آخر تحديث للموقع :

السبت 22 رجب 1442هـ الموافق:6 مارس 2021م 01:03:35 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ما صحة القول بأن الإمام الشافعي غير مذهبه في مصر مراعاة للبيئة المصرية؟ ..

تاريخ الإضافة 2019/07/20م

ما صحة القول بأن الإمام الشافعي غير مذهبه في مصر مراعاة للبيئة المصرية؟

هل ثبت أن الإمام الشافعي كان يفتي في العراق بفتاوى و لما ذهب إلى مصر أصبح يفتي بخلاف ذلك، لاختلاف البيئة بين مصر والعراق و بالتالي أصبحت له فتاوى تناسب أهل العراق، و فتاوى تناسب أهل مصر؟

الجواب:

الحمد لله، لا، لم يثبت أنه كان للإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ

فتاوى تناسب أهل العراق، و أخرى تناسب أهل مصر و لكن المقرر في كتب المذهب الشافعي هو أن الإمام الشافعي كان له مذهبان مذهب في العراق و هو المذهب القديم تلقاه عنه تلاميذه هناك و ألَّف فيه كتبًا ثم إنه عندما انتقل إلى مصر مرورًا بمكة التقى بعدد من العلماء و نقلة الأحاديث و تراجع عن كثير مما كان عليه بالعراق، و هو ما أصبح يُعرف بالمذهب الجديد و لم يكن آنذاك يُعرف بمذهب العراق و مذهب مصر.

و هذا المذهب الجديد قيل إنه تشكَّل قبيل مغادرته العراق إلى مكة و قيل قبل مغادرته مكة، لكن من المقطوع به أنه كتبه و أصَّله في مصر فهو إذن لا علاقة له بكونه في مصر، أو في العراق

و مما يدل على ذلك:

1 ~ أنه لو كان الأمر مجرد فتاوى تناسب كل بلد لما أمر ـ رحمه الله ـ بشطب كتبه

التي ألَّفها في العراق و حرَّم على الناس روايتها

فقد كان يقول: " ليس في حلٍّ من روى عني القديم " [البحر المحيط] للزركشي (4/ 584)

بل لجعل لكل بلد فتاواه التي تناسبه.

2 ~ و لو كان الأمر كما يزعم هؤلاء لأفتى أصحابه بالعراق بأقواله القديمة

و الواقع خلاف ذلك.

3 ~ أن أئمة المذهب الشافعي و الذين هم أدرى به لم يذكر أحدٌ منهم هذا السبب

فهل هؤلاء المتأخرون أعلم بذلك منهم؟!.

بل عندما اختار بعضهم شيئاً من أقواله القديمة لم ينسبوها إليه

بل اختاروها لرجحان أدلتها من وجهة نظرهم.

4 ~ أن أئمة المذهب الشافعي صرَّحوا بأنه لا يجوز تقليد الشافعي في مذهبه القديم

و لو كان المقلِّد من أهل العراق

فكيف يزعم هؤلاء أن السبب اختلاف البيئة و اختلاف المكان.

6 ~ لو صح أن سبب تغيير الإمام الشافعي لمذهبه في مصر اختلاف المكان

لما قلَّده الشافعية في غير مصر، و المعلوم لدى طلاب العلم أن أئمة الشافعية أين ما كانوا

قد أخذوا بمذهبه الجديد الذي أسسه في مصر، حتى أهل العراق أنفسهم

و كتاب الأم و هو العمدة في المذهب الشافعي إلى الآن؛ ألَّفه في مصر

لذلك قال النووي في المجموع (1/ 66): " كل مسألة فيها قولان للشافعي ـ رحمه الله ـ

قديم و جديد، فالجديد هو الصحيح و عليه العمل "، و قال (1/ 68):

" ليس للمفتي و لا للعامي المنتسب إلى مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ

في مسألةِ القولين أو الوجهين أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر

بل عليه في القولين العمل بآخرهما "

و لم يفرق بين كون هذا المفتي في العراق؛ أو مصر؛ أو غيرهما.

و العجيب في الأمر أن الذين يزعمون أنه غيَّر مذهبه لتغير عوائد الناس و طبائعهم

إنما يريدون بهذا الزعم إصدار فتاوى تيسر على الناس و لو خالفت الدليل

زاعمين أن الإمام الشافعي أفتى بفتاوى تناسب أهل مصر تيسيرًا عليهم

و جهل أولئك أن فتاوى الإمام حسب أصوله في مصر أشد من فتاواه في العراق

و مذهبه في العراق أقرب إلى التيسير، و أنه بنى مذهبه الجديد على الاحتياط

و عدم القول بالمصالح المرسلة التي يدندن حولها القوم، و لا عبرة بالعرف عنده

بل العبرة بالنص و الالتزام بظاهر النصوص كما سيظهر ذلك

من خلال بعض الأمثلة التي سأوردها لك بعد قليل

و لا توجد مسألة واحدة تراجع عنها الإمام لتغير الظروف بين مصر و العراق

و البينة على المدعي، و هيهات!.

و من أمثلة الفتاوى التي أفتى بها في مصر

و كان رأيه فيها أشد من رأيه في العراق

كما هو مبثوث في كتب الشافعية

1 ~ استعمال أواني الذهب و الفضة، في القديم: يكره كراهة تنزيه

و في الجديد: يكره كراهة تحريم.

2 ~ المسح على الخفّ المخرق، في القديم: إن كان الخرق لا يمنع المشي عليه جاز

و في الجديد: إن ظهر من الرِّجل شيء لم يجز.

3 ~ ترك الفاتحة نسياناً، في القديم: تسقط عنه القراءة بالنسيان

و في الجديد: لا تسقط.

4 ~ الغسل من ولوغ الكلب، في القديم: لا يجب غسله

و في الجديد: يغسل ستاً.

5 ~ ترك الترتيب في الوضوء ناسياً، في القديم: صحيح

و في الجديد: باطل.

6 ~ النوم في الصلاة، في القديم: لا ينقض الوضوء

و في الجديد: ينقض.

7 ~ امرأة المفقود، في القديم: تتربص أربع سنين من وقت انقطاع خبره

ثم تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر و عشرة أيام

و في الجديد: لا تعتد و لا تنكح أبداً حتى يأتيها يقين وفاته

فأخذ في القديم بقول ابن عباس رضي الله عنهما الأيسر

و أخذ في الجديد بقول علي رضي الله عنه الأشد.

و الأمثلة كثيرة يمكن الرجوع إليها في مظانها

و يلاحظ أنه لا أثر لاختلاف المكان و البيئة

في اختلاف قولي الإمام الشافعي القديم و الجديد في هذه المسائل كلها

و إنما يرجع سبب الاختلاف إلى إحكام مذهبه وضبطه بالأدلة الشرعية

كما قال تلميذه الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ لما قيل له:

" ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحب إليك أم التي عند المصريين؟ "

قال: " عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق و لم يحكمها

ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك ". مناقب الإمام الشافعي للبيهقي (1/ 263)

فهذا تلميذه و أعرف الناس به أرجع سبب تغير مذهب إمامه إلى الإحكام و الضبط

و لو كان للبيئة و المجتمع سبب في ذلك لذكره.

فالقول بأن هذا هو السبب قول باطل و عري عن الصحة

و لا يستقيم مع التحقيق العلمي، و لا يقوله إلا جاهل أو صاحب هوى.

و ليس معنى ذلك أن الفقيه لا يجوز له أن يغير فتواه بتغير الزمان و المكان

بل هذا ممكن في المسائل الاجتهادية المبنية على العرف و المصالح و رفع الحرج

أما المسائل المبنية على الأدلة الشرعية الصحيحة، فهي ثابتة و صالحة لكل زمان و مكان.

و الله أعلم.

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف

موقع الدرر السنية

عدد مرات القراءة:
463
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :