معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

بيان منزلة الصحابة رضي الله عنهم عند أهل السنة ..
الكاتب : د. ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

 المراد بأهل السنة: 

المراد بـأهل السنة الذين نريد بيان عقيدتهم في الصحابة رضي الله عنهم في هذه الرسالة، هم: المتمسكون بما جاء في الكتاب والسنة والتزموا بما فيهما قولاً وعملاً، وكان معتقدهم موافقاً لما جاء فيهما، وموافقاً لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان، وأتباعهم من أئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة وعرف عظم شأنهم في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي: كـالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجبرية والمعتزلة والكرامية ونحو هؤلاء، وقد بين جماعة من أهل العلم المراد من أهل السنة:

فقد قال أبو محمد بن حزم معرفاً أهل السنة: وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم -أي أهل السنة - الصحابة رضي الله عنهم، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم([13]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -مبيناً المراد من لفظة كلمة (أهل السنة)-: فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات للّه تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة([14]).

وعرفهم محمد صديق حسن خان بقوله: أهل السنة والجماعة هم المحدثون المتبعون الموحدون المقتدون بكتاب الله العزيز، وسنة رسوله المطهرة([15]).

وقال محمود شكري الألوسي في صدد رده على الشيعة الرافضة في دعواهم أنهم الفرقة الناجية، المتبعون لأهل بيت النبوة قال: بل الحق الحقيق بالقبول أن أهل السنة هم أتباع بيت الرسول، وهم السالكون طريقتهم، والمجيبون دعوتهم والأئمة الأطهار كانوا على ما عليه أهل السنة الأخيار، كيف لا وأبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء الأعلام، قد أخذوا العلم عن أولئك الأئمة العظام، والحمد لله على ذلك الإنعام([16]).

وقال صاحب([17]) كتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني: اعلم أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة، الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطريق والعبادات، فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه، حتى الهدى والسمت([18]) ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافاً للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافاً للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة، وتطلق أيضاً: على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، وللكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله: «الحج عرفة»([19])، أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة: مثل كتاب السنة للالكائي، والسنة لـأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لـابن خزيمة، والسنة لـعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية([20]).

وقد اشتهر ناس بالإمامة في مذهب أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء: الإمام أحمد والإمام مالك والإمام الشافعي وأبو حنيفة والليث بن سعد والأوزاعي وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام، الذين لهم لسان صدق في الأمة([21]).

وقد وصف الإمام أحمد بأنه إمام أهل السنة([22])؛ وذلك لأنه انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، فصار إماماً في السنة أظهر من غيره([23]).

وممن اشتهر بالذب عن مذهب أهل السنة والجماعة، وحارب أهل البدع من فلاسفة ومتكلمين ومتصوفة ومتزندقين، وغيرهم من أهل الأهواء الضالين: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبدفاعهما وذبهما عن مذهب أهل السنة؛ انكشف زيف الكثير من المذاهب المنحرفة عن طريق أهل السنة والجماعة، والتي كادت أن تطبق المعمورة، ولكن بفضل الله تعالى ثم بمجاهدة هذين الإمامين نصرة لدين الله تعالى ظهر مذهب أهل السنة، وعلا على جميع المذاهب الباطلة، حتى عرف الكثير من أولي الألباب أن الخير كل الخير في التمسك بالكتاب والسنة والاقتداء بالسلف الصالح الذين كانوا في صدر هذه الأمة، فإذن المراد بـأهل السنة: هم الذين يلتزمون في أقوالهم وأعمالهم بما دل عليه الكتاب والسنة، ويردون ما تنازع فيه الناس إليهما، إذعاناً وامتثالاً لقول الباري سبحانه وتعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:59]، وهذه الميزة من أبرز صفاتهم؛ لأن غيرهم من الطوائف لم يلتزموا ذلك التزاماً كاملاً، والناظر في أحوال الفرق من غير أهل السنة، يجد أنهم يردون بعض الأحاديث الصحيحة، ويتأولون الآيات الواضحة الصريحة، بدعوى أنها تتعارض مع العقل وتصادمه، كما في آيات الصفات وأحاديثها، حيث لم يثبتها جميعها إلا السلف الصالح وأتباعهم أهل السنة والجماعة.

 تعريف الصحابة: 

جاء في القاموس: (استصحبه: أي دعاه إلى الصحبة ولازمه)([24]).

وفي الصحاح للجوهري: (كل شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه)([25]).

وقال أبو بكر محمد بن الطيب: (لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول (صحابي) مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً... يقال: صحبت فلاناً حولاً ودهراً وسنة وشهراً ويوماً وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيرة، وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار([26]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها)([27]).

وأما تعريف الصحابي في عرف علماء الحديث، فقد اختلفت أقوالهم في ذلك اختلافاً كثيراً:

فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه([28]).

وروى الخطيب البغدادي بإسناده إلى عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بدر فقال: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء -أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه، له الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه ونظر إليه([29]).

وقال علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار، فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم([30]).

وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه كان يقول: (الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين)([31])، وتعريف سعيد بن المسيب هذا تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: (والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا في حجة الوداع)([32]).

وذكر ابن الأثير في كتابه أسد الغابة عن الواقدي أنه قال: ورأينا أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله وقد أدرك الحلم فأسلم، وعقل أمر الدين، ورضيه؛ فهو عندنا ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام([33]).

وقال أبو نعيم الأصبهاني معرفاً الصحابي: من عرف بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، أو روى عنه، أو رآه من الذكور والإناث([34]).

وقال أيضاً في تعريف آخر: هو: من ثبتت له عن الرسول صلى الله عليه وسلم رواية، أو صحت له صحبة وولاية([35]).

وقال أبو محمد بن حزم: أما الصحابة رضي الله عنهم، فهو كل من جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه السلام أمراً يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه عليه السلام... فمن كان كمن وصفنا أولاً فهو صاحب([36]).

وجاء في أسد الغابة أن أبا حامد الغزالي قال: لا يطلق اسم الصحبة إلا على من صحبه، ثم يكفي في الاسم من حيث الواضح الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته. اهـ([37]).

والتعريفات التي وضعها العلماء للصحابة كثيرة، ولكن التعريف الصحيح المعتمد: هو ما قرره الحافظ ابن حجر بقوله: وأصح ما وقفت عليه من ذلك، أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام!. ثم شرح التعريف فقال: فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، وقولنا: به يخرج من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة. ويدخل في قولنا: مؤمناً به، كل مكلف من الجن والإنس... وخرج بقولنا: ومات على الإسلام، من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله.. ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد. اهـ([38]).

 بم يعرف الصحابي: 

لقد وضع العلماء رحمهم الله طرقاً وضوابط لمعرفة كون الشخص صحابياً، وتلك الطرق أو الضوابط هي:

1- أن تثبت صحبته بطريق التواتر المقطوع به لكثرة ناقليه، أن فلاناً من الصحابة، وذلك كـأبي بكر وعمر وبقية العشرة، وناس آخرون من الصحابة رضي الله عنهم.

2- أن تثبت الصحبة للشخص عن طريق الاستفاضة والشهرة.

3- أن يروى عن أحد من الصحابة أن فلاناً له صحبة، وكذا عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح.

4- أن تثبت الصحبة بإخباره عن نفسه إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة، بقوله: أنا صحابي([39]).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ضابطاً، يستفاد منه معرفة جمع كثير يكتفى فيهم بوصف يدل على أنهم صحابة، وهذا الضابط مأخوذ من أمور ثلاثة:

أحدها: أنهم كانوا لا يؤمرون في المغازي إلا الصحابة، فمن تتبع الأخبار الواردة في حروب الردة والفتوح وجد من ذلك الشيء الكثير.

الثاني: قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له)([40])، وهذا أيضاً يؤخذ منه شيء كثير.

الثالث: لم يبق بـمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد حجة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجوداً اندرج فيهم؛ لحصول رؤيتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يرهم هو([41]).

 طبقات الصحابة: 

إن الصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في مراتبهم، من حيث السبق إلى الإسلام أو الهجرة أو شهود المشاهد الفاضلة، وقد ذكر العلماء أنهم على اثنتي عشرة طبقة:

الطبقة الأولى: قوم أسلموا بـمكة: مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم رضي الله عنهم.

الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، حيث بايعه جماعة فيها على الإسلام.

الطبقة الثالثة: المهاجرة إلى الحبشة.

الطبقة الرابعة: الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة الأولى، يقال: فلان عقبي، وفلان عقبي.

الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.

الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بـقباء، وهو يبني المسجد.

الطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»([42]).

الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18].

الطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح، ومن هؤلاء خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، وغيرهم، وفيهم كثرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر؛ قصده خلق كثير من كل ناحية من أجل الهجرة.

الطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح، وهم جماعة من قريش.

الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها، وعدادهم في الصحابة، ومن هؤلاء: السائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير، فإنهما قدما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهما، ومن هؤلاء أيضاً: أبو الطفيل عامر بن واثلة وأبو جحيفة وهب بن عبد الله، فإنهما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطواف وعند زمزم([43]).

هذه طبقات الصحابة كما ذكرها أهل العلم من المحدثين وغيرهم.

قال العلامة ابن الصلاح: (وإذا نظرنا إلى تفاوت الصحابة في سوابقهم ومراتبهم، كانوا بضع عشرة طبقة([44])، ومن العلماء من زاد على ذلك([45]).

وأما العلامة محمد بن سعد، فقد جعلهم خمس طبقات:

الأولى: البدريون.

الثانية: من أسلم قديماً ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة وشهدوا أحداً فما بعدها.

الثالثة: من شهد الخندق فما بعدها.

الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها.

الخامسة: الصبيان والأطفال ممن لم يغزُ، سواء حفظ عنه -وهم الأكثر- أم لا([46]). وقد ذهب أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي إلى أن طبقات الصحابة سبع عشرة طبقة([47]).

ويلاحظ على من ذهب إلى أن طبقاتهم أقل من اثنتي عشرة طبقة، أنه ترك كثيراً من مواقف الفضل لم يذكرها مثل: العقبة الأولى، والثانية، فإن لأصحابها فضلاً زائداً على غيرهم لم ينله سواهم، وأما من ذكر أنهم أكثر من اثنتي عشرة طبقة، يلاحظ في ذلك أن بعض تلك الطبقات يدخل بعضها في بعض. فطبقاتهم رضي الله عنهم اثنتا عشرة طبقة، وهذه الطبقات لأولئك الأخيار نالوها حسب منازلهم في الدين والإيمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال العلامة ابن عبد البر في خطبة الاستيعاب، قال الله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ...)) [الفتح:29] الآية، إلى أن قال: وليس كذلك جميع من رآه وآمن به، وسترى منازلهم من الدين والإيمان، والله تعالى قد فضل بعض النبيين على بعض، وكذلك سائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين([48]).

 عددهم رضي الله عنهم: 

انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد دخل الناس في دين الله أفواجاً، وجاءوا إليه من كل حدب وصوب، من جميع أنحاء الجزيرة العربية، ولهذا فليس من الممكن حصرهم رضي الله عنهم، ولا عدهم إجمالاً، فضلاً عن تفصيلهم، إذ أنهم تفرقوا في نواحٍ شتى وفي كثير من البلدان.

فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك أنه قال: (والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ)([49]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفاً)، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدي بسند آخر موصول، وزاد: أنه كان معهم عشرة آلاف فرس([50])... وقد نقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفاً، ولا تخالف الرواية التي في الإكليل (أكثر من ثلاثين ألفاً) لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفاً جبر الكسر([51]).

وتعقب السخاوي هذا الجمع بقوله: فيمكن أن يكون ذلك في ابتداء خروجهم، كما يشعر به قوله خرجنا وتكاملت العدة بعد ذلك، ووقع لشيخنا في الفتح هذا السهو، حيث عين قول أبي زرعة في تبوك بأربعين ألفاً، وجمع بينه وبين قول معاذ أكثر من ثلاثين ألفاً باحتمال جبر الكسر، وجاء ضبط من كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بـمكة بأنهم خمسة عشر ألف عنان([52])، قاله الحاكم، ومن طريقه أبو موسى([53]) في الذيل، بل عنده عن ابن عمر أنه قال: (وافى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بعشرة آلاف من الناس، ووافى حنيناً باثني عشر ألفاً، وقالوا: لن تغلب اثنا عشر من قلة)([54])، وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع عدد كثير جداً، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه واصفاً هذه الكثرة: (نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك). وفي نفس هذا الحديث يقول جابر: (فقدم المدينة بشر كثير)([55]).

وقال العلامة ابن الصلاح رحمه الله تعالى: روينا عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً.

وروينا عن أبي زرعة أيضاً أنه قيل له: أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن قال ذا قلقل الله أنيابه؟ هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، وفي رواية: فقيل له: يا أبا زرعة هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة وأهل مكة، ومن بينهما والأعراب، ومن شهد حجة الوداع: كل رآه وسمع منه بعرفة([56]).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وأما جملة الصحابة، فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبي زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف وعشرين ألفاً([57]). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة تبوك (والناس كثير لا يحصيهم ديوان)([58]).

وقال ابن الأثير: وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرون، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألفاً سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوه حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً، وكذلك المدينة أيضاً: وكل من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين، فهؤلاء كلهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلهم له صحبة([59]). وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في عدد الصحابة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم على أقوال:

1- فعن الإمام الشافعي -كما في مناقبه للآبري والساجي من طريق ابن عبد الحكم عنه- قال: (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستون ألفاً، ثلاثون ألفاً بـالمدينة، وثلاثون –يعني: ألفاً- في قبائل العرب)([60]).

2- وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى -فيما رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن علي الطبري - قال: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل) قال السخاوي -جامعاً بين قول أحمد وقول الشافعي -: (وكأنه عنى بـالمدينة ليلتئم مع ما قبلها)([61]).

3- ثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدَّم علياً على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفاً مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، قال النووي: وذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر عاماً، بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام، وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع، والله أعلم([62]).

4- وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى كما في ترتيب المدارك للقاضي عياض: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف عين تطرف([63]).

وبمثل قول أبي زرعة قال الغزالي في كتابه الإحياء([64]).

 خلاف العلماء في عدد الرواة منهم: 

وكما اختلف العلماء في جملة الصحابة وفي عددهم حين توفي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك اختلفوا في عدد من خرج منهم من المدينة واستقر في غيرها من الأمصار، كما اختلفوا كذلك في عدد الرواة عنه صلى الله عليه وسلم منهم وكان اختلافهم في ذلك كما يلي:

1- نقل القاضي عياض عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: (مات بـالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرق في البلدان)([65]).

2- وقال أبو بكر بن أبي داود فيما رواه عن الوليد بن مسلم بـالشام: عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- وقال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى: (نزل بـالكوفة من الصحابة ألف وخمسون، منهم أربعة وعشرون بدريون، قال: وأخبرت أنه قدم حمص من الصحابة خمسمائة رجل).

4- وعن بقية: نزلها من بني سليم أربعمائة([66]).

وأما اختلافهم في عدد الرواة منهم رضي الله عنهم، فقد نقل الحافظ ابن كثير عن أبي عبد الله الحاكم أنه قال: روى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي([67]).

ونقل الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عن الحاكم أيضاً أنه قال: الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف، وتعقبه بقوله بأنهم لا يصلون إلى ألفين، بل هم ألف وخمسمائة، وذكر أن كتابه التجريد، لعل جميع من فيه ثمانية آلاف نفس، إن لم يزيدوا لم ينقصوا، مع أن الكثير فيهم لا يعرفون([68]).

وقال الحافظ ابن كثير: والذي روى عنهم الإمام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته، فمن الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفساً، ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك - قريب من ثلاثمائة صحابي أيضاً([69]).

ومن هذا يتبين أنه لم يروِ الحديث إلا عدد قليل من الصحابة، أو لم يصل إلينا إلا حديث هؤلاء بعد أن انتشروا في الأرض للفتوح، وتفرقوا في الأمصار، والذي أخلص إليه من هذا أنه من الصعب ومن العسير جداً حصر الصحابة جميعاً في عدد معين؛ لكثرتهم وتفرقهم في الأمصار.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء، فجمعت كتاباً كبيراً في ذلك، ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعاً الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي. اهـ([70]).

والأقوال التي قدمنا ذكرها عن أهل العلم عندما يسمعها الإنسان يفهم أن ظاهرها التعارض، والأمر ليس كذلك، فكل حكى على قدر تتبعه ومبلغ علمه، وأشار بذلك إلى وقت خاص وحال، فإذاً لا تضاد بين كلامهم والله المستعان([71]).

الباب الأول: الثناء في القرآن والسنة على الصحابة:

الباب الأول: الثناء في القرآن والسنة على الصحابة:

وفيه أربعة فصول:

الفصل الأول: الثناء عليهم عموماً في القرآن والسنة وأقوال السلف.

الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة منهم رضي الله عنهم.

الفصل الثالث: فضل العشرة المبشرين بالجنة.

الفصل الرابع: ما جاء في فضل الصحابة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

 الفصل الأول: الثناء عليهم عموماً في الكتاب والسنة وأقوال السلف.: 

الفصل الأول: الثناء عليهم عموماً في الكتاب والسنة وأقوال السلف:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: الثناء عليهم في القرآن.

المبحث الثاني: الثناء عليهم في السنة.

المبحث الثالث: الثناء عليهم في أقوال السلف.

 المبحث الأول: الثناء عليهم في القرآن:

إن أهل السنة والجماعة يثبتون فضل الصحابة رضي الله عنهم، الذي نطق به القرآن الكريم المنزل من لدن حكيم حميد، على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما يثبتون جميع ما صح في فضلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان هذا الفضل على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، الكل يثبتونه ويعتقدونه اعتقاداً جازماً، ويسلمون به لأولئك الأطهار الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصاغهم أعظم صياغة ليكونوا وزراء لنبيه عليه الصلاة والسلام، وليحملوا رسالته من بعده، ويبلغوها إلى جميع الناس في هذه المعمورة ولقد أثنى الله عليهم في كتابه الكريم على سبيل الجملة في آيات كثيرة ومواضع شتى منها:

1- قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143] هذه الآية الكريمة وجه الله تعالى فيها الخطاب إلى جميع الأمة المحمدية من أولها إلى أن تقوم الساعة، وهذا الخطاب يتضمن أنه سبحانه جعلهم خيار الأمم ليكونوا يوم القيامة شهداء على الناس، والوسط في الآية بمعنى الخيار والأجود، ولكن أولوية الدخول في هذا الخطاب إنما هو لأصحاب رسول الله قبل بقية الأمة الإسلامية، إذ هم أول من وجه إليهم هذا الخطاب في هذه الآية، وهم الموجودون حين نزوله.

قال العلامة ابن جرير الطبري مبيناً معنى هذه الآية: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم ففضلناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطاً... والوسط في كلام العرب الخيار يقال: فلان وسط الحسب في قومه أي: متوسط الحسب إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط... وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها... إلى أن قال: القول في تأويل قوله تعالى: ((لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143]، والشهداء جمع شهيد، فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً عدولاً شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالات إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيداً عليكم بإيمانكم به، وبما جاء به من عندي) اهـ([72]).

وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطاً، أي: جعلناكم دون الأنبياء، وفوق الأمم، والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] قال: عدلاً» قال: هذا حديث حسن صحيح([73]) وفي التنزيل: ((قَالَ أَوْسَطُهُمْ)) [القلم:28] أي: أعدلهم وخيرهم...، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي: هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، وقوله تعالى: ((لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143] أي: في المحشر للأنبياء على أممهم([74]).

وقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] قال: عدلاً، ((لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143]»([75]).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143] يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً: أي أخيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطاً في قومه أي: أشرفهم نسباً. ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ((هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [الحج:78]([76]).

وقال السفاريني([77]) رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآية: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] الآية، أي: أمة خياراً عدولاً، فإن هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم... اهـ([78]).

فإذن معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى كما جعل قبلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير القبل، وجعلها متوسطة بين المشرق والمغرب، كذلك جعلهم خير الأمم وسطاً بين الغلو والتقصير، فلم يغلوا غلو النصارى حيث وصفوا عيسى عليه الصلاة والسلام بالألوهية، ولم يقصروا تقصير اليهود حيث وصفوه بأنه ولد زنا، فأخبر سبحانه بما أنعم به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من تفضيله لها بالعدالة والشهادة على سائر الأمم يوم القيامة، وعلى هذا فلا ريب ولا شك في أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أحق من كل أحد من أمته عليه الصلاة والسلام بهاتين الصفتين، ألا وهما: العدالة والشهادة على سائر الأمم يوم القيامة، بأن الرسل قد بلغوا أممهم ما أنزل الله إليهم من الرسالات السماوية.

2- قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110]. وفي هذه الآية الكريمة بين الله تعالى أنه جعل أمة محمد خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك بسبب ما اتصفت به من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما استقر في قلوبهم من الإيمان بالله، والصحابة رضي الله عنهم هم أول وأفضل من دخل في هذا الخطاب، وحاز قصب السبق في هذه الخيرية بلا نزاع؛ لأنهم أول من خوطب بهذه الآية الكريمة، قال الزجاج([79]): وأصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته([80]). وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: وهذا اللفظ وإن كان عاماً فالمراد به الخاص، وقيل: هو وارد في الصحابة. اهـ([81]).

وقال السفاريني رحمه الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] قيل: اتفق المفسرون أن ذلك في الصحابة، لكن الخلاف في التفاسير مشهور ورجح كثير عمومها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143]. وهذا خطاب للموجودين حينئذ. اهـ([82]).

وأخرج الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه (((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام)([83]).

وقال العلامة ابن جرير الطبري: اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] قال: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة).

وعن السدي: أنه قال: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ)) [آل عمران:110] قال عمر بن الخطاب: (لو شاء الله لقال: أنتم فكنا كلنا، ولكن قال: (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

وعنه رضي الله عنه أنه قال: (((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا).

وعن قتادة قال: (ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجة حجها ورأى من الناس رعة([84]) سيئة فقرأ هذه ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] الآية، ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها).

وقال الضحاك في قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110] قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يعني، وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس إذ كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله... وعن قتادة قال: كان الحسن يقول: نحن آخرها وأكرمها على الله.

وبعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية قال: (وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن، ثم ساق بإسناده إلى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنكم وفيتم سبعين أمة، أنتم آخرها وأكرمها على الله»([85]).

فـابن جرير رحمه الله تعالى رجح حمل الآية على عموم الأمة، وأيد العموم بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهذا الحديث عند الترمذي([86])، وابن ماجة([87]) والحاكم([88]) بلفظ: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله».

قال الحافظ في الفتح: وله شاهد مرسل عن قتادة عند الطبري([89]) رجاله ثقات، وفي حديث علي عند أحمد([90]) بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «... وجعلت أمتي خير الأمم»([91]).

وممن حمل الآية على العموم في جميع الأمة الحافظ ابن كثير، فإنه قال بعد ذكره لأقوال المفسرين: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143] أي: أخياراً ((لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143]([92]).

وعلى هذا فمن أراد أن يوسم بسمة الخيرية التي وسم بها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما شهد لهم رب العالمين بها في الآية السابقة التي نحن بصدد الحديث عنها- فليتحل بصفاتهم وأخلاقهم، ويتبع المنهج الذي التزموه وساروا عليه.

قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الثابتة في فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم: فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110]، فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في المدح، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) [المائدة:79] اهـ([93]).

3- قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54].

هذه الآية الكريمة، الخطاب فيها موجه لعباده المؤمنين إلى أن تقوم الساعة، وهي تتضمن وعداً من الله عز وجل لهذه الأمة، وهذا الوعد هو أن من ارتد عن دين الإسلام، فإنه يأتي سبحانه بقوم ينصرون هذا الدين. وبين سبحانه أنه يحبهم ويحبونه، وأن فيهم رقة وليناً لإخوانهم المؤمنين، كما أنهم متصفون بالغلظة والشدة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله من كفر بهذا الدين، ولا يخافون في الحق من لوم اللائم، وهذه الصفات الطيبة وإن كانت عامة في جميع المؤمنين، إلا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتهم الصديق أبو بكر هم أقعد وأحق وأولى بهذه الصفات من كل مؤمن يأتي بعدهم، فهم أول من يتناوله الخطاب ويدخل فيه دخولاً أولياً.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:54] أي: صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ((مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)) [المائدة:54] يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر -إما في اليهودية أو النصرانية، أو غير ذلك من صنوف الكفر- فلن يضر الله شيئاً، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيء الله بدلاً منهم بالمؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم، يحبهم الله، ويحبون الله وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين -ما وعده في هذه الآية- لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده... -إلى أن قال: ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم. فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه، وروى بإسناده إلى الحسن البصري في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.

وقال آخرون: يعني بذلك قوماً من أهل اليمن، وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ثم روى بإسناده إلى عياض بن غنم الأشعري قال: «لما نزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قوم هذا».

وقال آخرون: بل هم أهل اليمن جميعاً.

وذكر بإسناده إلى مجاهد في قوله تعالى: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: أناس من أهل اليمن، وقال آخرون: هم الأنصار.

وروى بإسناده إلى السدي في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: إنهم الأنصار([94]).

وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)) [المائدة:54] الآية. قال: (يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله سيستبدل به من هو خير لها وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما قال تعالى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) [محمد:38].... وذكر عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إنها نزلت في الولاة من قريش.

وعن الحسن البصري: (أنها نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر).

وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] قال: (هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من السكون... إلى أن قال: وقوله تعالى: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) [المائدة:54] هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتال: فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه)([95]).

وكل ما تقدم من تنوع سبب نزول الآية: في أنها نزلت في الأشعريين، أو في أحياء من أهل اليمن، أو في الولاة من قريش، أو في الأنصار، فإن ذلك لا ينافي عموم الآية، فالآية عامة في كل مؤمن يحب الله ويحبه، ويوالي فيه، ويعادي فيه، ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان أبو بكر وأصحابه أسعد الناس بذلك وأقدمهم وأسبقهم إليه، وهو أول من تناولته الآية رضي الله عنه وأرضاه، وعن أنصار الإسلام وحزبه أجمعين، ومما يؤيد هذا ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لـأبي بكر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله عز وجل، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال؛ فعرفت أنه الحق»([96]).

هذا وفي الآية السابقة دلالة واضحة على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، إذ أنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا المرتدين وسائر الكفرة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن المقطوع به أن الصفات المذكورة في الآية المتقدمة متوفرة فيهم ومنطبقة عليهم رضي الله عنهم أجمعين.

4- قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:72-74].

الموصوفون في الآية الأولى من هذه الآيات بالصفات الثلاث التي هي الإيمان والهجرة والجهاد، هم المهاجرون الأولون، الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم إيثاراً لله ولرسوله من أجل إعلاء كلمة الله، وإظهار الدين الإسلامي الحنيف على سائر الأديان سواه؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، والموصوفون في الآية نفسها بالإيواء والنصرة هم الأنصار الذين هم الأوس والخزرج، فإنهم آووا الرسول وأصحابه المهاجرين في منازلهم، ونصروا نبي الله عليه الصلاة والسلام بمقاتلة أعداء الدين، ثم بين سبحانه الولاء والتلاحم الثابت بين المهاجرين والأنصار بقوله: ((أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72] أي: في النصرة والمساعدة. وهذا مما يؤكد قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، والآية الأخيرة من الآيات السابقة أخبر تعالى عنهم بحقيقة الإيمان، وأنه -سبحانه- سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوبهم إن وجدت، وبالرزق الكريم، وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الدائم الأبدي المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص، ولا يسأم ولا يمل لتنوعه وحسنه.

قال العلامة ابن كثير عند قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا)) [الأنفال:72] الآية: ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك.

وإلى أنصار -وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك- آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض... وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)) [الأنفال:72]، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها، إلا ما حضروا فيه القتال.. اهـ([97]).

قال أبو عبد الله القرطبي عند قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)) [الأنفال:4] الآية: (حقاً) مصدر أي: حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة، وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] أي: ثواب عظيم اهـ([98]).

والمقصود أن الآيات المتقدمة اشتملت على الثناء الحسن على عموم الصحابة، من مهاجرين وأنصار رضي الله عنهم أجمعين.

5- وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].

هذه الآية الكريمة اشتملت على أبلغ الثناء من الله رب العالمين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، حيث أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه، بما كرمهم الله به من جنات النعيم، والنعيم المقيم فيها الذي لا يفنى ولا يبيد، فقد خسر نفسه بعد هذا من ملأ قلبه ببغضهم، واستعمل لسانه في سبهم والوقيعة فيهم، كالطائفة المخذولة من الرافضة التي عميت عن ثناء الله عليهم في كتابه العزيز بمثل هذا الثناء وغيره، فأخذوا يعادونهم ويبغضونهم ويسبونهم عياذاً بالله، وهذا يدل على أن قلوبهم انتكست، وعقولهم فسدت، وإلا فأين هم من الإيمان بالقرآن؛ إذ يسبون من رضي الله عنهم ورضوا عنه؟. وقد عصم الله أهل السنة والجماعة مما وقع فيه الرافضة، فلم يقولوا في أسلاف هذه الأمة منكراً، أو يطعنوا فيهم طعناً، فلم يقولوا في المهاجرين والأنصار وأعلام الدين، ولا في أهل بدر وأحد وأهل بيعة الرضوان إلا أحسن المقال.

6- قال تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].

وفي هذه الآية المباركة ثناء آخر من الله تعالى على النبي الكريم، وصحبه الأكرمين من المهاجرين والأنصار، ألا وهو إخباره تعالى أنه من لطفه وإحسانه أن تاب عليهم فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقة، ولهذا قال: ((الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117] أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في غزوة تبوك، وكانت في حر شديد وضيق من الزاد والركوب وكثرة عدد، مما يدعو إلى التخلف، فاستعانوا الله تعالى وقاموا بذلك. ((مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ)) [التوبة:117] أي: تنقلب قلوبهم ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن الله ثبتهم وقواهم([99]) رضوان الله عليهم أجمعين، وأعظم بها من منقبة لأولئك الصفوة، حيث شملهم الله تعالى بالتوبة عليهم، ومن تاب الله عليه تحققت سعادته في الدار الآخرة.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (من تاب الله عليه لم يعذبه أبداً)([100]).

قال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص: وقوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117]، فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار، وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم؛ لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم، وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم، والناسبين لهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة، ووصفهم به من حكمة الضمائر وصلاح السرائر، رضي الله عنهم. اهـ([101]).

7- قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)) [النور:55].

الوعد بالاستخلاف في هذه الآية عام، يدخل تحته كل من تولى وظيفة من وظائف المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن بشرط أن تتوفر الصفتان المذكورتان في الآية، وهما: الإيمان والعمل الصالح، فتشمل الخلافة، وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، بنفاذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله، والخطاب في الآية موجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه، فيندرج تحت هذا العموم جميع الصحابة، والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يدخلون فيه قبل كل من اتصف بالصفتين ممن جاء بعدهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى موضحاً لمعنى آية النور هذه والآية التي ختمت بها سورة الفتح: فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك مغفرة وأجراً عظيماً، والله لا يخلف الميعاد، فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ومكن لهم دين الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه لهم كما قال تعالى: ((وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3]، وبدلهم بعد خوفهم أمناً، لهم المغفرة والأجر العظيم، وهذا يستدل به من وجهين: على أن المستخلفين مؤمنون وعملوا الصالحات؛ لأن الوعد لهم لا لغيرهم. ويستدل به على أن هؤلاء مغفور لهم، ولهم أجر عظيم؛ لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فتناولتهم الآيتان: آية (النور) وآية (الفتح)، ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين بعد الخوف لما قهروا فارس والروم، وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقية.. وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن، وأدركوا زمن الفتنة كـعلي وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص دخلوا في الآية؛ لأنهم استخلفوا ومكنوا وأمنوا، وأمَّا من حدث في زمن الفتنة كـالرافضة الذين حدثوا في الإسلام في زمن الفتنة والافتراق، وكـالخوارج المارقين: فهؤلاء لم يتناولهم النص، فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح المذكورين في هذه الآية؛ لأنهم أولاً ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا، ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة، بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين، فإن قيل: لم قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم، ولم يقل: وعدهم كلهم، قيل: كما قال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ولم يقل: وعدكم، ومن تكون لبيان الجنس، فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس. اهـ([102]).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وكرمه، ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمَّ شعث الأمة، وأخذ جزيرة العرب ومهدها، وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ففتحوا طرفاً منها، وقتلوا خلقاً من أهلها، وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه، ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق، ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة، ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً، لم يدر الفلك بعد الأنبياء عل مثله في قوة سيرته، وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جداً، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه... ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»([103]).

8- قال تعالى: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59].

قال العلامة ابن جرير الطبري: (... الذين اصطفاهم يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه، دون المشركين به الجاحدين نبوة نبيه. ثم ذكر بإسناده إلى ابن عباس في قوله: ((وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59] قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه.

ثم قال: حدثنا علي بن سهل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لـعبد الله بن المبارك: أرأيت قول الله: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59] من هؤلاء؟ فحدثني عن سفيان الثوري قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم([104]).

وأما العلامة ابن كثير فقد ذكر في قوله تعالى: ((وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59] قولين: أحدهما: أن المراد بعباده الذين اصطفى هم أنبياؤه ورسله الكرام.

الثاني: أن المراد بعباده الذين اصطفى هم: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

ثم قال جامعاً بين القولين: ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. اهـ([105]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال تعالى: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59] قال طائفة من السلف: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة التي قال الله فيها: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)) [فاطر:32-35].

فأمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى، وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى، وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»([106])، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله. اهـ([107]).

وقال السفاريني رحمه الله تعالى: وقوله: ((قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)) [النمل:59]، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. اهـ([108]).

9- قال تعالى: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [الزمر:33-35].

فالصحابة رضي الله عنهم داخلون في هذا الثناء على هذا الصنف، الذي يجيء بالصدق ويصدق به، فهم الأئمة الصادقون في أقوالهم المصدقون بالحق إذا جاءهم، وكل صادق بعدهم فهو إنما يأتم بهم في صدقه وتصديقه، اتباعاً لهم واقتداء بهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ)) [الزمر:33]، فيها ثناء على الصحابة رضي الله عنهم، حيث قال: وهذا الصنف الذي يقول الصدق ويصدق به، خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب به، والصحابة... هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء، وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيباً بالحق من المنتسبين إلى التشيع. اهـ([109]).

والحال كما قال رحمه الله تعالى، فإن الصحابة الكرام رضي الله عنهم هم أزكى الأمة وأطهرها، فهم الصادقون فيما يقولون، وهم في أولية الأمة تصديقاً للحق لما جاءهم، فرضي الله عنهم أجمعين، وعلى من يبغضهم ويعاديهم اللعنة إلى يوم الدين.

10- قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].

هذه الآية تضمنت ذكر منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالثناء عليه، ثم ثنى الله تعالى فيها بالثناء على سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فذكر تعالى أن من صفاتهم الشدة والغلظة على أهل الكفر، كما وصفهم بالتراحم والتعاطف فيما بينهم، ووصفهم بأنهم يكثرون من الأعمال الصالحة المقرونة بالإخلاص وسعة الرجاء، وفي مقدمة تلك الأعمال الصالحة: إكثارهم من الصلاة ابتغاء الحصول على فضل من الله ورضوان، كما بين سبحانه أن آثار ذلك تظهر على وجوههم، ((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29] والسيماء: العلامة. وقد قيل: المراد بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة، قاله الحسن وسعيد بن جبير، وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواية أخرى عنه وعن مجاهد: (السيماء في الدنيا هو السمت الحسن)، وعن مجاهد أيضاً: (هو الخشوع والتواضع)([110]).

وهذه الأقوال لا منافاة بينها، إذ يمكن أن يكون في الدنيا هو السمت الحسن الذي ينشأ عن التواضع والخشوع، وفي الآخرة يكون في جباههم نور([111]).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك رضي الله عنه: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا). وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال -سبحانه- ههنا ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)) [الفتح:29]، ثم قال: ((وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ)) [الفتح:29] أي: فراخه ((فَآزَرَهُ)) [الفتح:29] أي: شده وقواه ((فَاسْتَغْلَظَ)) [الفتح:29] أي: شب وطال ((فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)) [الفتح:29] أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع، ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم قال: (لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية)، ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك... ثم قال تبارك وتعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)) [الفتح:29] من هذه لبيان الجنس، ((مَغْفِرَةً)) [الفتح:29] أي: لذنوبهم، ((وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] أي: ثواباً جزيلاً ورزقاً كريماً، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل([112]).

وفي قوله سبحانه في حق الصحابة الكرام رضي الله عنهم: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29] أخطر حكم وأغلظ تهديد وأشد وعيد في حق من غيظ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه غل لهم([113]).

وأما قوله تعالى في ختام الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]، فهذا وعد من الله تعالى لجميع الصحابة بالجنة، وكذلك كل من آمن وعمل الصالحات من أمة الإجابة، إذ هذا الوعد عام لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآية: ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار، والرحمة بينهم، والركوع والسجود يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والسيماء في وجوههم من أثر السجود، وأنهم ييتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع، والوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات، بل على الإيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح، فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم. اهـ([114]).

11- قال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7].

وفي هذه الآية الكريمة بين تعالى أنه حبب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم راشدين؛ وذلك لكي يكونوا أهلاً لشرف الصحبة، فأعدهم الله ذلك الإعداد الرفيع فاستحقوا بذلك أن يكونوا هم الراشدين كما نطقت به هذه الآية.

قال العلامة ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله ((أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)) [الحجرات:7]، فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره أخباركم، ويعرفه أنباءكم، ويقومه على الصواب في أموره. وقوله: ((لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)) [الحجرات:7] يقول تعالى ذكره: لو كان رسول الله يعمل في الأمور بآرائكم، ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم ((لَعَنِتُّمْ)) [الحجرات:7] يقول: لنالكم عنت يعني: الشدة والمشقة في كثير من الأمور، بطاعته إياكم لو أطاعكم؛ لأنه كان يخطئ في أفعاله، كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: (إنهم قد ارتدوا، ومنعوا الصدقة وجمعوا الجموع لغزو المسلمين) فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم؛ كان قد قتل، وقتلتم من لا يحل له ولا لكم قتله، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحل له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين؛ فنالكم من الله بذلك عنت، ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ)) [الحجرات:7] بالله ورسوله، فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمون به، فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه وكان يطيعكم، لنالكم وأصابكم. وقوله: ((وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] يقول: وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم، ((وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ)) [الحجرات:7] بالله، ((وَالْفُسُوقَ)) [الحجرات:7] يعني: الكذب، ((وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7] يعني: ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضييع ما أمر الله به، ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] يقول: هؤلاء الذين حبب الله إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق. اهـ([115]).

وقال الحافظ ابن كثير: وقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)) [الحجرات:7] أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله؛ فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، كما قال تبارك وتعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) [الأحزاب:6] ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم، فقال: ((لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)) [الحجرات:7] أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه؛ لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم... وقوله عز وجل: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] أي: حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم... ((وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7] أي: وبغض إليكم الكفر والفسوق: وهي الذنوب الكبار، والعصيان: وهي جميع المعاصي، وهذا تدرج لكمال النعمة، وقوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.. اهـ([116]).

قال الشوكاني رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ)) [الحجرات:7]: أي: جعله أحب الأشياء إليكم، أو محبوباً لديكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة. اهـ([117]).

12- قال تعالى: ((يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [التحريم:8]، فالذين آمنوا في هذه الآية لفظ عام، يطلق على كل مؤمن آمن بالله بقلبه ولسانه وجوارحه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في هذا اللفظ العام دخولاً أولياً قبل كل أحد آمن بعدهم، والآية فيها تعريض بمن حل به الخزي من أهل الكفر، كما تضمنت التنويه بشأن المؤمنين الذين حفظهم الله بتوفيقه من مثل حال الكافرين، فكانت عاقبتهم أن أمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في يوم القيامة إلا من مات على كمال الإيمان وحقائق الإحسان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدمة من مات على ذلك، فلقد ماتوا رضي الله عنهم وهم على خير حال وسيكونون يوم القيامة في مقدمة المؤمنين الذين يتم الله لهم نورهم.

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (ليس أحد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، يعطى المؤمن والمنافق، فيطفأ نور المنافق، فيخشى المؤمن أن يطفأ نوره، فذلك قوله تعالى: ((رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا)) [التحريم:8]([118]). وقال أبو الفرج بن الجوزي: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا)) [التحريم:8]، وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ؛ سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فأما المنافق، فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهم يقولون ((رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا)) [التحريم:8)]([119]).

فالآيات التي قدمنا ذكرها كلها نصوص واضحة الدلالة وصريحة في مناقب الصحابة رضي الله عنهم على وجه الجملة، والآيات الواردة في هذا الصدد كثيرة جداً، ومجمل القول في هذا أن كل صيغة عموم فيها الثناء على عباد الله المؤمنين، أو فيها وعد لهم بدخول الجنة، أو تبشير لهم بذلك من الله تعالى، فإنها تشملهم ويدخلون فيها قبل كل أحد دخولاً أولياً، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [المؤمنون:1-11].

ومثل قوله تعالى: ((كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)) [المطففين:18-28].

ومثل قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)) [البينة:7-8]، والآيات من هذا القبيل في القرآن كثيرة جداً، ومن الصعوبة استقصاؤها([120]) وكلها وردت بصيغة العموم وأول من تتناول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير الأمة المحمدية ذلكم هو الثناء في الآيات القرآنية على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه العموم ولنأت إلى ما جاء في بيان فضلهم من السنة على وجه عام.

 المبحث الثاني: الثناء عليهم في السنة:

لقد ورد الثناء في السنة النبوية على الصحابة رضي الله عنهم على وجه عام، في أحاديث كثيرة مستفيضة ومتواترة: منها الصحيح ومنها الحسن، ومن ذلك ما يلي:

1- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: أحسنتم، أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء -وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء- فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»([121]).

قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي مبيناً معنى هذا الحديث: ويشبه أن يكون معنى هذا الخبر أن الله جل وعلا جعل النجوم علامة لبقاء السماء، وأمنة لها عن الفناء، فإذا غارت واضمحلت أتى السماء الفناء الذي كتب عليها، وجعل الله جل وعلا المصطفى أمنة أصحابه من وقوع الفتن، فلما قبضه الله جل وعلا إلى جنته أتى أصحابه الفتن التي أوعدوا، وجعل الله أصحابه أمنة أمته من ظهور الجور فيها، فإذا مضى أصحابه أتاهم ما يوعدون من ظهور غير الحق من الجور والأباطيل. اهـ([122]).

وقال النووي: ومعنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) أى: من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحاً، وقد وقع كل ذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) معناه: من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم، وانتهاك المدينة ومكة، وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته صلى الله عليه وسلم. اهـ([123]).

فهذا الحديث تضمن فضيلة الصحابة رضي الله عنهم على وجه عام، كما اشتمل على بيان منزلتهم ومكانتهم العالية في الأمة، وأنهم في الأمة بمنزلة النجوم من السماء.

2- روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام([124]) من الناس فيقال لهم: فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم»([125]).

فلله ما أعظم هذا التكريم الذي حظي به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ما كان ولم يكن لأحد سواهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالحديث تضمن فضيلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم.

قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل الصحابة والتابعين وتابعيهم. اهـ([126]).

3- وروى الشيخان أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته»([127]).

4- روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة([128]) ويشهدون قبل أن يستشهدوا»([129]).

5- وروى الشيخان من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثة([130]).

6- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه ثم الثاني، ثم الثالث»([131]).

فهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة وقاطعة على أن الصحابة رضي الله عنهم هم خير القرون المفضلة، وأكرمها على الله تعالى.

قال الإمام النووي: اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم، والمراد أصحابه.([132]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (خير أمتي قرني) أي: أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة، وهو المشهور... والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابة، وقد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «وبعثت من خير قرون بني آدم»([133]) وفي رواية بريدة عند أحمد «خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم»([134])، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعاً وتسعين. وأمَّا قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمال أهل كل زمان والله أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم يفشوا الكذب) ظهوراً بيناً، حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان. قوله: (ثم الذين يلونهم) أي: القرن الذي بعدهم وهم التابعون، (ثم الذين يلونهم)، وهم أتباع التابعين، واقتضى أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر([135]). والذي يظهر أن من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره، أو أنفق من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائناً من كان. وأما من لم يقع له ذلك، فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) [الحديد:10] الآية.

ثم استرسل الحافظ في ذكر أدلة ابن عبد البر على أن الأفضلية بالنسبة إلى المجموع لا إلى الأفراد، مع ذكر ما يرد عليها من الاعتراضات، ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:

1) قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة([136]).... وأجاب عنه النووي بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم عليه السلام، ويرون في زمانه من الخير والبركة، وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر؛ فيشتبه الحال على من شاهد ذلك: أي الزمانين خير؟ وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني» والله أعلم.

2) ما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير -أحد التابعين- بإسناد حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليدركن المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير -ثلاثاً- ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها».

3) روى أبو داوُد والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: «تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم»([137]). وهو شاهد لحديث: «مثل أمتي مثل المطر».

4) واحتج بحديث عمر رفعه «أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يروني» الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه.

5) روى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: «يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني»، وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم([138]).

6) احتج بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون، أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن؛ كانوا أيضاً عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء»([139]). وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم، والذى ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَّا من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم، ومحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهاً على أن حديث (للعامل منهم أجر خمسين منكم) لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة. وأيضاً: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث. وأمَّا حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: (قلنا: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً؟) الحديث أخرجه الطبراني، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم([140]).

والراجح من القولين ما ذهب إليه جمهور العلماء: من أن أفضلية الصحابة إنما هو باعتبار الأفراد، وليس بالنسبة إلى المجموع، إذ الصحبة لا يعدلها شيء، ولمشاهدتهم النبي صلى الله عليه وسلم وذبهم عنه، ونصرة دين الإسلام، وحرصهم على ضبط الوحي الذي تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتبليغهم إياه إلى من بعدهم؛ ولأن ما هنا خصلة من أعمال الخير إلا سبقوا إليها، ويكون لهم أجرها وأجر من عمل بها بعدهم إلى يوم القيامة، وبهذا برز فضلهم على من بعدهم ومن قبلهم من الأمم، سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

7) ومما جاء في الثناء عليهم من السنة: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»([141]).

وعند الإمام مسلم بلفظ: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([142]).

فإذا كان سيف الله خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية، لا يساوي العمل الكثير منهم القليل من عبد الرحمن بن عوف وغيره ممن تقدم إسلامه، مع أن الكل تشرف بصحبته صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن لم يحصل له شرف الصحبة بالنسبة إلى أولئك الأخيار، إن البون لشاسع، وإن الشقة لبعيدة، فما أبعد الثرى من الثريا، بل وما أبعد الأرض السابعة عن السماء السابعة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم([143]).

قال أبو محمد بن حزم في شرحه لهذا الحديث: فكان نصف مد شعير أو تمر في ذلك الوقت، أفضل من جبل أحد ذهباً ننفقه نحن في سبيل الله تعالى بعد ذلك. قال الله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10]. وهذا في الصحابة فيما بينهم، فكيف بمن بعدهم معهم رضي الله عنهم أجمعين. اهـ([144]).

وقال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: والمعنى أن جهد المقل منهم، واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله، مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه، أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم. اهـ([145]).

وقال القاضي عياض: (.... وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم، وقد قال الله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) [الحديد:10]، هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده، وفضيلة الصحبة -ولو لحظة- لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. اهـ([146]).

وقد نقل الحافظ ابن حجر عن البيضاوي في شرح الحديث المتقدم أنه قال: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهباً من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قال الحافظ: وأعظم من ذلك -في سبب الأفضلية- عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) [الحديد:10]، فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيماً؛ لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كثروا بعد الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم. اهـ([147]).

فالذي يستفاد من كلام هؤلاء الأئمة الذين قدمنا نقولهم أن الصحابة لا يدركهم أحد في فضلهم وعملهم ورضا الله عنهم أجمعين، بل إن القليل من عملهم لا يوازيه عمل غيرهم مهما بلغ من الكثرة، ومهما صاحبه من إخلاص وصدق ويقين وإيمان وذلك فضله تعالى يؤتيه من يشاء. روى ابن بطة بالإسناد الصحيح -كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، خير من عمل أحدكم أربعين سنة). وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره)([148]).

وروى أبو داود بإسناده إلى سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه قال -بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة-: (لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه، خير من عمل أحدكم عمره ولو عمّر عمر نوح)([149])فـسعيد بن زيد رضي الله عنه يريد بهذا عموم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

8) ومن الأحاديث الدالة على فضلهم وعلو منزلتهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر من رآه وآمن به واتبعه وصدقه، أن له طوبى، والصحابة رضي الله عنهم حازوا قصب السبق في هذا على كل أحد أتى بعدهم، فقد روى البزار والطبراني من حديث أبي عبد الرحمن الجهني قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس، إذ طلع راكبان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنديان([150]) مذحجيان([151]) حتى أتياه فإذا رجلان من مذحج قال: فدنا أحدهما ليبايعه فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من رآك وآمن بك واتبعك وصدقك ماذا له؟ قال: طوبى له، قال: فمسح على يده وانصرف، ثم أتاه الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك ماذا له؟ قال: طوبى له ثم طوبى له»([152]).

وقد أخبر تعالى أن طوبى من نصيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)) [الرعد:29]، وقد اختلف علماء السلف في المراد (بطوبى)، فقد أخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أنها شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة([153]).

قال ابن كثير: وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سمي وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار غصن منها([154]).

وقيل: إن (طوبى) اسم من أسماء الجنة: وعلى هذا يكون المعنى الجنة لهم([155]).

والمراد بها -والله أعلم- في هذا الحديث المتقدم أنها (الجنة).

9) دعا عليه الصلاة والسلام لسامعي سنته ومبلغيها بالنضرة والرحمة، والصحابة رضي الله عنهم يدخلون في هذه الدعوة المباركة الميمونة دخولاً أولياً؛ لأنهم هم الذين سمعوا سنته مباشرة ودون واسطة، ووعوها وأدوها إلى من بعدهم، وهذه خصيصة لهم رضي الله عنهم تميزوا بها دون غيرهم، فرضوان الله عليهم أجمعين. وتلك الدعوة التي كان لهم فيها الحظ الأوفر والنصيب الأكبر هي قوله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»([156]). وفي لفظ آخر: «رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع»([157]).

قال الخطابي رحمه الله تعالى: (معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي النعمة والبهجة) اهـ([158]).

وقال ابن الأثير في كتابه النهاية في غريب الحديث:... ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة، وهي في الأصل حسن الوجه والبريق، وإنما أراد حسن خلقه وقدره. اهـ([159]).

وقال الحافظ المنذري في كتابه الترغيب والترهيب: ومعناه الدعاء له بالنضارة، وهي النعمة والبهجة والحسن، فيكون تقديره: جمله الله وزينه، وقيل غير ذلك([160]).

وقال أبو بكر بن العربي: والنضرة هي النعمة والبهاء يكون على الوجه. اهـ([161]).

وقال الملا علي القاري في كتابه المرقاة: والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته عن القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، ونعمه في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء والنعمة، ثم قيل: إنه إخبار، يعني: جعله ذا نضرة، وقيل: دعاء له بالنضرة وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة، وقيل: المراد ههنا النضرة من حيث الجاه والقدر، كما جاء: (اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه) أي: ذوي الأقدار من الناس، ثم قال القاري: لا مانع من الجميع، والإخبار أولى من الدعاء... اهـ([162]).

وما ذكره القاري من اعتبار سائر المعاني التي فسر بها لفظ النضارة وعدم تخصيصه بواحد منها حسن وجيه، ويكون المراد بالنضارة بالحديث: جمله الله وزينه بما يظهر على وجهه من البهاء والحسن وأوصله الله إلى نضرة الجنة ونعيمها، وكذا النضرة من حيث الجاه والقدر، ويكون اختلاف الأقوال في ذلك وتفسير الحديث ببعض هذه المعاني من قبيل اختلاف التضاد، فإن من فسره بواحد منها لا ينفي كون غيره مراداً، وإنما هو من قبيل تفسير الشيء بما يوضحه، كالتفسير بالمثال اهـ([163]).

وتلك الدعوة التي قدمنا شرحها -بما يوضح المراد منها- بأقوال أهل العلم، كان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها القسط الأكبر والحظ الأوفر؛ لأنهم هم الذين تلقوا كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما المصدران اللذان اشتملا على الهدى والنور، والصحابة رضي الله عنهم هم الذين تلقوا هذا الخير وهذا النور وهذا الهدى، وأدوه إلى من بعدهم، فكل إنسان يأتي بعدهم فلهم عليه منة، ولهم عليه فضل؛ لأن هذا الهدى وهذا الخير الذي حصل لم يحصل إلا بواسطتهم رضي الله عنهم، فكل من استفاد منه فلهم مثل أجره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إذ أنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً»([164])، وقبلهم رضي الله عنهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، الذي جاء بهذا الخير وهذا الهدى، فكل من اهتدى، وكل من استفاد، وكل من دخل في دين الله وعمل صالحاً، فإن الله يثيب نبيه صلى الله عليه وسلم بمثل ما يثيب به ذلك العامل من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي دعا الناس إلى هذا الهدى، فله مثل أجور كل من استفاد خيراً بسببه، والصحابة رضي لله عنهم هم الصلة الوثيقة التي تربط المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم، فهم الذين جمعوا القرآن، وهم الذين حفظوه، وهم الذين أوصلوه إلى من بعدهم، وهم الذين تلقوا السنة وأدوها إلى من بعدهم؛ فصار لهم الثواب الجزيل والأجر العظيم، ولقد شرفهم الله في الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعة سيد الأولين والآخرين، كما شرفهم بسماعهم كلامه من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، فالذي يطعن في أولئك الأخيار، وأولئك الأسلاف، فقد عمد إلى قطع الصلة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك ضلالاً وخذلاناً والعياذ بالله تعالى.

والحاصل أن الأحاديث الواردة في فضلهم كثيرة وشهيرة بل متواترة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر بعض الأحاديث المتقدم ذكرها-: وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة. اهـ([165]). وهو كما قال رحمه الله تعالى، بل إن القادح في الكتاب والسنة لاحظ له في الإسلام، وهذا حال الرافضة، فإنهم طعنوا في الكتاب والسنة عن طريق القدح في الصحابة رضي الله عنهم، إذ هم نقلة هذا الدين إلى من بعدهم والطعن في الصحابة أيضاً طعن في الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين([166]). والذي يعتقد هذا هو من أبخس الناس حظاً في الدنيا والآخرة، وقد تبنى هذا المعتقد الفاسد الشيعة والخوارج، (فإن الشيعة يفضلون أنفسهم -وهم شر خلق الله تعالى- على أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، وجميع الصحابة رضي الله عنهم، حاشا علياً والحسن والحسين وعمار بن ياسر. والخوارج يفضلون أنفسهم -وهم شر خلق الله وكلاب النار- على عثمان وعلي وطلحة والزبير، ولقد خاب من خالف كلام الله تعالى وقضاء رسوله)([167])عليه الصلاة والسلام، في أن الصحابة رضي الله عنهم هم صفوة الأمة المحمدية وسادتها على الإطلاق، ولنأت الآن ما جاء من ذكر بعض الثناء عليهم رضي الله عنهم في كلام السلف.

 المبحث الثالث: الثناء عليهم في أقوال السلف:

لقد كثر الثناء في كلام السلف على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بما امتازوا به من الصفات الطيبة، والسيرة الحسنة، والأخلاق المشرقة، والأعمال الصالحة، التي جعلتهم أهلاً لأن يكونوا أصحاباً ووزراء لخير البرية، محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والثناء الوارد عن السلف، منه ما يتعلق بهم على وجه العموم، ومنه ما يكون باعتبار الأفراد، والذي نريد ذكره في هذا المبحث من هذا الثناء، هو ما يتعلق بهم على وجه العموم، كما لا أقتصر هنا على الثناء الوارد على الصحابة ممن جاء بعدهم من التابعين، وتابعيهم وغيرهم من أئمة الدين، بل أذكر حتى الثناء الوارد منهم بعضهم على بعض إن وجد وكان على سبيل العموم، ومن ذلك ما يلي:

1- قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه- خص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رءوسه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياءً، وكانوا بعد الموت أحياءً، وكانوا لعباد الله نصحاء رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) اهـ([168]).

فهذه الصفات التي وصفهم بها عبد الله بن عباس كلها مناقب وثناء حسن يذكرون به في الآخرين، وقد كانوا رضي الله عنهم كما وصفهم، فقد خصهم الله وشرفهم بصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، وآثروه بأموالهم وأنفسهم، وأقاموا معالم الدين الإسلامي الحنيف، ونصحوا للأمة، واجتهدوا في نشر الإسلام وتثبيت دعائمه حتى استقر في الأرض، وأذل الله بهم الشرك وأهله، وأزيلت رءوسه، ومحيت دعائمه، وأعلى الله بهم كلمته، ودحر بهم كلمة الباطل، وبذلك كانت نفوسهم زكية، وأرواحهم طاهرة، فكانوا أولياء لله في هذه الحياة الدنيا، فرضوان الله عليهم أجمعين.

2- روى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى أبي أراكة قال: (صلى علي الغداة، ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح، كأن عليه كآبة ثم قال: لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صفراً، بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين).

وقال أيضاً رضي الله عنه: (أولئك مصابيح الهدى، يكشف الله بهم كل فتنة مظلمة، سيدخلهم الله في رحمة منه، ليس أولئك بالمذاييع([169]) البذر ولا الجفاة المرائين)([170]). فأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، مدحهم بهذه الصفات الطيبة التي كانت شعارهم فقد بين أنهم كانوا مجتهدين في عبادة ربهم كانوا يكثرون من النوافل في جوف الليل؛ لأن اصفرار الوجوه، وظهور السيماء فيها كان نتيجة إكثارهم من السهر والسجود لله جل وعلا، ووصفهم بأنهم كانوا يبيتون تالين لكتاب الله، وكانوا إذا تليت عليهم آيات الله بكوا، وكانوا أعلام هدى، ولقوة بصيرتهم ومعرفتهم أحكام الله وما أوجب عليهم من العبادات والطاعات، كشف الله عنهم الفتن المضلة، فكانوا من أهل رحمته التي لا يفوز بها إلا أهل الإخلاص، وقد كانوا رضي الله عنهم في مقدمة أولياء الله المؤمنين، وعباده المتقين، فرضي الله عنهم أجمعين.

3- وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة: أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا على الهدي المستقيم)([171]).

4- وروى الإمام أحمد في المسند بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ)([172]).

وروى ابن بطة -كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم)([173]).

فقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ببر القلوب، وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسير ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف. اهـ([174]).

فأحق الأمة بإصابة الصواب أبرها قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، من غير شك ولا ارتياب، فكل خير وإصابة وحكمة، وعلم ومعارف ومكارم، إنما عرفت لدينا ووصلت إلينا من الرعيل الأول، والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ومنبع الاهتداء([175]) فرضي الله عنهم أجمعين.

5- روى الإمام مسلم بإسناده إلى الحسن (أن عائذ بن عمرو -وكان من أصحاب رسول الله- دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم. فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة([176]) أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم)([177]).

فقول عائذ بن عمرو رضي الله عنه: (وهل كانت لهم نخالة، إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) هذا من جزل الكلام وفصيحه، وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوة الناس، وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة([178]).

فالصحابة رضي الله عنهم كانوا في غاية التحلي بالصفات الطيبة، التي زكت بها نفوسهم، وطهرت بها قلوبهم، وعلت بها مكانتهم، فكانوا صفوة الأمة وأعلاها، وأكملها فطرة وأصفاها أذهاناً، وبذلك كان مجتمعهم، مجتمع الطهر والنقاء والصفاء رضوان الله عليهم أجمعين.

وقد أثنى عليهم التابعون بذكر محاسنهم، وما قدموه من الأعمال الصالحة التي ينبغي لمن جاء بعدهم الاقتداء بهم فيها، ومن ذلك ما يلي:

6- قال السيوطي: وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لـمحمد بن كعب القرظي: (أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أريد الفتن، فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لهم الجنة في كتابه: محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]، أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم، قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك، قال أبو صخر: لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب)([179]).

7- ما رواه أبو نعيم بإسناده إلى الحسن البصري... أن بعض القوم قال له: (أخبرنا صفة أصحاب رسول الله قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدي والصدق، وخونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعافى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين في رضا الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم)([180]).

8- روى الإمام أحمد بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال: (أحق من صدقتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه)([181]).

9- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني([182]) أنه قال: (من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد برئ من النفاق)([183]).

15- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى بقية بن الوليد قال: قال لي الأوزاعي([184]): يا بقية (العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجئ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم، يا بقية لا تذكر أحداً من أصحاب محمد نبيك صلى الله عليه وسلم إلا بخير، ولا أحداً من أمتك، وإذا سمعت أحداً يقع في غيره، فاعلم أنه إنما يقول أنا خير منه)([185]).

11- وروى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى (أنه قال في قوله تعالى: ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)) [سبأ:6] قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)([186]).

12- وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه سئل عن شيء فقال: (اختلف فيه أصحاب رسول الله، ولا أرى لي معهم قولاً). قال ابن وضاح([187]): هذا هو الحق، قال أبو عمر: معناه: ليس له أن يأتي بقول يخالفهم.([188]).

تلك هي أقوال بعض التابعين في الصحابة عموماً، وكما هي واضحة فإنها تضمنت الثناء عليهم رضي الله عنهم بما قدموه من الأعمال الصالحة، وبما لهم من شرف الصحبة، وبما بذلوه للإسلام من النصرة والجهاد في سبيل الله، من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه الحق، فقد بذلوا أنفسهم حين استنصرهم، وضحوا بأموالهم حين استقرضهم، ولم يخافوا في الله لومة لائم، وآثروا آخرتهم على دنياهم، فالتابعون رحمهم الله أثنوا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستحقون، فلم يذكروهم إلا بخير، وشهدوا لهم بالعلم، وبينوا أن ما لم يأت عن طريقهم فليس بعلم، ولم يعدلوا بهم أحداً، وآمنوا بما لهم من الفضائل، وسلموا بها لهم، واعتقدوا ذلك اعتقاداً جازماً، فرحمة الله عليهم، ورضي عن صحابة رسول الله أجمعين.

وكما جاء الثناء على الصحابة عموماً من التابعين، كذلك أثنى عليهم غيرهم من أئمة المذاهب الأربعة وغيره ممن جاء بعدهم من أئمة العلم، ومن ذلك ما يلي:

13- نقل الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميرى الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين، ويدينون به لرب العالمين، ومن ضمن ذلك ما كانوا يعتقدونه في الصحابة عموماً، فقال في عقيدته المشهورة،: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان([189]).

قال شارح الطحاوية: فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد. لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة([190]).

14- وقال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: (من يبغض أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ قول الله سبحانه وتعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى..)) [الحشر:7] إلى قوله: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) [الحشر:10)].

 (وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ مالك هذه الآية: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)) [الفتح:29] إلى قوله: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29]، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فقد أصابته الآية. اهـ)([191]).

15- وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: (وقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على أصحاب رسول الله في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك، ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا، وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا، صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم: إن اجتمعوا، أو قول بعضهم: إن تفرقوا، وهكذا نقول ولم نخرج من أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله. اهـ)([192])

16- وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته: (ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحداً منهم، أو تنقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم؛ فهو مبتدع رافض خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع). اهـ([193]).

17- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سألت أبا أسامة([194]) أيما كان أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا نعدل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحداً.([195]).

18- وقال ابن أبي حاتم([196]) رحمه الله تعالى: فأمَّا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل، وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عز وجل بما منَّ عليهم وكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال عز وجل في محكم كتابه: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143] ففسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله -عز ذكره- قوله: ((وَسَطاً)) [البقرة:143]، قال: عدلاً، فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى، وحجج الدين، ونقلة الكتاب والسنة، وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم، والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: ((وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)) [النساء:115]، ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حض على التبليغ في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها: أن دعا لهم فقال: «نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره»([197]). وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب»([198]). وقال صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عني ولا حرج»([199])، ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكموا بحكم الله عز وجل، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم -مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه- لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل، رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين. اهـ([200]).

19- وقال ابن أبي زيد القيرواني المالكي([201]) في مقدمة رسالته المشهورة: وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وأن لا يذكر أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم حسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب. اهـ([202]).

20- وقال أبو عثمان الصابوني([203]): ويرون -أي أهل السنة - الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم. اهـ([204]).

21- ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن أبي المظفر السمعاني([205]) أنه قال في كتابه الاصطلام: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة. اهـ([206]).

22- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»... ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما لا يكون لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المُدَّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب: فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور؟ ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم: من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله. اهـ([207]).

23- قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً فضل الصحابة عموماً على غيرهم ممن جاء بعدهم، وذاكراً الصفات التي أهَّلتهم لذلك عند كلامه على ذكر أنواع الرأي المحمود: النوع الأول: رأي أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوباً، وأعمقهم وأقلهم تكلفاً، وأصحهم قصوداً، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكاً، وأصفاهم أذهاناً، الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته... وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيراً من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً وحكمة وعلماً ومعرفة وفهماً عن الله ورسوله، ونصيحة للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا وساطة يينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضاً طرياً لم يَشِبْه إشكال، ولم يَشِبْه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأى غيرهم بآرائهم من أفسد القياس([208]).

24- قال يحيى بن أبي بكر العامري([209]) رحمه الله تعالى: وينبغي لكل صين متدين مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر، والاعتذار عن مخطئهم، وطلب المخارج الحسنة لهم، وتسليم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه، فهم أعلم بالحال والحاضر يرى ما لا يرى الغائب، وطريقة العارفين الاعتذار عن المعائب، وطريقة المنافقين تتبع المثالب، وإذا كان اللازم من طريقة الدين ستر عورات عامة المسلمين، فكيف الظن بصحابة خاتم النبيين؟ مع اعتبار قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحداً من أصحابي»([210])، وقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»([211]) هذه طريقة صلحاء السلف، وما سواها مهاوٍ وتلف. اهـ([212]).

25- وقال السفاريني رحمه الله تعالى: ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن الصحابة الكرام هم الذين حازوا قصبات السبق، واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق، فالسعيد من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهجهم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم، ولم يتحقق بتحقيقهم، فأي خطة رشد لم يستولوا عليها، وأي خطة خير لم يسبقوا إليها تالله لقد وردوا ينبوع الحياة عذباً صافياً زلالاً، ووطدوا قواعد الدين والمعروف، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً، فتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان، وبذل النفوس النفيسة في مرضاة الرحيم الرحمن، فلا معروف إلا ما عنهم عرف، ولا برهان إلا ما بعلومهم كشف، ولا سبيل نجاة إلا ما سلكوا، ولا خير سعادة إلا ما حققوه وحكوه، فرضوان الله تعالى عليهم أجمعين. اهـ([213]).

فهذه خمسة وعشرون نقلاً عمن قدمنا ذكرهم من أهل العلم، بينوا فيها ما يجب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامهم هذا الذي قدمنا ذكره هو محمدة لهم، ولمن تكلم به من بعدهم، فأولئك الأسلاف دائماً كلامهم يذكر ويثنى عليهم به، ويترحم عليهم بسببه؛ لكونهم قاموا بما يجب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامهم الذي تقدم ذكره هو اللائق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَّا من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي؛ فإنه في الحقيقة لم يضرهم، وإنما يضر نفسه، وذلك بأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم قدموا على ما قدموا، وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، والكلام فيهم بما لا يليق بهم، فإنه لا ينقصهم بل يزيدهم رفعة في درجاتهم، وزيادة في حسناتهم، فإن المتكلم فيهم يكون كلامه فيهم بغير حق، والمتكلم فيهم إذا كانت له حسنات فإنهم يأخذون من حسناته، ويكون ذلك رفعة في درجاتهم، وإن لم يكن له حسنات فإنه كما قيل لا يضر السحاب نبح الكلاب.

والذي أخلص إليه من تلكم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكلام السلف الذي تقدم في بيان فضل الصحابة على وجه العموم: أنه يجب على كل مسلم أن ينقاد لما دل على إثبات فضلهم رضي الله عنهم، ويسلم لهم بذلك، ويعتقد اعتقاداً جازماً أنهم خير القرون، وأفضل الأمة بعد النبيين([214])، ومن لم يسلم لهم بذلك أو يشك فيه، فليتدارك نفسه ويتب إلى الله؛ لأن مقتضى ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذب الله ورسوله لا حظ له في الإسلام.

 الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة منهم رضي الله عنهم: 

الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة منهم رضي الله عنهم

وفيه مباحث:

المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين.

المبحث الثاني: الثناء على أهل بدر.

المبحث الثالث: الثناء على أهل أحد.

المبحث الرابع: الثناء على أهل بيعة الرضوان.

 المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين:

السبق: هو التقدم: إمَّا في الصفة، أو في الزمان، أو في المكان.

فالتقدم في الصفة: يكون لمن سبق إلى الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، واتخذ ما ينفق قربات عند الله عز وجل.

والتقدم في الزمن: يكون لمن تقدم في أوان قبل أوان.

والتقدم في المكان: يكون لمن تبوأ دار النصرة، واتخذها بدلاً عن موضع الهجرة، وأفضل هذه الوجوه هو السبق في الصفات([215]).

قال الراغب الأصبهاني([216]): أصل السبق: التقدم في السير نحو ((فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً)) [النازعات:4].... ويستعار السبق: لإحراز الفضل والتبريز، وعلى ذلك ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)) [الواقعة:10] أي: المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة، نحو قوله: ((يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)) [المؤمنون:61]. اهـ.([217]).

ومما يدل على أن السبق بالصفات هو الأفضل: قوله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً، والنصارى بعد غد»([218])، والمراد باليوم المذكور في الحديث هو يوم الجمعة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الأمم التي كانت قبلنا، وإن سبقونا في الزمن إلا أننا سبقناهم بتحصيل الفضل العظيم من الله عز وجل، والصحابة رضوان الله عليهم حسب تقدمهم في السبق إلى الإيمان والهجرة والنصرة، كانوا على درجات متفاوتة في الفضل والحصول على كثرة الثواب وعظمه، وذلك بحسب مبادرتهم إلى الدخول في دين الله تعالى، ولقد جاء الثناء على السابقين الأولين منهم في كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وقبل أن نذكر ما جاء من ذلك الثناء، نبين المراد بالسابقين الأولين، كما بين ذلك أهل العلم.

فقد اختلف العلماء في المراد بالسابقين الأولين على أقوال ستة، وهذا الاختلاف مبني على بيان المراد من قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100]، وتلك الأقوال كما يلي:

القول الأول: إنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عيه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة.

قال قتادة: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] قال: (هم الذين صلوا القبلتين جميعاً، وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان، فهم الذين أسلموا لله إسلامهم، وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير)([219]).

القول الثاني: إنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان وهي الحديبية، قاله الشعبي.

القول الثالث: إنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح.

القول الرابع: إنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل لهم السبق بصحبته.

القول الخامس: إنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى، قاله الماوردي([220]).

القول السادس: إنهم الذين أسلموا قبل الهجرة([221]).

قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول جابر، وبه قال مجاهد وابن إسحاق، أسلم وهو ابن عشر سنين.

وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النّخعي والشعبي.

وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة.

قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلاً محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان فيها، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الإسلام، ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام([222]).

وأمَّا السابقون الأولون من الأنصار: فهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكان عددهم ستة نفر، وفي بعض الروايات أنهم ثمانية، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً([223])، وأهل بيعة العقبة الثانية كانوا سبعين رجلاً وامرأتين والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وكان قد أرسله عليه الصلاة والسلام مع الاثني عشر الذين قدموا عليه من العام المقبل بعد النفر الستة، أو الثمانية -كما في بعض الروايات- ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين([224]).

تلك هي أقوال العلماء في المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. بقي أن نعرف هنا القول الراجح من تلك الأقوال الستة المتقدمة، فالقول الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام حيث قال بعد ذكره لقوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) [الحديد:10]، قال رحمه الله تعالى: وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة، ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم يدركه، كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات الخمس هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو قبل أن يفرض هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم، والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل تحريم الربا كذلك. فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئاً فشيئاً، وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه، وله بذلك فضيلة، ففضيلة من أسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب، وليس مثل هذا ما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين، إذ ليس بعض هذه الشرائع أولى بمن يجعله خيراً من بعض؛ ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية، فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص، وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، وبايع النبي بيده عن عثمان لأنه قد كان غائباً قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته. اهـ([225]).

فالقول الراجح في المراد بالسابقين الأولين، هو هذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، ويؤيده ما يلي:

1- ما رواه مسلم بإسناده إلى أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([226]). فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لـخالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) يعني: عبد الرحمن بن عوف وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان. فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء... والمقصود أنه نهى من له صحبة آخراً أن يسب من له صحبة أولاً؛ لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية -وإن كانوا قبل فتح مكة - فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؟([227]).

2- ما رواه مسلم أيضاً: بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بـسرغ([228])، لقيه أهل الأجناد([229]) أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء([230]) قد وقع بـالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بـالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس أني مصبح([231]) على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله...) الحديث([232]).

فـعمر رضي الله عنه رتبهم في هذا الحديث حسب فضائلهم، فبدأ أولاً بالسابقين الأولين من مهاجرين وأنصار: وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وإلى مهاجرة (الفتح): وهم الذين أسلموا عام الفتح وهاجروا بعده، فحصل لهم اسم الهجرة دون فضيلتها([233]).

وبهذين الحديثين السابقين تبين أن القول الراجح من المراد بالسابقين الأولين هم: الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، ويدخل فيهم أهل بيعة الرضوان جميعاً، الذين بلغ عددهم أكثر من ألف وأربعمائة -كما تقدم- ومعنى كونهم سابقين: أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين، وأولئك السابقون الأولون كانوا فريقين: فريق المهاجرين، وفريق الأنصار، وسأذكر الآن طرفاً من فضائل كل فريق من الكتاب والسنة، وأبدأ بفريق المهاجرين؛ لأن أهل السنة والجماعة يقدمون المهاجرين على الأنصار، ويفضلونهم من وجوه:

أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب.

وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهراً دهيراً، وزماناً مديداً من كفار قريش، وصبروا عليه، وهذه الحال ما حصلت للأنصار.

وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار.

ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»([234])، فوجب أن يكون المقتدي أقل مرتبة من المقتدى به، فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة، ولهذا نجد القرآن الكريم كلما تعرض لذكر المهاجرين والأنصار قدم المهاجرين على الأنصار([235]).

وإلى ما جاء في فضل المهاجرين الأولين رضي الله عنهم، وقبل أن نذكر طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في بيان فضل المهاجرين، نسبق ذلك ببيان المراد (بالهجرة) فنقول:

أصل الهجرة: الترك، والمراد ترك الوطن([236]) والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين:

الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن: كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.

الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان: وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بـالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً([237]).

ولقد ورد الثناء في كثير من الآيات القرآنية على المهاجرين الذين تركوا دورهم ومنازلهم كراهة البقاء بين المشركين وفي سلطانهم، حيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم، فهاجروا إلى بلد الإيمان الذي يأمنون فيه على أنفسهم من فتنة المشركين، وليستعدوا لجهاد المشركين لنصرة دين الله ورسوله، وليدخلوا المشركين في دين الله حتى يلتزموا بما يرضيه سبحانه وتعالى. فمن الثناء الذي جاء في حق السابقين من المهاجرين من الآيات القرآنية ما يلي:

1- قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [البقرة:218]، فهذه الآية الكريمة تضمنت مدح المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم صدقوا بالله وبرسوله وبما جاء به، وأنهم هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها هجرة لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه... وحاربوا في دين الله ليدخلوا أهل الكفر فيه، وفيما يرضي الرب جل وعلا، ثم وصفهم في ختام الآية أنهم يطمعون في رحمة الله إياهم؛ لكي يدخلوا الجنة بفضله سبحانه، ثم بين تعالى أنه ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم برحمته التي وسعت كل شيء([238]).

قال قتادة رحمه الله تعالى: (أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحق الثناء فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [البقرة:218]، هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب([239]). وقد أخبر تعالى أنه جعل جزاء الذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيله، وقاتلوا وقتلوا؛ تكفير سيئاتهم وإدخالهم جنات تجرى تحتها الأنهار.

2- قال تعالى: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [آل عمران:195]. وهذه الآية الكريمة فيها بيان لفضل أولئك المهاجرين من الصحابة ذكوراً وإناثاً، الذين تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان، والخلان والجيران، بعد أن ضايقهم المشركون بالأذى، حتى ألجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ((وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي)) [آل عمران:195] أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده كما قال تعالى: ((يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ)) [الممتحنة:1]. وهذا من أعلى المقامات أن يقاتل العبد في سبيل الله؛ فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً قال: «يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب([240])، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك»([241])، ولهذا قال تعالى: (لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقوله: (ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً([242])، وهذا النعيم المذكور يتنعم به المؤمنون في الجنة، وفي صدارتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

3- قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]. هذه الآية الكريمة اشتملت على ثناء رفيع، وفضل عظيم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهذا الفضل الذي تضمنته هذه الآية: هو أن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه، وهيأ لهم جنات تجرى تحتها الأنهار، وقضى لهم بالخلود الأبدي الذي لا يعتريه فناء أو زوال، إنه لفوز أيما فوز، إنه المقام الرفيع الذي لا يصل إلى درجتهم فيه إنسان أتى بعدهم. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: عند هذه الآية الآنفة الذكر يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولاً إلى الإيمان بالله ورسوله، من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام؛ طلب رضا الله... ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [المائدة:119] أي: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان؛ لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، ذلك الفوز العظيم. اهـ([243]).

وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: قوله عز وجل: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ)) [التوبة:100] الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا أوطانهم، ((وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] أي: ومن الأنصار، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة، وآووا أصحابه، ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100] قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين، وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم بالإيمان والهجرة، أو النصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاء([244]): هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء. وقال أبو صخر حميد بن زياد:([245])أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: (ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأردت الفتن-؟ فقال: جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة: محسنهم ومسيئهم، فقلت: من أين تقول هذا؟ فقال اقرأ قول الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] إلى أن قال: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] وقال: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100]، شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة، قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط). اهـ([246]).

وقال العلامة ابن كثير: عند قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] الآية: يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم... فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني: الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم ويسبونهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدئون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون. اهـ([247]).

4- قال تعالى: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [التوبة:20-22].

في هذه الآيات شهادة من الله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم -الذين آمنوا بالله وهاجروا وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم- بالفوز وعظيم الدرجات، وبشرهم سبحانه برحمة منه ورضوان، وبالنعيم المقيم الأبدي الذي لا يبيد ولا يفنى، وهذا من أعظم البشارات، ومن أسمى الغايات التي يرجوها المؤمنون من ربهم جل وعلا.

وقد جاء في سبب النزول ما رواه مسلم بإسناده إلى النعمان بن بشير قال: «كنت عند منبر رسول الله فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [التوبة:19] الآية إلى آخرها»([248]).

وهذا السبب وإن كان خاصاً، فالعبرة فيه بعموم اللفظ، فهي في جميع الصحابة الذين اتصفوا بالصفات المذكورة التي هي: الإيمان والهجرة والجهاد، وقد تميزوا رضي الله عهم بسعادة الدارين، وقد أكد سبحانه فوزهم بقوله جل وعلا: ((يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ)) [التوبة:21]، والبشارة: الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه، وتستنير بشرة وجهه، والخبر الذي بشرهم به هو قوله: ((بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ)) [التوبة:21]، وهذا من أعظم البشارات وأعلاها.

5- قال تعالى: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [النحل:41]. وهذه الآية فيها الثناء على المهاجرين الذين فارقوا قومهم وديارهم، وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم، إلى آخرين غيرهم، وكانت هجرتهم بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكارة في ذات الله ظلماً وعدواناً، ثم وعدهم الله بأن يمكنهم في الدنيا مسكناً صالحاً يرضونه، مع ما ينتظرهم من الأجر العظيم والثواب الجزيل في دار النعيم.

روى ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [النحل:41] قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون. وقال قتادة رحمه الله تعالى: هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق بهم طوائف منهم بـالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين. وقال عامر بن شراحيل الشعبي: ((لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)) [النحل:41] قال: المدينة([249]).

وقال الحافظ ابن كثير: عند هذه الآية المتقدمة: يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة؛ ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسد في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد فعل، فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: ((لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)) [النحل:41] قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد، ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيراً منها في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاماً، وكل منهم للمتقين إماماً، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ((وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ)) [النحل:41] أي: مما أعطيناهم في الدنيا ((لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [النحل:41] أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: (خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: ((لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [النحل:41)] اهـ([250]).

6- قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)) [الواقعة:10-11].

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وقوله: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)) [الواقعة:10] وهم الزوج الثالث، وهم الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله، وهم المهاجرون الأولون. اهـ([251]).

وقال البغوي رحمه الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)) [الواقعة:10] قال ابن عباس رضي الله عنه: (السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة).

وقال عكرمة([252]): (السابقون إلى الإسلام). وقال محمد بن سيرين: (هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100)]. وقال الربيع بن أنس: (السابقون إلى إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى)([253])وكل هذه الأوصاف منطبقة على السابقين الأولين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم المسارعون لفعل كل خير لا يمكن أن يسبقهم فيه أحد جاء بعدهم: فهم السابقون إلى الهجرة، والسابقون إلى الإسلام، وإلى الصلاة إلى القبلتين، وإلى إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى كل عمل يقرب إلى الجنة ويباعد عن النار.

7- وقال تعالى منوهاً بفضل المنفقين والمقاتلين لأعداء الله من قبل الفتح من السابقين الأولين: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10]

فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أعظم درجة وأعلى منزلة ممن أنفق بعد ذلك. ثم وعد سبحانه الجميع بعد ذلك بالحسنى: أي المنفقين قبل الفتح وبعده، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء والحسنى هي الجنة.

وقد اختلف المفسرون في المقصود (بالفتح) في هذه الآية:

فقال بعضهم: معناه لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر.

وقال مجاهد([254]): في قوله: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) [الحديد:10] قال: (آمن فأنفق، يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر).

وقال آخرون: عنى بالفتح: فتح مكة، وبالنفقة: النفقة في جهاد المشركين. قال قتادة: (كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل الفتح (فتح مكة) أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك).

وقال آخرون: عنى بالفتح في هذا الموضع صلح الحديبية. والقائلون بهذا استدلوا عليه بما أخرجه ابن جرير الطبري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، قلنا: من هم يا رسول الله أقريش هم؟ قال: لا، ولكن أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً. فقلنا: هم خير منا يا رسول الله فقال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس، ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ)) [الحديد:10] الآية».

وهذا القول رجحه ابن جرير مستدلاً بهذا الحديث. وقال رحمه الله تعالى عند قوله عز وجل في الآية: ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) [الحديد:10]: يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية وقاتلوا المشركين، أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا، وقوله: ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله وقتالهم أعداءه. اهـ([255]).

وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلهم أهل الجنة قطعاً، قال الله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10]. وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101]، فثبت أن الجميع من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة. فإن قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية التي تقدمت قريباً، وهي قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100] الآية، يخرج من لم يتصف بذلك، وهي من أصرح ما ورد في المقصود، ولهذا قال المازري([256]) في شرح البرهان: لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رآه صلى الله عليه وسم يوماً، أو زاره لماماً، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون. انتهى. وعقب الحافظ ابن حجر على هذا القول، فقوله: والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة، وأمَّا كلام المازري فلم يوافق عليه، بل اعترضه جماعة من الفضلاء. اهـ([257]).

وقال عماد الدين بن محمد الطبري المعروف (بـألكيا الهراسي) عند قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) [الحديد:10]: عنى به فتح الحديبية، ودل به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين، أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار، وهو مثل قوله تعالى: ((الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117]([258]).

8- قال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8].

وهذه الآية تضمنت الثناء على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، وتركوا أموالهم؛ ابتغاء فضل الله ورضوانه، ورغبة في نصرة الله ورسوله، وشهد الله لهم بالصدق في ختام هذه الآية، وأكرم بها من شهادة؛ فإن فيها تزكية لهم من رب العالمين.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الحشر:8] أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم؛ ابتغاء مرضاة الله ورضوانه، ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8] أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين. اهـ([259]).

وفي كل ما تقدم من الآيات القرآنية دلالات واضحات على فضل السابقين الأولين من المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وكما دل القرآن على فضلهم، كذلك دلت السنة على أن السابقين الأولين من المهاجرين لهم قدم صدق عند ربهم، وفضل عظيم ينالونه جزاء نصرتهم دين الإسلام، وقد وردت مناقبهم في أحاديث كثيرة، ومنها ما يلي:

1- من مناقبهم الواردة في السنة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أن الهجرة سبب من أسباب المغفرة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في حصن ومنعة (قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع، فأخذ مشاقص([260]) له، فقطع بها براجمه([261]) فشخبت([262]) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم وليديه فاغفر»([263]).

2- ومن مناقبهم التي وردت في السنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام: أن فقراء المهاجرين هم أول من يعبر الصراط إلى الجنة، وأنهم يدخلونها قبل الأغنياء بأربعين سنة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله حدثه قال: قال: «كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر([264]) من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي، فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، فنكت([265]) رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال: سل، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر([266]) قال: فمن أول الناس إجازة؟([267]) قال: فقراء المهاجرين، قال: فما تحفتهم([268]) حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد النون([269]) قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً([270]) قال: صدقت» الحديث([271]).

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً»([272]).

3- ومن مناقبهم الدالة على عظيم شأنهم وعلو قدرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المهاجرين الأولين فازوا بفضل الهجرة، وظفروا بالأجر العظيم، والثواب الجزيل. روى الإمام البخاري بإسناده إلى مجاشع بن مسعود رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: ذهب أهل الهجرة بما فيها»([273]).

4- ومن الأحاديث الواردة في بيان عظيم شأن المهاجرين الأولين: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن الهجرة فيها عبء شديد، ولا يصبر على ذلك إلا من وفقه الله، وقد وفق الله لتحمل ذلك والصبر عليه أولئك الأتقياء الأخيار من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين خرجوا من مكة، ومن جاء من بلد آخر مهاجراً إلى الله ورسوله وظفر بشرف الصحبة، فقد روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال: «ويحك، إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار([274])، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً»([275]).

والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي، ملازمة المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم وترك أهله ووطنه، فخاف عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقوى لها، ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك وحيث ما كنت، فهو ينفعك ولا ينقصك الله منه شيئاً. اهـ([276]).

5- ومن مناقب المهاجرين الأولين أنه صلى الله عليه وسلم وصى بهم وبأبنائهم من بعدهم خيراً: فقد روى الطبراني في الأوسط والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: «لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة قالوا: يا رسول الله أوصنا، قال: أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وبأبنائهم من بعدهم، إلا تفعلوه لا يقبل منكم صرف ولا عدل» قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، إلا أنه قال: «أوصيكم بالسابقين الأولين وبأبنائهم من بعدهم» ورجاله ثقات([277]). وقد بين أهل العلم أن المراد بالصرف: التوبة، وقيل: النافلة. والمراد بالعدل: الفدية، وقيل: الفريضة([278]) فالذي لم يحفظ وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه المهاجرين، باعتقاد ما يجب لهم من المحبة والاحترام والاعتراف بفضلهم وسابقتهم؛ فإنه على حالة خطيرة، ويكون مآله إلى شر والعياذ بالله، ومن الذي يرضى لنفسه بعدم قبول فريضته ونافلته؟ اللهم إلا من رضي لها في الدنيا بالخذلان، وفي الآخرة بنهاية الخسران أعاذنا الله من ذلك.

وقد بين عليه الصلاة والسلام أن الهجرة لا يعدلها شيء في الثواب.

فقد روى الإمام النسائي بإسناده إلى كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه أنه قال: «يا رسول الله حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها»([279]).

ولما في الهجرة من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، حرص عليه الصلاة والسلام على عدم انقطاع الهجرة للمهاجرين من الصحابة، ولذلك دعا الله عز وجل أن يتم هجرتهم كما في حديث سعد بن أبي وقاص عندما مرض في حجة الوداع، وفيه: «... أنه قال: قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم...» الحديث([280]).

فهذا الحديث اشتمل على منقبة للمهاجرين من مكة إلى المدينة وغيرها، حيث دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً عاماً، ومعنى أمضِ لأصحابي هجرتهم أي: أتممها ولا تبطلها، ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية([281]).

وقال العيني: اللهم أمضِ، بقطع الهمزة يقال: أمضيت الأمر أي: أنفذته، أي: تممها لهم، ولا تنقصها عليهم فيرجعون عن المدينة. قوله: (ولا تردهم على أعقابهم) أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه: رجع على عقبيه وحار، ومنه الحديث «أعوذ بك من الحور بعد الكور»([282]).

والحاصل مما تقدم من الآيات والأحاديث الواردة في فضل السابقين من المهاجرين، أنها اشتملت على مناقب عالية، وعلى مدح عظيم لأولئك المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم، وخرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله لنصرة دين الإسلام الحنيف، فرضي الله عنهم أجمعين، ولنأت الآن إلى ما ورد من الثناء في القرآن الكريم والسنة المطهرة على الفريق الثاني من السابقين، وهم أنصار الإسلام، وكتيبة الإيمان من الأوس والخزرج، وقبل أن أذكر ما جاء من الثناء عليهم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أبين معنى كلمة (الأنصار):

فالأنصار: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد أي: أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مضمومة وياء تحتانية ساكنة، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، فصار ذلك علماً عليهم وأطلق أيضاً: على أولادهم وحلفائهم ومواليهم، وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم([283]).

وقد كثر الثناء على الأنصار في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، فمن الثناء عليهم في الكتاب العزيز ما يلي:

1- قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72].

2- قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74].

ففي هاتين الآيتين وصف الله تعالى الأنصار بأنهم آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين، وأنهم نصروه عليه الصلاة والسلام بقتالهم معه أهل الكفر والضلال. وبيَّن تعالى أن الأنصار والمهاجرين بعضهم أولياء بعض في النصرة والمساعدة، ثم ختم الله الآيتين بحكم يشمل المهاجرين والأنصار، وهو قوله: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] فقد حكم الله لهم بأنهم أهل الإيمان بالله ورسوله حقاً، وأن لهم ستراً من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها وأن لهم في الجنة مطعماً ومشرباً هنياً كريماً، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجواً، ولكنه يصير رشحاً كرشح المسك([284]).

قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: ((وَالَّذِينَ آوَوا)) [الأنفال:74] نبي الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه أي: أسكنوهم منازلهم، ((وَنَصَرُوا)) [الأنفال:74] أي: نصروهم على أعدائهم وهم الأنصار رضي الله عنهم، ((أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72] دون أقربائهم، قيل: في العون والنصرة، وقال ابن عباس: في الميراث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر، حتى كان فتح مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا، وصار ذلك منسوخاً بقوله عز وجل: ((وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [الأنفال:75]. اهـ([285]).

وقال الشوكاني رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآيتين السابقتين: ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة؛ ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم؛ لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله وإجابة لداعيه، ((وَالَّذِينَ آوَوا)) [الأنفال:74] هم الأنصار، والإشارة بقوله: ((أُوْلَئِكَ)) [الأنفال:74] إشارة إلى الموصول الأول والآخر... إلى أن قال: ثم بين -سبحانه- حكماً آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله، والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار، فقال: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)) [الأنفال:74] أي: الكاملون في الإيمان، وليس في هذا تكرير لما قبله، فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة. ثم أخبر سبحانه أن لهم منه مغفرة لذنوبهم في الآخرة، ولهم رزق كريم خالص عن الكدر طيب مستلذ. اهـ([286]).

فالآيتان المتقدمتان اشتملتا على إثبات منقبتين عظيمتين للأنصار رضي الله عنهم، وهاتان المنقبتان: الإيواء والنصرة، فلقد آووا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه من المهاجرين، ونصروا دين الله ورسوله بمقاتلة جيوش الكفر والشرك والضلال؛ ليدخلوهم في دين الإسلام الحق الذي ارتضاه الله لعباده ديناً.

3- أثنى الله عليهم بسبقهم إلى الإسلام مع إخوانهم المهاجرين رضي الله عنهم، حيث قال: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].

فالمراد بالأنصار في هذه الآية: هم الذين تبوءوا الدار والإيمان، وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون([287]). فقد بين تعالى في هذه الآية أنه رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضاءً مطلقاً، ورضاه سبحانه أكبر من نعيم الجنة، ثم بين تعالى أن مصيرهم هو دخول الجنة التي تجري تحتها الأنهارُ الجارية، التي تساق إلى سقي الجنان والحدائق الزاهرة، وأنهم خالدون فى الجنة لا يبغون عنها حولاً، ولا يطلبون منها بدلاً وأنهم مهما تمنوا من نعيم أدركوه، ومتى ما أرادوه وجدوه، ((ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] الذي حصل لهم فيه كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور([288]) فهذا النعيم في مقدمة من يظفر به السابقون الأولون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مهاجرين وأنصار، فهذه الآية اشتملت على منقبة عظيمة للسابقين من الأنصار رضي الله عنهم، وتلك المنقبة هي سبقهم إلى الإسلام، فوزهم برضا الملك العلام، ودخولهم ما أعده الله لهم من الجنان.

4- قال تعالى في ثنائه عليهم بالأخلاق الفاضلة النبيلة التي اتسموا بها: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9]. فهذه الآية اشتملت على الثناء على أنصار الإسلام وكتيبة الإيمان بحبهم لإخوانهم المهاجرين، وطهارة أنفسهم من الحسد لهم على ما منَّ الله به عليهم من شرف الهجرة، وإيثارهم لهم على أنفسهم بمواساتهم لهم بأموالهم. ثم بين تعالى في ختام الآية أن فلاحهم واقع ومتحقق لا محالة.

قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] يقول: اتخذوا المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فابتنوها منازل، (والإيمان) بالله ورسوله، (من قبلهم) يعني: من قبل المهاجرين، (يحبون من هاجر إليهم): يحبون من ترك منزله وانتقل إليهم من غيرهم، وعني بذلك الأنصار يحبون المهاجرين... ثم روى بإسناده إلى قتادة أنه قال: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9] يقول: مما أعطوا إخوانهم، هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم فابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوليان من هذه الآية أخذتا بفضلهما، ومضتا على مهلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء.

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) [الحشر:9] قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين -إلى أن قال: وقوله- ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9] يقول جل ثناؤه: ولا يجد الذين تبوءوا الدار من قبلهم -وهم الأنصار- في صدورهم حاجة –يعني: حسداً- مما أوتوا –يعني: مما أوتي المهاجرون من الفيء- وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير ببن المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا رجلين([289]) من الأنصار أعطاهما لفقرهما، وإنما ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة... وقوله: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) [الحشر:9] يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم، ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9] يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم([290]).

وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه سبب نزول قوله تعالى في الآية: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]، فقد روى بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضم -أو يضيف- هذا؟ فقال رجل([291]) من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما. فأنزل الله: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9]»([292]).

قال العلامة ابن جرير مبيناً معنى قوله تعالى في ختام الآية السابقة ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) [الحشر:9]: يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شح نفسه؛ ((فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9] المخلدون في الجنة، والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل من المال. اهـ([293]).

وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9]: وهم الأنصار، تبوءوا الدار: توطنوا الدار أي: المدينة، اتخذوها دار الهجرة والإيمان، ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9] أي: أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ونظم الآية ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) [الحشر:9] أي: من قبل قدوم المهاجرين عليهم، وقد آمنوا، لأن الإيمان ليس بمكان تبوء ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً)) [الحشر:9]: حزازة وغيظاً وحسداً ((مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9] أي: أعطي المهاجرون دونهم من الفيء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار، فطابت أنفس الأنصار بذلك، ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) [الحشر:9] أي: يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم، ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]: فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم. اهـ([294]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآية السابقة، وما تضمنته من فضل للأنصار: قال تعالى مادحاً للأنصار، ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حسدهم، وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9] أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين، وآمنوا قبل كثير منهم، وقوله تعالى: ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) [الحشر:9] أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم... وقوله: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9] أي: ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة... وقوله تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9] أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. اهـ([295]).

وقال الشوكاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9] الآية، قال: لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9] المراد بالدار: المدينة، وهي دار الهجرة، ومعنى تبوئهم الدار والإيمان: أنهم اتخذوها مباءة أي: تمكنوا منهما تمكناً شديداً، والتبوء في الأصل إنما يكون للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه... ومعنى ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) [الحشر:9] من قبل هجرة المهاجرين... لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين، والموصول مبتدأ وخبره ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) [الحشر:9] وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم، ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً)) [الحشر:9] أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسداً وغيظاً وحزازة ((مِمَّا أُوتُوا)) [الحشر:9] أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك... ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9] أي: حاجة وفقر، والخصاصة مأخوذة من خصائص البيت: وهي الفرج التي تكون فيه، وقيل: إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة([296]).

فهذه الآية اشتملت على مناقب للأنصار رضي الله عنهم، وتلك المناقب هي ما تحلوا به من الأمور الطيبة: من كونهم صادقين في إيمانهم بالله ورسوله، ويحبون إخوانهم المهاجرين الذين تركوا ديارهم وهجروا قومهم، ولا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرون من الفيء، (وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لفقرهما)([297]). وكذلك آثروا المهاجرين بإعطائهم من أموالهم، ولو كان بهم حاجة وفاقة، فوقوا شح أنفسهم، فكتب الله لهم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة. ذلك هو الثناء على الأنصار في الآيات القرآنية، وأمَّا الثناء عليهم في السنة المطهرة فقد ورد في كثير من الأحاديث النبوية، ومن ذلك ما يلي:

1- روى الإمام البخاري من حديث غيلان بن جرير قال: قلت لـأنس: (أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله، كنا ندخل على أنس فيحدثنا مناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي أو على رجل من الأزد فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا)([298]).

هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للأنصار رضي الله عنهم، إذ تسميتهم بهذا الاسم تسمية إسلامية سمى به النبي صلى الله عليه وسلم الأوس والخزرج([299]).

2- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: «قالت الأنصار يوم فتح مكة -وأعطى قريشاً-: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار، قال فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ -وكانوا لا يكذبون- فقالوا: هو الذي بلغك قال: أوَلا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم».

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار». فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه أو كلمة أخرى([300]).

وروى أيضاً رحمه الله من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: «لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمن، قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار([301])، والناس دثار([302])، إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»([303]).

هذا الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم؛ اشتمل على مناقب للأنصار رضي الله عنهم حظوا بها وتميزوا بها عن غيرهم، وتلك المناقب هي:

1) تشريفهم بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وسكناه بينهم، وهذه منقبة عظيمة رفعت من قدرهم، وزادت من شرفهم دون سائر الناس، ولو لم يحصل ذلك لما كان بينهم وبين غيرهم من الناس فرق.

2) إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه لا يفارق صحبتهم، ولا يتحول عنهم، فيه منقبة وفضيلة ظاهرة لهم رضي الله عنهم.

3) بين عليه الصلاة والسلام في الحديث الثالث أنهم بطانته وخاصته، وأنهم ألصق الناس به وأقرب إليه من غيرهم رضي الله عنهم.

وقول أنس رضي الله عنه: إن الأنصار رضي الله عنهم قالوا: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم. وقوله في الحديث الآخر: فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس. فهذا القول حصل من أناس منهم حديثة أسنانهم؛ للحديث الآخر الذي رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه: وفيه «أنهم قالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، وأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم([304])، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم» الحديث([305]).

وفيما تقدم دلالة على أن من طلب حقه من الدنيا لا يعتب عليه، وفعل بعض الأنصار ذلك لا ينقص قدرهم، ولا ينزل من مكانتهم العالية، فلهم رضي الله عنهم مناقب رفيعة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عند شرحه لقول أبي هريرة في الحديث المتقدم بعد قوله عليه الصلاة والسلام: «لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار» فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي -أي: ما تعدى في القول المذكور، ولا أعطاهم فوق حقهم، ثم بين ذلك بقوله: «آووه ونصروه»: قوله: أو كلمة أخرى، لعل المراد وواسوه وواسوا أصحابه بأموالهم، وقوله: لسلكت في وادي الأنصار: أراد بذلك حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن الجوار والوفاء بالعهد، وليس المراد بأنه يصير تابعاً لهم، بل هو المتبوع المطاع، المفترض الطاعة على كل مؤمن. اهـ([306]).

ونقل الحافظ رحمه الله تعالى عن الخطابي أنه قال بعد قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم: (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار): أراد بهذا الكلام تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحداً منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه، منها: الولادة، والبلادية، والاعتقادية، والصناعية، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعاً. وأمَّا الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إلا القسمان الآخران، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمراً واجباً، أي: لولا النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبي: معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها؛ فمنعت من ذلك وهي أعلى وأشرف، فلا تتبدل بغيرها، وقيل: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل: التقدير: لولا أن ثواب الهجرة أعظم؛ لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يرد ظاهر النسب أصلاً. اهـ([307]).

وقال صديق حسن خان عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار): فيه إشارة إلى ترجيح الأنصار بحسن الجوار والوفاء بالعهد، لا وجوب متابعته صلى الله عليه وسلم إياهم؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم المتبوع المطاع لا التابع المطيع، فما أكثر تواضعه صلى الله عليه وسلم. اهـ([308]). وقال أبو بكر بن العربي في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: (لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها): أخبر أنه لا يفارق صحبتهم ولا يزال دارتهم. اهـ([309]).

وقال الإمام النووي عند قوله صلى الله عليه وسلم: (لسلكت شعب الأنصار): قال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وقال ابن السكيت([310]): هو الطريق في الجبل، وفيه فضيلة الأنصار ورجحانهم. اهـ([311]).

وقال أيضاً عند قوله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار شعار والناس دثار) معنى الحديث: الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء، وألصق بي من سائر الناس؛ وهذا من مناقبهم الظاهرة، وفضائلهم الباهرة. اهـ([312]).

ومن خلال أقوال العلماء المتقدمة التي سقناها لبيان معنى الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم: تبين أنه اشتمل على مناقب عظيمة للأنصار، لما تضمنه من الثناء البالغ عليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن أدبهم رضي الله عنهم في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم، ولقد آثروا -رضي الله عنهم- الآخرة على الدنيا، فقد زهدت نفوسهم عن حطام الدنيا الفاني، ورضوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً ومغنماً، كما في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لَمَا تنقلبون به خير مما ينقلبون به فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا»([313]).

3- ومن مناقبهم رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنهم من أحب الناس إليه، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبياناً ونساء مقبلين من عرس، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم ممثلاً([314]) فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي. يعني: الأنصار»([315]) وعند الإمام البخاري: فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي، قالها ثلاث مرار»([316]).

وروى الإمام مسلم أيضاً بإسناده إلى أنس قال: «جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي» ثلاث مرات([317]).

وعند الإمام البخاري رحمه الله تعالى بلفظ: «جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إلي.. مرتين»([318]).

فكونه عليه الصلاة والسلام بيّن أن الأنصار رضي الله عنهم من أحب الناس إليه، وأقسم بمن نفسه بيده -وهو الله عز وجل- على ذلك، لهو من أعظم مناقبهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهكذا يجب على المسلم أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله –يعني: البخاري في صحيحه -: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أنتم أحب الناس إلي» هو على طريق الإجمال، أي: مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم فلا يعارض قوله في الحديث: في جواب «من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر» الحديث([319]).

4- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: سرعة امتثالهم أمر الله ورسوله، وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي عنه قال: «قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا»([320]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (المؤنة) أي: العمل في البساتين من سقيها والقيام عليها. قال المهلب: إنما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم، فكره أن يخرج شيء من عقار الأنصار عنهم، فلما فهم الأنصار ذلك؛ جمعوا بين المصلحتين: امتثال ما أمرهم به وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين، فسألوهم أن يساعدوهم في العمل ويشركوهم في الثمر، وفيه (فضيلة ظاهرة للأنصار). اهـ([321]).

5- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم من جملة من تولاهم الله ورسوله، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله موالي دون الناس، والله ورسوله مولاهم». وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع مواليّ ليس لهم مولى دون الله ورسوله»([322]).

فكونهم رضي الله عنهم ممن تولاهم الله ورسوله؛ فهو من أعظم المناقب وأعلى المراتب، وهذا من علامة السعادة الأبدية التي ينالها عباد الله وأولياؤه الصالحون.

ومعنى الحديث: أني وليهم، والمتكفل بهم وبمصالحهم، وهم مواليه أي: ناصروه والمختصون به. اهـ([323]).

6- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وثق بهم، واعتمدهم في أموره، وأوصى من بعده أن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: «مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم؛ فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم»([324]).

وعند الإمام مسلم بلفظ: «إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، واعفوا عن مسيئهم»([325]).

فقد جعلهم عليه الصلاة والسلام جماعته وموضع سره وأمانته في قوله: (كرشي وعيبتي). قال النووي في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار كرشي وعيبتي): قال العلماء: معناه: جماعتي وخاصتي الذي أثق بهم، وأعتمدهم في أموري. قال الخطابي: ضرب مثلاً بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة: وعاء معروف أكبر من المخلاة، يحفظ الإنسان فيها ثيابه وفاخر متاعه ويصونها، ضربها مثلاً لأنهم أهل سره وخفي أحواله صلى الله عليه وسلم، (فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم) وفي بعض الأصول: (عن سيئتهم) والمراد بذلك فيما سوى الحدود([326]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أي: الذي كانوا يجلسونه معه، وكان ذلك في مرض النبي صلى الله عليه وسلم، فخشوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه، فبكوا حزناً على فوات ذلك... قوله: (أوصيكم بالأنصار) استنبط منه بعض الأئمة أن الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأن من فيهم الخلافة يوصون ولا يوصى بهم، ولا دلالة فيه، إذ لا مانع من ذلك. قوله: «كرشي وعيبتي» أي: بطانتي وخاصتي، قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، يقال: لفلان كرش منثورة أي: عيال كثيرة، والعيبة: ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته، قال ابن دريد: هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم الموجز الذي لم يسبق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مستودع الثياب، والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنية والظاهرية، والأول أولى، وكل من الأمرين مستودع لما يخفى فيه، قوله: (وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم) ليلة العقبة من المبايعية، فإنهم بايعوا على أن يئووا النبي صلى الله عليه وسلم وينصروه، على أن لهم الجنة، فوفوا بذلك. اهـ([327]).

7- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخيرية دورهم رضي الله عنهم، ولكن هذه الخيرية ما ثبتت لهذه الدور إلا بعد ثبوتها لأهلها، الذين آووا رسول الله، ونصروا دين الإسلام، ورفعوا رايته، فرضوان الله عليهم أجمعين. روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير، فقال سعد: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا فقيل: قد فضلكم على كثير»([328])

وروى البخاري بإسناده إلى أبي حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير، فلحقنا سعد بن عبادة فقال: أبا سعيد ألم تر أن نبي الله خيَّر الأنصار فجعلنا أخيراً؟ فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خُيّر دور الأنصار فجُعلنا آخراً، فقال: أوَليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار»([329]).

وعند مسلم: (وبلغ ذلك سعد بن عبادة فوجد في نفسه، وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع، أسرجوا لي حماري آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلمه ابن أخيه سهل فقال: أتذهب لترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم، أوَليس حسبك أن تكون رابع أربع، فرجع وقال: الله ورسوله أعلم وأمر بحماره فحل عنه)([330]).

فلله ما أعظم هذه المنقبة، وما أعظم هذا الفضل لهؤلاء الأخيار الذين زكت نفوسهم وطابت أعمالهم، حتى شملت الخيرية دورهم، وهذه المفاضلة بين هذه الدور حصلت حسب سبق أهلها للدخول في الإسلام.

قال النووي عند قوله صلى الله عليه وسلم: (خير دور الأنصار بنو النجار) الحديث: أي: خير قبائلهم، وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة، فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار.

قال العلماء: وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى، ولا يكون هذا غيبة([331]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (خير دور الأنصار... وفي كل دور الأنصار خير). خير الأولى بمعنى أفضل، والثانية اسم أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبه([332]).

وقد جاء رواية البخاري المتقدمة «أن سعداً أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا خيراً فقال: أوليس بحسبكم([333]) أن تكونوا من الخيار»، وفي رواية مسلم أيضاً المتقدمة أنه رجع وقال: الله ورسوله أعلم، وأمر بحماره فحل عنه فالحديثان متعارضان، على هذا، ولا بد من الجمع بينهما:

وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هاتين الروايتين فقال: يمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك خاصة، ثم إنه لما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار، والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة، ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: (أترد على رسول الله أمره -إلى أن قال قوله: من الخيار) أي: الأفاضل؛ لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك. اهـ([334]).

8- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله لهم بأن يصلحهم، ويكرمهم ويغفر لهم، وجمع في ذلك الدعاء بينهم وبين إخوانهم المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وتارة أفردهم بالدعاء بالمغفرة لهم ولأبنائهم، وأبناء أبنائهم، كما استغفر لهم ولذراريهم ومواليهم.

فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عيش إلا عيش الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة».

وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كانت الأنصار يوم الخندق تقول:

نحن الذين بايعوا محمدا                           على الجهاد ما حيينا أبدا

فأجابهم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة».

وروى بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر الخندق، وننقل التراب على أكتادنا([335]) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار»([336]).

ففي هذه الأحاديث جمع عليه الصلاة والسلام بينهم وبين إخوانهم المهاجرين في هذه الدعوات المباركات، التي هي الصلاح والإكرام والمغفرة، وأمَّا إفرادهم بالدعاء لهم بالمغفرة والاستغفار، فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن أبي طلحة أن أنساً حدثه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر للأنصار، قال: وأحسبه قال: ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار، لا أشك فيه»([337]).

9- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه ملازم لهم، وأن محياه محياهم، ومماته مماتهم. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه في فتح مكة، وفيه أن أبا سفيان قال: «يا رسول الله أبيحت خضراء قريش([338])، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ قالوا: قد كان ذاك، قال: كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن باللَه وبرسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم».. الحديث([339]). فقوله صلى الله عليه وسلم: (هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم)، معناه: إني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لا ستيطانها، فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى، بل أنا ملازم لكم، المحيا محياكم والممات مماتكم، أي: لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم.. فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصاً عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك، وتهدينا الصراط المستقيم، كما قال الله تعالى: ((وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [الشورى:52] وهذا معنى قولهم: ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بك، أي: شحاً بك أن تفارقنا، ويختص بك غيرنا، وكان بكاؤهم فرحاً بما قال لهم، وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحى منه([340]) فلله ما أعظمها من منقبة، وما أسماه من مدح وثناء لطائفة الأنصار رضي الله عنهم، الذين ظفروا وفازوا بإيواء ونصر خير البرية، ولذلك فازوا بتصديقهم ومعذرتهم من الله ورسوله فيما قالوه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وهنأهم بما آتاهم.

10- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: إيثارهم الدار الآخرة على الدار الفانية فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بإسنادهما إلى أنس قال: «شق على الأنصار النواضح([341])، فاجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يكري([342]) لهم نهراً سيحاً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحباً بالأنصار، والله لا تسألوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه، ولا أسأل الله لكم شيئاً إلا أعطانيه، فقال بعضهم لبعض: اغتنموها واطلبوا المغفرة فقالوا: يا رسول الله ادع الله لنا بالمغفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار»([343]).

فهذا الحديث فيه بيان أن الأنصار عزموا على أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم نهراً جارياً، يحفرونه ويخرجون طينه، فلما قال لهم: «لا تسألوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه» عدلوا عن طلب النهر، واغتنموا الفرصة وطلبوا المغفرة؛ لأن النهر من متاع الدنيا الفانية، والمغفرة فيها متاع الآخرة الباقية؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى، وهذا من قوة إيمانهم وزهدهم في الدنيا، رضي الله عنهم وأرضاهم([344])، وفي هذا منقبة عظيمة وفضيلة كريمة للأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.

11- ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن جزاءهم على إيوائهم إياه ونصرهم له، ووفائهم بما بايعوه عليه -من الأمور التي فيها عز الإسلام والمسلمين- الجنة التي عرضها السماوات والأرض. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة([345]) وعكاظ([346])، ومنازلهم من منى: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل يرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل، يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، فبعثنا الله إليه، فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة فقال له عمه العباس: يا ابن أخي، لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، إلا أنه قال: رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن يعضكم السيف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم، ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فهو عذر عند الله عز وجل. فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، قال: فقمنا إليه رجلاً، رجلاً فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة»([347]). فهذا الحديث اشتمل على فضيلة عظيمة للأنصار رضي الله تعالى عنهم، فلقد وفوا بما بايعوا عليه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، حتى انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وعلت راية التوحيد، واندحر الشرك وأهله، فكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وهنأهم بما آتاهم، والأحاديث الواردة في فضائلهم ومناقبهم كثيرة، وحسبنا هنا ما تقدم ذكره من مناقبهم العامة رضي الله عنهم، التي شملت السابقين منهم إلى الإسلام، ومن أسلم بعدهم منهم رضي الله عنهم، وهناك مناقب كثيرة تخص أفراداً منهم بأعيانهم محلها كتب السنة، والأحاديث التي أسلفناها هنا اشتملت على مناقب عالية يذكرون بها في الدنيا ذكراً حسناً، ويثنى عليهم بها في الاَخرين إلى يوم القيامة، وهذا حاصل من الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما أعداؤهم من الرافضة، فإنهم لا يؤمنون بفضائلهم: لا العامة منها ولا الخاصة، ولا يذكرونهم بالذكر الحسن، وإنما يذكرونهم بالذكر السيئ: من السباب والشتائم ورميهم بالكفر، وهذا ناشئ من عمى البصيرة والخذلان الذي حل بهم أعاذنا الله من ذلك.

 المبحث الثاني: الثناء على أهل بدر:

([348])

إن الصحابة الذين شهدوا موقعة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الذين اختارهم رب العالمين واصطفاهم، فجعل لهم ميزة تميزوا بها على غيرهم من عباد الله المؤمنين، إذ أن معركة بدر تعتبر من أعظم المعارك التي انتصر فيها الإسلام على الكفر وأهله، وبسببها انتشر ضوء الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، ثم إلى خارجها، وبسببها أضيئت الطريق أمام الدعاة إلى الله لتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، ونبذ جميع المعبودات التي تعبد من دون الله؛ نتيجة اتباع الهوى والتقليد الأعمى، وكل من شارك من الصحابة في وقعة بدر، كانت له المكانة اللائقة بالثناء الحسن في الدنيا، والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، فأهل بدر هم النجوم التي أضاءت تاريخ الإسلام، حتى أصبح يقال لأحدهم: فلان بدري، وشهد بدراً، وكفى بهذه المنقبة شرفاً وتعظيماً لهم في هذه الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بذلك أجراً وإحساناً عند رب العالمين في الحياة الآخرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فلقد أعطاهم ذلك ربهم تبارك وتعالى، وفضلهم على كثير من عباده تفضيلاً، وكانت هذه الغزوة المباركة في السنة الثانية من الهجرة([349])، وقد كان عدد المشركين الذين جاءوا من مكة لإطفاء نور الله ألفاً، وفي رواية أنهم خمسون وتسعمائة([350])، وأما عدد الفئة المؤمنة التي تصدت لمشركي قريش، فقد كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً.

فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه» الحديث([351]).

وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو (أن عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً)([352]).

قال ابن جرير: وأما عامة السلف فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً([353]). والبضع هذا تفسيره ما جاء في رواية صحيح مسلم المتقدمة أنه (تسعة عشر رجلاً)، وهذه الفئة المؤمنة جاء الثناء عليهم في الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهرة.

ففي الكتاب العزيز شهد الله لهم بإخلاص نياتهم في الجهاد في سبيل الله، ومن أجل ذلك أكرمهم الله تعالى بالنصر على أعداء الله من أهل الكفر والضلال، وما ذلك إلا لفضلهم عند الله جل وعلا، وأن لهم كرامة ومكانة ومنزلة رفيعة عنده تبارك وتعالى، كما شهد الله لهم بحقيقة الإيمان.

فالآيات التي أثنى الله عليهم بما ذكر هي:

1- قوله تعالى: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ)) [آل عمران:13].

هذه الآية تشير إلى اللقاء الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين يوم بدر، وفيها ثناء من الله تعالى على أهل بدر بخلوص نياتهم في الجهاد يوم بدر، وأنهم ما قاتلوا يومذاك حمية ولا شجاعة، ولا لترى أماكنهم، وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى؛ فأيدهم الله بنصره، وأكرم بها من منقبة، وأكرم به من موقف عظيم يذكرون به في الدنيا والآخرة، وجدير بهذا الموقف العظيم أنه موضع للتفكر والاتعاظ والاعتبار لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.

قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله عند قوله تعالى: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا)) [آل عمران:13] الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك: قد كان لكم آية يعني: علامة ودلالة على صدق ما أقول: إنكم ستغلبون، والفئة الجماعة من الناس التقتا للحرب، وإحدى الفئتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه ممن شهدوا وقعة بدر، والأخرى مشركو قريش، ((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [آل عمران:13]: جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ((وَأُخْرَى كَافِرَةٌ)) [آل عمران:13]: وهم مشركو قريش.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [آل عمران:13] قال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بـبدر، ((وَأُخْرَى كَافِرَةٌ)) [آل عمران:13]: فئة قريش الكفار.

وقال عكرمة في قوله: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [آل عمران:13] قال: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ((وَأُخْرَى كَافِرَةٌ)) [آل عمران:13].

قال: قريش يوم بدر.

وقال مجاهد: ذلك يوم بدر التقى المسلمون والكفار([354]).

ومن خلال أقوال أئمة التفسير، تبين أن الآية اشتملت على المدح والثناء على الفئة المؤمنة من البدريين، كما أنها أيضاً تضمنت التهديد لليهود الذين كانوا في المدينة حينذاك، فقد أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس قال: «لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر فقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً([355]) لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا؛ فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)) [آل عمران:12] إلى قوله: ((لأُوْلِي الأَبْصَارِ)) [آل عمران:13]». اهـ([356]).

فكأنه يقول لهم: يا معشر يهود، لا يغرنكم كثرة العدد، ولا المال والولد، فليس هذا سبيل النصر والغلب، فالحوادث التي تجري في هذا الكون أعظم دليل على فساد ما تدعون، انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا، فئة قليلة من المؤمنين عددها ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، ولم يكن معها من القوة إلا سبعون بعيراً يعتقبونها، وفرسان فقط([357])، ولما كانت تقاتل في سبيل الله؛ كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين، التي كان عددها ألف رجل، ومعها من القوة مائتا فرس يقودونها([358])، وفي هذا عبرة -أيما عبرة- لذوي البصائر السليمة، التي استعملت العقول فيما خلقت لأجله، من التأمل في الأمور والاستفادة منها، ووجه العبرة في هذا: أن هناك قوة فوق جميع القوى، وهي قوة الله التي يؤيد بها الفئة المؤمنة القليلة، فتغلب الفئة المشركة الكثيرة بإذنه تعالى. وقال ابن جرير مبيناً معنى قوله تعالى في الآية السابقة: ((يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ)) [آل عمران:13]. وتأويل الكلام: قد كان لكم آية يا معشر اليهود في فئتين التقتا:

إحداهما: تقاتل في سبيل الله.

وأخرى: كافرة يراهم المسلمون مثليهم رأي أعينهم، فأيدنا المسلمة وهم قليل عددهم، على الكافرة وهم كثير عددهم، حتى ظفروا بهم، معتبر ومتفكر، والله يقوي بنصره من يشاء. وقال جل ثناؤه: (إن في ذلك) يعني: فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم، من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددها، على الفئة الكافرة مع كثرة عددها (لعبرة) يعني: لمتفكراً ومتعظاً لمن عقل وأدرك فأبصر الحق. اهـ([359]).

2- وأما الشهادة من الله تعالى للبدريين بحقيقة الإيمان، ففي قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال:62-63] فقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] فيها إخبار من المولى جل وعلا بحقيقة إيمانهم، فلقد أخبر سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام أنه قواه وأعانه بنصره يوم بدر، كما أيده وأعانه بالمؤمنين، والمؤمنون الذين أيده بهم هم المهاجرون والأنصار الذين حضروا موقعة بدر المباركة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإنما أيده في حياته بالصحابة. اهـ([360]).

وقال مقاتل في بيان معنى الآية: ((هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] قال: قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر([361]).

وقال ابن جرير عند الآية ((هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه، (وبالمؤمنين) يعني: بالأنصار([362]).

وقال أبو عبد الله القرطبي: ((هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ)) [الأنفال:62] أي: قواك بنصره، يريد يوم بدر، ((وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار، ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)) [الأنفال:63] أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج، وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكان أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب. اهـ([363]).

فالآية اشتملت على الثناء بالإيمان الحقيقي على أهل بدر من الفريقين، من مهاجرين وأنصار، الذين حضروا تلك الغزوة وأيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

3- قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:64].

وفي هذه الآية مدح الله تعالى المتبعين لنبيه صلى الله عليه وسلم بصفة الإيمان التي هي أعلى صفات الكمال، وفي مقدمة هؤلاء الفئة المؤمنة من أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، ومعنى الآية: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً. قال ابن جرير عند هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم فإن الله كافيكم أمركم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره([364]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند الآية ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ)) [الأنفال:64] أي: الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين، والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين وأولهم. اهـ([365]).

وقد نقل القرطبي رحمه الله تعالى عن ابن الكلبي أن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:64] أنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال([366]). وعلى هذا يكون المراد بالذين اتبعوه في هذه الآية هم البدريون، الذين كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً كما تقدم.

4- قال تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [الأنفال:17]، فالمقصود بالمؤمنين في هذه الآية: هم الذين شهدوا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا معه أعداء دينه من كفار قريش، فلقد شهد الله لهم في هذه الآية بأنهم مؤمنون، وأكرم بها من شهادة صادرة عمن يعلم السر وأخفى، فهو سبحانه علم حقيقة أنفسهم، وما انطوت عليه من تحقيق الإيمان الصادق، فأخبر سبحانه بما استقر في نفوسهم الزكية من حقيقة الإيمان، والبلاء الحسن الذي أبلي به أولئك المؤمنون، هو ما أنعم الله به عليهم من الظفر بأعدائهم وغنيمتهم ما معهم، وإثبات ما لهم من الأجر على أعمالهم وجهادهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك هو البلاء الحسن.

وقد ذكر ابن جرير رحمه الله عن ابن إسحاق أنه قال في قوله تعالى: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً)) [الأنفال:17] أي: ليعرِّف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم؛ ليعرفوا بذلك حقه، وليشكروا بذلك نعمته. اهـ([367]).

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17]: فهذه الآية نزلت في شأن رميه صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته. اهـ([368]).

وروى ابن جرير الطبري بإسناده إلى محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي أنهما قالا: «لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17]»([369]).

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلاً منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم؛ فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17]([370]).

فالآية اشتملت على مدح أهل بدر والثناء عليهم بصفة الإيمان، التي هي من أعلى صفات الكمال التي يسعى لتحقيقها عباد الله المؤمنون بكل ما يمكنهم من العمل الصالح.

5- قال تعالى: ((إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ)) [آل عمران:124].

وقال تعالى: ((إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)) [الأنفال:11-12]

فقوله تعالى ((إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:124] وقوله: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)) [الأنفال:12] شهادة قاطعة يقينية على إثبات إيمان أهل بدر رضي الله عنهم، وكفى بهذه الشهادة شرفاً ورفعة لأولئك البدريين الأطهار، إذ هي شهادة صادرة من رب السموات والأرض وما بينهما، الذي يعلم الأمور على حقائقها وما هي عليه. قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند الآية: ((إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:124] بك من أصحابك، ((أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ)) [آل عمران:124] وذلك يوم بدر. اهـ([371]).

وقد بين الله في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ((إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)) [الأنفال:11] الآية، أن المطر الذي أنزله على أرض بدر كان لهم فيه أربع فوائد هي:

1) تطهيرهم حسياً بالنظافة التي تنشط الأعضاء وتدخل السرور على النفس، وشرعياً بالغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث الأصغر.

2) إذهاب رجس الشيطان عنهم ووسوسته.

3) الربط على قلوبهم، أي: توطين النفس على الصبر وتثبيتها، كما قال تعالى: ((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [القصص:10].

4) تثبيت أقدامهم؛ ذلك أن المطر لبّد الرمل وصيره بحيث لا تغوص فيه أرجلهم، فقدروا على مناجزة أعدائهم من المشركين([372]).

وفي هذه الفوائد الأربع تكريم لأولئك البدريين رضوان الله عليهم أجمعين.

وأما قوله تعالى: ((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)) [الأنفال:12].

وهذه الآية مع ما دلت عليه من إثبات إيمان أهل بدر، كذلك دلت صراحة على مشاركة الملائكة في قتال أعداء الدين من كفار قريش.

وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم([373]) فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة...» الحديث([374]).

وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي داوُد المازني -وكان شهد بدراً - قال: (إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري)([375]).

وروى أيضاً رحمه الله بإسناده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه... قال: «جاء رجل من الأنصار قصير بـالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح([376]) من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق([377]) ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم»([378]).

فهذه الأحاديث صرحت بمشاركة الملائكة في قتال المشركين يوم بدر.

قال العلامة ابن القيم: وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم. اهـ([379]).

وإمداد الله تعالى لهم بالملائكة لم يكن دفعة واحدة، بل كان بالتدرج. قال الربيع بن أنس: (أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف)، قال الحافظ ابن حجر وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال([380]).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الحكمة في قتال الملائكة مع الصحابة في بدر فقال: قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش؛ رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، والله أعلم([381]).

وفيما قدمنا من الآيات القرآنية إثبات لفضل تلك الفئة المؤمنة من البدريين، وكما ثبت فضلهم بنص القرآن الكريم، كذلك ورد في إثبات فضلهم الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة، ومنها ما يلي:

1- روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير -وكلنا فارس- قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ([382]) فإن بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، وأنخناها، فالتمسنا فلم نر كتاباً فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها -وهي محتجزة بكساء- فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك، قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم. فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم»([383]).

فلله ما أعظم هذا التكريم لتلك الفئة المؤمنة من البدريين، وما أعظم فضلها عند المولى سبحانه وتعالى.

قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: ووقع الخبر بألفاظ منها: (فقد غفرت لكم) ومنها: (فقد وجبت لكم الجنة)، ومنها: (لعل الله اطلع)، لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، ثم قال: وقد استشكل قوله: (اعملوا ما شئتم)، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف عقد الشرع، وأجيب بأنه إخبار عن الماضي -أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور، ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقل بلفظ الماضي، ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر منكراً عليه ما قال في أمر حاطب، وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين، فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: (اعملوا) للتشريف والتكريم، والمراد: عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك، وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة، وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور.. وقيل: إن المراد: ذنوبهم تقل إذا وقعت مغفورة. وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم. وفيه نظر ظاهر لقصة قدامة بن مظعون، حيث شرب الخمر في أيام عمر وحدّه... واتفقوا على أنْ البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا: من إقامة الحدود وغيرها، والله أعلم([384]).

وقال النووي: قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، نقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم، قال: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحاً الحد وكان بدرياً. اهـ([385]).

وقال المناوي شارحاً لهذا الحديث: اعملوا ما شئتم أن تعملوا، فإني غفرت لكم ذنوبكم أي: سترتها فلا أؤاخذكم بها لبذلكم مهجكم في الله ونصر دينه، والمراد إظهار العناية بهم، وإعلاء رتبتهم، والتنويه بإكرامهم والإعلام بتشريفهم وإعظامهم، لا الترخيص لهم في كل فعل، كما يقال للمحب: افعل ما شئت، أو هو على ظاهره، والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون بعد بدر ذنباً، وإن قارفوه لم يصروا، بل يوفقون لتوبة نصوح، فليس فيه تخييرهم فيما شاءوا، وإلا لما كان أكابرهم بعد ذلك أشد خوفاً وحذراً مما كانوا قبله. اهـ([386]).

2- روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن عبداً لـحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً، ذفقال: «يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية»([387]).

هذا الحديث فيه شهادة لـحاطب بدخول الجنة، رغم أنه كان يريد أن يعلم قريشاً بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، كما أن فيه التصريح بعدم دخول النار لمن شهد بدراً والحديبية.

3- وروى الإمام البخاري رحمه الله بإسناده إلى رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة»([388]). وهذا الحديث تضمن بيان درجة أهل بدر، ويبين أن لهم درجة كبيرة، ومنزلة عظيمة عند الله جل وعلا، فقد نالوا ذلك الفضل وتلك المنزلة بسبب ما قدموه في هذه الحياة الدنيا من جهد في نصرة الإسلام، وقمع عبدة الأصنام، وما وقر في قلوبهم الطيبة من حقيقة الإيمان، فكون الملائكة تقاس بهم؛ فإن ذلك من أعظم الأدلة على علو قدرهم، وارتفاع درجتهم عند الله تعالى، فرضوان الله عليهم أجمعين.

4- وروى البخاري رحمه الله بإسناده أيضاً إلى أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أصيب حارثة([389]) يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: ويحك -أو هبلت- أوَجنة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس»([390]). ورواه بلفظ آخر بإسناده إلى أنس رضي الله عنه: «أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب([391])- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»([392]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكره حديث حارثة هذا: وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى، بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفاً في نحر العدو، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عدداً وعُدداً. اهـ([393]).

5- وجاء في مجمع الزوائد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً من الأنصار عمي، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اجتمع إليه قومه، فتغيب رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل فلان؟ فذكره بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد شهد بدراً؟ قالوا: نعم، ولكنه كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»([394]).

6- وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدراً إن شاء الله»([395]).

7- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: كلم طلحة بن عبيد الله عامر بن فهيرة بشيء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهلاً يا طلحة فإنه قد شهد بدراً كما شهدت، وخيركم خيركم لمواليه»، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه([396]).

8- ومن مناقب أهل بدر التي دلت على علو شأنهم، ورفعة مكانتهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنهم كتيبة الإيمان وعصابة الإسلام التي كان لها السبق في نصر دين الإسلام وإعلاء كلمته، وأن جهادهم في موقعة بدر كان من أعظم الأسباب في أن يعبد الله وحده لا شريك له على وجه الأرض. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيِ الدعاء الذي دعا به يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض»([397]).

ذلك هو الثناء في الكتاب والسنة على تلك الفئة المؤمنة من البدريين الفضلاء، فقد أوضح الله ورسوله مكانتهم أتم وضوح، فقد كانوا في القمة من الكمال، وما حصل لهم ذلك إلا باستجابتهم لربهم تبارك وتعالى على الوجه المطلوب، في امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولذلك كان جزاؤهم أن وفقهم الله لصالح الأعمال في الدنيا، وفازوا بالجنة في الأخرى. والذي أخلص إليه مما تقدم: أن الله تعالى أثنى على أهل بدر ثناءً حسناً، وبين النبي صلى الله عليه وسلم مكانتهم وفضلهم في كثير من الأحاديث، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم، فقد بين عليه الصلاة والسلام أنهم مغفور لهم، وأن من شهد بدراً لا يدخل النار، وذلك نتيجة لما وقر في قلوبهم من الإيمان الذي ظهرت براهينه في أعمالهم، وبسبب ذلك نصرهم الله على عدوهم في موقعة بدر رغم قلة عددهم وعدتهم، ففتح الله عليهم، وأخزى أئمة الكفر، وشفى صدورهم رضي الله عنهم في أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين.

قال العلامة ابن القيم: ثم ارتحل -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعد انتهاء معركة بدر مؤيداً منصوراً، قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم([398]).

فكان هذا اليوم يوم سعد وفوز للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان يوم نحس وشؤم على الكافرين والمشركين، وذلك لاختلاف الأعمال. قال العلامة ابن القيم: فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل، واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة، كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين. اهـ([399]).

 المبحث الثالث: الثناء على أهل أحد:

([400]).

لقد جاء الثناء في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام على تلك الفئة المؤمنة من الصحابة رضي الله عنهم، الذين حضروا موقعة أحد بغية نصرة دين الله تعالى، ونصرة سيد الخلق المبعوث بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده ديناً. وكانت موقعة أحد في نصف شوال في السنة الثالثة للهجرة أول نهار السبت([401]) وفي فتح الباري: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع، وقيل: لثمان، وقيل: لتسع([402]).

وذلك لما قتل الله أشراف قريش بـبدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها؛ ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم... أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ويجمع الجموع، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريباً من جبل أحد بمكان يقال له: عينين... واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهض ودخل بيته ولبس لامته، وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى عليه وسلم على الخروج، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه»([403]). فخرج عليه الصلاة والسلام في ألف من الصحابة بيوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد، رجع عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس([404]) وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.([405]). وهكذا أخرج الله المنافقين مع رئيسهم من بين المؤمنين حقاً، الذين هم أهل لتخليد ذكراهم بالثناء الجميل في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، ويذكرون بهذا الثناء الطيب على مر الأيام والليالي إلى يوم القيامة، وكان عددهم رضي الله عنهم سبعمائة فيهم خمسون فارساً([406])، ولقد جاء الثناء عليهم في القرآن في غير ما آية:

1- قال تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:121] هذه الآية تضمنت الثناء البالغ على أهل أحد، بشهادة الله تعالى لهم بحقيقة الإيمان الذي حل واستقر في قلوبهم الطيبة، وفي هذه الشهادة فضيلة أيما فضيلة لمن حضر من الصحابة موقعة أحد.

وقد اختلف السلف رحمهم الله تعالى في المراد بهذه الآية. فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحد.

قال حبر الأمة عبد الله بن عباس في قوله: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ)) [آل عمران:121] قال: هو يوم أحد.

وقال قتادة: ذلك يوم أحد، غدا نبي الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين، وبهذا القول قال مجاهد والربيع بن أنس والسدي وابن إسحاق.

وقال بعضهم: عنى بذلك يوم الأحزاب.

وهذا القول ذهب إليه مجاهد في رواية عنه والحسن ومقاتل والكلبي، وفي رواية عن الحسن أيضاً أنه يوم بدر. وأرجحها هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن المراد من ذلك يوم أحد؛ لأن الله تعالى قال في الآية التي بعدها: ((إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)) [آل عمران:122]، ولا خلاف بين أهل التفسير أنه عنى بالطائفتين بنو سلمة وبنو حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب([407]).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:121] الآية: المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وغير واحد([408]).

فالآية اشتملت على منقبة عظيمة لجميع الصحابة الذين حضروا موقعة أحد -بغية نصرة دين الإسلام، وإذلال الشرك وخفض رايته بالجهاد في سبيل الله- وتلك المنقبة التي تضمنتها الآية: هي إخبار الله جل وعلا بثبوت حقيقة الإيمان ورسوخه في قلوبهم الطاهرة النقية رضي الله عنهم أجمعين.

2- وقال تعالى: ((إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)) [آل عمران:122]. هذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم على الطائفتين اللتين همتا بالفشل، وهاتان الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، كانتا في يوم أحد جناحي معسكر الإيمان، والهم الذي همت به هاتان الطائفتان هو الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وذلك حين انصرف ابن أبي بثلث الناس، وهذا الهم الذي حصل لهما لم يكن عن شك في الإسلام، أو نفاق، حاشاهما من ذلك، وإنما كان نتيجة عارض الضعف وشيء من الجبن عن لقاء العدو، ولكن الله تعالى تدارك الطائفتين بالعصمة مما كانا قد هما به، فقويت عزائمهم وثبتوا على الرشد، ومضوا لقتال أهل الشرك تحت راية الإسلام مع سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.

والثناء الذي حظيت به هاتان الطائفتان هو أن الآية ناطقة مفصحة بأن الله وليهم، وأن تلك الهمة التي هموها ما أخرجتهم من ولاية الله تعالى، وفي هذا من الشرف العظيم لهاتين الطائفتين ما لا يعلمه إلا الله، فقد روى الشيخان من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: فينا نزلت: ((إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)) [آل عمران:122] بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل، لقول الله عز وجل: (وليهما)([409]). حق لـجابر رضي الله عنه أن يسر ويفرح بالتنويه بهذه المنقبة العظيمة؛ لأن ولاية الله لا يظفر بها إلا المؤمنون والصالحون من عباده.

قال تعالى: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)) [البقرة:257].

وقال: ((إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)) [الأعراف:196].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى شارحاً لحديث جابر: قوله: نزلت هذه الآية فينا أي: في قومه بني سلمة وهم من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة وهم من الأوس. وقوله: وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: (وليهما) أي: وإن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم، قال ابن إسحاق: قوله: (والله وليهما) أي: الدافع عنهما ما هموا به من الفشل؛ لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهما([410]).

فالآية تضمنت منقبة عظيمة للطائفتين اللتين هما بنو سلمة وبنو حارثة، حيث صرحت الآية بولاية الله لهما، وحفظهما مما كانا قد هما به، وهو الانصراف عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين يوم أحد، وأن ذلك الهم لم يخرجهما من ولاية الله لهما.

3- وقال تعالى: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:152]. هذه الآية تحمل في طياتها الثناء على أهل أحد، وهذا الثناء هو صدق الله لهم ما وعدهم به من النصر على أعدائهم، وعفوه تعالى عنهم لما وقع من بعضهم من فشل وتنازع في أمر الحرب، وإرادة الحياة الدنيا: وبين تعالى أن ذلك من فضله على أولئك الصفوة رضي الله عنهم. كما تضمنت الثناء على بعضهم بإرادتهم الآخرة قبل الدنيا، والثناء عليهم جميعاً بتحقيقهم الإيمان الذي هو ينبوع كل خير، والدافع إلى كل بر، وإلى كل ما يحقق للإنسان السعادة في دنياه وآخرته، وقد يخطر على بال إنسان فيقول: إن الله -جل وعلا- قد أخبر أن في أهل أحد من يريد الدنيا، وذلك بقوله في الآية: ((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)) [آل عمران:152]، ويجاب عن هذا أن ذلك لا يقدح في حقيقة إيمانهم؛ دل على هذا تمام الآية، فقد أخبر تعالى أنه قد عفا عنهم، وبين أن ذلك العفو كان فضلاً منه تعالى تفضل به عليهم بسبب إيمانهم، قال تعالى في ختام الآية: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:152]. وهذا من تمام نعمه جل وعلا على عباده المؤمنين، حيث نصرهم أولاً في وقعة أحد، ثم عفا عن المخطئين بترك مقاعدهم التي أمرهم الرسول بلزومها وعدم تركها ثانياً؛ لأنه تعالى ذو الفضل والطول والإحسان([411]). روى ابن جرير بإسناده إلى ابن إسحاق أنه قال: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:152] يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدباً وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم لما أصابوا من معصيته؛ رحمة لهم وعائدة عليهم لما فيهم من الإيمان. اهـ([412]).

4- قال تعالى مادحاً أهل أحد، عندما ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعقب جيش الشرك، الذي جاء إلى أحد بقيادة أبي سفيان بعد انتهاء معركة أحد: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) [آل عمران:172-174].

هذه الآيات اشتملت على مدح عظيم للصحابة رضي الله عنهم، الذين حضروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقعة أحد، فقد مدحهم الله تعالى بالاستجابة لله والرسول حينما ندبهم صلى الله عليه وسلم لتعقب أبي سفيان في اليوم الثاني من غزوة أحد، وقد أجابوا الدعوة ولبوا النداء، وأتوا بالمطلوب منهم على أكمل وجه، واتقوا عاقبة تقصيرهم على ما هم عليه من جراح وآلام أصابتهم. وقد وعد تعالى المحسنين المتقين منهم بالثواب العظيم، وقد فعلوا رضي الله عنهم ما وعدهم الثواب عليه. كما أثنى عليهم تبارك وتعالى بقوة الإيمان وزيادته والصبر على البلاء، وتفويضهم كل الأمور باللجأ إلى الله تعالى، كما أخبر تعالى أنه أكرمهم بأن انقلبوا إلى أهليهم وقد تظاهرت عليهم نعم الله، فسلموا من تدبير عدوهم، وأطاعوا رسولهم، وفازوا بالأجر الكريم، ولم يمسسهم قتل ولا أذى، كما أثنى عليهم تعالى بأنهم اتبعوا -في كل ما أتوا من قول أو فعل- رضا الله الذي هو وسيلة النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، فأطاعوا رسوله في كل ما به أمر، وعنه نهى، وقد بين تعالى أنه تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد، والجرأة على العدو وحفظهم من كل ما يسوؤهم. وقد اتفق العلماء أن المراد بالذين استجابوا لله والرسول في قوله: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [آل عمران:172] هم المهاجرون والأنصار، الذين حضروا معه صلى الله عليه وسلم وقعة أحد، قال العلامة ابن جرير رحمه الله تعالى بعد قوله عز وجل: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)) [آل عمران:172] الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجراح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، في طلب العدو أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم من أحد؛ وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثره حتى بلغ حمراء الأسد -وهي على ثمانية أميال من المدينة - ليرى الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم([413]).

وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)) [آل عمران:172]، الآية ثم ساق بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت لـعروة: «يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر - لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون؛ خاف أن يرجعوا قال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً قال: كان فيهم أبو بكر والزبير»([414]).

فالإمام البخاري بين لنا سبب نزول الآية، وأنها تتعلق بـأحد، وأن الذين خرجوا لطلب العدو بلغوا سبعين رجلاً منهم: أبو بكر والزبير بن العوام. وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أن منهم: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً والزبير وسعداً وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا عبيدة بن الجراح([415]). وذكر القرطبي أنه نهض مع النبي صلى الله عليه وسلم مائتا رجل من المؤمنين. اهـ([416]).

فالآية اشتملت على المدح والثناء على الصحابة من أهل أحد بالاستجابة والطاعة لله جل وعلا في جميع أوامره، وطاعتهم الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة يرجون من ورائها ثواب الله تعالى، ولم يمنعهم من ذلك ما بهم من جروح وكلوم أصابتهم في سبيل الله يوم أحد، بل خرجوا إلى حمراء الأسد ممتثلين لندب الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم، متلذذين بتلك الطاعة التي أنستهم كل ألم، وكل أذى أصابهم في ذات الله، وزادهم ذلك قوة وجراءة واستعداداً لمواجهة أهل الشرك وقتالهم؛ حتى يدخلوا في دين الله الحق، فلقد أحسنوا رضي الله عنهم في الإجابة إلى الغزو واتقوا معصية الرسول والتخلف عنه؛ فأكرمهم الله عز وجل بالثواب الجزيل العظيم وهو الجنة، رضي الله عنهم وأرضاهم، وأكرمنا بفضله معهم.

وأما قوله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173] هذه الآية أيضاً فيها إخبار بأن (هذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول، والناس الأولى -في هذه الآية- هم قوم كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد، والناس الثانية: هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بـأحد، وقوله: ((قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)) [آل عمران:173] أي: قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرة إليكم لحربكم ((فَاخْشَوْهُمْ)) [آل عمران:173] فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم ((فَزَادَهُمْ إِيمَاناً)) [آل عمران:173] أي: فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقيناً إلى يقينهم، وتصديقاً لله ولوعده، ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله، وتوكلاً عليه -إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين-: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173] أي: كفانا الله وهو نعم المولى لمن وليه وكفله... فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه؛ وصف نفسه بقيامه لهم بذلك وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم([417]).

هذه صفة أهل الإيمان والتقوى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث توعدهم الناس بالجموع، وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به([418]). فالآية تضمنت ثناء الله عليهم بقيلهم: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173]، وأن تخويف الناس لهم بكثرة عددهم وقوة عدتهم زادهم تصديقاً ويقيناً في دينهم، وإقامة على نصرتهم لدين الإسلام، معتمدين على الله عز وجل في كل الأمور، وبهذه الصفات الطيبة كانوا أصفى خلق الله وخيرتهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وأما قوله عز وجل: ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) [آل عمران:174] ففيها أيضاً ثناء جميل وإكرام عظيم للذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، فقد أكرمهم الله بأن رجعوا سالمين من حمراء الأسد، فلم يلقوا عدواً بحيث كفاهم الله ما أهمهم ورد عنهم بأس الذين كفروا بقذف الخوف والرعب في قلوبهم، ثم أثنى عليهم باتباعهم رضوان الله الذي هو مناط كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة، فاتبعوا أمر الله وابتعدوا عن نهيه، واتبعوا رسوله حين ندبهم للخروج، ولذلك تفضل الله عليهم بالتوفيق والسداد فيما فعلوا، وظفروا بالأجر العظيم والثواب الجزيل لاتباعهم ما يرضي الله ورسوله([419]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قال تعالى: ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)) [آل عمران:174] أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عليهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم ((بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)) [آل عمران:174] مما أضمر لهم عدوهم. اهـ([420]).

5- أثنى الله تبارك وتعالى ثناءً حسناً على الشهداء، والذين لحقوا بالرفيق الأعلى يوم أحد، وهم مقاتلون في سبيل الله تعالى؛ وفاء منهم بصدق ما عاهدوا الله تعالى عليه، وقد جاء الثناء عليهم بالذكر الحسن في أربع آيات من الكتاب العزيز: قال تعالى: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:169-171]

وقال تعالى: ((مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)) [الأحزاب:23]. هذه الآيات بين الله تعالى فيها مكانة الشهداء وعلو درجتهم، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وفرحون بما آتاهم الله من الكرامة والفضل، وأنهم يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم بما أنعم الله به عليهم من فضل، وأنه لا خوف عليهم ولا حزن؛ لأن الدار التي انتقلوا إليها هي دار الحياة والفرح، لا حزن فيها ولا نغص في عيشها، وقد كان عدد هؤلاء الشهداء الذين استشهدوا في أحد سبعين شهيداً كما في صحيح البخاري([421]) رحمه الله تعالى منهم. ستة من المهاجرين منهم: سيد الشهداء حمزة ومصعب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وثقف بن عمرو، وهذا يوافق ما رواه أبو عبد الله الحاكم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ومن المهاجرين ستة فمثلوا بهم وفيهم حمزة....) الحديث([422]).

فقوله تعالى: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران:169] هذه الآية تضمنت النهي عن ظن الموت بالشهداء، ودلت على أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، والخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ولا تحسبنهم يا محمد أمواتاً لا يحسون شيئاً ولا يلتذون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي([423]).

قال الحافظ ابن كثير بعد الآية ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً)) [آل عمران:169] الآية: يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. اهـ([424]).

فالآية دلت على فضيلة عظيمة للشهداء، وهي أن من لم ينهزم فقتل، له الكرامة والحياة عند الله تعالى.

وأمَّا قوله تعالى: ((فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [آل عمران:170]، هذه الآية اشتملت على تكريم عظيم لأولئك الشهداء، وهو أنهم فرحون بما أعطاهم الله من الثواب والكرامة والإحسان والإفضال في دار النعيم، ويفرحون ويسرون بإخوانهم الذين تركوهم أحياء في الحياة الدنيا على منهج الإيمان والجهاد؛ لعلمهم بأنهم إذا ماتوا في سبيل الله لحقوا بهم ونالوا من الكرامة مثل ما نالوا، فهم بذلك مستبشرون. وبيَّن تعالى أنه لا خوف عليهم؛ لأنهم قد أمنوا عقاب الله وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها؛ للحظ الذي صاروا إليه والدعة والزلفة([425]) وهذا من أعظم التكريم الذي يكرم الله به من يشاء من عباده، الذين بذلوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه الحنيف. وأما قوله تعالى: ((يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:171] وهذه الآية بين الله تعالى فيها أن الشهداء يستبشرون بما رزقوا من النعيم والفضل، وهذا الاستبشار في هذه الآية كان لأنفسهم، وأما الاستبشار الأول الذي في الآية المتقدمة قبل هذه، فإنه كان لغيرهم من إخوانهم المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وختم الله هذه الآية بالإخبار بأنه تعالى كما لا يضيع أجر المجاهدين والشهداء، كذلك لا يضيع أجر المؤمنين.

قال العلامة ابن جرير الطبري: يقول جل ثناؤه: (يستبشرون): يفرحون، (بنعمة من الله) يعني: بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، (وفضل) يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجهاد أعدائه.... ومعنى قوله: (لا يضيع أجر المؤمنين): لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله.. ثم روى بإسناده إلى محمد بن إسحاق في قوله: ((يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ)) [آل عمران:171] الآية قال: سروا لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب([426]).

فالآية اشتملت على التنويه باستبشار شهداء أحد بمغفرة الله تعالى لهم وفضله عليهم، حين قدموا على ربهم تبارك وتعالى.

وأما قوله تعالى: ((مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)) [الأحزاب:23]؛ هذه هي الآية الرابعة التي سبقت في الثناء على شهداء أحد، فقد بين تعالى فيها أن من الصحابة الذين حضروا غزوة أحد رجالاً قاموا بما عاهدوا الله تعالى عليه، ووفوا بما نذروا به، فصبروا على الجهاد حتى استشهدوا في سبيل الله تعالى من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه، ومنهم من بقي بعد أولئك الشهداء وهم ينتظرون أحد الأمرين: إما الشهادة أو النصرة، وكانوا على عهدهم فلم يغيروه أو يبدلوه -رضي الله عنهم- حتى لقوا ربهم تبارك وتعالى، ورضي الله عنهم أجمعين.

قال العلامة ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره: ((مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأحزاب:23] بالله ورسوله ((رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:23] يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء وحين البأس، ((فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)) [الأحزاب:23] يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان أنذره لله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أحد، وبعض في غير ذلك من المواطن، ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)) [الأحزاب:23] قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله والظفر على عدوه، والنحب: النذر في كلام العرب، وللنحب أيضاً في كلامهم وجوه غير ذلك، منها: الموت... وقوله: (وما بدلوا تبديلاً): وما غيّروا العهد الذي عاقدوا ربهم تغييراً، كما غيّره المعوقون القائلون لإخوانهم: (هلم إلينا) والقائلون: (إن بيوتنا عورة). اهـ([427]).

فالآية تضمنت الثناء والمدح على شهداء أحد بتحقيقهم الإيمان الكامل، والثناء عليهم بالصدق والوفاء، فما عرف منهم مغيّر، وما وجد من جماعتهم مبدل رضي الله عنهم، وكل الآيات المتقدمة بيَّن الله تعالى فيها أن ما حصل يوم أحد كان ابتلاء؛ ليتميز أهل النفاق من أهل الإيمان الصادق، وبين سبحانه أن من لم ينهزم في موقعة أحد فقتل له الكرامة، وذلك أن الشهداء أحياء في الجنة يرزقون، ولا محالة أنهم ماتوا، وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، ذلك هو الثناء في القرآن على أهل أحد. أمَّا الأحاديث التي وردت في السنة المطهرة فكثيرة، وفيها بيان فضلهم رضي الله عنهم، وبيان منزلتهم، منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص ومن ذلك ما يلي:

1- روى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بـأحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ)) [آل عمران:169]»([428]).

2- وأخرج الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ)) [آل عمران:169)]([429]).

3- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى مسروق قال: (سألنا عبد الله -هو ابن مسعود - عن هذه الآية ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ)) [آل عمران:169] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)([430]).

هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان إكرام الله تعالى للشهداء على وجه الخصوص، فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (فقال لهم الله: هل تشتهون شيئاً...) إلخ الحديث هذا فيه مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم، إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيداً على ما أعطاهم، فسألوه -حين رأوه أنه لا بد من سؤال- أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم؛ ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى، ويستلذوا بالقتل في سبيله([431]).

4- وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراك منكسراً؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: ألا أبشرك بما لقي الله به أباك، قال: بلى يا رسول الله قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً([432]) فقال: تمن علي أعطيك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون. قال: وأنزلت هذه الآية ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً)) [آل عمران:169] الآية» ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد الله بن المديني وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئاً من هذا([433]).

قال الزرقاني شارحاً لقوله في الحديث: (ما كلم الله أحداً قط) يعني: لم يكلم أحداً غير من قام الدليل على تكليمهم بلا واسطة: كالمصطفى عليه الصلاة والسلام، وموسى عليه السلام، أو المراد من هؤلاء الشهداء كما يرشد إليه السياق) اهـ([434]).

وأخرج ابن جرير بإسناده إلى أنس: أن سبب نزول الآية قتلى بئر معونة. وقال العلامة الشوكاني: وعلى كل حال فالآية باعتبار عموم لفظها يدخل تحتها كل شهيد. اهـ([435]).

5- ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى جابر بن عبد الله يقول: «لما كان يوم أحد جيء بأبي([436]) مسجى وقد مثل به قال: فأردت أن أرفع الثوب فنهاني قومي، ثم أردت أن أرفع الثوب فنهاني قومي، فرفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر به فرفع، فسمع صوت باكية أو صائحة فقال: من هذه؟ فقالوا: بنت عمرو أو أخت عمرو، فقال: ولم تبكي فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع». وفي رواية أنه قال: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه»([437]).

قال النووي رحمه الله تعالى مبيناً هذا التكريم والمنقبة التي نالها والد جابر بن عبد الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) قال القاضي: ويحتمل أن ذلك لتزاحمهم عليه لبشارته بفضل الله ورضاه عنه، وما أعد له من الكرامة عليه، ازدحموا عليه إكراماً له وفرحاً به، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه... وقال عند قوله صلى الله عليه وسلم: (تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظله)، معناه سواء بكيت عليه أم لا، فما زالت الملائكة تظله أي: فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغي البكاء على مثل هذا، وفي هذا تسلية لها. اهـ([438]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: و(أو) في قوله: (تبكين أو لا تبكين) للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه([439]).

وقال أيضاً في موضع آخر: ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها، لا ينبغي أن يبكى عليه بل يفرح له بما صار إليه. اهـ([440]).

6- وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء –يعني: أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء –يعني: المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ((مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:23]... إلى آخر الآية)([441]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـأنس بن النضر رضي الله عنه، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين، كما تضمن المدح والثناء لأهل أحد عموماً، بصدقهم فيما عاهدوا الله عليه، والمراد بالمعاهدة المذكورة هي المشار لها بقوله تعالى: ((وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً)) [الأحزاب:15] وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد، وهذا قول ابن إسحاق. وقيل: ما وقع ليلة العقبة من الأنصار إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يئووه وينصروه ويمنعوه، والأول أولى([442])، فلقد عاهدوا الله تبارك وتعالى ووفوا بالعهد، ولو كان في ذلك مشقة على أنفسهم، وبذلوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله طلباً للشهادة التي ثمنها الجنة التي عرضها السموات والأرض، فرضي الله عنهم أجمعين.

ذلك هو الثناء في القرآن الكريم والسنة المطهرة على أولئك الأبرار من أهل أحد، وذلك هو مصير شهداء أحد الذي صاروا إليه، فقد تبوءوا الدرجات العالية بسبب ما قدموه من بذل أنفسهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله تعالى ونصرة دينه، وتلك المناقب الرفيعة التي نوهت بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، يجب على العبد الإيمان والتسليم بها لأولئك الأطهار رضي الله عنهم أجمعين. ونسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.

 المبحث الرابع: الثناء على أهل بيعة الرضوان:

لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك البيعة المباركة الميمونة المشهورة (ببيعة الرضوان)، وكانت هذه البيعة بمكان يسمى الحديبية([443]) في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف بين علماء المغازي والسير([444])، وقد اختلفت الروايات الصحيحة في عددهم رضي الله عنهم. فقد روى الشيخان من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان أصحاب الشجرة([445]) ألفاً وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين([446]).

ورويا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة»([447]).

ورويا أيضاً من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة([448]) فتوضأ فجهش([449]) الناس نحوه فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور([450]) بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة»([451]).

فهذه الروايات الثلاث هي أصح ما ورد في بيان عدد أصحاب بيعة الرضوان، ولا إشكال فيها من حيث صحتها، وإنما الإشكال من حيث العدد المذكور فيها من ألف وثلاثمائة إلى ألف وأربعمائة، إلى خمس عشرة مائة، ولا يمكن ردها بحال من الأحوال، وقد حاول العلماء الجمع بينها وقد سلكوا تجاهها طريقين.

الطريق الأول: طريق الترجيح، وقد مال إلى هذا الطريق الإمام البيهقي، والحافظ ابن القيم رحمهما الله تعالى.

فأما البيهقي فإنه أورد رواية التحديد بألف وأربعمائة، المروية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ثم قال: وهذه الرواية أصح، فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه. اهـ([452]).

وأما العلامة ابن القيم فإنه ذكر رواية ألف وأربعمائة، وقال عقبها: والقلب إِلى هذا أميل([453]).

الطريق الثاني: طريق الجمع، وقد ذهب إلى هذا الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله.

فأما الإمام النووي فقد قال عقب الروايات الثلاث المتقدم ذكرها: ويمكن أن يجمع بينها بأنهم كانوا أربعمائة وكسر، فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال: خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد أو لغير ذلك. اهـ([454]).

وأما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فإنه ذكر كلام النووي وزاد عليه حيث قال بعد ذكره للروايات الثلاث السابقة: والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفاً وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألفاً وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر، أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألف وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة، والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. اهـ([455]).

والذي يظهر -والله أعلم- أن طريقة الجمع بين النصوص أولى من ترجيح بعضها على بعض؛ لأن الروايات كلها صحيحة في العدد المذكور، وينبغي الأخذ بما قاله الحافظ ابن حجر؛ لأن توجيهه للنصوص ممكن وظاهر.

وأصحاب الحديبية الذين هم أهل بيعة الرضوان، ورد في فضلهم نصوص محكمة كثيرة بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها ما يلي:

1- قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)) [الفتح:4]([456]).

في هذه الآية شهادة لهم بحقيقة الإيمان الكامل، وإكرامهم بإنزال السكون والطمأنينة في قلوبهم إلى الإيمان بالله ورسوله، وإلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ ليزدادوا بتصديقهم بما حدد الله من الفرائض التي ألزمهموها التي لم تكن لهم لازمة ((إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ)) [الفتح:4]، ثم أخبر تعالى أن له جنود السماوات والأرض، ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه، وختم الآية بأنه سبحانه لم يزل ذا علم بما هو كائن قبل كونه وما خلقه عاملون، حكيماً في تدبيره([457]).

قال ابن كثير: يقول تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ)) [الفتح:4] أي: الطمأنينة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وعنه: الرحمة، وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت؛ زادهم إيماناً مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب. اهـ([458]).

فالآية تضمنت مدحاً عظيماً وثناءً بالغاً على أهل بيعة الرضوان، حيث أكرمهم الله بإنزال السكينة في قلوبهم، فكان ذلك من أسباب زيادة الإيمان فيها، كما تضمنت الشهادة لهم من الله بالإيمان الكامل وتحقيق شرائعه، وذلك أنهم رضي الله عنهم كلما ورد عليهم أمر أو نهي، آمنوا به وعملوا بمقتضاه طائعين خاضعين لحكم الله رب العالمين.

2- وقال تعالى: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً)) [الفتح:5].

هذه الآية فيها وعد من الله تعالى لأهل بيعة الرضوان خصوصاً، ولجميع المؤمنين والمؤمنات عموماً بدخول جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهم يخلدون فيها لا يحولون ولا يزولون عنها، وأنه تعالى يكفر عنهم سيئاتهم، بمعنى أنه يغطيها ولا يظهرها، وختم تعالى الآية ببيان أن إدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم فوز عظيم، لا يقادر قدره؛ لأنه منتهى غاية ما يتطلع إليه المؤمنون الصادقون، الذين في مقدمتهم أولئك الصفوة أصحاب بيعة الرضوان.

روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1] قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً مريئاً فما لنا؟ فأنزل الله: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) [الفتح:5]([459]).

وعند الترمذي وأحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: «نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) [الفتح:2] مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) [الفتح:5] حتى بلغ: ((فَوْزاً عَظِيماً)) [الفتح:5]» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفيه عن مجمع بن جارية([460])([461]).

فهذا الحديث بين الفضيلة التي تضمنتها الآية التي سيقت قبله لأصحاب بيعة الرضوان.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)) [الفتح:5] أي: ماكثين فيها أبداً، ((وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) [الفتح:5] أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر، ((وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً)) [الفتح:5] كقوله جل وعلا: ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) [آل عمران:185]([462])الآية. اهـ([463]).

فأي فوز وأي فلاح أعظم من تكفير الذنوب والخطايا، ودخول الجنة، ورؤية الله عز وجل فيها، إنه لمن أعظم التكريم ومن أعلى النعيم الذي فاز به أهل بيعة الرضوان.

3- قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10].

وهذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم لأهل بيعة الرضوان، فقد جعل الله مبايعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم مبايعة له، وفي هذا غاية التشريف والتكريم لهم رضي الله عنهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) [النساء:80]، فمبايعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة لله جل وعلا.

قال العلامة ابن القيم: وتأمل قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) [الفتح:10] فلما كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم، ويضرب بيده على أيديهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه وبينهم؛ كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه وفوق الخلائق كلهم، كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم. اهـ([464]). ومعنى قوله في الآية: ((وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10] أي: ثواباً جزيلاً وهو الجنة، وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر([465]).

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وقوله: ((وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10] يقول تعالى ذكره: ومن أوفى بما عاهد الله عليه من الصبر عند لقاء العدو، في سبيل الله ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه؛ ((فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10] يقول: فسيعطيه ثواباً عظيماً، وذلك أن يدخله الجنة جزاءً له على وفائه بما عاهد عليه الله، ووثق لرسوله على الصبر معه عند البأس بالمؤكدة من الإيمان... ثم روى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى ((فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:10] قال: هي الجنة. اهـ([466]).

4- وقال تعالى مخبراً برضاه عنهم: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [الفتح:18-19].

فقد أخبر تعالى أنه رضي الله عن أولئك الصفوة الأخيار من أهل بيعة الرضوان، ومن رضي الله عنه لا يسخط عليه أبداً. فلله ما أعظم هذا التكريم الذي ناله أهل بيعة الرضوان، وما أعلاها من منقبة، ومعنى الآية ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الفتح:18] لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين، ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18] يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر، تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك تحت شجرة سمرة، ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18] أي: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك، إذ يبايعونك تحت الشجرة من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك؛ ((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) [الفتح:18] أي: فأنزل الطمأنينة والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له، ((وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18] وهو فتح خيبر. وأما قوله تعالى: ((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)) [الفتح:19]. أي: وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة -مع ما أكرمهم به من رضاه عنهم، وإنزاله السكينة عليهم، وإثابته إياهم- فتحاً قريباً: وهو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [الفتح:19]([467]).

قال أحمد بن علي الجصاص بعد قوله: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ)) [الفتح:18]: فيه الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان بالحديبية وصدق بصائرهم، فهم قوم بأعيانهم... فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء الله، إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان. وقد أكد ذلك بقوله: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) [الفتح:18] يعني: الصبر بصدق نياتهم، وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية، وهو مثل قوله: ((إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)) [النساء:35]. اهـ([468]).

والسبب الذي كانت من أجله بيعة الرضوان ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: (والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان ليعلم قريشاً أنه إنما جاء معتمراً لا محارباً، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال، وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا، وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قتل، فكان ذلك سبب البيعة). اهـ([469]). وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جميع الصحابة الذين كانوا معه بالحديبية، لما أشيع أن عثمان قد قتل، ولم يتخلف عن تلك البيعة إلا الجد بن قيس، فإنه اختبأ تحت بطن بعيره([470]).

وقد سئل الصحابة رضي الله عنهم على أي شيء كانت بيعتهم؟ فكانت الإجابة بما يلي:

1) أجاب سلمة بن الأكوع رضي الله عنه بأنهم بايعوا على الموت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى يزيد بن أبي عبيد قال: (قلت لـسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت)([471]).

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: (لما كان زمن الحرة أتاه آت، فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع على ذلك أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)([472]).

2) وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما بأنهم بايعوا على عدم الفرار. روى الإمام مسلم بإسناده إلى معقل بن يسار قال: (لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفر)([473]).

وروى أيضاً بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: (كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت)([474]).

فهذه الأحاديث أوضحت لنا الشيء الذي بايع عليه الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، إلا أن بعضها تفيد أن البيعة كانت على الموت، وبعضها يفيد أنهم بايعوا على عدم الفرار، فقد يحس القارئ أن بين هذه الروايات اختلافاً في الشيء الذي كانت البيعة عليه، والواقع أنه لا خلاف بينها.

فقد قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: (لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر)([475]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: لا تنافي بين قولهم: بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد([476]).

تلك هي البيعة التي استحق بها أصحاب الحديبية رضوان الله تعالى، والثناء عليهم بما وقر في قلوبهم من الإيمان والوفاء والصدق، وقد رتب تعالى على رضاه عنهم، وعلمه بما في قلوبهم، ما أنعم به عليهم من سكينة وفتح ومغانم، فقال تعالى: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)) [الفتح:18-19].

5- أخبر تعالى عن أهل بيعة الرضوان أنه ألزمهم كلمة التقوى التي هي كلمة التوحيد، وأنهم كانوا أحق بها وأهلها. قال تعالى: ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) [الفتح:26].

فلقد بيَّن تعالى في هذه الآية أنه ألزم الصحابة رضي الله عنهم كلمة التقوى، وأكثر المفسرين على أن المراد بكلمة التقوى هي: (لا إله إلا الله)، وبين أنهم أحق بها من كفار قريش، وأنهم كانوا أهلها في علم الله؛ لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير([477])، ذلك هو الثناء في القرآن على الصحابة الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان بالحديبية، وقد ورد الثناء عليهم في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما يلي:

1- روى الشيخان من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة»([478]).

هذا الحديث صريح في فضل أصحاب الشجرة، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بـمكة وبـالمدينة وبغيرهما... وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل علي على عثمان؛ لأن علياً كان من جملة من خوطب بذلك وممن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائباً، وهذا التمسك باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع عنه([479])، فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل بعضهم على بعض([480]).

2- روى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: «أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)) [مريم:71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله عز وجل: ((ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)) [مريم:72]»([481]).

قال النووي رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً... وإنما قال: إن شاء الله للتبرك لا للشك، وأمَّا قول حفصة: بلى، وانتهار النبي صلى الله عليه وسلم لها فقالت: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)) [مريم:71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد قال الله عز وجل: ((ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا)) [مريم:72] فيه دليل للمناظرة، والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة، لا أنها أرادت رد مقالته صلى الله عليه وسلم، والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون. اهـ([482]).

3- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر، أن عبداً لـحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية»([483]).

هذا الحديث تضمن فضيلة أهل بدر والحديبية، فضيلة حاطب لكونه منهم رضي الله عنهم أجمعين.

4- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يصعد الثنية ثنية([484]) المرار؛ فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل، قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر. فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجلاً ينشد ضالة له»([485]).

وهذا الحديث تضمن فضيلة عظيمة لأصحاب الحديبية رضي الله عنهم، وتلك الفضيلة مغفرة الله لهم، وأكرم بها من فضيلة منحهم إياها الرب جل وعلا؛ لإخلاصهم في طاعتهم واستجابتهم لله والرسول بالسمع والطاعة.

5- روى الإمام أحمد بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن فروخ أن أبا سعيد حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الحديبية قال: «لا توقدوا ناراً بليل، فلما كان بعد ذلك قال: أوقدوا واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدم صاعكم ولا مدكم»([486]).

فقد بين عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: أن من يأتي بعد أهل بيعة الرضوان لا يمكن أن يدركهم في فضلهم، ولا في فضل عملهم مهما بلغ من الإخلاص وصدق النية والتحري في عمل الصالحات، فلقد فازوا فوزاً عظيماً رضي الله عنهم وأرضاهم، ولقد شمل فضل أهل بيعة الرضوان الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان غائباً في المهمة التي بعثه بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة.

6- فقد روى البخاري بإسناده إلى عثمان بن موهب قال: (جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم: قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيِّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأمَّا تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان، ضرب بها على يده فقال: هذه لـعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك)([487]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: الذي يظهر من سياقه، أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان، فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبَّر مستحسناً لما أجابه ابن عمر. قوله: قال ابن عمر: (تعال أبين لك)، كأن ابن عمر فهم منه مراده لما كبَّر، وإلا لو فهم ذلك من أول سؤاله؛ لقرن العذر بالجواب، وحاصله أنه عابه بثلاثة أشياء، فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر، وقد حصل له مقصود من شهد من ترتب الأمرين: الدنيوي وهو السهم، والأخروي وهو الأجر، وأما البيعة فكان مأذوناً له في ذلك أيضاً، ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لـعثمان من يده، ثبت ذلك أيضاً عن عثمان نفسه، فيما رواه البزار بإسناد جيد: أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة، فأجابه عثمان بمثل ما أجاب به ابن عمر، قال في هذه: (فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لي من يميني) إلى أن قال: قوله: فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك، أي: أقرن هذا العذر بالجواب، حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان، وقال الطيبي: قال له ابن عمر تهكماً به أي: توجه بما تمسكت به، فإنه لا ينفعك بعدما بينت لك. اهـ([488]).

تلك هي مناقب أصحاب بيعة الرضوان عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا رضي الله عنهم من أكمل البشرية إيماناً وعلماً وطاعة لله ورسوله، ولذلك شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم خير أهل الأرض، وأنهم مغفور لهم، كما شهد لهم عليه الصلاة والسلام هم وإخوانهم البدريون بالجنة، والنجاة من النار. نسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.

 الفصل الثالث: فضل العشرة المبشرين بالجنة: 

الفصل الثالث: فضل العشرة المبشرين بالجنة:

وفيه مباحث:

المبحث الأول: فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

المبحث الثاني: فضل الفاروق رضي الله عنه.

المبحث الثالث: فضل ذي النورين عثمان رضي الله عنه.

المبحث الرابع: فضل أبي السبطين علي رضي الله عنه.

المبحث الخامس: فضل الستة بقية العشرة رضي الله عنهم.

 المبحث الأول: فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

ينبغي للمسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن أفضل البشر بعد الأنبياء هو صدّيق هذه الأمة المحمدية، وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يجتمع نسبه مع نسب النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب وأم الصديق أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بنت عم أبيه وأبوه أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو، وهما صحابيان رضوان الله عليهما أجمعين([489])

لقب بـالصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ: وروى الطبراني من حديث علي: (أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء؛ الصديق)([490]). وقيل: كان ابتداء تسميته بـالصديق صبيحة الإسراء، فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح، قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق)([491]).

صحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بـمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي سنة تسع، وكان خليفته من بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم([492]). وقد دل على أنه أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، أما دلالة الكتاب فمن ذلك ما يلي:

1- قال تعالى: ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [التوبة:40]. أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب المذكور في الآية: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه([493]).

أخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر وحده، فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ: ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)) [التوبة:40]([494]).

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ)) [التوبة:40] رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه؛ لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختفيا في الغار، وقوله: ((إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)) [التوبة:40] يقول: إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار، والغار: النقب العظيم يكون في الجبل ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)) [التوبة:40] يقول: إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر: ((لا تَحْزَنْ)) [التوبة:40] وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحزن لأن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا. اهـ([495]).

وقال الحافظ ابن كثير: ((إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ)) [التوبة:40] أي: عام الهجرة لما هم المشركون بقتله، أو حبسه، أو نفيه، فخرج منهم هارباً صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام؛ ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى الرسول عليه الصلاة والسلام منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكِّنه ويثبته ويقول: «يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما»([496]).... ولهذا قال تعالى: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)) [التوبة:40] أي: تأييده ونصره، عليه أي: على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال. اهـ([497]).

وقال أبو بكر بن العربي بعد قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»: وهذه مرتبة عظمى وفضيلة شماء، لم يكن لبشر أن يخبر عن الله سبحانه أنه ثالث اثنين أحدهما أبو بكر، كما أنه قال مخبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر: ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ)) [التوبة:40]. اهـ([498]).

فالآية دلت دلالة واضحة على فضل أبي بكر رضي الله عنه، حيث جعله الله ثاني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)) [التوبة:40]، وما ذلك إلا لأن الصديق بلغ النهاية في الفضل رضي الله عنه وأرضاه.

2- وقال تعالى: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ)) [الزمر:33].

روى ابن جرير بإسناده إلى علي رضي الله عنه في قوله: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ)) [الزمر:33] قال: محمد صلى الله عليه وسلم، ((وَصَدَّقَ بِهِ)) [الزمر:33] قال: أبو بكر رضي الله عنه([499]).

وهذه الآية أيضاً تضمنت فضيلة عظيمة ومنقبة عالية لـأبي بكر رضي الله عنه، وهي أنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة من مكة إلى المدينة، وشهد الله له فيها بأنه صاحب نبيه عليه الصلاة والسلام.

3- قال تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) [التحريم:4].

ذهب كثير من المفسرين منهم: عبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر ومجاهد والضحاك، إلى أن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما([500]).

4- وقال تعالى: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)) [الليل:5-7].

أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ((فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)) [الليل:7] قال: الجنة.([501]).

وقد ذكر العلامة ابن جرير الطبري أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، فقد روى بإسناده إلى عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بـمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: (أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك، قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله). قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)) [الليل:5-7]([502]).

5- وقال تعالى: ((وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى)) [الليل:17-19].

هذه الآيات ذكر الكثير من المفسرين أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وهذه الآيات فيها إخبار من الله تعالى أنه سيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى، الموضح بقوله: ((الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)) [الليل:18] أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا، ((وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى)) [الليل:19] أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفاً، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك ((إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى)) [الليل:20] أي: طمعاً في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، ثم ختم تعالى الآيات بقوله: ((وَلَسَوْفَ يَرْضَى)) [الليل:21] أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات([503]).

قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى ((وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى)) [الليل:17-19] ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً، بذَّالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف- يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال تعالى: ((وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)) [الليل:19-21]([504]).

تلك هي بعض آيات القرآن الكريم، الدالة على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد النبي عليه الصلاة والسلام.

وأما الأحاديث الدالة على أفضليته رضي الله عنه فكثيرة جداً، ومنها ما يلي:

1- روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»([505]).

هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة ظاهرة لـأبي بكر رضي الله عنه، وتلك المنقبة أنه رضي الله عنه كان ثاني اثنين ثالثهما رب العالمين.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وفيه فضيلة لـأبي بكر رضي الله عنه، وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها: هذا اللفظ، ومنها: بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله تعالى ورسوله، وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاداة الناس فيه ومنها: جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك. اهـ([506]).

2- روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: «إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً([507]) غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر»([508]).

وعند مسلم: «لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر»([509]).

وهذا الحديث فيه فضيلة لـأبي بكر، حيث كان أعلم الصحابة رضي الله عنهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما يقوله عليه الصلاة والسلام، فقد فهم أبو بكر رضي الله عنه المراد بالعبد المخير، وأنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فبكى حزناً على فراقه وانقطاع الوحي، وغير ذلك من الخير المستمر الذي حصل ببعثته عليه الصلاة والسلام للناس كافة على وجه الأرض.

قال الإمام النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أمنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر)، قال العلماء: معناه أكثرهم جوداً وسماحة لنا بنفسه وماله، وليس هو المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قبول ذلك وفي غيره. اهـ([510]). وقال القرطبي: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره نظيرها لامتن بها، يؤيده قوله في رواية ابن عباس: (ليس أحد أمنّ علي) والله أعلم([511]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) الخوخة -بفتح الخاء- وهي الباب الصغير بين البيتين أو الدارين ونحوه. وفي هذا فضيلة وخصيصة ظاهرة لـأبي بكر رضي الله عنه([512]).

3- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي». وفي رواية قال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل»([513]).

وعند مسلم من حديث ابن مسعود: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلاً»([514]).

ففي هذا الحديث -على اختلاف ألفاظه- فضيلة ظاهرة لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد بين عليه الصلاة والسلام أنه لو صلح له أن يتخذ أحداً من الناس خليلاً، لاتخذ أبا بكر دون سواه، وأنه رضي الله عنه كان متأهلاً لأن يتخذه النبي صلى الله عليه وسلم خليلاً، لولا المانع المذكور في الحديث. فهذه منقبة عظيمة للصديق رضي الله عنه لم يشاركه فيها أحد.

قال الحافظ عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي قبل هذا: (ولكن أخوة الإسلام ومودتها): أي: حاصلة، ووقع في حديث ابن عباس: (ولكن أخوة الإسلام أفضل) وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء بلفظ: «ولكن خلة الإسلام أفضل» وفيه إشكال، فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام؛ لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل: المراد أن مودة الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة؛ لأن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك، وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب، ولـأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره، والله أعلم. اهـ([515]).

4- وروى الشيخان من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالاً»([516]).

هذا الحديث فيه تصريح بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم، وفيه دلالة بينة لـأهل السنة في تفضيل أبي بكر، ثم عمر على جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين([517]).

فكون أبي بكر أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على أنه له فضلاً كثيراً، وأنه أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

5- ورويا أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري. ويينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث، قال الناس: سبجان الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما»([518]).

وهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـأبي بكر وعمر، حيث أخبر عليه الصلاة والسلام أنهما يؤمنان بذلك، ولم يكونا في القوم عند حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قال الإمام النووي عند قوله صلى الله عليه وسلم: (فإني أومن به وأبو بكر وعمر): قال العلماء: إنما قال ذلك ثقة بهما؛ لعلمه بصدق إيمانهما وقوة يقينهما وكمال معرفتهما لعظيم سلطان الله وكمال قدرته، ففيه فضيلة ظاهرة لـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. اهـ([519]).

وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك؛ لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق بدخوله في مناقبهما. اهـ([520]).

6- روى الإمام البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها -وهو حديث السقيفة الطويل- وفيه: (أن أبا بكر قال للأنصار: ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً. فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس...) الحديث([521]).

فـعمر رضي الله عنه بيّن بأن الصديق أفضل الناس، وخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قدموه في الخلافة لأنه الأحق والأفضل.

7- وروى أيضاً بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين)([522]).

قال الحافظ: قوله: (وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين). في رواية محمد بن سوقة: (ثم عجلت للحداثة فقلت: ثم أنت يا أبت؟ فقال: أبوك رجل من المسلمين). زاد في رواية الحسن بن محمد: (لي ما لهم وعلي ما عليهم). وهذا قاله علي تواضعاً، مع معرفته حين المسألة المذكورة أنه خير الناس يومئذ؛ لأن ذلك كان بعد قتل عثمان. وأمَّا خشية محمد بن الحنفية أن يقول: عثمان، فلأن محمداً كان يعتقد أن أباه أفضل، فخشي أن علياً يقول: عثمان على سبيل التواضع منه والهضم لنفسه، فيضطرب حال اعتقاده، ولاسيما وهو في سن الحداثة، كما أشار إِليه في الرواية المذكورة([523]).

8- وروى البزار -كما في مجمع الزوائد - عن شقيق قال: (قيل لـعلي: ألا تستخلف قال: ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف عليكم، وإن يرد الله تبارك وتعالى بالناس خيراً، فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)([524]).

9- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه قال لـأبي جحيفة: (يا أبا جحيفة! ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قال: قلت: بلى، ولم أكن أرى أن أحداً أفضل منه، قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث، ولم يسمه)([525]). فقد صرَّح الإمام علي رضي الله عنه بأن الصديق خير الناس، وأفضلهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

10- وروى البخاري بإسناده إلى عمار بن ياسر قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر)([526]). وهذا الحديث تضمن منقبة عظيمة وفضيلة خاصة لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث لم يسبقه أحد من الرجال الأحرار للدخول في الإسلام، فدل هذا على أنه أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

11- وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم)([527]).

هذا الحديث دل على أن أفضلية أبي بكر كانت ثابتة في أيامه عليه الصلاة والسلام، وأنه أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: نقول: فلان خير من فلان، وفي رواية عبيد الله بن عمر في مناقب عثمان: (كنا لا نعدل بـأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم)([528])وقوله: (لا نعدل بـأبي بكر)، أي: لا نجعل له مثلاً... ولـأبي داوُد من طريق سالم عن ابن عمر: (كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان)([529])زاد الطبراني في رواية: (فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينكره).... وفي الحديث: تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة([530]).

وقال أبو سليمان الخطابي بعد حديث ابن عمر: (كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بـأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم): وجه ذلك -والله أعلم- أنه أراد به الشيوخ الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي رضوان الله عليه في زمان رسول الله حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بـعلي رضي الله عنه، ولا تأخيره ودفعه عن الفضيلة بعد عثمان، وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة. اهـ([531]). فقول ابن عمر: (ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهم) لا يلزم منه أنهم تركوا التفاضل حينذاك، ولا يلزم منه أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل علي على من سواه([532]).

فالحديث دل على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

12- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: يا رسول الله! إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثاً، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر([533]) حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذى بعدها»([534]). هذا الحديث فيه بيان فضل أبي بكر، فقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم على الفاروق رضي الله عنه حين حصل بينه وبين الصديق شيء، فشعر الصديق أنه المخطئ على عمر، فطلب منه الصديق أن يعفو عنه ويغفر له، فأبى عليه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له ما حصل فاستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الفاروق ندم على عدم مغفرته للصديق، فأخذ في البحث عنه فلم يجده في منزله، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده عنده، فما إن وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد رأى تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم غضباً، حتى أشفق الصديق من ذلك؛ لئلا يصيب الفاروق من ذلك شيء، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو الذي بدأ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضله ومناقبه ومنزلته عنده، فقال لهم: «إن الله بعثي إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي بعدها» لما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم لهم من تعظيمه لـأبي بكر رضي الله عنه.

قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد: فضل أبي بكر على جميع الصحابة، وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه، وفيه: جواز مدح المرء في وجهه ومحله إذا أمن عليه الافتتان والاغترار. اهـ([535]).

13- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة»([536]).

هذا الحديث اشتمل على فضائل ظاهرة للصديق رضي الله عنه، فإنه كان سبَّاقاً إلى فعل الخيرات التي تقرب العبد من الجنة وتزحزحه من النار. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائماً، قال أبو بكر: أنا، إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة»، قال القاضي: معناه: دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال، وإلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى.([537]).

14- وروى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء»، قال موسى: فقلت لـسالم: أذكر عبد الله: من جر إزاره؟ قال: لم أسمعه ذكر إلا ثوبه([538]) هذا الحديث تضمن فضيلة لـأبي بكر، وهو قوله له صلى الله عليه وسلم: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء» حيث شهد له المصطفى صلى الله عليه وسلم بما ينافي ما يكره رضي الله عنه وأرضاه.

15- وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه، حدثهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»([539]) دل هذا الحديث على منقبة عظيمة لـأبي بكر رضي الله عنه، وهي (وصديق)، فقد لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللقب الشريف، ومنزلة الصديقين بيَّنها الله تعالى بقوله: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69]، فقد بين تعالى أن الصديقين في المرتبة الثانية بعد الأنبياء، وفي مقدمتهم الصديق الأعظم أبو بكر رضي الله عنه.

16- وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إني لواقف في قوم، فدعوا الله لـعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي -قد وضع مرفقه على منكبي- يقول: رحمك الله! إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما، فالتفتُّ فإذا هو علي بن أبي طالب)([540]).

فهذا الحديث تضمن فضيلة الشيخين معاً، والغرض منه دلالته على منقبة لـأبي بكر الصديق، وهي فضله على عمر وغيره؛ لأنه كان المقدم عند النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، حتى في ذكره عنده عليه الصلاة والسلام.

17- وروى البخاري أيضاً بإسناده إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: خرج ووجَّه هاهنا، فخرجت على إثره أسأل عنه، حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فتوضأ فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها([541])، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لـأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يريد أخاه يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله فسلمت عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت، فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره، ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، فجاء إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئته فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر» قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم([542]).

هذا الحديث فيه التصريح بفضل الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، ودل على أن أبا بكر أفضلهم؛ لسبقه بالبشارة بالجنة، ولجلوسه على يمين المصطفى عليه الصلاة والسلام.

18- وروى البخاري أيضاً في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله؛ دعي من أبواب –يعني: الجنة- يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر»([543]).

هذا الحديث دل على فضيلة ومنقبة عالية للصديق رضي الله عنه، تضمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)، ورجاء النبي صلى الله عليه وسلم واقع محقق وفي هذا دلالة واضحة على فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلامة ابن القيم -موضحاً منقبة الصديق في هذا الحديث-: لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها؛ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك؟ فخبره بحصوله، وبشره بأنه من أهله، وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟ فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس. اهـ([544]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة)، زاد في الصيام (فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها)، وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها؛ لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات، فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك، إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه... قوله: (وأرجو أن تكون منهم) قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع، وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان -في نحو هذا الحديث- التصريح بالوقوع لـأبي بكر، ولفظها: قال: أجل وأنت هو يا أبا بكر. اهـ([545]).

19- ومن مناقبه رضي الله عنه -ما تميز به فوق ما حازه من الفضائل الكثيرة-: قيامه بالدعوة إلى الله تعالى في بداية الإسلام، في وقت لم يجرؤ فيه أحد سواه على الدعوة، وقد أسلم على يديه كثير من الصحابة رضي الله عنهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام، ومن هؤلاء: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون،وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين([546]).

وبعد أن تولى الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، سعى جاهداً في إرساء العقيدة الإسلامية في نفوس الناس وعقد الألوية لمحاربة المرتدين وإرجاعهم إلى دين الإسلام، حيث ارتد كثير من الناس عن هذا الدين الحنيف، وبعضهم أراد أن يمنع الزكاة، والبعض الآخر ادعى النبوة، فعمت فتنة الردة كثيراً من البلاد([547]). روى البيهقي رحمه الله بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة ثم قيل له: مه يا أبا هريرة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام فلما نزل بـذي خشب([548]) قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام)([549]).

فقد وفق الله الصديق أن وقف موقفاً عظيماً يذكر به في الآخرين، أمام تلك الردة التي عمت معظم البلاد وأصر إلا على قتالهم حتى يرجعوا إلى الإسلام، وكان منفرداً بهذا الرأي حتى شرح الله صدر الفاروق لذلك، وعرف أنه الحق، فبارك الله خطاه حتى رفع راية التوحيد في كل البلاد التي مرض أهلها بالردة، ثم شرع بعد ذلك في نشر الإسلام في البلدان التي لم يصلها نور الإسلام وسعادته، حتى لقي ربه تبارك وتعالى.

20- ومما تميز به عن غيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المصطفى عليه الصلاة والسلام انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو بالسنح([550])، فأصاب الناس الذهول والحيرة والاضطراب، أمَّا الصديق فقد رزقه الله قوة النفس والثبات، فكان أصبر الصحابة وأثبتهم عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاء فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله فقال: (بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30]. وقال: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144] قال: فنشج الناس يبكون...) الحديث([551]).

وما إن سمع الصحابة رضي الله عنهم هذه الخطبة من صدّيق هذه الأمة، إلا ورجعوا إلى الرشد والصواب، وانكشف ما بهم من الحيرة والذهول؛ ولذلك كان أفضلهم على الإطلاق.

تلك هي طائفة من الأحاديث، التي اشتملت على المناقب التي دلت على أن الصديق حاز الأفضلية على سائر الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وأما دلالة الإجماع على أفضلية الصديق رضي الله عنه:

فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة، على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة، هكذا إجماع أهل الحق، فـأبو بكر أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم لا ينازع في ذلك إلا زائغ([552]). وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد الأنبياء هو أبو بكر الصديق جماعة من أهل العلم، منهم:

أبو طالب العشاري([553])، والإمام الشافعي والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والبيهقي:

- فقد روى أبو طالب العشاري بإسناده إلى عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: (من فضل على أبي بكر وعمر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)([554]).

- وقال الإمام الشافعي فيما رواه عنه البيهقي بإسناده: (ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان، ونحن لا نخطئ واحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعلوا)([555]).

- وقال الحافظ ابن حجر: ونقل البيهقي في الاعتقاد بسنده إلى أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم علي([556]).

- وقال النووي رحمه الله تعالى: اتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر([557]).

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر)([558]).

- وقال ابن حجر الهيثمي: اعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة: أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر رضي الله عنهما([559]).

وهؤلاء الأعلام الذين نقلوا هذا الإجماع، إنما هو بناء على ما قاله أئمة أهل السنة والجماعة. فقد قال الإمام أبو حنيفة كما في شرح الفقه الأكبر: ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. اهـ([560]).

- وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام مالك بن أنس أنه قال لما سأله الرشيد عن منزلة الشيخين من النبي فقال: (منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته -ثم قال- وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم؛ يقضي بأنهما أحق من غيرهما، وهذا ظاهر بيَّن لمن له خبرة بأحوال القوم)([561]). ومعلوم أن أبا بكر كانت منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم أعلى منزلة، وكان أفضل الصحابة، وكان الصحابة يعتقدون أنه خير الناس، والنبي يعلم ذلك ويقرهم عليه كما تقدم قريباً في حديث ابن عمر.

- وروى الإمام البيهقي مسنداً إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: (أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم).

وقال أيضاً رحمه الله تعالى: (اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فلم يجدوا تحت أديم السماء خيراً من أبي بكر؛ من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس)([562]).

- وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: (وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون)([563]).

- وقال عبدوس بن مالك العطار: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق)([564]).

- وقال أبو الحسن الأشعري مبيناً مذهب أهل السنة وعقيدتهم في السلف: ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأخذون بفضائلهم... ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علياً رضوان الله عليهم، ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون، أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم([565]).

وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: وأفضل أمته صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى رضي الله عنهم([566]).

- وقال الإمام الذهبي: (أفضل الأمة، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤنسه في الغار، وصديقه الأكبر... عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي). اهـ([567]).

- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وأفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام: أبو بكر عبد الله بن عثمان أبو قحافة التيمي، ثم من بعده: عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. اهـ([568]).

تلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة في أبي بكر الصديق، وهي الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة عند الله عز وجل بعد النبيين والمرسلين: أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان أبي قحافة رضي الله عنه([569]). وهذا هو المذهب الحق الذي يلزم كل مسلم أن يعتقده ويلتزمه ويتمسك به. وبالله التوفيق.

 المبحث الثاني: فضل عمر الفاروق رضي الله عنه:

إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يلي أبا بكر الصديق في الفضل، فهو أفضل الناس على الإطلاق بعد الأنبياء وأبي بكر، وهذا ما يلزم المسلم اعتقاده في أفضليته رضي الله عنه، وهذا هو معتقد الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة. ونسبه رضي الله عنه هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبي بكر، فبين النبي صلى الله عليه وسلم وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة([570]).

وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وبإسلامه رضي الله عنه ظهر دين الإسلام وعلت كلمة الإيمان، وكان عند البعثة النبوية شديداً على المسلمين، ولما دخل في الإسلام كان إسلامه فتحاً على المسلمين، وفرجاً لهم من الضيق([571]).

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن كان إسلام عمر لفتحاً، وهجرته لنصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى ودعونا فصلينا)([572]).

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب)([573])، وقد حقق الله فيه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له قبل أن يسلم: أن يعز به الإسلام، فقد روى الترمذي بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بـأبي جهل أو بـعمر بن الخطاب. قال: وكان أحبهما إليه عمر»([574]).

وأخرج ابن سعد بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عمر بن الخطاب، أو أبا جهل بن هشام قال: اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك، فشد دينه بـعمر بن الخطاب»([575]).

وكان يكنى رضي الله عنه بـأبي حفص.

قال الحافظ: أما كنيته: فجاء في السيرة لـابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه بها، وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه: فهو الفاروق باتفاق. فقيل: أول من لقبه به النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه عن طريق ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد من حديث عائشة([576]). وقيل: (أهل الكتاب)، أخرجه ابن سعد عن الزهري([577]) وقيل: جبريل، رواه البغوي([578]).

وأحسنها وأقربها أن النبي صلى الله عليه وسلم لقبه بـالفاروق، لما رواه ابن سعد بإسناده إلى أبي عمرو ذكوان قال: (قلت لـعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي عليه السلام)([579]).

فهو رضي الله عنه الفاروق، الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث الملهم الصادق الظن، وهو سيد هذه الأمة بعد الصديق، والخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمة المحمدية، اتفق العلماء على أنه شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يغب عن غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم([580]).

وقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة بفضائل الفاروق رضي الله عنه ومنها:

1- ما رواه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بـالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لـعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار؟».

2- ورويا أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـعمر، فذكرت غيرته فوليت مدبراً، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟»([581]).

هذان الحديثان اشتملا على فضيلة ظاهرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيته قصراً في الجنة للفاروق رضي الله عنه، وهذا يدل على تكريمه وعلو منزلته رضي الله عنه.

قال ابن بطال: فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه، قال: وبكاء عمر يحتمل أن يكون سروراً، ويحتمل أن يكون تشوقاً أو خشوعاً... وقال الحافظ: وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مراعاة الصحبة، وفيه فضيلة ظاهرة لـعمر. اهـ([582]).

3- وروى البخاري بإسناده إلى حمزة بن أسيد الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم شربت –يعني: اللبن- حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري أو في أظفاري، ثم ناولت عمر، فقالوا: فما أولته قال: العلم»([583]). وجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي. وفي الحديث فضيلة -ومنقبة لـعمر رضي الله عنه، وإن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها، وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره... والمراد بالعلم في الحديث سياسة الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها -مع طول مدته- الناس، بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لـعمر من طواعية الخلق له؛ فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافاً، والفتن إلا انتشاراً([584]).

وبهذا اتضحت المنقبة التي اشتمل عليها الحديث للفاروق رضي الله عنه.

4- وروى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض على عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين»([585]).

هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لـعمر رضي الله عنه، وهي قوله: (وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره) إلخ، الحديث.

قال الحافظ: السائل عن ذلك أبو بكر... وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق، والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله: (عرض علي الناس)، فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر، وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبغ، فلعله كان كذلك، إلا أن المراد حينئذ بيان فضيلة عمر، فاقتصر عليها والله أعلم. اهـ([586]).

5- ورويا أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً([587]) قط إلا سلك فجاً آخر»([588]).

هذا الحديث فيه بيان فضل عمر رضي الله عنه، وأنه من كثرة التزامه الصواب لم يجد الشيطان عليه مدخلاً ينفذ إليه منه.

قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيه فضيلة عظيمة لـعمر، تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه، لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة، إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، فإن قيل: عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا منع من السلوك في طريق، فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له، فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له؛ لأنها في حق النبي واجبة، وفي حق غيره ممكنة، ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ: «إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا فر لوجهه»، وهذا دال على صلابته في الدين، واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض.

وقال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره، وأن الشيطان يهرب إذا رآه. وقال عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل، وأن عمر فارق سبيل الشيطان، وسلك طريق السداد، فخالف كل ما يحبه الشيطان. قال الحافظ: والأول أولى([589]).

6- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)([590]). هذا الحديث تضمن منقبة جليلة لـعمر رضي الله عنه، لما كان من القوة والجلد في أمر الله، قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: (كان إسلام عمر عزاً، وهجرته نصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر)([591]).

7- روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب([592])، فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين نزعاً ضعيفاً، والله يغفر له([593])، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن»([594]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـعمر رضي الله عنه، تضمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (فجاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً)... الحديث. ومعنى (استحالت): صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر، وأمَّا (العبقري) فهو السيد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء، ومعنى (ضرب الناس بعطن) أي: أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها: وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح، وهذا المنام رآه النبي صلى الله عليه وسلم مثال واضح لما جرى للصديق وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما، فقد حصل في خلافة الصديق قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام رغم قصر مدة خلافته، فقد كانت سنتين وأشهراً، فوضع الله فيها البركة، ولما حصل فيها من النفع الكثير، ولما توفي الصديق خلفه الفاروق؛ فاتسعت رقعة الإسلام في زمنه، وتقرر للناس من أحكامه ما لم يقع مثله، فكثر انتفاع الناس في خلافة عمر لطولها: فقد مصر الأمصار، ودون الدواوين وكثرت الفتوحات والغنائم.. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فلم أرَ عبقرياً من الناس يفري فريه)، أي: لم أر سيداً يعمل عمله ويقطع قطعه، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حتى ضرب الناس بعطن)، قال القاضي عياض: ظاهره أنه عائد إِلى خلافة عمر خاصة، وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعاً؛ لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر، (وضرب الناس بعطن)؛ لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع كل المسلمين وألفهم، وابتدأ الفتوح ومهد الأمور، وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما([595]).

8- وروى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر»([596]).

هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للفاروق رضي الله عنه، وقد اختلف العلماء في المراد (بالمحدَّث).

فقيل: المراد بالمحدث: الملهم.

وقيل: من يجرى الصواب على لسانه من غير قصد.

وقيل: مكلم أي: تكلمه الملائكة بغير نبوة... بمعنى أنها تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلماً في الحقيقة، فيرجع إلى الإلهام. وفسره بعضهم بالتفرس([597]).

قال الحافظ: والسبب في تخصيص عمر بالذكر؛ لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات([598]).

وكون عمر رضي الله عنه اختص بهذه المكرمة العظيمة، وانفرد بها دون من سواه من الصحابة، لا تدل على أنه أفضل من الصديق رضي الله عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكان أبو بكر رضي الله عنه أكثر علماً وإيماناً من عمر... وإن كان عمر رضي الله عنه محدثاً -كما جاء في الحديث الصحيح-... فهو رضي الله عنه المحدث الملهم، الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولكن مزية الصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلماً وإيماناً بما جاء به، درجته فوق درجته، فلهذا كان الصديق أفضل الأمة، صاحب المتابعة للآثار النبوية، فهو معلم لـعمر، ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب، كما كان أبو بكر معلماً لـعمر ومؤدباً له حيث قال له: فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا، قال: إنك آتيه ومطوف.

فبين له الصديق أن وعد النبي صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت، وكونه سعى في ذلك العام وقصده، لا يوجب أن يعني ما أخبر به، فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون، بل يكون غيره، إذ ليس من شرط النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كما قصده، بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده، كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام، بخلاف خبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق([599]).

وقال العلامة ابن القيم: ولا تظن أن تخصيص عمر رضي الله عنه بهذا تفضيل له على أبي بكر الصديق، بل هذا من أقوى مناقب الصديق، فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة، وتمام رضاعه من ثدي الرسالة؛ استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره، فالذي يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث، فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من المعرفة، وتأمل ما فيه من الحكمة البالغة الشاهدة لله بأنه الحكيم الخبير([600]).

9- وروى أبو عبد الله الحاكم في المستدرك، والترمذي في سننه، والإمام أحمد في المسند بإسنادهم إلى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب»([601]).

هذا الحديث فيه إبانة لفضل الفاروق رضي الله عنه، حيث جعل الله تعالى فيه من أوصاف الأنبياء وخلال المرسلين، ما يجعله لأن يكون أهلاً للنبوة لو كان هناك نبوة بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن الله تعالى ختم النبوة بمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة.

10- وروى البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم»([602]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـعمر رضي الله عنه، تؤخذ من قول أنس بن مالك، فإنه قرن الصديق وعمر بالنبي صلى الله عليه وسلم في العمل، ولا يعني هذا أن أنساً رضي الله عنه يريد أن يكون في درجة النبي صلى الله عليه وسلم، فالدرجات متفاوتة، وإنما يريد ويرجو أن يكون في الجنة دار الثواب، وبعيداً عن دار العقاب، وكل مؤمن يحبهم يرجو ذلك من الله تعالى.

11- ومن أجل مناقبه رضي الله عنه وأعظمها: موافقته للقرآن في وقائع متعددة، بمعنى أنه كان يرى الرأي فيتنزل القرآن موافقاً لما رآه رضي الله عنه وأرضاه. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: قال عمر: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ((وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)) [البقرة:125]، وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب([603])، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: ((عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ)) [التحريم:5] فنزلت هذه الآية)([604]).

وعند مسلم بلفظ: (وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر)([605]).

ووجه موافقته في أسارى بدر، أنه لما جيء بهم استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس فيهم، فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال: نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل الله: ((مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)) [الأنفال:67]»([606])إلخ الآيات الثلاث، وكانت موافقة لرأي عمر رضي الله عنه.

وروى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عمر رضي الله عنه قال: (لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)) [البقرة:219] قال: فدعي عمر رضي الله عنه، فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية التي في سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)) [النساء:43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فنزلت الآية في المائدة فدعي عمر رضي الله عنه فقرئت عليه فلما بلغ ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) [المائدة:91] قال: فقال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا)([607]).

وروى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر قال: «لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتصلى عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) [التوبة:80] وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)) [التوبة:84]»([608]).

فهذه الموافقات كلها مناقب عالية للفاروق رضي الله عنه: فقد رأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى أن تحجب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن بموافقته، وقال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعن عليه في الغيرة: ((عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ)) [التحريم:5]، فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى تحريم الخمر فكان يقول: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً)، فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى عدم الصلاة على عبد الله بن أبي، فإنه لما توفي ابن أبي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)) [التوبة:84] فكانت موافقة لما كان يراه عمر من عدم الصلاة على رأس النفاق، فلله ما أعظم هذا الفضل، وما أعلى هذه المكانة التي تبوأها الفاروق رضي الله عنه، فلقد رزقه الله السداد في الرأي، والإصابة في القول، فهو رضي الله عنه المحدث الملهم، الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو الذي أعز الله به دين الإسلام؛ فرضي الله عنه وأرضاه.

12- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه شهيد وتحقق إخباره عليه الصلاة والسلام، فقد مات شهيداً على يد الظالم أبي لؤلؤة المجوسي، فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم، فضربه برجله وقال: اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان»([609]).

وعند الترمذي من حديث أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»([610]).

قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ولقد أفاد هذا الحديث فائدة عظيمة: وهي أن عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير شهداء كلهم، وأن أبا بكر صديق، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي عظيم، وقد جمعت هؤلاء الشهداء الشهادة، وإن اختلفت أسبابها وتباينت وجوهها، ولكن لفهم شرف هذه الصحبة واجتماعهم جملة. وأبان جليل مقدارهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم للجبل بالهدوء والسكون لأجل شرف من عليه، فيا معشر الطالبين لعلم الدين؛ أبعد هذا بيان لمن كان له قلب فما لكم تدخلون بينهم وتتكلمون فيما وقع لهم، وترجحون وتقدمون وتؤخرون وتحبون وتبغضون، كأنكم لا تعلمون مقاديركم، ولا تلزمون مواضعكم حتى تترقوا بالجهِل والفضول إلى عثمان وعلي وطلحة والزبير، فتتكلمون بالحمية وتتعصبون ((أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ)) [الطور:15]، وقد رجف الجبل بالنبي عليه السلام وأبي بكر وعمر وعثمان، وقد رجف بهؤلاء الأعيان، وقد كان ذلك بـمكة وبـحراء، وقد كان بـالمدينة وأحد، وأنبأنا الله بالفضل مرتين وأكده وعضد مقدارهم ومهده في جبلين. اهـ([611]).

13- ومن مناقبه العظيمة رضي الله عنه: بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة: فـعمر رضي الله عنه من أهل الجنة قطعاً. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتح له وبشره بالجنة ففتحت له فإذا هو أبو بكر فبشرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله ثم قال: الله المستعان»([612]).

14- ومن مناقبه الحميدة رضي الله عنه: ما جاء من الثناء عليه من فضلاء الصحابة حياً وميتاً، ورضا الجميع عنه، ومن ذلك: ما روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة قال: (لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: أمَّا ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك منّ من الله تعالى منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منّ من الله جل ذكره منّ به علي. وأمَّا ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع([613]) الأرض ذهباً؛ لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل اًن أراه)([614]). وفي هذا بيان فضل عظيم لـعمر رضي الله عنه، يؤخذ من قول ابن عباس: (لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى قوله: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وذلك أن له بهذا فضلاً عظيماً، حيث إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفارقه وهو عنه راضٍ، وكذلك كان مع أبي بكر وبقية الصحابة جميعاً، ومع ما كان عليه من هذه السيرة الحسنة، فإنه رضي الله عنه لحق بالرفيق الأعلى والخوف غالب عليه من خشية التقصير في حقوق الرعية، وهكذا المؤمن كامل الإيمان يجمع بين الخوف والإحسان.

وروى الشيخان من حديث ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: (وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه([615]) الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم، قال: فلم يرعني([616]) إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفتُّ إليه فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما)([617]).

هذا الحديث دل على فضيلة أبي بكر وعمر، وشهادة علي لهما وحسن ثنائه عليهما وصدق ما كان يظنه بـعمر قبل وفاته رضي الله عنهم أجمعين.

تلك طائفة من الأحاديث النبوية والآثار التي تضمنت مناقب عالية للفاروق، وكلها أدلة قطعية يقينية دلت على أن الفاروق أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وهو ما تعتقده الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة، وهو ما يجب على المسلم اعتقاده في ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

 المبحث الثالث: فضل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه:

مما هو معلوم عند جمهور أهل السنة والجماعة أن أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر يكنى أبا عمرو، ويقال: أبا عبد الله([618])، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبي صلى الله عليه وسلم من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لـعمر سواء([619])، وأمه رضي الله عنه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب وهي شقيقة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنهما ولدا توأماً... فكان ابن بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ابن خال والدته، وقد أسلمت أمه رضي الله عنه وماتت على الإسلام، ولها صحبة رضي الله عنها، وأما والده فإنه مات في الجاهلية([620]).

فـعثمان رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم،، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم، وكان رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها، فلما توفيت زوَّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأختها أم كلثوم، ولذلك لقب بـذي النورين لأنه تزوج ابنتي نبي واحدة، بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره رضي الله عنه، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر، وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة، صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راضٍ، وصحب أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راضٍ، وصحب الفاروق فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راضٍ، وكان رضي الله عنه ممن جمع بين العلم والعمل، والصيام والتهجد والإتقان والجهاد في سبيل الله، وصلة الأرحام، وكان من الصادقين القائمين الصائمين المنفقين في سبيل الله تعالى([621]).

فهو رضي الله عنه أفضل الناس بعد الشيخين رضي الله عنهما، وهذا هو معتقد الجمهور من أهل السنة والجماعة، قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعده أفضل من عثمان، ولم يكن بعد عثمان على الأرض خير ولا أفضل من علي([622]).

وقد ذهب بعض أهل السنة من أهل الكوفة إلى تفضيل علي على عثمان رضي الله عنهما، وذهب بعض أهل المدينة إلى التوقف في أمرهما رضي الله عنهما، ثم ذكر أهل العلم رجوع هؤلاء جميعاً إلى مذهب جمهور أهل السنة والجماعة، القائل بتقديم عثمان على علي رضي الله عنهما، وصار القول واحداً في أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.

قال الإمام النووي: وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم علي على عثمان، والصحيح المشهور تقديم عثمان([623]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة رجحوا علياً على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي، كما هو مذهب سائر الأئمة: كـالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام([624]).

وقال الحافظ ابن كثير: والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علي على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال: إنه رجع عنه ونقل مثله عن وكيع بن الجراح، ونصره ابن خزيمة والخطابي، وهو ضعيف مردود([625]).

وذكر أبو منصور البغدادي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة والحسين بن الفضل البجلي أنهما يقولان بتفضيل علي رضي الله عنه على عثمان([626]). ونقول: إن هذا القول ضعيف مردود لمخالفته ما أطبق عليه أهل السنة والجماعة من تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما.

وقال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني: اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: علي أفضل، فتحاكموا إلي فأمسكت وقلت: الإمساك خير، ثم لم أرَ لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يحل في الرفض.

قال الذهبي: قلت: ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان، وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء رضي الله عنهما، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب([627]).

وقال غير واحد من العلماء: كـأيوب السختياني والدارقطني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار([628]).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح([629]).

وإذ قد تبين لنا أن بعض أهل السنة القائلين بتقديم علي على عثمان رضي الله عنهما، والقائلين بالتوقف في أمرهما، قد رجعوا إلى قول الجمهور منهم من القول بتقديم عثمان على علي في الفضل؛ تبين أن هذه المسألة مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة؛ ولا عبرة بعد ذلك بأي قول يخالف هذا المعتقد الصحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان، وهو مذهب جماهير أهل الحديث، وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار، وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر، أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديماً عاماً، وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي([630]).

وقد وردت أحاديث كثيرة في السنة تضمنت ذكر فضائله رضي الله عنه، وبعضها دل على أنه أفضل الخلق بعد الشيخين رضي الله عنهما، ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه الإمام البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بـأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)([631]).

هذا الحديث دل على أن عثمان رضي الله عنه أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا؛ لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها، وغير ذلك، فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل، فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهوراً بيناً، فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص. ويؤيده ما رواه البزار عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب: رجاله موثقون، وهو محمول على أن ذلك قاله ابن مسعود بعد قتل عمر، وقد حمل أحمد حديث ابن عمر على ما يتعلق بالترتيب في التفضيل، واحتج في التربيع بـعلي بحديث سفينة مرفوعاً «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً» أخرجه أصحاب السنن([632])، وصححه ابن حبان وغيره، وقال الكرماني: لا حجة في قوله: (كنا نترك)؛ لأن الأصوليين اختلفوا في صيغة (كنا نفعل) لا في صيغة (كنا لا نفعل)؛ لتصور تقرير الرسول في الأول دون الثاني، وعلى تقدير أن يكون حجة فما هو من العمليات حتى يكفي فيه الظن، ولو سلمنا فقد عارضه ما هو أقوى منه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك كان في بعض أزمنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع ذلك أن يظهر بعد ذلك لهم... والله أعلم([633]).

2- وروى الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً، وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة. فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة. فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا عثمان بن عفان»([634]).

هذا الحديث تضمن فضيلة هؤلاء الثلاثة المذكورين: وهم أبو بكر وعمر وعثمان، وأنهم من أهل الجنة، كما تضمن فضيلة لـأبي موسى، وفيه دلالة على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب ونحوه، وفيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم لإخباره بقصة عثمان والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى([635]).

3- وروى البخاري بإسناده إلى أبي عبد الرحمن أن عثمان رضي الله عنه حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته قال: فصدقوه بما قال)([636]). هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لـذي النورين رضي الله عنه: شراؤه رضي الله عنه بئر رومة، وتجهيزه جيش العسرة الذي خرج لغزوة تبوك، وقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى أن جزاءه على ذلك أن يكون من أصحاب الجنة، وهاتان المنقبتان من أعلى مناقبه رضي الله عنه.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن ابن بطال أنه قال عند هذا الحديث: هذا وهم من بعض رواته والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها، قال الحافظ: هو المشهور في الروايات، فقد أخرجه الترمذي من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق فقال فيه: (هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن)([637])، لكن لا يتعين الوهم، فقد روى البغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: «لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تبيعنيها بعين في الجنة. فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين»، وإن كانت أولاً عيناً فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئراً، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها وطواها، فنسب حفرها إليه([638]).

4- روى الترمذي رحمه الله بإسناده إلى ثمامة بن حزن القشيري قال: «شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم عليَّ؟ قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشترى بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشترى بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله فقال: اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان، قالوا: اللهم نعم، قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد، ثلاثاً» ثم قال الترمذي رحمه الله عقب الحديث: هذا حديث حسن، قد روي من غير وجه عن عثمان([639]).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان رضي الله عنه بئر رومة، والبقعة التي زيدت في توسعة المسجد، أما بالنسبة لمقدار المال الذي اشترى به بئر رومة، فقد أورد رواية أنه اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، وهي من رواية بشير الأسلمي التي أخرجها البغوي في كتابه الصحابة، وأنها كانت لرجل من بني غفار، وقد تقدم ذكرها قريباً.

وأما مقدار المال الذي اشترى به البقعة التي زيدت في المسجد فقال: وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان أنه اشتراها بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً([640]).

5- روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حباب السلمي قال: «شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها([641]) وأقتابها([642]) في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه»([643]).

6- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الرحمن بن سمرة قال: «جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز صلى الله عليه وسلم العسرة، قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مراراً»([644]).

قال العلامة ابن القيم ذاكراً صفة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملات في سبيل الله، فحمل رجال واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها، وألف دينار عيناً([645]).

فشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة في شرائه بئر رومة، وتحبيسها على المسلمين غنيهم وفقيرهم، وزيادته في المسجد، وتجهيزه جيش العسرة مع قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» كل هذه الخصال المذكورة من أعظم مناقبه رضي الله عنه، وقد ذكرها يوم كان محصوراً في داره من قبل الزائغين الذين خرجوا عليه بغية الفساد في الأرض، وصدقه بها كبار الصحابة وفضلاؤهم الذين سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم مثل: سعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة رضي الله عنهم أجمعين.

7- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث؛ ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش([646]) له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»([647]).

هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لـعثمان رضي الله عنه، وبيان أنه جليل القدر حتى عند الملائكة. كما دل الحديث أيضاً على أن الحياء صفة حميدة من صفات الملائكة.

8- وروى مسلم أيضاً بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن العاص، أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان حدثاه «أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط([648]) عائشة فأذن لـأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لـعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله ما لي لم أرك فزعت لـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لـعثمان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته»([649]).

وهذا الحديث -كالذي قبله- فيه بيان مكانة عثمان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وثناؤه عليه بأنه حيي، وأنه عليه الصلاة والسلام اهتم بدخوله عليه واحتفل به، وبين لـعائشة رضي الله عنها العلة في ذلك.

9- وروى البخاري بإسناده إلى عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لـعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة لك. قال: يا أيها المرء منك، قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك؛ فانصرفت فرجعت إليهما، إذ جاء رسول عثمان، فأتيته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم: فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد، قال: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: لا ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها قال: (أمَّا بعد فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين -كما قلت- وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله، ثم استخلفت أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى، قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أمَّا ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا علياً فأمره أن يجلده فجلده ثمانين)([650]).

هذا الحديث اشتمل على مناقب ظاهرة لـعثمان رضي الله عنه: وهي أنه كان ممن استجاب لله والرسول، وآمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق الإيمان، وهاجر الهجرتين، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن صحبته، ومات عليه الصلاة والسلام وهو عنه راضٍ، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر كذلك، وتوفيا رضي الله عنهما وهما عنه راضيان، ولما طلب منه إقامة الحد على أخيه الوليد؛ فما إن ثبت لديه ما يوجب ذلك إلا وأمر علياً بإقامة الحد عليه، وهذا فيه دلالة على مراعاته للحق والأخذ به عند ظهوره، وفي هذا منقبة من مناقبه رضي الله عنه.

10- روى الإمام أحمد بإسناده إلى سلمة بن عبد الرحمن قال: (أشرف عثمان رضي الله عنه من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء([651]) إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء، ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وأنا معه، فانتشد له رجال قال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة، قال: هذه يدي وهذه يد عثمان رضي الله عنه، فبايع لي، فانتشد له رجال)([652]).

هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لـذي النورين رضي الله عنه:

- الأولى: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيموت شهيداً، وقد كان ذلك، فإنه رضي الله عنه قتل شهيداً على أيدي الخارجين عليه ظلماً وعدواناً.

- الثانية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بايع عنه بيده الشريفة بيعة الرضوان، حيث إنه كان مبعوثاً من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم لإبلاغ أهل مكة أنه عليه الصلاة والسلام جاء معتمراً لا محارباً، وهاتان المنقبتان دلتا على علو مكانته وعظيم فضله رضي الله عنه وأرضاه.

11- ومن مناقبه رضي الله عنه: إجماع الصحابة على خيريته رضي الله عنه وأفضليته بعد الشيخين، فإنه لما بويع لم يبق في الشورى إلا هو وعلي والحكم عبد الرحمن بن عوف، وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار، فإنهم كانوا بـالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن: إن لي ثلاثاً ما اغتمضت بنوم، وبعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه؛ أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء، وهي قوله: إني رأيت الناس لا يعدلون بـعثمان، فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضا واختيار([653]).

فدل هذا الإجماع على أنه أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا إجماع منهم على تقديمهم لـعثمان على علي([654]). ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل: علي أو عثمان؟ قال: (قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف)([655])وقال عبد الله بن مسعود: (أمرنا خير من بقي ولم نأل)([656])، ولهذا قال أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار([657]). وقد بين معنى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه، كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم([658]).

12- ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة: أنه جمع الناس على مصحف واحد، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطَّأ الآخر أو كفره؛ فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة؛ فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه؛ لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف.

فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفاً، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً، وإلى اليمن مثله، وأقر بـالمدينة مصحفاً، ويقال لهذه المصاحف: الأئمة([659]).

وبهذا العمل الجليل؛ يعتبر عثمان رضي الله عنه من عباد الله الصالحين، الذين أيد الله بهم دينه وحفظ بهم كتابه، رضي الله عنه وأرضاه.

13- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون مستمراً على الهدى المستقيم عند حلول الفتنة، وهذه منقبة عظيمة له رضي الله عنه. فقد روى الحاكم بإسناده إلى مرة بن كعب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة فقربها، فمر به رجل مقنع([660]) في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى، فقمت إليه فإذا هو عثمان رضي الله عنه، فأقبلت بوجهه فقلت: هو هذا قال: نعم»([661]).

14- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد الأمة بالالتفاف حوله عند نزول الفتنة والاختلاف، وفي هذا تنبيه إلى أن عثمان رضي الله عنه ممن أسعدهم الله ووفقهم لسلوك طريقه المستقيم. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنة، قال: قلنا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالأمير وأصحابه، وأشار إلى عثمان»([662]).

15- ومن مناقبه الرفيعة رضي الله عنه: وفاؤه رضي الله عنه بما عهد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإصباره نفسه على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه رضي الله عنه لما جاءه الخوارج الذين خرجوا عليه من الأمصار، وجاءوا إلى المدينة وحصروه في داره رضي الله عنه فوق أربعين يوماً، وكان عددهم -كما قال ابن العربي: أربعة آلاف، وكلهم يريد قتله، وكان عدد الذين لا يريدون قتله أربعين ألفاً([663])، وكان باستطاعته رضي الله عنه أن يأمر بالدفاع عنه، وقد عرض عليه كثير من فضلاء الصحابة أن يأذن لهم في قتال هؤلاء المارقين وطردهم عنه، ولكنه أبى رضي الله عنه خشية من أن يسفك دم بسببه، وناشد من كان معه في داره من الصحابة أن يخرجوا عنه، ولما خرجوا تسلق عليه أولئك الأخلاط الظلمة داره، وأحرقوا الباب ودخلوا عليه وقتلوه، ورضي أن يكون عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل؛ وفاءاً بعهد النبي صلى الله عليه وسلم إليه.

فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إِلى عائشة رضى الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا لي أو ليت عندي رجلاً من أصحابي. قالت: قلت: أبو بكر؟ قال: لا. قلت: عمر؟ قال: لا. قلت: ابن عمك علي؟ قال: لا. قلت: فـعثمان؟ قال: نعم. قالت: فجاء عثمان، فقال: قومي. قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير، قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا نقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أمراً فأنا صابر نفسي عليه»([664]).

تلك طائفة من الأحاديث والآثار التي دلت على فضل عثمان رضي الله عنه، وفي بعضها دلالة على تقديمه بعد الشيخين، وهذا معتقد الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي ينبغي أن تحل في قلب المسلم الذي رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.

 المبحث الرابع: فضل أبي السبطين علي رضي الله عنه:

أجمع أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر، أن أبا السبطين أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، واسمه رضي الله عنه: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ويكنى بـأبي تراب، وأمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال: إنها أول هاشمية ولدت هاشمياً، وقد أسلمت وهاجرت.

وعلي رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ، وكان رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين المأمور بالاقتداء بهم، وكان ممن سبق إلى الإسلام، لم يتلعثم، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وزوَّجه ابنته فاطمة رضي الله عنها، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً والحديبية وسائر المشاهد غير تبوك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فيها على المدينة. وأبلى بـبدر وأحد وبالخندق وبـخيبر بلاءاً عظيماً، وأغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم، وكان لواء النبي صلى الله عليه وسلم بيده في مواطن كثيرة، وجاهد في الله حق جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل والفتيا رضي الله عنه وأرضاه. وكان رضي الله عنه من جملة من غسَّل النبي صلى الله عليه وسلم وكفنه وولي دفنه([665]).

ولقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة التي دلت على فضله رضي الله عنه، ومنها:

1- ما رواه الشيخان من حديث سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون([666]) ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له؛ فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم»([667]).

وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أبي هريرة: «... قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها»([668]).

هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه: وهي قوله: (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، ومعنى أن علياً يحب الله ورسوله، أراد بذلك وجود حقيقة المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة. وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)) [آل عمران:31]، فكأنه أشار إلى أن علياً تام الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اتصف بصفة محبة الله له([669]).

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: قوله: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فيه فضيلة عظيمة لـعلي رضي الله عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بذلك([670]).

ومعنى قول عمر رضي الله عنه: (فتساورت لها)، معناه: تطاولت لها أي: حرصت عليها وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني. وقوله رضي الله عنه: (فما أحببت الإمارة إلا يومئذ)، إنما كانت محبته لها لما دلت عليه هذه الإمارة من محبته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبتهما له، والفتح على يديه([671]).

2- وروى الشيخان من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، قال سعيد بن المسيب: (فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر فقال: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستكتا)([672]).

وهذا الحديث فيه فضيلة عظمى لـعلي رضي الله عنه، تضمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) حيث بين عليه الصلاة والسلام منزلة علي منه، ومكانته العظيمة عنده عليه الصلاة والسلام.

ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض أنه قال: (هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقاً لـعلي وأنه وصى له بها) قال: ثم اختلف هؤلاء: فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره. وزاد بعضهم فكفر علياً لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهباً وأفسد عقلاً من أن يرد قولهم أو يناظر، وقال: ولا شك في كفر من قال هذا؛ لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام، وأما من عدا هؤلاء الغلاة، فإنهم لا يسلكون هذا المسلك: فأمَّا الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كفار، وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة؛ لجواز تقديم المفضول عندهم. وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لـعلي، ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لـعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة والله أعلم([673]).

3- وروى الشيخان من حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت فقال: «أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب»([674]).

في هذا الحديث منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وبيان علو منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام مشى إلى علي رضي الله عنه ودخل المسجد، ومسح التراب عن ظهره، واسترضاه تلطفاً به؛ لأنه كان وقع بينه وبين فاطمة شيء، فخرج إلى المسجد واضطجع فيه، وكناه النبي صلى الله عليه وسلم بـأبي تراب، وكانت هذه التسمية أحب شيء إليه رضي الله عنه.

4- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل محبته من علامة الإيمان، وجعل بغضه علامة للنفاق. فقد روى مسلم بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)([675])ففي هذا منقبة ظاهرة لـأبي الحسن رضي الله عنه، وهذا جارٍ باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين. قال القرطبي في المفهم: وأما الحروب الواقعة بينه، فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غبر هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام: للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، والله أعلم([676]).

5- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه «أن فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبي؛ فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: ألا أعلمكما خيراً مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعاً وثلاثين، وتسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم»([677]).

فهذا الحديث تضمن منقبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وتلك المنقبة هي دخول النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين فاطمة رضي الله عنهما في فراشهما، وأمره لـعلي بلزوم مكانه بعد أن هم بالقيام، وهذا يدل على أن لـأبي الحسن رضي الله عنه منزلة عظيمة عند المصطفى صلى الله عليه وسلم.

6- وروى أيضاً بإسناده إلى سعد بن عبيدة قال: (جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر عن محاسن عمله قال: لعل ذاك يسوؤك قال: نعم، قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل، قال: فأرغم الله بأنفك قال: انطلق فاجهد عليَّ جهدك)([678]).

وهذا الأثر عن ابن عمر تضمن فضل علي رضي الله عنه، حيث مدحه بأوصافه الحميدة التي دلت على مكانته وفضله رضي الله عنه وأرضاه.

7- وروى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي: «أنت مني وأنا منك»([679]).

ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا فضيلة عظيمة لـعلي رضي الله عنه.

8- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أمَّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً. فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)) [آل عمران:61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي»([680]).

هذا الحديث تضمن مناقب ظاهرة وفضائل عالية لـأبي السبطين علي رضي الله عنه وأرضاه.

وقال النووي رحمه الله تعالى: قوله: (إن معاوية قال لـسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسب أبا تراب)، قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يحب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعاً أو خوفاً، أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار وأنكر([681]) عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، وأنه أخطأ([682]).

9- ومن مناقبه الدالة على فضله: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بتثبيت لسانه، وهداية صدره للحق، حتى كان مدة حياته لم يشك في قضاء بعد ذلك. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله إني رجل شاب، وأنه يرد علي من القضاء ما لا علم لي به، قال: فوضع يده على صدري وقال: اللهم ثبت لسانه واهد قلبه، فما شككت في القضاء أو في قضاء بعد»([683]).

10- ومن مناقبه رضي الله عنه: شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بالخشونة في ذات الله وفي سبيل الله. فقد روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «شكى علي بن أبي طالب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا علياً؛ فوالله إنه لأخشن في ذات الله وفي سبيل الله»([684]).

11- ومن مناقبه العظيمة: شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى امرأة فذبحت لنا شاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليدخلن رجل من أهل الجنة، فدخل أبو بكر رضي الله عنه، ثم قال: ليدخلن رجل من أهل الجنة، فدخل عمر رضي الله عنه، ثم قال: ليدخلن رجل من أهل الجنة، اللهم إن شئت فاجعله علياً، قال: فدخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه»([685]).

12- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب وولديها الحسن والحسين، أنهم يكونون معه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في مكان واحد. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة رضي الله عنها فقال: إني وإياك وهذا النائم –يعني: علياً - وهما- يعني: الحسن والحسين - لفي مكان واحد يوم القيامة»([686]).

ففي هذا بيان منقبة لـعلي رضي الله عنه أرضاه.

وقد كثر الثناء عليه رضي الله عنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين لهم بإحسان، بما وجد فيه من الخصال الحميدة، وبما حصل له من المناقب الرفيعة التي استحق أن يكون بها من خير البشر. فقد شهد له الفاروق رضي الله عنه بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم التحق بالرفيق الأعلى وهو عنه راضٍ، كما شهد له بحل المعضلات.

1- فقد قال رضي الله عنه عندما قيل له: (أوص يا أمير المؤمنين، استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر -أو الرهط- الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ: فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن)([687])، فقد أخبر الفاروق رضي الله عنه بأن أبا الحسن كان في مقدمة من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

2- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: (كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن)([688]).

3- روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه: (أقرأُنا أبي وأقضانا علي)([689]).

فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد لـأبي الحسن بحل المشكلات، وبالبراءة في القضاء وإتقانه.

4- وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: كان ابن عباس يقول: (إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل بها)([690]).

5- وروى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف([691]) بإسناده إلى عطية بن سعد قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو شيخ كبير، وقد سقط حاجباه على عينيه، فقلت: أخبرنا عن علي بن أبي طالب قال: فرفع حاجبيه بيديه ثم قال: (ذاك من خير البشر).

وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جري بن كليب العامري قال: (لما سار علي إلى صفين كرهت القتال، فأتيت المدينة فدخلت على ميمونة بنت الحارث فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قالت: من أيهم؟ قلت: من بني عامر، قالت: رحباً على رحب، وقرباً على قرب، تجيء ما جاء بك، قال: قلت: سار علي إلى صفين وكرهت القتال، فجئنا إلى هاهنا، قالت: أكنت بايعته؟ قلت: نعم، قالت: فارجع إليه فكن معه، فوالله ما ضل ولا ضل به)([692]).

فهذا ثناء من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، على أبي السبطين رضي الله عنه، من أنه سالك طريق الحق ولن يحيد عنه إلى الضلال بحال، وهذه منقبة وفضيلة له رضي الله عنه.

6- وروى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف([693]) بإسناده إلى أبي هارون قال: (كنت مع ابن عمر جالساً إذ جاءنا نافع بن الأزرق، فقام على رأسه فقال: والله إني لأبغض علياً، قال: فرفع إليه ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله، تبغض رجلاً سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها).

ولقد شهد له معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بالعلم والفضل والسبق والخيرية، وأقر له بفضائله ومناقبه كلها.

7- قال ابن كثير: وقال جرير عن مغيرة قال: (لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية، وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف؛ جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وجعل يبكي، فقالت له فاختة: أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه، فقال: ويحك! إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره)([694]).

8- قال ابن عبد البر: وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: (ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك)([695]).

هذا موقف معاوية بن أبي سفيان من أبي السبطين علي رضي الله عنه، فإنه بكى عليه عندما بلغه نبأ قتله، وأثنى عليه بصفاته الحميدة من الحلم والعلم والفضل والسابقة والخيرية، واعترف له بمناقبه كلها، ولم يمنعه من ذلك ما حصل بينهما من الحروب، ولم يجد الغل محلاً في قلب معاوية لـأبي الحسن رضي الله عنهما، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزع الله من قلوبهم الغل، فكانوا إخواناً متحابين، ومهما حصل بينهم من خلاف فإن ذلك لم يؤد بهم إلى إنكار فضائل بعضهم بعضاً، فهل يدَّكر بهذا من جاء بعدهم من الرافضة الذين يقدحون فيهم، ولا حامل لهم على ذلك إلا بغضهم وغلهم المقيت، ومعاداتهم الخبيثة للسابقين الأولين الخيرة البررة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، وأخزى من في قلبه غل عليهم إلى يوم الدين.

9- سئل الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: (كان علي والله سهماً صائباً من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا قرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله؛ أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب يا لكع)([696]).

تلك طائفة من الأحاديث والآثار التى تضمنت فضل رابع الخلفاء الراشدين: أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفضائله رضي الله عنه كثيرة جداً، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما جاء لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه)([697]).

وكل ما تقدم ذكره من فضائله رضي الله عنه، كلها فيها الرد على النواصب الذين يتبرءون منه ولا يتولونه، كما تتضمن الرد على الخوارج الذين كفروه، وكلتا الفرقتين ضالتان في اعتقادهما فيه رضي الله عنه وأرضاه، وقد ولَّد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها([698]).

والذي أخلص إليه في هذا الفصل: أن عقيدة الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة أنهم يرتبون الخلفاء الأربعة في الفضل، فيعتقدون أن أفضل الأمة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.

قال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد عرضه الأقوال في أفضلية الأربعة الخلفاء فقال: ومنهم من يقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وذلك قول أهل الجماعة والأثر من رواة الحديث وجمهور الأمة([699]).

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وأفضل أمته: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة -أهل بيعة الرضوان- ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم([700]).

 المبحث الخامس: فضل الستة بقية العشرة:

بيَّنا فيما سبق في المباحث الأربعة المتقدمة فضل أربعة من العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وأبو السبطين علي رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين أُمرنا بالاهتداء بهديهم والسير على طريقتهم رضي الله عنهم. وفي هذا المبحث أبين فضل من بقي من العشرة الذين يلون الخلفاء الراشدين في الفضل، وعددهم ستة وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعيد بن زيد. وإلى بيان فضل كل واحد من هؤلاء الستة رضي الله عنهم:

 طلحة بن عبيد الله:

هو: أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي([701]). يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء([702]). وأمه رضي الله عنه الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن، وهي أخت العلاء بن الحضرمي([703])، أسلمت ولها صحبة، وظفرت بشرف الهجرة([704]) وطلحة رضي الله عنه أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان رضي الله عنه عند وقعة بدر قد وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير قبل خروجه عليه الصلاة والسلام إلى بدر، فلم يرجعا إلا وقد فرغ من موقعة بدر، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجرهما([705]).

وقال الواقدي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم -قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر - طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة، فقدماها يوم وقعة بدر([706]) فخروجهما لجس الأخبار يعتبر في صالح المعركة، وهو نوع من المشاركة فيها.

وشهد طلحة رضي الله عنه أحداً وما بعدها من المشاهد، وقد أبلى في غزوة أحد بلاء حسناً، فقد وقى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه([707]).

وفضائله رضي الله عنه كثيرة مشهورة ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد)([708]).

هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة خص بها طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهي أنه وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد، لما أراد بعض المشركين أن يضربه، فاتقى طلحة الضربة بيده حتى أصابها شلل، والشلل بطلان في اليد أو في الرجل من آفة تعتريها. فالحديث فيه بيان فضيلة عظيمة لـطلحة رضي الله عنه وأرضاه.

2- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي عثمان النهدي قال: (لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير طلحة وسعد عن حديثهما)([709]).

وهذا الحديث أيضاً تضمن منقبة ظاهرة لـأبي محمد طلحة بن عبيد الله، من حيث أنه بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تفرق الناس عنه يوم أحد، والمراد بقوله في الحديث: (في بعض تلك الأيام): يوم أحد.

3- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى الزبير رضي الله عنه قال: «كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة قال: فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أوجب طلحة»([710]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أوجب طلحة) أي: وجبت له الجنة بسبب عمله هذا، أو بما فعل في ذلك اليوم، فإنه خاطر بنفسه يوم أحد، وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه، وجرح جميع جسده حتى شلت يده([711]).

4- وروى أبو نعيم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك كله يوم طلحة)([712]).

وهذا مدح وثناء عظيم من صديق هذه الأمة، وشهادة صادقة لـأبي محمد طلحة بن عبيد الله بثباته مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أحد التي أبلى فيها بلاءً حسناً، وكان موقفه عظيماً في غزوة أحد، يذكر به في الآخرين رضي الله عنه وأرضاه.

5- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طلحة ممن قضى نحبه، ووفى لله بما نذره على نفسه من القتال في سبيله ونصرة دينه.

فقد روى الترمذي بإسناده إلى موسى بن طلحة قال: «دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طلحة ممن قضى نحبه»([713]).

وروى أيضاً بإسناده إلى موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون هم على مسألته -يوقرونه ويهابونه- فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال: هذا ممن قضى نحبه»([714]).

هذان الحديثان فيهما بيان فضل طلحة بن عبيد الله، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة ممن قضى نحبه، وكان طلحة ضمن جماعة: كـعثمان بن عفان ومصعب وسعيد وغيرهم، نذروا إذا لقوا حرباً ثبتوا حتى يستشهدوا، وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده حتى شلت يده، ووقى بها النبي صلى الله عليه وسلم([715]) رضي الله عنه وأرضاه.

قال أبو بكر بن العربي أثناء ذكره لمسائل اشتمل عليها الحديث، قال رحمه الله تعالى:

الرابعة: إلا أن قوماً تحققت عاقبتهم، وأخبر الله تعالى عن حسن مآلهم وإن كانوا لم يوافوا بعد، فلهم شرف الحالة بذلك وعلو المنزلة، وطلحة منهم.

الخامسة: وكان ذلك له -والله أعلم- بوقايته بنفسه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى شلت يمينه، فقدمته يداه إلى الجنة وتقدمه إليها، وتعلق بسبب عظيم لا ينقطع منها([716]).

7- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الفياض؛ لسعة عطائه وكثرة إنفاقه في وجوه الخير. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى موسى بن طلحة «أن طلحة نحر جزوراً، وحفر بئراً يوم ذي قرد([717])، فأطعمهم وسقاهم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا طلحة الفياض» فسمي طلحة: الفياض([718]).

8- وروى أيضاً بإسناده إلى طلحة رضي الله عنه قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده سفرجلة، فرماها إلي -أو قال: ألقاها إلي- وقال: دونكها أبا محمد فإنها تجم([719]) الفؤاد»([720]).

وفي هذا منقبة ظاهرة لـطلحة رضي الله عنه وأرضاه.

9- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يموت شهيداً.

فقد روى مسلم في صحيحه بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعليه النبى صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم»([721]).

قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: إخباره أن هؤلاء شهداء، وماتوا كلهم -غير النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر - شهداء، فإن عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير رضي الله عنهم قتلوا –ظلماً- شهداء، فقتل الثلاثة مشهور، وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال، وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركاً للقتال، فأصابه سهم فقتله، وقد ثبت أن من قتل ظلماً فهو شهيد، والمراد شهداء في أحكام الآخرة وعظم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا: فيغسلون ويصلى عليهم، وفيه بيان فضيلة هؤلاء([722]).

10- ومن مناقبه الرفيعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنه راضٍ. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ذكر طلحة بن عبيد الله، وقال عمر: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ)([723]).

11- ومما يدل على عظم مكانته وعلو منزلته: أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة ضمن جماعة من فضلاء الصحابة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» ثم قال: وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا([724]).

ففي هذا الحديث منقبة واضحة لـطلحة رضي الله عنه، حيث شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، وأكرم بها من شهادة؛ فإنها تضمنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة، ذلك هو الصحابي طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وتلك طائفة من الأحاديث التي دلت على عظيم قدره وعلو منزلته رضي الله عنه وأرضاه.

 الزبير بين العوام:

هو: أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشى الأسدي([725])، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء([726]). وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى([727]).

قال عروة بن الزبير: (أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة، وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير، ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبداً).

وقال أيضاً: (أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معاً، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم)([728]).

فهو رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفضائله رضي الله عنه كثيرة مشهورة ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام»([729]). وعند مسلم بلفظ: «ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل نبي حواري، وحواري الزبير»([730]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وحواريَّ الزبير)، أي: خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام أي: خلصاؤه وأنصاره، وأصله من التحوير: التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي: يبيضونها... قال الأزهري: الحواريون: خلصان الأنبياء، وتأويله: الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب([731]).

فالحواري: هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير رضي الله عنه، ولذلك سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنه رجلاً يقول: (أنا ابن الحواري فقال: إن كنت من ولد الزبير وإلا فلا)([732]). وقال عبد الله بن عباس: (هو حواري النبي صلى الله عليه وسلم، وسمي الحواريون لبياض ثيابهم)([733]). وجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني: فإن قلت: الصحابة كلهم أنصار رسول الله عليه الصلاة والسلام خلصاء، فما وجه التخصيص به؟ قلنا: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: «من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال: أنا» وهكذا مرة ثالثة، ولا شك أنه في ذلك الوقت نصر نصرة زائدة على غيره([734]).

2- من مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بأبويه. روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن الزبير قال: «كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بـالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً، فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف؟ قال: وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأتِ بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: فداك أبي وأمي»([735]).

وهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير رضي الله عنه، حيث فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبويه، وفي هذه التفدية تعظيم لقدره، واعتداد بعمله، واعتبار بأمره؛ وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه، فيبذل نفسه أو أعز أهله له([736]).

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أحد. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [آل عمران:172] قالت لـعروة: (يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً قال: كان فيهم أبو بكر والزبير)([737]).

فلقد أثنى الله على الذين استجابوا لله والرسول، وأخبر أن جزاء المحسنين المتقين منهم أجر عظيم، وكان الزبير بن العوام واحداً من هؤلاء رضي الله عنهم.

4- وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن هشام عن أبيه قال: كانت على الزبير عمامة صفراء معتجراً بها يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة نزلت على سيماء الزبير»([738]).

وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة للزبير رضي الله عنه، دلت على عظيم قدره وعلو منزلته، فكون الملائكة الذين أنزلهم الله لنصر المسلمين في موقعة بدر كانوا على صورته؛ فإن ذلك دليل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه.

5- وروى البخاري بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: (أصاب عثمان بن عفان رعاف شديد سنة الرعاف، حتى حبسه عن الحج، وأوصى فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف، قال: وقالوه؟ قال: نعم، قال: ومن؟ فسكت، فدخل عليه رجل آخر أحسبه الحارث فقال: استخلف، فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، فلعلهم قالوا: إنه الزبير؟ قال: نعم، قال: والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أخرى قال: (أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثاً)([739]).

ففي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شهد له ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخيرية، وأنه كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الداودي: يحتمل أن يكون المراد من الخيرية في شيء مخصوص: كحسن الخلق، وإن حمل على ظاهره ففيه ما يبين أن قول ابن عمر: (ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم) لم يرد به جميع الصحابة، فإن بعضهم قد وقع منه تفضيل بعضهم على بعض، وهو عثمان في حق الزبير، وقد تعقب الحافظ رحمه الله هذا الاحتمال الذي قاله الداودي بقوله: قلت: قول ابن عمر قيده بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يعارض ما وقع منهم بعد ذلك([740]).

6- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان شجاعاً مقداماً في ساحة القتال. فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم وقعة اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير)([741]).

وفي هذا بيان فضيلة للزبير رضي الله عنه، تضمنها قول الصحابة له يوم اليرموك: (ألا تشد فنشد معك...) إلخ، فإنه كان شجاعاً مقداماً، موفقاً في تسديد الضربات لجيوش الشرك. ولقد أبلى رضي الله عنه في يوم اليرموك وفي جميع الغزوات التي غزاها بلاء حسناً.

فقد روى الترمذي بإسناده إلى هشام بن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال: (ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى ذلك إلى فرجه)([742]).

7- ومن أعظم مناقبه وأعلاها: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة...» الحديث([743]).

8- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه يموت شهيداً، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»([744]).

فلقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وحصلت له كما أخبر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإنه لما كان يوم الجمل ذكَّره علي بما ذكَّره به، فرجع عن القتال وكر راجعاً إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين، فقال قائل يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعاً إلى بيته، من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز في طائفة من غواة بني تميم... فأدركه عمرو بواد يقال له: وادي السباع -قريب من البصرة - وهو نائم في القائلة، فهجم عليه فقتله... ولما قتله اجتز رأسه وذهب به إلى علي، ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده، فاستأذن فقال علي: (لا تأذنوا له وبشروه بالنار) وفي رواية: أن علياً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار»، ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير فقال علي: (إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيقال: إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه، وقيل: بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق؛ فاختفى منه، فقيل لـمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا، وهو مختف فهل لك فيه؟ فقال: (مروه فليظهر فهو آمن، والله ما كنت لأقيد للزبير منه، فهو أحقر من أن أجعله عدلاً للزبير)([745]). وكان قتله رضي الله عنه يوم الخميس، لعشر خلون من جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين([746]) ذلك هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم قدره وعلو شأنه، رضي الله عنه وأرضاه.

 عبد الرحمن بن عوف:

هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشى الزهري كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، أمه: الشفاء بنت عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة([747]).

شهد رضي الله عنه بدراً والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام([748])، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذين أخبر عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توفي وهو عنهم راضٍ، وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان([749]). أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها([750]).

وأمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى بني كلب، وأرخى له عذبة بين كتفيه لتكون أمارة عليه للإمارة([751]). ومناقبه رضي الله عنه كثيرة، وقد وردت طائفة من الأحاديث الصحيحة بذكر مناقبه رضي الله عنه ومنها:

1- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره، أن المغيرة بن شعبة أخبره «أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال المغيرة: فتبرّز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط([752]) فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ، أخذت أهريق على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبته، فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة، وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل. قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم، فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته؛ فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنتم، أو قال: أصبتم؛ يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها»([753]).

فصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية من صلاة الفجر، دلت على منقبة عظيمة له لا تبارى رضي الله عنه وأرضاه.

2- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات، فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([754]).

فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي) يعنى: عبد الرحمن ونحوه، الذين هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد([755])، فالحديث تضمن منقبة رفيعة لـعبد الرحمن بن عوف، حيث كان ممن شرف بالسبق إلى الإسلام.

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسمه من عبد عمرو إلى عبد الرحمن. روى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: (كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن)([756]).

4- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله له أن يسقيه من سلسبيل الجنة. فقد روى الحاكم أيضاً بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه: «إن الذي يحنو عليكم بعدي هو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة»([757]).

وروى أيضاً بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثه قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت لي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: أمركن مما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون، ثم قالت: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة». وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصلهن بمال فبيع بأربعين ألفاً([758]).

ففي هذين الحديثين فضيلة لـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

5- ومن أجل مناقبه وأعلاها: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الترمذي رحمه الله بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة...» الحديث([759]).

فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الرحمن أحد أهل الجنة، جعلنا الله منهم بفضله ومنه آمين.

6- ومن مناقبه العظيمة: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد. روى الإمام أحمد وأبو داوُد والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: «أشهد على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم آثم، قيل: وكيف ذاك قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـحراء فقال: اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد. قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، قيل: فمن العاشر؟ قال: أنا»([760]).

فالحديث تضمن منقبة عالية لـعبد الرحمن، وهي أنه سيموت شهيداً، ولا يعارض هذا وفاته رضي الله عنه على فراشه، فلا بد من التسليم والإيمان بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بد هناك من سبب ثبتت له به الشهادة؛ ليكون تصديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم لم نعلمه نحن.

ذلك هو عبد الرحمن بن عوف الذي قضى حياته كلها في طاعة ربه، حتى في اللحظة الأخيرة التى كان فيها في مرض موته، فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: (اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها)([761]). وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير، حتى كانت عائشة تقول: (سقاه الله من السلسبيل)، وأعتق خلقاً من مماليكه، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع([762]) سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وهو الأشهر([763]).

 سعد بن أبي وقاص:

هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أهيب، ويقال له: ابن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي الزهري([764])، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب، وأمه: حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تسلم([765]). وهو رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، أسلم قديماً، وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارساً شجاعاً من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في أيام الصديق معظماً جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة وهو الذي بناها، وهو الذي فتح المدائن([766])، وكانت بين يديه وقعة جلولاء([767])، وكان سيداً مطاعاً، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لـعمر في ذلك، ثم ولاه عثمان بعده، ثم عزله عنها، وكان رضي الله عنه مجاب الدعوة مشهوراً بذلك([768])، ومناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة، وردت بها الأحاديث الصحيحة ومنها:

1- روى البخاري بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعداً يقول: (جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد)([769]).

2- وروى مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه يوم أحد قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارم فداك أبي وأمي. قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جنبه، فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه).

3- وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن شداد قال: سمعت علياً يقول: (ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي)([770]).

هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لـسعد رضي الله عنه، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بأبويه، وهذه التفدية فيها دلالة على أنه عظيم المنزلة جليل القدر عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه؛ فيضحي بنفسه أو أعز أهله له. وقول علي رضي الله عنه: (ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك) يفيد الحصر، ولكن هذا الحصر فيه نظر؛ لأنه تقدم معنا قريباً أنه عليه الصلاة والسلام جمع أبويه يوم الخندق للزبير بن العوام رضي الله عنه، ويجمع بين الحديثين بأن علياً رضي الله عنه لم يطلع على ذلك، أو مراده بذلك تقييده بيوم أحد والله أعلم([771]).

4- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة ليلة فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام»([772]).

هذا الحديث تضمن منقبة لـسعد رضي الله عنه، وأنه من الصالحين، وأكرم بها من منقبة؛ إذ الصالحون يتولاهم رب العالمين كما قال تعالى: ((إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)) [الأعراف:196]. ولقد حظي رضي الله عنه بمفخرة عظيمة، وهي حراسته للنبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه له عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67]؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية، وأمر أصحابة بالانصراف عن حراسته، وهذا الحديث مصرح بأن هذه الحراسة كانت أول قدومه المدينة، ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان([773]).

5- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن الله تعالى أنزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى سعد رضي الله عنه (أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله -عز وجل- في القرآن هذه الآية ((وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ... *  وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)) [لقمان:14-15] قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت: نفِّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله، فقال: ردّه من حيث أخذته، فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: رده من حيث أخذته، قال: فأنزل الله -عز وجل- ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ)) [الأنفال:1] قال: ومرضت، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قلت: فالنصف قال: فأبى، قلت: فالثلث، قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزاً قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش، والحش البستان، فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس، فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله -عز وجل- فيَّ -يعني نفسه- شأن الخمر: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة:90)]([774]).

فهذا الحديث تضمن بيان فضيلة سعد حيث نزلت في شأنه تلك الآيات القرآنية المشار إليها في هذا الحديث.

6- ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه: أن الله تعالى أثنى عليه، وأخبر أنه من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. فقد جاء في صحيح مسلم عنه رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه؛ فأنزل الله عز وجل: ((وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الأنعام:52]»([775]).

7- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه أسلم قديماً. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد قال: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام).

وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام)([776]).

فقوله رضي الله عنه: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام): فيه منقبة عظيمة له، وأراد بذلك أنه ثالث من أسلم أولاً، وأراد بالاثنين: أبا بكر وخديجة، أو النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، والظاهر أنه أراد الرجال الأحرار. فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب([777]) أنه سابع سبعة في الإسلام. وقد قدمنا في فضل الصديق من حديث عمار بن ياسر (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر) فهؤلاء ستة، ويكون هو السابع بهذا الاعتبار، أو قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر، كان يخفي إسلامه، فبهذا الاعتبار قال: (وأنا ثلث الإسلام)... وقوله رضي الله عنه: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله، وهذا فيه إشكال؛ لأنه قد أسلم قبله جماعة، ولكن يحمل هذا على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ، وقد روى ابن مندة في المعرفة من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه) وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم، ولا ينافي هذا إسلام جماعة قبل يوم إسلامه. وقوله: (ولقد مكثت...) إلخ، هذا أيضاً على مقتضى اطلاعه([778]).

8- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه أول من رمى بسهمه في سبيل الله، لمجاهدة أعداء الله وإعلاء كلمة الله. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد رضي الله عنه قال: (إني لأول العرب رمى في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط...) الحديث([779]).

في هذا بيان فضيلة سعد رضي الله عنه، حيث إنه كان أول رام بسهمه في سبيل الله، وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة، بعث ناساً من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيراً لقريش، فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة، فكان سعد أول من رمى([780]).

9- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك؛ وسبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله له بأن يكون مجاب الدعوة، فحقق الله دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام، فكانت دعوته مستجابة رضي الله عنه. جاء في مجمع الزوائد عن عامر -يعني الشعبي - قال: (قيل لـسعد بن أبي وقاص: متى أجبت الدعوة؟ قال: يوم بدر، كنت أرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول: اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم، وافعل بهم وافعل، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم استجب لـسعد) رواه الطبراني وإسناده حسن. وفيه أيضاً عن سعد قال: (سمعني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو فقال: اللهم استجب له إذا دعاك). رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح([781]).

10- ومن مناقبه العالية: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة...» الحديث([782]).

11- ومن مناقبه رضي الله عنه: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه من الشهداء. فقد روى مسلم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء، فتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسكن الحراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم»([783]).

فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد، مع أنه لم يمت في معركة، وإنما توفي بقصره بالعقيق سنة إحدى وخمسين، وقيل: ست، وقيل: ثمان، والثاني أشهر([784]).

قال النووي: وأمَّا ذكر سعد بن أبي وقاص في الشهداء، فقال القاضي: إنما سمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة([785]). قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة، وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة رضي الله عنه وعنهم أجمعين([786])، ذلك هو سعد بن أبي وقاص، وتلك طائفة من فضائله العظيمة رضي الله عنه.

 أبو عبيدة بن الجراح:

هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته، وبالنسبة إلى جده، وأمه: أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة([787]). وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة، قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم([788]).

وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها، وهو الذى انتزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيتاه بسبب ذلك، وثبت يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم الناس([789]). ومناقبه رضي الله عنه تضمنتها أحاديث صحيحة مشهورة منها:

1- ما رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل أمة أميناً وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح»([790]).

هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة لـأبي عبيدة رضي الله عنه. والأمين هو الثقة المرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأن له مزيداً في ذلك، لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الكبار بفضيلة ووصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره: كالحياء لـعثمان، والقضاء لـعلي، ونحو ذلك([791]).

وروى البخاري بإسناده إلى حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: «لأبعثن عليكم -يعني- أميناً حق أمين، فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه»([792]).

وروى مسلم بإسناده إلى أنس «أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة».

وروى أيضاً بإسناده إلى حذيفة قال: «جاء أهل نجران إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين قال: فاستشرف لها الناس»([793]).

إنها لمنقبة عظيمة خص بها أبو عبيدة رضي الله عنه، حق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتطلعوا لها. وكان تطلعهم رضي الله عنهم إلى الولاية ورغبتهم فيها؛ حرصاً منهم على أن يكون أحدهم هو الأمين الموعود في الحديث، لا حرصاً على الولاية من حيث هي([794]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (لأهل نجران): هم أهل بلد قريب من اليمن، وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع؛ وسمّاهم([795])... ووقع في حديث أنس عند مسلم «أن أهل اليمن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: هذا أمين هذه الأمة» فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: (أهل اليمن) لقرب نجران من اليمن، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. اهـ([796]).

2- ومن مناقبه العالية رضي الله عنه: أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثم انتهت إلى هذا)([797]).

وهذا الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تضمن منقبة عظيمة لـأبي عبيدة، وهي اعتقادها رضي الله عنها أنه صالح للخلافة، وأنه أهل لها رضي الله عنه وأرضاه.

وروى الترمذي وابن ماجة بإسناديهما إلى عبد الله بن شقيق قال: (قلت لـعائشة: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم من؟ فسكتت)([798]).

وفي هذا بيان فضيلة لـأبي عبيدة، وهي أنه كان أحد الذين هم أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن الفاروق رضي الله عنه كان يكره مخالفته فيما يراه، وأنه كان جليل القدر عنده. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر لما خرج إلى الشام وأخبر أن الوباء قد وقع به، فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم، فاختلفوا، فرأى عمر رأي من رأى الرجوع فرجع، فقال له أبو عبيدة: (أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله...) إلخ الحديث([799]).

قال الحافظ رحمه الله تعالى: وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر([800]).

4- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام قرنه في المدح بالشيخين.

روى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح». ثم قال: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سهيل([801]).

في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لـأبي عبيدة، حيث قرنه عليه الصلاة والسلام في المدح والثناء عليه مع أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهم جميعاً.

5- ومن مناقبه العالية الرفيعة: شهادة المصطفى عليه الصلاة والسلام له بالجنة ضمن جماعة من الصحابة، كما تقدم في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما رواه الترمذي وغيره بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة»([802]).

6- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله، فقد مات في الطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق رضي الله عنه، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، وقد جمع الله لـأبي عبيدة بين هذين الوصفين. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الشهيد فيكم! قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل قالوا: فمن هم يا رسول الله قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد»، قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: (والغريق شهيد)([803]). وهذه الموتات إنما كانت شهادة بتفضل الله تعالى، بسبب شدتها وكثرة ألمها([804]).

قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله، أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأمَّا في الدنيا: فيغسلون ويصلى عليهم... والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة؛ وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة؛ وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبراً([805]). وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بـالشام سنة ثماني عشرة([806]).

ولما دفن رضي الله عنه، خطب الناس معاذ بن جبل خطبة بيَّن فيها الكثير من فضائل أبي عبيدة. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: (لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صل فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح؛ فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحاً، فإن عبداً لله يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له، ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل، والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبداً قط أقل غمزاً، ولا أبر صدراً، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حباً للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه؛ فترحموا عليه رحمه الله ثم اصحروا([807]) للصلاة عليه، فوالله لا يلي عليكم مثله أبداً، فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة، وتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما وضعوه في لحده وخرجوا، فشنوا عليه التراب، فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنينَّ عليك ولا أقول باطلاً أخاف أن يلحقني بها من الله مقت: كنت والله -ما علمت- من الذاكرين الله كثيراً، ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، وكنت والله من المخبتين المتواضعين، الذين يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الخائنين المتكبرين)([808]).

فهذا الثناء من معاذ رضي الله عنه، كله تضمن بيان فضائل لـأبي عبيدة بن الجراح، ذلك هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه.

 سعيد بن زيد:

هو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي، كان أبوه زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين طلبوا دين الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وكان لا يذبح للأصنام، ولا يأكل الميتة والدم. وكان يقول لقومه: (يا معشر قريش والله لا آكل ما ذبح لغير الله، والله ما أحد على دين إبراهيم غيري)([809]).

وأم سعيد بن زيد: فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية كانت من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وصهره، كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب، وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب، وكان سعيد بن زيد من السابقين الأولين إلى الاسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل عمر بن الخطاب هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة، قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدراً؛ لأنه قد كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر؛ فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى؛ لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى، فتركه لذلك، ولم يتول بعده ولاية، وما زال كذلك حتى مات([810]).

وقد وردت بعض الأحاديث المتعددة المصرحة بفضله رضي الله عنه ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: (سمعت سعيد بن زيد يقول للقوم في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحداً أرفض([811]) للذي صنعتم بـعثمان، لكان محقوقاً أن يرفض)([812]).

ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لـسعيد رضي الله عنه، وهي أنه كان ممن حظي بشرف السبق إلى الإسلام، وأن إسلامه كان قبل إسلام الفاروق رضي الله عنه، إذ أنه بيَّن أن صنع عمر هذا به كان قبل أن يسلم.

قال أبو عبد الله الحاكم: أسلم سعيد بن زيد بن عمرو قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها الناس إلى الإسلام([813]).

2- ومن مناقبه العالية: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة مع جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حميد أن سعيد بن زيد حدثه في نفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص. قال: فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله، أبو الأعور في الجنة»([814]).

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه من الشهداء. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: «أشهد على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم آثم، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـحراء فقال: اثبت حراء، فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، قيل: فمن العاشر؟ قال: أنا»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم([815]). ففي هذا فضيلة عظيمة لـسعيد بن زيد رضي الله عنه، حيث شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وإن مات على فراشه فهو شهيد؛ لخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام بذلك.

وكانت وفاته رضي الله عنه سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة([816])

قال الشوكاني رحمه الله تعالى مبيناً فضل سعيد بن زيد رضي الله عنه: ويكفي سعيد بن زيد أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأنه شهد أحداً وما بعده من المشاهد كلها، وصار من جملة أهل بدر بما ضربه له رسول الله صلى الله عليه وسلم من السهم والأجر. اهـ([817]).

ذلك هو سعيد بن زيد، وتلك طائفة من مناقبه، وبه رضي الله عنه نختم فضل العشرة المبشرين بالجنة الذين قدمنا فضائلهم، التي دلت على مكانتهم وعلو منزلتهم، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنهم من أهل الجنة بأعيانهم، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ((إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:4]، وكلهم رضي الله عنهم من قريش: الذين سبقوا إلى الإسلام، وهاجروا إلى الله ورسوله، وتركوا ديارهم وأموالهم بغية نصرة دين الإسلام ورفع رايته.

 الفصل الرابع: ما جاء في فضل الصحابة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: 

الفصل الرابع: ما جاء في فضل الصحابة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

وفيه مباحث

المبحث الأول: المراد بأهل البيت.

المبحث الثاني: ما جاء في فضل أهل البيت عموماً وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً.

المبحث الثالث: فضل أهل بيته الذكور.

المبحث الرابع: فضل أهل بيته الإناث.

 المبحث الأول: المراد بأهل البيت:

لقد بين علماء العربية وأئمة الدين معنى هذه الكلمة المركبة من المضاف والمضاف إليه بياناً شافياً، أوضحوا فيه أن أول من يدخل في هذه الكلمة أزواجه رضي الله عنهن جميعاً، خلافاً للرافضة الذين يزعمون أن المراد من أهل البيت هم أربعة فقط: علي وفاطمة والحسن والحسين([818]) وأخرجوا منهم كل من سواهم، وحصرهم أهل البيت في هؤلاء الأربعة مخالف لما قرره أئمة اللغة في المراد بأهل البيت، بل مخالف للكتاب والسنة، ولما قاله أئمة الدين. فقد جاء في مقاييس اللغة لـابن فارس أن الخليل بن أحمد قال: أهل الرجل: زوجه، والتأهل: التزوج وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به([819]). وقال الراغب الأصفهاني: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقاً إذا قيل: أهل البيت؛ لقوله عز وجل: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)) [الأحزاب:33]، وعبر بأهل الرجل عن أمرأته، وأهل الإسلام الذين يجمعهم... إلى أن قال: وتأهل الرجل إذا تزوج، ومنه قيل: أهَّلك الله في الجنة، أي: زوجك فيها وجعل لك فيها أهلاً يجمعك وإياهم([820]).

وجاء في لسان العرب لـابن منظور: وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام من يدين به، وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه وبناته وصهره -أعني علياً عليه السلام- وقيل: نساء النبي صلى الله عليه وسلم... إلى أن قال: والتأهل: التزوج، والآهل الذي له زوجة وعيال، والعزب الذي لا زوجة له... وآل الرجل أهله، وآل الله ورسوله أولياؤه([821]).

وجاء في تاج العروس: والأهل للمذهب، من يدين به ويعتقده، والأهل للرجل زوجته، ويدخل فيه أولاده، وبه فسر قوله تعالى: ((وَسَارَ بِأَهْلِهِ)) [القصص:29] أي: زوجته وأهله، والأهل للنبي صلى الله عليه وسلم أزواجه وبناته وصهره علي رضي الله عنه، أو نساؤه، وقيل: أهله الرجال الذين هم آله، ويدخل فيه الأحفاد والذَّريات، ومنه قوله تعالى: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) [طه:132]، وقوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ)) [الأحزاب:33]، وقوله تعالى: ((رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) [هود:73]. وإن أهل كل نبي أمته وأهل ملته، ومنه قوله تعالى: ((وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ)) [مريم:55]([822]).

وجاء في المصباح المنير([823]): أهل الشخص هم ذوو قرابته، وقد أطلق على أهل بيته وعلى الأتباع.

فهذه النصوص المتقدم ذكرها عن أئمة اللغة، أوضحت المراد بكلمة (أهل البيت)، وأنها تطلق أصلاً على الأزواج خاصة، ثم تستعمل في الأولاد والأقارب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في غير ما آية: قال تعالى في سياق قصة خليل الله إبراهيم لما جاءته رسل الله بالبشرى: ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)) [هود:71-73] فالمراد بأهل البيت في هذه الآية هي زوجة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

وقال تعالى في سياق قصة موسى عليه السلام: ((فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً)) [القصص:29] فالمراد بالأهل في هذه الآية هي امرأته؛ لأنه لم يكن مع موسى غيرها.

وقد وردت لفظة (أهل البيت) في سياق الخطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:33-34].

فمن له أدنى إلمام بكتاب الله تعالى: يفهم من هاتين الآيتين أن المراد بأهل البيت هن أزواجه عليه الصلاة والسلام؛ لأن صدر الآية (وقرن) وما قبلها وما بعدها من الآيات، لم يخاطب بها إلا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: (وَيُطَهِّرَكُمْ)؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلياً وحسناً وحسيناً كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام. اهـ([824]).

وقال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الآيات التي وجه فيها الخطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب([825]) قال: فدخلن في أهل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه والله أعلم. اهـ([826]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً: إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح... إلى أن قال: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن، أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]؛ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)) [الأحزاب:34] أي: واعلمن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد: واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها -كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه- قال بعض العلماء رحمهم الله: لأنه لم يتزوج بكراً سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث (وأهل بيتي أحق)([827]).

ولقد بين صلى الله عليه وسلم المراد (بأهل البيت)، وأن المقصود أولاً بذلك هن أزواجه عليه الصلاة والسلام. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك في قصة زواجه عليه الصلاة والسلام بـزينب بنت جحش، وفيه أنه خرج فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لـعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة...» الحديث([828]).

فقد بين عليه الصلاة والسلام بهذا أن نساءه داخلات في أهل بيته، فلا ينازع في ذلك إلا من طبع قلبه على القدح في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم صفوة هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وقد ذكر العلامة ابن القيم أن الأئمة اختلفوا في تحديد المراد بآل البيت على أقوال، قال رحمه الله: واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال: فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:

أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، هذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه.

الثاني: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ورواية عن أحمد رحمه الله، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.

الثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب، وهو اختيار أشهب من أصحاب مالك... إلى أن قال: وهذا القول في الآل -أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة- هو منصوص الشافعي رحمه الله وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.

القول الثاني: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد، قال في باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي حميد الساعدي: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر، وفي حديث مالك: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»([829])، وفي هذا الحديث -يعني حديث أبي حميد - (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته)([830])قالوا: فهذا يفسر ذلك الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته.

القول الثالث: أن آله صلى الله عليه وسلم أتباعه إلى يوم القيامة. حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم. وأقدم من روى عنه هذا القول: جابر بن عبد الله.

القول الرابع: أن آله صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته: حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة، ولما فرغ رحمه الله من عرض أدلة كل قول، وبين ما فيها من الصحيح والضعيف، قال مرجحاً: والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رفع الشبهة بقوله: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد»([831]) وقوله: «إنما يأكل آل محمد من هذا المال»([832])

وقوله: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»([833]) وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعاً، فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك، وأمَّا تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم»([834])، فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نص عليهم بتعيينهم؛ ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحق من دخل فيه([835]).

وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: (إن أهل البيت المذكورين في الآية هن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قالوا: والمراد من البيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومساكن زوجاته، لقوله تعالى: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب:34] وأيضاً: السياق في الزوجات ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ)) [الأحزاب:28] إلى قوله: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34]([836]).

وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري: قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: اعلم أنه قد جاء في أهل البيت بمعنى من حرم الصدقة عليهم، وهم بنو هاشم، فيشمل آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث، فإن كل هؤلاء تحرم عليهم الصدقة، وقد جاء بمعنى أهله صلى الله عليه وسلم شاملاً لأزواجه المطهرات، وإخراج نسائه صلى الله عليه وسلم من أهل البيت في قوله: ((وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] من أن الخطاب معهن سباقاً وسياقاً، فإخراجهن مما وقع في البين يخرج الكلام عن الاتساق والانتظام.

قال الرازي: إنها شاملة لنسائه صلى الله عليه وسلم؛ لأن سياق الآية ينادي على ذلك، فإخراجهن عن ذلك وتخصيصه بغيرهن غير صحيح، والوجه في تذكير الخطاب في قوله: ليذهب عنكم ويطهركم باعتبار لفظ الأهل، أو لتغليب الرجال على النساء، ولو أنث الخطاب لكان مخصوصاً بهن، ولا بد من القول بالتغليب على أي تقدير كان، وإلا لخرجت فاطمة رضي الله عنها، وهي داخلة في أهل البيت بالاتفاق([837]).

والذي أخلص إليه مما تقدم: أن أزواجه عليه الصلاة والسلام من أهل بيته، وهذا هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهو ما يلزم المسلم اعتقاده، إذ المراد بأهل البيت أصلاً وحقيقة: أزواجه عليه الصلاة والسلام، ويدخل في أهل بيته أولاده وأعمامه وأبناؤهم.

 المبحث الثاني: ما جاء في فضل أهل البيت عموماً وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً:

لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً، على سبيل العموم في غير ما آية وحديث، وكما قدمنا في المبحث الذي قبل هذا أن أزواجه داخلات في أهل بيته دخولاً أولياً، وقد وردت آيات قرآنية في مدحهن عموماً. أوضح الله تعالى فيها أنهن في مرتبة عليّة ومنزلة رفيعة.

1- قال تعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6] هذه الآية الكريمة اشتملت على فضيلة عظيمة، ومنقبة رفيعة لجميع أزواجه عليه الصلاة والسلام، وهي أنه تعالى أوجب لهن حكم الأمومة على كل مؤمن، مع ما لهن من شرف الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال القرطب ي رحمه الله تعالى: شرف الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي: في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات([838]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ((وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6] أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع([839]).

2- ومن مناقبهن العظيمة التي سجلها لهن القرآن العظيم: أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ إيثاراً منهن لذلك على الدنيا وزينتها، فأعد الله لهن على ذلك ثواباً جزيلاً وأجراً عظيماً. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً)) [الأحزاب:28-29] هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهن وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة([840]).

وقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه، بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا)) [الأحزاب:28] إلى ((أَجْراً عَظِيماً)) [الأحزاب:29] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت»([841]).

ففي هذا بيان فضيلة عظيمة ومنزلة عالية لأزواجه صلى الله عليه وسلم، اللاتي هن أول ما يتناولهن لفظ (أهل البيت).

3- ومن مناقبهن العامة رضي الله عنهن جميعاً: أن الله تعالى أخبر عباده أن ثوابهن على الطاعة والعمل الصالح مثلا أجر غيرهن. قال تعالى: ((وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً)) [الأحزاب:31]. فقد أخبر تعالى في هذه الآية أن التي تطيع الله ورسوله منهن، وتعمل بما أمر الله به؛ فإنه تعالى يعطيها ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرها من سائر نساء الناس، وأعد لها في الآخرة عيشاً هنيئاً في الجنة.

قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ((وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ)) [الأحزاب:31]: أي: مثل أجر غيرها، قال مقاتل: (مكان كل حسنة عشرين حسنة)([842]).

وقال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: ((نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً)) [الأحزاب:31]: أي: في الجنة فإنهن في منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش([843]).

وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: قوله: ((أَجْراً عَظِيماً)) [الأحزاب:29]: المعنى أعطاهن الله بذلك ثواباً متكاثر الكيفية والكمية في الدنيا والآخرة، وذلك بين في قوله: ((نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ)) [الأحزاب:31] وزيادة رزق كريم معد لهن، أما ثوابهن في الآخرة، فكونهن مع النبي صلى الله عليه وسلم في درجته في الجنة، ولا غاية بعدها ولا مزية فوقها، وفي ذلك من زيادة النعيم والثواب على غيرهن، فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة.

وأما في الدنيا فبثلاثة أوجه:

أحدها: أنه جعلهن أمهات المؤمنين تعظيماً لحقهن، وتأكيداً لحرمتهن وتشريفاً لمنزلتهن.

الثاني: أنه حظر عليه طلاقهن، ومنعه من الاستبدال بهن فقال: ((لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)) [الأحزاب:52]، والحكمة أنهن لما لم يخترن عليه غيره، أمر بمكافأتهن في التمسك بنكاحهن.

الثالث: أن من قذفهن حد حدَّين -كما قال مسروق- والصحيح أنه حد واحد([844])، فالآية تضمنت بيان منزلة نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وشرفهن على سائر نساء الناس.

4- ومن مناقبهن العامة التي شرفهن بها رب العالمين، وأخبر بها عباده في كتابه العزيز: أنهن لسن كأحد من النساء في الفضل والشرف وعلو المنزلة. قال تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً)) [الأحزاب:32]. فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يلحقهن أحد من نساء الناس في الشرف والفضل، كما بين أن هذا الفضل إنما يتم لهن بشرط التقوى، لما منحهن الله من صحبة الرسول، وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في حقهن([845]).

قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس في بيان معنى الآية: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ)) [الأحزاب:32]: (يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم لدي)([846]).

وقال أبو بكر بن العربي: قوله: ((لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ)) [الأحزاب:32] يعني: في الفضل والشرف، فإنهن وإن كن من الآدميات فلسن كإحداهن، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر جبلة، فليس منهم فضيلة ومنزلة، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على المنازل؛ جدير بأن يرتفع فعله على الأفعال، ويربو حاله على الأحوال. اهـ([847]).

قال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ)) [الأحزاب:32]: قال تعالى مخاطباً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إذا اتقين الله عز وجل كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة([848]).

5- ومن المناقب العامة لأزواجه عليه الصلاة والسلام التي نوه الله بذكرها في كتابه العزيز: ما امتنَّ به عليهن من تلاوة آياته، وما نزل من الوحي عليه عليه الصلاة والسلام في بيوتهن، وهذه منقبة كبيرة ومفخرة عظيمة لهن رضي الله عنهن جميعاً، قال تعالى: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34]. ففي هذه الآية الكريمة خطاب لأمهات المؤمنين، بأن يتذكرن نعمة الله عليهن بأن جعلهن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فما عليهن إلا أن يشكرنه تعالى ويحمدنه على ذلك، وقد فعلن ذلك رضي الله عنهن وأرضاهن.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: وعنى بقوله: ((وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34]: واذكرن ما يُقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة، ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام دين الله، ولم ينزل به قرآن، وذلك السنة... وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34] يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيراً بكن، إذ اختاركن لرسوله أزواجاً([849]).

وقال الحافظ ابن كثير: وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:34] أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة، بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك([850]).

فالآية تضمنت مكانة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن جميعاً، حيث شرفهن الله بتلاوة آيات الله والحكمة في مساكنهن، وذلك دليل على أنهن جليلات القدر رفيعات المنزلة.

6- ومن المناقب العامة التي شرف الله بها الصحابة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: إخباره تعالى أنه طهرهم من الرجس تطهيراً، ونوه بذلك في محكم كتابه الكريم، قال تعالى: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33].

هذه الآية شاملة لجميع أهل بيته عليه الصلاة والسلام من الصحابة، ذكوراً وإناثاً، ولا يخرج عنها فرد منهم، وكلهم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيراً. وقد اختلف المفسرون في معنى الرجس على أربعة أقوال:

فقيل: الإثم. وقيل: الشرك. وقيل: الشيطان.

وقيل: الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، فالأفعال الخبيثة: كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأخلاق الذميمة: كالشح والبخل والحسد وقطع الرحم([851]).

وقال البغوي رحمه الله تعالى: أراد بالرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه، قال مقاتل: وقال ابن عباس: (يعني: عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضاً). وقال قتادة: (يعنى السوء). وقال مجاهد: (الرجس: الشك)، وأراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهن في بيته، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس([852]).

فإذهاب الرجس شامل لزوجاته عليه الصلاة والسلام، وغيرهن من أهل بيته من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، فلقد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيراً. فالآية شاملة للزوجات، ولـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً.

أما الزوجات؛ فلكونهن المرادات في سياق هذه الآية، ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في منازله.

وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين؛ فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب. ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة بأنهم من أهل بيته، ومن تلك الأحاديث: ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط([853]) مرجَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]»([854]).

قال القرطبي: فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج([855]).

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن آية التطهير من الرجس شاملة لأزواجه، ولـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً، فقد قال رحمه الله تعالى: وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة «أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي صلى الله عليه وسلم كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([856])، وسنته تفسر كتاب الله وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال: (هؤلاء أهل بيتي) -مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه- علمنا أن أزواجه وإن كن من أهل بيته -كما دل عليه القرآن- فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته؛ لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر، والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال، لا للاختصاص بأصل الحكم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بالطَّواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافاً»([857]).

بين بذلك أن هذا مختص بكمال المسكنة، بخلاف الطَّواف، فإنه لا تكمل فيه المسكنة؛ لوجود من يعطيه أحياناً مع أنه مسكين أيضاً. ويقال: هذا هو العالم، وهذا هو العدو، وهذا هو المسلم: لمن كمل فيه ذلك، وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.

ونظير هذا في الحديث، ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا»([858]) يعنى: مسجد المدينة، مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) [التوبة:108] يقتضي أنه مسجد قباء، فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟؟ فقالوا: لأننا نستنجي بالماء»([859])، لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسساً على التقوى من مسجد قباء، وإن كان كل منها مؤسساً على التقوى، وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قباء كل سبت راكباً وماشياً، فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة، ثم يقوم بـقباء يوم السبت، وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى، ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيراً، دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به، وهم: علي وفاطمة رضي الله عنهما، وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، نعمة من الله ليسبغها عليهم، ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه، وقد ثبت أيضاً بالنقل الصحيح أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن حتى مات عنهن، ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها، لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله سبحانه وتعالى، فإنه صلى الله عليه وسلم أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده. ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر، بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: (إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين)([860])فإذن قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] شاملة لزوجاته عليه الصلاة والسلام أمهات المؤمنين، وغيرهن من قرابته وأهل بيته من الصحابة، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين، أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله([861]).

ولقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل أهل البيت عموماً، ومنها:

1- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهلَ البيت أحد إلا أدخله الله النار»([862]).

2- وروى مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: «انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة قال: نعم».

وفي رواية أخرى عن يزيد بن حيان قال: «دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيراً لقد صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصليت خلفه -وساق الحديث غير أنه قال: ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة. وفيه فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده»([863]).

قال ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى، والأخذ بها أحرى، وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث... (إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة)، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله وهذا الاحتمال أرجح جمعاً بينها وبين الرواية التي قبلها. اهـ([864]).

وقال النووي مبيناً وجه الجمع بين الروايتين: فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: (نساؤه لسن من أهل بيته) فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم، وسماهم ثقلاً، ووعظ في حقوقهم وذكر، فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة) فاتفقت الروايتان. اهـ([865]).

وقال القرطبي موضحاً كيفية القيام بوصية النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أهل بيته فقال: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم، يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه نشئوا عنه كما قال: «فاطمة بضعة مني...»([866]).

فحديث زيد بن أرقم المتقدم تضمن فضيلة أهل بيته عليه الصلاة والسلام من الصحابة، حيث قرن الوصية بهم مع وصيته بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعله عليه الصلاة والسلام أهل بيته ثقلاً دليل واضح على عظم حقهم، وارتفاع شأنهم، وعلو منزلتهم.

ومعنى التمسك بالكتاب: امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولاً وعملاً. ومعنى التمسك بأهل بيته: محبتهم والمحافظة على حرمتهم، والعمل بروايتهم الصحيحة، والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة للدين([867]).

3- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد المطلب، إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلاً صفن([868]) بين الركن والمقام فصلى وصام، ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد؛ دخل النار»([869]).

هذا الحديث تضمن ثلاث مناقب لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي واضحة كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، تضمن الحديث أن مبغضهم من أهل النار والعياذ بالله، فالواجب على المسلم أن يحبهم ويبعد نفسه عن بغضهم.

4- حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على حبهم، وجعل محبتهم دليلاً على محبته عليه الصلاة والسلام. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي»([870]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وأحبوا أهل بيتي لحبي) أي: إنما تحبونهم لأني أحببتهم بحب الله تعالى لهم وقد يكون أمراً بحبهم؛ لأن محبتهم لهم تصديق لمحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم([871]).

وقد فهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل بيته حق فهمها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حيث دعا الناس إلى إكرامهم واحترامهم ومحبتهم.

5- فقد روى البخاري بإسناده إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته)([872]).

هذا خطاب من الصديق رضي الله عنه، ووصية منه لكافة أمة محمد ببيت النبوة (والمراقبة للشيء: المحافظة عليه، ومعنى قول الصديق احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم)([873]).

قال النووي رحمه الله تعالى: معنى (ارقبوا): راعوه واحترموه وأكرموه([874]).

6- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (... والذي نفسى بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي)([875]).

ففي قول الصديق هذا بيان فضل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، والحث على إكرامهم واحترامهم، ولقد بين رضي الله عنه بقوله هذا والذي قبله، ما يجب أن يكون المسلم عليه من الاعتقاد السليم تجاه أهل البيت رضي الله عنهم، من حيث مراعاتهم وإكرامهم وإحترامهم ومحبتهم، فالواجب على كل مسلم أن يسلم بما أثبته الله تعالى من الفضل العام لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقدرهم حق قدرهم، ويكن لهم الاحترام والتوقير والإكرام والإعظام وأن يحفظ فيهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم، حيث وصى بمراعاتهم والإحسان إليهم، ويبتعد عما يكون سبباً في الإساءة إليهم وأن يعلم أن محبتهم حب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبغضهم ذنب عظيم يجب على المسلم ألا يكون في قلبه محل لذلك، وكذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

 المبحث الثالث: فضل أهل بيته الذكور رضي الله عنهم:

ويتضمن:

1) إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2) الحسن بن علي رضي الله عنهما.

3) الحسين بن علي رضي الله عنهما.

4) حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.

5) العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

6) عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

7) الفضل بن عباس رضي الله عنهما.

8) جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

9) عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما.

10) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه.

11) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه.

 إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تقدم معنا في الفصل الثالث من هذا الباب ذكر فضائل أبي السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي هذا المبحث أذكر الفضل الوارد في حق غيره من أهل البيت الذكور رضي الله عنهم أجمعين. ولنبدأ هنا بذكر إبراهيم ابن المصطفى عليه الصلاة والسلام.

ولد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة، سنة ثمان من الهجرة، وأمه مارية القبطية التي أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم المقوقس صاحب الإسكندرية، ولما ولد بشر النبي صلى الله عليه وسلم به أبو رافع مولاه، فوهب له عبداً ومات طفلاً قبل الفطام([876]).

وقد وردت أحاديث كثيرة فيها بيان فضله، وسرور النبي صلى الله عليه وسلم به، ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم»([877]).

2- وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك قال: «ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان إبراهيم مسترضعاً له في عوالي([878]) المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره([879]) قينا([880])، فيأخذه فيقبله ثم يرجع، قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم ابني وأنه مات في الثدي([881])، وإن له لظئرين([882]) تكملان رضاعه([883]) في الجنة»([884]).

3- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى البراء بن عازب قال: «لما مات إبراهيم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن له مرضعاً في الجنة»([885]).

4- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لـإبراهيم مرضع في الجنة»([886]).

5- وروى محمد بن سعد في الطبقات([887]) بإسناده إلى البراء بن عازب قال: «لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن له مرضعاً في الجنة».

ومعنى هذه الأحاديث أن له مرضعاً في الجنة تكمل إرضاعه؛ لأنه لما مات كان ابن ستة عشر شهراً، أو ثمانية عشر شهراً على اختلاف الروايتين([888]). فيرضع بقية السنتين، فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن، وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم رضي الله عنه يكون عقب موته، فيدخل الجنة متصلاً بموته، فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه صلى الله عليه وسلم.

6- وروى البخاري بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: (قلت لـابن أبي أوفى: رأيت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: مات صغيراً، ولو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم نبي، عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده)([889]).

قال الحافظ: هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى، ومثل هذا لا يقال بالرأي، وقد توارد عليه جماعة:

فأخرج ابن ماجة من حديث ابن عباس قال: «لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن له مرضعاً في الجنة، لو عاش لكان صديقاً نبياً، ولأعتقت أخواله القبط»([890]).

وروى أحمد وابن مندة من طريق السدي: (سألت أنساً كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد، ولو بقي لكان نبياً، ولكن لم يكن ليبقى؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء).

ولفظ أحمد: (لو عاش إبراهيم ابن النبي لكان صديقاً نبياً)([891])فهذه عدة أحاديث صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك، فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته، حيث قال: هو باطل وجسارة في الكلام على المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل([892])، ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين، فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك، وقد استنكر قبله ابن عبد البر في الاستيعاب الحديث المذكور فقال: هذا لا أدري ما هو وقد ولد لـنوح من ليس بنبي، وكما يلد غير النبي نبياً، فكذا يجوز عكسه([893])، حتى نسب قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك، مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية([894]).

ولما مات إبراهيم رضي الله عنه، حزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم حزناً عظيماً حتى ذرفت عيناه عليه الصلاة والسلام بالدمع عليه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم. ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف، فانطلق يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبى فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول. فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه([895]) بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون»([896]).

والذي أخلص إليه مما تقدم في الأحاديث، أنها اشتملت على بيان فضل إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان مكانته عند المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة.

 الحسن بن علي:

هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن بنته فاطمة الزهراء وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبّاً شديداً حتى كان يقبل زبيبته([897]) وهو وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة فيركب على ظهره، فيقره على ذلك، ويطيل السجود من أجله، وربما صعد إلى المنبر([898]) (وكانت وفاته رضي الله عنه سنة خمسين من الهجرة بـالمدينة النبوية)([899]).

وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه رضي الله عنه، منها ما وردت فيه منقبة خاصة به، ومنها ما فيه منقبة مشتركة بينه وبين أخيه الحسين، وكذلك الحسين رضي الله عنه وردت له مناقب انفرد بها، ومناقب أخرى اشترك فيها مع أخيه الحسن، وسأبدأ بذكر طائفة من المناقب التي انفرد بها كل واحد منهما، ثم أعقب ذلك بذكر طائفة من المناقب التي اشتركا فيها معاً رضي الله عنهما. فمن المناقب التي انفرد بها الحسن رضي الله عنه:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «عانق النبي صلى الله عليه وسلم الحسن»([900]).

2- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»([901]).

هذا الحديث فيه منقبة للحسن رضي الله عنه، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد. قال ابن الأثير: قيل: أراد به الحليم؛ لأنه قال في تمامه: (وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)([902]).

وجاء في تحفة الأحوذي: فيه أن السيادة لا تختص بالأفضل، بل هو الرئيس على القوم، والجمع سادة، وهو مشتق من السؤدد، وقيل: من السواد؛ لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس: أي الأشخاص الكثيرة، (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين): تثنية فئة وهي الفرقة([903]).

ووصفه عليه الصلاة والسلام للفئتين بالعظيمتين -كما في رواية عند البخاري([904])- لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين: فرقة مع الحسن رضي الله عنه، وفرقة مع معاوية، وهذه معجزة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر، وأصل القضية أن علي بن أبي طالب لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين من الهجرة، وبويع لابنه الحسن بالخلافة في شهر رمضان من هذه السنة، وأقام الحسن أياماً مفكراً في أمره، ثم رأى اختلاف الناس: فرقة من جهته وفرقة من جهة معاوية ولا يستقيم الأمر، ورأى النظر في إصلاح المسلمين وحقن دمائهم أولى من النظر في حقه؛ سلم الخلافة لـمعاوية في الخامس من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وقيل: من ربيع الآخر وقيل: في غرة جمادى الأولى، وكانت خلافته ستة أشهر إلا أياماً، وسمي هذا العام عام الجماعة، وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين»([905]).

فالحديث فيه علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة([906]).

3- وروى الشيخان في صحيحيهما عن البراء بن عازب قال: «رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اللهم إني أحبه فأحبه»([907]).

4- وروى البخاري بإسناده إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يأخذه والحسن ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما»([908]).

5- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: أثم لكع أثم لكع. يعني: حسناً، فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخاباً([909])، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه»([910]).

هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان لفضل الحسن بن علي، كما تضمنت الحث على حبه رضي الله عنه وأرضاه.

6- وروى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي)([911]).

7- وروى أيضاً بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال: (رأيت أبا بكر رضي الله عنه وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي. ليس شبيهاً بـعلي، وعلي يضحك)([912]).

فكونه رضي الله عنه شبه جده عليه الصلاة والسلام في الخلق، منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة.

8- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه (أنه لقي الحسن بن علي فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بطنك، فاكشف الموضع الذي قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبله قال: وكشف له الحسن فقبله)([913]). فتقبيل المصطفى عليه الصلاة والسلام لـأبي محمد الحسن بن علي رضي الله عنهما منقبة عظيمة، وفضيلة ظاهرة، ولذلك حرص أبو هريرة على أن يقبله في الموضع الذي قبله فيه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لإظهار هذه المنقبة العظيمة.

9- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: (كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا، فسلم فرددنا عليه السلام، ولم يعلم به أبو هريرة، فقلنا له: يا أبا هريرة، هذا الحسن بن علي قد سلم علينا، فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيد)([914]).

فإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحسن سيد؛ مفخرة عظيمة وميزة شريفة له رضي الله عنه وأرضاه.

10- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا أزال أحب هذا الرجل بعدما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ما يصنع، رأيت الحسن في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدخل أصابعه في لحية النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يدخل لسانه في فمه ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه»([915]).

11- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى معاوية رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص لسانه أو قال شفتيه -يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم»([916]).

فإدخاله عليه الصلاة والسلام لسانه في فم الحسن رضي الله عنه، ومص لسانه، وإخباره بأنه يحبه، ودعا الله تعالى أن يحبه، منقبة عظيمة تدل على علو شأنه وبيان مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الحسن رضي الله عنه مكرماً معززاً عند الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين الذين ولوا أمر الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن كثير: وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه، ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن أبيه، أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما، وقد كان الحسن بن علي يوم الدار وعثمان بن عفان محصور عنده ومعه السيف متقلداً به، يحاجف عن عثمان، فخشي عثمان عليه، فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييباً لقلب علي، وخوفاً عليه رضي الله عنهم، وكان علي يكرم الحسن إكراماً زائداً ويعظمه ويبجله، وقد قال له يوماً: (يا بني ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيباً وعلي يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة، فلما انصرف جعل علي يقول: ((ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:34)]

وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما رضي الله عنهما وأرضاهما.

وكان ابن الزبير يقول: (والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي).

وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين، فيسلم عليهن، وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله.([917]). تلك طائفة من مناقب الحسن بن علي التي انفرد بها رضي الله عنه، وكلها تدل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه.

 الحسين بن علي:

هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي السبط الشهيد بـكربلاء، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا، عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راضٍ، ولكنه كان صغيراً، ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معظماً موقراً، ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولده سنة أربع للهجرة، ومات رضي الله عنه قتلاً في يوم عاشوراء من شهر الله المحرم، سنة إحدى وستين هجرية([918]) بـكربلاء من أرض العراق، وذلك لما مات معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه واستخلف من بعده ابنه يزيداً، قام أهل الكوفة بمكاتبة الحسين بن علي رضي الله عنه، وذكروا له أنهم في طاعته، فخرج إليهم الحسين، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس، فجهز إليه ابن زياد عسكراً، فقاتلوه رضي الله عنه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته([919]).

وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه التي اختص بها وتفرد بها، ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام، فجعل في طست، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوباً بالوسمة)([920]).

2- وفي رواية أخرى عن أنس قال: (لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين، جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان -أحسبه قال: جميلاً، فقلت: والله لأسوءنك، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم([921]) حيث يقع قضيبك، قال: فانقبض)([922]).

3- وروى الطبراني -كما في البداية والنهاية لـابن كثير - عن زيد بن أرقم أنه قال لـابن زياد وهو ينكت بقضيبه بين ثنيتي الحسين: (ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الثنيتين يقبلهما)([923]).

هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان فضل الحسين رضي الله عنه فقد كان رضي الله عنه، أشبه أهل البيت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم في حق الحسن أنه لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي فيحصل التعارض، ولكن الحافظ ابن حجر جمع بينهما فقال رحمه الله: ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن؛ لأنه يومئذ كان أشد شبهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم من أخيه الحسين، وأما ما وقع في رواية ابن سيرين، فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من سياقه، أو المراد عن فضل الحسين عليه في الشبه من عدا الحسن، ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبهاً في بعض أعضائه.

فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن علي قال: (الحسن أشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك)([924])ووقع في رواية عبد الأعلى عن معمر عند الإسماعيلي، وفي رواية الزهري هذه: وكان أشبههم وجهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤيد حديث علي هذا والله أعلم([925]).

4- وروى الحاكم بإسناده إلى يعلى العامري رضي الله عنه «أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دعوا له قال: فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام القوم، وحسين مع الغلمان يلعب، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه، فطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا مرة، فجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه، قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله فقال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط»([926]). جاء في تحفة الأحوذي: قال القاضي: كأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم، فخصه بالذكر، وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبة، وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقوله: (أحب الله من أحب حسيناً) فإن محبته محبة الرسول، ومحبة الرسول محبة الله([927]).

فالحديث اشتمل على منقبة عالية للحسين رضي الله عنه وأرضاه.

5- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً، وذاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي واتكأ علي، فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع قال: وما كلمني، فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه، فجلس في المسجد واحتبى وقال لي: ادع لي لكاع، فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره، ثم أدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه، ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه»([928]).

6- وروى أبو يعلى بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله»([929]).

تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت ذكر فضل الحسين بن علي رضي الله عنه منفرداً، وقد وردت أحاديث كثيرة تضمنت ذكر مناقب مشتركة بين الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر وقد سأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب؟ فقال رضي الله عنه: (أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هما ريحانتاي من الدنيا)([930]).

ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة للحسن والحسين رضي الله عنهما، حيث شبههما عليه الصلاة والسلام بالريحان الذي له رائحة طيبة زكية، وشبههما النبي صلى الله عليه وسلم بالريحان؛ لأن الولد يشم ويقبل. وقد جاء من حديث أنس عند الترمذي «أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول لـفاطمة أمهما رضي الله عنها: ادعي لي ابني، فيشمهما ويضمهما إليه»([931]).

قال الكرماني شارحاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (هما ريحانتاي من الدنيا)، الريحان الرزق أو المشموم، وتعقبه العيني بقوله: لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى([932]) والأمر كما قرره العيني.

2- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم([933]) هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: نعم من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني»([934]).

3- وروى أيضاً بإسناده إلى علي بن أبي طالب قال: «لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قال: قلت: سميته حرباً، قال: بل هو حسن، فلما ولدت الحسين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قال: قلت: سميته حرباً فقال: بل هو حسين، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أروني ابني ما سميتموه، قلت: سميته حرباً قال: بل هو محسن»([935]).

فتسمية المصطفى عليه الصلاة والسلام لهما بالحسنين منقبة وفضيلة لهما رضي الله عنهما.

4- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى البراء بن عازب رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر حسناً وحسيناً فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما»([936]).

هذا الحديث والحديثان المتقدمان عليه فيها بيان واضح من النبي صلى الله عليه وسلم لفضل الحسن والحسين رضي الله عنهما كما تضمنت حث الأمة جميعاً على حبهما وبين عليه الصلاة والسلام أن حبهما حب له عليه الصلاة والسلام، وبغضهما بغض له صلى الله عليه وسلم، ومن حل في قلبه بغض الرسول كان من الخاسرين.

5- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوها خير منهما»([937]).

هذا الحديث اشتمل على منقبتين عظيمتين للحسنين رضي الله عنهما:

الأولى: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهما بالجنة.

الثانية: إخباره عليه الصلاة والسلام بأنهما سيدا شباب أهل الجنة.

وهذا يعني أنهما أفضل من مات شاباً في سبيل الله من أصحاب الجنة، ولم يرد به سن الشباب؛ لأنهما ماتا وقد كهلا، بل ما يفعله الشباب من المروءة كما يقال: فلان فتي وإن كان شيخاً، يشير إلى قوته وفتوته، أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين، وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب، وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: ويمكن أن يراد: هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان([938]).

6- روى الإمام مسلم بإسناده إلى إياس عن أبيه قال: (لقد قدت بنبي الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قدامه وهذا خلفه)([939]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة للحسن والحسين رضي الله عنهما، وهذه الفضيلة هي إركابه عليه الصلاة والسلام إياهما، حيث جعل أحدهما أمامه والآخر خلفه على بغلته الشهباء.

7- وروى أيضاً بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]»([940]).

وهذا الحديث اشتمل على ذكر فضيلة لـعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، وتلك المنقبة هي إدخاله إياهم عليه الصلاة والسلام في الكساء الذي كان يرتديه، ثم أخبر أنهم من أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيراً.

قال النووي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)) [الأحزاب:33] قيل: هو الشك. وقيل: العذاب. وقيل: الإثم. قال الأزهري: (الرجس اسم لكل مستقذر من عمل)([941]).

8- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فكان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعاً رفيقاً فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحداً هاهنا وواحداً هاهنا، فجئته فقلت: يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما؟ قال: لا. فبرقت برقة فقال: إلحقا بأمكما. فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا»([942]).

وهذا الحديث فيه إظهار فضل الحسن والحسين، وبيان منزلتهما وعظم شأنهما.

9- وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره، فعدت فسجدت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أمرت به، أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته»([943]).

10- وروى الترمذي بإسناده إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «طرقت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه، فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما»([944]).

ومن مناقبهما التي أكرمهما الله بها: أنهما ماتا شهيدين، وهذا من إكرام الله تعالى لهما تكميلاً لكرامتهما ورفعاً لدرجاتهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن ذلك: أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة والأشقياء، وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام... ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه، رفعاً لدرجته ومنزلته عند الله، وتبليغاً له منازل الشهداء، وإلحاقاً له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما؛ لأنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في حجور المؤمنين؛ فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة: أحدهما مسموماً([945]) والآخر مقتولاً([946])؛ لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء. اهـ([947]). فـأهل السنة يعتقدون أن الحسين رضي الله عنه قتل مظلوماً، وقتله كذلك فيه تكريم له ورفع لدرجته عند الله عز وجل، كما يعتقدون أن قتله من أعظم المصائب التي وقعت في الإسلام، وهم يلتزمون عند المصائب ما شرعه الله لهم من الاسترجاع، وإن تقادم عهد المصيبة. أمَّا أعداء الصحابة والزاعمون أنهم شيعة أهل البيت، فإنهم يعملون بخلاف ما أمرهم الله به، فلا يسترجعون عند المصيبة، وإنما يعملون المآتم في المصائب، ويتخذون أوقاتها مآتم باستمرار، وهذا ليس من دين الإسلام، وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السابقين الأولين، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم. وقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته، وقد مرت على ذلك سنون، وهم متمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثون مأتماً ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله، أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة([948]).

وهذا ما عليه الفرقة الناجية التي تعمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي قلوبهم ممتلئة بحب أصحاب نبيه وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين، وكل ما تقدم ذكره من مناقب للحسن والحسين على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك بينهما، كلها دلت على أنهما جليلا القدر، عظيما المكانة. فعلى المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنهما من أهل الفضل، ومن صفوة الأمة المحمدية رضي الله عنهما وأرضاهما.

________________________________________

([13]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/113).

([14]) منهاج السنة (1/204).

([15]) الدين الخالص (3/418).

([16]) مختصر التحفة الإثني عشرية (ص34).

([17]) هو محمود شكري بن عبد الله بن محمود بن عبد الله بن محمود الحسيني الألوسي البغدادي، (جمال الدين- أبو المعالي)، مؤرخ أديب لغوي من علماء الدين، حمل على أهل البدع في الإسلام برسائل؛ فعاداه كثيرون، وسعوا به لدى والي بغداد عبد الوهاب، فكتب هذا إلى السلطان عبد الحميد الثاني العثماني، فصدر الأمر بنفيه إلى بلاد الأناضول، فلما وصل إلى الموصل كتب أعيانها إلى السلطان يحتجون، فسمح له بالعودة إلى بغداد فعاد، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف، وتوفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف، انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (8/49-50)، معجم المؤلفين (12/169).

([18]) السمت: هو الهيئة الحسنة. النهاية (2/397).

([19]) سنن ابن ماجة (3/1003) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.

([20]) غاية الأماني (1/389-390)، وانظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/20-22).

([21]) مجموع الفتاوى (4/421).

([22]) قال أبو الحسن الأشعري: فإن قال لنا قائل: هل أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين. اهـ. الإبانة عن أصول الديانة (ص8).

([23]) انظر لوامع الأنوار البهية (1/74).

([24]) (1/95)، اللسان (1/519)، وانظر ترتيب القاموس (1/798).

([25]) (1/162).

([26]) الكفاية للخطب البغدادي (ص69-70)، أسد الغابة (1/19)، فتح المغيث (3/94).

([27]) الصارم المسلول (ص575)، وانظر نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (ص392).

([28]) صحيح البخاري مع الفتح (7/3).

([29]) الكفاية (ص69)، تلقيح فهوم أهل الأثر (ص101)، المقدمة لابن الصلاح (ص146)، فتح المغيث (3/93).

([30]) فتح الباري (7/5).

([31]) الكفاية (ص68-69)، تلقيح فهوم أهل الأثر (ص100).

([32]) الفتح (7/4).

([33]) (1/19)، تلقيح فهوم أهل الأثر (ص100-101).

([34]) معرفة الصحابة لأبي نعيم (2/394) مخطوط في الجامعة الإسلامية برقم/ 2759.

([35]) المصدر السابق القسم المطبوع (1/106).

([36]) الإحكام في أصول الأحكام (5/89).

([37]) أسد الغابة (1/19).

([38]) الإصابة (1/ 10-12)، وانظر نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص55، 56).

([39]) انظر الكفاية للخطيب البغدادي (ص70)، الباعث الحثيث لابن كثير (ص185)، الإصابة في تمييز الصحابة (1/14) وما بعدها، فتح المغيث (3/104-108)، تدريب الراوي (2/213)، وانظر مقدمة ابن الصلاح (ص146)، التقييد والإيضاح (ص299).

([40]) المستدرك (4/479).

([41]) الإصابة في تمييز الصحابة (1/16).

([42]) الحديث رواه مسلم من حديث علي رضي الله عنه (4/1941-1942).

([43]) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (ص22-24)، أحكام القرآن لابن العربي (2/1002)، الباعث الحثيث لابن كثير (ص183)، فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/124)، العواصم لابن الوزير (1/412-413)، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم (ص65).

([44]) مقدمة ابن الصلاح (ص197).

([45]) مقدمة ابن الصلاح (ص149).

([46]) انظر ج 3 و4 من كتابه الطبقات، فإنه خص هذين الجزئين بتراجم الصحابة، فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/124).

([47]) أصول الدين (ص298-303).

([48]) الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة (1/2).

([49]) صحيح البخاري (3/87)، صحيح مسلم (4/2123).

([50]) انظر المغازي للواقدي (3/1002).

([51]) فتح الباري (8/117-118).

([52]) جاء في النهاية لابن الأثير: وذو العنان... يريد الفرس والذلول.. والعنان: سير اللجام (3/313).

([53]) هو محمد بن عمر بن أحمد أبو موسى المديني الأصفهاني، المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، له كتاب الذيل على معرفة الصحابة لابن مندة، انظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان (4/286)، سير أعلام النبلاء (21/152-159)، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (4/273).

([54]) فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/122).

([55]) صحيح مسلم (2/887).

([56]) المقدمة لابن الصلاح (ص148-149)، الإصابة (1/ 4)، البداية والنهاية (5/397)، فتح المغيث (3/121).

([57]) البداية والنهاية (5/397).

([58]) الإصابة (1/5 والحديث رواه الشيخان: صحيح البخاري (3 /87)، صحيح مسلم (4/2123).

([59]) أسد الغابة (1/19).

([60]) ذكره عنه الذهبي في التجريد (1/2)، البداية والنهاية (5/397)، فتح المغيث (3/124).

([61]) فتح المغيث (3/124).

([62]) ذكره الحافظ في الإصابة (1/5-6).

([63]) ترتيب المدارك (1/96).

([64]) الإحياء (1/287)، فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي (3/122).

([65]) ترتيب المدارك (1/96).

([66]) هذه الأقوال الثلاثة ذكرها السخاوي في كتابه فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3 / 123.

([67]) البداية والنهاية (5/397).

([68]) التجريد (1/2-3)، الإصابة (1/5)، فتح المغيث للسخاوي (3/123).

([69]) البداية والنهاية (5/397).

([70]) الإصابة في تمييز الصحابة (1/4).

([71]) انظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/124).

([72]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/6، 8).

([73]) سنن الترمذي (4/275).

([74]) الجامع لأحكام القرآن (2/153-154).

([75]) صحيح البخاري (4/268).

([76]) تفسير القرآن العظيم (1/335).

([77]) هو محمد بن أحمد بن سالم السفاريني شمس الدين أبو العون، عالم الحديث والأصول والأدب، ولد سنة أربع عشرة ومائة وألف، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف هجرية، انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (6/240).

([78]) لوامع الأنوار البهية (2/384).

([79]) هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة، ولد ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، انظر ترجمته في وفيات الأعيان (1/49-50)، تاريخ بغداد (6/89).

([80]) معاني القرآن للزجاج (1/467)، زاد المسير (1/438-439).

([81]) الكفاية (ص94).

([82]) لوامع الأنوار البهية (2/377).

([83]) صحيح البخاري (3/113).

([84]) قال الأصمعي: الرعة: الهدى وحسن الهيئة، أو سوء الهيئة يقال: قوم حسنة رعتهم أي: شأنهم وأمرهم وأدبهم، وأصله من الورع: وهو الكف عن القبيح. اهـ. لسان العرب (8/388)، وانظر النهاية في غريب الحديث (5/175).

([85]) جامع البيان (4/43-45).

([86]) سنن الترمذي (4/294).

([87]) سنن ابن ماجة (2/1433).

([88]) المستدرك (4/84) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([89]) جامع البيان (4/45).

([90]) المسند (1/98).

([91]) الفتح (8/225).

([92]) تفسير القرآن العظيم (2/89) والآية رقم (143) من سورة البقرة.

([93]) تفسير القرآن العظيم (2/98).

([94]) جامع البيان (6/282-285)، زاد المسير (2/381-382)، تفسير البغوي على حاشية الخازن (2/54).

([95]) تفسير القرآن العظيم (2/595).

([96]) صحيح البخاري (1/343)، صحيح مسلم (1/51-52).

([97]) تفسير القرآن العظيم (3/351-352).

([98]) الجامع لأحكام القرآن (8/58).

([99]) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسر كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (3/145).

([100]) ذكره البغوي في تفسيره المسمى معالم التنزيل (3/129) على حاشية الخازن.

([101]) أحكام القرآن للجصاص (3/160).

([102]) منهاج السنة (1/157).

([103]) تفسير القرآن العظيم (5/119-120)، والحديث رواه مسلم في صحيحه (4/2215) من حديث ثوبان رضي الله عنه.

([104]) جامع البيان (20/2).

([105]) تفسير القرآن العظيم (5/245).

([106]) صحيح البخاري (3/287) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.

([107]) منهاج السنة (1/156).

([108]) لوامع الأنوار البهية (2/384).

([109]) منهاج السنة (1/156).

([110]) جامع البيان (26/110-111)، تفسير ابن كثير (6/364)، الجامع لأحكام القرآن (16/293-294).

([111]) انظر: جامع البيان للطبري (26/112).

([112]) تفسير القرآن العظيم (6/365).

([113]) قبس من هدي الإسلام لشيخنا عبد المحسن العباد، (ص86).

([114]) منهاج السنة (1/158).

([115]) جامع البيان (26/125-126).

([116]) تفسير ابن كثير (6/374).

([117]) فتح القدير (5/60).

([118]) جامع البيان (28/169).

([119]) زاد المسير (8/324).

([120]) حتى أن بعضهم أفردها ببحوث ورسائل مستقلة مثل كتاب إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة - محمد العربي بن التباني، ومثل منزلة الصحابة في القرآن - محمد صلاح الصاوي ومثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة تأليف - عيادة أيوب الكبيسي وغيرها من البحوث والرسائل في هذا الموضوع.

([121]) صحيح مسلم (4/196).

([122]) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، للأمير علاء الدين أبي الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي (9/186).

([123]) شرح النووى على صحيح مسلم (16/83).

([124]) الفئام: الجماعة الكثيرة، النهاية في غريب الحديث (3 /406).

([125]) صحيح البخاري (2/287)، صحيح مسلم (4/1962) واللفظ لمسلم.

([126]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/83)، وانظر عمدة القارئ للعيني، (14/180).

([127]) صحيح البخاري (2/288)، صحيح مسلم (4/1963)، واللفظ لمسلم.

([128]) المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحضوا سماناً، والمذموم منه من يستكسبه بالمأكول والمشروب الزائد على المعتاد.

([129]) صحيح مسلم (4/1963-1964).

([130]) صحيح البخاري (2/287)، صحيح مسلم (4/1964).

([131]) صحيح مسلم (4/1965).

([132]) شرح النووي (16/84).

([133]) صحيح البخاري (2/272) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([134]) مسند أحمد (5/357).

([135]) وقول ابن عبد البر ليس على إطلاقه في حق جميع الصحابة، فإنه استثنى أهل بدر والحديبية انظر فتح الباري (7/7).

([136]) سنن الترمذي (4/229) المسند (3/143).

([137]) سنن أبي داوُد (2/437) سنن الترمذي (4/323).

([138]) المسند (4/106) سنن الدارمي (2/308).

([139]) صحيح مسلم (1/130).

([140]) فتح الباري (7/6-7).

([141]) صحيح البخاري (2/292).

([142]) صحيح مسلم (4/1967).

([143]) قبس من هدي الاسلام لشيخنا عبد المحسن العباد، (ص92).

([144]) ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة. (ص177) لسعيد الأفغاني.

([145]) معالم السنن (4/308).

([146]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/93).

([147]) فتح الباري (7/34)، وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داوُد (12/413).

([148]) منهاج السنة (1/154).

([149]) سنن أبي داوُد (2/516).

([150]) كندة: بالكسر مخلاف كندة باليمن، اسم لقبيلة، معجم البلدان، (4/482).

([151]) مذحج: قبيلة من قبائل العرب وهم: ولد أدد بن زيد بن يشجب مرة. انظر معجم البلدان (5/88).

([152]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/18) وقال: إسناده حسن، وذكره الحافظ في الإصابة (4/127).

([153]) جامع البيان (13/147).

([154]) تفسير القرآن العظيم (4/89).

([155]) انظر جامع البيان (13/146) وتفسير ابن كثير (4/89).

([156]) سنن أبي داوُد (2/289) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

([157]) أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في (الإحسان بترتيب ابن حبان). (1/226) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وانظر سنن ابن ماجة (2/1316)، والمسند (1/437)، وسنن الدارمي (1/75)، وهذا الحديث قد أفرده شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد بدراسة مستقلة، اشتملت على بيان طرقه وألفاظه، ودراسة الحديث من حيث الدراية، وبين أن هذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عنه أربعة وعشرون صحابياً، خرجه سبعة وثلاثون إماماً، خرج في أكثر من خمسة وأربعين كتاباً، وبلغت طرقه سبعة وخمسين طريقاً ومائة طريق. انظر كتاب دراسة حديث: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي)، رواية ودراية للشيخ عبد المحسن العباد، (ص227).

([158]) معالم السنن (4/187) وانظر جامع الأصول لابن الأثير (9/118).

([159]) النهاية (5/71).

([160]) الترغيب والترهيب (1/108).

([161]) عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (10/124).

([162]) المرقاة شرح المشكاة (1/236).

([163]) انظر كتاب دراسة حديث نضر الله امرءاً سمع مقالتي رواية ودراية، (ص184-185).

([164]) رواه مسلم في صحيحه (4/2060) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([165]) مجموع الفتاوى (4/430).

([166]) مجموع الفتاوى (4/429).

([167]) انظر ابن حزم الأندلسي، ورسالته في المفاضلة بين الصحابة، (ص178).

([168]) مروج الذهب ومعادن الجوهر (3/75).

([169]) هو جمع مذياع، من أذاع الشيء إذا أفشاه، وقيل: أراد الذين يشيعون الفواحش، النهاية، (2/174).

([170]) حلية الأولياء (1/76-77)، وابن كثير في البداية والنهاية (8/7).

([171]) حلية الأولياء (1/305-306)، وذكره البغوي عن ابن مسعود (1/214).

([172]) المسند (1/379)، شرح السنة للبغوي (1/214-215).

([173]) منهاج السنة (1/166).

([174]) منهاج السنة (1/166).

([175]) انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (2/380).

([176]) النخالة هي نخالة الدقيق، والمراد: قشوره، والنخالة والحفالة والحثالة بمعنى واحد، شرح النووي (12/216).

([177]) صحيح مسلم (3/1461).

([178]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/216).

([179]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور (4/272).

([180]) حلية الأولياء (2/150).

([181]) المسند (3/134).

([182]) هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، أبو بكر سيد فقهاء عصره، تابعي من حفاظ الحديث، كان ثبتاً ثقة، ولد سنة ست وستين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة هجرية، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب، (1/297)، حلية الأولياء (3/3)، اللباب (2/108)، الأعلام (1/382).

([183]) البداية والنهاية (8 /13).

([184]) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الاْوزاعي من قبيلة الأوزاع كان إماماً في الفقه والزهد، ثقة جليل، ولد سنة ثمان وثمانين، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة هجرية، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (6/638)، وفيات الأعيان (3/127-128)، حلية الأولياء (6 /135)، سير أعلام النبلاء (7/107-134).

([185]) جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله (2 /36).

([186]) جامع بيان العلم (2/36).

([187]) هو: محمد بن وضاح بن يزيع، أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، محدث من أهل قرطبة، ولد سنة تسع وتسعين ومائة، وتوفي سنة ست وثمانين ومائتين هجرية، انظر ترجمته في بغية الملتمس، (ص123)، لسان الميزان (5/416)، والأعلام (7/358).

([188]) جامع بيان العلم وفضله (2/36).

([189]) العقيدة الطحاوية مع شرحها (ص528).

([190]) شرح العقيدة الطحاوية (ص531-532).

([191]) شرح السنة للبغوي (1/229).

([192]) مناقب الشافعي للبيهقي (1/442-443)، أعلام الموقعين (1/80).

([193]) طبقات الحنابلة (1 /30)، كتاب السنة للإمام أحمد (ص17).

([194]) هو أبو أسامة: حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم أبو أسامة الكوفي، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (3/2).

([195]) جامع بيان العلم وفضله (2/227).

([196]) هو عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، أبو محمد، كان رحمه الله من أئمة التفسير والحديث، ولد سنة أربعين ومائتين، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ (3 /829)، وطبقات الحنابلة (2/55)، وسير أعلام النبلاء (13/263-269).

([197]) سنن أبي داوُد (2/289)، سنن ابن ماجة (2/1316)، سنن الدارمي (1/74)، مسند أحمد (1/437).

([198]) عند البخاري بلفظ: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، وعند مسلم بدون لفظة (منكم)، صحيح البخاري مع الفتح (1/199)، صحيح مسلم (3/1306).

([199]) عند البخاري بلفظ: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، الحديث من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنه. صحيح البخاري مع الفتح (6/496).

([200]) مقدمة الجرح والعديل (1/7-8).

([201]) هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد النفزي القيرواني أبو محمد، فقيه من أعيان القيروان، كان إمام المالكية في عصره، قال الذهبي: كان على أصول السلف في الأصول، لا يدري الكلام ولا يتأول، ولد سنة عشر وثلاثمائة، وتوفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (17/10)، الديباج المذهب (1/427-430)، شجرة النور الزكية (1/96).

([202]) الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني (ص22-23).).

([203]) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني: مقدم أهل الحديث في بلاد خراسان، لقبه أهل السنة فيها (شيخ الإسلام) كان رحمه الله فصيح اللهجة واسع العلم عارفاً بالحديث والتفسير، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة، انظر ترجمته في الكامل لابن الأثير (9 / 638)، تهذيب تاريخ دمشق (3/27-33)، البداية والنهاية (12/83).

([204]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث -الرسالة السادسة- ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/129).

([205]) اسمه: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي، من علماء التفسير والحديث، ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ترجمته في: (سير أعلام النبلاء) (19/114)، اللباب (2/138-139)، طبقات المفسرين للداودي (2/339).

([206]) فتح الباري (4/365).

([207]) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس، (ص142-151).

([208]) أعلام الموقعين (1/79-82).

([209]) هو يحيى بن أبي بكر بن محمد بن يحيى العامري الحرضي مؤرخ، وله علم بمفردات الطب كان محدث اليمن وشيخها في عصره ولد سنة ست عشرة وثمانمائة، وتوفي سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة هجرية ترجمته في: (الضوء اللامع) للسخاوي (10/324)، البدر الطالع للشوكاني (2/327)، كشف الظنون (1/937)، فهرس الفهارس للكتاني (2/445-446)، الأعلام (9/168).

([210]) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (4/1967-1978).

([211]) رواه الترمذي في سننه (3/382)، ورواه ابن ماجة أيضاً في سننه (2/1315-1316)، وكلاهما من حديث أبي هريرة.

([212]) الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة (ص300-301).

([213]) لوامع الأنوار البهية (2/379-380).

([214]) انظر كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة، (ص171)، الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص64)، وانظر لوامع الأنوار البهية (2/377).

([215]) انظر (أحكام القرآن لابن العربي)، (2/1002)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/237).

([216]) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني- المعروف بالراغب- من أهل أصبهان سكن بغداد واشتهر، توفي سنة اثنتين وخمسمائة هجرية، انظر ترجمته في كشف الظنون، (1/36)، وله ترجمة في أول كتابه (المفردات في غريب القرآن)، وانظر الأعلام (2/279)، معجم المؤلفين (4/59).

([217]) المفردات في غريب القرآن ص: 222.

([218]) صحيح البخاري (1/157)، صحيح مسلم (2/586)، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([219]) جامع البيان (11/8).

([220]) هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي، من العلماء الباحثين، ومن أصحاب التصانيف الكثيرة، ولد في البصرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (12/102)، شذرات الذهب (3/285-286)، البداية والنهاية (12/87)، وانظر قوله في تفسيره (2/160).

([221]) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (3/490-491).

([222]) معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن (3/113-114)، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (2/309-318)، وأعلام النبوة للماوردي (ص283-284).

([223]) دلائل النبوة للبيهقي (2/434)، البداية والنهاية لابن كثير (3/163-164).

([224]) انظر الطبقات لابن سعد (1/219-223)، السيرة النبوية لابن هشام (1/429-451)، وتاريخ الأمم والملوك (1/354-365)، الكامل (2/95-101)، دلائل النبوة للبيهقي (2/430-457)، الدرر في اختصار المغازي والسير (ص38-44)، البداية والنهاية (3/163-181)، تفسير البيضاوي (ص266)، تفسير الألوسي المسمى روح المعاني (11/7-8).

([225]) منهاج السنة (1/154-155)، وانظر شرح الطحاوية (ص530).

([226]) صحيح مسلم (4 /1967).

([227]) شرح العقيدة الطحاوية (ص529-530).

([228]) سرغ: قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز، شرح النووي (14/208)، وانظر النهاية في غريب الحديث (2/361).

([229]) المراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس: وهي فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وقنسرين، شرح النووي (14/208).

([230]) الوباء: المراد به هنا: الطاعون. انظر النهاية في غريب الحديث (5/144).

([231]) مصبح على ظهر: أني مسافر راكب على ظهر الراحلة راجع إلى وطني، فأصبحوا عليه وتأهبوا له (شرح النووي) (14/210).

([232]) صحيح مسلم (4/1740).

([233]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/209).

([234]) رواه أحمد في المسند (4/353) من حديث جرير بن عبد الله عن أبيه.

([235]) التفسير الكبير للفخر الرازي 15 /209).

([236]) شرح النووي على صحيح مسلم (13/54-55)، وانظر بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (5/304)، لسان العرب (5/250) وما بعدها.

([237]) فتح الباري (1/16)، وانظر بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (5/305).

([238]) جامع البيان (2/355)، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن (1/174).

([239]) جامع البيان (2/356)، الدر المنثور للسيوطي (1/605).

([240]) المحتسب: هو المخلص لله تعالى.

([241]) صحيح مسلم (3/1501) من حديث أبي قتادة.

([242]) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/183).

([243]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (11/6، 9).

([244]) هو عطاء بن أسلم بن صفوان تابعي من أجلاء الفقهاء، ولد في جند (باليمن)، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، ولد سنة سبع وعشرين، وتوفي سنة أربع عشرة ومائة هجرية، انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ (1/98)، تهذيب التهذيب (7/199-203)، صفة الصفوة (2/211).

([245]) هو حميد بن زياد أبو صخر ابن أبي المخارق الخراط، صاحب العباء، مدني سكن مصر... صدوق يهم من السادسة، توفي سنة تسع وثمانين، التقريب (1/202)، التهذيب (3/41).

([246]) تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل (على حاشية تفسير الخازن) (3/114).

([247]) تفسير القرآن العظيم (3/444-445).

([248]) صحيح مسلم (4/1499)، وأحمد في المسند (4/269).

([249]) جامع البيان (14/106-107)، وانظر الدر المنثور للسيوطي (5/131).

([250]) تفسير القرآن العظيم (4/196).

([251]) جامع البيان (27/170).

([252]) هو عكرمة بن عبد الله البربري المدني، أبو عبد الله مولى عبد الله بن عباس، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، ولد سنة خمس وعشرين، وتوفي سنة خمس ومائة هجرية، تهذيب التهذيب (7/263)، حلية الأولياء (3/326)، وميزان الاعتدال (3/93).

([253]) معالم التزيل على حاشية الخازن (7/13).

([254]) هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، تابعي مفسر من أهل مكة، أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات، ولد سنة إحدى وعشرين، وتوفي سنة أربع ومائة هجرية، انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (5/466)، حلية الأولياء (3/279)، سير أعلام النبلاء (4/449-457).

([255]) جامع البيان (27/219-221).

([256]) هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري أبو عبد الله، محدث من علماء المالكية، نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية، ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة، انظر ترجمته في: العبر (2/451)، شذرات الذهب (4/114)، الأعلام (7/164).

([257]) الإصابة (1/19).

([258]) أحكام القرآن لألكيا الهراسي، (4/401).

([259]) تفسير القرآن العظيم (6/605).

([260]) مشاقص: قال في النهاية: المشقص نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض (2/490).

([261]) براجمه: الواحدة برجمة بالضم، وهي: العقد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ (النهاية) (1/113).

([262]) فشخبت: الشخب: السيلان، النهاية (2/450) والمراد: سال دمه حتى مات.

([263]) صحيح مسلم (1/108-109)، المسند (3/370-371)، ورواه الحاكم في المستدرك (4/76) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، فقد أخرجه مسلم كما ترى.

([264]) الحبر: هو العالم. النهاية في غريب الحديث (1/228).

([265]) النكت: هو الضرب في الأرض بعود أو حديدة أو غير ذلك، انظر النهاية (5/113).

([266]) الجسر: هو الشيء المتخذ للعبور عليه، انظر النهاية (1/272)، والمراد هنا الصراط.

([267]) الإجازة: هنا بمعنى: العبور والجواز.

([268]) التحفة: طرفة الفاكهة، والجمع التحف، ثم تستعمل في غير الفاكهة (النهاية) (1/182).

([269]) قال في النهاية: كبد كل شيء: وسطه (4/139) والمراد (بالنون): الحوت.

([270]) السلسبيل: اسم للعين، وقال مجاهد وغيره: هي شديدة الجري (انظر جامع البيان) (29/218).

([271]) صحيح مسلم (1/252).

([272]) صحيح مسلم (4/2285).

([273]) صحيح البخاري (3/65).

([274]) المراد بالبحار هنا: القرى والعرب، تسمي المدن والقرى البحار والقرية البحيوة انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (1/100).

([275]) صحيح البخاري (1/252) صحيح مسلم (3/1488).

([276]) شرح النووي على صحيح مسلم (13/9).

([277]) مجمع الزوائد (10/17).

([278]) انظر النهاية في غريب الحديث، (3/190)، المفردات في غريب القرآن للراغب (ص326).

([279]) سنن النسائي (7/145).

([280]) صحيح البخاري (1/225)، صحيح مسلم (3/1250-1251) واللفظ له.

([281]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (11/76).

([282]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/90)، والحديث رواه ابن ماجة (2/1279)، ورواه الترمذي في سننه (5/161)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (5/82)، وعند مسلم في صحيحه (2/979) بلفظ: والحور بعد الكون (الكلمة الثانية بالنون).

([283]) فتح الباري (1/63).

([284]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (10/56-57).

([285]) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن، (3 /44)، والآية رقم (75) من سورة الأنفال.

([286]) فتح القدير (2/329).

([287]) انظر أحكام القرآن لابن العربي (2/886)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/56).

([288]) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي (3/136).

([289]) الرجلان هما: سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة (جامع البيان) (28/41).

([290]) جامع البيان (28/40-42).

([291]) هذا الرجل هو أبو طلحة كما في صحيح مسلم (3/1625)، وانظر فتح الباري (7/12).

([292]) صحيح البخاري (3/199)، وانظر جامع البيان (28/43).

([293]) جامع البيان (28/43).

([294]) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن (7/52-53).

([295]) تفسير القرآن العظيم (6/605-608).

([296]) فتح القدير للشوكاني (5/200) وما بعدها، وانظر جامع البيان للطبري (28/44)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (18/329).

([297]) جامع البيان للطبري (28/41).

([298]) صحيح البخاري (2/309).

([299]) فتح الباري (7/110).

([300]) هذا الحديث والذي قبله في صحيح البخاري (2/309).

([301]) شعار: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، الفتح (8/52)، وانظر النهاية لابن الأثير (2/480).

([302]) دثار: الدثار الثوب الذي فوق الشعار (النهاية لابن الأثير) (2/480)، الفتح (8/52).

([303]) صحيح البخاري (3/69).

([304]) قبة من أدم: أي: في خيمة من جلد.

([305]) صحيح البخاري (3 /69-70).

([306]) فتح الباري (7/112).

([307]) فتح الباري (8/51).

([308]) عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري (4/532).

([309]) عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (13/266).

([310]) هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف ابن السكيت، إمام في اللغة والأدب، أصله من خوزستان بين البصرة وفارس، ولد سنة ست وثمانين ومائة، وتوفي سنة أربع وأربعين ومائتين، انظر ترحمته في: تاريخ بغداد (14/273)، وفيات الأعيان (6/390)، هدية العارفين (2/536)، الأعلام (9/255).

([311]) شرح النووي على صحيح مسلم (7/152).

([312]) شرح النووي على صحيح مسلم (7 /157).

([313]) صحيح مسلم (2/734) من حديث أنس رضي الله عنه.

([314]) أي: مكلفاً نفسه ذلك (انظر فتح الباري، (7/114).

([315]) صحيح مسلم (4/1948).

([316]) صحيح البخاري (2/310).

([317]) صحيح مسلم (4/1949).

([318]) صحيح البخاري (2/310).

([319]) فتح الباري (7/114).

([320]) صحيح البخاري (2/46).

([321]) فتح الباري (5/8-9،) (7/113).

([322]) الحديثان في صحيح مسلم (4/1954).

([323]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/74).

([324]) صحيح البخاري (2/312).

([325]) صحيح مسلم (4/1949).

([326]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/68-69).

([327]) فتح الباري (7/121-122).

([328]) صحيح البخاري (2/311)، صحيح مسلم (4/1949).

([329]) صحيح البخاري (2/311).

([330]) صحيح مسلم (4/1950).

([331]) شرح النووي (16/69).

([332]) فتح الباري (7/116).

([333]) أي: كافيكم.

([334]) فتح الباري (7/117).

([335]) أكتادنا: جمع كتد، وهو جمع العنق والصلب. هدي الساري، (ص178).

([336]) هذه الأحاديث في صحيح البخاري (2/311-312).

([337]) هذان الحديثان في صحيح مسلم (4/1948).

([338]) خضراء قريش قال في النهاية: دهماؤهم وسوادهم (2/42)، شرح النووي 12 /127).

([339]) صحيح مسلم (3/1406).

([340]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/129).

([341]) النضح: نقل الماء من الآبار على النواضح أي: الإبل لسقي الزرع. انظر النهاية في غريب الحديث. (5 /69).

([342]) من كريت الأرض وكروتها: إذا حفرتها، انظر النهاية في غريب الحديث. (4 /169).

([343]) المسند (3 /139) المستدرك (4/80)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار بنحوه... وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح (10/40).

([344]) انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد (22 /172).

([345]) مجنة: اسم سوق للعرب كان في الجاهلية... وكانت مجنة بمر الظهران قرب جبل يقال له: الأصفر، وهو بأسفل على قدر بريد منها، معجم البلدان لياقوت الحموي (5/58-59).

([346]) عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية، قال الأصمعي: عكاظ في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تقام سوق العرب بموضع منه يقال له: الأثيداء. معجم البلدان. (4/142).

([347]) المستدرك (2/625)، ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد -جامع لبيعة العقبة- ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([348]) قال الحافظ ابن حجر: قوله: (ببدر)، هي قرية مشهورة، نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، ويقال: بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر التي سميت بذلك لاستدارتها، أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها. الفتح، (7/285)، وانظر معجم البلدان (1/375).

([349]) الطبقات الكبرى لابن سعد (2 /12)، تاريخ الأمم والملوك (2/418)، الكامل لابن الأثير (2/116)، البداية والنهاية (3/258)، زاد المعاد (3/171).

([350]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/15)، وانظر البداية والنهاية (3/284).

([351]) صحيح مسلم (3/1384).

([352]) سنن أبي داوُد (2/72).

([353]) تاريخ الأمم والملوك (2/432).

([354]) جامع البيان (3/193-194).

([355]) قال في النهاية: الأغمار جمع غمر بالضم، وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور (3/385).

([356]) جامع البيان (3/192)، وتفسير البغوي على حاشية الخازن (1/272) وتفسير ابن كثير (2/14).

([357]) السيرة لابن هشام (1/613)، زاد المعاد (3/171)، البداية والنهاية (3/285)، وانظر مسند الإمام أحمد (1/411) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والمستدرك للحاكم (3/20).

([358]) البداية والنهاية (3 /284).

([359]) جامع البيان (3/198)، وانظر تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن (1/273) وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/15).

([360]) منهاج السنة (1/156).

([361]) زاد المسير (3/376).

([362]) جامع البيان (10/35).

([363]) الجامع لأحكام القرآن (8/42).

([364]) جامع البيان 10 /37).

([365]) منهاج السنة (1/156)، وانظر زاد المعاد (1/35-36).

([366]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/43).

([367]) جامع البيان (9/206).

([368]) مدارج السالكين (3/426).

([369]) جامع البيان (9/205)، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند رجاله رجال الصحيح، انظر مجمع الزوائد (6/84).

([370]) زاد المعاد (3/82).

([371]) جامع البيان (4/76).

([372]) انظر جامع البيان للطبري (9/194)، وانظر زاد المعاد لابن القيم (3/175)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/373)، تفسير ابن كثير (3 /289).

([373]) قال في النهاية: (حيزوم) جاء في التفسير أنه اسم فرس جبريل عليه السلام (1/467).

([374]) صحيح مسلم (3/1384-1385).

([375]) المسند (5/450)، وابن هشام في السيرة (1/633).

([376]) قال ابن الأثير: الأجلح من الناس: الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه (1/284).

([377]) قال في اللسان: البلق الدابة، والبلق سواد وبياض، وكذلك البلقة (بالضم) (10/25).

([378]) المسند (1/117).

([379]) زاد المعاد (3/183).

([380]) فتح الباري (7/33) وانظر جمع قتادة بين الآيتين في جامع البيان (4/78).

([381]) فتح الباري (7/313).

([382]) روضة خاخ: موضع ببن مكة والمدينة بقرب المدينة، شرح النووي على صحيح مسلم (16/55)، وانظر معجم البلدان لياقوت الحموي (2/335).

([383]) صحيح البخاري (3/7)، صحيح مسلم (4/1941).

([384]) الفتح (7/305-306)، وانظر رسالته في الخصال المكفرة، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/258).

([385]) شرح النووي على صحيح مسلم 16 /56-57).

([386]) شرح الجامع الصغير (2/212).

([387]) صحيح مسلم (4/1942).

([388]) صحيح البخاري (3/10).

([389]) ستأتي ترجمته في (ص710) من هذه الرسالة.

([390]) صحيح البخاري (3/7).

([391]) هو الذي لا يعلم راميه، أو لا يعرف من أين أتى، أو جاء دون قصد من راميه (فتح الباري)، (6/27).

([392]) صحيح البخاري (2 /139).

([393]) البداية والنهاية (3 / 361.

([394]) (9/160)، ثم قال الهيثمي: رواه أبو داوُد وابن ماجة باختصار كثير في الأوسط، وإسناده حسن.

([395]) مجمع الزوائد (9/161)، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير خداش بن عياش وهو ثقة.

([396]) المستدرك (4/77)، وأقره الذهبي.

([397]) صحيح مسلم (3/1384).

([398]) زاد المعاد (3/188).

([399]) مفتاح دار السعادة (2 /194) وانظر التفسير القيم لابن القيم (ص430).

([400]) قال السهيلي: سمي أحداً لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك. اهـ، الروض الأنف (5/448)، وبهذا قال ابن كثير في البداية والنهاية (4/11)، وانظر فتح الباري (7/376-378)، لوامع الأنوار البهية (2/367) وأحد جبل معروف يقع شمال المدينة.

([401]) تاريخ الأمم والملوك (2/499)، جامع البيان (4/70)، تفسير البغوي مع الخازن (1/344)، الكامل في التاريخ (2 /148، 150)، البداية والنهاية (4/11)، تفسير القرآن العظيم (2/104).

([402]) فتح الباري (7 /346).

([403]) انظر مسند الإمام أحمد (3/351)، والحاكم في المستدرك (2/128-129)، ووافقه الذهبي على تصحيحه، سنن الدارمي (2/129).

([404]) زاد المعاد لابن القيم (3/192-194)، وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/63-64).

([405]) السيرة النبوية لابن هشام (2/64).

([406]) زاد المعاد (3/194)، وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/65)، البداية والنهاية (4/15).

([407]) انظر جامع البيان للطبري (4/69-70)، زاد المسير (1/499)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/184).

([408]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/104).

([409]) صحيح البخاري (3/113) صحيح مسلم (4/1948).

([410]) فتح الباري (7/357).

([411]) انظر جامع البيان للطبري (4/132-134)، تفسير البغوي على الخازن (1/363)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/237)، تفسير ابن كثير (2/127)، تفسير روح المعاني للألوسي (4/90).

([412]) جامع البيان (4/132).

([413]) جامع البيان (4/176).

([414]) صحيح البخاري (3/126).

([415]) جامع البيان (4/177).

([416]) الجامع لأحكام القرآن (4/277).

([417]) جامع البيان (4/178-179)، وانظر تفسير البغوي على الخازن (1/378).

([418]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/161).

([419]) انظر جامع البيان للطبري (4/183)، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن (1/380)، وانظر دلائل النبوة للبيهقي (3/318)، وفتح القدير للشوكاني (1/400)، تفسير روح المعاني (4/129).

([420]) تفسير القرآن العظيم (2/163).

([421]) صحيح البخاري (3/26).

([422]) المستدرك (2/359) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([423]) جامع البيان (4/170)، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/268-274)، وانظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي (ص155)- القسم الأول، وانظر فتح القدير للشوكاني (1/399).

([424]) تفسير القرآن العظيم (2/153).

([425]) جامع البيان (4/174)، وانظر زاد المسير لابن الجوزي (1/502)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/275)، فتح القدير للشوكاني (1/399)، أضواء البيان (1/262).

([426]) جامع البيان (4/175-176)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/157)، وانظر في معنى الآية أيضاً: الجامع لأحكام القرآن (4/275)، فتح القدير للشوكاني (1/399).

([427]) جامع البيان (21/145-147)، تفسير ابن كثير (5/438)، فتح القدير للشوكاني (4/271-272).

([428]) المسند (1 /265-266)، سنن أبي داوُد (2/14)، ابن هشام في السيرة (2/119) وابن جرير في جامع البيان (4/171)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (4/218)، والحاكم في مستدركه (2/288)، و(ص 297)، وقال في الموضعين صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، والحديث عند مسلم كما هو هنا بمعناه، والآيات المشار إليها في الحديث هي رقم (169-171) من سورة آل عمران.

([429]) المستدرك (2/387).

([430]) صحيح مسلم (2/1502).

([431]) شرح النووي على صحيح مسلم (13/33).

([432]) كفاحاً: أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. النهاية (4/185).

([433]) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي (8/360)، الرد على الجهمية للدارمي (ص86).

([434]) شرح المواهب اللدنية (2/53).

([435]) فتح القدير (1/401).

([436]) اسمه عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي السلمي، أسلم قديماً وكان من النقباء وشهد العقبة ثم بدراً، وقتل يوم أحد، قتله أسامة الأعور، وقيل: سفيان بن عبد شمس أبو الأعور، قال الواقدي: صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهزيمة، وهذا فيه نظر؛ لأنه نقل إلى المدينة ولم يكن يعلم به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أعادوه بعد أمر الرسول بإعادة الشهداء، فصلى عليه معهم انظر الاستيعاب (2/331)، الإصابة (3/341)، مغازي الواقدي (1/266).

([437]) صحيح البخاري (1/224) و(ص216)، صحيح مسلم (4/1917-1918).

([438]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/25-26).

([439]) فتح الباري (3/116).

([440]) فتح الباري (3/163).

([441]) صحيح البخاري (2/138)، صحيح مسلم (3/1512).

([442]) فتح الباري (6/22-23).

([443]) قال ياقوت الحموي: هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها. معجم البلدان (2/229)، وكذا قال الحافظ ابن حجر: هي بئر سمي بها المكان. اهـ. فتح البارى (5/334)، وقال الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى: الحديبية بئر كانت الشجرة بالقرب من البئر، ثم إن الشجرة فقدت بعد ذلك فلم توجد، وقالوا: إن السيول ذهبت بها، فقال سعيد بن المسيب: سمعت أبي -وكان من أصحاب الشجرة- يقول: قد طلبناها غير مرة فلم نجدها، فأما ما يذكره عوام الحجيج أنها شجرة بين منى ومكة، فإنه خطأ فاحش اهـ. معرفة علوم الحديث (ص23-24).

([444]) انظر السيرة النبوية لابن هشام (2/208)، دلائل النبوة للبيهقي (4/91)، تاريخ الأمم والملوك للطبري (2/619)، الكامل لابن الأثير (2/200)، المجموع شرح المهذب للنووي (7/78)، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر (ص140)، البداية والنهاية (4/185)، فتح الباري (7/440).

([445]) الشجرة: هي السمرة التي حصلت البيعة تحتها، وانظر صحيح مسلم (3 /1483).

([446]) صحيح البخاري (3/42)، صحيح مسلم (3/1485).

([447]) صحيح البخاري (3/43)، صحيح مسلم (3/1484).

([448]) الركوة: إناء صغير يشرب فيه الماء، والجمع ركاء النهاية (2/261).

([449]) الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان ويلجأ إليه. النهاية، (1/322).

([450]) يثور: ينبع بقوة وشدة. النهاية (1/228).

([451]) صحيح البخاري (3/42)، صحيح مسلم (3/1484).

([452]) دلائل النبوة للبيهقي (4/98).

([453]) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/288).

([454]) شرح النووي على صحيح مسلم (13/2).

([455]) فتح الباري (7/440).

([456]) قال ابن جرير -بعد أن ذكر عدة أقوال في معنى السكينة-: وأولى هذه الأقوال بالصواب بالحق -في معنى السكينة- ما قاله عطاء بن أبي رباح: ما تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها، وذلك أن السكينة في كلام العرب: الفعيلة، من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا: إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكوناً وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزماً وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية. جامع البيان، (2 /613)، وانظر النهاية (2/384-385)، واللسان 13 /213).

([457]) انظر جامع البيان (26/71-72).

([458]) تفسير القرآن العظيم (6/330)، وانظر تفسير البغوي مع الخازن (6/158)، فتح القدير للشوكاني (5/45).

([459]) صحيح البخاري (3/44).

([460]) مجمع بن جارية بن عامر الأنصاري الأوسي المدني، صحابي مات في خلافة معاوية. التقريب (2/230) الإصابة (3/346).

([461]) سنن الترمذي (5/61-62)، المسند (3/122).

([462]) تفسير القرآن العظيم (6/330).

([463]) تفسير القرآن العظيم (6/330).

([464]) مختصر الصواعق المرسلة (2/172).

([465]) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/331)، تفسير روح المعاني (26/97).

([466]) جامع البيان (26/76)، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن (6/160).

([467]) جامع البيان 26 /85-86)، تفسير ابن كثير (6/341)، وانظر تفسير البغوي على الخازن (6/163)، زاد المسير لابن الجوزي (7/434-435)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/278)، فتح القدير للشوكاني (5/51).

([468]) أحكام القرآن للجصاص (3/394).

([469]) فتح الباري (7/59)، (ص448)، وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/315)، تاريخ الأمم والملوك (2/631)، دلائل النبوة البيهقي (4/134)، البداية والنهاية لابن كثير (4/189)، الجامع لأحكام القرآن (16/276).

([470]) صحيح مسلم (3/83).

([471]) صحيح البخاري (3/44).

([472]) صحيح البخاري (3/44)، صحيح مسلم (3/1486).

([473]) صحيح مسلم (3/1485).

([474]) صحيح مسلم (3/1483).

([475]) سنن الترمذي (3/76).

([476]) فتح الباري (6/118)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (13/3).

([477]) انظر جامع البيان 26 /103-106)، تفسير البغوي على الخازن (6/177)، تفسير ابن كثير (6/347).

([478]) صحيح البخاري (3/42)، صحيح مسلم (3 /1485).

([479]) انظر صحيح البخاري (2/297).

([480]) فتح الباري (7/443).

([481]) صحيح مسلم (4/1942).

([482]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/85).

([483]) صحيح مسلم (4/1942).

([484]) ثنية المرار: مهبط الحديبية، والمرار: بقلة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت عنه مشافرها، معجم البلدان (5/92)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (17/126).

([485]) صحيح مسلم (4/2144-2145).

([486]) مسند الإمام أحمد (3/26)، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي (3/36).

([487]) صحيح البخاري (2/297).

([488]) فتح الباري (7/59).

([489]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3 /169)، السيرة النبوية لابن هشام (1/249)، الإصابة في تمييز الصحابة (2/333-335)، فتح الباري (7/9)، وانظر صفة الصفوة (1/235)، حلية الأولياء (1/28)، تذكرة الحفاظ (1/2)، لوامع الأنوار البهية (2/311).

([490]) فتح الباري (7 /2 ثم قال: ورجاله ثقات.

([491]) المستدرك (3/62) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([492]) الإصابة (2/333)، وانظر أعلام النبوة للماوردي ص284-285)، تهذيب الأسماء واللغات (2/184).

([493]) الإصابة (2/335)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص48)، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (10/154)، شرح كتاب الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص101).

([494]) الدر المنثور للسيوطي (4/199)، وكتابه تاريخ الخلفاء (ص50).

([495]) جامع البيان (10/136)، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن (3/81).

([496]) صحيح البخاري (2/288)، صحيح مسلم (4/1854).

([497]) تفسير ابن كثير (3/402)، وانظر تفسير البغوي على الخازن (3 /81-82).

([498]) أحكام القرآن لابن العربي (2/951).

([499]) جامع البيان (24/3)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (7/228).

([500]) جامع البيان (28/162-163)، الجامع لأحكام القرآن (18/192)، تفسير ابن كثير (7/56)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (8/223-224).

([501]) الدر المنثور (8/535).

([502]) جامع البيان (30/221)، المستدرك للحاكم (2/525-526).

([503]) تفسير ابن كثير (7/310).

([504]) تفسير القرآن العظيم (7/310-311).

([505]) صحيح البخاري (2/288)، صحيح مسلم (4 / 1854) واللفظ له.

([506]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /150).

([507]) قال في النهاية: الخلة بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله، أي: في باطنه، والخليل: الصديق فعيل بمعنى مفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال ذلك؛ لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة، وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبة، وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه اهـ (2/72).

([508]) صحيح البخاري (2/288-289)، صحيح مسلم (4/1854).

([509]) صحيح مسلم (4 /1855).

([510]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/150)، وانظر فتح الباري (1/559).

([511]) ذكره عنه الحافظ في (الفتح) (1/559).

([512]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/151-152)، فتح الباري (7/14).

([513]) صحيح البخاري (2/289).

([514]) صحيح مسلم (4/1855).

([515]) فتح الباري (7/13).

([516]) صحيح البخاري (2/290)، صحيح مسلم (4/1857-1858).

([517]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم 15 /153-154).

([518]) صحيح البخاري (2/290)، صحيح مسلم (4/1458).

([519]) شرح النووي (15/156).

([520]) فتح الباري (7/27).

([521]) صحيح البخاري (2/291).

([522]) صحيح البخاري (2/291).

([523]) فتح الباري (7 / 33).

([524]) مجمع الزوائد (9/47)، ثم قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن الحارث، وهو ثقة.

([525]) مسند الإمام أحمد (1/106).

([526]) صحيح البخاري (2/289).

([527]) صحيح البخاري (2/289).

([528]) صحيح البخاري (2/297).

([529]) سنن أبو داود (2/511).

([530]) فتح الباري (7/16).

([531]) معالم السنن (4/302).

([532]) انظر فتح الباري (7 /17).

([533]) قال في النهاية (4/342): فتمعر وجهه أي: تغير، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون. اهـ.

([534]) صحيح البخاري (2/289-290).

([535]) فتح الباري (7/26).

([536]) صحيح مسلم (4/1857).

([537]) شرح النووي (15/156).

([538]) صحيح البخاري (2/290).

([539]) صحيح البخاري (2/293).

([540]) صحيح البخاري (2/293).

([541]) القف: قال في النهاية (4/91) (قف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها، وأصل القف: ما غلظ من الأرض وارتفع.

([542]) صحيح البخاري (2/292).

([543]) صحيح البخاري (2/290).

([544]) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص75-76).

([545]) فتح الباري (7/28-29).

([546]) انظر السيرة النبوية لابن هشام (1/250).

([547]) انظر تاريخ الأمم والملوك (3/249) وما بعدها وانظر الكامل لابن الأثير (2/342)، البداية والنهاية (6/350).

([548]) ذي خشب: وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة معجم البلدان (2/372).

([549]) الاعتقاد للبيهقي 174-175).

([550]) السنح: إحدى محال المدينة، كان بها منزل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان بين السنح ومنزل النبي صلى الله عليه وسلم قدر ميل. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي. (3/265).

([551]) صحيح البخاري (2/291).

([552]) انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني (2/312)، أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص304)، الفرق بين الفرق (ص359)، تاريخ الخلفاء (ص44).

([553]) هو محمد بن علي بن الفتح المعروف بابن العشاري، روى عن الدارقطني وطبقته، وهو فقيه حنبلي، ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة. (2/191-194)، شذرات الذهب (30/289).

([554]) فضائل أبي بكر للعشاري (ص8).

([555]) كتاب الاعتقاد (ص192).

([556]) فتح الباري (7/17)، وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص192).

([557]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/148).

([558]) الوصية الكبرى (ص32).

([559]) الصواعق المحرقة في الرد عل أهل البدع والزندقة (ص57).

([560]) (ص108).

([561]) مجموع الفتاوى (4/403).

([562]) هذان القولان أوردهما عن الشافعي الإمام البيهقي في كتابه مناقب الشافعي (1 /433-434).

([563]) طبقات الحنابلة (1/30).

([564]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (1/160).

([565]) مقالات الإسلاميين (1/348).

([566]) لمعة الاعتقاد (ص25).

([567]) تذكرة الحفاظ (1/2).

([568]) الباعث الحثيث (ص183).

([569]) انظر كتاب (الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة) لعبيد الله محمد بن بطة العكبري (ص257)، شرح الطحاوية (ص528).

([570]) الطبقات الكبرى (3/265)، تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/195)، تذكرة الحفاظ للذهبي (1/5)، الإصابة (2/511)، فتح الباري (7/44)، وانظر مجمع الزوائد (9/60)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص108)، لوامع الأنوار البهية (2/317).

([571]) الإصابة (2/511).

([572]) انظر الطبقات لابن سعد (3/270)، مجمع الزوائد (9/62)، ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفي رواية: (ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين). ورجاله رجال الصحيح، الإصابة (2/511) بمعناه.

([573]) مجمع الزوائد (9/63) ثم قال عقبه الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.

([574]) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 10 /167-168)، ثم قال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.

([575]) الطبقات الكبرى (3/367)، وانظر الإصابة (2/511-512).

([576]) الطبقات الكبرى (3/271).

([577]) الطبقات الكبرى (3/270).

([578]) فتح الباري (7/44).

([579]) الطبقات الكبرى (3/271).

([580]) تاريخ عمر لابن الجوزي (ص108).

([581]) صحيح البخاري (2/293)، صحيح مسلم (4/1862-1863).

([582]) فتح الباري (7/75).

([583]) صحيح البخاري (2/294)، وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه (4/1859).

([584]) انظر فتح الباري (7 / 46).

([585]) صحيح البخاري (2/295)، صحيح مسلم (4 /1859).

([586]) فتح الباري (7/51).

([587]) الفج: الطريق الواسع، ويطلق أيضاً على المكان المنخرق بين الجبلين. النهاية (3/412)، شرح النووي (15/165).

([588]) صحيح البخاري (3/294)، صحيح مسلم (4/1863-1864).

([589]) فتح الباري (7/47-48)، شرح النووي (15/165-167).

([590]) صحيح البخاري (2/294).

([591]) فتح الباري (7/48).

([592]) القليب: هي البئر غير المطوية، شرح النووي 15 /158).

([593]) والله يغفر له: هذه العبارة ليس فيها تنقيص لأبي بكر، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة. انظر شرح النووي على صحيح مسلم، (15/161) فتح الباري (7/39).

([594]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح مسلم (4/1862).

([595]) انظر شرح النووي (15/161-162).

([596]) صحيح البخاري (2/295)، ورواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (4/1864).

([597]) فتح الباري (7 /50)، وانظر شرح النووي (15/166).

([598]) فتح الباري (7/51).

([599]) دقائق التفسير الجامع لتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد السيد الحليند (4/306-307).

([600]) مفتاح دار السعادة (1/255).

([601]) المستدرك (3/85) وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي (10/173)، المسند (4/154)، وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي، وقال عقبه: حسن، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 327.

([602]) صحيح البخاري (2/295).

([603]) هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ).

([604]) صحيح البخاري مع الفتح (1/504).

([605]) صحيح مسلم (4/1865).

([606]) انظر جامع البيان للطبري (10/43-44)، تفسير ابن كثير (3/345)، لباب القول في أسباب النزول (ص114).

([607]) المسند (1/53)، سنن أبي داوُد (2/291)، المستدرك للحاكم (4/143)، وقال: هذا حدث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([608]) صحيح البخاري مع الفتح (8/333)، صحيح مسلم (4/1865).

([609]) صحيح البخاري (2/294-295).

([610]) سنن الترمذي مع تحفة الأحوذى (10/186-187).

([611]) عارضه الأحوذي 13 /153-154).

([612]) صحيح البخاري (2/296).

([613]) طلاع الأرض: أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل. النهاية في غريب الحديث (3/133).

([614]) صحيح البخاري (2/295-296).

([615]) فتكنفه الناس: أي أحاطوا به من جانبيه. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر. (4/205).

([616]) فلم يرعني أي: لم يفزعني والمراد أنه رآه بغتة. فتح الباري، (7/48).

([617]) صحيح البخاري (2/294)، صحيح مسلم (4/1858-1859).

([618]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/53) وما بعدها، المستدرك للحاكم (3/96)، تاريخ الأمم والملوك للطبري (4/419-420)، الكامل لابن الأثير (3/184)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (3/69-84)، البداية والنهاية لابن كثير (7/217)، الإصابة لابن حجر رحمه الله تعالى (2/455) فتح الباري (7 /54)، مجمع الزوائد (9/79)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص147).

([619]) فتح الباري (7/54).

([620]) فتح الباري (7/55)، الإصابة (4/222).

([621]) انظر تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي (1/8-10)، البداية والنهاية (7/217-219)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (3/328-334).

([622]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/226).

([623]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/148).

([624]) مجموع الفتاوى (4/526).

([625]) الباعث الحثيث (ص183).

([626]) أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص304).

([627]) أعلام النبلاء (16/457).

([628]) ذكره شيخ الإسلام في كتابه منهاج السنة (1/166) (4 /202)، مجموع الفتاوى (4/428)، البداية والنهاية (8/13).

([629]) البداية والنهاية (8/13)، الباعث الحثيث (ص183).

([630]) منهاج السنة (1/166).

([631]) صحيح البخاري (2/297).

([632]) انظر سنن أبي داوُد (2/515)، سنن الترمذي (3/341).

([633]) فتح الباري (7/58).

([634]) صحيح البخاري (2 /296)، صحيح مسلم (4 /1867).

([635]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/170-171).

([636]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، (5/406-407).

([637]) سنن الترمذي (5 /288).

([638]) فتح الباري (5/407-408).

([639]) سنن الترمذي (5/290-291).

([640]) صحيح البخاري (5/408).

([641]) جمع حلس: وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. النهاية (1/423).

([642]) القتب: إكاف البعير، وقيل: هو الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير. لسان العرب (1/661)، النهاية (4/11).

([643]) سنن الترمذي (5/289).

([644]) المسند (5/63)، والترمذي في سننه (5/289) ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

([645]) زاد المعاد (3/527).

([646]) قال ابن الأثير في النهاية (5 /264): يقال: هش لهذا الأمر يهش هشاشة: إذا فرح به واستبشر وارتاح له وخف.

([647]) صحيح مسلم (4/1896).

([648]) المرط: هو كساء، وربما كان من خز أو غيره. النهاية لابن الأثير (4/319).

([649]) صحيح مسلم (4/1866-1867).

([650]) صحيح البخاري (2/296-297).

([651]) حراء: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال، وهو جبل معروف. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي. (2/233).

([652]) المسند (1/59).

([653]) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (13/193-194)، وانظر البداية والنهاية (7/158-161).

([654]) مجموع الفتاوى (4/428).

([655]) المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ورقة 57.

([656]) مجمع الزوائد (9/88)، وقال ابن حجر الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدهما رجال الصحيح.

([657]) مجموع الفتاوى (4/428).

([658]) منهاج السنة (2/207).

([659]) البداية والنهاية (7/235-236).

([660]) جاء في لسان العرب: ورجل مقنع بالتشديد أي: عليه بيضة ومغفر. والمقنَّع: المغطي رأسه. اهـ (8/301).

([661]) المستدرك (3/102) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([662]) المستدرك (3/99) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([663]) عارضة الأحوذي بشرح الترمذي 14 /156-157).

([664]) المستدرك (3/99). ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([665]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/19)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (3/26-67)، البداية والنهاية (7/242) وما بعدها، الإصابة في تمييز الصحابة (2/501-503). وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (5/153)، الكامل لابن الأثير (3/396)، مجمع الزوائد (9/100)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص166)، لوامع الأنوار البهية (2/334).

([666]) يدوكون: أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه، النهاية في غريب الحديث (2/140).

([667]) صحيح البخاري (2/299-330)، صحيح مسلم (4/1882).

([668]) صحيح مسلم (4 /1872).

([669]) فتح الباري (7/72).

([670]) تيسير العزيز الحميد (ص107).

([671]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /176-177).

([672]) صحيح البخاري (2/300)، صحيح مسلم (4/1870) واللفظ لمسلم.

([673]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/174).

([674]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (2/535)، صحيح مسلم (4/1874).

([675]) صحيح مسلم (1/106).

([676]) فتح الباري (1/63).

([677]) صحيح البخاري (2/300).

([678]) صحيح البخاري (2/300).

([679]) صحيح البخاري مع الفتح (5/303-304).

([680]) صحيح مسلم (4/1871).

([681]) لعلها (أو أنكر عليهم) حتى يستقيم الكلام.

([682]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/175-176).

([683]) المستدرك (3/135) وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([684]) المستدرك (3/134) وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([685]) المستدرك (3/136)، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

([686]) المستدرك (3/137) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([687]) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7/61).

([688]) الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة (3/39).

([689]) صحيح البخاري (3/99)، وابن ماجة في سننه (1/55)، وأحمد في المسند (5/113).

([690]) الإصابة (2/502).

([691]) (12/82).

([692]) المستدرك (3/141) وصححه وأقره الذهبي، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (12/81).

([693]) (12/82).

([694]) البداية والنهاية (7/16).

([695]) الاستيعاب في أسماء الأْصحاب على حاشية الإصابة (3/44-45).

([696]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (3 /47).

([697]) المستدرك (3/107).

([698]) انظر الإصابة (2/501).

([699]) كتاب الإمامة والرد على الرافضة (ص206).

([700]) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب -القسم الخامس- الرسائل الشخصية: رسالة رقم (1) (ص10).

([701]) الإصابة (2/220)، وانظر الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (2/210).

([702]) فتح الباري (7/82).

([703]) الإصابة (2/220).

([704]) الإصابة (4/337)، وانظر فتح الباري (7/82).

([705]) انظر المستدرك للحاكم (3/369) (ص438)، وانظر الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري (4/256).

([706]) مغازي الواقدي (1/19)، المستدرك للحاكم (3/369).

([707]) انظر الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/210-216)، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (2/220)، وانظر الرياض النضرة في مناقب العشرة (4/245) وما بعدها، وانظر المستدرك للحاكم (3 / 368-369).

([708]) صحيح البخاري (3/23).

([709]) صحيح البخاري (2/302-303).

([710]) سنن الترمذي (5/307) ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.

([711]) انظر تحفة الأحوذي (5 /341).

([712]) حلية الأولياء (1/87).

([713]) سنن الترمذي (5/308) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه.

([714]) سنن الترمذي (5/308-309) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن يونس بن بكير، وقد رواه غير واحد من كبار أهل الحديث عن أبي كريب بهذا الحديث، وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب، ووضعه في كتاب الفوائد. اهـ.

([715]) انظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي (9/63-64).

([716]) عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (12 /82-83).

([717]) قال في النهاية (4/37): ذي قرد بفتح القاف والراء: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر. اهـ. وهو موضع غزوة خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم، سببها إغارة عيينة بن حصن الفزاري في خيل من غطفان على لقاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. انظر السيرة النبوية لابن هشام (2 /281)، تاريخ الطبري (2/596).

([718]) المستدرك (3/374)، ثم قال الحاكم عقبه: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([719]) تجم الفؤاد: أي تريحه، وقيل: تجمعه وتكمل صلاحه ونشاطه. اهـ. النهاية في غريب الحديث (1/301).

([720]) المستدرك (3/370) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([721]) صحيح مسلم (4/1880).

([722]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /190).

([723]) صحيح البخاري (2/302).

([724]) سنن الترمذي (5/311)، وانظر سنن أبي داوُد (2/516)، سنن ابن ماجة (1/48).

([725]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/100)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (1/560)، الإصابة (1/526).

([726]) فتح الباري (7/80).

([727]) انظر الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/560-565)، الاصابة (1/526-528).

([728]) المستدرك للحاكم (3/360)، وانظر طبقات ابن سعد (3/102).

([729]) صحيح البخاري (2/302).

([730]) صحيح مسلم (4/1879).

([731]) النهاية لابن الأثير (1/457-458).

([732]) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/106)، وذكره الحافظ في الإصابة (1/527).

([733]) صحيح البخاري (2/302).

([734]) عمدة القاري (16/223)، وانظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي (10/547).

([735]) صحيح البخاري (2/302).

([736]) من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري (5/578)، تحفة الأحوذي (10/246).

([737]) صحيح البخاري (3/26)، صحيح مسلم (4/1881).

([738]) الطبقات الكبرى (3 /103).

([739]) صحيح البخاري (2/302).

([740]) فتح الباري (7/81).

([741]) صحيح البخاري (2/302).

([742]) سنن الترمذي (5/310-311)، ثم قال عقبه: هذا حديث حسن غريب من حديث حماد بن زيد.

([743]) سنن الترمذي (5/311).

([744]) صحيح مسلم (4/1880).

([745]) البداية والنهاية (7/272-273)، وروى الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه أنه قال عندما قيل له: (إن قاتل الزبير على الباب، قال: ليدخلن قاتل ابن صفية النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لكل نبي حواري، وإن حواريَّ الزبير بن العوام)، المسند (1/103).

([746]) انظر الطبقات لابن سعد (3/110-113)، الاستيعاب لابن عبد البر على الإصابة (1/564)، البداية والنهاية (7 /273)، الإصابة (1/527).

([747]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/124)، المستدرك (3/306)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (2/385)، البداية والنهاية (7 /178)، الإصابة (2/408).

([748]) الرياض النضرة في مناقب العشرة (4/305-306)، وانظر البداية والنهاية (7/178).

([749]) الإصابة (2/408).

([750]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3 /124) المستدرك للحاكم (3 /309).

([751]) البداية والنهاية (7/178).

([752]) الغائط: هو المكان المنخفض من الأرض. النهاية لابن الأثير (3/395)، وانظر الفائق في غريب الحديث للزمخشري (3/79).

([753]) صحيح مسلم (1/317-318).

([754]) صحيح مسلم (4/1967-1968).

([755]) شرح العقيدة الطحاوية (ص529).

([756]) المستدرك (3/306) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([757]) المستدرك (3/311) ثم قال: فقد صح الحديث عن عائشة وأم سلمة، ووافقه الذهبي.

([758]) المستدرك (3/312)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([759]) سنن الترمذي (5/311).

([760]) المسند (1/187)، سنن أبي داوُد (2/515)، سنن الترمذي (5/315)، وسنن ابن ماجة (1/48).

([761]) انظر المستدرك للحاكم (3/308).

([762]) البداية والنهاية (7/180).

([763]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/390)، الإصابة (2/409-410).

([764]) البداية والنهاية (8/78)، الإصابة (2/30).

([765]) فتح الباري (7/84).

([766]) انظر تاريخ الطبري (4/8-16)، الكامل لابن الأثير (2/511)، البداية والنهاية (7/71-76).

([767]) انظر تاريخ الطبري (4/24-35)، الكامل لابن الأثير (2/519)، البداية والنهاية (7/77-79).

([768]) انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد (3/137-149)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (2/18-25)، البداية والنهاية (8/78-84)، الإصابة (2/30-32).

([769]) صحيح البخاري (2/303).

([770]) الحديثان في صحيح مسلم (4/1876-1877).

([771]) فتح الباري (7 /84)، عمدة القاري 16 / 228.

([772]) صحيح مسلم (4/1875).

([773]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/183).

([774]) صحيح مسلم (4/1877-1878).

([775]) صحيح مسلم (4/1878).

([776]) هذان الحديثان في صحيح البخاري (2/303).

([777]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/18).

([778]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/184-185)، فتح الباري (7/84)، المرقاة شرح المشكاة (5/579).

([779]) صحيح البخاري (2/303).

([780]) انظر السيرة النبوية لابن هشام (1/591)، الإصابة (2/30)، فتح الباري (7 /84).

([781]) هذان الحديثان في مجمع الزوائد (9/153).

([782]) سنن الترمذي (5/311).

([783]) صحيح مسلم (4/1880).

([784]) الإصابة (2/31).

([785]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/190).

([786]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، (8/84).

([787]) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/409)، المستدرك للحاكم (3/262)، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة (3 /2)، الرياض النضرة في مناقب العشرة (4/301)، الإصابة (2/243).

([788]) المستدرك (3/266)، الإصابة (2/243).

([789]) المستدرك (3/266)، الإصابة (2/243).

([790]) صحيح البخاري (2/305)، صحيح مسلم (4/1881).

([791]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/191-192)، فتح الباري (7/93)، عمدة القاري (16/238)، تحفة الأحوذي (10/260).

([792]) صحيح البخاري (2/305).

([793]) هذان الحديثان في صحيح مسلم (4/1881-1882).

([794]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15 /192)، فتح الباري (7/94)، عمدة القاري (16/239).

([795]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/412).

([796]) فتح الباري (7 /93-94).

([797]) صحيح مسلم (4/1856).

([798]) سنن الترمذي (5/317)، سنن ابن ماجة (1/38).

([799]) صحيح البخاري (4/14-15)، صحيح مسلم (4/1740-1741).

([800]) الإصابة (2/244).

([801]) سنن الترمذي (5/317).

([802]) سنن الترمذي (5/311).

([803]) صحيح مسلم (3/1521).

([804]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم 13 /63).

([805]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (13/63).

([806]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (3/3)، الإصابة (2/245).

([807]) أي: اخرجوا.

([808]) المستدرك (3/263-264).

([809]) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب، انظر الإصابة (2/4) (حاشية).

([810]) انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد (3/379)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/2-8)، البداية والنهاية (8/62)، الرياض النضرة في مناقب العشرة (4/337)، الإصابة (2/44).

([811]) أي: زال من مكانه.

([812]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7/176).

([813]) المستدرك (3/438).

([814]) سنن الترمذي (5/312)، وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في المسند (1/187)، وأبو داوُد في سننه (2/515)، وأخرجه ابن ماجة في سننه (1/48).

([815]) سنن الترمذي (5/315)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (1/187)، وأبو داوُد في سننه (2/515)، وابن ماجة (1/48)، والحاكم في المستدرك (3/316-317)، وأبو نعيم في الحلية (1 /95)، الطبقات لابن سعد (3/383).

([816]) البداية والنهاية (8/62)، وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد (3/384-385).

([817]) در السحابة في مناقب القرابة والصحابة (ص257).

([818]) تفسير القمي (2/193)، تفسير الكاشاني (2/351-352).

([819]) مقاييس اللغة (1/150).

([820]) المفردات في غريب القرآن (ص29).

([821]) لسان العرب (11/29-30).

([822]) تاج العروس (7/217).

([823]) (1 /29).

([824]) الجامع لأحكام القرآن (14/183).

([825]) الآيات من سورة الأحزاب آية 30-34).

([826]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص117).

([827]) تفسير القرآن العظيم (5/452، 458) وقوله: كما تقدم في الحديث (وأهل بيتي أحق)، يشير إلى حديث رواه أحمد في المسند (4/107) عن أبي عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا علياً، فلما قاموا قال لي: (ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي قالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم، آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه -أو قال: كساء- ثم تلا هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق).

([828]) صحيح البخاري (3/177).

([829]) الموطأ (1/165).

([830]) الموطأ (1/166).

([831]) صحيح مسلم (3/753)، المسند (4/166).

([832]) صحيح البخاري (2/301)، صحيح مسلم (3/1380).

([833]) صحيح البخاري (4/123)، صحيح مسلم (4/2281) واللفظ لمسلم.

([834]) سنن أبي داوُد (1/225).

([835]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص112-119).

([836]) فتح القدير للشوكاني (4/278).

([837]) تحفة الأحوذي (10/287)، وانظر التفسير الكبير للرازي (25/209).

([838]) الجامع لأحكام القرآن (14/123).

([839]) تفسير القرآن العظيم (5/425).

([840]) تفسير القرآن العظيم (5/447).

([841]) صحيح البخاري (3/175).

([842]) تفسير البغوي على حاشية الخازن (5/212).

([843]) تفسير القرآن العظيم (5/450).

([844]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1533).

([845]) انظر الجامع لأحكام القرآن (14/177).

([846]) تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن (5/212).

([847]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1534-1535).

([848]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/451).

([849]) جامع البيان (22/9).

([850]) تفسير القرآن العظيم (5/459).

([851]) أحكام القرآن لابن العربي (3/1537)، زاد المسير لابن الجوزي (6/381).

([852]) معالم التنزيل على تفسير الخازن (5/212).

([853]) المرط: كساء يكون من صوف، وربما كان من خز أو غيره (النهاية في غريب الحديث) (4/319).

([854]) صحيح مسلم (4/1883).

([855]) الجامع لأحكام القرآن (14/184).

([856]) المسند (6/292)، سنن الترمذي (5/30-31).

([857]) صحيح البخاري (3/109) (2/258)، سنن أبي داود (1/379)، سنن النسائي (6/85-86).

([858]) صحيح مسلم (3/1015)، ونصه هكذا: (هو مسجدكم هذا).

([859]) انظر الحديث في مسند أحمد (3/422)، وسنن ابن ماجة (1/128).

([860]) حقوق آل البيت لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص25-28).

([861]) انظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي (9/67).

([862]) المستدرك (3/150)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في تلخيصه، وأورده في سير أعلام النبلاء (2/123).

([863]) الحديثان في صحيح مسلم (4/1873-1874).

([864]) تفسير القرآن العظيم (5/457-458).

([865]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /180-181).

([866]) ذكره عنه المناوي في كتابه فيض القدير (3/14-15).

([867]) انظر تحفة الأحوذي (10/288)، وانظر فيض القدير للمناوي3/15).

([868]) صفن: أي قائم، انظر النهاية في غريب الحديث (3/39).

([869]) المستدرك (3/148-149) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([870]) المستدرك (3/150) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([871]) فيض القدير للمناوي (1/178).

([872]) صحيح البخاري (2/302).

([873]) انظر فتح الباري (7/79)، عمدة القاري (16/222-223).

([874]) رياض الصالحين (ص171).

([875]) صحيح البخاري (2/301).

([876]) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (1/134-135)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/23-27)، زاد المعاد (1/103-104)، أسد الغابة (1/38-40).

([877]) صحيح مسلم (4/1807).

([878]) عوالي المدينة: هي القرى التي عند المدينة شرح النووي، (15/76).

([879]) ظئره: أي زوج مرضعته.

([880]) قينا: أي حداد والقين: هو الحداد والصائغ. النهاية لابن الأثير (4/135).

([881]) معناه مات: وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال. تغذيه بلبن الثدي شرح النووي، (15/76).

([882]) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: فيه ذكر ابنه إبراهيم عليه السلام، فقال: إن له ظئراً في الجنة. الظئر: المرضعة غير ولدها، ويقع على الذكر والأنثى. اهـ (3/154).

([883]) تكملان رضاعه، أي: تتمانه سنتين، شرح النووي على صحيح مسلم (15/76).

([884]) صحيح مسلم (4/1808).

([885]) صحيح البخاري (4/80).

([886]) المسند (4/284).

([887]) فتح الباري (10/579)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/76).

([888]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /76).

([889]) صحيح البخاري (4/80).

([890]) سنن ابن ماجة (1/484)، وقد تكلم أهل العلم في سند هذا الحديث من جهة إبراهيم بن عثمان، فقد قال البخاري: سكتوا عنه، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال النسائي والدولابي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث سكتوا عنه وتركوا حديثه، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال صالح جزره: ضعيف لا يكتب حديثه، (التهذيب) (1/144).

([891]) المسند (3/281).

([892]) تهذيب الأسماء واللغات (1 /103).

([893]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (1 /27).

([894]) فتح الباري (10/579).

([895]) أي: يجود بها. ومعناه: وهو في النزع.

([896]) صحيح مسلم (4/1807-1808).

([897]) زبيبته: الزبيبة زبدة ترى في شدق الإنسان إذا أكثز الكلام، وقيل: قرحة سوداء تظهر على الجبين، انظر لسان العرب (1/445).

([898]) البداية والنهاية (8 /36)، وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/368-377)، صفة الصفوة (1/758-761)، حلية الأولياء (2/35)، الإصابة (1/327-330)، سير أعلام النبلاء (3 /245).

([899]) صفة الصفوة (1/762)، الإصابة (1/330)، فتح الباري (7/95).

([900]) صحيح البخاري (2/305).

([901]) صحيح البخاري (2/306).

([902]) النهاية في غريب الحديث (3 /417).

([903]) تحفة الأحوذي (10/277).

([904]) صحيح البخاري (2/114).

([905]) عمدة القاري (13 /282)، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (5/158)، الكامل (3 / 404)، سير أعلام النبلاء (3/144-145)، معالم السنن (4/311).

([906]) فتح الباري (13 /66).

([907]) صحيح البخاري (2/306)، صحيح مسلم (4/1883).

([908]) صحيح البخاري (2/306).

([909]) سخاباً: جمعه سخب، وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها، من أخلاط الطيب، يحمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان، النهاية في غريب الحديث (2/349).

([910]) صحيح مسلم (4/1882-1883).

([911]) صحيح البخاري (2/306).

([912]) صحيح البخاري (2/306).

([913]) المستدرك (3/168) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([914]) المستدرك (3/169) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([915]) المستدرك (3/169) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

([916]) المسند مع الفتح الرباني (23 /167)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/177)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

([917]) البداية والنهاية (8/40).

([918]) البداية والنهاية لابن كثير (8/162-163)، وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/377-383)، سير أعلام النبلاء (3/280-321)، الإصابة لابن حجر (1/331-334)، أسد الغابة (3/18-22).

([919]) فتح الباري (7/95)، تحفة الأحوذي (10/272).

([920]) صحيح البخاري (2/306).

([921]) يلثم: أي يقبل.

([922]) مجمع الزوائد (9/195)، ثم قال: رواه البزار والطبراني بأسانيد، رجاله وثقوا.

([923]) البداية والنهاية (8/206).

([924]) سنن الترمذي (5/325).

([925]) فتح الباري (7/97)، انظر البداية والنهاية (8/206).

([926]) المستدرك (3/177) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([927]) تحفة الأحوذي (10/279).

([928]) المستدرك (3/178) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([929]) أورده الهيثمي في المجمع (9/187) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد، وقيل: ابن سعيد وهو ثقة.

([930]) صحيح البخاري (2/306).

([931]) سنن الترمذي (5/327) وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.

([932]) عمدة القاري 16 /243).

([933]) يلثم: أي يقبل فاه.

([934]) المستدرك (3/166) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([935]) المستدرك (3/165) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([936]) سنن الترمذي (5/327)، وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.

([937]) المستدرك (3/167) ثم قال: هذا حديث صحيح بهذه الزيادة ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([938]) انظر تحفة الأحوذي (10 /273)، عارضة الأحوذي لابن العربي (13 /192).

([939]) صحيح مسلم (4/1883).

([940]) صحيح مسلم (4 /1883).

([941]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/195).

([942]) المستدرك (3/167) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([943]) المستدرك (3/165-166) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.

([944]) سنن الترمذي في شرحه تحفة الأحوذي (10/273-274)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

([945]) انظر الكامل لابن الأثير (3/460)، البداية والنهاية (8/46)، فتح الباري (7/95).

([946]) انظر تاريخ الإمم والملوك للطبري (5/400-467)، الكامل لابن الأثير (4/46-93)، البداية والنهاية (8 /186-220).

([947]) حقوق آل البيت (ص44-45)، مجموع الفتاوى (4/511).

([948]) حقوق آل البيت (ص46).

 حمزة بن عبد المطلب:

هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام البطل الضرغام أبو عمارة وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وهو أسد الله، وأسد رسوله، ولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل: بأربع، كان من فرسان قريش وسادتها وصناديدها المعدودين، أسلم في السنة الثانية من البعثة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء حسناً، واستشهد في معركة أحد في النصف من شوال من السنة الثالثة للهجرة، وسماه المصطفى عليه الصلاة والسلام: سيد الشهداء، وحزن عليه حزناً شديداً، فرضي الله عنه وأرضاه([1]).

وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر مناقبه التي دلت على عظيم شأنه، وجليل قدره، وعلى أنه ذو مكانة عالية في الدنيا والآخرة، ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه محمد بن سعد في كتابه الطبقات([2]) بإسناده إلى يزيد بن رومان قال: (أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة لـحمزة بن عبد المطلب، بعثه سرية في ثلاثين راكباً حتى بلغوا قريباً من سيف البحر، يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة، قد جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب، فانصرف ولم يكن بينهم قتال).

ففي هذا منقبة عظيمة تشرف بها حمزة رضي الله عنه، وهي أن أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة كان لعمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجله ويكرمه ويقدره، ويظهر له أنه ذو مكانة عنده.

2- فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: «جاء علي وحمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اغتسلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف صنعتما؟ قال أحدهما: يا رسول الله سترته بالثوب وقال الآخر: فجعلت مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو فعلتما غير ذلك لسترتكما»([3]).

ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لـحمزة وعلي رضي الله عنهما وأرضاهما.

3- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسماً أن: ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)) [الحج:19] أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة([4]).

4- وروى الحاكم بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: (نزلت ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)) [الحج:19] في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، قال علي: وأنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة)([5]).

فهذان الحديثان تضمنا ذكر فضيلة ظاهرة لـحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، إذ المراد بالذين اختصموا في الله سبحانه: هم حزب الله، وحزب الشيطان، فحزب الله كان في مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، وأما حزب الشيطان فهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، وابنه الوليد، فنصر الله حزبه، وخذل حزب الشيطان، فـحمزة رضي الله عنه كان في مقدمة الذين برزوا يوم بدر لضرب المشركين؛ بغية إعلاء كلمة الله ونصر الدين الحنيف.

5- وروى الحاكم أيضاً بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال، قال: فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -لـأبي سفيان وأصحابه- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء من انهزامهم، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، فلما رأى جبهته بكى، ولما رأى ما مثل به شهق، ثم قال: ألا كفن؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب، قال جابر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة»([6]).

6- وروى أيضاً بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص قال: (كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أنا أسد الله)([7]).

وهذان الحديثان فيهما بيان منقبتين عظيمتين لـحمزة رضي الله عنه، وتلك المنقبتان هما:

* الأولى: قوة عزيمته وشجاعته الصارمة في مواطن القتال ضد أولياء الشيطان من المشركين والكافرين، حتى أنه أطلق عليه أنه أسد الله وأسد رسوله.

* الثانية التي تفرد بها وامتاز بها عن غيره: إخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام بأنه سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة.

7- ومن مناقبه الشريفة رضي الله عنه: أنه جاهد في سبيل الله حق الجهاد، حتى أنه في يوم أحد مثَّل به المشركون مثلة لم تكن لأحد سواه، وذلك من شدة غيظ المشركين وحقدهم عليه، إذ أنه واجههم في يوم بدر ويوم أحد مواجهة الشجاع المقدام، فكانوا لا يطيقون الوقوف أمامه في ساعة القتال، فإنه ما وقف أمامه فارس إلا كان كأمس الذاهب، ولما استشهد في أحد على يد وحشي، لم يكن عن مواجهة، وإنما كمن له تحت صخرة فرماه بحربته([8])، ولما سقط على الأرض شهيداً فعل به المشركون ما فعلوا من التجديع والتمثيل، فقد روى الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بـحمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به، وقال: لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، فكفنه في نمرة([9]).

فهذا التجديع والمثلة التي حصلت لـحمزة رضي الله عنه، كانت في ذات الله عز وجل؛ ولذلك أكرمه الله بأن كان سيد الشهداء.

8- وروى الحاكم بإسناده أيضاً إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران:169)]([10]).

وهذا الحديث فيه بيان ما أكرم الله به حمزة وإخوانه الذين استشهدوا معه في موقعة أحد، حيث جعلهم الله أحياء يرزقون عنده في الجنة، ففي هذا منقبة عظيمة لشهداء أحد، الذين في مقدمتهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عن الجميع وأرضاهم، وجعل الجنة مثواهم.

تلك طائفة من الأحاديث التي جاء التنويه فيها بفضل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد دلت على أنه عظيم القدر عالي المكانة في الدنيا والآخرة، رضي الله عنه وأرضاه.

 العباس بن عبد المطلب:

هو أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمه نتيلة بنت جناب بن كلب -ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام، حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدراً مع الكفار مكرهاً فأسر، ثم افتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، وأسلم وكتم إسلامه، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة، وثبت يوم حنين، وكان عظيم المكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم، يعترف له بسداد الرأي، وكان الفاروق رضي الله عنه يستسقي به إذا قحطوا، توفي بـالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، ودفن بالبقيع رضي الله عنه وأرضاه([11]).

وقد وردت في بيان مناقبه أحاديث كثيرة كلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده إلى أبي رافع رضي الله عنه «أنه بشر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام العباس فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم»([12]).

فلقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وأعتق أبا رافع لما بشره بإسلامه، ففيه منقبة ظاهرة للعباس.

وروى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العباس مني وأنا منه»([13]).

جاء في تحفة الأحوذي قوله: «العباس مني وأنا منه»، قال في المرقاة: أي من أقاربي، أو من أهل بيتي، أو متصل بي. اهـ([14]).

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان سباقاً لأداء ما أوجب الله عليه من الفرائض، فقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له بأداء زكاته قبل أن يحل وقتها. فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي رضي الله عنه أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك([15]).

4- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله، وأمَّا خالد فإنكم تظلمون خالداً، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر أمَا شعرت أن عم الرجل صنو أبيه»([16]).

5- وروى الإمام أحمد وغيره إلى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً وأنا عنده فقال: «ما أغضبك؟ قال: يا رسول الله ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة؟ وإذا لقونا بغير ذلك، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله ثم قال: يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه»([17]).

هذه الأحاديث الثلاثة، بين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة فيها فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته منه عليه الصلاة والسلام.

قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد، وهو مثل أبي أو مثلي، وجمعه صنوان([18]).

وعلى هذا فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن عم الرجل صنو أبيه) أي: مثله يعني أصلهما واحد، فتعظيمه كتعظيمه وإيذاؤه كإيذائه.

6- ومن مناقبه العظيمة التي اختص بها وشرف بها رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجله إجلال الولد والده ويبالغ في إكرامه. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجل العباس إجلال الولد والده، خاصة خص الله العباس بها من بين الناس»([19]).

7- وروى الحاكم أيضاً بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان العباس بـالمدينة، فطلبت الأنصار ثوباً يلبسونه، فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبي، فكسوه إياه، قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإنما أخرج كرهاً فحمل إلى المدينة فكساه عبد الله بن أبي قميصه، فلذلك كفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه مكافأة لما فعل بـالعباس)([20]).

وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس رضي الله عنه، بإكرام النبي صلى الله عليه وسلم له، حيث أعطى ثوبه عليه الصلاة والسلام كفناً لـعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصاً للعباس، حين كان أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر.

8- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين بثمانين ألفاً فما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال أكثر منه، لا قبلها ولا بعدها، فأمر بها ونثرت على حصير، ونودي بالصلاة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يميل على المال قائماً، فجاء الناس وجعل يعطيهم، وما كان يومئذ عدد ولا وزن وما كان إلا قبضاً، فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر، ولم يكن لـعقيل مال، أعطني من هذا المال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ. فحثى في خميصة كانت عليه، ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ارفع علي، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أمَّا أحد ما وعد الله فقد أنجز لي، ولا أدري الأخرى، ((قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)) [الأنفال:70] هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع بالمغفرة»([21]).

في هذا الحديث فضيلة ظاهرة للعباس رضي الله عنه وهي أنه عليه الصلاة والسلام كان يحبه حباً شديداً، فقد أعطى المصطفى عليه الصلاة والسلام الصحابة من مال البحرين بيده، ولما جاء العباس أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ لنفسه بيده.

9- ومن مناقبه العظيمة التي رفعت من شأنه، وعلت من مكانته، ثبوته الصادق حين حمي الوطيس وفر الناس يوم حنين. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى العباس رضي الله عنه قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس ناد أصحاب السمرة، فقال عباس -وكان رجلاً صيتاً-: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حين حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً»([22]).

هذا الحديث اشتمل على بيان منقبة عظيمة لـأبي الفضل رضي الله عنه، حيث إنه وقف موقف الشجاع المقدام لحرب المشركين، من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة دين الإسلام، فلقد ثبت في وقعة حنين من أول المعركة إلى آخرها مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولذلك فصَّل المعركة وما دار فيها تفصيلاً كاملاً رضي الله عنه وأرضاه.

10- لقد بين الفاروق رضي الله عنه للأمة عامة فضل العباس بن عبد المطلب، ومكانته من سيد الخلق، ووضح ذلك وضوحاً كاملاً. فقد روى البخاري إلى أنس بن مالك رضي الله عنه (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بـالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون)([23]).

ففي هذا الأثر عن الفاروق رضي الله عنه بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضاً فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه. والمراد بتوسل عمر رضي الله عنه بـالعباس بدعائه لا بذاته، إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل نوع من أنواع التوسل المشروع.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد بيَّن الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك. فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: (اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الحبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس)([24]).

تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت مناقب عالية للعباس رضي الله عنه، وكلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه.

 عبد الله بن عباس:

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أبو العباس الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبر هذه الأمة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له: الحبر والبحر، وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً كثيراً، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة؛ لاتساع علمه، وكثرة فهمه، وكمال عقله، وسعة فضله، ونبل أصله رضي الله عنه وأرضاه، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين. هاجر مع أبيه قبل الفتح، فاتفق لقياهما النبي صلى الله عليه وسلم بـالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة، فشهد الفتح وحنيناً والطائف عام ثمان، وقيل: كان في سنة تسع، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ولزمه وأخذ عنه، وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال، وأخذ عن الصحابة علماً عظيماً، ومع الفهم الثاقب والبلاغة والفصاحة، والجمال والملاحة والأصالة والبيان، وكانت وفاته رضي الله عنه سنة ثمان وستين بـالطائف رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه([25]).

وقد وردت في بيان فضله أحاديث كثيرة صحيحة عن رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فوضعت وضوءاً قال: من صنع هذا؟ فأخبر فقال: اللهم فقهه في الدين»([26]).

هذه الدعوة النبوية فيها منقبة ظاهرة لـعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وهي دعاؤه عليه الصلاة والسلام له بالفقه في الدين.

قال ابن المنير: مناسبة الدعاء لـابن عباس بالتفقه على وضعه الماء، من جهة أنه تردد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئاً. فرأى الثاني أوفق؛ لأن في الأول تعرضاً للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، ففعله يدل على ذكائه، فناسب أن يدعى له بالتفقه في الدين؛ ليحصل به النفع وكذا كان([27]).

2- وروى أيضاً: بإسناده إلى ابن عباس قال: «ضمَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم علمه الكتاب»([28]).

وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لـابن عباس رضي الله عنه، وهي ضم النبي صلى الله عليه وسلم إياه ودعوته له أن يعلمه الله الكتاب. والمراد بالكتاب القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه([29]).

3- وروى مسلم بإسناده إلى ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الخلاء فوضعت له وضوءاً فلما خرج قال: من وضع هذا؟ -في رواية زهير قالوا، وفي رواية أبي بكر - قلت: ابن عباس قال: اللهم فقهه»([30]).

قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه) فيه فضيلة الفقه، واستحباب الدعاء بظهر الغيب، واستحباب الدعاء لمن عمل عملاً خيراً مع الإنسان، وفيه إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، فكان من الفقه بالمحل الأعلى. اهـ([31]).

4- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيت ميمونة، فوضعت له وضوءاً من الليل، قال: فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»([32]).

5- وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي أو على منكبي -شكَّ سعيد ثم قال: «اللهم فقهه في الدين وعلَّمه التأويل»([33]).

6- وروى محمد بن سعد بإسناده إلى ابن عباس قال: «دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح على ناصيتي وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب»([34]).

7- وفي مسند الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعطِ ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل»([35]).

8- وبلفظ آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسي ودعا لي بالحكمة)([36]).

9- وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال: (دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتيني الله الحكم مرتين) ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء، وقد رواه عكرمة عن ابن عباس([37]).

ومعنى قوله: (أن يؤتيني الله الحكم مرتين) أي: العلم والفقه والقضاء بالعدل، والظاهر أن المراد به هنا الفهم في القرآن([38]).

10- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: «ضمَّني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة»([39]).

هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان فضل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ولقد استجاب الله هذا الدعاء النبوي في ابن عباس، فلقد كان إِماماً في العلم، وعلماً من أعلام الأمة المحمدية، الذين نشر الله بهم أحكام دين الإسلام من أوامر ونواهٍ وحلال وحرام.

قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيها؛ لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا: فقيل: القرآن وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسر في تفسير قوله تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)) [لقمان:12]، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن. اهـ([40]).

11- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الليل فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه([41])، فلما أقبل على صلاته خنست([42])، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال لي: ما شأني أجعلك حذائي فتخنس فقلت: يا رسول الله أوينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله، قال: فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً، قال: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى سمعته ينفخ، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءاً»([43]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـعبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقد حظي بهذه الدعوة المباركة، وهي الزيادة في العلم والفهم، وقد كان كذلك رضي الله عنه وأرضاه.

12- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب. قال: فجاء فحطأني حطأة([44]) وقال: اذهب وادعُ لي معاوية...» الحديث([45]).

وفي هذا الحديث منقبة لـابن عباس رضي الله عنه حيث جاءه النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوار خلف باب، فضرب بيده الشريفة وهي مبسوطة بين كتفيه، وأمره أن ينادي له معاوية رضي الله عنه.

13- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس قال: «كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يناجيه، فكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده فقال لي أبي: أي بني؟ ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: يا أبت إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: فرجعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبي: يا رسول الله قلت لـعبد الله كذا وكذا، فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، فهل كان عندك أحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل رأيته يا عبد الله؟ قال: نعم. قال: فإن ذاك جبريل، وهو الذي شغلني عنك»([46]).

14- وروى أبو القاسم الطبراني -كما في مجمع الزوائد([47])- عن ابن عباس قال: «بعث العباس بـعبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فوجد معه رجلاً فرجع ولم يكلمه، فقال: رأيته؟ قال: نعم قال: ذاك جبريل، أما إنه لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علماً».

هذان الحديثان تضمنا منقبة ومفخرة عظيمة لـعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث أكرمه الله تعالى برؤية جبريل الأمين، كما تضمن حديث الطبراني علماً من أعلام النبوة، حيث حصل لـابن عباس ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من ذهاب بصره وإتيانه علماً واسعاً، وكذلك كان رضي الله عنه وأرضاه.

ولقد بين فضله ومكانته العلمية فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان يدخله في مجلس كبار الصحابة من مشيخة بدر رضي الله عنهم، وقد كان لهم أبناء في سنه رضي الله عنه، ولم يحظ بهذا التكريم سواه.

15- فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)) [النصر:1] فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول)([48]).

16- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: (كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يوماً فمسح رأسك وقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)([49]).

وتقريب عمر رضي الله عنه لـابن عباس، وإدخاله مع أشياخ بدر؛ من أجل أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم.

17- وذكر الحافظ ابن كثير أن عمر رضي الله عنه كان يقول: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس). وكان يقول إذا أقبل: (جاء فتى الكهول، وذو اللسان السئول، والقلب العقول)([50]).

18- وروى ابن سعد بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحداً أحضر فهماً ولا ألب لباً ولا أكثر علماً ولا أوسع حلماً من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار)([51]).

19- وقال طلحة بن عبيد الله: (لقد أعطي ابن عباس فهماً ولقناً وعلماً، ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحداً)([52]).

20- وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه حين بلغه موت ابن عباس: (مات أعلم الناس وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق).

21- وقال رافع بن خديج: (مات اليوم من كان يحتاج إليه مَن بين المشرق والمغرب)([53]).

22- وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لـعكرمة: (مولاك والله أفقه من مات وعاش)([54]).

23- وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم)([55]).

24- وقال مجاهد: (كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه).

وقال محمد بن علي يوم مات ابن عباس: (اليوم مات رباني هذه الأمة)([56]).

26- وقال طاوس: (كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم، كما تبسق النخل السحوق([57]) على الودي الصغار)([58]).

ذلك هو عبد الله بن عباس، وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على علو شأنه وسمو منزلته، وكلها دلت على أنه كان جليل القدر، وأنه كان ذا مكانة عظيمة عند الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولقد اعترف بفضله ونبله كبار الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان. فرضي الله عنه وأرضاه.

 الفضل بن عباس بن عبد المطلب:

هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أكبر إخوانه، وبه كان يكنى أبوه وأمه، واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحنيناً، وثبت معه يومئذ، وشهد معه حجة الوداع، وكان يكنى أبا العباس وأبا عبد الله، وقيل: كان يكنى أبا محمد، مات في خلافة الصديق رضي الله عنه وأرضاه([59]).

وقد وردت له بعض المناقب رضي الله عنه، فمن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم زوجه وأمهر عنه:

1- فقد روى مسلم في حديث طويل بإسناده إلى الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، وفيه «أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس انطلقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدان منه أن يوليهما على بعض الصدقة، قال أحدهما: فلما صلى رسول الله الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء، فأخذ بآذاننا ثم قال: أخرجا ما تصرران. ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا الحلم فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه قال: وجعلت زينب تلمع([60]) علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه، قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس([61]) ادعوا لي محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب قال: فجاءاه فقال لـمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك -للفضل بن عباس - فأنكحه. وقال لـنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك –لي- فأنكحني، وقال لـمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا» قال الزهري: (ولم يسمه لي)([62]).

هذا الحديث فيه بيان منقبة عظيمة ظاهرة للفضل بن عباس ولـعبد المطلب بن ربيعة، حيث زوجهما النبي صلى الله عليه وسلم وأصدق عنهما، كما دل الحديث على تحريم الصدقة على جميع بني هاشم، وليس الحال كما ورد عن زيد بن أرقم أن الذين تحرم عليهم الصدقة هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، فهذا عبد المطلب بن ربيعة بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن تحرم عليه الصدقة، وليس هو من المذكورين الذين ذكرهم زيد بن أرقم رضي الله عنه، والذي يظهر من هذا أن زيداً لم يرد حصر بني هاشم فيمن ذكرهم.

2- ومن مناقب الفضل رضي الله عنه: أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم من المزدلفة إلى منى([63]).

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: ما أخرجه البغوي من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: «جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ بيدي -وقد عصب رأسه- فأخذت بيده، فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: ناد في الناس، فصحت فيهم فاجتمعوا له...» فذكر الحديث([64]).

ذلك هو الفضل بن عباس، وتلك بعض مناقبه التي دلت على أنه من فضلاء الصحابة رضي الله عنه وأرضاه.

 جعفر بن أبي طالب:

هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان رضي الله عنه من متقدمي الإسلام والسابقين إليه، وهاجر رضي الله عنه إلى الحبشة، وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة وأحوال رشيدة، وقدم المدينة يوم فتح خيبر، وفرح به النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً شديداً، وقام إليه واعتنقه وقبله بين عينيه([65])، ولما بعثه إلى مؤتة جعله نائباً لـزيد بن حارثة، ولما استشهد في غزوة مؤتة وجدوا فيه بضعاً وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى، وهو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك، فيقال: إن رجلاً من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين، وكان يقال له بعد قتله: الطيار، وكان كريماً جواداً ممدحاً، وكان لكرمه يقال له: أبو المساكين لإحسانه إليهم، وكان استشهاده رضي الله عنه في السنة الثامنة من الهجرة([66]) رضي الله عنه وأرضاه.

وقد وردت مناقبه رضي الله عنه في كثير من الأحاديث الصحيحة، ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عبيد الله بن أسلم مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لـجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «أشبهت خلقي وخُلقي»([67]).

هذا الحديث فيه منقبة عظيمة لـجعفر بن أبي طالب، من حيث إنه أشبه النبي صلى الله عليه وسلم خَلقاً وخُلقاً، وأكرم بها من منقبة، فقد قال جل وعلا مادحاً نبيه عليه الصلاة والسلام: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:4].

2- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي موسى قال: (بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بـاليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهما: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم -إما قال: بضعاً، وإما قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي- قال: فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بـالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، قال: فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال: أعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم، قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة-: نحن سبقناكم بالهجرة. قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت وقالت: كذبت([68]) يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء([69]) في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان...) الحديث([70]).

هذا الحديث فيه ييان فضيلة عظيمة للذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة، فقد أكرمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسم من غنائم خيبر، ولم يقسم لأحد غاب عن هذا الفتح سواهم، وأخبر أنهم أحق الصحابة به عليه الصلاة والسلام، وأن لهم أجر الهجرتين، وفي مقدمتهم جميعاً جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم أجمعين.

3- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما احتذى النعال، ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الكور([71]) من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل من جعفر بن أبي طالب)([72]).

قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث بسنده: وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية: فمعلوم أن الصديق والفاروق، بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان، أو علي أفضل منه([73]).

ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل الخلق على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة، ولا يساويه أحد في فضله بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.

4- ومن مناقب جعفر رضي الله عنه التي اشتهر بها: أنه كان كثير العطف والحنو على المساكين، وكان يحبهم ويسكن إليهم، حتى أنه كان يكنى بـأبي المساكين. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه (أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني، حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير([74]) ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصاء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي؛ كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إنْ كان ليخرج إلينا العكة([75]) التي ليس فيها شيء، فيشقها فنلعق ما فيها)([76]).

ففي هذا بيان فضيلة لـجعفر رضي الله عنه، وشهادة من أبي هريرة رضي الله عنه بأنه كان أشفق الناس على المساكين.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة، قال: (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب)([77]).

5- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله نائباً لـزيد بن حارثة في غزوة مؤتة، وأبلى فيها بلاءً حسناً. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتل زيد فـجعفر، وإن قتل جعفر فـعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية).

وروى أيضاً بإسناده إلى نافع أن ابن عمر أخبره (أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره: يعني في ظهره)([78]).

هذان الحديثان ظاهرهما التعارض، ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي: في ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وهو محمول على أن الرمي إنما جاء من جهة قفاه أو جانبيه... ووقع في رواية البيهقي في الدلائل: بضعاً وتسعين أو بضعاً وسبعين، وأشار إلى أن بضعاً وتسعين أثبت في قوله: (ليس فيها شيء في دبره) بيان فرط شجاعة جعفر وإقدامه. اهـ([79]).

7- ومن مناقبه: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه مات شهيداً في سبيل الله تعالى وشهد له بذلك. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فـجعفر، فإن أصيب جعفر فـعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً قال: امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير. قال: فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثاب خبر أو ثاب خبر -شك عبد الرحمن - ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيداً، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى استشهد، أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه، فرفع رسول الله أصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره». وقال عبد الرحمن مرة: فانتصر به فيومئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً»([80]).

قال الحافظ ابن كثير: وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. اهـ([81]).

8- ومن مناقبه رضي الله عنه: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه بأن له جناحين يطير بهما مع الملائكة. روى البخاري بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان إذا حيَّا ابن جعفر قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين)([82]).

ففي هذا بيان فضيلة لـجعفر رضي الله عنه، من حيث إطلاق ذي الجناحين عليه، وهي منقبة عظيمة له رضي الله عنه. وتحية ابن عمر لـابن جعفر بقوله: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر وأبي هريرة رضي الله عنهما.

فقد روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هنيئاً لك يا عبد الله بن جعفر، أبوك يطير مع الملائكة في السماء»([83]).

وروى الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة، وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد»([84]).

9- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان ذا مكانة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما بلغه نبأ استشهاده حزن حزناً عظيماً عليه، عرف ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (لما أتى نعي جعفر، عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن)([85]).

وجاء في صحيح البخاري أنه حزن على الأمراء الثلاثة الذين أمرهم في غزوة مؤتة حزناً عظيماً، حتى ظهر أثر الحزن عليه صلى الله عليه وسلم.

فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (لما جاء قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن) الحديث([86]).

10- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بأولاده عناية عظيمة بعد أن استشهد في غزوة مؤتة، فقد قام بزيارتهم وتفقد أحوالهم ودعا لهم. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ثم أتاهم، فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي. قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا إلي الحلاق. فجيء بالحلاق فحلق رءورسنا ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي. ثم أخذ بيدي فأشالهما فقال: اللهم أخلف جعفراً في أهله، وبارك لـعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرار، قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له([87]) فقال: العيلة تخافين وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟»([88]).

وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة)([89]).

وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: (لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابني عباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي. قال: فحملني أمامه، وقال لـقثم: ارفعوا هذا إلي، فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثماً وتركه قال: ثم مسح على رأسي ثلاثاً وقال كلما مسح: اللهم اخلف جعفراً في ولده، قال: قلت لـعبد الله! ما فعل قثم قال: استشهد قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير)([90]).

ذلك هو جعفر بن أبي طالب، وتلك طائفة من مناقبة التي دلت على عظيم مكانته وعلو شأنه وأنه أوتي خيراً كثيراً وفضلاً عظيماً، رضي الله عنه وأرضاه.

 عبد الله بن جعفر:

هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر القرشي الهاشمي([91]) وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية، أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وهو أول من ولد بها من المسلمين، وحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه رضي الله عنه أورضاه. وقد وردت له بعض المناقب دلت على عظيم شأنه وعلو مكانته.

1- فمن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان ممن شملهم شرف الهجرة من الحبشة إلى المدينة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للناس هجرة واحدة ولهم هجرتان. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للناس هجرة ولكم هجرتان»([92]).

2- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان من الذين شبهوا النبي صلى الله عليه وسلم خَلقاً وخُلقاً، ودعا له ولإخوانه عامة، ودعا له خاصة أن يبارك له في تجارته. فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر... أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا إلي ابني أخي، قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا إلي الحلاق، فجيء بالحلاق فحلق رءوسنا ثم قال: أمَّا محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأمَّا عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي. ثم أخذ بيدي فأشالهما فقال: اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لـعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرار...» الحديث([93]).

وروى أبو يعلى والطبراني -كما في مجمع الزوائد([94])- عن عمرو بن حريث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بـعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان أو الصبيان، قال: اللهم بارك له في بيعه أو قال في صفقته».

2- ومن مناقبه رضي الله عنه: إرداف المصطفى عليه الصلاة والسلام له على دابته بين يديه وخلفه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا ثلاثة على دابة)([95]).

وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: (أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فأسر إليَّ حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس)([96]).

ذلك هو عبد الله بن جعفر، وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على فضله وجلالة قدره رضي الله عنه وأرضاه.

1 أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: اسمه المغيرة، أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، وكان قبل إسلامه من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دينه ومن تبعه، وكان شاعراً بارعاً هجا الإسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدته التي مطلعها:

ألا أبلغ أبا سفيان عني                          مغلغلة فقد برح الخفاء

هجوت محمداً وأجبت عنه                      وعند الله في ذلك الجزاء([97])

شهد أبو سفيان حنيناً، وأبلى فيها بلاءً حسناً، وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ، ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الناس إليه وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وشهد له بالجنة، وكان يقول: «أرجو أن تكون خلفاً من حمزة» وهو معدود في فضلاء الصحابة([98]).

قال الذهبي رحمه الله تعالى: تلقى النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلماً، فانزعج النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه؛ لأنه بدت منه أمور في أذية النبي صلى الله عليه وسلم، فتذلل للنبي صلى الله عليه وسلم حتى رق له، ثم حسن إسلامه، ولزم هو والعباس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين إذ فر الناس، وأخذ بلجام البغلة وثبت معه، وكان أخا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتهما حليمة([99]).

وكانت وفاته رضي الله عنه سنة عشرين للهجرة، وكان سبب وفاته أنه حج، فلما حلق الحلاق رأسه، قطع أثلولاً كان في رأسه؛ فلم يزل مريضاً منه حتى مات بعد مقدمه من الحج بـالمدينة سنة عشرين([100]).

وأبو سفيان هذا وردت له بعض المناقب دلت على جلالة قدره وهي:

1- ما رواه الطبراني بإسناده عن أبي حبة البدري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحارث يقاتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي»([101]).

هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لـأبي سفيان بن الحارث، حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من خيار أهل البيت النبوي رضي الله عنهم أجمعين.

2- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكبها، وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين»([102]).

وفي هذا الحديث بيان منقبة عظيمة لـأبي سفيان رضي الله عنه، وهي فرط شجاعته وإقدامه لمناجزة أعداء الدين من المشركين والكافرين، من أجل نصرة الإسلام ورفع رايته.

3- وروى الحاكم أبو عبد الله بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: (أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه كان أحب قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديداً عليه، فلما أسلم كان أحب الناس إليه)([103]).

ففي قول عروة هذا بيان ما حصل لـأبي سفيان بن الحارث من المكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان من أشد الناس عداوة له، فإنه صار بعد ذلك من أحب الناس إليه رضي الله عن أبي سفيان وأرضاه.

4- وروى الحاكم أيضاً بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد فتيان الجنة: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب» قال: (حلقه الحلاق بـمنى وفي رأسه ثؤلول، فقطعه فمات، فيرون أنه شهيد)([104]).

فقول عروة هذا، لا بد أنه سمعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يقوله من تلقاء نفسه، والصحابة لا بد أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا من باب الإخبار بالغيب؛ لأنه متضمن الشهادة لمعين بالجنة، ولا يخبر بهذا إلا المصطفى عليه الصلاة والسلام.

ذلك هو أبو سفيان بن الحارث، وتلك بعض مناقبه، فقد كان من فضلاء الصحابة وأجلهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

1 عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:

هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي الهاشمي، كان إسلامه قديماً قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، هاجر إلى المدينة وشهد بدراً، وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أول راية، وأمره على سرية قبل وقعة بدر، ومات رضي الله عنه عقب غزوة بدر، إذ قطعت رجله فمات بالصفراء رضي الله عنه وأرضاه([105]).

وقد وردت له بعض المناقب دلت على جليل قدره وعظيم مكانته:

1- فمن مناقبه رضي الله عنه: أن أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له رضي الله عنه وأرضاه. ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد لـعبيدة بن الحارث راية، وأرسله في سرية قبل وقعة بدر، فكانت أول راية عقدت في الإسلام([106]).

وأما الواقدي فذكر أن أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لـحمزة([107]).

قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع على رأي من يغاير بين الراية واللواء والله أعلم([108]).

2- ومن مناقبه رضي الله عنه: أنه كان أحد الذين بارزوا يوم بدر، فقد كان في حزب الله الذين قاتلوا في سبيل الله: وهم حمزة وعلي وثالثهم عبيدة بن الحارث، وحزب الشيطان كان يمثله عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة. فقد روى الشيخان وغيرهما عن قيس بن عباد قال: (سمعت أبا ذر يقسم قسماً: إن هذه الآية ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)) [الحج:19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة)([109]).

ففي هذا الحديث منقبة واضحة لـعبيدة بن الحارث، حيث إنه كان من الصحابة الذين أنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأكرم بها من منقبة، فإنها أكسبته منزلة عظيمة وميزة شريفة رضي الله عنه وأرضاه.

وروى أبو داوُد بإسناده إلى حارثة بن مضرب عن علي قال: (تقدم –يعني: عتبة بن ربيعة - وتبعه ابنه وأخوه فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ على شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة)([110]).

3- ومن مناقبه رضي الله عنه: أن سبب وفاته ضربة بسيف في ساقه يوم بدر، ضربه به عتبة بن ربيعة؛ فكانت وفاته رضي الله عنه في سبيل الله. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس، وذكر حديث المبارزة، وأن عتبة بن ربيعة قتل عبيدة بن الحارث مبارزة، ضربه عتبة على ساقه فقطعها، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات بالصفراء منصرفه من بدر، فدفنه هنالك([111]).

ذلك هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فقد كان رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن الذين أخلصوا دينهم لله فقاتل في سبيل الله، نصرة لدين الإسلام حتى فارق الدنيا وهو على ذلك، فرضي الله عنه وأرضاه. والذي أخلص إليه في هذا المبحث أنني ضمنته ذكر فضائل أحد عشر شخصاً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذكور، عدا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه، فإنني كما قلت -في أول هذا المبحث- قد تقدم معنا ذكر فضائله في (الفصل الثالث) من هذا الباب، وهناك أفراد من أهل البيت صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد لهم ذكر فضائل تخصهم، فهؤلاء يكفيهم ما جاء في فضلهم عموماً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يكفيهم ما حصل لهم من شرف الصحبة التي لا يعدلها شيء.

 المبحث الرابع: فضل أهل بيته الإناث:

ويتضمن:

 فضل زوجاته صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين وهن:

1- خديجة رضي الله عنها.

2- سودة رضي الله عنها.

3- عائشة رضي الله عنها.

4- حفصة رضي الله عنها.

5- زينب بنت خزيمة رضي الله عنها.

6- أم سلمة رضي الله عنها.

7- زينب بنت جحش رضي الله عنها.

8- جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.

9- أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها.

10- صفية بنت حيي رضي الله عنها.

11- ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها.

ب) فضل بناته صلى الله عليه وسلم وهن:

ا- زينب رضي الله عنها.

2- رقية رضي الله عنها.

3- أم كلثوم رضي الله عنها.

4- فاطمة رضي الله عنها.

 خديجة رضي الله عنها:

هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي تجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة، تزوجها صلى الله عليه وسلم بـمكة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي([112]) حليف بني عبد الدار، وقد بقيت رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أكرمه الله برسالته، وكانت أول من آمن به من النساء، وصدقته ونصرته، فكانت له وزير صدق، وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، وهي ممن كمل من النساء، فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان عليه الصلاة والسلام يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قبلها، وكل أولاده عليه الصلاة والسلام منها إلا إبراهيم رضي الله عنه، فإنه من سريته مارية رضي الله عنها، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها، فوجد لفقدها، فإنها كانت نعم القرين، فلقد أنفقت عليه صلى الله عليه وسلم من مالها، واتجر فيه لها رضي الله عنها وأرضاها، وكانت وفاتها رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين([113]).

وقد وردت الأحاديث الصحيحة بمناقبها الكثيرة ومن تلك الأحاديث:

1- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمر وقال: (كنت امرءاً تاجراً، وكنت صديقاً للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية، فقدمت لتجارة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب بـمنى، فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي ثم جاءت امرأة فقامت تصلي، ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي، فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، يزعم أنه نبي، ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب، قال عفيف الكندي وأسلم وحسن إسلامه: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ، فيكون لي ربع الإسلام)([114]).

هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وهي أنها كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن لما ثبت: «أن من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء»([115])، وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله عز وجل([116]).

2- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)) [العلق:1-3] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملولي زملولي، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» الحديث([117]).

فهذا الحديث تضمن ذكر منقبة ظاهرة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وهي أنها كانت تقوي قلب النبي صلى الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي عليه، وطمأنته عليه الصلاة والسلام مما كان يخشاه على نفسه، وهونت عليه الأمر، وأنه لا خوف عليه ولا حزن، وأقسمت للنبي صلى الله عليه وسلم على أن الله لا يخزيه ولا يخذله، واستدلت على ما أقسمت عليه بما فيه من صفاته الطيبة من أصول مكارم الأخلاق، التي هي: إحسانه إلى الأقارب والأجانب، إما بالبدن، وإما بالمال، وبينت له أن من وجدت فيه هذه الخصال الحميدة لن يخزيه الله أبداً.

3- ومن مناقبها رضي الله عنها التي انفردت بها دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت)([118]). قال الحافظ: وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر مما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً، وهي نحو الثلثين من المجموع ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن تكدر الضرائر، الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها([119]).

4- ومن مناقبها العظيمة التي شرفت بها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنها خير نساء هذه الأمة المحمدية قاطبة: فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة»([120]).

وعند الإمام مسلم بلفظ «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض([121]).

قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) وأشار وكيع إلى السماء والأرض. أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها، وأن المراد به جميع نساء الأرض، أي: كل من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه([122]).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: الضمير عائد على غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا.

وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم: (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة) والذي يظهر لي أن قوله: (خير نسائها) خبر مقدم، والضمير لـمريم فكأنه قال: مريم خير نسائها أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة. وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها، لما تقدم في أحاديث الأنبياء، في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية» فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لـآسية، كما أثبته لـمريم، فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق، وجاء ما يفسر المراد صريحاً، فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه: «لقد فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين» وهذا حديث حسن الإسناد([123]).

5- ومن مناقبها رضي الله عنها التي دلت على شرفها وجلالة قدرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذكرها بعد موتها، بالثناء عليها والمدح لها، وكان يأتي من العمل ما يسرها في حياتها. فقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة -هلكت قبل أن يتزوجني- لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن)([124]).

وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غِرْتُ على خديجة؛ لكثرة ذكره إياها)([125]).

وروى البخاري رحمه الله بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرْتُ على خديجة، وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)([126]).

في هذه الأحاديث الثلاثة (ثبوت الغيرة، وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت سبب ذلك، وأنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها... وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة... وقولها رضي الله عنها: (وأمره الله أن يبشرها...) إلخ هذا من جملة أسباب الغيرة؛ لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي صلى الله عليه وسلم فيها... وقولها أيضاً رضي الله عنها: (وإن كان ليذبح الشاة...) إلخ، من أسباب الغيرة، لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها، حتى كان يتعاهد صواحباتها، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنها كانت وكانت) أي: كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك([127]).

6- روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق([128])، قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء»([129]).

كل ما ذكر في هذا الحديث مناقب عالية لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكرها والثناء عليها، وكان يعمل بعد موتها ما يسرها في حياتها، حيث كان يصل من يودها بالقول والعمل.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى مبيناً مكانة خديجة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتفع بـخديجة برأيها ومالها ونصرها؛ فرعاها حية وميتة، برها موجودة ومعدومة، وأتى بعد موتها ما يعلم أنه يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه([130]).

7- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن حبه لها كان رزقاً من الله رزقه إياه. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رزقت حبها»([131]).

هذا الحديث فيه بيان فضيلة حصلت لـخديجة رضي الله عنها.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (رزقت حبها)، فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت([132]).

ومن هذا يتبين أن حبه صلى الله عليه وسلم لما تقدم ذكره من الأسباب وهي كثيرة، كل منها كان سبباً في إيجاد المحبة([133]).

8- ومما حظيت به رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوته صوتها، لما وضع الله لها في قلبه من المحبة رضي الله عنها وأرضاها. فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:

(استأذنت هالة بنت خويلد -أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك فقال: (اللهم هالة)، قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها)([134]).

في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب([135]).

فلقد أكرم الرسول صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها إكراماً بالغاً، في حال الحياة وبعد الممات.

10- ومما دل على جلالة قدرها أن الباري جل وعلا أرسل إليها السلام مع جبريل، وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب اللؤلؤ المجوف المنظوم بالدر والياقوت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب».

وروى أيضاً بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: (قلت لـعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ قال: نعم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب)([136]).

هذان الحديثان تضمنا ذكر منقبتين عظيمتين لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها:

- الأولى: إرسال الرب جل وعلا سلامه عليها مع جبريل (وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها)([137]). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: (فاقرأ عليها السلام من ربها ومني)، زاد الطبراني في الرواية المذكورة فقالت: (هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام)، وللنسائي من حديث أنس قال: قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقرئ خديجة السلام يعني فأخبرها فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته»([138])... قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل: (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد (السلام على الله)، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله» فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يرد عليه السلام، كما يرد على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله وهو أيضاً دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول عليه السلام والسلام اسمه؟ ومنه يطلب ومنه يحصل، فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه، فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره، فقالت: وعلى جبريل السلام، ثم قالت: وعليك السلام، ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام وعلى من يبلغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضراً عند جوابها فردت عليه وعلى النبي صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، وقيل: إنما بلغها جبريل عليه السلام من ربها بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم احتراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع له لما سلم على عائشة، لم يواجهها بالسلام بل راسلها مع النبي صلى الله عليه وسلم([139]).

الثانية التي اشتملت عليها تلك الأحاديث لـخديجة رضي الله عنها: هي قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: «وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب»، وببيان معنى هذه المنقبة بأقوال أهل العلم، يتبين حال خديجة وما كانت عليه من القدر العظيم رضي الله عنها. فقوله: (وبشرها ببيت) فقد قال أبو بكر الإسكافي في فوائد الأخبار: المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: (لا نصب فيه) أي: لم تتعب بسببه([140])، وقال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضاً غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالباً بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر([141]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وفي البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)) [الأحزاب:33] قالت أم سلمة: «لما نزلت دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعلياً والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي» الحديث أخرجه الترمذي([142]) وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحسنين من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها. اهـ([143]). وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قصب) قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، قال الحافظ عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن ابن أبي أوفى: يعنى قصب اللؤلؤ، وعنده في الكبير من حديث أبي هريرة (بيت من لؤلؤة مجوفة)، وعنده في الأوسط من حديث فاطمة قالت: قلت يا رسول الله: «أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا؛ من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت»([144]).

قال السهيلي: النكتة في قوله: (من قصب)، ولم يقل من لؤلؤ، أن في لفظ القصب مناسبة؛ لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث([145]).

قال الحافظ ابن حجر: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لـخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط، كما وقع لغيرها([146]).

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صخب فيه ولا نصب) الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب([147]).

وقال أبو بكر بن العربي: لا صخب فيه ولا نصب، معناه: عار عن الأذية([148]) قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين –أعني: المنازعة والتعب- أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعاً، فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير؛ فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها([149]).

11- ومما تميزت به رضي الله عنها: أنها كانت ممن كمل من النساء. قال الحافظ ابن كثير: وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»([150]).

قال ابن كثير: رواه ابن مردويه في تفسيره، وهذا إسناد صحيح إلى شعبة، وبعده قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة: آسية ومريم وخديجة، أن كلاً منهن كفلت نبياً مرسلاً، وأحسنت الصحبة في كفالتها، وصدقته: فـآسية ربت موسى وأحسنت إليه، وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها، وصدقته حين أرسل، وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وبذلت في ذلك أموالها، وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عز وجل([151]).

فهذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لـخديجة رضي الله عنها، حيث إن لفظة الكمال تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه، والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى([152]).

12- ومما تميزت به رضي الله عنها: أنها لم تسؤه قط، ولم تعارضه، ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قط، ولا هجر، وكفى بهذه منقبة وفضيلة([153]).

13- ومن مناقبها: ما رواه الترمذي بإسناده إلى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون»([154]).

قوله: حسبك أي: يكفيك. من نساء العالمين أي: الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن، وذكر محاسنهن ومناقبهن وزهدهن في الدنيا، وإقبالهن على العقبى.

قال الطيبي: حسبك مبتدأ، ومن نساء متعلق به، ومريم خبره، والخطاب إما عام أو لأنس أي: كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة سائر النساء([155]). فالحديث اشتمل على منقبة عظيمة لـخديجة رضي الله عنها، حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من النساء اللاتي بلغن التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى، فأفضل نساء الأمة المحمدية: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وفاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام، وقد اختلف العلماء في تفضيل بعضهن على بعض:

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة. وكأنه رأى التوقف([156]).

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة، أو فاطمة أفضل، إذا حرر محل التفضيل صار وفاقاً، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل، فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب، لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملاً بجوارحه، والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم، فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة، وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب، فلا ريب أن فاطمة أفضل، فإنها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها، وإن أريد السيادة فـفاطمة سيدة نساء الأمة، وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه، صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله؛ تكلم بالجهل والظلم([157]).

وقال الحافظ ابن حجر: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم، فإن لـخديجة ما يقابله، وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعلن على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة([158]).

وقد بيَّن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أقوال العلماء في تفضيل خديجة على عائشة أو العكس، وبيَّن أن في المسألة ثلاثة أقوال فقد قال: واختلف في تفضيلها على عائشة رضي الله عنها على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف، وسألت شيخنا ابن تيمية فقال: اختصت كل واحدة منهما بخاصة، فـخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله، وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها، وعائشة رضي الله عنها تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة، وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم، ما ليس لغيرها، هذا معنى كلامه([159]).

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن أشار إلى الخلاف في أي أفضل: خديجة أم عائشة رضي الله عنهما؟: والحق أن كلاً منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيّره، والأحسن التوقف في ذلك إلى الله عز وجل، ومن ظهر له دليل يقطع به أو يغلب على ظنه في هذا الباب، فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم، ومن حصل له توقف في هذه المسألة، أو في غيرها، فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول: الله أعلم. اهـ([160]).

وقال القاري في المرقاة: قال السيوطي في النقاية: نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وفي التفضيل بينهما أقوال، ثالثها: التوقف، قال القاري: التوقف في حق الكل أولى، إذ ليس في المسألة دليل قطعي، والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنيات على اليقينيات([161]).

وما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والحافظ ابن كثير في مسألة التفضيل بين خديجة وعائشة، هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهو القول بالتوقف، وهو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ لما لكل واحدة منهما من الفضائل التي لا تحصى، والله أعلم.

 سودة:

هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ويقال: حسيل بن عامر بن لؤي، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن فراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة بعد موت خديجة، وقبل العقد على عائشة، هذا قول قتادة وأبي عبيدة، وكذلك روى عقيل عن ابن شهاب، وأنه تزوج سودة قبل عائشة. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة، وكذلك قال يونس عن ابن شهاب، ولا خلاف أنه لم يتزوجها إلا بعد موت خديجة([162]).

قال الذهبي رحمه الله تعالى: (وهي أول من تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وانفردت به نحواً من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بـعائشة، وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، وكانت أولاً عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري، وهي التي وهبت يومها لـعائشة؛ رعاية لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قد فركت([163]) رضي الله عنها([164]).

توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن، وأم المؤمنين سودة وردت لها مناقب دلت على جلالة قدرها ورفعة شأنها رضي الله عنها وأرضاها، وتلك المناقب هي:

1- أنها رضي الله عنها كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: «لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون -وذلك بـمكة -: أي رسول الله ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. قال: فمن البكر؟ قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر؟ قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: فاذهبي فاذكريهما علي...» الحديث([165]). فهي رضي الله عنها من متقدمي الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والمتبعين له.

قال ابن سعد: وأسلمت بـمكة قديماً وبايعت، وأسلم زوجها السكران بن عمرو، وخرجا جميعاً مهاجرين إِلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية([166]).

3- ومن حرصها على البقاء في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، أنها آثرت يومها في القسم حب النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلته لـعائشة إيثاراً منها لرضاه عليه الصلاة والسلام، وحباً في المقام معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة.

فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لـعائشة، ففعل فنزلت: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)) [النساء:128] فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز)([167]).

وروى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لـعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم»([168]).

3- ومن مناقبها رضي الله عنها: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها([169]) من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعائشة قالت: يا رسول الله: قد جعلت يومي منك لـعائشة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لـعائشة يومين: يومها ويوم سودة)([170]).

قال النووي: وقولها: (من امرأة) قال القاضي: (من) هنا للبيان واستفتاح الكلام، ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة، وهي الحِدة بكسر الحاء([171]).

فهذه الأحاديث اشتملت على بيان فضل أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها.

قال العلامة ابن القيم مبيناً وجه الفضل في هذه الأحاديث: فلما توفاها الله -يقصد خديجة - تزوج بعدها سودة بنت زمعة رضي الله عنها... وكبرت عنده وأراد طلاقها، فوهبت يومها لـعائشة رضي الله عنها، فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي صلى الله عليه وسلم تقرباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحباً له، وإيثاراً لمقامها معه، فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك، مؤثرة لرضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنها([172]).

4- ومن مناقبها رضي الله عنها أنها كانت من محبي الإنفاق في سبيل الله.

فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن سيرين (أن عمر بن الخطاب بعث إلى سودة بنت زمعة بغرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم قالت: في الغرارة مثل التمر يا جارية، بلغيني القنع. قال: ففرقتها)([173]).

توفيت رضي الله عنها في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال: ماتت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية([174]).

 عائشة:

هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست، وقيل: سبع، ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة ودخلت السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى، وقيل: في السنة الثانية من الهجرة، وكانت أحب أزواجه إليه، وهي المبرأة من فوق سبع سماوات رضي الله عنها وعن أبيها، وكانت تكنى بـأم عبد الله، كناها رسول الله صلى الله عيه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة سواها، وكانت أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أعلم النساء على الإطلاق، كان الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرجعون إلى قولها ويستفتونها، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه وعنها وعن الصحابة أجمعين([175]).

ومناقبها رضي الله عنها كثيرة مشهورة ومنها:

1- ما رواه البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها...» الحديث([176]).

هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي أنها كانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان عليه الصلاة والسلام ليحب إلا طيباً، وقد قال: «لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل»، فأحب أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. وحبه عليه السلام لـعائشة كان أمراً مستفيضاً([177]).

2- ومن مناقبها رضي الله عنها: أن جبريل أرسل إليها سلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم»([178]).

فهذا الحديث يدل على أن لها فضلاً عظيماً ومنزلة عالية حتى عند الملائكة رضي الله عنها وأرضاها.

3- ومن مناقبها رضي الله عنها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»([179]).

في هذا الحديث بيان فضيلة عائشة رضي الله عنها، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل عائشة زائد على النساء، كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. قال النووي: قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق: ثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة نفعه، والشبع منه، وسهولة مساغه والالتذاذ به، وتيسر تناوله، وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة، وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله، ومن سائر الأطعمة. وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية؛ لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء الأمة. اهـ([180]).

وقال الحافظ رحمه الله تعالى: وتقرير أن قوله: (وفضل عائشة...) إلخ لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيدة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة عليها السلام، جمعاً بين هذا الحديث وبين حديث: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وأحسبه قال: وامرأة فرعون» وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ من حديث ابن عباس([181]).

4- ومن مناقبها رضي الله عنها: أن الله عز وجل لما أنزل على نبيه آية التخيير، بدأ بها فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه، بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)) [الأحزاب:28] إلى ((أَجْراً عَظِيماً)) [الأحزاب:29] قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت»([182]).

هذا الحديث تضمن فضل عائشة لبداءته بها رضي الله عنها.

5- ومن مناقبها رضي الله عنها: أن الملك أرى صورتها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في سرقة([183]) حرير. فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه»([184]).

6- ومن مناقبها العظيمة التي دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها: أن الوحي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها دون غيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام. فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: «كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها»([185]).

هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين اختصت بهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

- المنقبة الأولى: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه نوبتها رضي الله عنها وأرضاها، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما يعلمون من شدة حبه صلى الله عليه وسلم لها.

- المنقبة الثانية: نزول جبريل الأمين بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها، فلله ما أجلها من منقبة وما أعظمها من مكرمة اختصت بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

7- ومن مناقبها رضي الله عنها: شدة حب النبي صلى الله عليه وسلم لها. فقد روى مسلم رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه، قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله، فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش.... فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها([186]) حتى أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: إنها ابنة أبي بكر»([187]).

هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لـعائشة رضي الله عنها، حيث بيَّن عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أنه يحب عائشة، وأشار لها أن عليها محبتها. قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لـعائشة، ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنها ابنة أبي بكر)، فمعناه الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها، والله أعلم([188]).

والعدل الذي طلبه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو التسوية بينهن في محبة القلب، فقد كان صلى الله عليه وسلم مسوياً بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه، وأما محبة القلب فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب عائشة أكثر منهن، وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله سبحانه وتعالى وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال([189]).

8- ومن مناقبها رضي الله عنها التي دلت على عظيم شأنها ورفعة مكانتها: شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، ولما أراد الخروج في غزوة بني المصطلق أقرع بينهن فخرج سهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها وذلك بعد أن نزل الحجاب فحملت عائشة في هودجها، ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة، تجهز للعودة، فلما قرب من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة رضي الله عنها حين آذنوا بالرحيل ومشت حتى جاوزت مكان الجيش، فلما قضت من شأنها أقبلت إلى الرحيل، فلمست صدرها وإذ بعقد لها قد انقطع، فرجعت للبحث عنه، فتأخرت في طلب ذلك العقد، وجاء الرهط الذين كانوا يحملون هودجها فرحلوه على بعيرها الذي كانت تركبه، وهم يظنونها فيه، ولخفتها رضي الله عنها لم يستنكروا عدم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدها رضي الله عنها بعد أن ذهب الجيش، وجاءت إلى مكانهم الذي نزلوه وإذا به ليس فيه داعٍ ولا مجيب، فقصدت مكانها الذي كانت فيه لعلهم يفقدونها ويرجعون إليه، فلم يحصل من ذلك شيء، ولكن الله قيض لها الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي، حيث كان متأخراً عن الجيش، فأصبح عند منزلها فرأى سواد إنسان نائم، فأتى وإذا بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فعرفها فجعل يسترجع حتى استيقظت باسترجاعه، ولم يكلمها رضي الله عنه بأي كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، فأناخ لها راحلته فركبتها، وانطلق يقود بها تلك الراحلة حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهلك في شأنها من هلك، وعصم من ذلك من عصم، وكان الذي تولى كبره في حادثة الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، وأخذ المنافقون في نشر هذه الحادثة يحيكونها بالكذب والبهت حتى تأذى من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أذىً شديداً، ونزل بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الغم والهم ما الله به عليم، حيث تأخر نزول الوحي بتبرئتها شهراً كاملاً، وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يفاتح عائشة في ذلك الأمر وهي عند أبويها،([190]) إلا والوحي ينزل بتبرئتها في عدد من آيات القرآن العظيم من سورة النور، كانت درساً بليغاً لأهل الإيمان، وشهادة من الله بتبرئة أم المؤمنين، وماتت تلك الفتنة يومئذ، ولقي من تخوضوا فيها جزاءهم، والآيات التي نزلت بتبرئتها رضي الله عنها هي قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ)) [النور:11] إلى قوله تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26].

وعدد هذه الآيات لا ينقص عن ثماني عشرة آية، تولى الله فيها الدفاع بنفسه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وبيَّن أن ما رميت به كان إفكاً -وهل الإفك إلا الكذب والبهت والافتراء؟- وحذر من العودة إليه أبداً، وتوعد الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات باللعنة في الدنيا والآخرة، والآية الأخيرة من تلك الآيات هي قوله تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26] يعني أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرعاً ولا قدراً لو كانت خبيثة، وأن الله ما كان ليجعل عائشة زوجاً لرسوله إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر عليه الصلاة والسلام، كما صرح الله ببراءتها في قوله ((أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ)) [النور:26]، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [النور:26]، وليس لهذا من تفسير إلا أن الباري جل وعلا شهد لها بحقيقة الإيمان، وبشرها بالموت عليه لتفوز بعد ذلك بالمغفرة والرزق الكريم في الآخرة، وبعد هذا لا يجوز لإنسان يؤمن بالله وكلماته أن ينسب أم المؤمنين عائشة إلى شيء من الخبث والريبة ومن وقع في مثل هذا فليس من تفسير لصنعه هذا إلا الكفر البواح والردة الصراح.

قال العلامة ابن القيم: ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها بما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم. وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شراً لها، ولا خافضاً من شأنها، بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها، وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها، وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها، حيث قالت: (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها)([191])فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تعلم أنها بريئة منه مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها، قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم([192]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان؛ غار الله لها فأنزل براءتها في... آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان... وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين: وأصحهما أنه يكفر لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله فهي وغيرها منهن سواء([193]).

9- ومما كان تشريفاً وتكريماً لها: ما رواه البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: (جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل فيه للمسلمين بركة)([194]).

في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تضمنها قوله: (جزاك الله خيراً...) إلخ الحديث، فما نزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجاً، وجعله لأمة محمد تخفيفاً وتيسيراً وبركة.

10- ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لحق بالرفيق الأعلى كان في بيتها وبين سحرها ونحرها، وكان مسنداً ظهره إلى صدرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها([195]) فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت عائشة: فلما كان يومي سكن»([196]).

وعند مسلم عنها رضي الله عنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري».

وروى مسلم أيضاً بإسناده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة «أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها، وأصغت إليه وهو يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق». وفي رواية أخرى عنها أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «اللهم الرفيق الأعلى»([197]).

11- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها)([198]).

قال الحافظ الذهبي: قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار رضي الله عنها من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بـعائشة بمديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يتكدر عيشهما، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي صلى الله عليه وسلم وميله إليها، فرضي الله عنها وأرضاها([199]).

12- ومنها: إخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام إياها بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله مَن مِن أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنك منهن. قالت: فخيل إلي أن ذاك أنه لم يتزوج بكراً غيري»([200]).

13- ومنها: أن كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أشكل عليهم الأمر من الدين استفتوها، فيجدون علمه عندها. فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا عائشة، إلا وجدنا عندها منه علماً)([201]).

وقال عروة: (ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة، ولم تروِ امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها).

وقال أبو الضحى عن مسروق: (رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض).

وقال الزهري: (لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه، لكان علم عائشة أفضل).([202]).

وقد أثنى عليها بعض الصحابة بما يبين أنها وجيهة في الدنيا والآخرة، فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عمرو بن غالب: أن رجلاً نال من عائشة عند عمار بن ياسر فقال له: (أغرب مقبوحاً نبوحاً، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم)([203]).

وفي صحيح البخاري عن أبي وائل قال: (لما بعث علي عماراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها)([204]).

قال الحافظ رحمه الله تعالى شارحاً لقول عمار: (إني لأعلم أنها زوجته) أي: زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. وعند ابن حبان من طريق سعيد بن كثير عن أبيه، حدثتنا عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة»، فلعل عماراً كان سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: في الحديث (لتتبعوه أو إياها) قيل: الضمير لـعلي لأنه الذي كان عمار يدعو إليه، والذي يظهر أنه لله، والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه، ولعله أشار إلى قوله: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب:33] فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كانت أم سلمة تقول: (لا يحركني ظهر بعيري حتى ألقى النبي صلى الله عليه وسلم)، والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير، وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس، وأخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنهم أجمعين، وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة، وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه([205]).

وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: (يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر)([206]).

في هذا فضيلة عظيمة لـعائشة رضي الله عنها، حيث قطع لها رضي الله عنه بدخول الجنة، إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف([207]).

وروى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان -حاجب عائشة - (أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت -وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن فقلت: هذا ابن عباس يستأذن فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن- وهي تموت -فقالت: دعني من ابن عباس فقال: يا أماه إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك، فقالت: ائذن له إن شئت، قال: فأدخلته فلما جلس قال: أبشري، فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيباً، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار. فقالت: دعني منك يا ابن عباس، والذى نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً)([208]).

والأحاديث في فضلها ومناقبها كثيرة جداً. وحسبنا هنا ما تقدم.

 حفصة رضي الله عنها:

هي حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهي أخت عبد الله لأبيه، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وكان بدرياً، شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تلد له شيئاً، ولم يشهد من بني سهم بدراً غيره([209]) وولدت رضي الله عنها قبل المبعث بخمس سنين، وتوفيت سنة خمس وأربعين([210]).

وقد وردت مناقبها رضي الله عنها في أحاديث دلت على عظم شأنها ورفعة مكانتها، ومنها:

1- روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر بن الخطاب، فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة([211]).

في هذا منقبة لأم المؤمنين حفصة، وهي أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة التي لا مثل لها في الأجر والثواب.

2- روى البخاري رحمه الله بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بـالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: (أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: فلعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها)([212]).

3- ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه فتح الباري بقوله: ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم([213]) «أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده، فبلغ ذلك النبي، فلما راح إليه عمر قال: يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان وأدل عثمان على ختن خير منك؟ قال: نعم يا نبي الله، قال: تزوجني بنتك وأزوج عثمان بنتي». قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به، لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة، فرد عليه: قد بدا لي أن لا أتزوج، قلت: أخرج ابن سعد([214]) من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه، وزاد في آخره: فخار الله لهما جميعاً([215])، ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولاً إلى عمر، فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها، وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها، ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها، فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك، ورد على عمر بجميل([216]).

4- روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلَق حفصة تطليقة... فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل، فتجلببت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل عليه السلام فقال: راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة، وأنها زوجتك في الجنة»([217]).

في هذا الحديث تنبيه على فضلها، والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام، والإخبار بأنها زوجته صلى الله عليه وسلم في الجنة.

قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: (طلقها تطليقة ثم ارتجعها، وذلك أن جبرائيل عليه السلام قال له: راجع حفصة، فإنها قوامة وصوامة، وأنها زوجتك في الجنة)([218]). وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وأنها زوجتك في الجنة»([219]).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى: (وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام له بذلك، وقال: إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة)([220]).

وكل ما تقدم من ذكر مناقبها رضي الله عنها، يدل على أنها كانت على جانب عظيم من رفعة مكانتها وجلالة قدرها، رضي الله عنها وأرضاها.

 زينب بنت خزيمة رضي الله عنها:

هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يقال لها: أم المساكين؛ لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد بـأحد فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كانت تحت الطفيل بن الحارث بن المطلب، ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وكان دخوله صلى الله عليه وسلم بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبث عنده عليه الصلاة والسلام إلا شهرين أو ثلاثة ثم ماتت([221]).

قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة وتوفيت رضي الله عنها([222]).

وقال الزهري رحمه الله تعالى: (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة وهي أم المساكين، سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين، وهي من بني عامر بن صعصعة، وتوفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي)([223]).

وقال محمد بن إسحاق: (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، وكانت قبله عند الحصين، أو عند الطفيل بن الحارث مات بـالمدينة، أول نسائه موتاً)([224]).

وقال الحافظ ابن كثير: وهي التي يقال لها: أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشّاً، دخل بها في رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها([225]).

وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة وإن كان لم يرد لها مناقب تخصها على الانفراد مثل بقية أمهات المؤمنين سواها، فإنه يكفيها نزول القرآن فيهن على وجه العموم، ومخاطبة الرب لهن جميعاً. مثل قوله تعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6] وقوله: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ)) [الأحزاب:32]. وقوله عز شأنه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)) [الأحزاب:33-34].

قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ)) [الأحزاب:33] (نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة). وقال عكرمة: (من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم)([226]).

كما يكفيها فخراً وشرفاً أنها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي ضرب عليهن الحجاب، واللاتي هن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة أربع للهجرة([227]) رضي الله عنها وأرضاها.

 أم سلمة رضي الله عنها:

اسمها هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية مشهورة بكنيتها معروفة باسمها، كان أبوها يلقب زاد الراكب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زاداً بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس، وكانت أولاً تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها عبد الله بن عبد الأسد خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة إحدى وستين رضي الله عنها وأرضاها([228]).

وقد جاء ذكر مناقبها في أحاديث كثيرة منها:

1- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها، قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها؛ فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتاً، وأنا غيور فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة»([229]).

2- شرفت رضي الله عنها برؤية جبريل، حيث رأته عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: «أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأم سلمة: من هذا؟ -أو كما قال– قالت: هذا دحية، فلما قام قالت: والله ما حسبته الا إياه حتى خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل -أو كما قال- قال أبي: قلت لـأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد»([230]).

قال النووي: قوله: (إن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية) هو بفتح الدال وكسرها، وفيه منقبة لـأم سلمة رضي الله عنها، وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك، ويرونهم على صورة الآدميين؛ لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى جبريل على صورة دحية غالباً، ورآه مرتين على صورته الأصلية([231]).

وقال العلامة ابن القيم: ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي عنده، فرأته في صورة دحية الكلبي([232]).

3- شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها على خير، فقد روى الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33] في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله قال: أنت على مكانك وأنت على خير»([233]).

قال صاحب تحفة الأحوذي: (أنت على مكانك وأنت على خير)، يحتمل أن يكون معناه: أنت خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي، ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء، كأنه منعها عن ذلك لمكان علي، وأن يكون المعنى: أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتى، كذا في اللمعات. قلت: الاحتمال الأول هو الراجح، بل هو المتعين([234]).

4- كرمها الله بالصواب والسداد فيما تشير به، ومن ذلك ما أشارت به على النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حينما أمر أصحابه أن يحلقوا رءوسهم وينحروا هديهم، فتثاقلوا ذلك طمعاً منهم في أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت رضي الله عنهم وأرضاهم. فقد روى البخاري بإسناده من حديث طويل عن المسور ومروان وفيه: «فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً»([235]).

فهذه الأحاديث المتقدمة التي ذكر فيها فضل أم سلمة أم المؤمنين، كلها دلت دلالة واضحة على أنها كانت جليلة القدر عظيمة المكانة رضي الله عنها وأرضاها. وهي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم موتاً، وقيل: بل ميمونة([236]).

 زينب بنت جحش رضي الله عنها:

هي زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أخت حمنة، من المهاجرات الأول، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا)) [الأحزاب:37] وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزلت: ((ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)) [الأحزاب:5] وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأته، وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه، بحيث يتوارثان إلى غير ذلك. وكانت زينب رضي الله عنها من سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً رضي الله عنها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة عشرين([237]).

ومناقبها رضي الله عنها نطق بها الكتاب والسنة فمنها:

1- شهادة الرب جل وعلا لها بحقيقة الإيمان. قال تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)) [الأحزاب:36] فالمراد بالمؤمنة في هذه الآية زينب رضي الله عنها.

قال السيوطي: أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها قالت: لست بناكحته قال: بلى فانكحيه قالت: يا رسول الله، أوامر في نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً)) [الأحزاب:36] قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً وقال: نعم، قالت: إذن لا أعصي رسول الله قد أنكحته نفسي»([238]).

2- مما أكرمها الله وشرفها به أن تولى بنفسه تزويجها بنبيه من فوق سبع سموات، بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة وانقضت عدتها، وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانت تقول لهن: (زوجكن أهاليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات). فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: «جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات».

وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء)([239]).

وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـزيد: «فاذكرها علي قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن...» الحديث([240]).

وقد حكى الله جل وعلا تزويجه إياها بنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)) [الأحزاب:37].

قال الذهبي رحمه الله تعالى: (فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق عرشه)([241]).

قال الحافظ في بيان قوله تعالى في الآية: ((وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)) [الأحزاب:37]: والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابناً، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم... وقد أخرج الترمذي([242]) من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: (لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:37] -يعني بالإسلام- ((وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:37] -بالعتق- ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)) [الأحزاب:37] إلى قوله: ((قَدَراً مَقْدُوراً)) [الأحزاب:38]، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: ((مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)) [الأحزاب:40] الآية وكان تبناه وهو صغير، قلت: حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد، فأنزل الله تعالى: ((ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ)) [الأحزاب:5] -إلى قوله - ((وَمَوَالِيكُمْ)) [الأحزاب:5)]([243]).

3- ومما حظيت به وكان تكريماً لها من ربها: أن آية الحجاب نزلت حين تزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت معه في البيت، صنع طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون، فأنزل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)) [الأحزاب:53] إلى قوله: ((مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)) [الأحزاب:53] فضرب الحجاب وقام القوم)([244]).

فزواجها رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم كان السبب في نزول آية الحجاب.

4- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً، قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق»([245]).

وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: «أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا؛ فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله عز وجل»([246]).

قال النووي رحمه الله تعالى: معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية وهي الجارحة، فكن يذرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن؛ فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود... وفيه معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنقبة ظاهرة لـزينب، ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد، يوهم أن أسرعهن لحاقاً سودة، وهذا الوهم باطل بالإجماع([247]).

5- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها من حديث طويل، وفيه قالت عائشة: (فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أرَ امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة([248]) من حد، كانت فيها تسرع منها الفيئة([249])...) الحديث([250]).

فلقد وصفت عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين زينب بنت جحش بصفات عظيمة، كلها جامعة لمكارم الأخلاق وأصول الفضائل التي طابعها البر والتقوى، وكل صفة منها منقبة ظاهرة لأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها. كما وصفتها عائشة رضي الله عنها وصفاً عظيماً في حديث الإفك الطويل، حيث قالت رضي الله عنها: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري: ما علمت؟ أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً. قالت عائشة: وهي التى كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب([251]) لها: فهلكت فيمن هلك)([252])هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: قالت رضي الله عنها: (وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك)([253]).

ففي هذين النصين فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين زينب رضي الله عنها.

قال الإمام الذهبي: ويروى عن عمرة عن عائشة قالت: (يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها ونطق به القرآن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: أسرعكن لحوقاً أطولكن باعاً، فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة)([254]).

ومناقبها رضي الله عنها التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة جداً رضي الله عنها وأرضاها.

 جويرية بنت الحارث:

هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جديمه وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، لما غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق غزوة المريسيع في سنة خمس أو ست، وسباهم؛ وقعت جويرية رضي الله عنها في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها رضي الله عنها على نفسها، وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت منه أن يعينها على ما كاتبها عليه ثابت بن قيس، فعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم ما هو خير لها في العاجل والآجل، وهو أن يؤدى عنها ما كاتبها عليه ثابت بن قيس رضي الله عنه ويتزوجها، فوافقت على ذلك وأسلمت، وتزوجها سيد الخلق، وأطلق لها الأسارى من قومها، وكانت قبله عليه الصلاة والسلام تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، وقتل عنها في غزوة المريسيع([255]).

وقد وردت لها مناقب في بعض الأحاديث دلَّت على فضلها وعظم شأنها، ومنها ما يلي:

1- مما أكرمت به رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى عنها كتابتها وتزوجها، وكان ذلك صداقاً لها. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لـثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له([256]) فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة([257]) لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لـثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك من خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة([258]) أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها»([259]).

هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة، وميزة شريفة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، حيث إن المصطفى عليه الصلاة والسلام اتخذها زوجة له بعد أن أسلمت، وصارت بذلك أماً للمؤمنين، وكان زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم خيراً لها ولقومها، فما أن علم الصحابة الكرام رضي الله عنهم بزواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا وأطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها؛ إجلالاً وتعظيماً لسيد الخلق عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم صاروا أصهاره لما تزوج بـجويرية رضي الله عنها، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها).

2- ومما شرفت به: أن تسميتها بهذا الاسم الذي عرفت به وهو جويرية إنما هو تسمية نبوية، سماها به النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة)([260]).

3- كانت رضي الله عنها من المكثرات للعبادة، الذاكرات الله ذكراً كثيراً. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن جويرية «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»([261]). فلقد نالت جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها بدخولها في الإسلام وزواجها بخير البرية فضلاً عظيماً وخيراً كثيراً رضي الله عنها وأرضاها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة خمسين للهجرة، وقيل: سنة ست وخمسين للهجرة([262]).

 أم حبيبة بنت أبي سفيان:

اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تكنى أم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، ولدت رضي الله عنها قبل البعثة بسبعة عشر عاماً، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم تحت عبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، ولقد أصيب زوجها بالخذلان فارتد عن الإسلام ودخل في النصرانية، وفارقها وذلك من فضل الله تعالى عليها ليتم لها الإسلام والهجرة، وأبدلها الله عز وجل من هو أفضل من كل البشر: محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة أربع وأربعين للهجرة([263]) رضي الله عنها وأرضاها.

ولقد وردت لها بعض المناقب التي دلت على علو مكانتها وجليل قدرها رضي الله عنها وأرضاها، وتلك المناقب هي:

1- مما حظيت به رضي الله عنها: أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فارة بدينها رضي الله عنها وأرضاها. فقد روى ابن سعد والحاكم عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: (قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك، وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له، فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات، فأري في النوم كأن آتياً يقول: يا أم المؤمنين ففزعت، فأولتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فدخلت عليّ فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن أزوجكه فقالت: بشركِ الله بخير، قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته...) الحديث([264]).

في هذا بيان فضيلة ظاهرة لـأم حبيبة رضي الله عنها، وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة.

وقال ابن سعد: وكان عبيد الله بن جحش هاجر بـأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فتنصر وارتد عن الإسلام، وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها([265]).

وقال الحافظ ابن كثير: أسلمت قديماً، وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر هناك زوجها، وثبتت على دينها رضي الله عنها([266]).

2- ومما فيه تنويه بشأنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث من يخطبها له إلى الحبشة.

فقد روى الحاكم بإسناده إلى جعفر بن محمد بن علي عن أبيه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت تحت عبيد الله بن جحش فزوجها إياه، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار»([267]).

قال أبو جعفر محمد بن جرير: (فما نرى عبد الملك بن مروان وقَّت صداق النساء أربعمائة دينار إلا لذلك)([268]).

روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (كم أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصفاً، فذلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وعليه العمل، وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالاً لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع؛ لاستعانة النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك([269]).

قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة.... هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بـالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة، وولي نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص([270]).

قال الذهبي: (وهي من بنات عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس في أزواجه من هي أقرب نسباً إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عُقد له صلى الله عليه وسلم عليها بـالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربعمائة دينار، وجهزها بأشياء)([271]).

4- ومما زاد في قدرها وعلو شأنها: أنها أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة؛ لعقد الهدنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين قريش، ومنعته من الجلوس عليه؛ لأنه كان يومئذ على الشرك، ولم يكن قد أسلم. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: (لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزو مكة، فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر)([272]).

5- أنها كانت شديدة الخوف من الله جل وعلا، ومن العابدات الورعات. فقد روى ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: (دعتني أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك، فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك) وتوفيت سنة أربعة وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما([273]).

1 صفية بنت حيي:

هي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام. كانت في إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر، فصارت صفية مع السبي، فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأعتقها وتزوجها، كانت رضي الله عنها سيدة شريفة عاقلة فاضلة، ذات حسب وجمال ودين رضي الله عنها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه([274]).

وقد وردت أحاديث كثيرة بذكر مناقبها رضي الله عنها وأرضاها منها:

1- من إكرام الله لها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث طويل عن أنس رضي الله عنه في غزوة خيبر وفيه قال: «وأصبناها عنوة([275]) وجمع السبي، فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: اذهب فخذ جارية. فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك قال: ادعوه بها قال: فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها... قال: وأعتقها وتزوجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له([276]) من الليل، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً...» الحديث([277]).

وعند الإمام مسلم أيضاً من حديث أنس، وفيه قال: (ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها، قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها([278]) وهي صفية بنت حيي... قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد، قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير؛ فعرفوا أنه قد تزوجها) الحديث([279]).

هذان الحديثان اشتملا على بيان فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية رضي الله عنها، حيث أكرمها الله عز وجل بالدخول في الإسلام، وكتب لها الزواج برسول صلى الله عليه وسلم، حيث صارت بذلك في أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.

والحديثان يوهم ظاهرهما التعارض، إذ الأول يفيد أنه صلى الله عليه وسلم أذن لـدحية في أخذه جارية من السبي فأخذ صفية فاستردها منه، والثاني يفيد أنها وقعت في سهمه واشتراها بسبعة أرؤس، وقد ذكر الجمع بينهما الحافظ حيث قال: قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار، فإنه أخذها من دحية قبل القسم، والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع، بل على سبيل النفل، قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية، وعنده أيضاً فيه: فاشتراها من دحية بسبعة أرؤس، فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه جارية فأذن له أن يأخذ جارية فأخذ صفية فلما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها بنت ملك من ملوكهم، ظهر له أنها ليست ممن توهب لـدحية؛ لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بها فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها([280]) فلم تطب نفسه، فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.

وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، وأصله في مسلم: (صارت صفية لـدحية، فجعلوا يمدحونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطى بها دحية ما رضي)([281]).

2- ومما دل على عظيم شأنها وجلالة قدرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع لها ركبته لتصعد من عليها للركوب على البعير حال رجوعه عليه الصلاة والسلام من غزوة خيبر، فكانت تجله وتكرمه عليه الصلاة والسلام من أن تضع رجلها على فخذه، وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: (قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له حال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، كانت عروساً فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنع حيساً في نطع صغير، ثم قال لي: آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب)([282]).

وقال الحافظ ابن حجر: ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة: (فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لها فخذه لتركب، فأجلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضع رجلها على فخذه، فوضعت ركبتها على فخذه وركبت)([283]).

3- روى محمد بن سعد بأسانيده في حديث طويل وفيه: لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء وهي على بريد من خيبر نزل بها هناك فمشطتها أم سليم وعطرتها. قالت أم سنان الأسلمية: (وكانت من أضوأ ما يكون من النساء، فدخل بأهله، فلما أصبح سألتها عما قال لها؟ فقالت: قال لي: ما حملك على الامتناع من النزول أولاً، قالت: خشيت عليك من قرب اليهود، فزادها ذلك عنده، وذكرت أنه سُرَّ بها ولم ينم تلك الليلة، لم يزل يتحدث معها)([284]).

فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية رضي الله عنها، فلقد خشيت على النبي صلى الله عليه وسلم من غدر اليهود إن هو نزل منزلاً قريياً من خيبر؛ لأنها خبيرة بكيد اليهود وشدة بغضهم وحقدهم على الإسلام والنبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك امتنعت من النزول في المنزل الأول الذي كان يبعد عن خيبر ستة أميال، ولما بلغ الصهباء نزل بها وسألها عن سبب امتناعها عن النزول أولاً؛ أوضحت له أنها تخشى عليه من اليهود، فزادها ذلك منزلة ورفعة عنده عليه الصلاة والسلام، وكل هذا ناشئ عن الإيمان الصادق الذي أنساها قتل أبيها وزوجها من أجل كفرهما بالله وصدهما عن سبيل الله. ولذلك سُرَّ بها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلم ينم تلك الليلة، بل استمر في مبادلتها الحديث رضي الله عنها وأرضاها.

4- ورد التنويه بشرف نسبها فيما رواه أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة»([285]).

فهذا النص النبوي تضمن ذكر فضيلة ظاهرة لـصفية رضي الله عنها، حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من سلالة نبوية فقد هوّن عليها ما بلغها من أم المؤمنين حفصة، حيث بيَّن لها أنها ابنة نبي وهو هارون بن عمران عليه السلام، وأن عمها لنبي وهو موسى بن عمران عليه السلام، وأنها لتحت نبي وهو أفضل البشر وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ففيم تفخر عليك؟) أي: في أي شيء تفخر حفصة عليك، ومع أن كلمة حفصة رضي الله عنها كلمة صحيحة بالنظر إلى أبيها، لم يرضها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن التفاخر من عادات الجاهلية، ولذلك حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

5- ومما هو مفخرة في حقها: مدح النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصدق. فقد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: «أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزنها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مضمضن، فيقلن: من أي شيء يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها لصادقة»([286]).

6- ومنها: ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال: وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة، وروينا أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت: (إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر فسألها فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً وأنا أصلها، قال: ثم قالت للجارية: وما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة)([287]).

7- لما اجتمع أهل الفتنة على الخليفة الثالث ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وحصروه في الدار، وقطعوا عليه الماء والطعام، كان لها رضي الله عنها موقف طيب تذكر به في الآخرين، فقد حاولت بقدر استطاعتها إيصال الماء والطعام إلى عثمان رضي الله عنه. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى كنانة بن نبيه -مولى صفية - قال: (كنت أقود بـصفية لترد على عثمان، فلقيها الأشتر([288])، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني لا يفضحني هذا، قال الحسن في حديثه: ثم وضعت خشباً من منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الماء والطعام)([289]).

فقد كانت رضي الله عنها من سيدات النساء عبادة وورعاً وزهادة وبراً وصدقة، رضي الله عنها وأرضاها.

1 ميمونة بنت الحارث:

هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة من حمير، وقيل: من كنانة، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي رهم بن عبد العزى، وقيل: عند سبرة بن أبي رهم هذا، وقيل: عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية، زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها، وهي أخت أم ولده أم الفضل بنت الحارث الهلالية لأبيها وأمها، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بـسرف على عشرة أميال من مكة، وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم([290]).

ولقد وردت مناقبها رضي الله عنها في أحاديث دلَّت على أنها كانت من سادات النساء رضي الله عنها وأرضاها.

1- من تلك الأحاديث: ما أخرجه ابن سعد بإسناده إلى علي بن عبد الله بن عباس قال: «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى مكة عام القضية، بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلى العباس فزوجه ميمونة، فأضلا بعيريهما فأقاما أياماً بـبطن رابغ حتى أدركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بـقديد وقد ضما به بعيريهما، فسارا معه حتى قدم مكة، فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له، وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم([291])، فجاء رسول الله منزل العباس، فخطبها إلى العباس، فزوجها إياه»([292]).

2- وروى أيضاً بإسناده إلى سليمان بن يسار: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة»([293]).

3- وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، جعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم»([294]).

في هذه الأحاديث الثلاثة منقبة عظيمة لأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وأرضاها؛ فقد كرمها الله عز وجل بأن جعلها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواجه عليه الصلاة والسلام في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

4- روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله تزوج ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وأقام بـمكة ثلاثاً، فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا، قال: «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعاماً فحضرتموه؟ قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج بـميمونة بنت الحارث رضي الله عنها حتى أعرس بها بـسرف»([295]).

5- روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت في بعث مرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب فأتني بـميمونة، فقلت: يا رسول الله إني في البعث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يجب ما أحب؟ فقلت: بلى، قال: فاذهب فأتني بها، فذهبت فجئته بها»([296]).

6- إن تسميتها باسم ميمونة، إنما سماها بهذا الاسم المبارك الميمون المصطفى صلى الله عليه وسلم. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان اسم خالتي ميمونة برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة)([297]).

7- شهد لها المصطفى عليه الصلاة والسلام بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها رضي الله عنها. فقد روى الحاكم بإسناده أيضاً إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمى بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن»([298]).

هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، وأخواتها اللاتي ذكرن معها رضي الله عنهن وأرضاهن.

8- روى أبو يعلى بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: (ثقلت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بـمكة وليس عندها أحد من بني أخيها، فقالت: أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أني لا أموت بـمكة، قال: فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها في موضع الفيئة قال: فماتت، فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد، فأخذه ابن عباس فرمى به)([299]).

فقد شاء الله تعالى لها أن تموت في المكان الذي بنى بها فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد بنى بها بـسرف، وماتت رضي الله عنها في نفس المكان الذي بنى بها فيه. وفي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم لها بأنها لا تموت بـمكة وفهمها لذلك منقبة ظاهرة لها، ولذلك طلبت أن يخرجوها من مكة رضي الله عنها وأرضاها.

9- ومن مناقبها رضي الله عنها: ما رواه ابن سعد والحاكم عن يزيد بن الأصم قال: (تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن طلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها، وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه، فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله([300])، ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله تبارك وتعالى ساقك حتى جعلك في بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمي بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم)([301])([302]).

فقد شهدت عائشة أم المؤمنين لـميمونة رضي الله عنها بصفتين عظيمتين من صفات عباد الله المخلصين: هما تقوى الله التي هي فعل المأمور وترك المنهي، وصلة الرحم التي هي أصل من أصول الأخلاق التي حث الله عباده على صلتها وعدم قطعها.

وجزم الحافظ ابن كثير بأنها توفيت سنة إحدى وخمسين([303]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وكانت وفاة ميمونة سنة إحدى وخمسين، ونقل ابن سعد عن الواقدي أنها ماتت سنة إحدى وستين، قال: وهي آخر من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. ولولا هذا الكلام الأخير لاحتمل أن يكون قوله: وستين وهماً من بعض الرواة، ولكن دل أثر عائشة الذي حكاه عنها يزيد بن الأصم أن عائشة ماتت قبل الستين بلا خلاف، والأثر المذكور صحيح، فهو أولى من قول الواقدي، وقد جزم يعقوب بن سفيان بأنها ماتت سنة تسع وأربعين، وقال غيره: ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين، وكلاهما غير ثابت، والأول أثبت([304]).

فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة([305]).

قال العلامة ابن القيم: قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع ولم يدخل بهن.... فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن، ومات عنهن صلى الله عليه وسلم. اهـ([306]).

ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية([307]).

هؤلاء أمهات المؤمنين اللاتي يجب على كل مسلم الإقرار والاعتراف بفضلهن، وأنهن أمهات المؤمنين كما أطلق الله ذلك عليهن، وأن من طعن فيهن أو واحدة كان فاسقاً حائداً عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو بكر الباقلاني: ويجب أن يعلم أن أخير الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل الصحابة العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عن الجميع وأرضاهم، ونقر بفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك نعترف بفضل أزواجه رضي الله عنهن، وأنهن أمهات المؤمنين كما وصفهن الله تعالى ورسوله، ونقول في الجميع خيراً، ونبدع ونضلل ونفسق من طعن فيهن أو في واحدة منهن؛ لنصوص الكتاب والسنة في فضلهم ومدحهم والثناء عليهم، فمن ذكر خلاف ذلك كان فاسقاً مخالفاً للكتاب والسنة، نعوذ بالله من ذلك([308]).

 فضل بناته صلى الله عليه وسلم:

 فضل زينب رضي الله عنها:

هي زينب بنت سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد، وكانت أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدة قيل: إنها عشر سنين، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي خالة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولدت زينب لـأبي العاص علياً وأمامة، فتوفي علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم([309]).

ولقد وردت مناقبها رضي الله عنها في جملة من الأحاديث وهي كما يلي:

1- روى ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدراً مع المشركين، فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع، وبعثت معه زينب بنت رسول الله -وهي يومئذ بـمكة - بقلادة لها كانت لـخديجة بنت خويلد من جزع ظفار -وظفار جبل بـاليمن - وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم يا رسول الله» فأطلقوا أبا العاص بن الربيع، وردوا على زينب قلادتها، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل([310]).

2- وروى أبو القاسم الطبراني والبزار عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة([311]) خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة، أو ابن كنانة فخرجوا في طلبها، فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها، فتحملت، واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية، فقال بنو أمية: نحن أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول: هذا في سبب أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـزيد بن حارثة: «ألا تنطلق فتجيء بـزينب. قال: بلى يا رسول الله. قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه. فانطلق زيد فلم يزل يتلطف فلقي راعياً فقال: لمن ترعى، فقال: لـأبي العاص فقال: لمن هذه الغنم، فقال: لـزينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم، فسار معه شيئاً ثم قال: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم، فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيره، قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه، حتى إذا أتت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي خير بناتي أصيبت فيَّ»([312]).

3- وروى البزار بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وكنت فيهم، فقال: إن لقيتم هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو فأحرقوهما. وكانا نخسا بـزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت، فلم تزل ضبنة([313]) حتى ماتت، ثم قال: إن لقيتموهما فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله)([314]).

وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وأن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموها فاقتلوهما»([315]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ووقع في رواية ابن إسحاق: «إن وجدتم هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق، فحرقوهما بالنار» يعني: زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة، ثم أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وشرط عليه أن يجهز له ابنته زينب، فجهزها، فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه، فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك، والقصة مشهورة عند ابن إسحاق([316]) وغيره... إلى أن قال: وقد أسلم هبار هذا، فلم تصبه السرية، وأصابه الإسلام فهاجر([317]).

4- روى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع، أن خذي لي أماناً من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: «أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم»([318]).

ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لـزينب رضي الله عنها، حيث قبل جوارها لزوجها، وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، هو أنه يجير على المسلمين أدناهم، ولو كان امرأة.

5- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: «لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً، واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا غسلتنها فأعلمنني. قالت: فأعلمناه فأعطانا حقوه([319]) وقال: أشعرنها([320]) إياه»([321]).

هذه الأحاديث المتقدمة كلها اشتملت على بيان مناقب عالية لـزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانت ممن تقدم إسلامهم، وممن حظي بشرف الهجرة، وممن أوذي في الله، وصبرت على ذلك وتحملت الأذى في ذات الله، وإيماناً بما عنده من الثواب والجزاء العظيم على ذلك، كما دلت هذه الأحاديث على أنه كان لها منزلة عظيمة عند أبيها صلى الله عليه وسلم وكانت وفاتها رضي الله عنها في أول السنة الثامنة للهجرة([322]).

 رقية رضي الله عنها:

هي رقية بنت سيد البشر صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ولدت رضي الله عنها سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها صلى الله عليه وسلم.

قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً أن زينب أكبر بناته صلى الله عليه وسلم، واختلف فيمن بعدها منهن، ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاثين سنة، وولدت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وثلاثين سنة([323]).

وكانت رضي الله عنها ممن تقدم إسلامهم، فقد قال محمد بن سعد: وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها حين بايعه النساء([324]). وكانت رضي الله عنها قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب ففارقها([325]) قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) [المسد:1] قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد، وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما([326]).

ولما فارقها عتبة بن أبي لهب أبدلها الله بزوج كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن المبشرين بالجنة، وهو ذو النورين عثمان، فقد روى أبو القاسم الطبراني بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي قال: (كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله تبارك وتعالى: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) [المسد:1] سأل النبي صلى الله عليه وسلم عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك فطلقها، فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية، وتوفيت عنده)([327]).

وقال ابن شهاب: فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية بـمكة، وهاجرت إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابناً فسماه عبد الله، فكان يكنى به، وقال مصعب: كان عثمان يكنى في الجاهلية أبا عبد الله، فلما كان الإسلام ولد له من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام سماه عبد الله واكتنى به، فبلغ الغلام ست سنين، فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وقال غيره: توفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، وهو ابن ست سنين، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته أبوه عثمان رضي الله عنهما([328]).

وقد وردت طائفة من الأحاديث والآثار التي فيها ذكر بعض المناقب لـرقية رضي الله عنها ومنه ما يلي:

1- كانت رضي الله عنها في صدارة من شرفوا بفضل الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى هجرة الحبشة، قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم([329]).

وروى ابن المبارك من طريق قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه قال: «خرج عثمان بـرقية إلى الحبشة مهاجراً فاحتبس خبرهما فأتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فأخبرته أنها رأتهما فقال: منحهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله»([330]).

ففي هذا منقبة لـعثمان وزوجه رقية، حيث إن عثمان أول من هاجر بأهله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

3- لما مرضت رضي الله عنها أمر المصطفى عليه الصلاة والسلام زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: «... وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه»([331]).

وقال الزبير بن بكار: كانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب ففارقها، فتزوج عثمان بن عفان رقية بـمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له عبد الله وبه كان يكنى، وقدمت معه إلى المدينة، وتخلف عن بدر عليها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهمان أهل بدر، قال: «وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك»([332]).

وقال الحافظ ابن كثير: وأما رقية فكان قد تزوجها أولاً ابن عمها عتبة بن أبي لهب، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)) [المسد:1-5]، فتزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال: إنه أول من هاجر إليها، ثم رجعا إلى مكة وهاجرا إلى المدينة، وولدت له ابنه عبد الله، فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينيه فمات، وبه كان يكنى أولاً، ثم اكتنى بابنه عمرو، وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بـبدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة -وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب([333])، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهمه وأجره، ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضاً، ولهذا كان يقال له: ذو النورين، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئاً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت عندى ثالثة لزوجتها عثمان» وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كن عشراً لزوجتهن عثمان»([334]).

وما تقدم من الآثار وبعض الأحاديث، كلها تدل على فضل رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أراد الله جل وعلا ألا تبقى بضعة من المصطفى عليه الصلاة والسلام في عصمة كافر، فقد أخرج الله ابنتيه رقية وأم كلثوم من عصمة ابني أبي لهب، وكتب الله لـرقية أن تتزوج بعد مفارقة ابن أبي لهب لها برجل كريم تستحي منه الملائكة، فكان نعم الزوج لها ونعمت الزوجة له، هاجرا معاً إلى أرض الحبشة ليحصلا على مكان يعبدان الله تعالى فيه ليأمنا من اعتداء أهل الكفر والإشراك بالله، ورغبة صادقة منهما في حصول ثواب الهجرة الذي لا يعدله شيء، وكانت لها رضي الله عنها منزلة عظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم، يدل عليها إذنه عليه الصلاة والسلام لـعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة عظمى يخوضها جيش الإيمان مع جيش الكفر والشرك الذي جاء من مكة، وأمره أن يتأخر لتمريضها رضي الله عنها، وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله تعالى يوم القيامة كمن حضر الغزوة، كل ذلك تعظيم لشأن رقية رضي الله عنها وأرضاها، ولما لها من المكانة العالية عنده صلى الله عليه وسلم.

 أم كلثوم رضي الله عنها:

هي البضعة النبوية الثالثة أم كلثوم بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أمها خديجة بنت خويلد، كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج بـأم كلثوم قبل البعثة، فلم يدخل عليها حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أبوه بفراقها لما أنزل الله تعالى: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) [المسد:1] قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته. ففارقها، ولم يكن دخل بها، فلم تزل بـمكة مع أبيها عليه الصلاة والسلام، وأسلمت حين أسلمت أمها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخواتها حين بايعه النساء، وهاجرت إلى المدينة فلم تزل بها، ولما توفيت أختها رقية زوجها النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن عفان، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة، فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئاً([335]).

وقد وردت لها مناقب دلت على أنها ذات منزلة ومقام رفيع رضي الله عنها وأرضاها، وهي كما يلي:

1- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر حيث قال: وكان عثمان رضي الله عنه إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها، فسكت عثمان عنه؛ لأنه قد كان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدل عثمان على من هو خير له منها، وأدلها على من هو خير لها من عثمان» فتزوج رسول الله حفصة، وزوج عثمان أم كلثوم([336]).

روى البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: «شهدنا بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان، قال: فقال: هل منكم رجل لم يقارف([337]) الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل، قال: فنزل في قبرها»([338]).

قال الحافظ: قوله: (شهدنا بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم هي أم كلثوم زوج عثمان) رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في الطبقات([339]) في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة([340])، كذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك([341]). قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم بـبدر، ولم يشهدها، قلت: وهم حماد في تسميتها فقط، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد في ترجمة أم كلثوم([342]) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة([343]).

3- ما رواه ابن سعد في ترجمتها من أنها رضي الله عنها لما ماتت صلى على جنازتها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى بإسناده إلى أسعد بن زرارة قال: (صلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد)([344]).

فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لـأم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان عليه الصلاة والسلام إمام المصلين على جنازتها، وكفى بها منقبة وميزة شريفة لما في دعائه المبارك لها بالرحمة والمغفرة ورفع درجتها في الجنة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة تسع للهجرة([345]).

 فاطمة رضي الله عنها:

هي فاطمة بنت إمام المتقين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد، كانت تكنى بأم أبيها([346])، وقد اختلف العلماء في بناته عليه الصلاة والسلام في أيتهن أصغر، قال أبو عمر بن عبد البر: والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار، ترتيب بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء([347]). ولدت رضي الله عنها وقريش تبني الكعبة قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم([348])، زوجها النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر، وولدت له الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم وزينب، وقد تزوج الفاروق عمر رضي الله عنه بـأم كلثوم بنت علي من فاطمة في أيام خلافته، وأكرمها إكراماً زائداً، وأصدقها أربعين ألف درهم؛ لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب([349])، ومناقب فاطمة رضي الله عنها كثيرة شهيرة، ومنها ما يلي:

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها حباً شديداً، ويسر لسرورها ويغضب لغضبها رضي الله عنها. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى بريدة رضي الله عنه قال: (كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ومن الرجال علي)([350]).

2- روى أيضاً بإسناده إلى المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما فاطمة شجنة([351]) مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها»([352]).

وقد غضب لها عليه الصلاة والسلام لما همَّ علي رضي الله عنه بخطبة ابنة أبي جهل، وأعلن غضبه ذلك من على المنبر.

3- روى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها([353])، ويؤذيني ما آذاها»([354]).

4- وبلفظ آخر عند مسلم قال: «إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال: إن فاطمة مني، وإني أتخوف أن تفتن في دينها، قال: ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً»([355]).

5- وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحاًً ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال: «أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد مضغة([356]) مني، وإنما أكره أن يفتنوها، وإنها والله لا تجمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً» قال: فترك علي الخطبة([357]).

6- روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»([358]).

7- روى أبو عيسى الترمذي بسنده إلى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن علياً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها»([359]).

هذه الأحاديث كلها اشتملت على بيان فضل فاطمة رضي الله عنها، وبيان منزلتها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانتها عنده عليه الصلاة والسلام، كما دلت هذه الأحاديث على تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال، وعلى كل وجه، وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو حي، وهذا بخلاف غيره، وقد أعلم صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لـعلي بقوله صلى الله عليه وسلم: (لست أحرم حلالاً)، ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين:

- إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة.

- والثانية: خوف الفتنة علها بسبب الغيرة، وقيل: ليس المراد به النهي، بل معناه: أعلم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، وتحمل أن المراد تحريم جمعهما، ويكون معنى (لا أحرم حلالاً) أي: لا أقول شيئاً يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئاً لم أحرمه، وإذا حرمه لم أحلله ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله([360]). وصهره الذي أثنى عليه من بني عبد شمس: هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب رضي الله عنها. قال الحافظ: قوله: (حدثني فصدقني)، لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك علي، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن علياً نسي ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلَّ أن يواجه أحداً بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة عليها السلام، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخر من بنات النبي صلى الله عليه وسلم غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها([361]).

8- روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي»([362]).

ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لـفاطمة رضي الله عنها، وهي أن تزويجها من علي كان بإيحاء من الله جل وعلا.

9- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع رجله بيني وبين فاطمة رضي الله عنها، فعلَّمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا فقال: يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، قال علي: والله ما تركتها بعد، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين؟ قال علي: ولا ليلة صفين»([363]).

ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لـفاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما.

10- روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون»([364]).

وأيضاً ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة خطوط وقال: أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وأحسبه قال: وامرأة فرعون»([365]).

11- وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في مرضه الذي توفي فيه: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيد نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين»([366]).

12- وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب مناقب فاطمة رضي الله عنها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»([367]).

13- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران»([368]).

فهذه الأحاديث دلت على أن فاطمة رضي الله عنها ذات منزلة عظيمة، وقدر رفيع في الدنيا والآخرة، حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بأنها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.

14- روى الترمذي بإسناده إلى أم سلمة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي([369]) أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([370]).

وفي هذا منقبة ظاهرة لـعلي وفاطمة والحسن والحسين، حيث جللهم بكسائه، ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبيناً معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم هؤلاء أهل بيتي...) إلخ الحديث، ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به، وهم: علي وفاطمة رضي الله عنهما، وسيدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله، ليسبغها عليهم، ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه([371]).

وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن فاطمة رضي الله عنها من فضليات النساء اللاتي بلغن الذروة في الفضل؛ لتحقيقهن الإيمان الكامل، وعملهن الأعمال الصالحة التي ترضي الله جل وعلا، فكن من أهل الدرجات العلا.

15- فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فلما رآها رحب بها فقال: مرحباً بابنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكاء شديداً، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره، قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى، فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت»([372]).

هذا الحديث اشتمل على مناقب رفيعة لـفاطمة رضي الله عنها، وهي مشابهتها في مشيها مشية أبيها عليه الصلاة والسلام، وترحيبه بها، وإجلاسه لها عن يمينه أو عن شماله، واختصاصها بالمسارَّة دون نسائه رضي الله عنهن، ولما رأى حزنها ظهر عليها بما أسره إليها بشرها ببشارة بدلت حزنها فرحاً. وهي قوله لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة» فزال حزنها وفرحت بهذه المنزلة العظيمة التي أكرمها الله بها من بين النساء.

قال النووي رحمه الله تعالى: قولها: (فأخبرني أني أول من يلحق به من أهله فضحكت) هذه معجزة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم، بل معجزتان، فأخبر ببقائها بعده وبأنها أول أهله لحاقاً به، ووقع كذلك، وضحكت سروراً بسرعة لحاقها، وفيه إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا([373]).

17- روى الترمذي بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلىالله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلىالله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها...) الحديث([374]).

فقد وصفتها بصفات حميدة، كلها مناقب تزيد من قدرها ورفعة مكانتها، فقد بينت أنها تشبه النبي صلىالله عليه وسلم هيئة وطريقة وحسن حال، وأشارت رضي الله عنها بالسمت إلى ما كان يظهر عليها من الخشوع والتواضع لله، وبالهدى إلى ما كانت تتحلى به من السكينة والوقار، وإلى ما كانت تسلكه من المنهج المرضي، وبالدل إلى حسن خلقها ولطف حديثها رضي الله عنها([375]).

18- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلىالله عليه وسلم قالت: (ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها، إلا أن يكون الذي ولدها)([376]).

وهذا الوصف منها أيضاً لسيدة نساء المؤمنين منقبة ظاهرة، إذ من التزم الصدق قولاً وعملاً كان قائده إلى عمل البر، وإذا عمل البر كان قائده إلى طريق الجنة.

وكل ما تقدم ذكره من الأحاديث التي اشتملت على ذكر مناقب لـفاطمة رضي الله عنها، كلها دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها، كما دلت على بيان درجتها العالية التي اختصت بها دون سائر نساء العالمين، وهي أنها سيدة نساء المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهي رضي الله عنها أفضل أخواتها على الإطلاق، ولا يعترض بقوله صلى الله عليه وسلم في حق زينب رضي الله عنها: «هي خير بناتي، أصيبت([377]) فيّ» فإن معنى هذه العبارة أنها (من أفضل بناتي)؛ لأن الأخبار ثابتة صحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء هذه الأمة، وكذلك أخبر أنها سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران([378]) وقد تقدم.

قال العلامة ابن القيم: وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة، فإنها تأخرت بعده بستة أشهر، فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضلت به على نساء العالمين، وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل: إنها أفضل نساء العالمين([379]).

وقال الحافظ ابن حجر عند قوله صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»: وفيه أنها أفضل بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بـزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وفي آخره قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي أفضل بناتي، أصيبت فيّ» فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدماً، ثم وهب الله لـفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقاً، والله أعلم([380]).

ومما يرجح أفضليتها على أخواتها أنهن متن قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فكن في صحيفته عليه الصلاة والسلام، وأما فاطمة رضي الله عنها فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم قبلها، فكان في صحيفتها رضي الله عنها، فكان مصابها فيه أعظم فصبرت واحتسبت رضي الله عنها. كما أوصاها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بإسناده إلى فاطمة رضي الله عنها قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا عند عائشة، فناجاني فبكيت... وفيه أنه قال لها: وإنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين بمثل ما رزئت، ولا تكوني دون امرأة صبراً قالت: فبكيت، ثم قال: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول. فتوفي عامه ذلك»([381])، وهي رضي الله عنها أول من توفي بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته باتفاق أهل العلم، حتى من أزواجه([382])، حيث لم تلبث بعده إلا ستة أشهر، كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر)([383]).

والذي أخلص إليه في هذا الفصل الذي اشتمل على فضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يثبتون لهم كل ما صح في فضلهم عموماً وخصوصاً، ويعتقدونه اعتقاداً جازماً، ولا يبخسونهم منه شيئاً، بل يرعون لهم حرمتهم وقرابتهم من رسول الله، ويوالونهم ويحبونهم لإسلامهم وسبقهم، وحسن بلائهم في نصرة دين الله عز وجل.

وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معتقد الفرقة الناجية في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال في سياق عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي»([384]).... ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»([385]).

وقال الحافظ ابن كثير: ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم: كـالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين([386]).

والذي نخلص إليه في هذا الباب: أن أهل السنة والجماعة يؤمنون إيماناً صادقاً بفضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعتقدون أنهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وأن الله تعالى اصطفاهم لنصرة خاتم أنبيائه، وشرح صدورهم، وحبب إليهم مؤازرته والقتال معه، فسبقوا الناس إلى الايمان به، وتحملوا العذاب في مكة، وصبروا عليه، ولما أمرهم الله بالهجرة تركوا الأهل والمال والعشيرة والبلد، وهاجروا حباً في الله عز وجل وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا دونه، وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيله عز وجل، حتى أظهر الله تبارك وتعالى دينه، وصدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وأكرمهم الله تعالى فرضي عنهم، وبشرهم بالجنة وبشرهم رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن لم يتولهم فليس له حظ في الإيمان، ومن قال بكفرهم فلا شك في كفره، أبغض الله من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم.


([1]) الطبقات لابن سعد (3/8-19)، الجرح والتعديل (3/212)، صفة الصفوة (1/0 37-377)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/270-276)، أسد الغابة (2/46-50)، تهذيب الأسماء واللغات (1 /168-169)، سير أعلام النبلاء (1/171-184)، الإصابة (1/353).
([2]) (3/9) المستدرك (3/187).
([3]) المستدرك (3/193) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([4]) صحيح مسلم (4/2323).
([5]) المستدرك (3/386-387) ثم قال: لقد صح الحديث بهذه الروايات عن علي، كما صح عن أبي ذر الغفاري وإن لم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([6]) المستدرك (3/199) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([7]) المستدرك (3/194) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([8]) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7/367).
([9]) المستدرك (3/196) ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([10]) المستدرك (2/387) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وانظر المصنف لابن أبي شيبة (13/107)، فضائل الصحابة للنسائي (ص92)، الدر المنثور للسيوطي (2/371).
([11]) طبقات ابن سعد (4/5-33)، الجرح والتعديل (6/210)، المستدرك (3/321)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (3/94-101)، صفة الصفوة (1 /506-510)، مجمع الزوائد (9/268)، تهذيب التهذيب (5/214-215)، الإصابة (2 /263)، أسد الغابة (3/109-112).
([12]) أورده الهيثمي في المجمع (9/268) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
([13]) سنن الترمذي (5/317) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، المستدرك (3/325) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (4/24).
([14]) تحفة الأحوذي (10/265).
([15]) المستدرك (3/332) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([16]) صحيح مسلم (4/676-677).
([17]) المسند (4/165)، والترمذي في سننه (5/317-318)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك (3/333).
([18]) النهاية في غريب الحديث (3/57).
([19]) المستدرك (3/324-325). ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([20]) المستدرك (3/330-331) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([21]) المستدرك (3/329-330) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([22]) صحيح مسلم مع شرح النووي (12/113-117).
([23]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (2 / 494.
([24]) فتح الباري (2/497).
([25]) البداية والنهاية (8/317-318)، وانظر أنساب الأشراف (3/27)، كتاب المعرفة والتاريخ (1/241)، الجرح والتعديل (5/116)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/342)، أسد الغابة (3 /192)، حلية الأولياء (1/314-328)، صفة الصفوة (1/746-758)، تهذيب التهذيب (5/276)، الإصابة (2/322-326).
([26]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (1/244).
([27]) فتح الباري (1/244-245).
([28]) صحيح البخاري (1/25)، ورواه أحمد في المسند انظر الفتح الرباني (22/292).
([29]) فتح الباري (1/170).
([30]) صحيح مسلم (4/1927).
([31]) شرح النووي على صحيح مسلم (16 /37).
([32]) المسند مع الفتح الرباني 22 /292).
([33]) المسند مع الفتح الرباني (22/292)، وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/276)، وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ولأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح. اهـ. ورواه الحاكم في المستدرك (3/534) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([34]) الطبقات (2/365).
([35]) المسند مع الفتح الرباني (22/292).
([36]) المسند مع الفتح الرباني (22/292)، وانظر البداية والنهاية لابن كثير (8/320)، فقد قال رحمه الله: تفرد به أحمد، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا، ومنهم من أرسله عن عكرمة، والمتصل هو الصحيح، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس. اهـ.
([37]) سنن الترمذي (5 /344).
([38]) تحفة الأحوذي (10/337).
([39]) صحيح البخاري (2/306)، سنن الترمذي (5/344).
([40]) فتح الباري (1/170) (7 /100).
([41]) أي: بجواره.
([42]) أي: تأخرت.
([43]) المسند مع الفتح الرباني (22/293)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/284) ثم قال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (3/534) ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([44]) فحطأني حطأة: أي: ضربه بيده مبسوطة بين كتفيه.
([45]) صحيح مسلم (4/2010).
([46]) المسند مع الفتح الرباني (22/294)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9 /276) ثم قال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح.
([47]) مجمع الزوائد (9/277)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات.
([48]) صحيح البخاري (3/222).
([49]) فتح الباري (1/170).
([50]) البداية والنهاية (8/321).
([51]) الطبقات (2/369).
([52]) الطبقات (2/370).
([53]) الطبقات (2/372).
([54]) الطبقات الكبرى (2 /369-370).
([55]) البداية والنهاية (8/323).
([56]) المستدرك (3/535)، الطبقات (2/366).
([57]) السحوق: هي النخلة الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. النهاية في غريب الحديث (2/347).
([58]) طبقات ابن سعد (2/370).
([59]) طبقات ابن سعد (4/54)، التاريخ الكبير (7 /114)، التاريخ الصغير (1/36)، الجرح والتعديل (7 /63)، المستدرك (3/274)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (3 /202-204)، أسد الغابة (3 /183)، الإصابة (3/208)، تهذيب التهذيب (8/280).
([60]) تلمع: أي: تشير بيدها. النهاية (4/271).
([61]) أوساخ الناس: أي أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فهي كغسالة الأوساخ.
([62]) صحيح مسلم (2 /752-753).
([63]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (3 /404)، صحيح مسلم (2/931)، المستدرك (3/275).
([64]) أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة (3/203).
([65]) انظر مجمع الزوائد (9/271-272).
([66]) البداية والنهاية (4/285)، وانظر الجرح والتعديل (2 /482)، حلية الأولياء (1 /114-118)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (1/211-214)، أسد الغابة (1/386) تهذيب الأسماء واللغات (1/148-149)، سير أعلام النبلاء (1/206-217)، الإصابة (1/239-240).
([67]) المسند مع الفتح الرباني 22 /214)، صحيح البخاري مع فتح الباري (7/499) من رواية البراء رضي الله عنه.
([68]) كذبت: هنا بمعنى: أخطأت، وليس المراد بها شتم الفاروق وسبه، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أطهر الناس ألسنة من بذيء الكلام، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأهل الحجاز يقولون: كذبت، في موضع أخطأت. اهـ. فتح الباري (7/64).
([69]) البعداء البغضاء قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين؛ لأنهم كفار إلا النجاشي، وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم. اهـ. شرح النووي على صحيح مسلم 16 /65).
([70]) صحيح مسلم (4 /1946-1947).
([71]) الكور: رحل الناقة بأداته، وهو كالسرج وآلته للفرس. النهاية في غريب الحديث (4/208).
([72]) المسند (2/213-214) وفيه يعني الجود والكرم، سنن الترمذي (5/320) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه النسائي في فضائل الصحابة، (ص86)، والحاكم في المستدرك (3/209) وقال: صحيح على شرط البخاري، وأقره الذهبي.
([73]) البداية والنهاية (4/286).
([74]) الحبير: قال في النهاية: الحبير من البرود، وما كان موشياً مخططاً. (1/328)، وانظر فتح الباري (7/76).
([75]) العكة: ظرف السمن. وقوله: ليس فيها شيء مع قوله: فنلعق ما فيها لا تنافي بينهما؛ لأنه أراد بالنفي أي: لا شيء فيها يمكن إخراجه منها بغير قطعها، وبالإثبات ما يبقى في جوانبها. فتح الباري (7/76).
([76]) صحيح البخاري مع الفتح (7/75).
([77]) فتح الباري (7/76).
([78]) الحديثان في صحيح البخاري (3/58).
([79]) فتح الباري (7 /512)، وانظر البداية والنهاية لابن كثير (4/274).
([80]) المسند (5/299)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/156) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة.
([81]) البداية والنهاية (4/285).
([82]) صحيح البخارى (3/58).
([83]) مجمع الزوائد (9/273) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن، وأورده الحافظ في فتح الباري (7/76) وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن.
([84]) المستدرك (3/212) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([85]) المستدرك (3/209) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([86]) صحيح البخاري مع شرح فتح الباري (7 /512).
([87]) تفرح له أي: ذكرت له صلى الله عليه وسلم يتم أولادها وثقل مئونتهم، وما ستلقاه من العناء في تربيتهم. انظر النهاية، (3/424).
([88]) المسند مع الفتح الرباني (22/213-214)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/156-157) ثم قال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.
([89]) صحيح مسلم (4/1885).
([90]) المسند مع الفتح الرباني (22/215)، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (2/280): أخرجه أحمد وغيره. مسند قوي.
([91]) انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/266-267)، أسد الغابة (3/132-135)، سير أعلام النبلاء (3/456-462)، البداية والنهاية (9/36)، الإصابة (2/280-281).
([92]) المستدرك (3/566) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([93]) المسند (1/204)، ورواه النسائي مختصراً (8/182).
([94]) المجمع (9 /286) ثم قال: رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثفات.
([95]) صحيح مسلم (4/1885).
([96]) صحيح مسلم (4/1886).
([97]) انظر طبقات ابن سعد (4 /49-54)، أسد الغابة (5 / 215)، المستدرك (3/255)، سير أعلام النبلاء (1 /202)، البداية (7 /114).
([98]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/84).
([99]) سير أعلام النبلاء (1/203).
([100]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4 /85).
([101]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/274)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن.
([102]) المستدرك (3/255) ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([103]) المستدرك (3/255)، وهذا مرسل، ولعله أخذه عن أبيه أو غيره من الصحابة.
([104]) المستدرك (3/255)، وأورده الحافظ في الإصابة (4/60) وقال: أخرجه الحاكم أبو أحمد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن عروة عن أبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة)، ثم ساق كلام عروة بكامله ثم قال: هذا مرسل رجاله ثقات. اهـ.
([105]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (2/436-438)، الإصابة (2/442)، أسد الغابة (3/356-357).
([106]) سيرة ابن هشام (1/595).
([107]) مغازي الواقدي (1/9).
([108]) الإصابة (2/442).
([109]) صحيح البخاري (3/5)، صحيح مسلم (4/2323).
([110]) سنن أبي داوُد (2 /49).
([111]) المستدرك (3/187-188) ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([112]) وقيل: كانت قبله عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ثم خلف عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول أبي عمر بن عبد البر. انظر الاستيعاب على الإصابة (40 /272).
([113]) طبقات ابن سعد (1/131)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4 / 271-281)، أسد الغابة (5/434)، تاريخ الإسلام (1/41)، مجمع الزوائد (9/218-225)، فتح الباري (7/134)، الإصابة (4/273-276).
([114]) المستدرك (3/183) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([115]) الحديث في صحيح مسلم (4/2059).
([116]) فتح الباري (7/137).
([117]) صحيح البخاري (1/6-7).
([118]) صحيح مسلم (4/1889).
([119]) فتح الباري (7/137).
([120]) صحيح البخاري (2/315).
([121]) صحيح مسلم (4/1886).
([122]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/198).
([123]) فتح الباري (7/135).
([124]) صحيح البخاري (2/315)، صحيح مسلم (4 /1888).
([125]) صحيح مسلم (4 /1889).
([126]) صحيح البخاري (2/315).
([127]) فتح الباري (7/136-137).
([128]) قال النووي: معناه: عجوز كبيرة جداً، حتى قد سقطت أسنانها من الكبر، ولم يبق لشدقها بياض شيء من الأسنان، إنما بقي فيها حمرة لثاتها. قال القاضي: قال المصري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها، لا عقوبة عليهن فيها؛ لما جبلن عليه من ذلك، ولهذا لم تزجر عائشة عنها. قال القاضي: وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها، ولعلها لم تكن بلغت حينئذ. اهـ. شرح النووي 15 /202).
([129]) المسند مع الفتح الرباني (20/240-241)، وأورده الهيثمي في المجمع (9/224) وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.
([130]) عارضة الأحوذي بشرح الترمذي (14/252).
([131]) صحيح مسلم (4/1888).
([132]) شرح النووي على صحيح مسلم 15 /201).
([133]) انظر فتح الباري (7/137).
([134]) صحيح البخاري (2/316)، صحيح مسلم (4 /1889).
([135]) انظر شرح النووي (15 /202).
([136]) صحيح البخاري (2/315-316).
([137]) زاد المعاد في هدي خير العباد (1/105).
([138]) فضائل الصحابة (ص198).
([139]) فتح الباري (7/139)، وانظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله محمد الغنيمان (2 /369-370).
([140]) الروض الأنف (1/278)، فتح الباري (7/138).
([141]) الروض الأنف (1 /278-279)، فتح الباري (7/138).
([142]) سنن الترمذي (5/30-31).
([143]) فتح الباري (7/138).
([144]) فتح الباري(7/138).
([145]) الروض الأنف (1/279)، فتح الباري (7/138).
([146]) فتح الباري (7/138).
([147]) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (3/14)، (5/62)، فتح الباري (7/138).
([148]) عارضة الأحوذي (14/252).
([149]) الروض الآنف (1 /279)، وانظر فتح الباري (7/138).
([150]) البداية والنهاية (3/142).
([151]) البداية والنهاية (3/142).
([152]) شرح النووي (15/198).
([153]) جلاء الأفهام (ص125).
([154]) سنن الترمذي (5/267) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
([155]) تحفة الأحوذي بشرح الترمذي 10 /389).
([156]) ذكره عنه الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (7 /109).
([157]) بدائع الفوائد (3/161-162)، وانظر فتح الباري (7/109).
([158]) فتح الباري (7/109).
([159]) جلاء الأفهام (ص124)، وانظر بدائع الفوائد (3/162-163).
([160]) البداية والنهاية (3/142).
([161]) المرقاة (5/615).
([162]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/317)، أسد الغابة (5/484-485)، الإصابة (4/430-431).
([163]) فركت: قال في اللسان: (10/474): وامرأة مفركة: لا تحظى عند الرجال.
([164]) سير أعلام النبلاء (2 /266-267).
([165]) الإصابة (4/348-349)، والحديث طويل جداً، وفيه أن خولة ذهبت وخطبت عائشة رضي الله عنها، واستجاب لذلك الصديق وزوجه إياها، وهي حينئذ بنت ست سنين، ثم ذهبت إلى سودة وخطبتها للنبي صلى الله عليه وسلم ورضيت بالنبي زوجاً لها، ودخل بها عليه الصلاة والسلام في مكة، وهاجرت بعد ذلك إلى المدينة لما هاجر إليها. والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (6/210)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/411-412) وأورده الحافظ ابن كثير في البداية (3 /146-154)، والهيثمي في المجمع (9/225).
([166]) طبقات ابن سعد (8/52).
([167]) سنن الترمذي (4/315) ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.
([168]) صحيح البخاري (2 / 91).
([169]) قال ابن الأثير في النهاية (2/389): كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها، ومسلاخ الحية جلدها والسِّلخ بالكسر: الجلد.
([170]) صحيح مسلم (2/1085).
([171]) شرح النووي على صحيح مسلم (10 /48).
([172]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص125).
([173]) انظر الطبقات (8/56).
([174]) الطبقات (8/57)، الاستيعاب على الإصابة (4/318)، سير أعلام النبلاء (2/267)، الإصابة (4/331).
([175]) طبقات ابن سعد (8/58)، حلية الأولياء لأبي نعيم (2/43)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/345-351)، أسد الغابة (5/501-504)، سير أعلام النبلاء (2 /135-201)، البداية والنهاية (8/98-102)، الإصابة (4/348-350)، تهذيب التهذيب (12/433).
([176]) صحيح البخاري (2/290).
([177]) سير أعلام النبلاء (2/142).
([178]) صحيح البخاري (2/308).
([179]) صحيح البخاري (2/308)، صحيح مسلم (4/1896).
([180]) شرح النووي (15/199).
([181]) فتح الباري (7/107)، والحديث في المستدرك (3/185) وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأقره الذهبي.
([182]) صحيح البخاري في شرحه، فتح الباري. (8/520).
([183]) سرقة حرير: أي: في قطعة من جيد الحرير، وجمعها سرق، النهاية في غريب الحديث (2/362).
([184]) صحيح البخاري (3/247)، صحيح مسلم (4/1889-1890).
([185]) صحيح البخاري (2/308-309).
([186]) لم أنشبها: أي أنحيت عليها أي: لم ألبث أن قمعتها وقهرتها. انظر النهاية في غريب الحديث، (5/52)، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (15 /207).
([187]) صحيح مسلم (4/1891).
([188]) شرح النووي على صحيح مسلم (15 /207).
([189]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/205).
([190]) انظر قصة الإفك على سبيل التفصيل في صحيح البخاري (3/163-166)، صحيح مسلم (4/2129-2137).
([191]) جزء من حديث الإفك، انظر صحيح البخاري (3 /165).
([192]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص126).
([193]) البداية والنهاية (8/99)، وانظر تفسير القرآن العظيم (5/76).
([194]) صحيح البخاري (2/308).
([195]) انظر سير أعلام النبلاء (2/189)، البداية والنهاية (8/99).
([196]) صحيح البخاري (2/308).
([197]) هذه الأحاديث الثلاثة في صحيح مسلم (4 /1893-1894).
([198]) صحيح البخاري (2/315).
([199]) سير أعلام النبلاء (2/165).
([200]) المستدرك (4 /13) ثم قال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([201]) سنن الترمذي (5/365) وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.
([202]) انظر هذه الآثار في سير أعلام النبلاء (2 /183) وما بعدها، البداية والنهاية (8/100).
([203]) سنن الترمذي (5/365) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
([204]) صحيح البخاري (2/308).
([205]) فتح الباري (7 / 108.
([206]) صحيح البخاري (2/308).
([207]) انظر فتح الباري (7 /108) عمدة القاري (16/251).
([208]) المسند مع الفتح الرباني 22 /126).
([209]) تاريخ ابن جرير (3 /164).
([210]) انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد (8/81-86)، المستدرك (4/14)، حلية الأولياء (2 /50، 51)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/260-261)، صفة الصفوة (1/146)، أسد الغابة (5/425)، جلاء الأفهام (ص127)، سير أعلام النبلاء (2/227-231)، البداية والنهاية (8/33)، الإصابة (4/264-265).
([211]) الطبقات الكبرى لابن سعد (8/81).
([212]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (9/175-176)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (8 / 82).
([213]) المستدرك (3/107) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
([214]) الطبقات (8 / 82).
([215]) الطبقات (8/83).
([216]) فتح الباري (9/176-177).
([217]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9 /245) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
([218]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4 /261).
([219]) جلاء الأفهام (ص127).
([220]) سير أعلام النبلاء (2/228).
([221]) انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد (8 /115-116)، المستدرك للحاكم (4/33-34)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/305-306)، أسد الغابة (5/466)، العبر (1 /5،) سير أعلام النبلاء (2/218)، مجمع الزوائد (9 /248)، الإصابة (4 /309).
([222]) جلاء الأفهام (ص137).
([223]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/248)، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
([224]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/248)، وعزاه إلى الطبراني حيث قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
([225]) البداية والنهاية (4/102).
([226]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6 /603)، وانظر جامع البيان للطبري (22/8).
([227]) انظر البداية والنهاية (4/102)، الإصابة (4/309).
([228]) انظر ترجمتها في الطبقات لابن سعد (8/86-96)، الجرح والتعديل (9/464)، المستدرك للحاكم (4/16-19)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/405-408)، أسد الغابة (5/588-589)، سير أعلام النبلاء (2/201-210)، البداية والنهاية (8/132)، مجمع الزوائد (9/245)، الإصابة (4/407-408).
([229]) صحيح مسلم (2 /632).
([230]) صحيح البخاري مع فتح الباري (9/3)، صحيح مسلم (4 /1906)، واللفظ للبخاري.
([231]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/8).
([232]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص136).
([233]) سنن الترمذي (4/31) وقال عقبه: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة.
([234]) تحفة الأحوذي (9/66).
([235]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (5/332).
([236]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص136)، زاد المعاد (1/114).
([237]) انظر ترجمتها في الطبقات الكبرى لابن سعد، (8/101-115)، المستدرك (4/23-25) حلية الأولياء لأبي نعيم (2/51-54)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/306-310)، أسد الغابة (5/463)، سير أعلام النبلاء (2/211-218)، البداية والنهاية (7/115)، التهذيب (12/420)، الإصابة (4/307-308)، مجمع الزوائد (9/246-248)، كنز العمال (13/700-704).
([238]) الدر المنثور (6/609)، تفسير ابن جرير (22 /11)، تفسير ابن كثير (5/463).
([239]) الحديثان في صحيح البخاري (4/281).
([240]) صحيح مسلم (2/1048-1049).
([241]) سير أعلام النبلاء (2 /211).
([242]) سنن الترمذي (5/31-32).
([243]) فتح الباري (8/524).
([244]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/527).
([245]) صحيح مسلم (4 /1907).
([246]) المستدرك (4/25) وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([247]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/8-9).
([248]) ما عدا سورة من حد: أي شدة الخلق وثورانه. انظر النهاية في غريب الحديث (2/420)، شرح النووي (15/206).
([249]) الفيئة: الرجوع، ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب، تسرع منها الرجوع أي: إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعاً، ولا تصر عليه، شرح النووي (15 /206).
([250]) صحيح مسلم (4/1891-1892).
([251]) وطفقت أختها حمنة تحارب لها أي: جعلت تتعصب لها، فتحكي ما يقوله أهل الإفك، شرح النووي (17/113).
([252]) صحيح مسلم بشرح النووي (17/113).
([253]) صحيح البخاري (3/168).
([254]) سير أعلام النبلاء (2/215).
([255]) طبقات ابن سعد (8/116-120)، المستدرك (4/25-28)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/251-254)، أسد الغابة (5/419-420)، مجمع الزوائد (9/250)، البداية والنهاية (8/53-54)، تهذيب التهذيب (12/407)، الإصابة (4/257-258).
([256]) وقع في (مغازي الواقدي) (1/410) وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له، وأن ثابتاً خلصها من ابن عمه بنخلات له في المدينة.
([257]) ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام: أي شديده الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/355)، وكنت به عائشة عن جمالها.
([258]) (مئة أهل بيت) جاء في عون المعبود: (كذا بالإضافة أي: مئة طائفة، كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل: مائة هم أهل بيت؛ لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت، وليس مراداً، وقد روي أنهم أكثر من سبعمائة (قاله الزرقاني)، عون المعبود (10/444)، وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني (3/345).
([259]) سيرة ابن هشام (2/294-295)، كتاب السير والمغازي لابن إسحاق (ص263)، والحديث أخرجه أحمد في المسند من طريق ابن إسحاق (6/277) وأبو داوُد في سننه (2/347) والبيهقي في السنن الكبرى (9/74)، وقال صاحب عون المعبود: قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار، ثم قال صاحب عون المعبود: قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس بن بكير عنه، وأخرجه أحمد في المسند. اهـ، عون المعبود (10/441)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ابن إسحاق حسن الحديث، إلا أنه لا يحتج به إذا خولف. اهـ، فتح الباري (4/32). وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين: أحدهما: أن يصرح بالحديث، وأن لا يخالف من هو أوثق منه. اهـ. (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي. (ص82). وبهذا يعلم أن الحديث إسناده صحيح وهو حسن لذاته.
([260]) صحيح مسلم (3/1687).
([261]) صحيح مسلم (4/2090).
([262]) الطبقات الكبرى لابن سعد (8/120)، وسير أعلام النبلاء (2/463)، البداية والنهاية لابن كثير (8 /54)، مجمع الزوائد (9/250).
([263]) انظر ترجمتها في الطبقات لابن سعد (8/96-100)، طبقات خليفة بن خياط (ص332)، الجرح والتعديل (9/461)، المستدرك (4/20-23)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/296-299)، أسد الغابة (5/457)، جلاء الأفهام (ص128-135)، سير أعلام النبلاء (2/218-223)، البداية والنهاية (8/31)، مجمع الزوائد (9/249-250)، الإصابة (4/298)، تهذيب التهذيب (4 /419).
([264]) الطبقات الكبرى (8/97)، المستدرك (4/20-21).
([265]) الطبقات (8/96).
([266]) البداية والنهاية (8/31).
([267]) المستدرك (4/22)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (8/99).
([268]) ذكره عنه ابن سعد في الطبقات (8/99)، الحاكم في المستدرك (4 / 22.
([269]) المستدرك (4/22).
([270]) جلاء الأفهام (ص128).
([271]) سير أعلام النبلاء (2/219).
([272]) الطبقات الكبرى (8/99-100)، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/223).
([273]) الطبقات الكبرى (8/100)، المستدرك (4/22-23)، وأورده الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/223)، وابن كثير في البداية والنهاية (8/31)، والحافظ ابن حجر في الإصابة (4/300).
([274]) الطبقات الكبرى (8/12-129)، المستدرك (4/28-29)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/337-339)، أسد الغابة (5/490-491)، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص138)، سير أعلام النبلاء (2/231-238)، البداية والنهاية (8/50)، الإصابة (4/337-339).
([275]) عنوة أي: قهراً لا صلحاً.
([276]) فأهدتها له: أي: زفتها له صلى الله عليه وسلم.
([277]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7 /469)، صحيح مسلم (2/1043-1044) واللفظ له.
([278]) أي تستبرئ، فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها، وجعلها في مدة الاستبراء في بيت أم سليم.
([279]) صحيح مسلم (2/1045-1046).
([280]) وقع عند ابن إسحاق أن صفية سبيت من حصن القموص، وهو حصن ابن أبي الحقيق، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسبي معها بنت عمها، وعند غيره بنت عم زوجها، فلما استرجع النبي صلى الله عليه وسلم صفية من دحية، أعطاه بنت عمها، انظر كتاب المغازي والسير (ص264)، الإصابة (4/338) فتح الباري (7/469-470).
([281]) فتح الباري (7/470) شرح النووي (9/220-221).
([282]) صحيح البخاري (3/52).
([283]) فتح الباري (7/480).
([284]) الطبقات (8/120-122)، فقد رواه بثلاثة أسانيد إلى أبي هريرة وإلى أنس بن مالك وإلى أم سنان الأسلمية.
([285]) سنن الترمذي (5 /368) ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3 /153).
([286]) الطبقات الكبرى (8/128)، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/235)، والحافظ في الإصابة (4/339).
([287]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/339).
([288]) اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن مالك بن النخع النخعي الكوفي، المعروف بالأشتر، كان أحد الساعين في الفتنة زمن عثمان رضي الله عنه، وأحد المؤلبين على عثمان، وشهد حصره، هلك سنة سبع وثلاثين (انظر ترجمته في تهذيب التهذيب) (10/11-12).
([289]) الطبقات الكبرى (8/128).
([290]) انظر ترجمتها في الطبقات الكبرى لابن سعد (8/132-140)، المستدرك للحاكم (4/30-33)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/391-395)، أسد الغابة (5/550) سير أعلام النبلاء (2/238-245)، البداية والنهاية (8/63)، الإصابة (4 /397-399)، مجمع الزوائد (9/249).
([291]) قال الذهبي رحمه الله تعالى: كذا قال: وصوابه إلى العباس، سير أعلام النبلاء (2/239).
([292]) الطبقات (8 /132).
([293]) الطبقات الكبرى (8/133)، وأخرجه مالك في الموطاْ (1/348).
([294]) الطبقات (8/133).
([295]) المستدرك (4/31) وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وكلمة (سرف): اسم مكان يبعد عن مكة ستة أميال، وقيل: سبعة وتسعة واثني عشر، وهو الموضع الذي بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة. انظر معجم البلدان. (3/212).
([296]) المسند مع الفتح الرباني (22 /137)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/248) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن علي بن أبي رافع وهو ثقة.
([297]) المستدرك (4/30) وقال عقبه: صحيح، ووافقه الذهبي.
([298]) المستدرك (4/32-33) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (8 /138).
([299]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/249) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.
([300]) العذل: اللوم، انظر غريب الحديث لابن الجوزي (2/77).
([301]) قال الذهبي: قلت: فيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فبطل قول من قال: ماتت سنة إحدى وستين. اهـ، التلخيص للذهبي على حاشية المستدرك (4/32).
([302]) الطبقات الكبرى (8/138)، المستدرك (4/31) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وأورده الحافظ في الإصابة (4/399) وقال عقبه: هذا سند صحيح.
([303]) البداية والنهاية (8/63).
([304]) الإصابة (4/399).
([305]) جلاء الأفهام (ص138).
([306]) جلاء الأفهام (ص138-139).
([307]) زاد المعاد (1/114).
([308]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص68).
([309]) انظر ترجمتها في الطبقات لابن سعد (8/30-36)، التاريخ الصغير (1/7)، المستدرك (4/42-46)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4 /304-305)، أسد الغابة (7/130)، العبر (1/10)، سير أعلام النبلاء (2/246-250)، مجمع الزوائد (9/212-216)، الإصابة (4/306).
([310]) الطبقات (8/31)، المستدرك للحاكم (4/45)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([311]) كذا في المجمع، ولعل الصواب (لما قدم المدينة) كما في المستدرك (4/43).
([312]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/212-213) ثم قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه، ورواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، ورواه الدولابي في الذرية الطاهرة (ص46).
([313]) ضبنة: أي زمنة، من الضبنة وهي الزمانة، وهي المرض الدائم. انظر هذا المعنى في الفائق في غريب الحديث (2/228).
([314]) أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/247)، وقال المحقق: إسناده قوي فإن روايته عن ابن لهيعة بن المبارك، وقد سمع منه قبل احتراق كتبه. اهـ، وانظر الحديث في السيرة لابن هشام (1/657)، وأورده الحافظ في الإصابة (3/565-566)، وعزاه إلى تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة.
([315]) صحيح البخاري (2/172).
([316]) انظر سيرة ابن هشام (1/654)، المستدرك (4/42-43).
([317]) فتح الباري (6/149-150)، الإصابة (3/566).
([318]) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (1 /157-158)، وابن سعد في الطبقات (8/32)، والحاكم في المستدرك (4/45)، والدولابي في الذرية الطاهرة (ص47)، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (3/364-365).
([319]) الحقو: معقد الإزار، وسمي الإزار حقواً؛ لأنه يشد على الحقو، النهاية في غريب الحديث. (1 /417)، شرح النووي (7/3).
([320]) أشعرنها: أي اجعلنه شعاراً لها، وهو الثوب الذي في الجسد؛ لأنه يلي شعره. النهاية في غريب الحديث (2/280)، شرح النووي على صحيح مسلم (7 /3).
([321]) صحيح مسلم (2 /648).
([322]) الطبقات (8/32)، سير أعلام النبلاء (2/250)، الإصابة (4/306).
([323]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4 / 292).
([324]) الطبقات (8/36).
([325]) الطبقات(8/36)، وانظر سير أعلام النبلاء (2/251)، مجمع الزوائد (9/216-217).
([326]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/292).
([327]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9/216-217) وقال: رواه الطبراني، وفيه زهير بن العلاء: ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان، فالإسناد حسن، وانظر الذرية الطاهرة (ص52).
([328]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/292-293)، وانظر الذرية الطاهرة (ص53).
([329]) المستدرك (4/46).
([330]) أورده الحافظ في الإصابة (4/298).
([331]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7/54).
([332]) رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (9/217) وقال الهيثمي عقبه: رواه الطبراني، وروى عن الزهري بعضه، ورجالهما إلى قائلهما ثقات، وانظر الذرية الطاهرة للدولابي (ص54).
([333]) انظر الطبقات لابن سعد (8/37)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/294)، سير أعلام النبلاء (2/252)، البداية والنهاية (3/381)، مجمع الزوائد (9/217)، الإصابة (4/298).
([334]) البداية والنهاية (5/346-347)، وانظر الطبقات لابن سعد (8/38).
([335]) الطبقات لابن سعد (8/37-39)، الذرية الطاهرة للدولابي (ص56)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/463-465)، أسد الغابة (7/384)، سير أعلام النبلاء (2/252-253)، البداية والنهاية (3 /346-347)، مجمع الزوائد (9/216-217)، الإصابة (4 /466).
([336]) الاستيعاب عل حاشية الإصابة (4/464).
([337]) أي لم يجامع أهله. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (4/45).
([338]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (3/151)، والإمام أحمد في المسند (3/126).
([339]) الطبقات الكبرى (8/38).
([340]) الذرية الطاهرة (ص60).
([341]) المستدرك (4 /47).
([342]) الطبقات (8/38).
([343]) فتح الباري (3/158).
([344]) الطبقات (8/39).
([345]) انظر الطبقات (8/38)، البداية والنهاية (3/347)، الإصابة (4/466).
([346]) انظر أسد الغابة (5/520)، الإصابة (4/365).
([347]) الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/362).
([348]) انظر الطبقات لابن سعد (8 /26).
([349]) انظر ترجمة فاطمة رضي الله عنها في الطبقات لابن سعد (8 /19-30)، حلية الأولياء (2/39-43)، المستدرك (3/151-161)، الاستيعاب على حاشية الإصابة (4/362-369)، أسد الغابة (5/519-524)، سير أعلام النبلاء (2/118-134)، البداية والنهاية (5/347)، مجمع الزوائد (9/201-212)، الإصابة (4/365-368)، فتح الباري (7/105).
([350]) المستدرك (3/155) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([351]) شجنة: قال في النهاية (2/447): وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة. والمراد بها الرحم المشتبكة.
([352]) المستدرك (3/154) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([353]) قال في النهاية في غريب الحديث (2/287: (يريبني ما يريبها) أي: يسوؤني ما يسوؤها ويزعجي ما يزعجها.
([354]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (9 /327)، صحيح مسلم (4 /1902).
([355]) صحيح مسلم (4/1903).
([356]) المضغة: قطعة اللحم.
([357]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (7/85)، صحيح مسلم (4 /1903-1904).
([358]) صحيح البخاري (2/302).
([359]) سنن الترمذي (5/360) ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
([360]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/3-4).
([361]) فتح الباري (7/86).
([362]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (9 /204)، وقال عقبه: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
([363]) المستدرك (3/151-152) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
([364]) سنن الترمذي (5/367) ثم قال: هذا حديث صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/158) وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
([365]) المستدرك (3/185) (ص160) وصححه، ووافقه الذهبي.
([366]) المستدرك (3/156) وقال: هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا، ووافقه الذهبي.
([367]) صحيح البخاري (2/301).
([368]) المستدرك (3/154) وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([369]) حامتي: قال في النهاية: حامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه وهو الحميم (1/446).
([370]) سنن الترمذي (5/361) وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
([371]) حقوق آل البيت (ص27-28).
([372]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (11/79-80)، صحيح مسلم (4/1904-1905).
([373]) شرح النووي (16/5-6).
([374]) سنن الترمذي (5/361-362) ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عائشة.
([375]) انظر تحفة الأحوذي (10/373).
([376]) المستدرك (3/160-161) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
([377]) تقدم تخريجه في مناقب زينب رضي الله عنها.
([378]) انظر المستدرك (4/44).
([379]) زاد المعاد (1/104).
([380]) فتح الباري (7 /105-106).
([381]) جامع البيان للطبري (3/264).
([382]) انظر فتح الباري (8/136).
([383]) صحيح مسلم (3/1380).
([384]) الحديث بطوله في صحيح مسلم (4/1873-1874).
([385]) العقيدة الواسطية مع شرحها للشيخ محمد خليل هراس (ص146-148). والحديث تقدم تخريجه في فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
([386]) تفسير القرآن العظيم (6/199


عدد مرات القراءة:
8293
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :