آخر تحديث للموقع :

الخميس 4 رجب 1444هـ الموافق:26 يناير 2023م 10:01:54 بتوقيت مكة

جديد الموقع

شبهة الاستدلال بالآيات التي تتحدث عن إمكان ارتداد بعض المؤمنين ..

شبهة الاستدلال بالآيات التي تتحدث عن إمكان ارتداد بعض المؤمنين

(استدل بعضهم) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم وذلك كقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟! .. [آل عمران:144] ، وقوله سبحانه: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .. [البقرة:143]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ .. [المائدة:54].

و علاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم من الوقوع في المعصية أو الجنوح لأهواء المضلين، ومثل هذه التحذيرات تدل على أن وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الأمور أمر ممكن ومحتمل (إن لم يعصمه الله) ، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ممكناً، أفلا يكون في حق غيره محتملاً بنسبة أكثر بكثير؟

وذلك مثل قوله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:73 - 75] أو قوله تعالى: .. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145]، أو قوله سبحانه: .. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ. وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:105 - 106] ، أو قوله: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1] ونحوها.

قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله وسلم من الوقوع في الشرك أو الخطأ أو العصيان أو اتباع أهواء الكفار،

فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلاً لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل والنقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم استحق مدح اللهِ والثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه فكما أنه لم يمنع كل المديح والثناء الذي شرَّف الله به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم من بقاء إمكان الانحراف والوقوع بالعصيان منه، أي مجرّد الإمكان العقلي، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال العقلي ممكناً في حقِّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم وحفظهم. وهذا ما وقع فعلاً منهم حسبما تدعي الشيعه من ردّة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم طبقاً لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!

والجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلاً) أن يقعوا في الشرك والعصيان لا يصح أبداً على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة وحتى الوفاة، فضلاً عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان وتوحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام، رغم أن العقل والنقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين (لعله يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه ونحته للأصنام وعدم توبته).

ولنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم وجعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل في الكفر غير محال وقالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة، سيما أنه تعالى حذَّرهم بأن من يرتدّ منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله ويستبدلهم بمؤمنين آخرين، فنقول:

أجل إن احتمال الوقوع في المعصية والشرك وارد في حق كل ابن آدم أيَّاً كان، ولكن هذا مجرد احتمال وإمكان ، والإمكان وَحْده لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين والأنصار، ودون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أو إنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية، فمن الذي أنكر شيئاً من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم سيما المهاجرين والأنصار منهم؟

في أي سورة أو آية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحو الذي يدعونه أو النص على علي فأنكروه؟

وأصلاً لو كان لمسألة الإمامة على النحو الذي تدعيه الإمامية أصلٌ في القرآن لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أو الآيات بذكر ولم يدَّع النصّ على جنابه من قبل الله تعالى ورسوله في أي مقام وتخاذل في هذا الأمر إلى هذا الحد!!

لو كان حضرة عليٍّ قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى ورسوله للخلافة لوجب عليه أن يخالف وينازع أبا بكر حتى الموت ولا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال هو نفسه عليه السلام ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد: [والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إليَّ رسول الله عهداً لجالدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره] (نقله القاضي نور الله الشوشتري في كتابه: الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة (ص 281، مطبعة النهضة/طهران، 1367 هـ. ق.) عن كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي الذي أورده بقوله: وأخرج الدارقطني وروى معناه من طرق كثيرة ... فذكر الحديث. ورواه المتقي الهندي في «كنز العمال»: ج 5/ص 656، حديث رقم 14152، وذكر في بيان مصدره عبارة (العشاري)

وكما قال ذلك أيضاً حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال: «حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لِلَّه فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا ، قال: فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعاً بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، والله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين ثم قال: لقد أساء آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقاً ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم حقا وأحق بأن يرغبوا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختارا عليّاً لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه كما أمره ويعذر فيه إلى الناس.

فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟.

قال: أما والله، أن لو يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس، لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال الحسن: «أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليّاً لأجل هذا الأمر ولم يُقْدِم عليٌّ كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً» (انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القادر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 (بيروت، دار المسيرة 1399 هـ / 1979) أو تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر، دار الفكر، ج 13/ص 70 - 71.)

أجل إن سكوت ذلك الجناب وتسليمه لمن سبقه أفضل دليل على عدم النص الإلهي عند أولي الألباب، وكما يقال: السكوت في موضع البيان، بيان الشناوي عوض ..

عدد مرات القراءة:
1490
إرسال لصديق طباعة
الثلاثاء 6 ربيع الآخر 1444هـ الموافق:1 نوفمبر 2022م 01:11:01 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية الولاية"
بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة/55].
يستدل الشيعة الإمامية بهذه الآية على أمامة علي - رضي الله عنه - وأنه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين - مستدلين بما جاء في تفسير الطبري، حيث قال الطبري في "جامع البيان" (425/10): "وأما قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}؛ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم عُني به علي، وقال بعضهم عُني به جميع المؤمنين" انتهى.
وفيما يلي عرض الروايات في "جامع البيان للطبري" التي تقول إن الآية نزلت في علي (رض) وبيان أسانيدها:
• (12210) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد ، فأعطاه خاتَمَه.
وهذا سند ضعيف فيه علل:
1- أحمد بن المفضل الحفري (أبو علي الكوفي): قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان صدوقاً، وكان من رؤساء الشيعة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (77/2)، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/109) (ص/84): "صدوق شيعي في حفظه شيء" انتهى.
2- اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي): وهو مولى زينب بنت قيس بن مخرمة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (132/3)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (87/1): "حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَأَتَيْتُ السُّدِّيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَحَدَّثَنِي بِهَا فَلَمْ أُتِمَّ مَجْلِسِي حَتَّى سَمِعْتُهُ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ" انتهى، وقال فيه ليث بن أبي سليم: "كان بالكوفة كذابان، فمات أحدهما: السدي والكلبي" انتهى من "ميزان الأعتدال الذهبي" (237/1).

• (12213) حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال: حدثنا أيوب بن سويد قال: حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"، قال: علي بن أبي طالب.
وهذا سند ضعيف فيه علل:
1- أيوب بن سويد الرملي: قَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ضَعِيفٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ بشَيْءٍ كَانَ يَسْرِقُ الأَحَادِيثَ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2).
2- عتبة بن أبي حكيم الشعباني: قال فيه علي بن المديني: "كَانَ ضَعِيفا" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (ص/159)، قال فيه النسائي: "ضعيف" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (94/7 - 95).

• (12214) حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: "إنما وليكم الله ورسوله"، الآية، قال: نـزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع.
وهذا سند ضعيف فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري، وهو متروك الحديث، قال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/91): "غَالب بن عبيد الله مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ بثقة" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (109/7)، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (48/7)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان في "المجروحين" (201/2): "كَانَ مِمَّن يروي المعضلات عَن الثِّقَات حَتَّى رُبمَا سبق إِلَى الْقلب أَنه كَانَ الْمُتَعَمد لَهَا لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.

وتجدر الإشارة إلى أن الخطيب البغدادي قد روى رواية التصدق بالخاتم في "المتفق والمفترق" (258/1)، من طريق أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى قال: حدثنا محمد بن عمر يعني ابن بشير قال: حدثنا مطلب ابن زياد، عن السدي، عن أبي عيسى، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسائل: «من أعطاك هذا الخاتم؟» فقال: ذاك الراكع، فأنزل الله تعالى فيه: {إنما وليكم الله ورسوله...} الآية".
وهذا السند فيه اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي)، وقد سبق بيان حاله.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد ابن كثير في "تفسيره" (126/3) رواية عبد الرزاق الصنعاني حول سبب نزول آية الولاية كالآتي:
"وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " انتهى.
وهذا السند فيه عبد الوهاب بن مجاهد، ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (98/6) وقال: "عَبْد الْوَهَّابِ بْن مجاهد بْن جبر مولى السائب الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِيه، قَالَ وكيع: كَانُوا يَقُولُون: إنَّهُ لم يسمع من أَبِيه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "لَيْسَ بِشَيْء، ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/4477)، وقال فيه سفيان الثوري: "كَذَّاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (70/6).

كما أورد ابن كثير أيضاً في "تفسيره" (126/3) رواية ابن أبي حاتم الرازي حول سبب نزول آية الولاية كالآتي:
"وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ" انتهى.
وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- موسى بن قيس الحضرمي (أبو محمد الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (164/4): "مِنَ الْغُلَاةِ فِي الرَّفْضِ" انتهى. وساق له العقيلي بضعة احاديث وقال: "وَهُوَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ رَدِيئَةٍ بَوَاطِيلَ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (165/4).
2- سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه أحمد العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6). ومن الجدير بالذكر أن الراوي الذي فيه تشيع - سواء كان التشيع خفيف أو غالٍ - قد يروي رواية ضعيفة، وقد تكون هذه الرواية الضعيفة فيما يؤيد بدعته، وبالتالي ترد هذه الرواية، وذلك لأن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.

ونلاحظ مما سبق بأن جميع أسانيد الروايات التي تقول إن الآية نزلت في علي - رضي الله عنه - فيها كلام ما يضعف هذه الروايات، والله أعلم .

وهذا هو أبو جعفر محمد بن علي (محمد الباقر) يتعجب من سؤال أحد الحاضرين في مجلسه حول نزول الآية في علي بن ابي طالب ويرد عليهم بأن علياً من الذين آمنوا، أي يقصد ان الآية نزلت في جميع المؤمنين، حيث قال الطبري في "جامع البيان" (425/10 - 426): "حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }، قلت: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا" انتهى.

فإذن الرواية التي تحكي أن علياً أدى الزكاة وهو راكع؛ فهيئة مثيرة للتعجب أن يعطي المزكي زكاته وهو راكع، ولم لا يعطيها وهو ساجد!!!
قال ابن كثير: "وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُمْ راكِعُونَ فَقَدْ تَوَهَّمَ بعض الناس أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أَيْ فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى" [تفسير ابن كثير 125/3 - 126].
والذي زعم أنها نزلت في علي - رضي الله عنه - هو الثعلبي، وهو الملقب بحاطب الليل؛ لأنه لا يميز الصحيح من الضعيف، وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح، وهو عند أهل العلم من أوهى ما يروى في التفسير. حيث قال السيوطي - رحمه الله - في "الإتقان في علوم القرآن" (239/4): "وأوهى طرقه - يعني طرق التفسير عن ابن عباس - طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب" انتهى.
قال ابن حجر العسقلاني: "رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن علي الصائغ، وعند ابن مردويه من حديث عمار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو واقف في صلاته… الحديث. وفي إسناده خالد بن يزيد العمر وهو متروك، ورواه الثعلبي من حديث أبي ذر مطولا وإسناده ساقط" [الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر العسقلاني، هامش الكشاف 649/1].
فلا يمكن أن يبنى ركن الإمامة على هذه الآثار الضعيفة.
و يسمي الشيعة الأمامية آية الولاية بكسر الواو، وهو خطأ، والصحيح بفتح الواو، وسياق الآية يناسب هذا التنبيه؛ لأن السياق متعلق بمودة المؤمنين ومؤازرتهم لا بموضوع الإمامة.
والاصح ان الآية نزلت في عبادة بن الصامت في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حيث أخرج الطبري الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في "جامع البيان" (424/10) بأسانيد مختلفة منها:
• (12207) حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -= وكان أحد بني عوف بن الخزرج= فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم! ففيه نـزلت: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"= لقول عبادةَ: "أتولى الله ورسوله والذين آمنوا" ، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم= إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.
وإسناده حسن.
قال ابن كثير في"تفسيره" (127/3): "وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَبَرَّأَ من حلف اليهود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ" انتهى.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في "تفسيره" (ص/236): "فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي: خاضعون لله ذليلون" انتهى.
………………………………………………………..
الأثنين 22 صفر 1444هـ الموافق:19 سبتمبر 2022م 03:09:13 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية الولاية"
بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة/55].
يستدل الشيعة الإمامية بهذه الآية على أمامة علي - رضي الله عنه - وأنه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين - مستدلين بما جاء في تفسير الطبري، حيث قال الطبري في "جامع البيان" (425/10): "وأما قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}؛ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم عُني به علي، وقال بعضهم عُني به جميع المؤمنين" انتهى.
وفيما يلي عرض الروايات في "جامع البيان للطبري" التي تقول إن الآية نزلت في علي (رض) وبيان أسانيدها:
• (12210) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد ، فأعطاه خاتَمَه.
وهذا سند ضعيف فيه علل:
1- أحمد بن المفضل الحفري (أبو علي الكوفي): قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان صدوقاً، وكان من رؤساء الشيعة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (77/2)، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/109) (ص/84): "صدوق شيعي في حفظه شيء" انتهى.
2- اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي): وهو مولى زينب بنت قيس بن مخرمة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (132/3)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (87/1): "حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَأَتَيْتُ السُّدِّيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَحَدَّثَنِي بِهَا فَلَمْ أُتِمَّ مَجْلِسِي حَتَّى سَمِعْتُهُ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ" انتهى، وقال فيه ليث بن أبي سليم: "كان بالكوفة كذابان، فمات أحدهما: السدي والكلبي" انتهى من "ميزان الأعتدال الذهبي" (237/1).

• (12213) حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال: حدثنا أيوب بن سويد قال: حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"، قال: علي بن أبي طالب.
وهذا سند ضعيف فيه علل:
1- أيوب بن سويد الرملي: قَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ضَعِيفٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ بشَيْءٍ كَانَ يَسْرِقُ الأَحَادِيثَ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2).
2- عتبة بن أبي حكيم الشعباني: قال فيه علي بن المديني: "كَانَ ضَعِيفا" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (ص/159)، قال فيه النسائي: "ضعيف" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (94/7 - 95).

• (12214) حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: "إنما وليكم الله ورسوله"، الآية، قال: نـزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع.
وهذا سند ضعيف فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري، وهو متروك الحديث، قال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/91): "غَالب بن عبيد الله مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ بثقة" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (109/7)، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (48/7)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان في "المجروحين" (201/2): "كَانَ مِمَّن يروي المعضلات عَن الثِّقَات حَتَّى رُبمَا سبق إِلَى الْقلب أَنه كَانَ الْمُتَعَمد لَهَا لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.

وقد روى الخطيب البغدادي رواية التصدق بالخاتم في "المتفق والمفترق" (258/1)، من طريق أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى قال: حدثنا محمد بن عمر يعني ابن بشير قال: حدثنا مطلب ابن زياد، عن السدي، عن أبي عيسى، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسائل: «من أعطاك هذا الخاتم؟» فقال: ذاك الراكع، فأنزل الله تعالى فيه: {إنما وليكم الله ورسوله...} الآية".
وهذا السند فيه اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي)، وقد سبق بيان حاله.

كما أورد ابن كثير في "تفسيره" (126/3) رواية عبد الرزاق الصنعاني حول سبب نزول آية الولاية كالآتي:
"وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " انتهى.
وهذا السند فيه عبد الوهاب بن مجاهد، ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (98/6) وقال: "عَبْد الْوَهَّابِ بْن مجاهد بْن جبر مولى السائب الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِيه، قَالَ وكيع: كَانُوا يَقُولُون: إنَّهُ لم يسمع من أَبِيه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "لَيْسَ بِشَيْء، ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/4477)، وقال فيه سفيان الثوري: "كَذَّاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (70/6).

وأيضاً أورد ابن كثير في "تفسيره" (126/3) رواية ابن أبي حاتم الرازي حول سبب نزول آية الولاية كالآتي:
"وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ" انتهى.
وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- موسى بن قيس الحضرمي (أبو محمد الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (164/4): "مِنَ الْغُلَاةِ فِي الرَّفْضِ" انتهى. وساق له العقيلي بضعة احاديث وقال: "وَهُوَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ رَدِيئَةٍ بَوَاطِيلَ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (165/4).
2- سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه أحمد العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6). ومن الجدير بالذكر أن الراوي الذي فيه تشيع - سواء كان التشيع خفيف أو غالٍ - قد يروي رواية ضعيفة، وقد تكون هذه الرواية الضعيفة فيما يؤيد بدعته، وبالتالي ترد هذه الرواية، وذلك لأن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته، فلا يجوز قبولها، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى.

ونلاحظ مما سبق بأن جميع أسانيد الروايات التي تقول إن الآية نزلت في علي - رضي الله عنه - فيها كلام ما يضعف هذه الروايات، والله أعلم .

وهذا هو أبو جعفر محمد بن علي (محمد الباقر) يتعجب من سؤال أحد الحاضرين في مجلسه حول نزول الآية في علي بن ابي طالب ويرد عليهم بأن علياً من الذين آمنوا، أي يقصد ان الآية نزلت في جميع المؤمنين، حيث قال الطبري في "جامع البيان" (425/10 - 426): "حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }، قلت: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا" انتهى.

فإذن الرواية التي تحكي أن علياً أدى الزكاة وهو راكع؛ فهيئة مثيرة للتعجب أن يعطي المزكي زكاته وهو راكع، ولم لا يعطيها وهو ساجد!!!
قال ابن كثير: "وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُمْ راكِعُونَ فَقَدْ تَوَهَّمَ بعض الناس أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أَيْ فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى" [تفسير ابن كثير 125/3 - 126].
والذي زعم أنها نزلت في علي - رضي الله عنه - هو الثعلبي، وهو الملقب بحاطب الليل؛ لأنه لا يميز الصحيح من الضعيف، وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح، وهو عند أهل العلم من أوهى ما يروى في التفسير. حيث قال السيوطي - رحمه الله - في "الإتقان في علوم القرآن" (239/4): "وأوهى طرقه - يعني طرق التفسير عن ابن عباس - طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب" انتهى.
قال ابن حجر العسقلاني: "رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن علي الصائغ، وعند ابن مردويه من حديث عمار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو واقف في صلاته… الحديث. وفي إسناده خالد بن يزيد العمر وهو متروك، ورواه الثعلبي من حديث أبي ذر مطولا وإسناده ساقط" [الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر العسقلاني، هامش الكشاف 649/1].
فلا يمكن أن يبنى ركن الإمامة على هذه الآثار الضعيفة.
و يسمي الشيعة الأمامية آية الولاية بكسر الواو، وهو خطأ، والصحيح بفتح الواو، وسياق الآية يناسب هذا التنبيه؛ لأن السياق متعلق بمودة المؤمنين ومؤازرتهم لا بموضوع الإمامة.
والاصح ان الآية نزلت في عبادة بن الصامت في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حيث أخرج الطبري الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في "جامع البيان" (424/10) بأسانيد مختلفة منها:
• (12207) حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -= وكان أحد بني عوف بن الخزرج= فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم! ففيه نـزلت: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"= لقول عبادةَ: "أتولى الله ورسوله والذين آمنوا" ، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم= إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.
وإسناده حسن.
قال ابن كثير في"تفسيره" (127/3): "وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَبَرَّأَ من حلف اليهود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ" انتهى.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في "تفسيره" (ص/236): "فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي: خاضعون لله ذليلون" انتهى.
………………………………………………………..
الأحد 16 محرم 1444هـ الموافق:14 أغسطس 2022م 03:08:54 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية الولاية"
بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [سورة المائدة - الآية 55].
يستدل الشيعة الإمامية بهذه الآية على أمامة علي - رضي الله عنه - وأنه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم أجمعين - مستدلين بما جاء في تفسير الطبري ، حيث قال الطبري في تفسيره : "وأما قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ؛ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم عُني به علي، وقال بعضهم عُني به جميع المؤمنين" انتهى .
وفيما يلي عرض الروايات في "تفسير الطبري" التي تقول إن الآية نزلت في علي (رض) وبيان أسانيدها :
•(12210) - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتَمَه.
وهذا سند ضعيف فيه علل :
1.أحمد بن المفضل الحفري (أبو علي الكوفي) : قال فيه أبو حاتم الرازي :"كان صدوقاً ، وكان من رؤساء الشيعة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (77/2) ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/109) (ص/84) :"صدوق شيعي في حفظه شيء" انتهى .
2.اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي) : وهو مولى زينب بنت قيس بن مخرمة كما قال المزي في "تهذيب الكمال" (132/3) ، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (87/1) :"حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَأَتَيْتُ السُّدِّيَّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَحَدَّثَنِي بِهَا فَلَمْ أُتِمَّ مَجْلِسِي حَتَّى سَمِعْتُهُ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ" انتهى ، وقال فيه ليث بن أبي سليم :"كان بالكوفة كذابان، فمات أحدهما: السدي والكلبي" انتهى من "ميزان الأعتدال الذهبي" (237/1) .

•(12213) - حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، قال: علي بن أبي طالب.
وهذا سند ضعيف فيه علل :
1.أيوب بن سويد الرملي : قَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل :"أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ضَعِيفٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16) :"لَيْسَ بِثِقَة" انتهى ، وَقَالَ فيه يحيى بن معين :"لَيْسَ بشَيْءٍ كَانَ يَسْرِقُ الأَحَادِيثَ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (23/2) .
2.عتبة بن أبي حكيم الشعباني : قال فيه علي بن المديني :"كَانَ ضَعِيفا" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (ص/159) ، قال فيه النسائي :"ضعيف" انتهى من "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (94/7-95) .

•(12214) - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: " إنما وليكم الله ورسوله "، الآية، قال: نـزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع.
وهذا سند ضعيف فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري ، وهو متروك الحديث ، قال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/91) :"غَالب بن عبيد الله مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقَالَ فيه يحيى بن معين :"لَيْسَ بثقة" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (109/7) ، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ :"متروك الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (48/7) ، وَقَالَ فيه ابْن حبَان في "المجروحين" (201/2) :"كَانَ مِمَّن يروي المعضلات عَن الثِّقَات حَتَّى رُبمَا سبق إِلَى الْقلب أَنه كَانَ الْمُتَعَمد لَهَا لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى .

وقد روى الخطيب البغدادي رواية التصدق بالخاتم في "المتفق والمفترق" (258/1) ، من طريق أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى قال : حدثنا محمد بن عمر يعني ابن بشير قال : حدثنا مطلب ابن زياد ، عن السدي ، عن أبي عيسى ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :"تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسائل : «من أعطاك هذا الخاتم؟» فقال : ذاك الراكع، فأنزل الله تعالى فيه : {إنما وليكم الله ورسوله ... } الآية" .
وهذا السند فيه اسماعيل بن عبد الرحمن السدي (أبو محمد القرشي الكوفي) ، وقد سبق بيان حاله .

كما أورد ابن كثير في "تفسيره" (126/3) رواية عبد الرزاق الصنعاني حول سبب نزول آية الولاية كالآتي :
"وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " انتهى .
وهذا السند فيه عبد الوهاب بن مجاهد ، ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (98/6) وقال :"عَبْد الْوَهَّابِ بْن مجاهد بْن جبر مولى السائب الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِيه، قَالَ وكيع: كَانُوا يَقُولُون: إنَّهُ لم يسمع من أَبِيه" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"لَيْسَ بِشَيْء ، ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/4477) ، وقال فيه سفيان الثوري :"كَذَّاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (70/6) .

وكذلك أورد ابن كثير في "تفسيره" (126/3) رواية ابن أبي حاتم الرازي حول سبب نزول آية الولاية كالآتي :
"وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَحْوَلُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَنَزَلَتْ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ" انتهى .
وهذا السند فيه أكثر من علة :
1- موسى بن قيس الحضرمي (أبو محمد الكوفي) ، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (164/4) :"مِنَ الْغُلَاةِ فِي الرَّفْضِ" انتهى . وساق له العقيلي بضعة احاديث وقال :"وَهُوَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ رَدِيئَةٍ بَوَاطِيلَ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (165/4) .
2- سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود السجستاني :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . ومن الجدير بالذكر أن الراوي الذي فيه تشيع - سواء كان التشيع خفيف أو غالٍ - قد يروي رواية ضعيفة ، وقد تكون هذه الرواية الضعيفة فيما يؤيد بدعته ، وبالتالي ترد هذه الرواية ، وذلك لأن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .

ونلاحظ مما سبق بأن جميع أسانيد الروايات التي تقول إن الآية نزلت في علي - رضي الله عنه - فيها كلام ما يضعف هذه الروايات ، والله أعلم .

وهذا هو أبو جعفر محمد بن علي (محمد الباقر) يتعجب من سؤال أحد الحاضرين في مجلسه حول نزول الآية في علي بن ابي طالب ويرد عليهم بأن علياً من الذين آمنوا ، أي يقصد ان الآية نزلت في جميع المؤمنين ، حيث أخرج الطبري في "تفسيره" (425/10-426) ، من طريق هناد بن السري قال، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }، قلت: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا.

فإذن الرواية التي تحكي أن علياً أدى الزكاة وهو راكع؛ فهيئة مثيرة للتعجب أن يعطي المزكي زكاته وهو راكع، ولم لا يعطيها وهو ساجد!!!
قال ابن كثير :"وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُمْ راكِعُونَ فَقَدْ تَوَهَّمَ بعض الناس أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أَيْ فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ، لَكَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ نَعْلَمُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى" [تفسير ابن كثير 125/3-126].
والذي زعم أنها نزلت في علي - رضي الله عنه - هو الثعلبي، وهو الملقب بحاطب الليل؛ لأنه لا يميز الصحيح من الضعيف، وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح، وهو عند أهل العلم من أوهى ما يروى في التفسير.
قال ابن حجر العسقلاني: "رواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن علي الصائغ، وعند ابن مردويه من حديث عمار بن ياسر قال: وقف بعلي سائل وهو واقف في صلاته… الحديث. وفي إسناده خالد بن يزيد العمر وهو متروك، ورواه الثعلبي من حديث أبي ذر مطولا وإسناده ساقط" [الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر العسقلاني، هامش الكشاف 649/1].
فلا يمكن أن يبنى ركن الإمامة على هذه الآثار الضعيفة.
و يسمي الشيعة الأمامية آية الولاية بكسر الواو، وهو خطأ، والصحيح بفتح الواو، وسياق الآية يناسب هذا التنبيه؛ لأن السياق متعلق بمودة المؤمنين ومؤازرتهم لا بموضوع الإمامة.
والاصح ان الآية نزلت في عبادة بن الصامت في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، كما جاء في "تفسير الطبري" (424/10) بأسانيد مختلفة منها :
•(12207) - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -= وكان أحد بني عوف بن الخزرج= فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم! ففيه نـزلت: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "= لقول عبادةَ: " أتولى الله ورسوله والذين آمنوا "، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم= إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ .
وإسناده حسن.
قال ابن كثير في"تفسيره" (127/3) :"وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَبَرَّأَ من حلف اليهود، وَرَضِيَ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ" انتهى .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله تعالى - في "تفسيره" (ص/236) : "فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي: خاضعون لله ذليلون" انتهى .
………………………………………………………..
 
اسمك :  
نص التعليق :