فيا سائلي عن خيار العباد صادفت ذا العلم والخبرة
خيار العباد جميعاً قريش وخير قريش ذوو الهجرة
وخير ذوي الهجرة السابقون ثمانية وحدهم نصره
علي و عثمان ثم الزبير وطلحة واثنان من زهرة
وشيخان قد جاورا أحمدا وجاور قبراهما قبره
فمن كان بعدهما فاخراً فلا تذكروا عندهم فخره
وعامر من فهر ثم ابن زيد فقد أصبحوا يا أخي عشرة
بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أفاضل أصحابة بالجنة، بأنهم سيدخلونها بقوله: {عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة} ([1]).
وقد أنكر الشيعة هذا الحديث -رغم ثبوته وصحته- ونسبوه إلى الوضع ([2])، ولم يكتفوا بذلك، بل زعموا أن هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة -عدا علي - كانوا من المنافقين وفعلوا أفعالهم.
وقد تقدمت بعض الاتهامات التي وجهوها إلى الخلفاء الراشدين المهددين الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم.
وسأقتصر هنا على بيان نماذج يسيرة من أقوالهم في بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهم عدا الخلفاء الأربعة الراشدين: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
أولاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما:-
طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، والزبير بن العوام الأسدي القرشي من الرعيل الأول من الصحابة، ومن العشرة المبشرين بالجنة.
بل هما جارا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، كما أخبر عنهما بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {سمعت أذني من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: طلحة والزبير جاراي في الجنة} ([3]).
أسلما قديماً، ونصرا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللسان والسنان، وكلاهما شهدا المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبليا فيها البلاء الحسن، وكل واحد منهما اختص بمناقب لم يختص بها غيره من الصحابة:
فمما اختص به الزبير أنه كان أول من سل سيفاً في سبيل الله ([4])، وأنه حواري النبي صلى الله عليه وسلم ([5]).
ومما اختص به طلحة: أنه وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده حتى شلت ([6])، وبرك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره حين انتهى إلى صخرة لم يستطع أن يصعدها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذاك: {أوجب طلحة} ([7])، أي: فعل ما أوجب له الجنة. واستبسل في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقاه بنفسه، وحال بينه وبين سهام المشركين حتى أثخنته الجراح، وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إذا ذكر يوم أحد قال: {ذلك كله يوم طلحة} ([8]).
ومناقبهما رضي الله تعالى عنهما كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها.
والشيعة كدأبهم مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيما سادتهم وكبارهم يحاولون طمس فضائلهم، وإلصاق النقائص بهم، وتوجيه المطاعن إليهم، وهكذا فعلوا مع طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما.
وسأقتصر على نماذج يسيرة توضح موقف الشيعة منهما بإيجاز:
زعم الشيعة أن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا إمامين من أئمة الكفر:-
يزعم الشيعة أن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا إمامين من أئمة الكفر، عاشا كافرين، وماتا كذلك.
وقد استدلوا على أنهما كانا كذلك بما نسبوه -كذباً- إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، زاعمين أنه قال: [[ألا إن أئمة الكفر في الإسلام خمسة: طلحة والزبير ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري]] ([9]).
ولم يكتف الشيعة بهذه المزاعم المكذوبة، بل ذكر علماؤهم صراحة -ورموا بالتقية وراء ظهورهم- أن طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما -وحاشاهما مما نسبه الشيعة إليهما- عاشا كافرين وماتا كافرين:
قال المفيد - وهو من كبار علمائهم-: (إن القوم؛ طلحة والزبير وأشكالهما مضوا مصرين على أعمالهم، غير نادمين عليها، ولا تائبين منها) ([10]).
وقال محمد علي الحسيني -وهو من الشيعة المعاصرين-: (إن الزبير باع دينه بدنياه، واستباح كل شيء في سبيل أطماعه وشهواته، ولم يكن لكلمة رسول الله عنده من قيمة ... ) ([11]).
وزعم الشيعة -كذباً- أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال للزبير: [[أنا أشهد أني سمعت من رسول الله أنك من أهل النار]] ([12]).
إلى آخر ما أورده الشيعة في ذلك من المطاعن، مخالفين بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر عن طلحة والزبير أنهما في الجنة ([13])، بل وجاراه فيها ([14]).
وهما رضي الله تعالى عنهما قد ماتا شهيدين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بذلك:
فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر و عثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد} ([15]).
فالصديق أبو بكر والشهداء عمر و عثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وموت طلحة والزبير شهيدين يدل على أنهما من أهل الجنة، بله الدرجات العالية الرفيعة فيها، فالله تبارك وتعالى قد أخبر أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في أعلى درجات الجنة، فقال جل وعلا: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69].
وطلحة والزبير رضي الله عنهما قد عاشا حميدين وماتا شهيدين، ولم يذكر عنهما أنهما خالفا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر من الأمور، بل لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راضٍ، فرضي الله عنهما وأرضاهما، وعامل بعدله من يبغضهما أو يضمر لهما غير الحسن الجميل.
زعم الشيعة أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كان ابن زنا -حاشاه من ذلك:-
يزعم الشيعة أن طلحة رضي الله عنه كان ولد زنا.
وقد نسبوا إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي قوله عن أم طلحة، الصعبة بنت الحضرمي: [[أنها كانت لها راية ([16]) بمكة، وأنها استبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان، وتزوجت عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم -والد طلحة - فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر، فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمره إلى صعبة فألحقته بعبيد الله، فقيل لها: كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت: يد عبيد الله طلقة، ويد أبي سفيان تربة]]-ثم قال الكلبي -.
فاصدقونا قومنا أنسابكم وأقيمونا على الأمر الجلي
لعبيد الله أنتم معشري أم أبي سفيان ذاك الأموي ([17])
ولا ريب أن هذه المزاعم الكلبية فرية بلا مرية، وإفك بلا شك، والشيعة لم يفتروا هذه الفرية على طلحة وحده، بل تعدوه إلى أكثر الصحابة، وزعموا أنهم كانوا أبناء زنا -حاشاهم من ذلك-.
ونسبتهم هذه الفرية إلى هشام الكلبي لا تبرؤهم منها:
فالكلبي شيعي باتفاق علماء الرجال عند الشيعة الذين قالوا عنه: (كان مختصاً بمذهبنا) ([18])، وهو عند علماء أهل السنة: رافضي متروك، ليس بثقة، ولا يقبل قوله. قال الإمام أحمد: [[ما ظننت أن أحداً يحدث عنه]] ([19]).
لذا لا يحتج بقوله، ولا بقول من نقلوا قوله، ولا كرامة.
ثانياً: موقف الشيعة الإثني عشرية من سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله تعالى عنه:-
سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم.
فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- بالأبوين، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: {ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي} ([20]).
وأخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: {جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد} ([21]) ..
وهو خال النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي وحسنه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: {أقبل سعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خالي فليرني امرؤ خاله} ([22]) ..
وعقب الترمذي على هذا الحديث بقوله: (وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي} ([23]).
وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاح، ودعا له ([24]).
وفيه نزل قول الله تعالى: ((وَلا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الأنعام:52] ([25]). فلا يحتاج بعد تزكية ربه إلى تزكية من أحد.
وفضائله رضي الله تعالى عنه كثيرة جداً، ولا يتسع المحل لذكرها.
بيد أن الشيعة وجهوا إليه المطاعن العديدة كدأبهم مع كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأذكر نماذج منها:
زعمهم أنه قارون هذه الأمة:-
قال أبو الحسن العاملي: (سعد بن أبي وقاص قارون هذه الأمة. وهذا ظاهر من جهة ارتداده وتكبره عن مبايعة أمير المؤمنين (ع) ... ) ([26]).
وهذا من المزاعم الباطلة، ومن أدل الدلائل على بطلانه ما فيه من تناقض إذ أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- بايع علياً ولم يمتنع عن بيعته كما زعموا، بل قد جاء في كتبهم وعلى لسان علي ما يبطل ذلك، وهو قول علي لسعد ومن اعتزل القتال معه في الفتنة: [[كيف تخرجون من القتال معي وقد بايعتموني؟!]] ([27]).
وقوله لهم: [[ألستم على بيعتي؟ قالوا: بلى]] ([28]). وغير ذلك.
فهم قد بايعوه وبقوا على بيعته باعتراف الشيعة أنفسهم كما تبين من الأقوال التي ساقوها ونسبوها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكيف تتفق فريتهم عن سعد وتعليلها بالامتناع عن بيعة علي، مع إقرار علي -رضي الله عنه- ببيعته وثباته عليها في كتب الشيعة أنفسهم.
زعمهم أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أخبر سعداً -رضي الله عنه- أن على كل شعرة من لحيته شيطاناً جالساً:-
أسند الملقب بالصدوق وهو من علماء الشيعة إلى الإصبغ بن نباتة ([29]). قوله: [[بينا أمير المؤمنين -عليه السلام- يخطب الناس وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلا نبأتكم به. فقام إليه سعد بن أبي وقاص فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟ فقال له: أما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله أنك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس، وإن في بيتك لسخلاً يقتل ابني -وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه-]] ([30]).
وعند التستري: [[إن في شعرك ملكاً يلعنك، وعلى كل طاقة من شعر لحيتك شيطاناً جالساً ... إلخ]] ([31]).
وهذه القصة واحدة من القصص الكثيرة المكذوبة على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وآفتها أصبغ بن نباتة، وهو كذاب متروك الحديث يقول بالرجعة. قال عنه أبو بكر بن عياش: كذاب. وقال ابن معين: ليس بثقة. وفي قول آخر: ليس بشيء. وقال النسائي وابن حبان: متروك. وزاد ابن حبان: فُتِن بحب علي فأتى بالطامات فاستحق من أجلها الترك. وقال ابن عدي: بيّن الضعف. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال العقيلي: كان يقول بالرجعة. وقال الدارقطني والساجي: منكر الحديث ([32]). وهذه القصة إضافة إلى نكارتها فإنها تعارض ما ثبت من محبة علي -رضي الله عنه- لسعد وإشادته بفضائله ومآثره، فعلي -رضي الله عنه- قد روى فضائل لسعد تقدم بعضها، منها: إخباره أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فدى سعداً بأبيه وأمه يوم أحد وغيرها من الفضائل.
ولو كان سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يناقضها على -حد زعم الشيعة - ما رواها ولا غرر الناس به.
أضف إلى هذا ما في هذه القصة من تناقض مكاني، فهذه المقالة إنما قالها علي -رضي الله عنه- وهو على منبر الكوفة -كما زعم الشيعة - وسعد رضي الله عنه كان قد اعتزل في المدينة، ولم يلتق بعلي رضي الله عنه في الكوفة.
أما تمسكهم بكون عمر بن سعد شارك في قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وإيراد هذا المطعن في حق أبيه رضي الله عنه، فأي ذنب كان لسعد في هذا، وما حصل إنما حصل بعد موته رضي الله عنه، ولو علم أن ابنه سيشارك في قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنى أنه مات قبل أن يتزوج أو يكون له ولد، ولتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته وولده، ولتمنى أن لو كان نسياً منسياً لما عرف عنه من حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فلا ذنب لسعد ولا مسوغ للشيعة للطعن فيه، والله سبحانه وتعالى يقول: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [فاطر:18].
ثالثاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه:-
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.
والشيعة كدأبهم مع كبار أصحاب رسول الله وخيارهم يوجهون إليهم المطاعن المفتراة، ويسلقونهم بألسنة حداد.
وقد خصوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ببعض مطاعنهم، وافتروا عليه كما افتروا على غيره من الصحابة ما الله يعلم أنه منه بريء، وعباده المؤمنون يعلمون.
وسأذكر مثالاً واحداً من كتبهم يبين مدى الحقد الذي يعتمل في نفوسهم تجاه هذا الصحابي الجليل.
دعواهم أن لعبد الرحمن بن عوف باباً من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:-
وهو: ما ادعوه من أن له بابا من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:
فقد أسند الملقب الصدوق -كذباً- إلى جعفر الصادق أنه قال: [[إن للنار سبعة أبواب؛ باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون ... ]] ([33]).
وقد تقدم أن مرادهم بفرعون وهامان: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
أما المراد بـ (قارون): فقد ذكر الكاشاني أن عبد الرحمن بن عوف قارون هذه الأمة ([34]).
وهذا الزعم من الشيعة -وهو قوله أن لعبد الرحمن رضي الله عنه باباً من أبواب النار يدخل منه- يعارض الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أخبر فيه عليه الصلاة والسلام أن عبد الرحمن بن عوف في الجنة ([35]).
ويعارض أيضاً ما ذكر في بعض كتب الشيعة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لعبد الرحمن ويقول: {اللهم اسق عبد الرحمن من سليل الجنة} ([36]).
مستدلاً بهذا الحديث على إثبات مادة لغوية. وقد عقب على هذا الحديث بقوله: (والسليل هو صافي شرابها ... إلخ) ([37]).
ولو علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عبد الرحمن بن عوف يدخل من باب من أبواب جهنم مع فرعون وهامان -كما زعم الشيعة - لما دعا الله له أن يسقيه من صافي شراب الجنة، ولما بشره عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبر أنه سيدخلها فهو عليه السلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
رابعاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من أبي عبيدة عامر بن الجراح القرشي الفهري رضي الله تعالى عنه:-
أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من الرعيل الأول من الصحابة، أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض.
وفضائله رضي الله عنه كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها، ويكفيه فخراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبه بـ (أمين هذه الأمة):
فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح} ([38]).
ولكن الشيعة لم يعترفوا بفضله، ولم يراعوا حق صحبته، بل أشرعوا سهامهم في وجهه، كما فعلوا مع إخوانه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجهوا إليه العديد من المطاعن والتهم، سأقتصر على ذكر أحدها:
وهو: زعمهم أن تلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عبيدة بـ (أمين هذه الأمة) مطعن، لا مدح فيه:
وذكروا في سبب إطلاق هذا اللقب عليه من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة مكذوبة، ملخصها:
أن جماعة من الصحابة تآمروا فيما بينهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعطوا الخلافة لبني هاشم أبداً -يريدون بذلك حرمان علي وذريته منها على حد مزاعم الشيعة - وكتبوا في ذلك صحيفة ودفنوها في جوف الكعبة، وكان كاتب هذه الصحيفة هو أبو عبيدة بن الجراح، وهو الذي ذهب بها إلى مكة ودفنها في جوف الكعبة، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم- على حد زعم الشيعة - على مؤامرتهم، فقال لأبي عبيدة: {أنت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم} ([39]).
وتوجيه هذا القول -على حد زعمهم- أن المتآمرين ائتمنوه على الصحيفة، وأودعوها عنده، وأرسلوه إلى مكة نائباً عنهم كي يتولى دفنها في جوف الكعبة، لذا سمي -على حد زعم الشيعة - أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم، وليس أمين الأمة بأسرها، قال ذلك من الشيعة كل من: البياضي، الكاشاني، البحراني، التستري، الجزائري، الشيرازي، ([40]).
ولم يكتف الشيعة بهذا، بل وصفوا أبو عبيدة بأنه من أعداء آل محمد ([41])، وأحد المعينين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه على اغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه -على حد زعم الشيعة- ([42]).
وقد أكد هذه المزاعم هاشم معروف الحسيني -وهو شيعي معاصر- واستشهد على صحتها بكلام المستشرق الصليبي -البلجيكي المولد، الفرنسي الجنسية- هنري لامنس حيث يقول: (إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وليد مفاجأة وارتجال، وإنما كان وليد مؤامرة سرية مجرمة حيكت أصولها، ورتبت أطرافها بإحكام وإتقان، وإن أبطال هذه المؤامرة أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ومن أعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة ... إلخ) ([43]).
مناقشة هذه المزاعم:
لا ريب أن ادعاء الشيعة أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي عبيدة: {أمين هذه الأمة} طعن فيه: زعم باطل لا تساعدهم عليه اللغة، ولا المناسبة ولا واقع الحال:
1/ فالأمين لغة هو الثقة الرضي. وإضافته إلى الأمة تدل على أنه مرضي من الأمة جميعها ثقة عندهم.
وهذا لا يتماشى مع قصة الصحيفة التي افتروها، فإنها أفادت أنه ثقة عند جماعة قليلين هم المتواطئون على كتابة الصحيفة - على حد زعم الشيعة -.
وقد تنبه الشيعة إلى هذا التناقض البين، فعمدوا إلى تغيير لفظ الحديث الصحيح ليوافق أهواءهم ومعتقداتهم في الصحابة، فوضعوا بدل {أمين هذه الأمة}: {أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم}.
وهذا كذب متعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توعد بالنار من كذب عليه متعمداً، في قوله في الحديث المتواتر الذي تقدم معنا: {من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}.
2/ ثم إن المناسبة التي لأجلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، ولقب بسببها أبا عبيدة بهذا اللقب تبطل دعواهم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: {أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة} ([44]).
ولا يصح أن يرسل معهم ليعلمهم أمور الدين من هو عنده غير أمين، وهو الناصح لأمته صلى الله عليه وسلم الحريص عليها.
وكذا أخرج البخاري ومسلم أيضاً في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: {جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً، حق أمين، حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح} ([45]).
ويعني بالناس في قوله: (فاستشرف لها الناس): أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تطلعوا إلى الولاية ورغبوا فيها حرصاً على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي ([46])، حتى إن عمر رضي الله تعالى عنه -مع فضله وتقدمه على غيره- قال: [[ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها]] ([47]).
ولقد عرف الصحابة لأبي عبيدة هذا الفضل:
فقد روى أحمد بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [[لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح فاستخلفته وما شاورت فيه، فإن سئلت عنه، قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله]] ([48]).
وفي رواية: [[لو استخلفت أبا عبيدة بن الجراح فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك وهو يقول: إنه أمين هذه الأمة]] ([49]).
أما استشهاد هاشم الحسيني -الشيعي المعاصر- كلام المستشرق لامنس على إثبات هذه الدعوى فهو استشهاد باطل، فما كان لأعداء الإسلام أن يكونوا شهداء على المسلمين.
ولا ريب أن المستشرقين اعتمدوا على مصادر الشيعة اعتماداً كبيراً في إلقاء الشبه والتشكيك في الدين، ومن ثم إعطاء الفكرة المشوهة والمحرفة عن الفكر الإسلامي الأصيل.
خامساً: موقف الشيعة الإثني عشرية من سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه:-
سعيد بن زيد بن نفيل العدوي القرشي من الرعيل الأول من الصحابة، ابن عم عمر بن الخطاب وصهره، أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض ([50]).
كان مجاب الدعوة، وقصته مع أروى بنت أويس في ذلك مشهورة:
وهي ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير قال: {إن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها وكانت تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت} ([51]).
والشيعة قد وجهوا إليه العديد من المطاعن:
فزعموا أنه من شر الأولين والآخرين ([52])، وأنه قارون هذه الأمة ([53]).
وزعموا أنه من أعداء آل محمد ([54]).
وزعموا أنه كان يضع الحديث على رسول الله عليه السلام ([55])، إلى غير ذلك من المزاعم الكثيرة والمطاعن المفتراة.
وزعم الشيعة أن سعيداً كان يضع الحديث كزعمهم كذب غيره من الصحابة المكثرين للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما يزعمون هذا لإبطال الكتاب والسنة اللذين نقلهما إلينا الصحابة رضي الله عنهم.
قال أبو زرعة الرازي رحمه الله: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) ([56]).
وبهذا يتضح أن موقف الشيعة من العشرة المبشرين بالجنة واحد، من حيث إنكارهم أن يكونوا من أهل الجنة، ومن حيث القول بكفرهم ونسبتهم إلى الارتداد -كباقي الصحابة-، وإنكار عاداتهم، وتوجيه المطاعن المفتراة إليهم -وغير ذلك.
----------
([1]) الحديث مروي من عدد من الصحابة منهم، سعيد بن زيد، وقد أخرج حديثه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه أحمد في مسنده، وصححه أحمد شاكر رحمه الله، سنن أبي داود (5/ 37 - 40) كتاب السنة وجامع الترمذي (5/ 651) كتاب المناقب ..
([2]) كفاية الأثر للخزاز (ص: 115)، والاقتصاد للطوسي (ص: 364) ..
([3]) أخرجه الحاكم في مستدركه (3/ 364) وقال: صحيح الإسناد ..
([4]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/ 735)، والاستيعاب لابن عبد البر (1/ 581)، والمستدرك للحاكم (3/ 360 - 361)، وانظر: در السحابة للشوكاني (ص: 241) ..
([5]) سنن الترمذي (5/ 646) كتاب المناقب باب مناقب الزبير وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفضائل الصحابة لأحمد (2/ 737 - 738)، وطبقات ابن سعد (3/ 105 - 106)، والمعجم الكبير للطبراني (1/ 78)، والمستدرك للحاكم (3/ 367) وقال صحيح ووافقه الذهبي ..
([6]) صحيح البخاري (5/ 94) كتاب فضائل الصحابة باب ذكر طلحة ..
([7]) جامع الترمذي (5/ 643 - 644) كتاب المناقب باب مناقب طلحة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، والمستدرك للحاكم (3/ 374)، ومسند أحمد (1/ 165)، وفضائل الصحابة له (2/ 744)، وطبقات ابن سعد (3/ 218) ..
([8]) الرياض النضرة للمحب الطبري (2/ 252) ..
([9]) الشافي في الإمامة للمرتضى (ص: 287)، وتلخيص الشافي للطوسي (ص: 462) ..
([10]) الجمل للمفيد (ص: 225) ..
([11]) في ظلال التشيع لمحمد علي الحسيني (ص: 112 - 113) ..
([12]) إحقاق الحق للتستري (ص: 297) ..
([13]) تقدم تخريجه قبل صفحتين ..
([14]) تقدم تخريجه قبل صفحتين ..
([15]) صحيح مسلم (4/ 1880) كتاب الفضائل باب من فضائل طلحة ..
([16]) كناية عمن كانت تسافح في الجاهلية ..
([17]) الطرائف لابن طاوس (ص: 495)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 296)، والأنوار النعمانية للجزائري (1/ 65 - 66)) ...
([18]) الفهرست للنجاشي (ص: 306 - 307)، ورجال الحلي (ص: 179) ..
([19]) ميزان الاعتدال للذهبي (4/ 304) وديوان الضعفاء (ص: 419) ..
([20]) صحيح مسلم (4/ 1876) كتاب الفضائل باب من فضائل سعد ..
([21]) صحيح البخاري (5/ 94) كتاب المناقب باب مناقب سعد، وصحيح مسلم (4/ 1876) كتاب الفضائل باب فضائل سعد ..
([22]) سنن الترمذي (5/ 649) كتاب المناقب باب مناقب سعد، وانظر: فضائل الصحابة لأحمد (2/ 751)، والمستدرك للحاكم (3/ 498)، وصححه ووافقه الذهبي ..
([23]) سنن الترمذي (5/ 649) ..
([24]) صحيح مسلم (4/ 1875) كتاب الفضائل باب فضائل سعد ..
([25]) صحيح مسلم (4/ 1878) كتاب الفضائل باب فضائل سعد ..
([26]) مقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 280) ..
([27]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 211)، والجمل للمفيد (ص: 45 - 46)، والأمالي للطوسي (2/ 327) ..
([28]) المصادر السابقة نفسها ..
([29]) قال عنه الكشي الشيعي: كان من خاصة أمير المؤمنين علي (ع). اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 5، 98، 103) ..
([30]) الأمالي للصدوق (ص: 133) ..
([31]) إحقاق الحق للتستري (ص: 205) ..
([32]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 319 - 320)، وميزان الاعتدال للذهبي (1/ 271)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (1/ 362 - 363)، وتقريب التهذيب له (ص: 176) ..
([33]) الخصال للصدوق (2/ 361 - 362)، وانظر: حق اليقين لعبد الله شبر (2/ 169) ..
([34]) علم اليقين للكاشاني (2/ 732) ..
([35]) هو حديث العشرة المبشرين بالجنة، تقدم تخريجه ..
([36]) إكمال الدين للصدوق (ص: 243) ..
([37]) إكمال الدين للصدوق (ص: 243) ..
([38]) صحيح البخاري (5/ 100) كتاب المناقب باب مناقب أبي عبيدة، وصحيح مسلم (4/ 1881) كتاب الفضائل باب فضائل أبي عبيدة ..
([39]) الملاحظ أن لفظ الحديث الذي أوردوه مخالف تمام المخالفة للفظه الصحيح، (وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح) ..
([40]) انظر الصراط المستقيم للبياضي (1/ 296، 3/ 154)، وعلم اليقين للكاشاني (2/ 658)، وتفسير الصافي له (2/ 570)، والبرهان للبحراني (4/ 187)، والصوارم المهرقة للتستري: (ص: 77 - 78)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/ 340، 343)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 302 - 303) ..
([41]) الكشكول لحيدر الآملي (ص:160) ..
([42]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 76) ..
([43]) سيرة الأئمة الإثني عشر لهاشم الحسيني (ص: 281)، وانظر: كتاب المستشرق لامنس الذي نقل عنه هاشم الحسيني -الشيعي المعاصر- وهو بعنوان (الحكام الثلاثة: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة) منوعات الكلية الشرقية، (4، 1910) ..
([44]) صحيح مسلم (4/ 1881) كتاب الفضائل باب فضائل أبي عبيدة ..
([45]) صحيح البخاري (5/ 100) كتاب المناقب باب مناقب أبي عبيدة، وصحيح مسلم (4/ 1882) كتاب الفضائل باب مناقب أبي عبيدة ..
([46]) فتح الباري لابن حجر (7/ 93 - 94) ..
([47]) المصدر نفسه، وانظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري (2/ 347) ..
([48]) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 742 - 743)، وانظر: مسند أحمد (1/ 18)، والمستدرك للحاكم (3/ 268) ..
([49]) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 742 - 743)، وانظر مسند أحمد (1/ 18)، والمستدرك للحاكم (3/ 268).
([50]) الاستيعاب لابن عبد البر (2/ 2)، والإصابة لابن حجر (2/ 46) ..
([51]) صحيح مسلم (3/ 1230 - 1231) كتاب المساقاة باب تحريم الظلم ..
([52]) الخصال للصدوق (2/ 457، 460) ..
([53]) الخصال للصدوق (2/ 457، 460) ..
([54]) الكشكول لحيدر الآملي (ص: 160) ..
([55]) الطرائف لابن طاوس (ص: 523) ..
([56]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 49) ..
««توقيع ابو غسان»»
موقف الشيعة الإثني عشرية من بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم
تقدم موقف الشيعة الإثني عشرية التفصيلي من الخلفاء الراشدين المهديين الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان.
والخلفاء الثلاثة من العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم في الجنة، بقوله: «عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد([1874]) في الجنة، وسعيد([1875]) في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة»([1876]).
وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عبد الله بن سعد بن أبي السرح قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشرة من أصحابه: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم على جبل حراء إذ تحرك بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»([1877]).
وهذا يدل بمفهومه على أنهم رضي الله عنهم من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى أخبر أن الأنبياء والصديقين والشهداء في أعلى درجات الجنة، قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69].
وحديث العشرة صحيح، ولكن رغم صحته فقد نسبه الشيعة إلى الوضع([1878]) في محاولة منهم لطمس فضائل العشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يكتف الشيعة بهذا، بل زعموا أن العشرة المبشرين بالجنة -عدا علي - كانوا من المنافقين، وفعلوا أفعالهم، واستدلوا على ذلك بما زعموه من تآمرهم على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ردهم لأوامره حين طلب منهم مبايعة علي بعد وفاته، فامتنعوا عن ذلك، وتواطئوا فيما بينهم على أن لا يصير أمر الخلافة إلى بني هاشم أبداً، وهذا ما يعرف عند الشيعة بقضية العقبة والصحيفة.
وقد عمد الشيعة في الاستدلال على هاتين القضيتين إلى آيات من القرآن الكريم نزلت في المنافقين، فجعلوها في العشرة المبشرين بالجنة زاعمين أنها من الأدلة على نفاقهم وكفرهم. ومن هذه الأدلة:
أولاً: آيات زعم الشيعة أنها نزلت في العشرة -عدا علي - بسبب تآمرهم على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتواطئهم على أن لا يصير أمر الخلافة إلى بني هاشم أبداً -وخاصة علي بن أبي طالب - أي أنها نزلت في الأمرين معاً، العقبة، والصحيفة- على حد زعم الشيعة - ومنها:
-قوله تعالى: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا...)) [التوبة:74].
فقد أسند الصدوق إلى حذيفة بن اليمان أنه قال في تفسير هذه الآية: (الذين نفروا برسول الله ناقته منصرفة من تبوك أربعة عشر: أبو الشرور، وأبو الدواهي([1879])، وأبو المعازف، وأبوه([1880])، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وأبو الأعور([1881])، والمغيرة، وسالم مولى أبي حذيفة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن عوف)([1882]).
وقال القمي: [نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة إلا يردوا هذا الأمر في بني هاشم، فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: ((وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)) [التوبة:74]..([1883]). وقد عد القمي منهم: أبا بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة([1884])، وزاد الكفعمي([1885]) عليه: عثمان، وطلحة، والزبير، وأبا سفيان وابنه معاوية، وعتبة بن أبي سفيان([1886])، وأبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وأبا قتادة([1887]).
وقد ذكر الصدوق والقمي والكفعمي، ومن تابعهم من الشيعة أن هذه الآية نزلت في العشرة ومن معهم من الصحابة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك في السنة الثامنة من الهجرة، والذي حملهم على هذا كون سورة براءة مما نزل في السنة الثامنة الهجرية باعترافهم([1888]).
بيد أن هذا القول منهم يعد مخالفة لجمهور علماء الشيعة الذين أكّدوا أن حادثة العقبة، ومحاولة اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم جرت منصرف رسول الله من حجة الوداع في السنة العاشرة بعد نصبه لـ علي وصياً من بعده- كما زعموا- وقد ناقض القمي نفسه في موضع آخر فمال إلى قول جمهور علماء طائفته، وذكر أن التآمر على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما وقع بعد حجة الوداع، إثر نصب رسول الله لـ علي وصياً من بعده، فقال: [فقال أصحابه الذين ارتدوا بعده: قد قال محمد في مسجد الخيف ما قال، وقال ههنا ما قال، وإن رجع إلى المدينة يأخذنا بالبيعة له، فاجتمعوا أربعة عشر نفراً، وتآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقعدوا في العقبة، وهي عقبة هرشى بين الجحفة والأبواء([1889])، فقعدوا سبعة عن يمين العقبة وسبعة عن يسارها لينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...]([1890]).
والذي حدا بجمهور الشيعة إلى أن يقولوا: إن حادثة العقبة وقعت في السنة العاشرة بعد حجة الوداع: هو ما أجمعوا عليه من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصب علياً وصياً له وخليفة بعده في غدير خم منصرفه من حجة الوداع -كما تقدم- فأرادوا أن يخترعوا سبباً يرونه مناسباً يسوغ اغتيال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -كما زعموا- فلم يجدوا إلا هذا السبب المتصل بدعوى الولاية المكذوبة، فزعموا أن الصحابة ساءهم تولية علي عليهم بعد رسول الله، ففكروا في اغتياله -كما تقدم-.
وهذا السبب ذكره عدد من مصنفيهم محبوكاً في أسلوب قصصي طويل، منهم: سليم بن قيس([1891])، والعسكري([1892])، والبياضي([1893])، وحيدر الآملي([1894])، والفضل بن الحسن الطبرسي([1895])، والكاشاني([1896])، والبحراني([1897])، والمجلسي([1898]) والشيرازي([1899])، والجزائري([1900])، وشبر([1901])، وغيرهم.
إلا أنهم اختلفوا في تعيين أسماء الصحابة الذين زعموا أنهم أردوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقوال متعددة، ورغم هذا الاختلاف فقد أجمعوا على أن من بينهم الخلفاء الراشدين الثلاثة، وطلحة، وسعداً، وأبا عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة.
ويزعم الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفهم، فدعاهم واحداً تلو الآخر، وسألهم عن سبب صنيعهم، فتعلل كل واحد منهم بعلة: «دعا أبا بكر، وقال له: ما أوقفك على العقبة، ألم آمر أن لا يتقدم أحد منكم؟ أردت أن تنفر برسول الله ناقته؟ فقال: يا رسول الله! ما علمت لما وقف القوم، ولقد كنت واخيت بيني وبين عمر، وأمرتني أن لا أفارقه ولا يفارقني، فسألني أن نتقدم الناس لضيق المكان، فتقدمت معه... وقال لـ عمر: ما بالك سألت أبا بكر التقدم؟ ثم دعا عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: واخيت بيني وبين عبد الرحمن وسألني أن نتقدم الناس بحيث يأنس بعضنا ببعض، فأجبته، فقال عبد الرحمن: هو سألني ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت يا عثمان فجيفة على الصراط، يطؤك المنافقون بأقدامهم، وأما أنت يا عبد الرحمن فما نقي قلبك للإسلام، والإسلام بريء منك، ثم دعا طلحة... وقال له: أما أنت يا طلحة فقد خسرت الدنيا والآخرة. ثم أقبل على عمرو بن العاص، فقال له: ما بالك تقدمت الناس؟ قال: استنهضني معاوية فأجبته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنك تعلم نفاقهم وظلمهم وكفرهم، ثم دعا المغيرة بن شعبة، فقال له: أما أنت فرأس المنافقين، وأما إسلامك فكان هزواً، فأبشر فإن مسكنك جهنم...»)([1902])إلى آخر ما أوردوه في ذلك من البهتان المبين.
ويزعم الشيعة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما تحالفوا عليه في الكعبة من أن لا يردوا أمر الخلافة في بني هاشم أبداً، فحلفوا له أنهم ما قالوا ولا فعلوا، فأنزل الله: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا)) [التوبة:74]([1903]).
-وهناك آيات أخرى زعم الشيعة أنها نزلت في الصحابة بسبب تآمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، منها: قوله تعالى: ((أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)) [البقرة:87]([1904])، وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)) [آل عمران:155]([1905])، وقوله: ((لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)) [التوبة:48]([1906])، وقوله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)) [التوبة:65-66]([1907])وقوله تعالى: ((يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ)) [المجادلة:18-19]([1908])، وقوله تعالى: ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)) [المنافقون:8]([1909])، وغير ذلك من الآيات.
ثانياً: آيات زعم الشيعة أنها نزلت في بعض العشرة بسبب تواطئهم على أن لا تصير الخلافة إلى بني هاشم -وخاصة علي بن أبي طالب - أبـداً، فمنها:
-قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [المجادلة:7].
قال القمي في تفسيره قوله تعالى: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)): فلان وفلان وفلان أمينهم حين اجتمعوا فدخلوا الكعبة فكتبوا بينهم كتاباً: إن مات محمد أن لا يرجع الأمـر فيهم أبداً([1910]).
وهؤلاء الثلاثة الذين ذكروهم هم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، كما سيأتي توضيح ذلك.
واقتصر على هؤلاء الثلاثة لورود لفظ الثلاثة في الآية القرآنية: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ)) [المجادلة:7].
بينما ذكر غيره أنهم خمسة لورود لفظ الخمسة أيضاً في قوله تعالى: ((وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)) [المجادلة:7]؛ فقد ذكر سليم بن قيس وغيره أن المتعاقدين على الصحيفة كانوا خمسة، هم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة([1911]).
وذكر النوري الطبرسي أنهم كانوا سبعة، هم الخلفاء الراشدون الثلاثة، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان([1912]).
بينما أوصل بعض الشيعة عددهم إلى أربعة وثلاثين رجلاً، اتفقوا على أربعة عشر رجلاً منهم -زعموا أنهم أصحاب العقبة- واختلفوا في تحديد الباقين على أقوال كثيرة متباينة([1913]).
وهؤلاء الذين أوصلوا عدد الصحابة -الذين اتفقوا فيما بينهم على أن لا تصير الخلافة إلى بني هاشم- إلى أربعة وثلاثين رجلاً، رغم اختلافهم في تحديد أسماء هؤلاء الرجال، إلا أنهم اتفقوا على أن كاتب الصحيفة هو سعيد بن العاص الأموي، وأن الصحيفة كتبت في دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنها دفعت بعد الفراغ منها إلى أبي عبيدة بن الجراح فذهب بها إلى مكة، ودفنها في جوف الكعبة، وبقيت مدفونة إلى أن استخرجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيام خلافته.
واتفقوا أيضاً على أن سبب كتابة هذه الصحيفة: هو فشلهم في اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فارتأوا أن يفعلوا شيئاً آخر يحول بين علي والخلافة، ففكروا في هذه الصحيفة التي كانت السبب في ارتداد الصحابة كما زعم الشيعة([1914]).
وهؤلاء يعتبرون من متأخري الشيعة([1915])، وقد خالفوا المتقدمين من الشيعة الذين أوصلوا عدد الصحابة الذين تواطئوا فيما بينهم على أن لا تصير الخلافة إلى بني هاشم إلى خمسة، هم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة كما تقدم.
والمتقدمون زعموا أن الصحيفة كتبت في مكة بجوار الكعبة، وأن سبب كتابتها هو إكثار رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدح علي بن أبي طالب، حتى خشي الصحابة أن يستخلفه عليهم بعده، ففكر بعضهم في أمر يستطيعون من خلاله الحيلولة بين علي وبين وصول الخلافة إليه، فخرجوا بفكرة الصحيفة([1916]).
وقد ذكر هؤلاء أن الخمسة الذين كتبوا الصحيفة ندموا عند موتهم على صنيعهم هذا، وودوا لو أنهم لم يكتبوا تلك الصحيفة.
فقد نسبوا إلى الصديق تبرأه منها، وندمه على كتابتها، وقوله عند موته: (هذا رسول الله، ومعه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة، وهو يقول: لقد وفيت بها وتظاهرت على وليّ الله أنت وأصحابك، فأبشر بالنار في أسفل السافلين، ثم لعن ابن صهاك، وقال: هو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني)([1917]).
ونسبوا إلى عمر أنه قال عند موته: (ليتني خرجت من الدنيا كفافاً لا علي ولا لي، فقال ابنه: تقول هذا؟ فقال: دعني نحن أعلم بما صنعنا أنا وصاحبي وأبو عبيدة ومعاذ)([1918]).
وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب حضرا معاذ بن جبل عند موته، وبشراه بالنار لتواطئه مع أبي بكر وعمر على علي بن أبي طالب، ونسبوا إليه أنه دعا على نفسه بالويل والثبور لموالاته لهما ضد علي([1919])
وكذا نسبوا إلى أبي عبيدة، وإلى سالم مولى أبي حذيفة نحواً من الأقوال التي نسبوها إلى الشيخين ومعاذ بن جبل([1920]).
ويزعم الشيعة أن هذه الصحيفة هي التي أحب علي أن يلقى الله بها، في قوله بعد موت عمر: (ما أحد أحب إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى)([1921]).
-وهناك آيات أخرى زعم الشيعة أنها نزلت في المتعاقدين بسبب تواطئهم على صرف أمر الخلافة عن علي بن أبي طالب، منها: قوله تعالى: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)) [البقرة:79]([1922])، وقوله: ((يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً)) [النساء:42]([1923])، وقوله: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) [النساء:63]([1924])، وقوله: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65]([1925]). وقوله تعالى: ((أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ)) [الزخرف:79]([1926]). وقوله تعالى: ((وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) [النمل:50]([1927])، وغير ذلك من الآيات.
مناقشة هذه المزاعم:
إن قضية تآمر بعض المنافقين على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة منصرفه من غزوة تبوك من الأمور المسلمة عند أهل السنة، وقد أوردها العديد منهم في مصنفاتهم، منهم الواقدي في المغازي([1928])، والواحدي في أسباب النزول([1929]) وابن تيمية في المنهاج، وفي الفتاوى([1930])، وابن كثير في البداية والنهاية، وفي التفسير([1931])، وابن القيم في زاد المعاد([1932])، والسيوطي في الدر المنثور([1933])، وغيرهم.
ولكن: لم يقل أحد منهم أن أحداً من العشرة المبشرين بالجنة، أو غيرهم من مشاهير الصحابة كانوا من المتآمرين على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعم الشيعة، بل كلهم أوردوا ما يدل على أن المتآمرين كانوا قلة حقيرة من المنافقين من جماعة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، أما الصحابة الذين أورد الشيعة أسماءهم زاعمين أنهم الذين أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلهم من المهاجرين، وكلهم من فضلاء الصحابة وأجلائهم.
ومعلوم أنه لم يكن أحد من المهاجرين منافقاً، بل كان أكثر المنافقين من الأوس والخزرج، ومن الأعراب القاطنين حول المدينة، كما أخبر الله تعالى عنهم: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)) [التوبة:101].
ولقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عن أصحابه العشرة الذين شهد لهم بالجنة راض([1934])، فكيف تتفق مزاعم الشيعة مع موته عليه السلام وهو راض عنهم؟
والرسول صلى الله عليه وسلم لما أطلع حذيفة بن اليمان على أسماء المنافقين الذين حاولوا اغتياله استكتمه ذلك، فكان يعرف بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان عمر رضي الله عنه لا يصلي إلا على من صلى عليه حذيفة ؛ لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها([1935]).
و الشيعة أرادوا أن يطعنوا في فضلاء الصحابة، فعمدوا إلى هذه الحادثة، وألفوا فيها الكثير من الحكايات المكذوبة، ثم زعموا أنهم اطلعوا على أسماء المنافقين الذين طلب رسول الله من حذيفة أن يكتمها، فادعوا أن المنافقين الذين أرادوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم العشرة المبشرون بالجنة -عدا علي - وغيرهم من كبار الصحابة. ولكنهم -أي الشيعة - تخبطوا في هذه القضية وفي القضية الأخرى التي لا أصل لها([1936])، والتي تعرف عند الشيعة بقضية الصحيفة -كخبط العشواء- ووقعوا في تناقضات كثيرة تثبت كذبهم وافتراءهم، وتدل على أن ما أوردوه من المزاعم إنما هو بهت وإفك مفترى.
ومن هذه التناقضات:
أولاً: اختلافهم في زمان وقوع الحادثة([1937]).
-بالنسبة للعقبة: اختلفوا فيما بينهم؛ هل وقعت في السنة الثامنة منصرف رسول الله من غزوة تبوك، أو وقعت في السنة العاشرة منصرف رسول الله من مكة بعد حجة الوادع، وقد تقدم الكلام على أن المتقدمين منهم اتخذوا من قضية العقبة الثابتة في كتب أهل السنة تكاة لهم، فوافقوا أهل السنة في زمانها، وخالفوا فيما عدا ذلك، وزادوا عليها أموراً كثيرة مكذوبة كي تتماشى مع معتقدهم في نفاق خيار الصحابة. ولكنهم وقعوا في مأزق لم يستطيعوا الخروج منه؛ وهو عدم وجود سبب وجيه-عندهم- يدفع كبار الصحابة إلى اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أن المناداة بولاية علي ووصايته لم تحدث بعد.
وهذا ما دفع بعض المتقدمين إلى العدول عن قولهم بأنها وقعت إثر غزوة تبوك إلى القول بأنها وقعت بعد حجة الوادع إثر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة أن يبايعوا علياً خليفة بعده في غدير خم -كما زعم الشيعة.
وبالنسبة للصحيفة: اختلفوا أيضاً فيما بينهم في زمانها؛ هل كان قبل منصرف رسول الله من مكة بعد حجة الوداع، أو بعد عودته إلى المدينة قادماً من مكة، على قولين تقدما.
ثانياً: اختلافهم في مكان وقوع الحادثة:
-بالنسبة للعقبة:اختلفوا فيما بينهم؛ هل وقعت في طريق تبوك، أو في طريق مكة - على قولين تقدما أيضاً-.
-وبالنسبة للصحيفة: اختلفوا هل كتبت في مكة بجوار الكعبة، أو كتبت في المدينة في دار أبي بكر الصديق.
ثالثاً: اختلافهم في السبب الدافع للقيام بهذه الحادثة:
-بالنسبة للعقبة: لم يذكر المتقدمون من الشيعة سبباً دافعاً للصحابة على مباشرتها.
وذكر المتأخرون أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بولاية علي ووصايته في غدير خم هو الذي دفع الصحابة إلى التفكير باغتياله.
-بالنسبة للصحيفة: اختلفوا في السبب الدافع لكتابتها، وقد نتج هذا الاختلاف عن اختلافهم في مكانها وزمانها؛ فالذين قالوا: إنها كتبت في مكة بعد حجة الوداع، ذكروا أن الدافع على كتابتها هو إكثار رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدح علي وأهل بيته، حتى إن الصحابة خشوا أن يولي علياً عليهم ففكروا في كتابتها، وكان من نتائجها: التفكير في اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما زعم الشيعة ذلك-.
والذين قالوا: إنها كتبت في المدينة بعد رجوع رسول الله من حجة الوداع ذكروا أن الدافع لها هو ما جرى في غدير خم من المناداة بولاية علي ووصايته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفشلهم في اغتيال رسول الله.
رابعاً: اختلافهم في عدد المباشرين للحادثة، وفي تحديدهم بأعيانهم:
بالنسبة للعقبة: اختلفوا: في عدد المباشرين لها على ثلاثة أقوال: اثنا عشر، أربعة عشر، أربعة وعشرون([1938]).
وقد تقدم أنهم اختلفوا في تحديد الصحابة المباشرين لها على أقوال كثيرة جداً، وأوصلهم تخبطهم إلى إيراد أسماء رجال لا يعتبرون من الصحابة، أو لم يلدوا أصلاً([1939]).
- بالنسبة للصحيفة: اختلفوا في عدد المباشرين أيضاً على أربعة أقوال هي: ثلاثة([1940])، خمسة، سبعة، أربعة وثلاثون([1941]).
وتقدم أنهم اختلفوا أيضاً في تحديد الصحابة الذين كتبوا الصحيفة وشهدوا عليها اختلافاً كثيراً، وقد أوصلهم التخبط إلى إيراد مجاهيل لا يُعرفون زعموا أنهم من الصحابة([1942]).
خامساً: اختلافهم في الكيفية التي عرف بها حذيفة بن اليمان أسماء المنافقين الذين تواطئوا على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خاص بـ العقبة):
فمنهم من قال: إن رسول الله أسر إليه أسماء المنافقين واستكتمه إياها([1943])، ومنهم من قال: إن الفرس التي يركبها حذيفة هي التي أخبرته بأسماء المنافقين الذين حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم([1944])، ومنهم من قال: إن حذيفة علم ذلك بنفسه: إذ أن الصخرة انشقت لـ حذيفة -على حد قولهم- ليدخل داخلها حتى يتعرف على المنافقين، ثم انفرجت الصخرة فحوله الله طائراً فطار في الهواء محلقاً حتى انقض بين يدي رسول الله، ثم أعيد على صورته فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما رأى وسمع([1945]).
ويزعم الشيعة أن حذيفة رغم معرفته نفاق هؤلاء الصحابة الذين أرادوا اغتيال رسول الله -ويعنون بهم العشرة عدا علي بن أبي طالب - إلا أنه كان متردداً في أمرهم، فمرة يقول بفضلهم، ومرة يطعن عليهم([1946]).
يريدون أنه كان مذبذباً -حاشاه رضي الله عنه- وما دامت حاله كذلك عندهم، فكيف اطّلعوا على أسماء المنافقين الذين أرادوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن قالوا منه، قلنا: إن رسول الله استكتمه، فإن زعموا أنه خالف رسول الله وأخبر بأسمائهم فكيف يأخذون عمن خالف رسول الله، وعمن يعتبرونه متردداً في أمره([1947]).
سادساً: اختلافهم في مضمون الصحيفة: (خاص بالصحيفة):
أورد جمهور الشيعة نص الصحيفة في مصنفاتهم، ويتلخص مضمونها بما زعموه من أن الصحابة تعاقدوا فيها على منع أهل البيت من أن تصير إليهم الخلافة، ومن أن الخلافة لا تكون بالنص، وإنما باختيار أهل الحل والعقد من المسلمين([1948]). ولكن بعض الشيعة خالف جمهور طائفته في مضمون الصحيفة، فزعم أن الصحابة تعاقدوا في الصحيفة على قتل علي بن أبي طالب، وتعاقدوا فيها أيضاً على أن لا يورثوا أحداً من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم([1949])، ولا يوجد في نص الصحيفة التي أوردها جمهور الشيعة في مصنفاتهم ما يدل على هذه المزاعم.
إلى آخر ما في القصص التي أوردوها من المتناقضات أما الآيــات التي استدلوا بها: فهي على قسمين -كما تقدم-.
أحدهما: آيات زعموا أنها نزلت في الصحابة بسبب قضية العقبة وحدها، أو العقبة والصحيفة معاً.
وأشهر ما استدلوا به على ذلك قوله تعالى: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)) [التوبة:74].
وهذه الآية من سورة التوبة التي نزلت في السنة التاسعة باعترافهم([1950])، وهي تتحدث عن قضيتي الصحيفة والعقبة -كما ادعى الشيعة - والصحيفة المزعومة كتبت في آخر السنة العاشرة بإجماع الشيعة ؛ سواء منهم من قال إنها كتبت في مكة، أو من قال: إنها كتبت في المدينة فعلى ذلك لا يسلم للشيعة استدلالهم بها.
وقد ذكر مفسروا أهل السنة عدة أسباب لنزول هذه الآية، منها: ما ذكروه من أنها نزلت بسبب مقالة عبد الله بن أبي: [ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يتبعك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل]. قالها حين اقتتل غلمان للمهاجرين مع غلمان للأنصار على الماء، فسمع بعض الصحابة مقالة ابن أبي، فأخبر رسول الله فحلف له أنه لم يقل، فأنزل الله هذه الآية([1951]). وقيل نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري([1952])، بسبب مقالته لبعض المنافقين: [إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير]، فسمع أحد الصحابة مقالته فرد عليه بقوله: [إن ما قال الحق ولأنت شر من حمار]، فهم المنافقون بقتله فهرع إلى رسول الله وأخبره، فاستدعاهم رسول الله وسألهم فحلفوا له، فأنزل الله هذه الآية([1953]).
وقد ذكر بعض المفسرين أنها نزلت في المنافقين الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك([1954])، وقد تقدم أن هذه القصة ثابتة عند أهل السنة، بيد أنهم لا يعرفون أعيان المنافقين الذين هموا بذلك، لأن رسول الله أخبر حذيفة بأسمائهم، وطلب منه أن لا يخبر أحداً، فكان عمر رضي الله عنه على الرغم من شدة اختصاصه والتصاقه برسول الله لا يعرف أسماءهم، لذلك كان لا يصلي على أحد مات حتى ينظر أيصلي عليه حذيفة أم لا، كما تقدم ذلك كله.
وزعم الشيعة أن المنافقين الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم هم العشرة المبشرون بالجنة -عدا علي - وغيرهم من فضلاء الصحابة من أبطل الباطل.
وهذا الزعم يستلزم أن من دونهم في الفضل يجوز عليهم أن يفعلوا كفعلهم، وهذا ما يريده الشيعة -من الطعن في الصحابة عموماً وفي أفضلهم على الإطلاق خصوصاً- أن يطعنوا في الذين كله الدين نقله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
أما الآيات الأخرى التي زعم الشيعة أنها نزلت في العشرة -عدا علي - ومن معهم من الصحابة بسبب اتفاقهم على منع أهل البيت حقهم، وهمهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة: فكلها لم تنزل فيهم بإجماع المفسرين، بل ولم تنزل في المنافقين بسبب إرادتهم قتل رسول الله، وإنما نزلت آية منها في اليهود([1955])، وأخرى في بعض المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بقصد تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم([1956])، وثالثة في المنافقين الذين طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي حجة على الشيعة([1957])، ورابعة نزلت في عموم المنافقين الذين اتخذوا اليهود أولياء([1958])، وخامسة في ابن أبي وجماعته([1959]). وسادسة عامة تدل على إحاطة علم الله تبارك وتعالى بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم، حيث كانوا وأين كانوا([1960]).
فليس في هذه الآيات التي أوردها الشيعة للاستدلال على معتقدهم في الصحابة ما يدل على ما ذهبوا إليه لا من قريب ولا بعيد.
وثانيهما: أما ثاني القسمين من الآيات التي استدل بها الشيعة، فقد زعموا أنها نزلت في الصحابة الذين كتبوا الصحيفة وتعاقدوا فيها على أن لا يسلموا أمر الخلافة إلى أحد من آل البيت، وخاصة علي منهم.
وأشهر ما استدلوا به على ذلك قوله تعالى: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)) [البقرة:79].
وهذه الآية نزلت في اليهود: حرفوا كتاب الله، وزادوا فيه ونقصوا، ثم باعوه لقوم لا علم لهم بما في التوراة، ويجهلون ما في كتاب الله، وذلك لطلب عرض من الدنيا خسيس، وعلى هذا إجماع المفسرين([1961])،ولم يقل أحد من المفسرين إنها نزلت في الذين كتبوا الصحيفة ليحولوا بين أهل البيت وبين الخلافة.
وكذا الحال بالنسبة للآيات الأخرى التي أوردها الشيعة، فإنها لا تمت إلى مزاعمهم بصلة؛ فواحدة منها عامة في كل من جحد وحدانية الله تعالى وعصى رسوله([1962])، والآيتان الباقيتان في عموم المنافقين الذين تركوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت([1963]).
وخلاصة القول: أن مزاعم الشيعة في هذا الباب لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وكلها إفك مفترى، وروايات يُكذِّب بعضها بعضاً، ويَنقض بعضها بعضاً.
عبدالقادر صوفي ..
([1874]) ابن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه.
([1875]) ابن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.
([1876]) الحديث مروي عن بعض الصحابة: منهم سعيد بن زيد، وقد تقدم تخريج حديثه (ص:335) ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وقد خرج له حديثه الترمذي في جامعه (5/147)، ك. المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عوف، ومنهم أبو ذر الغفاري، وقد أخرج له حديثه الملاء في سيرته (انظر الرياض النضر للمحب الطبري 1/35).
([1877]) انظر: مجمع الزوائد للهيثمي (9/55)، ودر السحابة للشوكاني (ص:133).
([1878]) تقدم بيان ذلك (ص:335).
([1879]) تقدم أنها من الألقاب التي يطلقها الشيعة على الشيخين.
([1880]) أبو المعازف: يريدون به معاوية، وأبوه: أبو سفيان، وسيأتي التصريح باسميهما في روايات أخرى.
([1881]) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المبشرين بالجنة. (الإصابة لابن حجر4/9) وقد ذكر الكوفي اسمه صراحة، وعده من المتآمرين على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (الاستغاثة 2/64).
([1882]) الخصال للصدوق (2/499).
([1883]) تفسير القمي (1/301). وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/715-716)، والبرهان للبحراني (2/147).
([1884]) تفسير القمي (1/301). وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/715-716)، والبرهان للبحراني (2/147).
([1885]) في كتابه المصباح (ص:555-556). والتناقض واضح بين ما ذكره القمي والكفعمي وبين ما رواه الصدوق في تعيين أسماء الصحابة الذين زعم الشيعة أنهم تآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
([1886]) هو أخو معاوية لأبيه وأمه. لا يعد من الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: [لم أر له بعد التتبع الكثير ذكراً قبل شهوده الدار حين قتل عثمان، ولم أر في ترجمته عند ابن عساكر ما يدل على أنه ولد في العصر النبوي] الإصابة (3/78). فما زعمه الشيعة من أنه كان ممن نفروا برسول الله ناقته عند العقبة من الأدلة على كذبهم، ودون إثباته خرط القتاد.
([1887]) الأنصاري، صحابي، توفي سنة أربع وخمسين. (الاستيعاب لابن عبد البر (4/161-162)، والإصابة (4/158-159)).
([1888]) تفسير الصافي (1/680).
([1889]) وهي كما قال. (كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة (ص:455، 456، 460).
([1890]) تفسير القمي (1/174). وانظر: تفسير الصافي (1/474).
([1891]) في السقيفة (ص:168).
([1892]) في التفسير (ص:130-131).
([1893]) في الصراط المستقيم (3/44، 254).
([1894]) في الكشكول (ص:184، 186-187).
([1895]) في إعلام الورى (ص:131).
([1896]) في علم اليقين (2/637-640، 652-655)، وفي قرة العيون (ص:417-418).
([1897]) في البرهان (1/562).
([1898]) في مرآة العقول-شرح الروضة-(4/333).
([1899]) في الدرجات الرفيعة (ص:263، 296-300).
([1900]) في الأنوار النعمانية (4/336-339).
([1901]) حق اليقين لشبر (1/213-214).
([1902]) علم اليقين للكاشاني (2/654-655).
([1903]) تفسير القمي (1/175)، وانظر تفسير الصافي للكاشاني (1/474).
([1904]) تفسير الصافي للكاشاني (1/114).
([1905]) تفسير العياشي (1/201). وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/309)، والبرهان للبحراني (1/322)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/504).
([1906]) تفسير الصافي للكاشاني (1/705).
([1907]) تفسير العياشي (2/95). وانظر تفسير الصافي للكاشاني (1/711-712)، والبرهان للبحراني (2/140-144)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/628).
([1908]) تفسير القمي (2/358). وانظر: البرهان للبحراني (4/310).
([1909]) الكشكول للآملي (ص:184)، البرهان للبحراني (4/337).
([1910]) تفسير القمي (2/356). وارجع تفسير الصافي للكاشاني (1/472).
([1911]) السقيفة لسليم بن قيس (ص:86، 118، 164-165، 167-168، 222-224)، والصراط المستقيم للبياضي (1/296)، (3/154)، وتفسير الصافي للكاشاني (1/466، 472)، ومقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص:282).
([1912]) فصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:73).
([1913]) راجع: علم اليقين للكاشاني (2/655-659)، والصوارم المهرقة للتستري (ص:75-78)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:307-310)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/340-349)، وحق اليقين لعبد الله شبّر (1/213-214).
([1914]) راجع: علم اليقين للكاشاني (2/655-659)، والصوارم المهرقة للتستري (ص:75-78)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:307-310)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/340-349)، وحق اليقين لعبد الله شبّر (1/213-214).
([1915]) كلهم ممن توفي بعد المائة الحادية عشرة من الهجرة.
([1916]) راجع: علم اليقين للكاشاني (2/655-659)، والصوارم المهرقة للتستري (ص:75-78)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:307-310)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/340-349)، وحق اليقين لعبد الله شبّر (1/213-214).
([1917]) راجع: السقيفة لسليم بن قيس (ص:222-223)، والخصال للصدوق (1/171)، والصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1918]) راجع: السقيفة لسليم بن قيس (ص:222-223)، والخصال للصدوق (1/171)، والصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1919]) راجع: السقيفة لسليم بن قيس (ص:222-223)، والخصال للصدوق (1/171)، والصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1920]) راجع: السقيفة لسليم بن قيس (ص:222-223)، والخصال للصدوق (1/171)، والصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1921]) معاني الأخبار للصدوق (ص:412)، والشافي للمرتضى (ص:111)، وتلخيص الشافي للطوسي (ص:431)، وعلم اليقين للكاشاني (2/658).
([1922]) علم اليقين للكاشاني (2/658).
([1923]) تفسير القمي (1/139).
([1924]) تفسير القمي (1/142). وانظر: البرهان للبحراني (1/387-388).
([1925]) تفسير القمي (1/142). وانظر: البرهان (1/389-390).
([1926]) الصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1927]) الصراط المستقيم للبياضي (3/153-155).
([1928]) المغازي (3/1042-1045).
([1929]) أسباب النزول (ص: 289-290).
([1930]) منهاج السنة النبوية (8/139)، والفتاوى (2/218).
([1931]) البداية والنهاية (5/19-21)، والتفسير (2/373-374).
([1932]) زاد المعاد (3/16-17).
([1933]) الدرالمنثور (3/259).
([1934]) صحيح البخاري (2/213)، ك. الجنائز، باب ما جاء في قبر عمر، و(5/86)، ك. الفضائل، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان، وصحيح مسلم (1/396)، ك. المساجد، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً.
([1935]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/218-219)، ومنهاج السنة النبوية له (8/139).
([1936]) لم يرد ما يعرف بقضية (الصحيفة) في أي كتاب من كتب أهل السنة، إلا صحيفة المقاطعة التي كتبها مشركو قريش، وتعاقدوا فيها على مقاطعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب؛ على أن لا ينحكوا إليهم ولا يُنكحوهم ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم. السيرة النبوية لابن هشام (1/350-351). فلعل الشيعة اخترعوا قصة الصحيفة المزعومة على غرار هذه القصة الآنفة الذكر.
([1937]) أعني بالحادثة كلتا القضيتين؛ قضية العقبة، وقضية الصحيفة.
([1938]) تفسير العسكري (ص:133).
([1939]) مثل عتبة بن أبي سفيان. راجع الإصابة لابن حجر (3/78).
([1940]) تفسير القمي (2/356).
([1941]) تقدم بيان هذا الاختلاف.
([1942]) مثل: بشر بن سعد، وسعد بن مالك، والوليد بن أبي ربيعة، وأبو مطيع بن أسد، وغيرهم.
([1943]) السقيفة لسليم بن قيس (ص:168).
([1944]) تفسير العسكري (ص:130-131).
([1945]) تفسير العسكري (ص:133).
([1946]) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص:28) وانظر: الدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:284-285).
([1947]) تقدم أنهم يقولون عنه كذلك (ص:262).
([1948]) راجع: السقيفة لسليم بن قيس (ص:86، 118)، والشافي للمرتضى (ص:111)، وعلم اليقين للكاشاني (2/657)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:301-302).
([1949]) الصراط المستقيم للبياضي (1/296)، (3/154)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/341-342).
([1950]) قال الكاشاني عند تفسيره لسورة التوبة: [سورة التوبة وهي مدنية كلها، وقال بعضهم: غير آيتين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم..) إلى آخر السورة. عدد آياها مائة وتسع وعشرون آية، نزلت سنة تسع من الهجرة، وفتحت مكة سنة ثمان، وحج رسول الله حجة الوداع سنة عشر]. تفسير الصافي للكاشاني (1/680).
([1951]) جامع البيان للطبري (10/185-188)، وتفسير ابن كثير (2/371-372)، وفتح القدير للشوكاني (2/382-384).
([1952]) كان منافقاً، ثم تاب وحسنت توبته. الإصابة (1/241).
([1953]) جامع البيان للطبري (10/185-188)، وتفسير ابن كثير (2/371-372)، وفتح القدير للشوكاني (2/382-384).
([1954]) مثل الواحدي في أسباب النزول (ص:289-290)، والسيوطي في الدر المنثور (3/259).
([1955]) وهي قوله تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون). راجع: جامع البيان للطبري (1/405-406)، وتفسير ابن كثير (1/122)، وفتح القدير للشوكاني (1/111-112).
([1956]) وهي قوله تعالى: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور...) الآية. راجع: جامع البيان للطبري (10/147-148)، وتفسير ابن كثير (2/361)، وفتح القدير للشوكاني (2/367).
([1957]) وهي قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب..) إلى قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم). راجع: جامع البيان للطبري (10/171-174)، وأسباب النزول للواحدي (ص:288)، وتفسير ابن كثير (2/367)، والدر المنثور للسيوطي (3/245)، وفتح القدير للشوكاني (2/377-378).
([1958]) وهي قوله تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم). راجع: جامع البيان للطبري (28/24-25)، والمستدرك للحاكم (2/482)، وأسباب النزول للواحدي (ص:476-477)، وتفسير القرطبي (17/304)، وتفسير ابن كثير (4/328)، وفتح القدير للشوكاني (5/192-193).
([1959]) وهي قوله: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة...). راجع جامع البيان للطبري (28/112-117)، وتفسير ابن كثير (4/371-372)، وفتح القدير للشوكاني (5/232-233). وانظر من مصادر الشيعة: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب (1/201)، والبرهان للبحراني 4/337-فكلاهما ذكرا أن عبد الله بن أبيّ هو قائل هذه المقالة-.
([1960]) وهي قوله تعالى: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات والأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم..) الآية. راجع: جامع البيان للطبري (28/12-13)، وتفسير ابن كثير (4/322)، وفتح القدير للشوكاني (5/186-187).
([1961]) جامع البيان للطبري (1/378-380)، وتفسير ابن كثير (1/117-118)، وفتح القدير للشوكاني (1/105-106).
([1962]) وهي قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا). راجع: جامع البيان للطبري (5/93-94)، وتفسير ابن كثير (1-499)، وفتح القدير للشوكاني (1/468).
([1963]) وهما قوله: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً...)، وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم...) الآية. راجع: جامع البيان للطبري (5/155-156، 158-160)، وتفسير ابن كثير (1/519-521)، وفتح القدير للشوكاني (1/482-484)