موقف عائشة من آل البيت
إن ما ذكره أهل الفتنة والهوى حول موقف عائشة أم المؤمنين من صهرها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ، لا يصح منه شيء، ولا يقره عاقل، ولاسيما أن الصحيح من الأخبار يدل على عظيم التقدير والاحترام الذي كانت تكنّه لعليّ وأبنائه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
وهذا الباب الحديث عنه من وجهين:
أولاً: عائشة وأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من آل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله على هذا كثيرة وأكتفي بدليل واحد صريح:
ـ قال تعالى: (يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ). الأحزاب: 32 - 34. [1]
قال ابْنِ عَبَّاسٍ: (نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خاصة).
و عِكْرِمَةُ يُنَادِي فِي السُّوقِ: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت }. قَالَ: «نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَاصَّةً»وكان يقول: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.[2]
قال العلامة ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ [3]: (ثم الذي لا يشك فيه من تَدَبَّر القرآن أن نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ داخلات في قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيت }، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق أَوْلاهُنَّ بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوحيُ في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قال بعض العلماء ـ رحمه الله تعالى ـ: لأنه لم يتزوج بكراً سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية. ).
ثانياً: علاقة عائشة ـ رضي الله عنها ـ بعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ..فإنها مبنية على المودة، والاحترام، والتقدير المتبادل، فعليّ أعرف الناس بمقام عائشة، ومنزلتها في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقلوب المسلمين، كما كانت هي الأخرى تعرف لعليّ سابقته في الإسلام، وفضله وجهاده، وتضحياته، ومصاهرته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
خلافاً لما يرويه الشيعة أن أم المؤمنين الطاهرة العفيفة عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ كانت تكره و تبغض صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وابن عمه علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ، والسؤال إذا كان مايقولونه صحيحاً فكيف تروي فضائله.
وقد روت عدداً من الأحاديث في فضل عليّ وأهل البيت ـ رضي الله عنهم ـ، ذكرها أئمة الحديث بأسانيدها، وهي تدل دلالة واضحة على عظيم احترامها وتقديرها لأمير المؤمنين عليّ وأهل البيت ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
ـ روت حديث الكساء في فضل علي، وفاطمة، والحسن، والحسين ـ رضي الله عنهم ـ.[4]
ـ كانت تحيل السائل على علي بن أبي طالب ليجيبه فعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَسَأَلْنَاهُ [5].
ـ طلبت من الناس بعد استشهاد عثمان ـ رضي الله عنه ـ أن يلزموا علياً ـ رضي الله عنه ـ بالبيعة.
ففي مصنف ابن أبي شيبة [6]عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ قال لعائشة: إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ فَمَا تَأْمُرِينِي , فَقُالْتِ لِي: الْزَمْ عَلِيًّا.
قال ابن المهلب[7]: (ويدل لذلك أن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان ).
وبعد هذا كيف يجرئ من كان له أدنى ذرة عقل، أو دين أن يتهمها ـ رضي الله عنها ـ بنصب العداء لعلي ـ رضي الله عنه ـ.
----------------------
[1] ـ قال الإمام القرطبي في تفسيره (14 / 181):(قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: تَعَلَّقَ الرَّافِضَةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ- بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ إِذْ قَالُوا: إِنَّهَا خَالَفَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ خَرَجَتْ تَقُودُ الْجُيُوشَ، وَتُبَاشِرُ الْحُرُوبَ، وَتَقْتَحِمُ مَأْزِقَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ فِيمَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا. قَالُوا: وَلَقَدْ حُصِرَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَمَرَتْ بِرَوَاحِلِهَا فَقُرِّبَتْ لِتَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ: أَقِيمِي هُنَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَرُدِّي هَؤُلَاءِ الرَّعَاعَ، فَإِنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ حَجِّكِ.قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نذرت عَنْهَا، نَذَرَتِ الْحَجَّ قَبْلَ الْفِتْنَةِ، فَلَمْ تَرَ التَّخَلُّفَ عَنْ نَذْرِهَا، وَلَوْ خَرَجَتْ فِي تِلْكَ الثَّائِرَةِ لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابًا لَهَا. وَأَمَّا خُرُوجُهَا إِلَى حَرْبِ الْجَمَلِ فَمَا خَرَجَتْ لِحَرْبٍ، وَلَكِنْ تَعَلَّقَ النَّاسُ بِهَا، وَشَكَوْا إِلَيْهَا مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ الْفِتْنَةِ وَتَهَارُجِ النَّاسِ، وَرَجَوْا بَرَكَتَهَا، وَطَمِعُوا فِي الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهَا إِذَا وَقَفَتْ إِلَى الْخَلْقِ، وَظَنَّتْ هِيَ ذَلِكَ مُقْتَدِيَةً بِاللَّهِ فِي قَوْلِهِ:" لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ" [النساء: 114]، وَقَوْلِهِ:" وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما" [الحجرات: 9] وَالْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ مُخَاطَبٌ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ ذكر وأنثى، حر أَوْ عَبْدٍ فَلَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعَالَى بِسَابِقِ قَضَائِهِ وَنَافِذِ حُكْمِهِ أَنْ يَقَعَ إِصْلَاحٌ، وَلَكِنْ جَرَتْ مُطَاعَنَاتٌ وَجِرَاحَاتٌ حَتَّى كَادَ يَفْنَى الْفَرِيقَانِ، فَعَمَدَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْجَمَلِ فَعَرْقَبَهُ، فَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ لِجَنْبِهِ أَدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَاحْتَمَلَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَتْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأَةً، قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بِهَا حَتَّى أَوْصَلُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ بَرَّةً تَقِيَّةً مُجْتَهِدَةً، مُصِيبَةً مُثَابَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ، مَأْجُورَةً فِيمَا فَعَلَتْ، إِذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ مُصِيبٌ).
[2] ـ انظر تفسير الطبري (19 / 108)، و تفسير ابن كثير (6 / 411).
[3] ـ تفسير ابن كثير (6 / 415).
[4] ـ رواه مسلم ((2424).
[5] ـ رواه مسلم (276).
[6] ـ (37831).
[7] ـ فتح الباري لابن حجر (13 / 56).