى، وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون مستمراً على الهدى لا ينفك عنه.

(8) فقد روى الترمذي بإسناده إلى أبي الأشعث الصنعاني أن خطباء قامت بـ الشام وفيهم رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب فقال: (لولا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت، وذكر الفتن فقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت هذا؟ قال نعم)([775]).

(9) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى جبير بن نفير قال: (كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان رضي الله تعالى، عنه فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قمت هذا المقام، فلما سمع بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلس الناس فقال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر عثمان عليه مرجلاً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتخرجن فتنة من تحت قدمي أو من بين رجلي هذا. هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى، قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا؟ قال: نعم. قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس ولو علمت أن لي في الجيش مصدقاً كنت أول من تكلم به)([776]).

(10) وروى أيضاً: بإسناده إلى كعب بن عجرة قال: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة فقر بها، فمر رجل متقنع فقال: هذا يومئذ على الهدى، قال: فاتبعته حتى أخذت بضبعيه فحولت وجهه إليه وكشفت عن رأسه، وقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: نعم. فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه»([777]). فهذه الثلاثة الأحاديث كلها تضمنت الإشارة إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه، وأنه سيبتلى بالفتنة المذكورة في الحديث، والتي كان من آثارها قتله رضي الله عنه ظلماً وعدواناً بغير حق لما علم الله تعالى له أن سيكون في عداد الشهداء، كما وضحت هذه الأحاديث أنه هو ومن اتبعه على الهدى عند وقوع تلك الفتن من قبيل قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)) [البقرة:5] فـ عثمان رضي الله عنه كان على الحق، والفتنة التي وقعت في زمنه أهلها على الباطل؛ ففي ذلك فضيلة عظيمة لـ عثمان رضي الله عنه.

ولقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله عنه سيكون أحد الخلفاء الراشدين من بعده الذين يتولون أمر الأمة، فقد أوصاه في غير ما حديث أنه إن خرج عليه الخارجون وأرادوا منه أن يخلع نفسه فلا يستجيب لهم ولا كرامة، وأنه يتمسك بحقه فيه ولا يطع أحداً في تركه.

(11) فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عثمان! إنه لعل الله يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم»([778]).

ففي هذا الحديث الإشارة إلى الخلافة، واستعارة القميص لها، وذكر الخلع ترشيح أي: سيجعلك الله خليفة، فإن قصد الناس عزلك فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحق، وكونهم على الباطل([779]).

(12) وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال: قال لي عثمان يوم الدار: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إليَّ عهداً فأنا صابر عليه)([780])فقوله: (قد عهد إلي عهداً) أي: أوصاني أن لا أخلع بقوله: (وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم)، فأنا صابر عليه أى: على ذلك العهد.([781]).

 (13) وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى سهلة مولى عثمان عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا لي أو ليت عندي رجلاً من أصحابي، قالت: قلت: أبو بكر، قال: لا، قلت: عمر، قال: لا، قلت: ابن عمك علي، قال: لا، قلت: فـ عثمان، قال: نعم، قالت: فجاء عثمان فقال: قومي، قال: فجعل النبي يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير، قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل، قال: لا. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أمراً فأنا صابر نفسي عليه»([782]).

فهذا الحديث والذي قبله فيهما دلالة على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته ولم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الأدب فيه باللسان أو الجنان فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام([783]).

ولقد عمل رضي الله عنه وأرضاه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم طبقاً لما أوصاه به؛ ولذلك ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار.

(14) وروى ابن سعد بإسناده إلى عبد الله بن عمر قال: (قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به على المغيرة بن الأخنس؟ قال: قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني، قال: قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلداً في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا، قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصاً قمصكه الله)([784]).

(15) ومما دل على صحة خلافته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بـ أبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)([785]).

وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم من أمر ترتيب الخلافة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتاً بالنص وإلا فيكون ثابتاً بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم)([786]).

وكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذا المبحث أدلة قوية كلها فيها الإشارة والتنبيه إلى حقية خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة، والذين هم أسعد الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة؛ فيجب على كل مسلم أن يعتقد حقية خلافة عثمان رضي الله عنه، وأن يسلم تسليماً كاملاً للنصوص المشيرة إلى ذلك.

 المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه:

لقد أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد.. بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان رضي الله عنه بالخلافة بعد عمر رضي الله عنه طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم، ومن تلك النقول:

ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لـ عثمان)([787]).

وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة رضي الله عنه قال: (إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون؟ قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان)([788]).

ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلف المسلمون أبا بكر، فلو علموا أن فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشوا، ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا)([789]). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال: (قال لي عمر: من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها))([790])وقال أيضاً: (وأخرج البغوي في معجمه، وخيثمة في فضائل الصحابة، بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان))([791]).

وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: (حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه)([792]). فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حياً لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق رضي الله عنه، ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً.

فقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة رضي الله عنه قال: قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: (استخلفنا خير من بقي ولم نأله) وفي رواية أخرى قال: (أمرنا خير من بقي ولم نأل)([793])ولما استشهد الفاروق رضي الله عنه بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان رضي الله عنه ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر رضي الله عنه ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته.

 فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان رضي الله عنه من حديث طويل وفيه: أن عبد الرحمن أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد -وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: (أما بعد. يا علي! إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس. المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)([794]). وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: (أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحداً فولوها عثمان رضي الله عنهم أجمعين)([795]).

وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلاماً عزاه للإمام الشافعي أنه قال: (واعلموا أن الإمام الحق بعد عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف، واختياره لـ عثمان رضي الله عنه، وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وصوبوا رأيه فيما فعله، وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد رضي الله عنه)([796]).

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان)([797]).

وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله)([798]).

وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: (فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق، وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين، وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة، واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة، وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه؛ لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد، ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعته، ولم يتخلف عن بيعته من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له)([799]).

وقال أبو عثمان الصابوني مبيناً عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولاً بخلافة الصديق ثم عمر قال: (ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه)([800]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد... فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماماً وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماماً، ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين، وأقام عبد الرحمن ثلاثاً حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان.. يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان، وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كـ أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم: (من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل؛ لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم)([801]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكياً لإجماع الصحابة على خلافة عثمان رضي الله عنه: (ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بـ عثمان بن عفان، حتى أنه قال لـ علي: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به علي؟ قال بـ عثمان، وقال لـ عثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بـ علي بن أبي طالب -والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل- والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى، ومجتمعين سراً وجهراً حتى خلص إلى النساء المخدَّرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالاً من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحداً يعدل بـ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له علياً وعثمان رضي الله عنهما، فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجد أحداً يعدل بهما أحداً، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضاً لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لـ عثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس -وكان رجلاً حيياً رضي الله عنه- ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفاً طويلاً ودعا دعاء طويلاً لم يسمعه الناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس! إني سألتكم سراً وجهراً عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان، فقم إلي يا علي! فقام إليه فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال: فأرسل يده، وقال: قم إلي يا عثمان! فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم. قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولاً، ويقال ثانياً).([802]).

فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لـ عثمان رضي الله عنه بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كـ ابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون([803]) أن علياً تلكأ فقال: عبد الرحمن ((فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10] فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة([804]). فهذا باطل من وجوه:

الوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح، وذلك أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة البيعة والاتفاق على عثمان أن علياً رضي الله عنه بايع عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف مباشرة، ثم بايع الناس بعده، وما جاء مخالفاً لهذا فهو مردود على قائله وناقليه.

الوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: (أنا رأيت علياً بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا)([805]).

الوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها([806]).

فكل ما يذكر من أن علياً رضي الله عنه تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون. قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة رضي الله عنهم. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة، ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ.

الفصل الرابع: خلافة علي رضي الله عنه:

الفصل الرابع: خلافة علي رضي الله عنه:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: كيف تمت له البيعة بالخلافة.

المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه.

المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه.

المبحث الرابع: ذكر الحرب التي دارت بينه وبين بعض الصحابة وموقف أهل السنة من تلك الحرب.

المبحث الخامس: خلافة الحسن رضي الله عنه.

المبحث الأول: كيف تمت له البيعة بالخلافة:

لقد تمت بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار، وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة وقبائل متباينة لا سابقة لهم ولا أثر خير في الدين، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلماً وعدواناً (يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين)([807])قام كل من بقي بـ المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة، وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق بعد عثمان رضي الله عنه، ولذلك لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بـ المدينة، وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها، ومع ذلك لم يسلم من معرة تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كـ ابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم.

فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصر، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي رحمه الله، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه ققال: خل لا أم لك، قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه، فقالوا: إن هذا قد قتل، ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير، فقالوا: لا والله لا نعلم أحداً أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس).

وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية: (فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد أحداً أحق بهذا منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين، قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس)([808]).

وقال ابن جرير: وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قال: (لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي الله عنه جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعداً والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر([809]) على الأمة فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع، فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون) وفي رواية أخرى: (أن جمهور الصحابة لما عرضوا على علي رضي الله عنه الخلافة قال لهم: دعوني والتمسوا غيري... فقالوا: ننشدك الله! ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد... فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: يا أيها الناس -عن ملأ وإذن- إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد، فقالوا: نحن على ما فارقناك بالأمس)([810]).

وقال الحافظ ابن كثير: وذكر سيف بن عمر([811]) عن جماعة من شيوخه قالوا: (بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيرن الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولي أحداً من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة- اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم؛ فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه، وذلك يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس)([812]).

ومما تقدم تبين أن خلافة علي رضي الله عنه تمت بطريق الاختيار من جميع من كان موجوداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بـ المدينة بعد استشهاد ذي النورين رضي الله عنه، وهذه الطريقة التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه كالطريق التي ثبتت بها خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه؛ حيث إن عثمان رضي الله عنه لم يعين أحداً يقوم بالخلافة بعده، فقد روى الإمام أحمد والبخاري والحاكم عن مروان بن الحكم: أن عثمان رضي الله عنه أصابه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى وطلب منه أن يستخلف فلم يستخلف رضي الله عنه وأرضاه([813]) كما تبين أيضاً مما تقدم (أن بيعة علي رضي الله عنه كانت كبيعة إخوانه من قبل. جاءت على قدر وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة)([814]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب، وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق يعلم بطلان هذا الافتراء؛ لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء، وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة. ولله الحمد)([815]).

 المبحث الثاني: حقية خلافته رضي الله عنه:

إن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة.. بل ومعتقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطبة، وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها:

(1) قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً)) [النور:55] الآية. ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي رضي الله عنه: أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم([816]).

(2) قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»([817]).

ووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي رضي الله عنه: أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وحافظوا على حدود الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وساروا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدل وإقامة الحق.

(3) روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها، فمشى قليلاً ثم قال: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال أبو بكر: أنا هو، قال: لا. قال عمر: أنا هو، قال لا. ولكن خاصف النعل -يعني علياً - فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم»([818]).

هذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه رضي الله عنه قاتل في خلافته أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبى لهم ذرية، وغير ذلك من أحكامهم، وقاتل أيضاً الحرورية([819]) الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، وكفروا أهل الحق، ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية.

(4) روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق».

وفيه أيضاً: أنه قال: «تكون في أمتي فرقتان فتخرج من يينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق».

وفي لفظ: قال: «تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق».

 وجاء أيضاً بلفظ: «يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق»([820]).

فقوله صلى الله عليه وسلم: (على حين فرقة) -بضم الفاء- أي: في وقت افتراق الناس، أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما([821]).

والمراد بالفرقة المارقة هم أهل النهروان كانوا في عسكر علي رضي الله عنه في حرب صفين، فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن علياً ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان، فكفر معاوية بقتال علي، ثم كفر علي بتحكيم الحكمين، وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي.

وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق، وهذا شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي وأصحابه بالحق، وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي رضي الله عنه وخطأ من خالفه([822]).

(5) وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: «انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبا، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: ويح([823]) عمار تقتله الفئة الباغية؛ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن»([824]).

(6) عند مسلم عن أبي سعيد أيضاً: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـ عمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس([825]) ابن سمية تقتلك فئة باغية»([826]).

هذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي رضي الله عنه، وأنه الإمام الحق بعد عثمان رضي الله عنه، وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: «تقتل عماراً الفئة الباغية»([827]): (وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار -وإن كان متأولاً- وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي؛ وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً، أو باغ بلا تأويل، وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين، وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معاً بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام، يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة -إلى أن قال- ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه)([828]).

 فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بـ صفين (وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار؟ فالجواب: أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم([829]).

قال الإمام النووي بعد قوله صلى الله عليه وسلم: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن علياً رضي الله عنه كان محقاً مصيباً والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجه: منها: أن عماراً يموت قتيلاً، وأنه يقتله مسلمون، وأنهم بغاة. وأن الصحابة: يقاتلون، وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها، وكل هذا وقع مثل فلق الصبح صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)([830]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق»: (وفي هذا وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «تقتل عماراً الفئة الباغية» دلالة واضحة على أن علياً ومن معه كانوا على الحق، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم)([831]).

(7) وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء»([832]).

 وعند الترمذي بلفظ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»([833]) وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي رضي الله عنه؛ حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة خلافة النبوة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وبموجب هذا قال أهل العلم.

قال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: (حديث سفينة في الخلافة صحيح، وإليه أذهب في الخلفاء)([834]).

وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن علياً رضي الله عنه ليس من الخلفاء بأنه سيئ ورديء.

قال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: (قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إنه ليس بخليفة، قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة)([835]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: (وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أهل السنن كـ أبي داوُد وغيره، واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه، حتى قال أحمد: (من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله) ونهى عن مناكحته([836]).

وقال شارح الطحاوية: (ونثبت الخلافة بعد عثمان لـ علي رضي الله عنهما لما قتل عثمان وبايع الناس علياً صار إماماً حقاً واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء»)([837]).

فهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي رضي الله عنه، وأنه رضي الله عنه أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة رضي الله عنهم جميعاً، فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين، وأحد الأئمة المهديين.

 المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته رضي الله عنه:

لقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن علياً رضي الله عنه كان متعيناً للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلاماً، وأوفرهم علماً، وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسباً، وأشجعهم نفساً، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشرفهم منزلة، وأشبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسمتاً، فكان رضي الله عنه متعيناً للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بـ المدينة بعقد البيعة به بالخلافة بالإجماع، فكان حينئذ إماماً حقاً وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته، وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بـ المدينة على بيعة علي رضي الله عنه حيث قال: (وبويع لـ علي بن أبي طالب رحمه الله بـ المدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة.. بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان بـ المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم)([838]).

كما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي رضي الله عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم.

فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (كنت مع علي وعثمان محصور، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر، فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه، فقال: خل لا أم لك، قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير، فقالوا: لا والله ما نعلم أحداً أحق بها منك قال: فإن أبيتم عليَّ فإن بيعتي لا تكون سراً ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني، بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس)([839]).

وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: كنت عند الحسن فكأن رجلاً انتقص أبا موسى باتباعه علياً فغضب الحسن ثم قال: (سبحان الله! قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفَيُلام أبو موسى باتباعه)([840]).

فقد نقل الإمام أحمد رحمه الله في هاتين الروايتين أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على بيعة علي رضي الله عنه، وأن إجماعهم رضي الله عنهم كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان رضي الله عنه.

وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (ونثبت إمامة علي بعد عثمان رضي الله عنه بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقاً لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم)([841]). وقال أبو نعيم الأصبهاني مبيناً كيف تدارك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ومبيناً المزايا العالية التي تميز بها علي رضي الله عنه على باقي الصحابة وجعلته أهلاً لأن يختاروه خليفة للمسلمين فقال: (فلما اختلفت الصحابة كان على الذين سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في الإسلام الذين اتفقت الأمة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم لا ينازعون فيهم ولا يختلفون فيمن أولى بالأمر من الجماعة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في العشرة ممن توفي وهو عنهم راضٍ فسلم من بقي من العشرة الأمر لـ علي رضي الله عنه، ولم ينكر أنه من أكمل الأمة ذكراً وأرفعهم قدراً لقديم سابقته وتقدمه في الفضل والعلم، وشهوده المشاهد الكريمة، يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون، لم يضع منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ازداد به ارتفاعاً لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه، إذ كان ذلك موجوداً في الأنبيِاء والرسل عليهم السلام قال الله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [البقرة:253] إلى قوله: ((مَا يُرِيدُ)) [البقرة:253] فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو دونه، فكل الرسل صفوة الله عز وجل وخيرته من خلقه، فتولى أمر المسلمين عادلاً زاهداً آخذاً في سيرته بمنهاج الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم حتى قبضه الله عز وجل شهيداً هادياً مهدياً سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم)([842]).

وقال أبو منصور البغدادي: (أجمع أهل الحق والعدل على صحة إمامة علي رضي الله عنه وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان رضي الله عنه)([843]).

وقال الزهري رحمه الله تعالى بعد ذكره لما قام به أبو الحسن من الوفاء بالعهد لإخوانه الثلاثة الخلفاء السابقين قبله قال: (وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحد أحق بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى)([844]).

وقال عبد الملك الجويني في صدد ذكره للطريق التي تمت بها خلافة عمر وعثمان وعلي، وأنه لا يعبأ بقول من يقول: إن إمامة علي لم يحصل عليها إجماع فقال: (وأما عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فسبيل إثبات إمامتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كسبيل إثبات إمامة أبي بكر، ومرجع كل قاطع في الإمامة إلى الخبر المتواتر والإجماع.... ولا اكتراث بقول من يقول: لم يحصل إجماع على إمامة علي رضي الله عنه؛ فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتن لأمور أخر)([845]).

وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى حاكياً لثبوت الإجماع على خلافة أبي الحسن رضي الله عنه حيث قال: (كانت بيعة علي رحمه الله بيعة اجتماع ورحمة، لم يدع إلى نفسه ولم يجبرهم على بيعته بسيفه، ولم يغلبهم بعشيرته، ولقد شرف الخلافة بنفسه وزانها بشرفه، وكساها حلة البهاء بعدله، ورفعها بعلو قدره، ولقد أباها فأجبروه، وتقاعس عنها فأكرهوه)([846]).

فقد بين رحمه الله تعالى أن بيعة علي رضي الله عنه كانت بالإجماع، وأن حصول الإجماع عليها من قبل أهل الحل والعقد كان رحمة من الله بالأمة المحمدية، كما بين رحمه الله أن علياً رضي الله عنه زين الخلافة ولم تزينه، ورفعها ولم ترفعه، وهكذا كان من تقدمه من الخلفاء رضي الله عنهم زينوا الخلافة وجملوا الأمة المحمدية، وأتموا الدين وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه رضي الله عنهم أجمعين.

وقال الغزالي: (وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهم، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله تعالى لغرض من الأغراض، وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب)([847]).

وقال أبو بكر بن العربي في معرض سياقه لحادثة قتل عثمان ظلماً وعدواناً على أيدى الخارجين عليه الظلمة المعتدين قال: (فلما قضى الله من أمره ما قضى ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدراً وعلماً وتقى وديناً فانعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لـ علي لجري على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضاً عليه فانقاد إليه)([848]).

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهم جميعاً، كما بين كذلك أن أهل السنة والجماعة أجمعوا عامة على تقديم الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم.

فقد قال رحمه الله: (واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»، فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي)([849]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان)([850]).

والذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع: أن خلافة علي رضي الله عنه محل إجماع على حقيتها وصحتها في وقت زمنها، وذلك بعد قتل عثمان رضي الله عنه؛ حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه رضي الله عنه؛ فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها، وقد جاء في بعض هذه النقول للإجماع النص على مبايعة طلحة والزبير رضي الله عنهما لـ علي رضي الله عنه، وهذا فيه رد لبعض الروايات التي ذكرها بعض المؤرخين من أنهما بايعا مكرهين، فقد جاء في بعض تلك الروايات أن طلحة رضي الله عنه قال: (بايعت واللج على قفي)([851]).

وقد رد العلامة ابن العربي على هذا بقوله: (اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفي) كما يجعل في (الهوى): (هوي) وتلك لغة هذيل لا قريش([852]) فكانت كذبة لم تدبر)([853]).

بل قد جاء في بعض الروايات أن طلحة رضي الله عنه كان أول من بايع علياً حتى قال حبيب بن ذؤيب: (بايع علياً يد شلاء. لا يتم هذا الأمر)([854])وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر([855]).

وقد رد القاضي أبو بكر بن العربي على قول القائل في طلحة (يد شلاء) بقوله: (أما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه؛ فإن يداً شلت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه، وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه)([856]).

وهذا الرد من ابن العربي على ما قيل في يد طلحة رضي الله عنه يستحق أن يكتب بماء الذهب؛ لأنه لو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أكثر بركة ونفعاً؛ لأنها يد ذبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم أحد، أما يد الأشتر اللئيم فإنها كانت لا تزال رطبة من دم الإمام الشهيد المبشر بالجنة عثمان رضي الله عنه، فدعوى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين دعوى غير صحيحه.. بل الثابت أنه لما قتل عثمان رضي الله عنه طلب جمهور الصحابة رضي الله عنهم من علي أن يتولى أمر المسلمين فكان يفر منهم في حيطان المدينة([857]) وأيضاً: لما توفي عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى في ستة منهم طلحة والزبير، واتفقوا على أن الأمر دائر بين عثمان وعلي؛ فاتفقوا على تقديم عثمان وبعد اسشهاده رضي الله عنه كان صاحب الحق هو علي رضي الله عنه.

وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي رضي الله عنه من وجوه:

(1) تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم([858]).

(2) إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان([859]).

(3) أن أهل الشام معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه. وهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته، وذلك أنها مردودة من وجوه:

الوجه الأول: أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحة؛ إذ أن بيعته لم يتخلف عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر؛ لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره([860]).

 الوجه الثاني: أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لا بد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل أو متعذر، فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائها([861]).

الوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة، وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة عمار ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم رضي الله عنهم جميعاً.

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم)([862]).

الوجه الرابع: دعوى أنه أنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان هذا لا يصح في شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق وهو أن يحضر الطالب للدم ويحضر المطلوب وتقع الدعوى ويكون الجواب وتقوم البينة ويقع الحكم([863]) بعد ذلك.

الوجه الخامس: أن معاوية رضي الله عنه لم يقاتل علياً على الخلافة ولم ينكر إمامته، وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده، ولكنه كان مخطئاً في اجتهاده ذلك، فله أجر الاجتهاد فقط.

قال عبد الملك الجويني: (و معاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان رضي الله عنه ظاناً أنه مصيب ولكنه كان مخطئاً)([864]).

فخلافة علي رضي الله عنه ثابتة بالنص والإجماع ولا تأثير لأي اعتراض يورد على الإجماع، فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم والاقتداء بهم، وترتيبهم في الإمامة كترتيبهم في الفضل. أولاً: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وهذا معتقد الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة، فقد روى البيهقي بإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: (في الخلافة والتفضيل نبدأ بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم)([865])وروى أيضاً بإسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قيل له: (إلى ما تذهب في الخلافة؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقيل له: كأنك تذهب إلى حديث سفينة؟ قال: أذهب إلى حديث سفينة، وإلى شيء آخر؛ رأيت علياً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين، ولم يقم الجمع والحدود، ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك)([866]).

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: (خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين)([867]).

وقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لـ عثمان رضي الله عنه، ثم لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة والمهديون)([868]).

وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى موضحاً الدليل على ترتيب الخلافة الراشدة: (والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة رضي الله عنهم على الترتيب الذي بيناه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلام الدين ومصابيح أهل اليقين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون فقال: «خير القرون قرني»([869]). فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور علمنا أنهم رضي الله عنهم لم يقدموا أحداً شهياً منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه، قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام: ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب في ترتيبهم على هذه الرتبة أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)) [النور:55]. ووعده حق. وخبره صدق لا يقع بخلاف مخبره، فلا بد من أن يتم ما وعدهم به، وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب لأنه لو قدم علي عليه السلام لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة لأن علياً عليه السلام مات بعد الثلاثة وكذلك لو قدم عثمان رضي الله عنه لم تصر الخلافة إلى أبي بكر وعمر لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده، والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم، فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت ولله الحمد على الهداية والتوفيق)([870]).

 فهذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة كلها فيها البيان الشافي لعقيدة الفرقة الناجية في ترتيب الخلافة الراشدة، كما علم مما تقدم في هذا المبحث من نقول للإجماع أن علياً رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين باتفاق أهل الحل والعقد، وأنه قد اتفق على بيعته عامة من حضر المدينة من البدريين والأنصار كاجتماع أهل السقيفة على بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وبناءً على ما تقدم فإن الذي لا يسعه في عقيدة ترتيب الخلافة ما وسع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فإنه رافضي مقيت.

 المبحث الرابع: ذكر الحرب التي دارت بينه وبين بعض الصحابة وموقف أهل السنة منها:

المراد بالحرب التي أريد ذكرها في هذا المبحث هي حرب الجمل وصفين، وقبل الدخول في ذكر هاتين الموقعتين أذكر بين يديهما لمحة عن أمرين.

- الأمر الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

- الأمر الثاني: ما هو الدافع لهم على ذلك؟

فأما عن الأمر الأول: فإن قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ظلماً وعدواناً من قبل الخارجين عليه من أهل مصر، وأهل الكوفة، وأهل البصرة سنة خمس وثلاثين للهجرة([871]) كان مصدر بدء التشاجر بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والقارئ لكتب التواريخ والسير يخرج منها بأن بداية التشاجر بين خير القرون كان بعد قتل ثالث الخلفاء الراشدين وبداية خلافة أبي الحسن رضي الله عنهما.

وأما عن الأمر الثاني: فإن أعظم دافع لهم إلى ذلك ليس إلا مطالبة الخليفة الرابع بوجوب الإسراع بأخذ القود من أولئك الأشرار قتلة عثمان رضي الله عنه وأرضاه؛ ذلك أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم أجمعين كانوا يرون أنه لا بد من المطالبة بدم عثمان ووجوب الإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله([872]).

 بينما كان يرى علي رضي الله عنه إرجاء الأمر حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم؛ لأنهم كانوا كثيرين في جيش علي ومن قبائل مختلفة، وكانوا لهم بعض التمكن حينذاك.

قال الحافظ ابن كثير: (ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا)([873])اهـ.

ومما يؤكد أن سبب البداية للتشاجر بين الصحابة هو قتل عثمان رضي الله عنه.. أن علياً رضي الله عنه بعد أن بويع له بالخلافة شرع في إرسال عماله إلى الأمصار، فكان من أرسله إلى الشام بدل معاوية سهل بن حنيف فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير. قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلاً بك، وإن كان غيره فارجع، فقال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى، فرجع إلى علي، وأما قيس بن سعد بن عبادة فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميراً على الكوفة فصده طليحة بن خويلد الأسدي غضباً لـ عثمان فرجع إلى علي فأخبره([874]) وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان ممن قتله من أولئك الخوارج منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة ومن التابعين: شريك بن حباشة وأبو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غنم... وغيرهم من التابعين([875]). ولما كان رأي كل واحد من الفريقين مضاداً لرأي الآخر من هنا اختلفت الكلمة وتفاقم الأمر، وانتشرت الفتنة، فما كان من علي رضي الله عنه وهو الخليفة الحق الذي تجب طاعته إلا أن قام بإرسال الكتب المتتابعة إلى معاوية رضي الله عنه يدعوه فيها إلى البيعة غير أن معاوية رضي الله عنه لم يرد شيئاً، فكرر عليه علي رضي الله عنه ذلك مراراً إلى أن دخل الشهر الثالث من مقتل ذي النورين رضي الله عنه، ثم بعث بعد ذلك طوماراً([876]) من رجل فدخل به على علي فقال: (ما وراءك؟ قال: جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور([877]).... فقال علي: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتوراً كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان)([878]).

وقد وجه علي رضي الله عنه جماعة إلى معاوية رضي الله عنه وهو بـ صفين منهم بشير بن عمرو الأنصاري وقال لهم: (ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة، واسمعوا ما يقول لكم، فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو: يا معاوية! إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك، إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذ الأمة، وأن تسفك دماءها بينها -إلى أن قال له: وإنه –أي: علي - يدعوك إلى مبايعته، فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في آخرتك، فقال معاوية: ويطل([879]) دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبداً)([880]).

وقد دخل أبو الدرداء، وأبو أمامة رضي الله عنهما أيام صفين على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل هذا الرجل؟! فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بهذا الأمر منك -فكان جوابه عليهم- أقاتله على دم عثمان، وأنه أوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام([881]) فهذه الرواية وما قبلها تبين لنا أن معاوية رضي الله عنه كان باذلاً للبيعة بالخلافة لـ علي رضي الله عنه لكن بشرط تعجيل القود من قتلة عثمان، وكان رأي علي رضي الله عنه أن يدخل معاوية في البيعة أولاً ثم بعد ذلك يتتبع القتلة ويقام عليهم الحد الشرعي بعد إقامة الدعوى والإجابة ثم صدور الحكم فيهم كما أمر الله به. ولكن لما كان رأي علي ومعاوية رضي الله عنهما رأيين متضادين لا يلتقيان أدى ذلك إلى المنازعة واختلاف الكلمة، ولما رأى علي رضي الله عنه أن الكتب التي وجهها إلى معاوية لم تجد شيئاً بل إن الفتنة بدأت تشتد ولم تزدد الأمور إلا تعقيداً حيث استأثر معاوية رضي الله عنه ببلاد الشام ولم يسمح لأمر علي أن يمتد إليها وهو الخليفة الحق بعد ذي النورين عثمان، وأن من حقه على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا أخذ في إعداد جيش وعزم على قتال أهل الشام، ولما رآه ولده الحسن رضي الله عنه يهيئ الجيش لقتال أهل الشام حاول أن يثنيه عن ذلك وقال له: (يا أبتي! دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين)([882]). فلم يسمع لقوله بل هيأ الجيش ودفع اللواء إلى ولده محمد بن علي -المعروف بـ ابن الحنفية - غير أنه لم يتمكن مما قصده من تسيير الجيش إلى بلاد الشام؛ فإنه جاءه ما شغله عن ذلك وهو توجه أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم إلى البصرة، وعندما بلغ هذا الخبر علياً رضي الله عنه عدل عن وجهته إلى الشام وغير رأيه وتوجه إلى البصرة بدلاً من الشام، وهكذا بدأ النزاع يتدرج بين الصحابة رضي الله عنهم من طور المكاتبة والمحاورة إلى طور التعبئة وتجهيز الجيوش استعداداً للقتال والمواجهة للضرب بالسيوف وقد تمثل ذلك في موقعتين:

 الأولى: موقعة الجمل.

الثانية: موقعة صفين.

أما موقعة الجمل فقد دارت رحا الحرب فيها بين علي رضي الله عنه ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم رضي الله عنهم، وذلك أنه: لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق سنة خمس وثلاثين للهجرة -كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فراراً من الفتنة، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل أقمن بـ مكة([883])، وقد تجمع بـ مكة خلق كثير وجم غفير من سادات الصحابة منهم طلحة والزبير حيث استأذنا علياً في الاعتمار فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهما كثير من الناس وكذا قدم إلى مكة ابن عمر، ومن اليمن يعلى بن أمية عامل عثمان عليها، وعبد الله بن عامر عامله على البصرة، ولم يزل الناس حينذاك يفدون على مكة، ولما كثروا فيها قامت فيهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فحثتهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام، ولم يراقبوا جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة وقالوا لها: (حيثما صرت صرنا معك) وبعد أن تعددت آراؤهم في تحديد الجهة التي يسيرون إليها أجمعوا على الذهاب إلى البصرة، فلما أتوا البصرة منعهم من دخولها عثمان بن حنيف عامل علي عليها حينذاك، وجرت بينه وبينهم مراسلة ومحاورة حتى وصل الأمر بهم إلى المشاجرة، ثم ما لبثوا أن اصطلحوا بعد ذلك إلى أن يقدم علي رضي الله عنه؛ لأنه بلغهم أنه متوجه إليهم، وكما تقدم قريباً أنه عدل عن المسير إلى الشام بعد أن بلغه مسير أم المؤمنين عائشة إلى البصرة، فأخذ في الاتجاه بعدهم في جمع كبير وهو يرجو أن يدركهم قبل وصولهم إلى البصرة فلما علم أنهم قد فاتوه، استمر في طريقه إليهم قاصداً البصرة من أرض العراق([884]).

لما انتهى إلى البصرة كاتب أبا موسى الأشعري رضي الله عنه عامله على الكوفة وطلب منه أن يستنفر الناس ليلحقوا به غير أن أبا موسى رضي الله عنه كان يرى عكس رأي علي فكان يدعو إلى القعود ويقول: إنما هي فتنة، وجعل كلما جاء رسول من عند علي رده بمثل ذلك حتى أرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر فقال الحسن لـ أبي موسى: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء، فقال: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب»([885]) وقد جعلنا الله إخواناً وحرم علينا دماءنا وأموالنا فكان كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر، ولكن مع ذلك استجاب للنفير كثير من الناس، فخرج مع الحسن جمع كبير من أهل الكوفة وقدموا على علي رضي الله عنه فتلقاهم بذي قار([886]) إلى أثناء الطريق في جماعة منهم ابن عباس فرحب بهم، وقال: (يا أهل الكوفة! أنتم لقيتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولن ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى).([887])وفي هذا توضيح لمقصد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وأن مقصده الأول والأخير هو طلب الإصلاح، وأن القتال كان غير محبب إلى نفسه لا سيما مع إخوانه البررة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان مقصد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير من خروجهم من مكة إلى البصرة من أرض العراق هو التماس الإصلاح بين المسلمين بأمر يرتضيه طرفا النزاع ويحسم به الاختلاف وتجتمع به كلمة المسلمين، ولم يخرجوا مقاتلين ولا داعين لأحد منهم ليولوه الخلافة، وهذا ما قرره العلماء من أهل السنة، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: (وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا حددوا بيعة لغيره. هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه.. بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن؛ فإذ لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقضاً لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلماً، وبرهان ذلك: أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة([888]) والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بديء بها بالقتال، واختلط الأمر اختلاطاً لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه، فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها)([889]).

وقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره للغرض الذي خرجت له عائشة ومن معها من مكة إلى البصرة: (ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين، وضم نشرهم، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح لا شيء سواه)([890]).

وقال أبو الوليد بن رشد المالكي([891]): بعد ذكره قوله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) [الحجرات:9] الآية. فأرادت عائشة رضي الله عنها بقولها -والله أعلم-: (ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية) نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض، ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يروموا الإصلاح بينهم([892])، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في صدد ذكره لبعض الأدلة التي تدل على أن عائشة رضي الله عنها ما خرجت إلا للإصلاح: (ويدل لذلك أن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة)([893]).

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (وبلغ الخبر([894]) عائشة وهي حاجة ومعها طلحة والزبير فخرجوا إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة)([895]).

فـ أهل السنة والجماعة مجمعون على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما قصدت بخروجها إلى البصرة إلا الإصلاح بين بنيها رضي الله عنها، وبهذا وردت أخبار منها:

 (1) روى ابن جرير الطبري: أن عثمان بن حنيف لما بلغه مجيء عائشة رضي الله عنها إلى البصرة أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فقال لهما: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها، وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بـ الحفير([896]) فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: (والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام، فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. وقرأت: ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)) [النساء:114)]([897]).

(2) وروى أيضاً: أن علياً رضي الله عنه لما نزل بـ ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا ابن الحنظلية فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم الفرقة.. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بـ عائشة رضي الله عنها فسلم عليها وقال: (أي أمه! ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني! إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعى كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح. قالا: قتلة عثمان رضي الله عنه، فإن هذا إن ترك كان تركاً للقرآن).([898]).

(3) لما رجع القعقاع بن عمرو إلي علي رضي الله عنه وأخبره أن أصحاب الجمل استجابوا إلى ما بعثه به إليهم أذعن علي لذلك، وبعث إلى طلحة والزبير يقول: (إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس).([899])ففي هذه الأخبار دليل واضح على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تكن تقصد بخروجها هي ومن معها تفريق الجماعة، ولا شفاء حقد بينها وبين علي كما يزعمه ذلك مبغضو الصحابة من الرافضة، وإنما الغرض الذي كانت تريده الإصلاح بين الناس ابتغاء مرضات الله راجية الثواب على ذلك من الله، كما أن الذين طلبوا منها الخروج وهم طلحة والزبير ومن معهما كانوا كذلك، وكانوا يعلقون آمالاً على خروجها في حسم الاختلاف وجمع الكلمة، ولم يكن يخطر على بالهم قتل أحد؛ لأنهم ما أرادوا إلا الإصلاح ما استطاعوا.

قال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره لبيان الغرض الذي خرجت من أجله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها قائلاً: (فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيراعوا حرمة نبيهم، واحتجوا عليها عندما حاولت الامتناع بقول الله تعالى: ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)) [النساء:114] ثم قالوا لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج في الصلح وأرسل فيه فرجت المثوبة واغتنمت الفرصة وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها)([900]).

وقال أيضاً: في معرض الرد على من قال: إن أهل البصرة لما عرفوا بمجيء عائشة وطلحة والزبير خرجوا ليقاتلوهم وعلى رأسهم حكيم بن جبلة، قال في شأن حكيم هذا: (وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد)([901]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن بين بطلان الحديث الذي نصه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة: «تقاتلين علياً وأنت ظالمة» بين أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناد معروف، وبين أنه إلى الموضوعات أشبه، ثم قال بعد ذلك: (فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين... لا قاتلت ولا أمرت بقتال.. هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار)([902]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبيناً القصد الذي خرجت من أجله عائشة رضي الله عنها هي ومن معها: (والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنهم أجمعين، وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة، وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه)([903]).

فلا مقصد إذن من خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها من الصحابة من مكة إلى البصرة إلا بغية الإصلاح بين المسلمين، ولم تخرج لقتال ولا أمرت به، ثم أيضاً: إن فكرة الصلح لم تكن عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هي ومن معها فحسب.. بل كانت أيضاً تجول في فكر علي رضي الله عنه ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنا قريباً أن علياً رضي الله عنه بعث إلى طلحة والزبير يقول: (إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر. فأرسلا إليه: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس)([904])ولما كان جوابهم على علي رضي الله عنه بهذا اطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين، فلما أمسوا بعث على عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وعولوا جميعاً على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية([905]) فهكذا كانت فكرة الصلح مسيطرة على عقول الجميع من الطرفين كما كانت هدفهم الذي يهدفون إليه حتى في وقت استعدادهم للقتال وفي أثناء تنظيم الجيوش.

قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: (ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعاً وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت اليمن أسفل منهم وهم لا يشكون في الصلح... ونزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح، وكان أصحاب علي عشرين ألفاً، وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمراً أمثل من الصلح ووضع الحرب، فافترقوا على ذلك)([906]).

ولما أرسلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلي علي رضي الله عنه تعلمه أنها إنما جاءت للصلح فرح هؤلاء وهؤلاء لاتفاقهم على رأي واحد وهو الصلح، ولما رجع القعقاع بن عمرو من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم (جمع علي الناس ثم قام خطيباً فيهم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد، ألا وإني راحل غداً فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس)([907]).

ففكرة الصلح كانت هي المقصد الذي يطلبه الفريقان واتفقوا عليه، وكان المسلمون حينئذ مجمعين على وجوب إقامة الحد وتنفيذ القصاص في قتلة عثمان، ولم يخطر القتال على بال أحد منهما، ولكن المفسدين في الأرض الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه أصابهم الغم وأدركهم الحزن من اتفاق الكلمة وجمع الشمل، وأيقنوا أن الصلح الذي حصل الاتفاق عليه بين علي وأم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم سيكشف أمرهم وسيسلم رؤوسهم إلى سيف الحق وقصاص الخليفة؛ فباتوا يدبرون أمرهم بليل شديد الظلمة، فلم يجدوا سبيلاً لنجاتهم إلا بأن يعملوا على إبطال الصلح وتفريق صفوف المسلمين، وذلك بأن يقوموا بعمل يحير العقلاء ويجعل كل فريق يسيء الظن بالآخر. فقد أجمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر وخاصة بعد أن تيقنوا أن رأي علي فيهم موافق لرأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، وقض مضجعهم قوله رضي الله عنه في خطبته التي ذكرناها آنفاً: (ألا وإني راحل غداً فارتحلوا ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس)([908])فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كـ الأشتر النخعي، وشريح بن أوفى وعبد الله بن سبأ -المعروف بـ ابن السوداء - وسالم بن ثعلبة وعلياء بن الهيثم وغيرهم في ألفين وخمسمائة وليس فيهم صحابي ولله الحمد، فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم غداً يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟

فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا علياً بـ عثمان فرضي القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت لو قتلناه قتلنا، فإنا يا معشر قتلة عثمان -في ألفين وخمسمائة- وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف لا طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم.

فقال علياء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذاً والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء قبحه الله: يا قوم! إن عزكم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بداً من أن يمتنع ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون ويأتيهم ما يكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه([909]) فاجتمعوا على هذا الرأي الذي تفوه به الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة، فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربيعهم إلى ربيعهم، ويمانيهم إلى يمانيهم، فوضعوا فيهم السلاح بغتة فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبلغ طلحة والزبير ما وقع من الاعتداء على أهل البصرة فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً وفي نفس الوقت -حسب خطة أولئك المفسدين- ذهبت منهم فرقة أخرى في ظلمة الليل ففاجأت معسكر علي بوضع السيف فيهم، وقد وضعت السبئية رجلاً قريياً من علي يخبره بما يريدون فلما سمع علي الصوت عندما هجموا على معسكره قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم من أهل البصرة قد بيتونا([910]).

فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللامة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وقامت الحرب على قدم وساق وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان؛ فنشبت الحرب وتوافق الفريقان، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفاً، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون والسبئية أصحاب ابن السوداء -قبحه الله- لا يفترون عن القتل، ومنادي علي ينادي ألا كفوا، ألا كفوا فلا يسمع أحد([911]) فاشتدت المعركة وحمي الوطيس، وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف([912]) على جريح ولا يتبع مدبر، وقد قتل من هذا خلق كثير جداً([913]) حتى حزن علي رضى الله عنه أشد الحزن، وجعل يقول لابنه الحسن: (يا بني ليت! أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه! قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني! إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا)([914])ثم نزل بنفسه إلى ميدان المعركة لإنهاء القتال، وطلب طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم فذكرهما بما ذكرهما به فانتهى الأمر برجوع الزبير يوم الجمل، وفي أثناء رجوعه رضي الله عنه نزل وادياً يقال له: وادي السباع فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة([915]) وأما طلحة رضي الله عنه فإنه بعد أن اجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته وقيل في رقبته والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول: إلي عباد الله فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها ويقال: إنه مات بالمعركة([916]) ولم تنته موقعة الجمل برجوع الزبير واستشهاد طلحة رضي الله عنهما بل اشتدت الحرب بين الفريقين حتى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقدمت وهي في هودجها وناولت كعب بن سور قاضي البصرة مصحفاً وقالت: ادعهم إليه، وذلك حين اشتد الحرب وحمي القتال، فلما تقدم كعب بن سور بالمصحف يدعو الله استقبله مقدمة جيش الكوفيين وكان عبد الله بن سبأ -وهو ابن السوداء - وأتباعه بين يدي الجيش يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سور رافعاً المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فجعلت تنادي: (الله الله يا بنيَّ! اذكروا يوم الحساب، ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم، فقال: اللهم العن قتلة عثمان)([917]).

ولما رأى علي رضي الله عنه أن المعركة حميت حول الجمل أمر بعقره -على ما يقال- كي لا تصاب أم المؤمنين؛ لأنها بقيت غرضاً للرماة، ولينفصل هذا الموقف الذي تفانى فيه الناس، ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس وانتهت المعركة، وحملت أم المؤمنين بأمر من علي وهي مكرمة معززة ودخلت البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر([918]). وأما علي رضي الله عنه فإنه أقام بظاهر البصرة ثلاثاً، ثم صلى على القتلى من الفريقين... ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان، وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف. خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء رحمهم الله ورضي عن الصحابة منهم، وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم([919]).

ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار([920]) في الهودج فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: (يا بني! لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وسار علي معها مودعاً ومشيعاً أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم، وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك، ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها)([921]).

ومما تقدم ذكره بشأن موقعة الجمل تبين أن القتال وقع بين الصحابة فيما بينهم كان بدون قصد منهم ولا اختيار، وأن حقيقة المؤامرة التي قام بها قتلة عثمان خفيت على كلا الفريقين حتى ظن كل منهما أن الفريق الآخر قصده بالقتال.

وقد وضح حقيقة هذه المؤامرة العلامة ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، قال أبو محمد بن حزم: (وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه، ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم، وإنما اجتمعوا بـ البصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه، وإقامة حق الله تعالى فيهم، فتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم، وكانوا أعداداً عظيمة يقربون من الألوف؛ فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم)([922]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء([923]) قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم؛ فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معيناً عليه كما كان يحلف فيقول: (والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله)([924])وهو الصادق البار في يمينه. فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة فحملوا دفعاً عن أنفسهم، فظن علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعاً عن نفسه؛ فوقعت الفتنة بغير اختيارهم)([925]). فهكذا أنشب الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة قتلة عثمان الأشرار دون أن يفطن لذلك أولئك الأخيار من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

- وأما موقعة صفين([926]):

فقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي رضي الله عنه وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما؛ ذلك أن علياً رضي الله عنه لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما أرادت الرجوع إلى مكة ثم صار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه أو يسلموا إليه ليقتلهم، ولما دخل علي رضي الله عنه الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان رضي الله عنه، فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا: وحينئذ خرج من الكوفة عازماً على دخول الشام فعسكر بالنخيلة([927]) وبلغ معاوية أن علياً قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضاً بنفسك، فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضاً: إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصداً أرض الشام، فالتقى الجمعان في صفين أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين([928]).

ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم: فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة، فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلوماً([929]). ولما رجع أولئك النفر إلى علي رضي الله عنه وأخبروه بجواب معاوية رضي الله عنه لهم، وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم، عند ذلك نشبت الحرب يين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن تقوم بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم([930]) ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين ولكن انسلخ شهر المحرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح.

ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أياماً ثمانية وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة (ليلة الهرير) تشبيهاً لها بليلة القادسية.. اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام([931]) وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه([932])، ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب، ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي رضي الله عنه وانقسموا عليه فمنهم: من رأى الموافقة على التحكيم، ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي رضي الله عنه في بادئ الأمر، ثم وافق أخيراً على التحكيم.

فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين، وهو أن يحكم كل واحد منهما رجلاً من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعاً، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين -كليهما- عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب وأجلا القضاء إلى رمضان([933]) وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراضٍ منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بـ دومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بـ أذرح([934]) ولما كان شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بـ صفين؛ وذلك أن علياً رضي الله عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بـ دومة الجندل بـ أذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل، وشهد معهم جماعة من رءوس الناس كـ عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة، فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير أمور([935]) ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم: هذا ما اتفق عليه الحكمان فيما بينهما لا شيء سواه.

أما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بـ أذرح من دومة الجندل([936]) وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرو بن العاص لـ أبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت علياً عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر: كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا، وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف([937]).

فهذه الحكاية وما يشبهها من اختلاق أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام. قال أبو بكر بن العربي مبيناً كذب ذلك: (هذا كله كذب صراح. ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع)([938]).

ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا بل وسموا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منها أعداء الإسلام صوراً هزيلة لأعلام الإسلام في المواقف الحرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان صاحب غدر وخداع([939]) ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوع في القول، كما وصفوه بأنه كان على جانب كبير من الغفلة([940]) ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية.. كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين، وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي موسى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية، ومن أكثرهم ثقة وورعاً وأمانة، فكيف يصف الغافلون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة؟ ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لـ أبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أموراً لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف، وتلك الأمور هي:

- الأمر الأول:

أنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه أو تثبيتها له.

- الأمر الثاني:

أن سبب النزاع هو أخذ الثأر لـ عثمان رضي الله عنه من قتلته، فلما طلب علي البيعة من معاوية اعتل بأن عثمان قتل مظلوماً وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، والتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك([941])، ومعنى هذا أن معاوية كان مسلماً لـ علي بالخلافة لأنه طلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان رأي علي أن يدخل معاوية ومن معه من أهل الشام فيما دخل فيه الناس من البيعة له، ثم يتقدم أولياء عثمان بالمحاكمة إليه، فإن ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه؛ فاختلفوا بحسب ذلك([942]).

قال أبو محمد بن حزم مبيناً أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايراً لقتال علي الخوارج حيث قال: (وأما أمر معاوية رضي الله عنه فبخلاف ذلك، ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته؛ لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر([943]) وغيره، لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام، وهو الإمام الواجبة طاعته، فـ علي المصيب في هذا، ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بـ خيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر([944]) فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول؛ لأنهما كانا أسن من أخيه([945]) فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه، وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا، وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط؛ فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم أجراً واحداً وللمصيب أجران -إلى أن قال- وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان منا، وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقاً بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته، وأنه صاحب الحق، وأن له أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً)([946]).

فـ ابن حزم رحمة الله عليه يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان وليس اختلافاً على الخلافة؛ إذ أن معاوية رضي الله عنه لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة وإنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم، وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك فتحكيمهما إذن إنما هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة.

- الأمر الثالث:

أن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء، ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال، وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده، حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطباً بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها:

أبوك تلافى الدين والناس بعد                    ما تشاءوا([947]) وبيت الدين منقطع الكسر

فشد آصار الدين أيام أذرح                     ورد حروباً قد لقحن إلى عقر([948])

فلم يول رضي الله عنه في الفصل في قضية التحكيم إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات، فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن؛ حيث بعث كل واحد منهما على مخلاف([949]) وأوصاهما عليه الصلاة والسلام بأن ييسرا ولا يعسرا، وأن يبشرا ولا ينفرا([950]) وما توليته عليه الصلاة والسلام لـ أبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة.

قال العلامة ابن حجر رحمه الله عند شرحه لحديث بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن: (واستدل به على أن أبا موسى كان عالماً فطناً حاذقاً، ولولا ذلك لم يوله النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بـ صفين)([951])فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمراً لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى، ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم.

قال ابن كثير: (والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما: عمرو بن العاص السهمي -من جهة أهل الشام - والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري -من جهة أهل العراق - وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم، وكذلك وقع)([952]). وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم فما في ذلك تقصير منهما فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معاً بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأياً فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة فهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة، ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم، ونحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.

 موقف أهل السنة من تلك الحرب:

إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم هو الإمساك عما شجر بينهم إلا فيما يليق بهم رضي الله عنهم لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وذلك من أعظم الذنوب، وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويترضى عنهم ويترحم عليهم ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم، وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد، والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده، وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يُجَوِّز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم.

وقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما رقع بين الصحابة من الاقتتال وبما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي:

(1) قال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الحجرات:9].

ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال؛ لأنهم إخوة، وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله عز وجل مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم، وإذ كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك من الإيمان فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية، فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيماناً حقيقياً، ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد([953]).

(2) روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة»([954]).

فالمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح، وقيل المراد اعتقاد كل منهما الحق([955]).

(3) وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»([956]) والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وقد وصف صلى الله عليه وسلم الطائفتين معاً بأنهما مسلمتان وأنهما متعلقتان بالحق. والحديث علم من أعلام النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن علياً هو المصيب وإن كان معاوية مجتهداً وهو مأجور إن شاء الله، ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجره»([957]).

(4) وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكرة قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»([958]).

ففي هذا الحديث شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام الطائفتين -أهل العراق وأهل الشام - والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا علياً ومن معه ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام، ولذا كان يقول سفيان بن عيينة: (قوله صلى الله عليه وسلم: (من المسلمين) يعجبنا جداً)، قال البيهقي: (وإنما أعجبهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماهما جميعاً مسلمين، وهذا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان)([959]).

فهذه الثلاثة الأحاديث المتقدم ذكرها كلها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أمته([960]). كما وصفهم بأنهم جميعاً متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه، كما شهد لهم صلى الله عليه وسلم بأنهم مستمرون على الإيمان ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) [الحجرات:9] وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم رضي الله عنهم أجمعين، فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي رضي الله عنه فقد شهد للفريقين بالحسنى، فقد روى ابن جرير الطبري أن علياً لما وصل البصرة خطب الناس فقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: (أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله عز وجل بذلك؟ قال: نعم. قال: فترى لك حجة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم. إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعاً قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غداً؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة)([961]).

وروى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن علي -المعروف بـ ابن الحنفية - قال: قال علي: (إني لأرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال الله عز وجل: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) [الحجر:47)]([962]).

كما شهد رضي الله عنه بالحسنى للقتلى من الفريقين في موقعة صفين:

فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: (قتلانا وقتلاهم في الجنة)([963]).

وشهادة علي رضي الله عنه للقتلى من الفريقين بالجنة شهادة حق وصدق؛ لأن الباري جل وعلا أخبر بأنه وعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ووعده سبحانه حق وصدق لا خلف فيه.

قال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوعد فيها بالجنة لجميعهم رضي الله عنهم، فكل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الايمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلاً وعد الله الجنة ورضي عنهم، ومن كمال ورع علي رضي الله عنه أنه لم ينسب أحداً إلى الشرك أو إلى النفاق ممن قاتله من أهل القبلة بل كان يقول رضي الله عنه: (هم إخواننا بغوا علينا)([964])ذلك هو معتقد علي رضي الله عنه في قتلى الصحابة رضي الله عنهم في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة؛ لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق والاجتهاد، ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك، وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد ذكر ابن الأثير أنها رضي الله عنها لما كانت بـ البصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: (يرحمه الله. فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلان في الجنة، وفلان في الجنة)([965]).

وقولها رضي الله عنها: (فلان في الجنة، وفلان في الجنة) تعني بذلك من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير رضي الله عنهما. ولقد تقدم معنا أن علياً رضي الله عنه تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفاً يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه؛ حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: (من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان)([966]).

وصلى على جميع القتلى من الفريقين، ودفن كثيراً منهم في قبر كبير([967]) كل عمله هذا دل على إيمانه أنهم جميعاً كانوا يقاتلون اجتهاداً لا عناداً ولا شهوة، ولا شفاء خصومة كانت بينهم رضي الله عنهم أجمعين، ومما ينبغي أن يعلم أن شهادة علي رضي الله عنه بالجنة للقتلى من الفريقين كما تقدم لا يدخل فيها من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان، كما لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين وصفتا بأنهما متعلقتان بالحق وإن قاتل معها والتحق بها؛ لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان -كائناً من كانوا- استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع، وفي حالة عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير نار الحرب بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها يعد إصراراً منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قال أهل السنة والجماعة: إن الطائفتين كانتا على الحق فإنما يريدون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته صلى الله عليه وسلم من التابعين.

فالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو الإمساك عما حصل بينهم رضي الله عنهم، ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم.

وكتب أهل السنة مملؤة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة، وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها.

(1) سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: (تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني، مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها)([968]).

 قال البيهقي معلقاً على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (هذا حسن جميل؛ لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب)([969]).

والمسلم مطلوب منه أن يتحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعض الصحابة بما لا يكون مصيباً فيه.

(2) قال عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله تعالى في المقتتلين من الصحابة: (هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضاً فلم يفر أحد من أحد)([970]).

(3) سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: (قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا)([971]).

ومعنى قول الحسن هذا: أن الصحابة كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل إذ كانوا غير متهمين في الدين([972]).

(4) سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: (أقول ما قال الله: ((قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى)) [طه:52)]([973]).

(5) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية قال: (ما أقول فيهم إلا الحسنى)([974]).

(6) وقال أبو بكر المروذي: (سمعت أبا عبد الله وذكر له أصحاب رسول الله فقال: رحمهم الله أجمعين، ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29)]([975]).

(7) قال إبراهيم بن آرز الفقيه: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية. فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه فقال: اقرأ ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:141]([976]).

(8) وقال أبو الحسن الأشعري: (فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري ممن ينقص أحداً منهم رضي الله عن جميعهم)([977]).

(9) وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يذكروا به فقال: (وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب([978]).

(10) وقال أبو نعيم الأصبهاني مبيناً حق الصحابة على المسلمين بعدهم وما يجب عليهم نحوهم: (فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم، ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] الآية. فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد وهو لهم مغفور، ولا يوجب ذلك البراءة منهم ولا العداوة لهم، ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة)([979]).

(11) وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: (ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل؛ فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم)([980])اهـ.

(12) قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: (ويجب أن يعلم أن ما جرى بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم من المشاجرة نكف عنه، ونترحم على الجميع، ونثني عليهم، ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان، ونعتقد أن علياً عليه السلام أصاب فيما فعل وله أجران، وأن الصحابة رضي الله عنهم أن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر، ولا يفسقون ولا يبدعون، والدليل عليه قوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويدل على صحة هذا القول: قوله صلى الله عليه وسلم للحسن عليه السلام: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([981]) فأثبت العظم لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهم بصحة الإسلام وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم قوله تعالى: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) [الحجر:47]... إلى أن قال: ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم والسكوت عنه). اهـ([982]).

(13) وقال أبو عثمان الصابوني في صدد ذكره لعرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث: (ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم)([983]).

(14) وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: (كلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة؛ فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم؛ لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] وقال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] أي: خياراً عدولاً... وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشرة من قريش في الجنة» فسمى فيهم علياً وطلحة والزبير، والذي يقول أئمة أهل السنة والحق: إن علياً رضي الله عنه ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وإن طلحة والزبير كانا على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد... إلى أن قال: والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده، فلـ علي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولـ طلحة والزبير أجر لاجتهادهما. وبالله التوفيق)([984]).

(15) وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد عن الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ولنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم)([985])وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.. هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض([986]) فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصياناً لم يكن بالقتل فيه شهيداً، وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيراً في الواجب عليه؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه، ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار([987]) وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار»([988]) وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة (شهيد)، ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار، وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد، وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم عنائهم في الدين رضي الله عنهم). اهـ([989]).

(16) وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»: واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا.. بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ؛ لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم). اهـ([990]).

وقال في موضع آخر مبيناً سبب الحروب التى وقعت بين الصحابة: (واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:

قسم: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه. ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.

وقسم: عكس هؤلاء.. ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.

وقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم؛ لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك)([991])وهذا هو التفسير الصحيح لمواقف الصحابة رضي الله عنهم في تلك الحروب وهو اللائق بحالهم رضي الله عنهم.

(17) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون. إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون)([992])اهـ.

(18) وقال الإمام الذهبي: (... تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة).([993]).

(19) وقال الحافظ ابن كثير: (أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضاً وأما المصيب فله أجران اثنان)([994]).

(25) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حاكياً للإجماع على وجوب المنع من الطعن على واحد من الصحابة بسبب ما حصل بينهم، ولو عرف المحق منهم حيث قال: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين)([995]).

فهذه طائفة من كلام أكابر علماء أهل السنة والجماعة تبين منها الموقف الواجب على المسلم أن يقفه من الآثار المشتملة على نيل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار وخلاف ومقاتلة خاصة في حرب الجمل بين الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم. وأيضاً في حرب صفين بين علي ومعاوية وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم وإحسان الظن بهم والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم، واعتقاد أنهم مجتهدون، والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرف عن أصله وتشوه، كما تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم هو الإمساك، ومعنى الإمساك عما شجر بينهم وهو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى، وقد تقدم معنا قريباً من قول الذهبي رحمه الله تعالى: بأن كثيراً مما حدث بين الصحابة من شجار وخلاف ينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه، وأن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد العلماء؛ لأنه لا مصلحة شرعية ولا علمية من وراء نشر ذلك، أما من ناحية النظر العلمي المستقيم المهتدي بنصوص الشريعة فإن البحث في هذا الموضوع لا يمتنع إذا قصد به تبين أحكام الشريعة([996]) وما كان ذكر العلماء المعتبرين للحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم إلا على هذا السبيل، أو لبيان المواقف الصحيحة، وتصحيح الأغاليط التاريخية التي أثيرت حول مواقفهم في تلك الحروب رضي الله عنهم، فعلى المسلم أن يعتقد فيما صح مما جرى بين الصحابة من خلاف أنهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور، وهم ليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم، وقد وعدوا من الله بالمغفرة والرضوان، كما أنه يجب على كل مسلم أن يكون لسانه رطباً بالذكر الحسن والثناء الجميل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحاول جهده في ذكر محاسنهم العظيمة وسيرتهم الحميدة، ويتجنب ذكر ما شجر بينهم، هذه طريقة الصدر الأول من هذه الأمة والتي اتخذها أهل السنة والجماعة منهاجاً في موقفهم نحو الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.

قال العوام بن حوشب([997]): (أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتلف عليها القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا([998]) الناس عليهم)([999]).

وبعبارة أخرى أنه قال: (أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليه القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا([1000]) الناس عليهم)([1001]).

فـ أهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم بعد قتل عثمان رضي الله عنه، والترحم عليهم، وحفظ فضائل الصحابة، والاعتراف لهم بسوابقهم، ونشر محاسنهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

 المبحث الخامس: خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه:

لما استشهد الخليفة الرابع علي رضي الله عنه بقتل أحد الخوارج له وهو عبد الرحمن بن عمرو المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين للهجرة النبوية([1002]) بويع بالخلافة بعده ابنه الحسن رضي الله عنه، واستمر خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر، وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقه؛ لأن تلك المدة كانت مكملة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً.

فقد روى الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك»([1003]).

وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضاً بلفظ: «الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك»([1004]).

وعند أبي داوُد بلفظ: «خلافة النبوة ثلاتون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء»([1005]).

ولم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن، وقد قرر جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة» أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها.

فقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: (فنفذ الوعد الصادق في قوله صلى الله عليه وسلم: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تعود ملكاً» فكانت لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يوماً، فسبحان المحيط لا رب غيره)([1006]).

وقال القاضي عياض: (لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي...، والمراد في حديث (الخلافة ثلاثون سنة) خلافة النبوة، وقد جاء مفسراً في بعض الروايات (خلافه النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً))([1007]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة([1008]) من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً» وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي)([1009]).

وقال شارح الطحاوية: (وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر([1010]).

 وقال المناوي بعد ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، قال: (وكان ذلك فلما بويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحق مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين سنة التي أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم إنها مدة الخلافة وبعدها يكون ملكاً عضوضاً)([1011]).

ولما كان رضي الله عنه هو المبايع بالخلافة بعد أبيه وأنه الإمام الحق تلك المدة التي كانت مكملة لخلافة النبوة رأى أنه لا بد من أن يكون أمره نافذاً على بلاد الشام التي كان الأمر فيها حينئذ لـ معاوية رضي الله عنه، فتوجه نحو بلاد الشام بكتائب([1012]) كأمثال الجبال، وبايعه منهم أربعون ألفاً على الموت فلما تراءى الجمعان علم أنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل الفريق الآخر فنزل لـ معاوية عن الخلافة لا لقلة ولا لذلة بل رحمة للأمة حتى لا يقتل بعضها بعضاً، واشترط على معاوية رضي الله عنه شروطاً التزمها، ووفى بها وعلى وفقها جرى الصلح بينهما، وقد روى قصة الصلح بينهما الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه.

فقد روى بإسناده إلى الحسن البصري حيث قال: (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إِلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به. فصالحه) فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر- والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([1013]).

وبقبوله الصلح مع معاوية حصل مصداق قوله صلى الله عليه وسلم فيه: فكان كما قال: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة([1014]).

وهذا الإصلاح الذي حصل بين فريقي الحسن بن علي ومعاوية رضي الله عنهما مما يحبه الرب جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من أكبر مناقب الحسن رضي الله عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحاً يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان القتال واجباً أو مستحباً لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم بترك واجب أو مستحب).([1015]).

وقد ذكر ابن العربي أسباباً هيأت الحسن لقبول الصلح مع معاوية رضي الله عنه حيث قال: وعمل الحسن بمقتضى حاله؛ فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه، وكان ذلك بأسباب سماوية ومقادير أزلية ومواعيد من الصادق صادقة منها: ما رأى من تشتت آراء من معه.

ومنها: أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ، فعلم من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه.

 ومنها: أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بـ الخوارج استولى عليه معاوية.

ومنها: أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتائب في أربعين ألفاً وقدم قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لـ معاوية: (إني أرى كتيبة لا تولي أولاها حتى تدبر أخراها، فقال معاوية لـ عمرو: من لي بذراري المسلمين، فقال أنا: فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: الصلح) فصالحه فنفذ الوعد الصادق في قوله: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»([1016]).

وكان ذلك الصلح المبارك الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون على يد سبطه الحسن بن علي عام واحد وأربعين هجرية؛ فإنه نزل عن الخلافة لـ معاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً، وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا، وهو تركه الدنيا الفانية ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة؛ فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد([1017]) وتسليم الحسن الأمر لـ معاوية يعتبر عقد بيعة منه له بالخلافة، وكان ذلك في موضع يقال له: مسكن([1018]) ولما نزل الحسن عن الخلافة لـ معاوية بايعه الأمراء من الجيشين، واستقل بأعباء الأمة، فسمي ذلك العام عام الجماعة؛ لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد([1019]) ولاجتماع المسلمين بعد الفرقة وتفرغهم للحروب الخارجية والفتوح، ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات. ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، وحصل على بيعته عامئذ الإجماع والاتفاق -رحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم، وابن عمهم عبد الله بن جعفر عن أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لـ معاوية وهو في ذلك- هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجاً ولا تلوماً ولا ندماً، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به وإن كان قد ساء هذا خلقاً من ذويه وأهله وشيعتهم ولا سيما بعد ذلك بمدد، وهلم جراً، والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة([1020]).

والحاصل مما تقدم أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن خلافة الحسن بن علي كانت خلافة حقة، وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مدتها ستكون ثلاثين سنة، وكذلك كانت كما أخبر عليه الصلاة والسلام.


 ([387]) ذكره عنه ابن الجوزي في كتابه: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر- ص 126.
([388]) الصحاح للجوهري 5/1864- 1865.
([389]) لسان العرب 12/ 24، وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 459، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي ص 126، القاموس المحيط 4/78، تاج العروس 8/193.
([390]) المسند 4/126- 127، سنن أبي داوُد 2/506، سنن الترمذي 4/150، سنن ابن ماجة 1/15- 16، سنن الدارمي 1/44- 45 كلهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.
([391]) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم من كبار المعتزلة. انظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة ص 65، سير أعلام النبلاء 9 /402، طبقات المفسرين للداوُدي 1/274- 275 لسان الميزان 3/427.
([392]) الأحكام السلطانية ص 5.
([393]) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (3 /167 - 170) تبيين كذب المفتري (ص 278- 285)، الأعلام للزركلي (4/306).
([394]) الأحكام السلطانية (ص 5)، انظر غياث الأمم في التياث الظلم (ص 15).
([395]) المقدمة (ص 191)، انظر العقائد النسفية (ص 179)، المواقف (ص 395)، التعريفات (ص 35).
([396]) المسند 3/183.
([397]) المسند 4/127.
([398]) صحيح مسلم (3 /1466) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([399]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/281).
([400]) هو هشام بن عمرو الفوطي، شيباني من أهل البصرة، وهو يعتبر من الطبقة السادسة للمعتزلة. انظر طبقات المعتزلة، (ص 61)، وانظر الفرق بين الفرق (ص 159).
([401]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/87، وانظر قول النجدات في عدم وجوب نصب الإمام. مقالات الإسلاميين 1/205.
([402]) لعلها: وتنفذ بها أحكام الشريعة.
([403]) الجامع لأحكام القرآن (1/264)، وانظر أضواء البيان (1/49).
([404]) جامع البيان (5/147)، شرح السنة للبغوي (10/ 50).
([405]) زاد المسير في علم التفسير (2/116).
([406]) جامع البيان (5/150).
([407]) تفسير القرآن العظيم (2/326).
([408]) تفسير القرآن العظيم (5/119).
([409]) المسند (4/127)، سنن أبي داوُد (2/506)، سنن الترمذي (4/150)، سنن ابن ماجة (1/15- 16)، سنن الدارمي (1/44 - 45)، واللفظ لأحمد رحمه الله.
([410]) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي القرشي كان ممن خلع يزيد وخرج عليه، وكان يوم الحرة قائد قريش، كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار وإذ خرج أهل المدينة لقتال مسلم بن عقبة المري الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة، ولما ظفر أهل الشام بأهل المدينة لحق عبد الله بن مطيع بابن الزبير وبقي معه حتى حصر الحجاج ابن الزبير. انظر ترجمته في الإصابة (3/65)، تهذيب التهذيب (6/36).
([411]) لا حجة له: أي: لا حجة له في فعله ولا عدالة ينفعه.
([412]) صحيح مسلم (3/1478).
([413]) تسوسهم الأنبياء: أي: يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه، شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 231)، وانظر فتح الباري (6/497).
([414]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (6/495)، صحيح مسلم (3/1471- 1472).
([415]) فتح الباري (6/497).
([416]) المسند (2/176- 177)، وانظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني (8/106).
([417]) سنن أبي داوُد (2/34).
([418]) الحسبة في الإسلام (ص 5)، وانظر السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص 161)، والحديث في المسند (3/22) من حديث أبي سعيد.
([419]) الأحكام السلطانية (ص 5).
([420]) شرح السنة للبغوي (10/ 84).
([421]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/264- 265)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/49-50).
([422]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 205).
([423]) المقدمة (ص 191)، وانظر الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة (ص 7- 8).
([424]) أي: متغلبون.
([425]) جامع بيان العلم وفضله (2/226- 227).
([426]) جامع بيان العلم وفضله (2/227).
([427]) مناقب الشافعي للبيهقي (1/435). وانظر الرسالة (ص 419- 420).
([428]) جامع بيان العلم وفضله (2/225- 226).
([429]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 160).
([430]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 162- 163.
([431]) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي (ص 533- 545).
([432]) كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة (ص 257- 261).
([433]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 67).
([434]) الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني (ص 23).
([435]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص 64- 66).
([436]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/128).
([437]) جامع بيان العلم وفضله 2/224.
([438]) لمعة الاعتقاد (ص 27- 28) والحديث رواه أحمد في مسنده (4/126) وابن ماجة في سننه (1/15- 16).
([439]) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس (ص 146).
([440]) الوصية الكبرى (ص 33).
([441]) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص 99).
([442]) هو عمر بن علي بن سمرة بن الحسين أبو الخطاب الجعدي: مؤرخ يماني، من القضاة ولد بقرية أنامر (باليمن) سنة سبع وأربعين وخمسمائة وتوفي بعد ست وثمانين وخمسائة. انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (5 /215- 216)، معجم المؤلفين (7/299- 300).
([443]) طبقات فقهاء اليمن (ص 34- 35).
([444]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 205)، وانظر تحفة الأحوذي (6/479- 480).
([445]) تفسير القرآن العظيم (1/125).
([446]) بنو ساعدة: قوم من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن ساعدة ومنهم سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعديان رضي الله عنهما، وسقيفتهم في المدينة بمنزلة دار الندوة التي كانت لقريش في مكة، وكانت السقيفة مكاناً تجتمعون فيه حين يجد ما يدعو إلى تداول الرأي. انظر معجم البلدان 3 /228- 229.
([447]) مسند أحمد (3 /183).
([448]) هما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي. انظر السيرة النبوية لابن هشام، (2/660)، المصنف لابن أبي شيبة (15/ 565).
([449]) الوعك: الحمى بنافض ولذلك زمل: فتح الباري (12/ 151) وانظر النهاية في غريب الحديث (5/207).
([450]) كان خطيب الأنصار ثابت بن قيس فالذي يظهر أنه هو: فتح الباري (12/ 151).
([451]) دافة: أي عدد قليل، وأصله من الدف وهو السير البطيء في جماعة... يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا. فتح الباري، (12/ 151-152)، وانظر النهاية في غريب الحديث (2/124).
([452]) يختزلونا: أي يقتطعونا عن الأمر وينفردوا به دوننا. النهاية في غريب الحديث (2/29)، فتح الباري (12/ 150).
([453]) الحد والحدة: سواء من الغضب... وبعضهم يرويه بالجيم من الجد ضد الهزل. اهـ النهاية في غريب الحديث (1/353).
([454]) الجذيل: تصغير جذل، وهو في الأصل عود ينصب للإبل الجربى لتحتك به، والعذيق: تصغير العذق، وهو النخلة يحملها، والمرجب: اسم مفعول من قولهم: رجب الخلة ترجيباً، إذا بنى حولها دكاناً تعتمد عليه، وذلك إنما يضع إذا كثر ثمرها حتى خيف أن تسقط منه، ولم يرد بالتصغير في الموضعين إلا المدح. انظر النهاية في غريب الحيث والأثر (1/251، 97/12)، قتح البارى (7/31).
([455]) قائل هذا هو: الحباب بن المنذر. فتح الباري. (12/ 153).
([456]) الفرق: بالتحريك الخوف والفزع يقال: فرق يفرق فرقاً النهاية في غريب الحديث (3/438).
([457]) وفي رواية أخرى أخرجها ابن إسحاق أن عمر رضي الله عنه قال: (ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده وتابع الناس) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/278) وقد سمى ابن سعد هذا الرجل بأنه: بشير بن سعد والد النعمان بن بشير. الطبقات الكبرى (3/182) وانظر أيضاً: البداية والنهاية (5/278).
([458]) ونزونا على سعد أي: وقعوا عليه ووطئوه. النهاية في غريب الحديث والأثر 5/44.
([459]) صحيح البخاري (4/179- 180).
([460]) المسند (1/5).
([461]) منهاج السنة (1/43).
([462]) صحيح البخاري (4/248).
([463]) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/280) ثم قال عقبه: وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان المنذري. وانظر الاعتقاد للبيهقي ص 178.
([464]) البداية والنهاية (5/281).
([465]) قال النووي: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر رضي الله عنه فمعناه: انقباضها عن لقائه وليس هذا من الهجران المحرم الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث: (فلم تكلمه) يعني في هذا الأمر أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته. اهـ. شرح النووي (12 /73- 74).
([466]) معنى قول عمر رضي الله عنه: (والله لا تدخل عليهم وحدك) خاف أن يغلظوا عليه في المعاتبة ويحملهم على الإكثار من ذلك لين أبي بكر وصبره عن الجواب عن نفسه، وربما رأى من كلامهم ما غير قلبه فيترتب على ذلك مفسدة خاصة أو عامة، وإذا حضر عمر امتنعوا من ذلك. اهـ. شرح النووي (12/78).
([467]) ذكر البيهقي في كتابه الاعتقاد (ص 179) أن الصديق رضي الله عنه قال في اعتذاره إلى علي وغيره ممن تخلف عن بيعته: أما والله ما حملنا على إبرام ذلك دون من غاب عنه إلا مخافة الفتنة وتفاقم الحدثان: إن كنت لها لكارهاً لولا ذلك ما شهدها أحد كان أحب إلي أن يشهدها منك إلا من هو بمثل منزلتك. اهـ.
([468]) صحيح البخاري (3/55 - 56)، صحيح مسلم (3/2380).
([469]) شرح النووي (12/ 77 - 78).
([470]) البداية والنهاية 5 /281.
([471]) المسند (1/4)، سنن أبي داوُد (2/130)، البداية والنهاية (5 /325).
([472]) البداية والنهاية (5/325).
([473]) أورده الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (5/325) ثم قال عقبه: وهذا إسناد جيد قوي، والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (8/27)، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/121) وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6 /139)، وقال عقبه: وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح.
([474]) انظر البداية والنهاية (5/322).
([475]) انظر البداية والنهاية (5/279).
([476]) انظر السيرة النبوية لابن هشام (2/661)، والطبقات لابن سعد (3/182- 183) البداية والنهاية (5/279- 280) وقال: هذا إسناد صحيح.
([477]) انظر البداية والنهاية (5/280).
([478]) منهاج السنة (1/142).
([479]) انظر صحيح البخاري (2/293).
([480]) التفسير الكبير للرازي (1/260).
([481]) أضواء البيان (1/36).
([482]) الاعتقاد للبيهقي (ص 173- 174).
([483]) جامع البيان (6/285).
([484]) الاعتقاد ص 174.
([485]) انظر صحيح البخاري (4 /248)، المصنف لابن أبي شيبة (15 /570).
([486]) صحيح البخاري (2/288)، صحيح مسلم (4/1854).
([487]) جواثاً: قرية بالبحرين معروفة. انظر معجم البلدان (2/174)، لسان العرب (2/126).
([488]) الجامع لأحكام القرآن (8/147- 148).
([489]) انظر التفسير الكبير للفخر الرازي (16/ 168-169).
([490]) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/121).
([491]) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/121).
([492]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 67)، وانظر مقالات الإسلاميين (2/144)، الاعتقاد للبيهقي (ص 172- 173).
([493]) انظر جامع البيان للطبري (26/ 82- 84)، الاعتقاد للبيهقي (ص 173)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/340).
([494]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 67).
([495]) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/107)، منهاج السنة (1/135).
([496]) صحيح البخاري (2/289)، صحيح مسلم (4/1856- 1857).
([497]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/108).
([498]) فتح الباري 7/24.
([499]) صحيح مسلم 4 / 1856.
([500]) انظر هذا الحديث في صحيح مسلم (3/1567).
([501]) شرح النووي 15/ 154- 155.
([502]) المسند (5/385)- وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (3 /233- 236).
([503]) انظر فيض القدير للمناوي (2/56)، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي (10 /147).
([504]) صحيح البخاري (2/290)، صحيح مسلم (4/1861- 1862) واللفظ له.
([505]) الاعتقاد للبيهقي ص 171.
([506]) صحيح البخاري (2/247- 248)، صحيح مسلم (4/1857) واللفظ له.
([507]) الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس. النهاية (4/150).
([508]) المسند (6/47).
([509]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/108).
([510]) صحيح البخاري (2/288- 289).
([511]) الخوخة: الباب الصغير بين البيتين أو الدارين. شرح النووي، (15/ 151)، النهاية لابن الأثير (2/86).
([512]) صحيح البخاري (2/331).
([513]) الصحيح في تأويل الحديث أن سد الخوخات كان حياً وليس معنوياً، ولذلك بادروا إلى سد الخوخات بالماء والطين. والله أعلم.
([514]) فتح الباري (7/14).
([515]) قوله: فإنكن صواحب يوسف: أي في التظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه اهـ. شرح النووي، (4 /140).
([516]) صحيح البخاري (2/124)، صحيح مسلم (1 /316).
([517]) صحيح البخاري (2/124)، صحيح مسلم (1/313).
([518]) المخضب: بالكسر شبه المركن وهي إجانة تغسل فيها الثياب. النهاية في غريب الحديث (2/39)، شرح النووي (4/136).
([519]) ينوء: أي يقوم وينهض، شرح النووي (4/136).
([520]) صحيح مسلم (1 /311-312).
([521]) شرح النووي (4/137).
([522]) صحيح البخاري (2/124)، صحيح مسلم (1/315).
([523]) صحيح البخاري (2/124- 125).
([524]) المستدرك (3/67).
([525]) الطبقات 3/183.
([526]) هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي. كان رحمه الله مقدماً في أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماض أحمد لما مات وغسله، وروى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. توفي سنة خمس وسبعين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة (1/56- 63).
([527]) المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال. ورقة (43) وهو مخطوط يوجد في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية، وانظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 160).
([528]) البداية والنهاية (5/265).
([529]) الاعتقاد (ص 172).
([530]) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، (4/107)، منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/134-135)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/125) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص 533).
([531]) انظر المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى الفراء (ص 226)، منهاج السنة (1 /134).
([532]) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/107)، منهاج السنة (1/134- 135)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/125)، شرح العقيدة الطحاوية (ص 533).
([533]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/107).
([534]) منهاج السنة (1/139-141) وانظر مجموع الفتاوى (35/47-49).
([535]) تاريخ بغداد (10/ 130- 131).
([536]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 66).
([537]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 67- 68).
([538]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص 65).
([539]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/128).
([540]) الاعتقاد (ص 179- 180).
([541]) الشراس: شدة المعاملة، مختار الصحاح، (ص 346).
([542]) شموس: أي صعب الخلق لسان العرب (61/ 111).
([543]) كتاب الإرشاد (ص 361).
([544]) لمعة الاعتقاد (ص 27).
([545]) الجامع لأحكام القرآن (1/264).
([546]) الضمير عائد إلى أبي بكر رضي الله عنه.
([547]) منهاج السنة (3 /269-270).
([548]) البداية والنهاية (6/340).
([549]) الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة (ص 142-143).
([550]) انظر الطرائف في معرفة مذهب الطوائف لابن طاوُس (1/168) وما بعدها، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي (2/30-47)، مقالات الإسلاميين (1/89)، الفرق بين الفرق (ص 59-60)، الملل والنحل للشهرستاني (1/146).
([551]) الفرق بين الفرق (ص 235)، الملل والنحل للشهرستاني (1/174).
([552]) انظر الملل والنحل للشهرستاني (1/57).
([553]) جاء في كتاب الكافي للكليني (2/15) كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام حديث رقم (1) فقد ذكر بإسناده إلى أبي جعفر عليه السلام قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم ينادِ بشيء كما نودي بالولاية) وانظر ما قاله الخميني في هذا الصدد في كتابه كشف الأسرار (ص 149).
([554]) روى الكليني في الكافي أيضاً: (2/17) حديث رقم (5) عن أبي جعفر عليه السلام أن الإسلام بني على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. قال زرارة: فقلت: أي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال: الصلاة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة عمود دينكم... إلخ).
([555]) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي (2/160-170).
([556]) منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي المطبوع مع كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/36) وانظر تفسير العياشي (1/41)، تفسير فرات الكوفي (ص 13)، كتاب الصافي في تفسير القرآن (1/82-83، ص 138).
([557]) الموضوعات (3 /3).
([558]) هو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي صدوق يهم ويغلو في التشيع. من العاشرة. مات سنة ثمان ومائتين، قال أبو يعلى: (سمعت أبا معمر الهذلي يقول: الأشقر كذاب). وقال ابن معين: (كان من الشيعة الغالية) انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه. كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي (1/249-250)، تهذيب التهذيب (2/335-337).
([559]) هو عمرو بن ثابت، وهو ابن أبي المقدام الكوفي مولى بكر بن وائل ضعيف رمي بالرفض. من الثامنة. مات سنة اثنين وسبعين، وهو رافضي خبيث. انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه في: تهذيب التهذيب (8/9-10)، ميزان الاعتدال (3 /249).
([560]) انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/36)، الميزان في تفسير القرآن محمد حسين الطباطبائي (1/279).
([561]) منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي المطبوع مع كتاب منهاج السنة، (4/36)، المنتقى للذهبي (ص 439).
([562]) منهاج السنة (4/37)، وانظر المنتقى للذهبي (ص 439).
([563]) تفسير التبيان للطوسي (3/485).
([564]) الإمامة في ضوء الكتاب والسنة (2 /98- 99).
([565]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/33- 34) حق اليقين (1/148)، كتاب الصافي في تفسير القرآن (1/268).
([566]) منهاج السنة (4/35).
([567]) مختصر التحفة الإثني عشرية (ص 156).
([568]) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص 156).
([569]) انظر الحديث في مسند أحمد (5/198)، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (6/88) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
([570]) منهاج السنة (4/35).
([571]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/58)، وانظر تفسير العياشي (1/327)، تفسير القمي (1/170)، كتاب الصافي، في تفسير القرآن (1/488).
([572]) انظر جامع البيان للطبري (6/285)، الدر المنثور للسيوطي (3/103).
([573]) منهاج السنة (4/58-60)، وانظر المنتقى للذهبي (ص 451-452).
([574]) ذكر هذا الخبر ابن المطهر الحلي. انظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/2) تفسير فرات الكوفي (ص 38-40)، تفسير العياشي (1/327)، تفسير القمي (1/170)، تفسير الكاشاني المسمى كتاب الصافي في تفسير القرآن (1/430-451).
([575]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/2).
([576]) تفسير التبيان للطوسي (3/559)، وانظر المفصح في إمامة أمير المؤمنين له أيضاً: (ص 129).
([577]) منهاج السنة (1/155- 156).
([578]) منهاج السنة (1/155- 156).
([579]) صحيح البخاري (2/289).
([580]) انظر سنن الترمذي (5/289).
([581]) منهاج السنة (4/6-7).
([582]) انظر تفسير القرآن العظيم (2/597).
([583]) انظر منهاج السنة (4/4).
([584]) مختصر التحفة الإثني عشرية (ص 141-142).
([585]) الضمير يعود إلى علي رضي الله عنه.
([586]) منهاج السنة النبوية (4/8).
([587]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/37)، وانظر تفسير فرات الكوفي (ص 88-89)، تفسير القمي (2/56)، تفسير الكاشاني المسمى الصافي في تفسير القرآن (2/58).
([588]) انظر منهاج السنة (4/37-38).
([589]) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة لابن المطهر مع منهاج السنة (4/25)، وانظر تفسير فرات الكوفي، (ص 103)، تفسير القمي (2/104).
([590]) منهاج السنة النبوية (4/25-26). وانظر المنتقى للذهبي (ص 431).
([591]) تفسير التبيان للطوسي (8/340).
([592]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/20)، وانظر حق اليقين (1/150).
([593]) منهاج السنة (4/20، 21).
([594]) رواه أحمد في المسند (6/292، 304) ورواه الترمذي في سننه (5/30-31).
([595]) منهاج السنة (4 /20).
([596]) مختصر التحفة الإثني عشرية (ص 153).
([597]) منهاج السنة (4/24).
([598]) منهاج السنة (4/21)، وانظر مختصر التحفة الإثني عشرية (ص 149).
([599]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/26-27)، حق اليقين لعبد الله شبر (1/150)، وانظر تفسير القمي (2/275)، تفسير فرات الكوفي (ص 147-150)، تفسير الكاشاني المسمى الصافي في تفسير القرآن، (2/513-514).
([600]) انظر الحديث في صحيح البخاري (3/185).
([601]) انظر هذه الوجوه في منهاج السنة (4/27- 29).
([602]) منهاج السنة (4/30).
([603]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/45)، حق اليقين في معرفة أصول الدين (1/151) وانظر تفسير القمي (2/285).
([604]) انظر جامع البيان لابن جرير الطبري (3/332)، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن (1/314) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/65)، الدر المنثور للسيوطي (2/252- 253).
([605]) انظر هذه الوجوه في منهاج السنة (4/45-46)، المنتقى للذهبي (ص 446).
([606]) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة لابن المطهر الحلي المطبوع مع منهاج السنة (4/42)، وانظر تفسير القمي (2/347) تفسير فرات الكوفي (ص 177-178)، المناقب لمحمد بن علي بن شهر شرب (ص 5)، البرهان في تفسير القرآن للبحراني (4/274).
([607]) المسند (3/420)، (486)، سنن أبي داوُد (2/69).
([608]) صحيح البخاري 2/289.
([609]) انظر هذه الوجوه في منهاج السنة النبوية (4/42-43)، المنتقى للذهبي (ص 442).
([610]) انظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/2-79).
([611]) (ص 161).
([612]) صحيح البخاري (2/300)، صحيح مسلم (4/1870) واللفظ له.
([613]) هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381). انظر ترجمته في تنقيح المقال للمامقاني (3/154).
([614]) معاني الأخبار للصدوق (ص 74).
([615]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/87).
([616]) الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتيب عليهم هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الرببع. انظر قصتهم في صحيح مسلم، (4/2120-2128).
([617]) صحيح مسلم (4/1871).
([618]) انظر الحديث بطوله في مسند الإمام أحمد 1/383- 384، وأورده ابن كثير في تفسيره 3/345- 346.
([619]) تقدم تخريجه قريباً.
([620]) صحيح البخاري (2/300)، صحيح مسلم (4 /1871).
([621]) منهاج السنة (4/87-90)، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (ص 468-470).
([622]) تقدم تخريجه قريباً.
([623]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 221).
([624]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/94-95)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم. (15/174).
([625]) فتح الباري (7/74).
([626]) مختصر التحفة الإثنى عشرية (ص 163-164).
([627]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/97)، العاملي في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، 2/2.
([628]) صحيح البخاري (2 /299- 300)، صحيح مسلم (4 /1872).
([629]) منهاج السنة (4/97-98)، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (ص 472).
([630]) المسند (5/245) سنن أبي داوُد (1/349)، سنن النسائي (3 /53).
([631]) صحيح البخاري (2/290).
([632]) صحيح مسلم (4/1872).
([633]) صحيح البخاري (4/145)، صحيح مسلم (1/106).
([634]) مختصر التحفة الإثني عشرية (ص 169).
([635]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/104)، وأورده الصدوق في كتابه معاني الأخبار (ص 91)، الطرائف في معرفة مذهب الطوائف (ص 113-117)، بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد للصفار (ص 432-433).
([636]) معاني الأخبار للصدوق (ص 92).
([637]) هو علي بن موسى بن طاوُس الحسني الحسيني المتوفي سنة أربع وستين وستمائة، له ترجمة في أول كتابه الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (1/3) وما بعدها.
([638]) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاوُس (1/117).
([639]) صحيح مسلم (4/1873).
([640]) سنن الترمذي (5/328).
([641]) لأن في سنده زيد بن الحسن القرشي أبو الحسن الكوفي صاحب الأنماط وهو ضعيف من الثامنة. قال أبو حاتم: منكر الحديث، الجرح والتعديل (3/560)، ميزان الاعتدال للذهبي (2/102)، تهذيب التهذيب (3 /406)، تقريب التهذيب (1/273)، ويعده الشيعة منهم، وله ترجمة عند المامقاني في كتابه تنقيح المقال في علم الرجال (1/462)، وهو غير محمود عندهم.
([642]) منهاج السنة (4 /104- 105).
([643]) انظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (ص 476).
([644]) حديث الثقلين (ص 24).
([645]) الغدير في الكتاب والسنة والأدب (1/13).
([646]) انظر كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب للأميني (1/9-11) وكتاب الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (1/139-148)، وكتاب اليقين لابن طاوُس (ص 113-115)، الطبرسي في الاحتجاج (1/55)، والصدوق في معاني الأخبار (ص 67) وانظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/84)، حق اليقين (1/153).
([647]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/84)، وانظر حق اليقين لعبد الله شبر (1/154).
([648]) معاني الأخبار (ص 65).
([649]) انظر تفسير ابن كثير (2 /611).
([650]) جامع البيان عن تأويل أي القرآن (6 /307).
([651]) جامع البيان (6/84).
([652]) روح المعاني (6/61).
([653]) منهاج السنة (4/85).
([654]) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في سننه (5/297) من حديث أبي سريحة أو زيد بن أرقم شك شعبة وقال: عقبه هذا حديث حسن غريب، ورواه أحمد في المسند (4 /368) عن زيد بن أرقم (5/361) من حديث بريدة ولفظه: (من كنت وليه فعلي وليه)، ورواه ابن ماجة في سننه (1/45) من حديث سعد بن أبي وقاص كما أخرجه أيضاً من حديث البراء بن عازب (1/43) وقال محققه في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وقد صححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (4 /330 - 344).
([655]) انظر كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة (ص 264).
([656]) منهاج السنة (4/86)، وانظر المنتقى للذهبي (ص 466- 467).
([657]) الاعتقاد للبيهقي (ص 182-183) وانظر تفسير روح المعاني للألوسي (6/195).
([658]) الاعتقاد للبيهقي (ص 182).
([659]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 217-218) والحديث في صحيح مسلم (1/86)، سنن الترمذي (5/299).
([660]) صحيح مسلم 1/86.
([661]) الاعتقاد (ص 181- 182).
([662]) انظر كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي (1/249)، منهاج السنة النبوية (4 /85- 86)، المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (ص 467)، تهذيب التهذيب (2/335- 337).
([663]) منهاج السنة (4/86).
([664]) انظر روح المعاني للألوسي (6/193).
([665]) عقائد الإمامية للزنجاني (1/271).
([666]) الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً وهي اثنا عشر مداً أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. النهاية في غريب الحديث، (3/437).
([667]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/80)، وأورده القمي في تفسيره (2/124)، البرهان في تفسير القرآن للبحراني (3/190-192)، حق اليقين لعبد الله شبر (1/155)، وانظر الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (2/30).
([668]) الإمامة في ضوء الكتاب والسنة (1/136).
([669]) جامع البيان للطبري (19/121-122).
([670]) تفسير البغوي على حاشية الخازن (5/105).
([671]) هو عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاري، رافضي ليس بثقة قال علي بن المديني: كان يضع الحديث ويقال: كان من رؤوس الشيعة، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال البخاري: عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد ليس بالقوي عندهم، وقال أحمد: كان أبو مريم يحدث ببلايا في عثمان، وقال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: متروك الحديث، انظر ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6 /53-54)، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (5 /1964-1965)، منهاج السنة (4/81)، ميزان الاعتدال للذهبي (2/640).
([672]) هو عبد الله بن عبد القدوس التميمي السعدي أبو محمد ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو صالح، قال يحيى بن معين: ليس بشيء رافضي خبيث، وقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، انظر ترجمته في الجرح والتعديل (5/104)، الكامل لابن عدي (4/1514) كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي (2 /279- 280) منهاج السنة (4/81)، تهذيب التهذيب (5/303- 304).
([673]) انظر مجمع الزوائد للهيثمي (6/18-19، 9/217).
([674]) صحيح البخاري مع شرحه، فتح الباري، (8/501)، صحيح مسلم (1/192) واللفظ له.
([675]) منهاج السنة النبوية (4/80-84)، وانظر المنتقى للذهبي، (ص 465-466).
([676]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/99)، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاوس (1/71- 73).
([677]) رواه الترمذي في سننه (5/300) وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/130-131).
([678]) صحيح البخاري (2/229)، صحيح مسلم (4 /1855).
([679]) تقدم تخريجه.
([680]) منهاج السنة النبوية (4/99-100) وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي، (ص 472)، وانظر في شأن تفسير قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى) وما بعدها فإن المفسرين أطبقوا على أن المقصود بها هو أبو بكر رضي الله. انظر جامع البيان للطبري (30 / 228)، زاد المسير لابن الجوزي (9/152)، تفسير البغوي على حاشية الخازن (7 /213)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/310)، الدر المنثور للسيوطي (8/538).
([681]) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/233-234).
([682]) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/225- 233).
([683]) المستدرك (3/131).
([684]) المستدرك (3/131).
([685]) تذكرة الحفاظ (3/1042)، وانظر المنتقى (ص 472)، وانظر طبقات الشافعية للسبكي (4/168-169).
([686]) منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة (4/102-103).
([687]) صحيح البخاري (1/31) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
([688]) دُهْم: أي: عددها كثير. انظر النهاية في غريب الحديث، (3/145).
([689]) بُهْم: البهم من الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه. النهاية (1/ 168).
([690]) صحيح مسلم (1/218).
([691]) صحيح البخاري (1/29)، صحيح مسلم (1/214).
([692]) صحيح البخاري (3/20).
([693]) منهاج السنة (4/103-104)، المنتقى للذهبي (ص 473-475).
([694]) المنتقي من منهاج الاعتدال (ص 475).
([695]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/141).
([696]) الاعتقاد (ص 184)، وأورده الحافظ ابن كثير في البداية وعزاه إلى البيهقي بهذا اللفظ عن أبي وائل وقال عقبه: إسناد جيد ولم يخرجوه: البداية والنهاية (5/282).
([697]) الاعتقاد (ص 184)، ورواه الإمام أحمد بلفظ مقارب. انظر المسند مع الفتح الرباني (23/ 4-5) وأورده بهذا اللفظ المباركفوري في تحفة الأحوذي (6 /478) وقال: أخرجه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن.
([698]) القراب: هو الغلاف الذي يجعل فيه السيف بغمده.
([699]) أي: في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطي دية.
([700]) هو جبل صغير وراء أحد.
([701]) المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم.
([702]) أي: يتولاها، ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة.
([703]) صحيح البخاري (1/321)، صحيح مسلم (2/994- 998) واللفظ له.
([704]) البداية والنهاية (5/283- 284).
([705]) شرح النووي على صحيح مسلم (9/143).
([706]) أي: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت. النهاية لابن الأثير. (2/82).
([707]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (5/356).
([708]) فتح الباري (5/361-362).
([709]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (5/356).
([710]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (2 /253- 257)، فتح الباري (5/362).
([711]) صحيح البخاري (2/248)، صحيح مسلم (3/1454-1455).
([712]) انظر البداية والنهاية (5/284).
([713]) أورده ابن كثير في البداية والنهاية (5 /283).
([714]) صحيح البخاري (1/31) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه مسلم أيضاً في صحيحه (1/10).
([715]) استعز به: أي اشتد به المرض وأشرف على الموت... يقال: عز يعز - بالفتح - إذا اشتد، واستعز به المرض وغيره، واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه. النهاية في غريب الحديث والأثر. 3 /228.
([716]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/199-200)، تاريخ الأمم والملوك للطبري (3/428-429)، كتاب الثقات لابن حبان (2/190-191)، تاريخ عمر لأبي الفرج بن الجوزي (66-67)، الكامل في التاريخ (2/425-426).
([717]) تاريخ عمر لابن الجوزي (ص 66- 67).
([718]) المستدرك للحاكم 3/90 وصححه الذهبي. ورواه أبو بكر الخلال في كتاب (السنة) (ص 277- 278).
([719]) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور (4/119، 122).
([720]) انظر الاعتقاد للبيهقي (ص 173).
([721]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/109-110).
([722]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح مسلم (4/1860-1862).
([723]) انظر صحيح مسلم (4/1861).
([724]) المسند (5/385، 402)، سنن الترمذي (5/271)، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (2/83-84)، وابن سعد في الطبقات (2/334)، ورواه أبو نعيم في الحلية (9/109) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (12/20)، والحاكم في المستدرك (3/75)، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/233-236).
([725]) انظر فيض القدير للمناوي (2/56).
([726]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح مسلم (4/1859-1860).
([727]) فتح الباري (7/46).
([728]) سنن أبي داوُد (2/512)، ورواه أحمد في المسند (5/44)، ورواه الترمذي في سننه (3/369).
([729]) انظر عون المعبود شرح سنن أبي داوُد (13/387).
([730]) أي: تقطر. النهاية في غريب الحديث، (5/75).
([731]) أي: يأخذون منها بأكفهم. انظر النهاية في غريب الحديث، (4/190).
([732]) صحيح البخاري (4/219)، صحيح مسلم (4/1777-1778).
([733]) أي: علق. انظر النهاية في غريب الحديث، (5/141).
([734]) سنن أبي داوُد (2/513).
([735]) المستدرك (3/77) وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
([736]) مجمع الزوائد (5/177)، وقال عقبه: رواه البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح.
([737]) صحيح مسلم 4/1856.
([738]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/ 154).
([739]) أي: أحاطوا به.
([740]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح مسلم (4/1858-1859).
([741]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص 276)، وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/274).
([742]) صحيح البخاري (2/291).
([743]) لوامع الأنوار البهية (2/326).
([744]) الطبقات الكبرى (3/199)، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص 276) الكامل في التاريخ لابن الأثير (3/425).
([745]) أسد الغابة (4/169)، وانظر تاريخ الأمم والملوك (3/428).
([746]) قال ابن الأثير: وفي حدث أبي بكر حين استخلف عمر أنه أشرف من كنيف فكلمهم أي: من سترة، وكل ما ستر من بناء أو حظيرة فهو كنيف. النهاية في غريب الحديث (4/205).
([747]) تاريخ الأمم والملوك (3/428).
([748]) الاعتقاد (ص 188).
([749]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 274).
([750]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/129).
([751]) شرح النووي على صحيح مسلم (12 /206).
([752]) منهاج السنة (1/142).
([753]) شرح الطحاوية (ص 539).
([754]) الرد على الرافضة (ص 283- 284).
([755]) شرح الفقه الأكبر (ص 98).
([756]) الطبقات الكبرى (3/199)، الكامل في التاريخ (2/425)، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص 276).
([757]) انظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 276).
([758]) في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أن الصحابة قالوا له: (استخلف فقال: أتحمل أمركم حياً وميتاً؟ لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني (يعني أبا بكر) وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف). صحيح مسلم (3/1454).
([759]) انظر البداية والنهاية لابن كثير (7/158 - 159).
([760]) صحيح البخاري (2/297-299).
([761]) قال ابن الأثير: الهجع والهجعة، والهجيع: طائفة من الليل، والهجوع: النوم ليلاً، النهاية في غريب الحديث (5/247).
([762]) أي: انتصف الليل وبهرة كل شيء وسطه (انظر الفائق في غريب الحديث) (4/94)، النهاية في غريب الحديث والأثر (1/165).
([763]) صحيح البخاري (4/245 - 246).
([764]) فتح الباري (13/ 207).
([765]) في صحيح مسلم (4/1405) قال عبد الله بن عمر مخاطباً لأبيه: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك مستخلف وإنه لو كان لك راعي إبل وراعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله عز وجل يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف... الحديث.
([766]) منهاج السنة (3 /164).
([767]) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/109-110).
([768]) صحيح البخاري (2/296)، صحيح مسلم (4/1867).
([769]) سنن أبي داوُد (2/512).
([770]) سنن أبي داوُد (2/513).
([771]) الدين الخالص (3/445).
([772]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح صلم (4/1860-1862)، سنن أبي داوُد (2/511-512).
([773]) شرح ابن القيم على سنن أبي داوُد على حاشية عون المعبود (13/383-386).
([774]) المستدرك (3/99) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
([775]) سنن الترمذي (5/291-292)، المسند (4/235)، وابن ماجة (1/41).
([776]) المسند (4/236).
([777]) المسند (4/243).
([778]) سنن الترمذي (5/292) وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب.
([779]) الدين الخالص (3/446).
([780]) سنن الترمذي (5/295)، وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.
([781]) تحفة الأحوذي (10/209).
([782]) المستدرك (3/99)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، سنن ابن ماجة (1/42).
([783]) الدين الخالص (3/446).
([784]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/96).
([785]) صحيح البخاري (2 /297).
([786]) منهاج السنة (3 /165).
([787]) المصنف (14/588).
([788]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 306).
([789]) ميزان الاعتدال (2/273).
([790]) فتح الباري (13/198).
([791]) فتح الباري (13/198).
([792]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 306).
([793]) الطبقات الكبرى (3/63) وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم (ص 307) وقوله: ولم نأل أي لم نقصر في اختيار الأفضل.
([794]) صحيح البخاري (4/245- 246).
([795]) مناقب الشافعي للبيهقي (1/434-435).
([796]) الرد على الرافضة (ص 319- 320).
([797]) منهاج السنة (3 /166).
([798]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 68).
([799]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 299-300).
([800]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/129).
([801]) منهاج السنة (1/143).
([802]) البداية والنهاية (7/159-161).
([803]) انظر البداية والنهاية (7/161).
([804]) تاريخ الأمم والملوك لابن جرير (4/238-239).
([805]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/62).
([806]) البداية والنهاية (7/161).
([807]) الطبقات لابن سعد (3 /31).
([808]) المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ق 62/ أ، ب، تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/427)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (3/190-191).
([809]) عند ابن الأثير (وحكمك جائز على الأمة) الكامل (3/192).
([810]) تاريخ الأمم والملوك (4/433-435)، الكامل (3/192-193).
([811]) هو سيف بن عمر التميمي صاحب كتاب الردة، ويقال له: الضبي ويقال غير ذلك الكوفي، ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ. من الثامنة، مات زمن الرشيد. انظر ترجمته في الميزان للذهبي (2/255-256)، التهذيب (4/295-296)، التقريب (1/244).
([812]) البداية والنهاية (7/247)، وانظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (3/192).
([813]) المسند (1/64)، صحيح البخاري مع الفتح، (7 /89)، المستدرك (3/363).
([814]) من كلام محب الدين الخطيب في تعليقه على العواصم في القواصم (ص 143).
([815]) البداية والنهاية (7/245).
([816]) انظر منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة (ص 74) (مخطوط) برقم (253) في مكتبة عارف حكمت بالمدينة.
([817]) رواه أحمد في المسند (4/126- 127)، سنن أبي داوُد (2/506)، سنن ابن ماجة (1/16)، سنن الترمذي (4/150)، سنن الدارمي (1/45).
([818]) المستدرك (3/122-123) وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، والحديث رواه أحمد في المسند (3/31، 33، 82)، تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي (ص 118-119)، وأبو نعيم في الحلية (1/67).
([819]) إحدى فرق الخوارج وسيأتي التعريف بها في الباب الرابع.
([820]) هذه الأحاديث في صحيح مسلم (2/745-746).
([821]) شرح النووي على صحيح مسلم (7/166).
([822]) منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة (ص 75 - 76) مخطوط، وانظر شرح النووي (7/166).
([823]) ويح: كلمة رحمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها يرثى له، قال الأصمعي: الويل: قبوح، والويح: ترحم. غريب الحديث لابن الجوزي، (2/486)، الفائق في غريب الحديث (4/85)، النهاية في غريب الحديث (5 /235).
([824]) صحيح البخاري (1/89).
([825]) قال ابن الأثير: ومنه حديث عمار رضي الله عنه (بؤس ابن سمية) كأنه ترحم له من الشدة التي يقع فيها اهـ. النهاية في غريب الحديث (1 /89).
([826]) صحيح مسلم (4 /2235).
([827]) صحيح مسلم (4/2236).
([828]) مجموع الفتاوى (4/437-438).
([829]) فتح الباري (1/542).
([830]) شرح النووي على صحيح مسلم (18/40-41).
([831]) فتح الباري (6/619).
([832]) سنن أبي داوُد (2/514-515).
([833]) سنن الترمذي (3/341)، والحديث في المسند (5 /220- 221).
([834]) جامع بيان العلم (2/225)، وانظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص 235).
([835]) كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (ص 235).
([836]) هذه الرسالة بالمكتبة الظاهرية بخطه في مسودته (ق 2/81-2/84) كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1/200).
([837]) شرح العقيدة الطحاوية (ص 545)، والحديث في سنن أبي داوُد (3/514- 515).
([838]) الطبقات الكبرى (3/31).
([839]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/573).
([840]) منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين (ص 77- 78) وانظر فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/577).
([841]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 78)، وانظر مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/346).
([842]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص 360-361).
([843]) كتاب أصول الدين (286- 287).
([844]) الاعتقاد (ص 193).
([845]) كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص 362- 363).
([846]) ذكره عنه العلامة ابن قدامة في كتابه منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين (ص 77) وانظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (2/346).
([847]) الاقتصاد في الاعتقاد (ص 154).
([848]) العواصم من القواصم (ص 142).
([849]) الوصية الكبرى (ص 33).
([850]) فتح الباري (7 / 72).
([851]) العواصم من القواصم لابن العربي (ص 144) وانظر تاريخ الأمم والملوك (4/431، 435) وانظر أيضاً الكامل في التاريخ لابن الأثير (3/193)، النهاية لابن الأثير (4/234)، البداية والنهاية (7/247).
([852]) بل إنها أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل فقد ذكر العلامة ابن الأثير في كتابه النهاية في غريب الحديث (4/234) أنها لغة طيء.
([853]) العواصم من القواصم (ص 144).
([854]) تاريخ الأمم والملوك (4/428)، الكامل لابن الأثير (3/191).
([855]) تاريخ الأمم والملوك (4/433)، البداية والنهاية (7/247).
([856]) العواصم من القواصم (ص 144 - 145).
([857]) انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/432)، البداية والنهاية (7/246).
([858]) العواصم من القواصم (ص 146- 147).
([859]) العواصم من القواصم (145).
([860]) العواصم من القواصم (ص 147)، وانظر كتاب التمهيد للباقلاني (ص 233-234).
([861]) منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين (ص 76- 77).
([862]) انظر منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين (ص 77).
([863]) العواصم من القواصم (ص 145- 146).
([864]) لمع الأدلة في عقيدة أهل السنة، (ص 115) مخطوط نقلاً عن كتاب أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ (ص 115).
([865]) الاعتقاد (ص 168-169).
([866]) الاعتقاد.
([867]) ذكره عنه البيهقي بالإسناد في كتابه الاعتقاد، (ص 196- 197).
([868]) شرح العقيدة الطحاوية (ص 533-545).
([869]) انظر صحيح البخاري (2/288)، صحيح مسلم (4/1963).
([870]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص 66- 67).
([871]) انظر تاريخ الطبري (4/365) وما بعدها، الكامل لابن الأثير (3 /178)، البداية والنهاية (7/186).
([872]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/462-464، 5/6)، الكامل في التاريخ (3/212-213)، (ص 286)، البداية والنهاية (7/251-253، ص 281-282).
([873]) البداية والنهاية (7/248-249)، انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/437)، الكامل لابن الأثير (3/195-196).
([874]) تاريخ ابن جرير الطبري (4/442)، كتاب الكامل لابن الأثير (3/201)، البداية والنهاية (7/349-250).
([875]) البداية والنهاية (7/248).
([876]) الطومار: الصحيفة لسان العرب (4/503).
([877]) الموتور: الطالب بالثأر النهاية في غريب الحديث والأثر، (5/148).
([878]) تاريخ الطبري (4/444).
([879]) أي يهدر انظر النهاية (3/136)، المصباح المنير (2/377).
([880]) تاريخ الطبري (4/573)، الكامل لابن الأثير (3/285-286). البداية والنهاية (7/280).
([881]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (7/283).
([882]) البداية والنهاية (7/250).
([883]) البداية والنهاية (7/250).
([884]) تاريخ الأمم والملوك (4/455)، الكامل (3/221-222)، البداية والنهاية (7/255).
([885]) الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة (4/225) ورواه مسلم أيضاً (4/2212).
([886]) ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وببن واسط... وفيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس معجم البلدان، (4/293).
([887]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/477-478)، الكامل (3/227-232)، البداية والنهاية (7/257-258).
([888]) أي: الطلب. انظر لسان العرب (8/430).
([889]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/158).
([890]) العواصم من القواصم (ص 151).
([891]) هو محمد بن أحمد بن رشد (الجد) المتوفي سنة عشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في (الغنية) للقاضي عياض (ص 122-123).
([892]) البيان والتحصيل (16/ 360).
([893]) فتح الباري (13/ 56).
([894]) أي: خبر قتل عثمان رضي الله عنه.
([895]) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (251).
([896]) الحفير: ماء لباهلة بينه وبين البصرة أربعة أميال. معجم البلدان، (2/277).
([897]) تاريخ الأمم والملوك (4/461- 462)، الكامل (3/211)، البداية والنهاية (7/252).
([898]) تاريخ الأمم والملوك (4/448)، الكامل لابن الأثير (3/233)، البداية والنهاية (7/259).
([899]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (7/261).
([900]) العواصم من القواصم (ص 152).
([901]) العواصم من القواصم (ص 154).
([902]) منهاج السنة (2/185).
([903]) فتح الباري (7/108).
([904]) البداية والنهاية (7/261).
([905]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/506)، الكامل لابن الأثير (3/242)، البداية والنهاية (7/261).
([906]) تاريخ الأمم والملوك (4/505)، الكامل لابن الأثير (3/241- 242).
([907]) تاريخ الأمم والملوك (4 /493)، وانظر البداية والنهاية (7/260).
([908]) البداية والنهاية (7/260).
([909]) البداية والنهاية (7/260).
([910]) تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/506-507)، الكامل لابن الأثير (3/242) البداية والنهاية (7/261-362)، فتح الباري (13/56).
([911]) البداية والنهابة (7/262).
([912]) أي: لا يجهز عليه. النهاية في غريب الحديث، (2/162).
([913]) البداية والنهاية (7/262).
([914]) ذكره ابن كثير في البداية (7/262).
([915]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/535)، البداية والنهاية (7/264)، الرياض النضرة (4 /288).
([916]) البداية والنهاية (7/264، 270)، الرياض النضرة في مناقب العشرة (4/266).
([917]) انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/513)، البداية والنهاية (7/264).
([918]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/533 - 534)، البداية والنهاية (7/266- 267).
([919]) تاريخ الأمم والملوك (4/538-539)، البداية والنهاية (7/267).
([920]) هي دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار كانت بالبصرة، تاريخ الطبري (4/539)، البداية والنهاية (7/267 - 269).
([921]) البداية والنهاية (7/268- 269).
([922]) الإحكام في أصول الأحكام (2/ 85).
([923]) المقصود بالإشارة إلى الصحابة الذين اقتتلوا في موقعة الجمل.
([924]) انظر المصنف لابن أبي شيبة (15/ 208- 209)، المصنف لعبد الرزاق (11/ 450)، المستدرك (3/95).
([925]) منهاج السنة (2/185).
([926]) صفين: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس، وفيه كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في شهر صفر سنة (37) هجرية. معجم البلدان (3/414).
([927]) النخيلة تصغير نخلة. موضع قرب الكوفة على سمت الشام، وهو الموضع الذي خرج إليه علي رضي الله عنه. معجم البلدان (5/278).
([928]) تاريخ الأمم والملوك (4/563-565)، الكامل (3/276-279)، البداية والنهاية (7/276- 277).
([929]) انظر تاريخ الأمم والملوك (4/573)، الكامل لابن الأثير (3/285-286)، البداية والنهاية (7/280).
([930]) انظر تاريخ الطبري (4/784- 575)، (5/5) الكامل (3 /286- 287)، (ص 289)، البداية والنهاية (7/280- 281).
([931]) انظر تاريخ الطبري (5/12-48)، الكامل (3/294-315)، البداية والنهاية (7/284-297).
([932]) انظر تاريخ الأمم والملوك (5/48)، الكامل (3/316-318)، البداية والنهاية (7/298).
([933]) انظر تاريخ الطبري (5/48- 49)، الكامل (3/316- 318)، البداية والنهاية (7/298- 299).
([934]) أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. معجم البلدان، (1/129).
([935]) البداية والنهاية (7 /302- 303)، (ص 308- 309)، وانظر تاريخ الأمم والملوك (5/67)، الكامل في التاريخ (3/329).
([936]) دومة الجندل: اسم مكان على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعضهم يعدها من أعمال المدينة. معجم البلدان (2/486).
([937]) ذكره ابن العربي في العواصم من القواصم (ص 174- 176)، وانظر تاريخ الأمم والملوك (5/71)، الكامل لابن الأثير (3/332- 333)، البداية والنهاية (7/309- 310) ومروج الذهب (2/684 - 685).
([938]) العواصم من القواصم (ص 177).
([939]) انظر تاريخ الطبري (5/70- 71)، الكامل لابن الأثير (3 /332- 333)، مروج الذهب (2/684- 685).
([940]) انظر تاريخ الطبري (5/70)، الكامل (3/332- 333)، مروج الذهب (2/684- 685).
([941]) فتح الباري (12/284).
([942]) فتح الباري (13/56).
([943]) كانت عادة ابن عمر رضي الله عنه عدم البيعة في حال الاختلاف، وكان يبايع عند اجتماع الكلمة، فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر أنه قال: (ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة)، أورده الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (13/ 195).
([944]) أي: اترك الكلام لمن هو أكبر منك سناً.
([945]) الحديث متفق عليه، انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/178).
([946]) الفصل في الملل والنحل (4/159-161)، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/306).
([947]) أي: تنازعوا.
([948]) ديوان ذي الرمة (ص 361-362)، معجم البلدان (1/130).
([949]) كان اليمن حينذاك مقسماً إلى مخلافين، والمخلاف بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء هو بلغة أهل اليمن وهو الكورة والإقليم، والرستاق بضم الراء وسكون المهملة بعدها مثناة وآخرها قاف، وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكان من عمله الجند بفتح الجيم والنون، وله بها مسجد مشهور إلى اليوم، وكانت جهة أبي موسى السفلى والله أعلم. فتح الباري (8/61)، وقد ذكر ياقوت أن اليمن مخاليف كثيرة. انظر معجم البلدان (5/67-70).
([950]) انظر الحديث بطوله في صحيح البخاري (3/72).
([951]) فتح الباري (8/62).
([952]) البداية والنهاية (6/245).
([953]) انظر العواصم من القواصم لابن العربي (ص 169-170)، أحكام القرآن له أيضاً (4/1717-1718).
([954]) المسند (2/313)، صحيح البخاري (4/231) صحيح مسلم (4/2214).
([955]) فتح الباري (12/303).
([956]) المسند (3/48)، صحيح مسلم (2/745).
([957]) البداية والنهاية لابن كثير (7/305) والحديث في صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (13/318).
([958]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (13/61).
([959]) الاعتقاد للبيهقي (ص 198)، وانظر فتح الباري (13/66).
([960]) في صحيح مسلم (2/746) (تكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق).
([961]) تاريخ الأمم والملوك (4/496)، الكامل لابن الأثير (3/337-338)، البداية والنهاية (7/261).
([962]) الطبقات الكبرى (3/113)، والبيهقي في الاعتقاد (ص 195).
([963]) المصنف (15/ 303)، وأورده الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء (3/144).
([964]) المصنف لابن أبي شيبة (15/ 332).
([965]) الكامل في التاريخ (3/257-258).
([966]) انظر تاريخ ابن جرير الطبري (4/538)، الكامل لابن الأثير (3/55)، البداية والنهاية (7/267).
([967]) انظر تاريخ الطبري (4/538).
([968]) مناقب الشافعي للرازي (ص 136)، والإنصاف للباقلاني (ص 69) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/122)، الطبقات الكبرى لابن سعد (5/394).
([969]) ذكره عنه الرازي في مناقب الشافعي (ص 136).
([970]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (7/303).
([971]) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (16 /332).
([972]) القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (16 /332).
([973]) ذكره الباقلاني في كتابه الإنصاف، (ص 69).
([974]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 164).
([975]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 126).
([976]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 126).
([977]) الإبانة عن أصول الديانة (ص 78).
([978]) رسالته المشهورة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني (ص 23).
([979]) الإمامة والرد على الرافضة (ص 343).
([980]) كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة (ص 268).
([981]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، (13/ 61).
([982]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص 67- 69).
([983]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/129).
([984]) البيان والتحصيل (16/360-361).
([985]) انظر صحيح البخاري (2/292)، صحيح مسلم (4/1967)، مسند أحمد (3 /11).
([986]) انظر سنن (5 /307- 308)، سنن ابن ماجة (1 /46)، جامع الأصول (10/ 5).
([987]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/105، 110)، الاعتقاد للبيهقي (ص 195)، وانظر البداية والنهاية (7/272).
([988]) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7 /272)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (4 /289).
([989]) الجامع لأحكام القرآن (16 /321- 322).
([990]) شرح النووي (18/11).
([991]) شرح النووي (15/ 149).
([992]) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس (ص 173).
([993]) سير أعلام النبلاء (10/ 92).
([994]) الباعث الحثيث (ص 182).
([995]) فتح الباري (13/ 34).
([996]) انظر في تفصيل هذا الموضرع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (4/434).
([997]) هو: العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي ثقة، ثبت فاضل من السادسة. مات سنة ثمان وأربعين. تقريب التهذيب، (2/89)، التهذيب (8/163-164).
([998]) التحريش: هو الإغراء بين الناس. مختار الصحاح (ص 130)، لسان العرب (6/279).
([999]) كتاب الشرح والإبانه على أصول السنة والديانه لابن بطة (ص 165).
([1000]) أي: تشجعوهم. انظر لسان العرب، (4 /136).
([1001]) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (18 / 33).
([1002]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/37)، تاريخ الطبري (5/143)، الكامل لابن الأثير (3/387) البداية والنهاية (7/387) وانظر تاريخ خليفة بن خياط (ص 199) الطبقات له (ص 5).
([1003]) سنن الترمذي (3 / 341).
([1004]) المسند (220/5- 221).
([1005]) سنن أبي داوُد (2/515).
([1006]) أحكام القرآن لابن العربي (4/1720).
([1007]) شرح النووي على صحيح مسلم (12 / 201).
([1008]) يشير إلى باب عقده في البداية والنهاية وعنون له هكذا: باب في دلائل النبوة الحسية وهي سماوية وأرضية. وهذا الباب في الجزء السادس ص 87 والحديث الذي أشار إليه أورده في نفس الجزء (ص 250).
([1009]) البداية والنهاية (8/18).
([1010]) شرح الطحاوية (ص 545).
([1011]) فيض القدير (2/409).
([1012]) الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش، والجمع: الكتائب، النهاية في غريب الحديث (4/148).
([1013]) صحيح البخاري (2/114).
([1014]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/376).
([1015]) منهاج السنة (2/202).
([1016]) أحكام القرآن لابن العربي (4/1719 - 1720).
([1017]) البداية والنهاية (8/18).
([1018]) مسكن: موضع قريب من أوانا على نهر دجيل. معجم البلدان (5/127).
([1019]) البداية والنهاية (6/250).
([1020]) البداية والنهاية (8/21).


عدد مرات القراءة:
945
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :