جديد الموقع

مجدي محمد ..
الكاتب : مجدي محمد ..

انتصار الحق مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية
مجدي محمد علي محمد

 
دار طيبة للنشر والتوزيع
 
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1418 هـ 1997 م
 
في هذه الرسالة :
مناظرة علمية مع بعض رؤوس الشيعة الإمامية الاثني عشرية
حول أصولنا الربانية الهادية ، وأصولهم الشيطانية الضالة
 
وانتهت تلك المناظرة بحمد الله تعالى بانتصار الحق وهزيمة الباطل
 
وأهل السنة رؤوسهم مرفوعة وراياتهم عاليه ، وأهل الإمامية الاثني عشرية منكسة رؤوسهم والخزي والعار باد على قسمات وجوههم
 
 فالحمد لله القائل ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )
 
إهداء
 
·   إلى كل مسلم نقي طاهر يستمسك بكتاب الله عز وجل ، وبسنة نبيه الكريم ص ، ويتبع سبيل المؤمنين صحابة النبي الكرام البررة رضي الله عنهم أجمعين ، ويود ويحب ويتولى قرابة النبي وآل بيته الأطهار المطهرين عليهم من الله أفضل صلاة وأتم تسليم .
 
وذلك حتى يزيد من تمسكه بتلك الأصول التي قامت عليها عقائد الفرقة الناجية والجماعة الظاهرة المنصورة ( أهل السنة ) الغر الميامين .
 
·   وإلى كل عالم خاشع راسخ في العلم عامل بعلمه ، يسعى جهده لنشر السنة ومحاربة البدعة وإظهار الحق ودحض الباطل .
 
وذلك حتى يعلم أن له إخوانا يؤازرونه في نصرة الحق والتصدي لأهل البدعة والضلال ، وأهل الشرك والكفر ، وأهل الزندقة والانحلال .
 
·       وإلى كل باحث عن صراط الله المستقيم وسط سبل الفرقة والضلال .
 
ليعلم الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، والسنة من البدعة ، والإيمان من الكفر ، والتزكية من التدسية ، والفلاح من الخسران .
 
·       وإلى كل متباك على الوحدة الزائفة والتقارب المكذوب الذي يدلس به المجرمون على سليمي القلوب وحسني النيات .
 
ليعلم أنه لا توسط بين النور والظلام ، وبين الإيمان والكفر ، وبين التقوى والإلحاد .
 
وليعلم أن المسلم الصادق لا يركن إلى الظالمين ولا إلى الضالين عملا بقوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) .


 
المقدمة
 
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
 
وبعد
 
صح الخبر عن رسول الله ص أن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة .
 
والفرقة الناجية هي التي تتمسك بما كان عليه النبي ص وصحابته الكرام البررة ، أئمة المؤمنين وسادة المتقين ، وخير الناس بعد الأنبياء ، وخير أمة هي خير أمة اخرجت للناس ، قال تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) .
 
وعلى التمسك بسنة النبي ص واتباع سبيل المؤمنين قام المعتقد والمنهاج الذي عليه أهل الطائفة الظاهرة والفرقة الناجية ( أهل السنة والجماعة ) .
وعلماء الفرقة الناجية أخذوا يدرسون أصول الضلال عند الفرق الثنتين والسبعين الضالة المستحقة الوعيد بالنار ، فتوصلوا جميعا واتفقوا عامتهم على أن أضل تلك الفرق هي الشيعة حتى سموها شيعة الباطل ، أو شيعة الضلال ، أو شيعة الأهواء . وشيعة الهوى أضل فرق الإسلام لكونهم قوما لا عقل ولا نقل عندهم ، فهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا .
 
والأدهى من ذلك أن الشيعة الضالة منقسمة من داخلها إلى قريب من ثلاثمائة فرقة ضالة ، ومن أضل تلك الفرق فرقة الاثني عشرية ، وذلك لكونها ما تركت ضلالا قديما ولا حديثا إلا وتمسكت به وعضت عليه بالنواجذ ، ولا رأت صراطا مستقيما وحقا واضحا إلا وتعمدت مخالفته .
 
وهذه الفرقة الهالكة يقوم دينها على أصول غاية في الضلال ، فهو يقوم على التشكيك في الكتاب ، وعلى إنكار السنة ، وعلى الغلو في الأئمة ، وعلى تكفير أئمة المؤمنين صحابة النبي الكريم واتباع غير سبيلهم ، وعلى الكذب والنفاق والتدليس ، وعلى استحلال الفروج بستار المتعة ، وعلى استحلال أموال الناس وأعراضهم ودمائهم تحت مسمى النصب والعداء لآل البيت ، وهم يدعون التشيع لآل البيت وهم أول المخالفين لهم بالمبغضين لهديهم .
 
وعلى الرغم من التيه والضلال والغي والفجور والكذب والنفاق الذي يعي عليه هؤلاء ، فقد انتشر لهم هذه الأيام نشاط مريب يدفعهم إليه الشيطان وأعوانه ، ليصدوا عن الحق وعن الصراط المستقيم ، وهو يحثهم على بذل الجهد والوقت والمال من أجل نشر بدعتهم وتعميم كفرهم ونصرة باطلهم .
 
والله تعالى يقول : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ) سورة الأنفال آيتي 36 و37 .
 
وقد هالني وفجعني أن رأيت هؤلاء يستدرجون بعض السذج والبسطاء من المسلمين ويجرونهم إلى التشيع الضال تحت ادعاء المودة والمحبة لآل البيت ، ولا يعرف البسطاء منا أن ادعاء محبة آل البيت مجرد ستار خادع لإخراج المسلمين من دينهم وإيمانهم وإسلامهم إلى الشك في القرآن ، وإلى الكفر بالرحمن ، وإلى سب الصحب الكرام ، وإلى بغض أهل الإسلام .
 
وكم ثارت غيرتي وحميتي على ديني وأنا أرى أهل الحق عن حقهم قاعدين ، وهؤلاء رافضة الحق وشيعة الباطل على باطلهم قائمون وبه مستمسكون ، ولكن المرء لا يملك سوى الحوقلة والاسترجاع .
 
وشاء المولى عز وجل أن يكون لي سهم في جهاد هؤلاء والتصدي لباطلهم ، إذ جاءني شاب من أهل السنة حيران ، وسبب حيرته أن قد امتدت إليه أيدي الشيعة القذرة النجسة الآثمة المفسدة ، ودخلوا عليه من جهلة وقلة اطلاعه على عقائد أهل السنة والجماعة الناجية ، وعلى حقيقة هؤلاء الأرجاس الأنكاس ، فاستطاعوا غزو عقيدته الصحيحة السليمة بالمكر والخداع تارة ، وبالتحبب المصطنع والترغيب تارة ، حيث تظاهروا بمودته وأغدقوا عليه من الكرم الزائف المغرض ، ودخلوا عليه من باب حب آل بيت النبي الأطهار عليهم رضوان الله ، حتى ظن المسكين أنهم ملائكة الرحمن وفرسان الحق ، ولكن سرعان ما أفهموه أن هذه المحبة لا بد وأن يتبعها الكره والبغضاء والسب واللعن والشتيمة على أعدائهم أعداء آل البيت عليهم السلام فظن المسكين أن أعداء أهل البيت هم اليهود والنصارى أو المشركون أو الملاحدة والوثنيون أو غيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين ، وكانت الطامة عندما أخبروه أن أعداء آل البيت هم الصحابة الكفار المرتدون الزنادقة المنافقون ! !
 
والرجل يقرأ القرآن ويعلم يقينا أن الصحب الكرام هم أئمة المؤمنين وهم حملة الإسلام وهم فرسان الحق الذين اصطفاهم الله لحمل أمانة دينه وجعلهم خير أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، وجعلهم خير صحب الأنبياء والمرسلين ، ويقرأ دوما في القرآن أن لهم من الله الرضوان والثناء والحسنى ، وينظر إلى مخاطبة الله لهم بالمتقين والمحسنين والمؤمنين والمجاهدين والصابرين والشاكرين ، فبدأت حيرته وتشكك في هؤلاء فلبسوا له لبوس الكباش ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، ورووا له مئات الروايات المكذوبة عن ظلم الصحابة لآل بيت النبوة ، فتشكك الرجل في الإسلام كله ، وتمنى لو لم تلده أمه ، وجاءني يشكو حيرته ، ويطلب الحقيقة .
 
فأعلمته بالحقيقة البيضاء الناصعة وبالمحجة البيضاء الواضحة ، وبأن أهل الحق هم أهل السنة الغراء ، أهل القرآن والسنة ، وأهل محبة الصحب الكرام وآل بيت النبوة الأطهار ، وأهل الجماعة والوحدة ، وأهل الإسلام والإيمان والإحسان .
 
وأعلمته بحقيقة هؤلاء الشياطين وأنهم كفار مرتدون ، وقد حكم بكفرهم جل علماء الإسلام والمسلمين ، وأنه لولا تقيتهم ونفاقهم وإظهارهم غير ما يبطنون لحكم بكفرهم النساء والصبيان والعته والمجانين .
 
وأعلمته أن دين الإمامية الإثني عشرية حرص أهله كل الحرص على أن يجمعوا له كل كفر تفوهت به الأمم الكافرة ، وكل شرك وقعت فيه الأمم الوثنية المشركة الغابرة ، وكل غلو وقعت فيه اليهود والنصارى والصابئة ، وكل انحلال عرفت به فرق التبطن والإلحاد والزندقة ، وكل ضلال وبدعة وخرافة تفوهت بها فرق الضلال المعاصرة .
 
أخذوا من اليهود خستهم ، ومن النصارى ضلالهم وغلوهم ، ومن المجوس جل معتقداتهم ، ومن الملاحدة تقيتهم ونفاقهم .
 
وأخذوا عن الجهمية تجهمهم ، وعن القدرية مجوس الأمة بدعتهم ، وعن المعتزلة الضالة اعتزالهم ، وعن الخوارج حمقهم ونزقهم .
 
وأعلمته أن الإمامية الإثني عشرية قوم لم يدعوا ضلالا إلا وتلقنوه ، ولا جهلا وخرافة إلا وآمنوا بها وأيقنوا بحدوثها ، ولا غيا وخسة وخيانة إلا وتدثروا بها ، ولا غلوا إلا وأخذوه ، فهم شيعة الشياطين ، وهم شياطين الإنس ، وهم المنافقون حقا ، يدعون الإيمان ويبطنون الكفر والزندقة ، ويدلسون على المؤمنين الأتقياء دينهم ، ويأخذون بأيديهم من الإيمان إلى الكفر ، ومن اليقين إلى الشك ، ومن الراحة إلى الحيرة والتيه ، وليس لنا فيهم عزاء سوى قول الله تعالى ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) . فأثلج هذا الكلام حر الحيرة في دماء صاحبي ، وعادت له ثقته بإسلامه وإيمانه وتقواه ، ومشى من عندي على خير حال وترضى عن الصحب الكرام .
 
وفي اليوم التالي جاءني ساعيا ، وقال إن القوم مجتمعون ، وهم لك الآن منتظرون ، وعلى مناظرتك مصممون ، فأحزم الأمر ، واعزم الرأي ، وتوكل على الله ، وعلى الله فليتوكل المتوكلون .
 
فقلت له : إن هؤلاء قوم غلبت عليهم أهواءهم إلى أقصى حد ، فلا يوجد عندهم مجال لأن يسمعوا الحق من أحد .
 
وهم أكذب الخلق ، يرون الكذب دينا وعبادة ، وقربة وفضيلة ، ومتى كان الكذب في صنف من الناس لم يسمعوا الحق ، وإن سمعوا فلا يعتبروا وهم قوم مخادعون يظهرون غير ما يبطنون ، ويبطنون خلاف ما يظهرون فلن نصل معهم بالمناظرة إلى فائدة ترجى .
 
وأضف إلى ذلك أنهم قوم لا عقول لهم فيتعظوا ويتدبروا ، ولا نقول لهم صحيحة فنرجع إليها ونحاججهم بها ، وهم لا يعيشون ولا يدينون إلا بعواطف خادعة كاذبة خاطئة يحركها إبليس الرجيم ، وحمية جاهلية لا تكون إلا عند الكافرين ، وخرافات وأساطير لا يقبلها عقل ولا دين ، وهم بتلك العواطف والخرافات والأساطير معجبون مفتونون ، فأنى يجدي معهم النقاش والمناظرة ؟ !
 
الشاهد : لم يفلح ذلك كله مع صاحبي وسيقت إلى المناظرة سوقا ، وذهبت إليها رغما ، وكانت المناظرة لي من الله عز وجل قدرا مسبقا .
 
وقد طالت تلك المناظرة حتى تناولت أكثر جوانب الخلاف ، واستمرت على مدى يومين متتاليين من العشاء إلى صلاة الفجر .
 
وقد كنت بحمد الله عز وجل وفضله ومنته موفقا ، بتوفيق الله وحده ، وجرى بحمد الله عز وجل على لساني الحق سهلا ميسرا ، بتيسير الله وحده ، حتى كان في نهاية المناظرة أن صاح صاحبي : الحمد لله الذي أظهر الحق ، الحمد الله الذي أظهر الحق ، الآن ولدت من جديد وذقت طعم الحق ، الحمد لله الذي أعلى على لسانك الحق .
 
وهم في ذلك كله أذلة صاغرون ، منكسة رؤوسهم وبالحق محجوجون ، فالحمد لله الذي أظهر الحق وأبان الحجة ، ليهلك من هلك من الحاضرين عن بينة ويحيى من حيي من الحاضرين عن بينة ، والحمد لله أولا وآخرا .
 
وحرصا على نشر العلم ، وإفادة المسلمين ، وتنبيه الغافلين إلى خطر هؤلاء ، وتحذير المغفلين عن مصاحبة هؤلاء ، وإسكات السذج المتباكين على التقارب والوحدة مع هؤلاء ، وإعلام العلماء سليمي الصدور بحقيقة هؤلاء ، وما عليه جميعهم من الكفر والشرك والبدعة والضلالة والجهل والخرافة ، والكذب والخديعة ، والنفاق والخيانة ، والتحلل والفجور ، والزندقة والإلحاد . . . ، حرصا على ذلك كله سعيت إلى سطر تلك الملحمة الصادقة والحجة الواضحة .
 
وأسأل الله عز وجل أن يجعل فيها فائدة ونصيحة للمسلمين ، وأن تكون إسهاما صحيحا في توعية المسلمين بحقيقة أعدائهم المخادعين الماكرين .
 
وأحتسب الأجر من الله وحده ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين .
 
المؤلف
 
مجدي بن محمد بن علي بن محمد
 
عصر الجمعة ، الثامن من بيع الآخر
عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر
 
الباب الثاني
انتصار الحق
 
هذا الباب يحتوي على فصلين :
 
الفصل الأول : المناظرة الأولى وانسحاب سيد الشيعة الإمامية
 
الفصل الثاني : تتمة المناظرة وانتصار الحق
 
الفصل الأول
المناظرة الأولى وانسحاب سيد الشيعة الإمامية المناظر
 
انتصار الحق
مقدمة :
 
في الصفحات التالية مناظرة حدثت بيني وبين بعض سادة الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، وقد جاءت تلك المناظرة قدرا من الله تعالى على غير ترتيب مني ، ولكنها مشيئة الله تعالى حتى يظهر الحق واضحا جليا لبعض أهل السنة والجماعة المخدوعين ، الذين غرهم النشاط الدعوي الخبيث الذي تقوم به مؤسسات شيعية متعصبة ، تزعم التقارب الديني ظاهرا ، وتبطن نشر التشيع بين شباب أهل السنة والجماعة الذين لم يشتد عودهم على الحق الخالص .
 
يريدون أن يخرجوهم من اليقين في الكتاب والسنة إلى الشك فيهما ، ومن اليقين في جيل القدوة الصالحة صحابة النبي ص الذين رباهم الله تعالى على عينه وعنايته وزكاهم النبي ص بالقرآن والحكمة ، يريدون أن يخرجوهم من اليقين في هؤلاء الكرام البررة وفي عدالتهم وعلو قدرهم ، إلى سبهم ولعنهم وتكفيرهم ، ومن سلامة الصدر لكل مسلم موحد ، إلى استحلال دمه وماله وكافة حرماته .
 
ويريدون أن يخرجوهم من الحق إلى الباطل ومن الهدى إلى الضلال ، بخبث ودهاء ومكر وخديعة ، ولكن هيهات أن يزهق الحق ويظهر الباطل ، فإن الله تعالى يقول : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) .
 
وقد طالت هذه المناظرة حتى تناولت أكثر جوانب الخلاف بين أهل الحق الخالص أهل السنة والجماعة ، وبين أهل الباطل شيعة الضلال وروافض الحق ، وظهر الحق واضحا للعيان ، حتى صاح أحد أولئك المخدوعين في نهاية المناظرة قائلا : ( الحمد لله الذي أظهر الحق ، الحمد الله الذي أظهر الحق ، الآن ولدت من جديد وعرفت الحق ، الحمد لله الذي أظهر على لسانك الحق ) ، وهم في ذلك كله صاغرون أذلة محجوجون ، فالحمد لله الذي أظهر الحق حتى يهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينه .
 
سبب المناظرة :
 
قناعتي شديدة بأن الجدال مع أهل التشيع الباطل غالبا لا يثمر شيئا ، وذلك لأنهم حقا أكذب الناس ، يعتبرون الكذب دينا وعبادة وقربة إلى ربهم ، وهذه الصفة ما كانت في صنف  من الناس فإن الجدال مع هذا الصنف لا يفيد لأنه يظهر خلاف ما يبطن ، ويبطن خلاف ما يظهر ، ويروغ في الحديث روغان الثعالب ، ويخادع قدر استطاعته فإن غلبته أظهر الرجوع إلى الحق وهو في باطنه يدلس عليك ، فلا يستمر النقاش معه إلى خير ولا يصل إلى فائدة .
 
وكذلك فإنهم قوم غلبت عليهم أهواؤهم إلى أقصى حد ممكن ، وهذا الهوى لم يجعل لهم مجالا لأن يسمعوا الحق أو يفكروا فيه .
 
ومعضلة ثالثة أنهم قوم لا عقل لهم ولا نقل ، فإذا حدثتهم بالعقل لا يعقلون ، فهم يعيشون بعواطف خادعة وخرافات جاهلة لا يقبلها عقل ولا دين ، ولكنهم مفتونون بها معجبون بها.
 
وإذا حدثتهم بالنقل فهم أبعد الناس عنه وأجهل الناس به ، فكل حديثهم على منوال حدثني جدي عن جبريل ، أو حدثني قلبي عن ربي ، ولذلك ولغيره تكونت لي قناعة أكيدة بكون الجدال مع هؤلاء لا يفيد ولا يثمر والشاهد أن هذه المناظرة سيقت إلى سوقا ، وكانت لي قدرا لم أبحث عنه .
 
وسببها أن هناك شاب من أهل السنة والجماعة أحسبه على أدب جم وخلق دمث ، إلا أنه قليل العلم قليل الاطلاع على كتب أهل السنة والجماعة ، امتدت إلى قلب وعقل هذا الشاب أيدي الشيعة الآثمة ودخلوا عليه من جهله وقلة اطلاعه واستطاعوا غزو عقيدته الصافية الصحيحة بمكرهم ودهائهم ، حيث تظاهروا بمحبته ومودته وأغدقوا عليه من كرمهم المصطنع ، حتى ظن أنهم من أحسن الخلق خلقا ودينا ، فلما وثق فيهم حدثوه عن أهل بيت النبي ص الأطهار المطهرين ، وكيف أنهم شيعة أهل البيت المظلومين على مر عصور الإسلام ، وكيف أنهم شيعة الإمام علي رضي الله عنه الذي آخاه النبي ص وجعله بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام ، ووالاه وتولاه وقال : اللهم وال من والاه وعاد من عاده ، وكيف أنهم أحبة الحسن والحسين وأمهما سيدة نساء أهل الجنة وسيدا شباب أهل الجنة ، وكيف . . . وكيف .
 
حتى ظن المسكين أنهم ملائكة الحق أرسلهم الله إليه لهدايته . . وسأدعه يتكلم عن نفسه في هذه المرحلة ، فهو خير من يدلنا على حاله وحالهم معه .
 
الشاب الحيران يتكلم عن حاله وسبب حيرته :
 
جاءني الشاب الخلوق وكانت أول مرة أتعرف عليه فيها فقال لي : يا فلان إنني في حيرة شديدة من أمري وأتمنى لو لم تلدني أمي ، ولم أخرج إلى هذه الأرض .
فقلت له : هدىء من روعك فإن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء ، وقد أمرنا أن لا نقنط من رحمة الله تعالى ، وجعلت أهدىء من روعه وأنا أظن أنه في ضائقة شديدة ولكني لا أعرفها .
فقال لي : يا فلان ، سمعت عنك خيرا وجئتك لعلي أجد عندك ضالتي وأحسبك على خير والله حسيبك ولا أزكي على الله أحدا .
فقلت له : كلي إن شاء الله آذان صاغية ، فتفضل فقل ما عندك لعلك إن شاه الله تجد لحيرتك جوابا ، والله المستعان .
فقال الشاب : منذ فترة تعرفت على شاب شيعي ودار بيننا تعامل وعمل وتوثقت بيننا صلات ، حتى وثق في ووثقت فيه ، ووجدته يحدثني كثيرا عن أهل بيت النبي ص ، والحقيقة غمرني حبه الشديد لآل بيت المصطفى ص ، وكيف لا وكل مسلم مطالب بهذه المودة عملا بقول الله عز وجل : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ، وعملا بقول نبيه ص : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) ، ولا شك أن قرابة النبي ص أحب إلى المؤمن من قرابة نفسه .
 
الشاهد ازداد تعلقي بهذا الشاب الشيعي رغم كل ما أعلمه عن الشيعة وهي معلومات يعلمها كل سني بأنهم قوم ضالون مبتدعون . فإذا به يزداد تقربا مني ، وتزداد ألفته لي بصورة ملحوظة ، حتى كان يأتيني بسيارته ليقضي لي الكثير من حاجاتي ، حتى اشتراني بكرمه وصدق علي قو الشاعر : ( وإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ) .
الشاهد بدأ يحدثني كثيرا عن معتقدات طيبة حسنة كنت قبل ذلك أظن الشيعة أبعد الناس عنها ، يحدثني عن حبه وحب الشيعة قاطبة للنبي ص ، وحبه وحب الشيعة قاطبة لآل بيت النبي ص فاطمة الزهراء بنت رسول الله ص التي قال فيها النبي : ( ألا إن فاطمة بضعة مني ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل ) ، وسيدة نساء أهل الجنة ، وحبه للحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وحبه وحب الشيعة قاطبة للإمام علي أخر رسول الله ص ووليه وحبيبه وأبي ولديه ، وكل هذا لا اعتراض عليه بل أنا في قرارة نفسي أطبقه وأعترف به وأجله وكنت أقول له : وهكذا نحن نحب هؤلاء كلهم فيسكت ، وكلن على مضض .
توثقت العلاقة بيني وبينه فكان يأخذني إلى أصحابة وكلهم على شاكلته ، أخلاقهم حسنة عظيمة وحفاوتهم بي بالغة ، وجعلت أشعر أن هؤلاء ليسوا بشرا بل ملائكة يمشون على الأرض ، إذا طلبت حاجة كانت في الصباح عندي ، وإذا أردت الذهاب إلى مكان بادروني جميعهم إلى توصيلي ، وهكذا ثم أعطوني كتبا جميلة حسنة لا أكاد أرى فيها شيئا مما سمعته عندنا عن الشيعة وأباطيلهم ، ولا زلت أذكر ذلك الكتاب الذي جعلني أفكر في التشيع إنه كتاب : أهل البيت : مقامهم منهجهم مسارهم .
 
الكتاب ممتلىء بأحاديث وثقها أهل السنة والجماعة تدعوا إلى حب آل البيت وتولي آل البيت والثناء على آل البيت ، ولكنه كان يأخذني رويدا نحو عقيدتهم التي يعتقدونها ، يثير في نفسي الشبهة ويحلها بعدها بأسطر قليلة ، فالشيعة كما يبدو من الكتاب يؤمنون بالقرآن ويؤمنون بالحديث ويجلون آل البيت ، وهذا ما يطلبه كل مسلم مؤمن موحد .
 
ففاتحت صاحبي أن يحدثني عن مذهبه الشيعي ، والذي كنت مغشوشا فيه فقد كنت أسمع أنه مذهب ضال منحرف يقوم على سب الصحابة ولعنهم وتكفيرهم وعلى بغض أهل السنة والجماعة وعلى تحريف القرآن ، وهأنذا أرى كتبكم تنفي ذلك كله ، فحدثني عن التشيع يرحمك الله .
 
فأعطاني كتابا لا زلت أذكر اسمه هو ( المراجعات ) ، فانكببت عليه أقرؤه وأعيد قراءته ، وأنا أتعجب لهذا الشيخ الجليل شيخ الأزهر وهو يسلم لجميع حجج ومقولات شاب من شباب التشيع آنذاك وهو عبدالحسين شرف الدين الموسوي .
 
وفرحت لهذا الكتاب وجعلت أقول : أين أهل السنة والجماعة من هذا الكتاب ، وجعلت أتصور الوحدة بيننا وبين الشيعة قريبة لا يقف حاجزا أمامها سوى جهل علمائنا بحقيقة الشيعة ، وبمساعدة صاحبي صار فهمي للوحدة هو تشييع كل أهل السنة حتى نكون جميعا في سفينة النجاة ، سفينة النبي وآله الكرام الأطهار .
 
الشاهد حتى لا أطيل عليك ظللت على هذه الحال فترة من الزمن حوالي أربعة أشهر ، ازداد خلالها ارتباطي بأخي الشيعي حتى صرت أذهب معه إلى ندوات العلم عندهم ، وليتني ما ذهبت !
 
لعلك تتعجب ! نعم ليتني ما ذهبت لقد كانت عادتي كلما سمعت اسم أبي بكر أو عمر أن أقول : رضي الله عنهما ، وذلك لأن أبابكر هو الصديق وهو صاحب النبي في الغار وهو ثاني اثنين في الإسلام وهو والد الصديقة عائشة أم المؤمنين ، وفوق ذلك كله هو خليفة المسلمين ، وعمر الفاروق كذلك هو الفاروق بين الحق والباطل ، وهو الذي أيد الله عز وجل الإسلام به وفتح البلدان على يديه ، وهو خليفة المسلمين الإمام العادل أمير المؤمنين هكذا كانت عقيدتي فيهما .
 
ولكنهم كانوا يصبرون في البداية ، وكثيرا ما حدثني صاحبي عن الظلم الذي وقع للإمام علي ، وسلبه حقه في اللاية والخلافة ، ولكنه كان لا يجد تشجيعا مني على هذا الأمر ، حتى صارت تلك الحادثة :
 
كنت في منتدى لهم فذكر اسم عمر الفاروق فقلت : رضي الله عنه فزجرني أحدهم وقال : هذا كافر مرتد ملعون لا تترضى عليه ، والحقيقة وقع هذا الكلام علي وقع الصاعقة ، إذ أين هذا من كتبهم التي عرضوها علي وهي لا تمس الصحابة بسوء ، فقلت لعل الرجل متطرف مغال ، فإذا بي أجدهم كلهم على هذا الأمر .
 
وصارحني صاحبي قائلا : إن عقيدتنا تقوم على الولاء والبراء ، والولاء هو حب آل البيت الأطهار ، والبراء هو بغض الذين اعتدوا عليهم وسلبوهم حقوقهم .
 
وجعل يحدثني كيف أن أبابكر وعمر تمالآ على ظلم آل البيت ، وكيف أنهما أهانا عليا وأقدما على إحراق بيته وبيت فاطمة وبيت فاطمة وضربوها على بطنها حتى أسقطت جنينها وماتت متأثرة بجراحها ، قصص مخزية كثيرة يتعالى السفلة عن فعلها ، فعلها عمر وأبوبكر .
 
والحقيقة لا أخفي عليك أنني تلاشت مناعتي السنية تماما وصرت معهم أصدق تلك الروايات التي يروونها في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما - ، حتى تسرب إلى قلبي بغضهما ، نعم تسرب إلى قلبي بغضهما لا سيما وأنا أسمع قصة الرزية (1) ، وكيف أن عمر وقف في وجه النبي ص ، ومنعه من كتابة الوصية .
 
ـــــــــــــــــــ
1-   يقصد الشيعة بهذا اليوم يوم وفاة النبي ص ويزعمون أن النبي ص كان في هذااليوم يطلب كتابا ليكتب للمسلمين الوصصاية لعلي ، فقال عمر : يكفينا كتاب الله وإقحام الوصية لعلي هنا من أوهام الشيعة وحدها ، وحديث يوم الرزية ليس فيه أي إشارة إلى علي رضي الله عنه كما أنه كان يوم الخميس وليس يوم الأثنين الذي مات فيه النبي ص والحديث رواه البخاري في كتاب العلم (114) وفي الجهاد (3053) ، وفي الجزية ( 3168) ، وفي المغازي (4431) ، (4432) ، وفي المرض (5669) ، وفي الاعتصام (7366) ورواه مسلم في الوصية (1637) وقد وجه الروايات الواردة ابن حجر في الفتح (7/739-740) وخلاصة موقف عمر رضي الله عنه أنه أشفق على النبي ص فقال : ( إن رسول الله ص غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ) والثابت عندنا من أحاديث النبي ص يدلنا على :
I-      أن عمر من الملهمين المكلمين ، وأن الله وضع الحق على لسانه ، وأن أول من يصافحة الحق عمر ، وأنه لو كان نبي في الأمة بعد الرسول ص لكان عمر ، ولذلك ألهم الله تعالى عمر رضي الله عنه أنه لما وجد تعب النبي ص وإعياءه رفق به ، فقال : حسبنا كتاب الله ، وكان في قوله الخير للمسلمين إذ ترك المجال للأمة بعد ذلك أن تختار أفضلها وخيرها ، وكان أبوبكر رضي الله عنه .
II- والوارد عندنا أن النبي ص قال لعائشة في مرضة الأخير : ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول : أنا أولى : ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ( صحيح مسلم : كتاب فضائل الصحابة 4/1857 (2387) ومسند الإمام أحمد 6: 144 ، وطبقات ابن سعد 1 : 127 ، ومسند أبي داود الطيالسي ، الحديث (1508 ) ، وانظر في ذلك العواصم من القواصم ط. بيروت للقاضي ابن العربي ص 189 .
ج- وعلى ذلك فحتى لو أحضر المسلمون الكتاب لما تغير شيء فالأمر إلى أبي بكر على كل حال ، ولكن كان يفوت المسلمين فضيلة انتخاب الخليفة ، فعلمنا من ذلك أن الحق أيضا مع أمير المؤمنين المحدث عمر رضي الله عنه .
د- النبي ص لو كان أمر الكتاب ضروريا لما تركه ، وهذا يدل على عدم ضرورته ، وكلنا يعلم أن الدين قد تم واكتمل قبل وفاة النبي ص ولا يحتاج لمحدثة بده أبدا .
هـ النبي ص لو أراد أن يوصي إلى الإمام علي رضي الله عنه لكان يكفيه أن يأمر الناس فيأتمرون بأمره ولا يتقدمون على أمره وقوله أبدا .
وعلى ذلك فكل ما في هذا الأمر من الأوهام هو في أذهان الشيعة الضالة فقط .
وأما قول حبر الأمة عبدالله بن عباس ( الرزية كل الرزية ) فقد كان سبب ذلك حزنه على ما آل إليه حال الشيعة من التخبط والضلال ، وأما الصحابة ومن سار على هديهم فهم على جادة الحق سائرون وبحبله مستمسكون .
 
ومع الوقت ومع تكرار قصص ظلم الصحابة للإمام علي وأهل بيته سهل علي أن اعتقد فيهم معتقد سوء ، ومع تكرار قصص ظلم بقية آل البيت من آل علي لا سيما مقتل الحسين - رضي الله عنه سهل علي أن أبغض كل من ليس شيعيا .
 
وهكذا صرت شيعيا قلبا وقالبا ، أتقبل منهم أشياء كان يستحيل علي قبل ذلك أن أصدقها ، الصحابة كلهم كفروا إلا المقداد وأبا ذر وسلمان وعمار شيعة علي ، الذين يقوم على البراء من هؤلاء ، نعم وكيف لا وقد سلبوا آل البيت حقهم ، إذ الدين لا يقوم إلا على سبهم ولعنهم وقذفهم بأسوأ الشتائم والسباب .
 
ولكن هذا السباب تنازعني قيه نفسي ولا يرضاه لي قلبي ، إذا كنت معهم تأثرت بمقالاتهم وكلها قصص عاطفية عن ظلم علي رضي الله عنه ومقتل الحسين رضي الله عنه ، قصص مكررة ولكنها تشحنك بغضا على ظلمة آل البيت وآكلي حقوقهم .
 
وإذا انفردت إلى نفسي قالت لي : كيف تجرؤ على سب أبي بكر الذي كان صاحب النبي ص في كل أوقاته ؟ ! وكيف تجرؤ على سب عمر الذي كان ينطق الحق على لسانه ؟ ! وكيف تجرؤ على سب عثمان الذي جمع القرآن ونسخه وحفظه من التحريف والاختلاف ؟ ! وكيف تجرؤ على سب كل صحابة النبي ص ؟ ! وهل يبقى لك من الإسلام شيء إذا سببت هؤلاء ؟ !
 
والله إنها لحيرة عظيمة لا يعلم إلا الله عز وجل قدرها ومداها ، فإني أكلمك وأنا أتمنى لو أنني لم تكن ولدتني أمي ، أو لو أنني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا .
 
ثم التفت إلي وقال : يا فلان أنا صرت في حيرة فلا أنا سني ولا أنا شيعي ، ينازعني التسنن الذي عشت فيه طيلة عمري وينازعني التشيع الذي أعيشة الآن ، إذا جالست هؤلاء رجحت التشيع على مخاطره من السب واللعن لمن قد لا يستحق اللعن ، وإذا انفردت إلى نفسي رجحت التسنن والسلامة من حب الجميع ( آل البيت والصحب الكرام ) والترضي عن الجميع
 
فهل عندك يا فلان دواء لحيرتي وعلاجا لشكي وترجيحا واضحا لما أنا فيه ، على أنني أستأذنك إن كنت تنوي مجادلتي على أن مناقشتي لك من وجهة نظر شيعية بحتة ولا تسىء الظن في فإني باحث عن الحق أنى كان وعلى أي وجه يصير .
 
دواء حيرتك سهل يسير :
 
كان صاحبي يتحدث وأنا أسمع بتركيز وأتدبر ما يقول وأنا أحاول أن أقرأ شيئا بين السطور ، فلقد كان واضحا أن صاحبي هذا قد سقط تحت تأثير نشاط مشبوه تقوم به مؤسسات شيعيت مغرضة ينفق عليها بسخاء لتشيع شبابنا وبلبلة عقائدنا ، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل ، وحسبنا قول الله تعالى : ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) .
 
وقبل أن أبدأ حديثي إلى صاحبي أردت أن أتأكد من هذا الظن فسألته : يا أخي ، هل رأيت في أثناء مجالستك لهؤلاء أحدا مثل حالتك ؟
 
فقال : ماذا تقصد ؟ فقلت : هل كان هناك أحد من أهل السنة والجماعة يحضر معكم مجالسكم هذه ؟ فقال : نعم ثلاثة غيري كلهم تشيع إلا أنا لا يزال يراودني الشك في هذا الأمر .
 
وآنذاك تيقنت من ظني وعلمت أن النشاط الدعوي الشيعي المكثف الخبيث قد امتد إلى حد ينبه للخطر ، وتكمد قلبي حسرة على هذا الوضع ، إذ كيف يصول الباطل ويجول ، ثم قلت لنفسي : لا تعجبي ففي نومة الحق ونومة أهله يصول الباطل ويتهارج أهله ، وجعلت أتأسف في نفسي على أولئك المخدوعين من علمائنا في حقيقة الشيعة ونشاطها المريب
 
لم يأخذ هذا التفكير من وقتي طويلا ، حيث التفت إلى صاحبي وأنا أعلم أن قلبه يمتلىء شبهات عظيمة لا يتيسر إزالتها في التو واللحظة .
 
وقلت له : أخي هل قرأت شيئا من كتب العقائد التي كتبها علماؤنا الأجلاء علماء أهل السنة والجماعة الناجية .
 
فقال لي : الصراحة لم أقرأ منها شيئا ، ولكني أعلم عقائد أهل السنة والجماعة .
فقلت له : من أين تعلمتها ، فقال : عشت عمري بين أهل السنة والجماعة أسمع معتقداتهم وأعلم أنها الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى .
 
   فقلت له هذه أركان الإيمان وهي أصول العقائد وعناوينها الجامعة ، ولكن هل تظن أن معرفتك بها كاف لك في الترجيح بين أهل السنة وأهل التشيع ؟ فسكت هنية ثم قال : معك حق ليست هذه المعلومات كافية في الترجيح .
 
فأحسست أن حاجز الكبر عنده كسر وأنه بدأ يلبس ثوب التواضع للعلم ، فسررت لذلك ، وإمعانا في كسر هذا الحاجز حاجز الكبر الذي يمنع من سماع الحق فضلا عن قبوله وتدبره قلت له : لقد كان عليك قبل هذا كله أن ترجع إلى متون العقائد التي وضع فيها علماؤنا عصارة علمهم ، ومن تلك المتون العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، والعقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي ، ولمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة المقدسي .
 
ففي هذه المتون وضع علماؤنا الأجلاء أصول العقيدة على مذهب الفرقة الناجية التي تسير على ما كان عليه النبي ص وصحابته الكرام البررة رضي الله عنهم وقد كان عليك أن تقرأ شروحا وافية لتلك المتون تفصل مجملها وتبين مبهمها وتوضحه وتشرحه .
 
فكان عليك مثلا أن تقرأ شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس مثلا ، والطحاوية لابن أبي العز الحنفي ، وشرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين مثلا ، حتى تكون على دراية بمذهبك الأول قبل أن تقارن بينه وبين غيره ، ثم كان الأولى بك بعد أن تعرف مذهبك الأول الذي ولدت عليه وتتقنه أن تنظر بعد ذلك إلى أقوال علمائه الجهابذة الراسخين في العلم حول التشيع ، وأن تفقه رأيهم فيه فإنهم ولا شك أعلم مني ومنك به وبأخطائه ومفاسده وضلالاته ، وهم لا شك أعلم وأقدر على رد شبهات أهله وتفنيد مزاعمهم وأكاذيبهم حولنا .
 
فأنت بهذه الآلات تكون بمثابة الفارس الذي ينزل إلى الميدان معه سيفه ودرعه ورمحه وهو يعرف دروب القتال وفنونه ، وبدونها تكون كالأعزل الأعمى الذي يغزي ويطمع فيه أضعف أعدائه .
 
ثم التفت إلى صاحبي الذي ينظر إلي مشدوها مستمعا وقلت له : هل قرأت لهذا الميدان كتاب ( العواصم من القواصم ) للقاضي أبي بكر بن العربي ؟ فقال اللهم لا . فقلت له : لو قرأته لأرحت نفسك وأرحتني ، ثم التفت إليه ثانية وقلت له : هل قرأت رسالة ( في الرد على الرافضة ) للشيخ محمد بن عبدالوهاب ؟ فقال صاحبي : لا ، فقلت له : لو قرأته لأرحت نفسك وأرحتني .
 
ثم التفت إليه ثالثة وقلت له : هل قرأت ( الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيع  الإمامية الإثني عشرية ) للشيخ محب الدين الخطيب ؟ . فقال صاحبي : لا ، فقلت له : لو قرأته لأرحت نفسك من عناء الشك والحيرة وأرحتني معك .
 
ثم قلت لصاحبي : هل سمعت عن عالم سني تخصص في تفنيد مزاعم الشيعة وفضح معتقداتهم الخبيثة هو إحسان إلهي ظهير ؟ فقال لي : لا ، فقلت : والله لو قرأت كتابيه العظيمين في هذا المجال ( الشيعة والسنة ) ، والثاني ( الشيعة وأهل البيت ) لتبلت حيرتك يقينا وراحة وسكينة وسعادة وهناء وسرورا .
 
ثم قلت له : هل قرأت كتاب ( وجاء دور المجوس ) الذي يكشف الأهداف الحقيقية والنوايا الخبيثة لشيعة الباطل ؟ فقال لي : لا ، فقلت له : لو قرأته لكنت سيفا مسلولا على رافضة الحق وشيعة الشيطان ، ولخصصت جزءا كبيرا من وقتك في جهاد أولئك الأنكاس ، فهو جهاد على ثغر مطلوب ، بل شديد الطلب هذه الأيام .
 
فقال صاحبي متشوقا : وهل عندك هذه الكتب جميعها ، فقلت له : الحمد لله اطمئن فمتى تطلب الحق صادقا مخلصا لله عز وجل وحده ييسره الله تعالى عليك ، وكل هذه المؤلفات بحمد الله عندي وسنقرؤها سويا إن شاء الله ، هذا إذا كان عندك من الوقت كفاية ومتسع .
 
فقال صاحبي : أنا أتمنى الموت لما أنا فيه من الحيرة والشك وأنت تسألني عن الوقت ، وقتي كله لك حتى نصل إلى الحق سويا .
 
فقلت : الحمد لله ، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . فقال صاحبي : اللهم آمين .
 
فاقتربت من صاحبي ، وقت له : إن دواء حيرتك سهل يسير إن شاء الله تعالى ، فقال : كيف ذلك ؟ قلت له : هل تقرأ القرآن ؟ قال : نعم ، قلت هل قرأت قول الله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ، قال : نعم ، قلت : فما تفهم منها ؟ قال : أفهم منها أن أمة الإسلام هي خير الأمم التي أخرجت للناس ، فقلت : نعم جزاك الله خيرا ، أمة النبي ص هي خير الأمم وهي خير الناس للناس ، لأنها تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتؤمن بالله تعالى وتهدي الناس إلى طريق الإيمان . فقال صاحبي : أحسنت .
 
فقلت له : إن أولى الناس بهذا الوصف هم صحابة النبي ص لأنهم هم الذين حملوا رسالة الدين إلى جوار النبي وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم ، من أجل نشر الدين وهداية الناس إلى طريق الإيمان بالله .
 
فقال صاحبي : نعم ، فقلت له : إن الشيعة قاتلهم الله يقولون إن الصحابة ارتدوا إلا خمسة (1) : المقداد ، وحذيفة ، وسلمان ، وأبو ذر ، وعمار ثبتوا مع علي رضي الله عنه ، فهل يعقل أن مائة ألف كانوا مع النبي ص في حجة الوداع لا يبقى منهم على الإسلام إلا ستة أو أزيد قليلا أو أقل قليلا ، هل يعقل أن هذه هي خير أمة أخرجت للناس ، لو كان حالها كما يقول الإمامية الرافضة للحق لكانت شر أمة أخرجت للناس لكونها ارتدت واشترت الكفر بالإيمان .
 
(1)  أحسن الشيعة الإمامية حالا يقولون : ارتدوا كلهم إلا أثني عشر صحابيا فقط ، هم علي وبعض آله ، وسلمان ، وأبو ذر ، وعمار ، والمقداد ، وحذيفة ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وسهل بن حنيف ، وعبادة بن الصامت ، وأبو أيوب الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو سعيد الخدري ، وأكثر الإمامية يرى أنهم أقل من ذلك بكثير .
 
أتعرف يا صاحبي كيف تقرأ الإمامية هذه الآية ، إنهم يقولون : ( كنتم خير أئمة أخرجت للناس ) ، لما عيتهم هذه الآية حرفوها وزادوها همزة ، كما أمرت اليهود بأن يقولوا حطة ، فحرفوا أمر الله وزادوا نونا وقالوا : حنطة ، فما نعرف معنى حطة ، فاستحوذ عليهم الشيطان فحرفوا كتاب الله تعالى وقالوا بدلا من ( أمة ) : ( أئمة ) يقصدون بها أئمتهم .
 
صاحبي : ولكن الشيعة يؤمنون بالقرآن كما أنزل وكما هو المصاحف دون زيادة أو نقصان وهذا ما ذكروه لي .
 
قلت له : رويدك يا اخي لم يأت وقت هذا بعد ، وإنما هم قالوا لك ذلك تقية ، والتقية في دينهم يكون تقواك وتدينك ، والتقية عندهم ليس لها سوى معنى واحد عندنا هو الكذب والنفاق ، فهم يدلسون عليك خوفا من أن تفلت أنت وغيرك من بين أيديهم ، ويصدق فيهم قول الله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ) ، ، ويا أخي الغالي لم يأت وقت الحديث عن التقية والقرآن بعد فنحن الآن مع صحابة النبي ص .
 
ثم قلت لصاحبي : هل قرأت قول الله تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) .
 
إن هذه الآية لمن أقوى الدلائل على عدل الصحابة وسلامة إيمانهم حيث وصفهم الله تعالى بقوله : ( والذين معه ) أي أصحابة ، الملازمين له ( أشداء على الكفار ) ، وفيه إشارة إلى إيمانهم وقوة يقينهم في الله ، ( رحماء بينهم ) تزكية من الله لهم ، ( تراهم ركعا سجدا ) عبادة متواصلة لله ، ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) مخلصين لله لا يرجون الثواب إلا منه جل شأنه . فهذه هي صفات الصحابة عليهم الرضوان في القرآن الكريم .
 
أتدري يا صاحبي من الذي يغيظه ذكر الصحابة ؟ إنهم الكفار كما وصفهم الله تعالى بقوله : ( ليغيظ بهم الكفار ) فلا يكره الصحابة إلا الكفار المرتدون .
 
والآن يا صاحبي أيهما أهون ، تكفير الصحابة أم تكفير الذين يغيظهم ذكر الصحابة ؟ وأمامك محكم القرآن فاحكم .
 
قال صاحبي : فلماذا جاء الله تعالى في نفس الآية بقوله : ( وعملوا الصالحات منهم ) ، إن قوله تعالى : ( منهم ) دليل على أن هناك من الصحابة من لا يتصف بالإيمان والعمل الصالح .
 
فقلت لصاحبي : أصلحكم الله ، إن كل الصحابة كرام بررة مؤمنون صالحون ، ولكنك إذا نظرت إلى الآية وجدت قول الله تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه ) ، وكلنا يعلم أن الذين كانوا مع النبي ص أكثرهم صحابة مخلصون مطيعون صادقون مجاهدون مؤمنون صالحون ، وكان مع النبي ص كذلك منافقون معلومو النفاق وهم عبدالله بن أبي بن سلول وجماعته ، فوضحت الآية أن المستحقين للثناء من الله تعالى هم صحابته المؤمنون الصالحون السابقون المسابقون إلى طاعة الله وطاعته ص ثم إن كلمة ( منهم ) هنا ليست تبعيضية وإنما هي لبيان الجنس ، كما جاء ذلك في كتب التفسير ، وبذلك تزول الشبهة ، والحمد لله .
 
قال أئمة التفسير ما خلاصته : 
 
( ليست (من) في قوله تعالى : ( منهم ) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ، ولكنها عامة مجنسة ، مثل قولة تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) لا يقصد للتبعيض ، ولكنه يذهب إلى الجنس ، أي : فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان . وكذا ( منهم ) أي هذا الجنس ، يعني جنس الصحابة . وقيل : ( منهم ) يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع ، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع الذي وصف الله تعالى صفته ، وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد ص إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف الله صفتهم (1) .
 
ـــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 26/115 166 ، تفسير القرطبي 16/295 - 296 ، تفسير ابن كثير 7/344 .
 
ثم قلت لصاحبي : ألم تسمع لقول الله عز وجل : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) .
 
فمن هم هؤلاء السابقون إن لم يكن منهم أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وطلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة المبشرون بالجنة ؟ ! ومن هم السابقون إن لم يكن منهم أهل بدر المشهود لهم بالإيمان ؟ !
 
إن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان حازوا رضوان الله ، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار لهم فيها الخلود الدائم .
 
كيف يعقل مع هذه الآية أن تصدق قول من قال إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة أو أربعة أو خمسة ، مع أن الآية تشهد لمجملهم بالإحسان والإيمان .
 
ثم قلت لصاحبي : ألم تسمع إلى قول الله تعالى ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) الحشر : 8-10 .
 
إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل .
 
ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله ، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار ووصف لهم بالإيثار والفلاح ، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي ص .
 
والآية الثالثة رد على أولئك الروافض حيث وصف الله تعالى المؤمنين على مر العصور بعد الصحابة بأنهم يستغفرون لأنفسهم وللمؤمنين الذين سبقوهم بالإيمان، وبأنهم يدعون الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم أي غل للمؤمنين .
 
والرافضة يسبون الصحابة ويلعنونهم ويكفرونهم ، وهم بذلك خرجوا من الأقسام الثلاثة للمؤمنين : الصحابة ( المهاجرين الصادقين ، والأنصار المفلحين ، والتالين المستغفرين الذين ليس في قلوبهم غل لهمن سبقوهم بالإيمان ) .
 
ثم قلت لصاحبي : ألم تسمع قول الله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ) .
 
إن هذه الآية دليل ثناء من الله تعالى على صحابة النبي ص الذين أسلموا قبل الفتح والذين أسلموا بعد الفتح ، وأن الله تعالى وعد كليهما الحسنى .
 
فكيف بالله عليك يعد الله عز وجل صحابة النبي ص السابقين واللاحقين بالحسنى ، ثم تأتي رافضة الحق فتجعل دينها السب واللعن والتكفير لهؤلاء الذين وعدهم الله تعالى بالحسنى .
 
ثم قلت لصاحبي : ألم تسمع إلى قول الله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) ، إن هذا القرآن نزل على النبي ص ليتلوه على صحابته ، وهو يخبر أولئك الأصحاب أنهم شهداء على الناس ، فكيف بالله عليك يكون هؤلاء الشهداء كفارا ملحدين ؟ ! إن هذا من أمحل المحال .
 
ثم قلت لصاحبي : كم من الآيات التي تصدرت بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ) ؟ فقال صاحبي : كثير جدا من الآيات كانت تبدأ بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا ) فقلت له : على من كان يتلو الرسول ص القرآن ؟ فقال : على الناس حوله ، قلت أي صحابته ، فالناس حوله هم صحابته ، فكيف يخاطبهم الله تعالى بلفظ الإيمان ، أألله أعلم بأصحاب النبي أم الرافضة ؟ قل يا صاحبي : الله ، وأثلج صدرك بالترضي على صحب النبي الكرام البررة فإنهم حملوا إلينا القرآن ، وحملوا إلينا السنة ، وحملوا إلينا شرائع الدين ، وباعوا أموالهم وأنفسهم لله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وبسط سلطانه .
 
يا صاحبي لولا الصحابة بعد الله تعالى لما كنا نحن اليوم مسلمين ، ولما رأيت بلدانا في مشارق الأرض ومغاربها كلها يدين بالإسلام ، أفيكون جزاؤهم السب واللعن والتكفير ؟ ! إن هذا الأمر لا يصدر من مؤمن أبدا ، بل لا يصدر من مسلم أبدا .
 
وهنا قال صاحبي : لا يستطيع أحد أن ينكر أن القرآن أثنى على الصحابة ، ولكنهم بعد موت النبي ص بدلوا وغيروا ، وسلبوا الإمام عليا حقه وظلموه وحرقوا بيته وضربوا زوجته بنت رسول الله ص على بطنها ، فأجهضت وماتت بعد ذلك متأثرة بجراحها .
 
فقلت لصاحبي : مه ! ! ! من أين أتيت بهذه الروايات الفاجرة الكاذبة ؟ إن علماء أهل السنة والجماعة الثقات المعتد بهم يكذبون تلك الروايات جميعا ، إذ لم يثبت منها شيء ، بل الثابت أن المحبة والمودة والتواصل هو الذي كان بين صحابة النبي ص وبين الإمام علي رضي الله عنه .
 
وسأسألك : هل تدري ما أسماء أولاد علي رضي الله عنه ؟ إن من حبه لصحابة النبي ص لا سيما الخلفاء الراشدين ، سمى بعضا من أولاده أبا بكر وعمر وعثمان ، هل تدري لمن زوج الإمام علي ابنته أم كلثوم ؟ فقال صاحبي : لا أدري ، فقلت : زوجها إلى أحب وأعز الناس إليه ، إلى أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه ، هل تدري أن عليا رضي الله عنه كان قاضي المدينة على عهد عمر ؟ وهل تدري أنه كان أحرص الناس على نصيحته ؟ حتى أنه عندما أراد عمر أن يسير بنفسه إلى جهاد الفرس أشار عليه بالجلوس لأنه ركن الإسلام الذي يفيء إليه المجاهدون ، وأشار عليه بإرسال من يثق فيه .
 
هل تدري أن عثمان رضي الله عنه هو الذي ساهم في زواج علي رضي الله عنه من فاطمة رضي الله عنها ؟
 
صاحبي إن محبة الصحابة بعضهم بعضا كانت مضرب الأمثال ، حتى وصفهم الله تعالى بقوله : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) .
 
صاحبي إن المؤمن لا بد وأن يجزم بتركية نفوس صحابة النبي ص ورضي الله عنهم أجمعين ، لأن الذي رباهم برعاية الله هو رسول الرحمة وهو رسول الحكمة ، وقد أرسله الله تعالى لتزكية الناس أجمعين فهل يعجز أو يقصر في تزكية من حوله ؟ والله لو كان كذلك كان لمن بعدهم أعجز ، قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .
 
فقال صاحبي : لقد أسلمت لك في أمر الصحابة ، ولكن هناك أمرا أهم وهو أصل لموضوع الصحابة ، ألا وهو موضوع الإمامة والنص على علي بالخلافة والإمامة ، فإن سلمنا به سلمنا بأن الصحابة سلبوه حقه ، وإن ثبت غير ذلك فالحق لك ومعك .
 
فقلت لصاحبي : إن هذا الأمر أيسر من سابقه بكثير ، ولكني أرى أن نبحث في هذا الأمر عن علم ودراية حتى نجتث الشبهات من جذورها ، فأستأذنك أن نحيط علما بما قاله علماؤنا حول تلك الشبهات جميعا ، وبعد ذلك نتناقش بما تحب وما تشاء ، فإني أعلم بحمد الله يقينا أن أغلب هذه الشبهات ستزول أمام صواعق الحق وقوة حجته .
 
فقال صاحبي : وكيف نبحث في أمر السنة والشيعة عن علم ودراية كما تقول ؟ فقمت وأحضرت ثلاثة كتب ، وقلت له : هناك رسائل نقرؤها سويا ثم بعد الإحاطة بما فيها نبحث في الشبهات عن علم ودراية وإحاطة بهذا الأمر .
 
فقال صاحبي : أستأذنك الآن فإن الوقت قد تأخر وفي الغد إن شاء الله تعالى سأكون في إقامة دائمة معك حتى نصل إلى الحق الواضح ، ولكن ما هذه الرسائل الثلاث ؟
 
فقلت : الأولى : العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ص للقاضي أبي بكر بن العربي ، وهي حقا عواصم من قواصم الرافضة وأكاذيبهم ، وفيها إن شاء الله تعالى إزالة لكل شبهاتهم التي ألقوها إليك .
 
والثانية : الشيعة والسنة للشيخ إحسان إلهي ظهير ، وفيها سنعلم حقيقة الشيعة ومدى خبث مذهبهم الضال .
 
والثالثة : الشيعة وأهل البيت أيضا للشيخ إحسان إلهي ظهير ، ومنها سنعلم حقيقة موقف الشيعة من آل البيت الأطهار المطهرين ، وكيف أن ادعاء حبهم ستار شيعي كثيف يخفي وراءه كل بدعة وضلالة قد تصل كثرا إلى حد الكفر والإلحاد . 
 
فمضى صاحبي على أمل اللقاء في الغد ، وهذا ما تم بحمد الله تعالى .
 
في اللقاء الثاني صاحبي يلعن التشيع الباطل وأهله :
 
جاءني صاحبي في اليوم التالي مباشرة ومعه حقيبة صغيرة ، وقال لي : يا فلان أعلم أنك تعيش هذه الأيام بمفردك ، وقد أخذت أجازة من عملي حتى أتفرغ لأمر البحث عن الحقيقة ، وسأكون ضيفا عليك حتى أخرج من الشك إلى اليقين ، وإنني بحمد الله لم أنم قرير العين منذ أيام وأشهر كما نمت بالأمس ، ليس لشيء سوى استعادة ثقتي بصحب النبي الكريم ص ، ورضي الله عنهم أجمعين ، ثم استعدت ثقتي بإيماني وديني .
 
فقلت له : على الرحب والسعه ، ولست ضيفا بل إنك صاحب البيت ، فتفضل  وأشرت إليه بالجلوس حتى تستريح ثم نبدأ البحث .
 
فقال صاحبي متحمسا : أنا مستريح الآن فلنبدأ بإذن الله ، فأعطيته ( العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ص ) وهو من تأليف القاضي ابن العربي وتحقيق محب الدين الخطيب .
 
وقلت له : أنا بجوارك فاقرأ ، وإن استشكل عليك شيء قرأناه سويا ، وجعلت أتابعه وهو يلتهم سطور الكتاب بنهم وتركيز .
 
الكتاب ممتلىء بتلك الشبهات التي ألقتها الشيعة الرافضة حول مواقف صحابة النبي ص بعد وفاته ص والتي طالما سمعها من شيعة الشيطان - ، ثم يجد بعدها ترياقها وعلاجها وعاصما  تلك القواصم والمنجيات من المهلكات .
 
وهكذا ظل أخي يقرأ ويتابع الكتاب ، وأحيانا يجعلني أشاركه بعض أحاسيسه وبعض قراءته في الكتاب ، ويقول : أين كنت من هذا العلم ؟ ! لقد أحياني أبوبكر العربي بهذا العلم ، ثم التفت إلى متحمسا وهو يقول : لقد انتهيت من الرسالة الأولى : أين الثانية ؟
 
فقلت له : لا حتى تستريح فقد أجهدت نفسك وينبغي أن تستريح اليوم ، وغدا إن شاء الله تقرأ الرسالة التالية ، فأصر على حاله وعلى طلبه للرسالة الثانية ، فقلت له وأنا أعطيه الرسالة الثانية : الآن استراح صدرك من ناحية صحابة لنبي ص وسلم قلبك تجاههم ،و هذا الأمر يكفي بمفرده لأن ينسف عقائد شيعة الباطل وأعوان الشيطان ، وفي هذه الرسالة  أشرت إلى الثانية ستعرف حقيقة التشيع وحقيقة معتقداته ، في القرآن وفي السنة وفي الصحابة وفي أهل الإسلام كافة ، وسيجري لسانك بعد ذلك بلغن هؤلاء القوم (1) والبراءة من دينهم الذي يخالف ويعارض دين الإسلام الذي نحن عليه جملة وتفصيلا .
 
وبدأ صاحبي يقلب صفحات الكتاب لاثني ( الشيعة والسنة ) لإحسان إلهي ظهير وهو يقلب كفيه ويتعجب من حقيقة معتقد هؤلاء الضلال ، وما كانوا يخفونه عنه طيلة الشهور السابقة
 
وهكذا يومين متتاليين وصاحبي لا يشغله عن القراءة سوى أداء الفرائض والنوم القليل ، استوعب خلالهما ( العواصم من القواصم ) ، و( الشيعة والسنة ) ، و( الشيعة وأهل البيت)
 
وتغير صدره تجاه أصدقاء الأمس وعلم أنهم ما كانوا يكرمونه إلا كما يكرم الصياد سمكته بطعم يلفيه إليها ، ورأى كيف تصنع التقية السذج من المسلمين وأخذ يتبرأ من أهل التشيع الباطل ، ويلعنهم ويسبهم وهو يقول : أهون علي أن ألعن هؤلاء الأبالسة من أن ألعن أبا بكر وعمر وعثمان ، وبقية صحب النبي الكرام وحاشاهم من ذلك .
 
ثم تجهز صاحبي ليفارقني وهو يعانقني ويشكرني ويطلب مني النصيحة فناصحته بملازمة كتاب الله تعالى ، والتركيز على كتب العقائد التي كتبها جهابذة العلماء المعتد بهم عندنا .
 
وقلت له : إن هؤلاء الإمامية قوم كذبة فجزة فلا تأت إليهم ولا تحادثهم ، وأفضل شيء أراه لك مقاطعتهم ، لأنهم منافقون منكوسة قلوبهم لا يسمعون ولا يعقلون كقول الله تعالى : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) .
 
(1) أقصد بهم ( الإمامية الإثني عشرية ) فإنهم كانوا من فرق الشيعة الضالة ، ولكنهم في القرون الأخيرة وتحديدا مع قيام دولتهم الصفوية آثروا كل غلو وكل كفر وكل ضلال . وإلى اليوم يجمعون معتقدات عديدة مركبة ، الواحدة منها محض كفر . نعوذ بالله من الضلال .
 
الأمر يتجدد ومناظرة تأتي على عجل :
 
بعد مضي يومين جاءني صاحبي ، وقال : يا فلان ، أحد علماء الشيعة ينتظرك الآن لتتباحثا في أمر السنة والشيعة وأيهما على الحق ، وصاحبي يتحدث بعجلة ويبدو عليه الاستعجال ، فأردت أن أتبين منه الأمر فقلت له : تفضل يا صاحبي حتى تحكي لي ماذا حدث فقال : إن شابا من طرف هذا العالم الشيعي بسيارته أمام المنزل ينتظرنا الآن فلا وقت للحديث .
 
فقلت لصاحبي : ليس على هذا كان اتفاقنا : وقد كانت نصيحتي لك أن تمتنع عن زيارتهم ومحادثتهم لا أن تأخذني إليهم .
 
فقال صاحبي : يا فلان لا بد وأن تجهر بالحق ،ولا بد أن تدحر باطلهم .
 
فقلت له : إن هؤلاء قوم منكوسة قلوبهم ،وأعلم يقينا أنهم لا يريدون الحق ولا يهتدون إليه سبيلا ، والجدال مع هؤلاء مجرد ضياع لوقتي ووقتك .
 
ولكن بدأ صاحبي يتغير وجهه وخصوصا أن هناك من ينتظره بالخارج ، فإذا به يجذبني من يدي ويقسم بالله إلا ذهب معه ، ولكي يخفف الأمر قال لي : إن نقاشك سيفيدني أنا لا هم ، فتعال معي بهذه النية .
 
الشاهد : مع إصرار صاحبي ارتديت ملابسي وذهبت معهما إلى حيث مكان المناظرة ، فدخلا ودخلت خلفهما ، فإذا نحن أمام ساحة كبيرة ممتلئة بالأشخاص ، وكأنها أشبه بندوة علمية وفي مقدمتها رجل يلبس عمامة سوداء وجبة سوداء ويجلس على كنبة عريضة تسع لثلاثة أشخاص ، ولكنه يجلس عليها بمفرده ، وبقية الناس تجلس تحته على الأرض ، فعلمت أنه سيدهم الذي يريد محادثتي .
 
الشاهد : قام هذا الرجل واستقبلني وأجلسني بجواره وحياني بكلمات لا تخلو من تملق ، ثم بدأ حديثه إلى بما يلي :
 
سيدهم :
 
لقد كان حديثنا قبل حضورك عن " الإمامة " وكيف أنها أصل من أصول الدين لا يجوز للرسل عليهم السلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة والدهماء ، فيختلفوا في الدين ويحدث الفساد في الأرض . ثم التفت إلى وقال : هل يعقل أن النبي ص يترك الأمة هكذا قبل موته دون أن يحدد لهم إماما يدير أمر الأمة ويخلف النبي ص في مصالحها ، ويرفع الخلاف ، ويقود الأمة إلى بر الأمان ؟ !
 
وأضرب لك مثلا بسيطا يدل على أن النص بالإمامة واجب عقلا كما هو واجب شرعا : هب أن سائقا لحافلة كبيرة تضم العديد من الناس ، وسائق هذه الحافلة المسئول عنها سار بها من أول الطريق وتعب في قيادتها غاية التعب حتى خرج بها من الصحراء إلى الطريق الآمن ، وهناك أراد أن يترك هذه الحافلة ، فهل يحسن به أن يترك تلك الحافلة دون أن ينتقي لها أفضل قائد يراه قادرا على قيادتها على أحسن وجه إلى بر الأمان ، وهل يعقل أن هذا السائق يترك حافلته هكذا دون أن يحدد لها سائقا ماهرا بديلا ؟ إنه لا ينبغي له ذلك .
 
ومن هناك نعلم أن الإمامة قضية أصولية لا يجوز للرسل إغفالها ولا تركها للعامة يتهارجون حولها فيرى كل واحد منهم رأيا ، ويسلك كل واحد منهم طريقا .
 
ولذلك فليس في الدين أمر أهم من الإمامة التي بها حفظ الدين ورفع الخلاف واستقرار الأمة
 
العبدلله :
 
 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد :
 
إن المرء ليتعجب أننا في هذا الزمان الذي يتشدق فيه العالم كله شرقه وغربه ، ويتفاخرون بالحريات السياسية والاجتماعية والفكرية التي وصلوا إليها ، والتي تقوم على أصول أهمها " حق الأمة في اختيار من ينوب عنها في الحكم والقيادة " . وفي الوقت نفسه نجد البعض منا يستدلون بالعقل على وجوب التنصيص ، وأي وجه للعقل في الاستدلال على هذا الأمر ، والعقل السليم (1) يحكم بضده ! ! .
 
(1) الشرع كذلك يحكم بضده كما سيظهر بعد ذلك ، ولكننا التزمنا هنا بنقض استدلاله بالعقل على وجوب التنصيص بالإمامة
 
إن الأمة الإسلامية ليست قطيعا من الخراف ، يجب أن يفرض عليهم راع بعينه يسوقهم سوقا ، بل إن الله تعالى قد كرم هذه الأمة وجعلها خير الأمم لنفسها وللناس جميعا ، وكرم أهلها المؤمنين المخلصين وجعل أمرهم شورى بينهم ، وهذا هو الاحترام التام لملكة العقل التي وهبها الله تعالى للإنسان السوي الذي يعرف حق الله تعالى ويعرف حق دينه ويعرف مصلحة أمته .
 
والله عز وجل عندما وصف المسلمين وصفهم بقوله : ( وأمرهم شورى بينهم ) ، بل وبالغ في تكريمهم حتى أمر النبي المعصوم المؤيد بالوحي أن يشاورهم فقال تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) .
 
والنبي ص أحرص الخلق على احترام حق الأمة الذي وهبة الله تعالى لها في اختيار من تراه أنسب لأن ينوب عنها في إقامة الدين وسياسة الدنيا به ، ومن تراه أرفق بها وأقدر على أن يقودها إلى بر الأمان .
 
ولذلك وجدنا النبي ص يترك الأمة هكذا دون أن يحدد لها إماما بعينه ، لأنه يثق في قدرتها على اختيار أفضلها ولأن ذلك هو حقها الذي أعطاه الله تعالى لها ، ولكن بعد أن حدد لأصحابة مواصفات من يصلح للإمامة وألمح ص أنها في أبي بكر - رضي الله عنه - لكن بدون وصية .
 
والنبي ص لم يكن يوما من الأيام ملكا يصدر الأوامر ويفرض عليهم القيود ويلغي حقوقهم وملكاتهم وحرياتهم السياسية والفكرية والاجتماعية ، بل كان أحرص الخلق على تكريمهم وتقديرهم ، حتى كان أكثرهم مشاورة لأصحابة ، وحتى وصفه الله تعالى بقوله : ( لقد جاء رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) .
 
والناظر إلى خلق النبي ص وهديه يجد أنه في الأمور التي تخص الأمة كلها كان لا يصدر غالبا إلا عن وحي من الله تعالى ، أو عن مشورة للمسلمين ، وحيث لا وحي فإن هدي النبي هو مشاورة الصحابة والنظر إلى مصلحة الأمة العامة ، وأمر الخلافة لم يكن هناك فيه نص قرآني صريح ولا وحي من الله يوجب التنصيص على إمام بعينه ، ولذلك آثر النبي الرؤوف الرحيم أن يحترم عقل الأمة وحقها ، وترك لها الأمر دون أن يتدخل الملوك والأمراء بل كان هديه هو هدي النبي الرسول الرؤوف الرحيم بأمته والمقدر لحرياتها وسيادتها .
 
ثم قضية ثانية :
 
المثال الذي ذكره المحاضر من أمر السائق والحافلة فيه مغالطة ينبغي أن ننبه إليها ، ألا وهي أن النبي لم يترك أمته كما يترك الراعي غنمه التي لا تفقه شيئا ولا تدرك شيئا فينبغي أن يبحث لهم عن راع غيره ، بل النبي ص ترك أمته وهي خير الأمم ، علما وفقها وخلقا ، وتركها وهو يعلم أن فيها عشرات ، بل مئات من القادة من القادة الأفذاذ المؤهلين لقيادتها إلى بر الأمان ، وتركها وهو يثق في قدرتها على اختيار أفضل من يمثلها ومن ينوب عنها في تطبيق شرع الله وإقامة دينه وسياسة الدنيا به .
 
وهذا ما حدث فعلا إذ اجتمعت الأمة بعده على خيرها الصديق أبي بكر  رضي الله عنه - ، حيث قاد الأمة بر الأمان ووقف وقفه مع المرتدين ما كان يقف لمثلها إلا رجل كأبي بكر رضي الله عنه - ، ولولاه لما علم غير الله تعالى ما تكون آثارها على الإسلام وأهله .
 
ثم قضية ثالثة :
 
لقد كان بوسع النبي ص أن ينص نصا صريحا على أبي بكر ، وما كان سيجد من الأمة جمعاء إلا السمع والطاعة ، ولكن بعد أبي بكر وإلى قيام الساعة من سيقوم بالأمر ؟ ومن سيقوم بتحديد الإمام ؟
 
إن الأمر بهذا التنصيص لهو دعوة إلى تحويل خلافة الإسلام إلى ولاية جبرية ، تغصب فيه الأمة حقوقها بصبغة دينية تشبه الضلال الذي وصل إليه النصارى في قرونهم المظلمة الظالمة .
 
ولكن النبي ص وبتوفيق من الله تعالى والله أعلم حيث بجعل رسالته  ترك حقوق الأمة دون أن يمسها ودون أن يخدشها وجعل الشورى هي الأصل في اختيار من ينوب عن الأمة في إقامة دينها وسياسة الدنيا به ، وهكذا يقرر دين الإسلام بهدى الله تعالى وهدي رسوله ص منذ فجر الإسلام هذه الحقوق السياسية والفكرية والاجتماعية ، التي لم تصل إليها أمم الغرب إلا بعد بحور من الدماء والظلم والظلام ، وهم اليوم يتشدقون بهذه الحريات ، ولو رجعوا إلى هدي الإسلام لوجدوا فيه أعظم حرية صحيحة وأفضل تكريم ، مصداقا لقوله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم ) .
 
ثم قضية رابعة :
 
وهي إذا كانت الإمامة أصلا من أصول الدين التي يجب النص على صاحبها ، فإننا نعلم يقينا أن دين الإسلام دين خالد إلى قيام الساعة والنبي ص قد ينص على من يخلفه ، فهل يعقل أن النبي نص على أولئك الخلفاء وإلى قيام الساعة ؟ ! وإن كان ذلك حدث فلا يعقل أن لا يصلنا تنصيصه بذلك أو أن لا نسمع به مطلقا .
 
وإذا كان النبي ص نص على إمام بعينه ، فهل يؤول حق التنصيص إلى من بعده ؟ وفي هذا من المفاسد ما لا حصر له حيث ستكون الخلافة ولاية جبرية تسوق أمة الإسلام كقطيع الأغنام الذي لا شورى له ولا رأي عنده .
 
تنبيه آخر :
 
مهما أتى الروافض بكلام ملفق يسوقونه على أنه من الأدلة العقلية لا تخدع إلا السذج من الناس ، ليقولوا : إنه لا يعقل أن يترك الناس كالأغنام بلا خليفة محدد ومنصوص من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله ص . . . إلخ .
 
نقول : كل هذا الكلام يرد عليكم في ترك الناس منذ قرون بلا خليفة . . أي طوال الغيبة الكبرى لإمام الرافضة المزعوم الذي اختفى في سرداب في " سر من رأى " ولم يظهر إلى الآن ! ! !
 
وإذا كان النبي ص نص على إمام بعينه فهل يعقل أن صحابته جميعا يخالفون هذا النص ويجتمعون في السقيفة وبعدها للتشاور في أمر الخلافة ؟ ! إننا ننزه الصحابة عن هذه المخالفة الجلية لأمر النبي ص ، وذلك لأنهم الذين رضي الله عنهم وأرضاهم ووصفهم بالإيمان والإحسان وصفهم بالصدق والإخلاص ، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ، وجعلهم خير أصحاب الأنبياء ، إننا ننأى بهم عن مخالفة النبي ص ،  وهم كانوا طاعة لله ورسوله يقتلون آباءهم وإخوانهم وأولادهم على الإسلام ونصرته ، باعوا الدنيا للآخرة ، وباعوا أنفسهم ابتغاء مرضات الله ، فهل يعقل بهؤلاء أن يخالفوا أمر النبي لدنيا قد باعوها بأرواحهم وأنفسهم من قبل ؟ !
 
إن كل الدلائل لتدل على أن الإمامة ليست قضية أصولية وليست أصلا من أصول الدين ، بل هي من مصالح الدين ومصالح المسلمين ، وقد جعل الله تعالى الأمة الحق في اختيار من ينوب عنها في إقامة الدين وقضاء مصالح المسلمين وسياسة الدنيا بالدين .
 
أما الأصول فهي أمور معلومة بالتواتر نص عليها القرآن في مواضع عديدة لا يكاد يأتي عليها الحصر ، وركز عليها النبي ص تركيزا بينا تمثلت تلك الأصول في :
 
-         التوحيد وإفراد الله بالعبودية وتحقيق معاني ( لا إله إلا الله )
-         الاتباع وتجريد المتابعة للنبي ص وتحقيق معاني ( محمد رسول الله ) .
-         الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وتلك أركان الإيمان التي لا يصح الإيمان إلا بها .
-    إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، تلك أركان الإسلام العملية التي ينى عليها دين الإسلام .
 
والناظر إلى شرع الإسلام يجده يركز على تلك القضايا الأصولية تركيزا واضحا ، أما الإمامة فلا أكاد أذكر نصوصا صريحة تنص على أنها من أصول الدين ، بل هذا شأن الغلاة الذين يجعلون دينهم هو طاعة الرجال والغلو فيهم ، وحيث غاب الرجال ضاع الدين وتعطلت الدنيا ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
 
سيدهم :
لقد أطال الدكتور يقصدني في تقرير مذهبه ، وخلاصة قوله وكلامه : أن النبي ص ترك تعيين الإمام والنص عليه إثباتا لسيادة الأمة في اختيار إمامها وحرصا على تحقيق مبدا الشورى .
 
ولكن الحاصل غير ذلك ، إذ قد نص النبي ص على إمامة علي عليه السلام من بعده ، والأدلة على ذلك كثيرة مستفيضة لا تكفي في سطرها المجلدات العظيمة .
 
وقبل أن أبدأ بذكر بعضها أريد أن أنبه الدكتور  يقصدني إلى أمر هام وهو لماذا إذا ذكرت النبي تقول ص ، فأين آله الذين أمرنا بالصلاة عليهم ، وإن هذه الصلاة صلاة بتراء ، وقد علمنا النبي ص أن نصلي عليه وعلى آله الأطهار المطهرين عليهم السلام .
 
الساحة تمتلىء بالضجيج والكل يقول في صوت واحد : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد .
 
العبد لله ( متبسما ) :  
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى صحب محمد .
 
سيدهم ( مغضبا ) :
من أين أتيت بقولك : " وعلى صحب محمد " ؟ إن الصلاة كما علمنا إياها النبي ص : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " .
 
الساحة تمتلىء بالضجيج ثانية وجميعهم يقول في صوت واحد : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
 
العبد لله :
الأمر لا يستحق هذا الغلو والتعنت فإن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي ص بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
 
والحديث الذي ورد بأن هذه الصلاة ( اللهم صل على محمد وسلم ) صلاة بتراء حديث مكذوب لا يصح ، بل منطوق الآية يؤيد هذه الصلاة حيث يقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
 
ومع ذلك أهل السنة يقولون : الصلاة التامة الأعظم أجرا هي الصلاة الإبراهيمية : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد " ، وهي واجبة في كل صلاة في التشهد الأخير .
 
أما حديثنا الآن ففيه سعة ولا ينبغي التعنت في هذا الأمر ، وحبنا لآل بيت النبي الأطهار المطهرين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام لا يشك فيه أحد ، ولا ينكره إلا من طمس الله بصيرته ونكس قلبه .
 
سيدهم :
فمن أين جئتم بقولكم : " اللهم صل على محمد وآل محمد وصحبه " ؟ إن هذه الصلاة دين لا تجوز فيه الزيادة بأهوائنا وآرائنا .
 
العبد لله :
هداك الله ، إن الله تعالى أمر نبيه بالصلاة على أصحابه ، ونحن نقتدي به ص في ذلك ، ألم تسمع إلى قول الله تعالى آمرا نبيه ص بقوله : ( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) (1) ؟
 
إن الصلاة هنا بمعنى الدعاء وإذا كان النبي ص قد أمر بالدعاء لصحابته فنحن أولى باتباعه والاقتداء به ، وصلاة الله على عباده الصالحين جميعا دعاء معناه أن ندعو الله تعالى أن يتقبلهم ، وأن يرفع درجاتهم وأن يبارك في أعمالهم ودرجاتهم وحسناتهم . وإلا فيكف تكون صلاة الله تعالى على عبادة إن لم تكن بمعنى البركة والرحمة وقبول العمل وقبول الدعاء .
 
لغط في المجلس والقوم لا يقبلون بهذا الأمر ولا يرضون بالصلاة على صحابة النبي ص فهم عندهم كفار مرتدون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
 
(1) هذا الاستدلال بهذه الآية جاءني على عجل دون تحضير ، وهكذا يفتح الله على عباده المتوكلين عليه .
 
العبد لله ( خروجا من هذا اللغط قلت ) :
لقد وعدني المحاضر أن يأتي بأدلة ادعى أنها مستفيضة لا تكفي في سطرها المجلدات ، تدل جميعا على النص على إمامة الإمام علي رضي الله عنه .
 
والرجاء أن يذكر أهم تلك الأدلة وأصولها التي إن سلمت كانت حجة ، وإن سقطت لم ينفعها ما خلفها من الأدلة وكانت حجة على قائلها .
 
وأنبه الأخ المحاضر إلى أصول المناظرة والاستدلال ، بأن يكون الاستدلال بنصوص صريحة صحيحة ملزمة للخصم ، قاطعة للجدال ، لا وجه للاجتهاد والاستنباط فيها .
 
وهذا هو مقتضى قولكم إن الإمامة أصل من أصول الدين ، والأصل لا يحتاج تقريره إلى اجتهاد واستنباط ، بل الأصل عادة يكون كالشمس ظهورا لا ينكره إلا من كان به عمى في بصره وبصيرته .
 
سيدهم :
الدليل الأول : " حديث غدير خم " ، وهذا الحديث مذكور عندكم وفي كتبكم المعتمدة عندكم ، وهذا الدليل بمفرده كاف على إثبات النص بإمامة علي عليه السلام .
 
العبد لله : تفضل بعرضه ولكن رجائي أن تتيح لي عقبه التعليق عليه ، حتى يظهر الحق فيحيي من حي عن بينه ويهلك من هلك عن بينة .
 
سيدهم :
 
لما صدر الرسول صلى الله عليه وآله من حجة الوداع نزلت عليه في الثامن عشر من ذي الحجة آية : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ولن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ، فنزل غدير خم من الجحفة " مكان بين مكة والمدينة " ووقف هناك حتى لحقه من بعده ، ورد من كان تقدم ونادى بالصلاة جامعة ، فصلى الظهر ثم قام خطيبا ، فكان من خطبته صلى الله عليه وآله أنه قال : " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسكم ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " ألستم تعلمون  أو : تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله ، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب بضبعيه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما ، ثم قال : " أيها الناس ، الله مولاي وأنا مولاكم ، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ،وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه " . ثم قال : " اللهم اشهد " ، ثم لم يفترقا رسول الله وعلي حتى نزلت هذه الآية ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب بالرسالة لي والولاية لعلي " .
 
فهذا الحديث الذي دار في غدير خم نص صريح على إمامة علي عليه السلام لقول النبي صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " ، أي من كنت واليه فهذا علي واليه . والوالي هو الإمام .
 
ولولا النص على علي بالولاية في هذا الحديث عند غدير خم لما أوقف الني صلى الله عليه وآله الناس أجمعين ، وكان عددهم مائة ألف وأكثر ، ولما نص على ولاية علي بعده اكتمل الدين وأنزل الله تعالى قوله : ( اليوم أكملت كلم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
 
العبد لله
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد :
 
يأبى محاضرنا إلا التلفيق بين الروايات المتعددة المختلفة ، ويأبى إلا التدليس بها حتى يظن السامع أنها نسيج واحد وليست روايات مختلفة متعددة ، نزلت كل واحدة منها لسبب ، ولكل واحدة منها مقال .
 
وقد أجاد المحاضر في هذا التدليس والتلفيق ، وأجاد تصور الروايات المختلفة والوقائع المتعددة وكأنها نسيج واحد ورواية واحدة بدأت بأمر الله تعالى للنبي ص بأن يبلغ الناس بإمامة علي ويوصي له من بعده خليفة للمسلمين ، فأنزل الله ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ، فجمع الرسول ص الناس في غدير خم وبلغهم تلك الرسالة ، وبعدها أنزل الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) .
 
ولكن هذا التلفيق يخالف الحقيقة قلبا وقالبا ، وليس هو إلا من نسج خيال البعض إرضاء لأهوائهم .
 
ولتفنيد تلك المزاعم وفضح ذلك التلفيق أقول :
 
أولا : الوارد في سبب نزول قول الله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ، أن الرسول ص كان إذا خرج إلى غزوة من غزواته انتدب بعض أصحابه ليحرسوه من العدو ، حتى إذا كان ذات ليلة أنزل الله تعالى عليه ( يا أيها الرسول . . . ) الآية فأخرج رأسه من قبة خيمته وقال : يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ، ومن نزول هذه الآية والنبي ص لا يتخذ حرسا اعتمادا على عصمة الله تعالى له ، حتى أنه جاء أن رجلا قال للنبي ص : أعطني سيفك أشمه ، فأعطاه إياه وكان يضمر قتل النبي ص ، فرعدت يده ، وحال الله بينه وبين ما يريد ، حفظا للنبي ص .
 
والواضح من الرواية السابقة أن الآية نزلت ليلا ، ونزلت على النبي ص وهو داخل خيمته وعلى فراشه ، لذلك قال السيوطي رحمه الله هذه الآية ليلية فراشية ، أي نزلت على النبي ص ليلا ، ونزلت عليه وهو في فراشه ص .
 
فانظر كيف بلغت دقة العلماء في تحديد أوقات نزول الآيات ، فكيف يغفلون عن إضافتها إلى حادثة الغدير ، مع مناسبتها الشديدة لها كما يزعم المحاضر ، بل ويجعلونها في أمر آخر مغاير تماما لحادثة الغدير . وهذه واحدة .
 
ثانيا :
الوارد في نزول قول الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، أن هذه الآية نزلت يوم عرفة وهو يوم الحج الأكبر وكان يوم جمعة ، وهذا الأمر لا مجال فيه للتشكيك فقد تضافرت عليه أقوال الأئمة ووردت فيه الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما . عن طارق بن شهاب : قالت اليهود لعمر : إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا حين أنزلت : يوم عرفة : وإنا والله بعرفة . قال سفيان : وأشك كان يوم الجمعة أو لا . ( اليوم أكملت لكم دينكم ) (1) .
 
وتلك الروايات تدل على أن هذه الآية نزلت على النبي ص في يوم الحج الأكبر ، وكلنا يعرف أن يوم عرفة كان قبل يوم الغدير بأيام فكيف يستساغ أن نقول : إنها نزلت في غدير خم ، وقد تواترت أقوال الأئمة على أنها نزلت قبل ذلك بأيام ؟ !
 
والعجيب في التلفيق أن يدعي المحاضر أنها نزلت لما نص النبي ص على إمامة علي ، وهو والله ما نص على إمامته ولا هي نزلت في غدير خم .
 
وثالثا :
الوارد في غدير خم أن النبي ص بعدما سلك بأهل المدينة طريقهم إلى المدينة مر على ماء يدعى خما ( مكان على الطريق بين مكة والمدينة ) فنزل كعادته في السفر أن يستريح بين مسافة وأخرى حتى يلحق به من تخلف به من تخلف عنه ، وحتى يستريح من أجهده السفر ، وهناك  اشتكى الناس من علي رضي الله عنه ومن شدته عليهم ، مع أن شدته كانت في الحق .
 
ولشكوى الناس من علي رضي الله عنه قصة سابقة ، وهي أن النبي ص قبل توجهه إلى حجة الوداع أرسل عليا إلى اليمن ليجمع الصدقات ، فجمع علي رضي الله عنه الصدقات ووافى بها النبي ص في مكة ليحج معه ص ، وفي الطريق أراد الناس أن يستعملوا شيئا من الصدقة حتى إذا وصلوا إلى النبي ص سلموها له ، ولكن عليا رضي الله عنه ، ولشدة احتياطه وعدم مجاملة الناس على حساب الحق الأغر رفض أن يستعمل الناس شيئا من الصدقة لكونهم لا يملكونها وهي حق لبيت مال المسلمين ، فاشتد عليهم الطريق ، ولما سنحت لهم الفرصة شكوا ذلك للنبي ص .
 
والنبي ص يرى عليا على الحق لا يخشى في الله لومة لائم ، فيقف ليؤازره على ملأ من الناس ، وليوضح للناس جميعا أن ما تشتكون من علي منه ، الحق فيه مع علي رضي الله عنه . فوقف في غدير خم وذكر الناس بالله وأمرهم بالتمسك بكتاب الله ثم أوصاهم في أهل بيته ص ، وعلي رضي الله عنه منهم .
 
ثم قال ليبيض صفحة علي أمام الناس الذين اشتكوه عند النبي ص : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " ، وتأكيدا للثناء على الإمام علي رضي الله عه قال ص : " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " * .
 
ـــــــــــــــــ
* حديث الغدير : " من كنت مولاه . . . " له طرق عن غير واحد من الصحابة ، وأما زيادة : " وانصر من نصره واخذل من خذله " فضعيفة . انظر السلسلة الصحيحة ( 1750 )
 
فهذا كل ما حدث في غدير خم ، وهذا هو السبب الذي من أجله قال النبي ص : من كنت مولاه فعلي مولاه .
 
وذلك لأنه كان عامل النبي ص على الخمس ونفذ فيه بالحق والعدل والاحتياط فرأى النبي ص بحكمته أن يثني على علي لموقفه هذا ، وأن يدعو الله تعالى له بالتأييد .
 
وأما الزيادات والمبالغات التي يتقولها البعض على حديث رسول الله ص ومنها قولهم : " اللهم انصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار " ، فهي زيادات لا تصح ولا يلتفت إليها أهل العلم .
 
فهذا هو الحاصل في غدير خم ، وهو أبعد ما يكون عن تصوير وتلفيق أخينا المحاضر .
 
ورابعا :
 
الجزء الأخير من حديث المحاضر كله ملفق مكذوب لا يصح منه شيء البتة ، فلم يرد في الأحاديث الصحيحة أن النبي ص رفع يد علي ، ولم يرد أنهما لم يتفرقا حتى نزل قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ، ولم يرد مطلقا قوله : " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب لي بالرسالة ولعلي بالولاية " . ولكن الحقيقة أنها أكاذيب بعضها خلف بعض ، وظلمات بعضها فوق بعض ، وأساطير لم تحدث إلا في أذهان البعض .
 
وخامسا :
بغض النظر عن التلفيق الذي صنعه المحاضر ، فإن الاستدلال الذي يستدل به المحاضر على الوصية لعلي هو قول النبي ص : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " ، وقد فهم خطأ أن معنى " مولاه " أي " واليه " ، وعلى ذلك فالولاية ثابتة لعلي بعد النبي ص .
 
وهذا الفهم يخالف اللغة العربية ، ويخالف فهم جهابذة اللغة أصحاب النبي ص ، ولم يقل به أحد من علماء اللغة المعتد بهم .
 
والسنة والقهم الصحيح والصواب هو أن " مولاه " بمعنى الموالاة ، وهي المودة والمحبة والمؤازرة ، وهذا هو المعنى الذي جاءت به لغة العرب .
 
ودليل ذلك حديث بريدة والذي جاء فيه قول النبي ص لبريدة : " أتبغض عليا ؟ " ، فيقال بريدة : نعم ، فقال النبي ص : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، وهذا يدل على أن الموالاة تضاد البغض والكراهية ،وعلى ذلك فالموالاة تعني المحبة والمودة والمؤازرة .
 
وسادسا وأخيرا :
على سبيل التنزل لدعوى المحاضر ، فإنه بغض النظر عن كل ما ذكرناه من أن الحديث ملفق ، وأكثره زيادات مكذوبة وروايات متعددة ملفقة ، بغض النظر عن ذلك كله ، ولو وافقنا المحاضر على كلامه بأن الدليل على خلافة علي قوله ص : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " ، ولو وافقناه على أن مولاه بمعنى واليه مع ما فيه من التحريف ، فإنه بعد ذلك لا يصلح كدليل صريح على خلافة علي رضي الله عنه ، ولا يصلح كنص واضح في خلافة علي .
 
إذ النص الصريح كقوله مثلا : علي هو الإمام بعدي ، أو : علي هو الخليفة بعدي ، أو : لا خليفة يخلفني سوى علي ، أو من هذا القبيل .
 
وقد سبق لك أن ذكرت أن الولاية عندكم أصل من أصول الدين ، وأصول الدين لا يصح فيها إلا التصريح ، وحيث لا تصريح فلا يصلح هذا الحديث كدليل صريح واضح علىالنص على علي بالإمامة والخلافة .
 
والحديث عندنا قصاراه أن عليا رضي الله عنه تجب له الموالاة والمحبة والمودة ، وهذا ما يفعله كل أهل السنة حيث يترضون عن الإمام علي ويجعلونه خليفة للمسلمين الرابع الراشد رضي الله عنه وأرضاه .
 
سيدهم :
دعك عن هذا الدليل السابق إذ هناك دليل آخر على النص على إمامة الإمام علي عليه السلام وهو " آية الولاية " .
قال تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) .
 
وقد اتفق المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في علي عليه السلام حيث كان يصلي فجاءه سائل يسأله وهو راكع في صلاته ، فطرح له خاتمه فأنزل الله تعالى في حقه هذه الآيات .
 
و( إنما ) هنا للحصر ، فدل على أن الولاية قاصرة لعلي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك لأن الآية نزلت في حقه .
 
العبد لله :
هذا الدليل أوهى من سابقه وليس فيه على فرض صحته نص البتة على إمامة الإمام علي بعينه ، بل هي عامة في كافة المؤمنين .
والولاء ها هنا أيضا بمعنى الموالاة والمحبة والمودة والمناصرة وليس بمعنى التنصيص على الخليفة والإمام .
وعلى فرض أنها بمعنى الإمامة وهو بعيد غريب على اللغة في هذا الموضع ، فإن الآية جاءت بلفظ الجمع ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ، فدل ذلك على أنها تشمل عليا رضي الله عنه وغيره من المؤمنين .
 
ثم إن تنزيل هذه الآيات على الإمام علي فيه نظر ، إذ القصة وإن كانت وردت في كتب أهل السنة إلا أن في سندها مقالا ، وغير ذلك فإن العمل الكثير في الصلاة يبطل الصلاة ، والصلاة بمفردها فيها شغل عن التصدق ، ولا يجوز للمصلي أن ينشغل بغير الصلاة من أعمال البر والطاعة وهو في صلاته ، والإمام علي من أئمة الخاشعين في صلاتهم ، وقيامه بخلع خاتمه وإعطائه للمتصدق أمر مستبعد بل مستغرب كذلك .
 
وعلى فرض حديث ذلك : فأين النص الجلي في الآيات على إمامة علي رضي الله عنه ؟ إنكم تقولون : إن الإمامة أصل أصيل من أصول الدين ، وأصول الدين ينبغي أن يكون الاستدلال بها بنصوص قطعية صحيحة الثبوت صريحة الدلالة وإلا لم تكن أصولا .
 
وها أنت ترى أن تفسير الآية له أوجه عديدة ، فمن الناس من يحمل معنى الولاء على المحبة والمودة والمؤازرة ، وهذا هو الغالب ، وأنتم تحملونها على معنى الإمارة ، ثم تنزيل الإمام علي على المتصدقين في صلاتهم أمر فيه مقال ، وإن ثبت فإن الآيات جاءت بلفظ الجمع والجمع ما كان اثنين فأكثر ، فدل على مشاركة غير الإمام علي معه في الأمر ، هذا كله على فرض صحة وثبوت سبب النزول .
 
وملاحظة أخرى : وهي أن خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، فالآيات تنطبق على كل من يفعل ذلك من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتصدق ، والكل يستطيع فعل ذلك .
إن الحق واضح ، وهذا الدليل الذي استدللت به لا يصلح حتى كدليل ضمني ، فضلا عن أن يكون نصا صريحا جليا في إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله ص مباشرة .
 
سيدهم :
المفسرون عندكم قالوا إن هذه الآيات نزلت في الإمام علي عليه السلام ولم نعلم أحدا تصدق وهو راكع سواه ، وقد أيدت الآيات فعله ونصت على ولايته ، وكون الآيات جاءت بالجمع مع أن السبب فيه رجل واحد وذلك ليرغب الناس في المسارعة إلى فعل الخيرات اقتداء بإمامهم عليه السلام ، والذي لم تمنعه صلاته من تفقد الفقراء والمحتاجين .
 
العبد لله :
حديث علي رضي الله عنه وتصدقه بخاتمه وهو في الصلاة حديث موضوع باتفاق أهل العلم المحققين (1) .
 
ـــــــــــــ
(1) صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه دقائق التفسير ج 1 ص 104 ومنهاج السنة ج 7 .
 
وهكذا حكم عليه المحققون من علمائنا الثقات ، وعلى ذلك فلا حجة لمن كتبه أو أورده تساهلا أو بدون تحقيق .
 
ولذلك يستحيل أن تستدل على أصل من أصول دينك تقدمه على الصلاة والصيام والحج والزكاة بحديث موضوع مكذوب على النبي ص .     
 
إن الفيصل في الاستدلال بيني وبينك هو نص الآية ، والآية لا تنص على علي رضي الله عنه ، بل ليس فيها ذكر لاسمه أو أدنى إشارة لتخصيصة بالولاية .
 
والآية الكريمة غايتها أن الولاء واجب لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين المقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والخاشعين لله وحده .
 
وإنما قلت : " والخاشعين لله " لأن الركوع يأتي في اللغة بمعنى الخشوع والخضوع ، وقد جاء في القرآن كذلك بنفس المعنى حيث أمر الله تعالى مريم بالركوع في قوله تعالى ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) ، ومعناه : واخشعي مع الخاشعين ، وحيث وصف الله تعالى عبده داود عليه السلام بقوله : ( وخر راكعا وأناب ) ، ومعلوم أن نبي الله داود عليه السلام خر ساجدا ولكن جاء الركوع هنا بمعنى الخشوع والخضوع لله .
 
وهكذا تنسجم معاني الآيات الكريمات ويكون المعنى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعين ) ، بمعنى وحالة كونهم خاشعين خاضعين لله ، وإلا ففي ركوع الصلاة شغل عن الأعمال الخارجة عن الصلاة ، مهما كان فضل تلك الأعمال .
 
وأمر آخر جدير بالتدبر ، وهو يلغي استدلالكم بهذه الآية تماما ، وهو أن قول الله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) للحصر ، و(إنما) تأتي للحصر ، فلو جعلنا المقصود بالذين آمنوا الإمام عليا وحده كما تفعلون ، فإن هذا يبطل مذهبكم الإمامي الجعفري الإثني عشري ، حيث أن الآية قصرت الولاية في ثلاث فقط ، هم الله تعالى ورسوله الكريم والإمام علي فقط .
 
وبنص الآية حسب مفهوم المحاضر تبطل كل ولاية بعد علي حتى بقية الأئمة المزعومين عنده الإحدى عشر . وهذا وحده كاف في إبطال استدلاله بهذه الآية .
 
سيدهم :
دعك عن هذا الدليل السابق ، إذ هناك دليل آخر على النص بإمامة علي عليه السلام ، وهو حديث المنزلة ، حيث قال النبي ص لعلي عليه السلام : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " .
 
وحديث المنزلة صحيح عندكم ، ولا يخفى على أحد ما فيه من التنصيص على الإمام علي عليه السلام خليفة لرسول الله ص في قومه في غيابه وفي حياته وبعد موته ، وقد أثبت الحديث للإمام علي عليه السلام كل المنازل التي كانت لهارون عليه السلام من موسى عليه السلام باستثناء النبوة فقط .
 
وهارون كان وزير موسى وشركه في أمره وخليفته في غيبته ، وهذا ثابت بالقرآن حيث دعا موسى بقوله : ( واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشكره في أمري ) فاستجاب الله تعالى بقوله : ( قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ) ، وقد نص النبي ص بقوله : " إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ، وعلى ذلك فحديث المنزلة من أعظم الأدلة على تنصيص النبي ص للإمام علي بالإمامة في حياته وبعد وفاته ، وأنه شريكه في أمره ، ووزيره في أمته .
 
العبد لله :
الثابت عندنا قوله ص : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي " (1) أما قولك : " إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " فهو مكذوب على النبي ص ، ولا يثبت عندنا ولا ينبغي الاستدلال به .
 
(1) حديث المنزلة : رواه البخاري في فضائل الصحابة ( 3706 ) ، وفي المغازي ( 4416 ) ومسلم في فضائل الصحابة ( 2404 ) . يقول السويدي في رد الاستدلال بهذا الحديث " قلت : هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلا من وجوه : منها : أن الاستغراق ممنوع إذ من جملة منازل هارون كونه نبيا مع موسى ، وعلي ليس بنبي باتفاق ما ومنكم لأنه النبي ص ولا بعده ، فلو كانت المنازل الثابتة لهارون ما عدا النبوة بعد النبي ص ثابته لعلي لاقتضى أن يكون علي نبيا مع النبي ص لأن النبوة معه لم تستثن ، وهي من منازل هارون عليه السلام ، وإنما المستثنى النبوة بعده . وأيضا : من جملة منازل هارون كونه أخا شقيقا لموسى ، وعلي ليس بأخ ، والعام إذا تخصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية ، فليحمل الكلام على منزلة واحدة كما هو ظاهر " التاء " التي للوحدة . فتكون الإضافة للعهد وهو الأصل فيها . و"إلا" في الحديث بمعنى " لكن " . كقولهم : فلان جواد إلا أنه جبان ، أي : لكنه . فرجعت القضية مهملة يراد منها بعض غير معين فيها ، وإنما نعينه من خارج . والمعين هو المنزلة المعهودة حين استخلف موسى هارون على بني إسرائيل ،والدال على ذلك قوله تعالى : ( اخلفني في قومي ) ومنزلة علي هي استخلافة على المدينة في غزوة تبوك " . ( مؤتمر النجف ، ص 77 78 ) .
 
وأما بقية حديث المنزل برواياته الثابتة عندنا فله قصة مشهورة ، كانت سبب هذا الحديث ، وهي أن النبي ص خرج للجهاد في سبيل الله تعالى في غزوة تبوك وأمر الناس جميعا بالخروج ، واستخلف على النساء والصبيان عليا ابن أبي طالب ، ولم يتخلف عن الغزو مع النبي ص سوى المنافقين والمعذورين من العجزة وغيرهم .
 
فخرج الإمام علي لحبه في الجهاد وفي مرافقة النبي ص يبكي ويشتكي لرسول الله ص تخليفه مع النساء والصبيان ، فقالها له النبي ص ليسترضيه ، ويطيب خاطره ، ويعرفه أنه لم يستخلفه تثاقلا لرفقته كما ادعى المنافقون - ، وإنما ليأتمنه على الحريم والحرمات .
 
فهذه قصة حديث المنزلة والذي لا يحتمل أي معنى للإمامة العامة ولا النص عليها .
 
وأما قولك : إن الحديث يعطي لعلي جميع منازل هارون سوى النبوة واستخرجت من قولك أصلا أصلته أنت وهو : أنه ما دام أخذ جميع منازل هارون فهو خليفة النبي في حياته وفي غيبته وبعد موته ، وأنه وزيره وأولى الناس به وبالإمامة بعده ، فالحديث لا ينطبق على جميع ما استدللت به للأسباب الآتية :
1-      هارون عليه السلام مات في زمن موسى عليه السلام ، ولم يخلف موسى بعد موته ، وإنما خلفه يوشع بن نون وهذا مما لا خلاف فيه .
2-   موسى عليه السلام عندما استخلف هارون عليه السلام استخلفه على الأمة اليهودية كلها وخرج هو لمناجاة ربه ، أما النبي ص فقد خرج ومعه كافة أصحابة ولم يستخلف عليا رضي الله عنه إلا النساء والصبيان .
3-   النبي ص استخلف عددا كبيرا من الصحابة على المدينة وغيرها غير علي ، وهذا متواتر مستفيض ، فدل على عدم استخلاف النبي ص لعلي في كل مرة يخرج فيها من المدينة ، وبالتالي فليس الحديث نصا على وجوب استخلاف علي في حياة النبي وبعد وفاته .
4-      الحديث جاء لسبب معين ، وهو تطييب قلب الإمام علي وخاطره لكونه تركه مع النساء والصبيان .
5-      وقد رود في آثار أخرى أن الإمام علي لتوقان نفسه إلى الجهاد مشى خلف النبي ص بعد سماع هذا الحديث منه ولا تطيب نفسه لهذا الاستخلاف بل كان يؤثر عليه الجهاد في سبيل الله مع النبي ص
6-   فالحديث لا يصح تنزيله تنزيلا عاما على وضع هارون من موسى عليهما السلام ، للأسباب السابقة ، وإلا وجدنا عليا مات في زمن النبي ص كما مات هارون في زمن موسى عليه السلام .
 
وملاحظة هامة يتنبه إليها أهل اللغة وأولو البصيرة فيها :
 
وهي أن الاستثناء في قوله ص : " إلا أنه لا نبي بعدي " متى ما حملنا منازل هارون حملا عاما كما يفعل الأخ المتكلم فإنه يجب أن نفهم أن عليا رضي الله عنه نبي مع الرسول في وقت رسالته .
 
وكيف ذلك ؟ لأن هارون كان نبيا في زمن موسى والنبي ص " ينفي نبوة علي بعده " فإن حمل الحديث محمل العموم والشمول فإن لفظ الحديث لا ينفي حدوث النبوة لعلي أثناء نبوة الرسول ص .
 
وصاحبنا يصر على حمل الحديث محمل العموم والشمول ، وبالتالي ينبغي أن يقبل بنبوة علي في زمن رسالة المصطفى ص ، وادعاء ذلك كفر .
 
وملاحظة أهم :
وهي أن النبي ص كان يمثل لكثير من الصحابة بكثير من الأنبياء ، فهل تؤخذ هذه النصوص مأخذ الشمول والعموم ؟ ‍‍!
 
فقد ثبت أن النبي ص مثل لأبي بكر بمثل إبراهيم عليه السلام وعيسى عليه السلام ، وقال لعمر كذلك : " مثلك كمثل نوح عليه السلام . . . ومثلك كمثل موسى عليه السلام " . ومعلوم أن إبراهيم وعيسى ونوحا وموسى خير من هارون لكونهم من أولي العزم من الرسل .
 
وبالتالي فهذا الحديث مجرد منقبة وفضل للإمام علي ، كما أن هناك مناقب لغيره من الصحابة ، وهذا الحديث ليس فيه مجرد إشارة ضمنية إلى ولاية علي وخلافته في حياة وبعد موت النبي ص فضلا عن التصريح بذلك .
 
وأقول : إن النص الصريح هو كأن يقول النبي ص مثلا : أيها المسلمون إن عليا هو الخليفة بعدي ، أو يقول : إن عليا هو الإمام عليكم بعدي ، أو يقول : إني قد استخلفت عليكم بعد موتي عليا ، هذا هو النص الصريح ، أما غير ذلك كما في حديث المنزلة فلا يصح أن يكون صريحا .
 
سيدهم ( وقد تصبب عرقا ) :
 
ذكرت لك النص الواضح في خاتمة حديث المنزلة ، والذي رواه علماؤكم في كتب الحديث الموثقة ، ورواه " بخاريكم " الصحيح عندكم كالقرآن ، وفيه قوله ص : " إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " .
 
العبد لله :
النص عند البخاري وغيره لا يشمل على تلك الزيادة أبدا ، بل هي زيادة مكذوبة ، قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية وهو لا شك من علماء أهل السنة المحققين البارزين إنها زيادة مكذوبة ، وألفاظها كذب على رسول الله ص ، ويكذبها كذلك واقع فعل النبي ص حيث خلف على المدينة كثيرا من الصحابة غير علي ، وأرسل عليا إلى اليمن وهو ص بالمدينة ، وخرج معه بعد ذلك إلى حجة الوداع ، وخلف على المدينة غيره يقينا ، فكيف يقول : لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي ؟ ! هذا تناقض واضح يدل على كذب تلك الزيادة .
 
ثم أريد توضيح حقيقة جلية بخصوص قولك : " البخاري عندكم كالقرآن " ، وهي أننا لا نعدل بالقرآن شيئا ولا يعادله شيء ، وكل ما هناك أن أحاديث البخاري كلها مقبولة لكونه وضع شروطا دقيقة جدا لجمعها ، حتى جمعها ، من قرابة ألف ألف حديث ، وفي ذلك من الاحتياط والحرص والدقة المتناهية ما فيه .
 
سيدهم :
هناك أحاديث في البخاري ثبت يقينا كذبها على رسول الله ص ، وأنتم تقولون إنها كلها صحيحة .
 
العبد لله :
رجاء أن نركز كلامنا حتى لا نخرج عن موضوعنا الأساسي ، وهو بيان الأدلة الصريحة الصحيحة التي تنص على إمامة علي بعد وفاة النبي ص مباشرة .
 
وقد ذكرت وادعيت أن الأدلة على ذلك لا تكفيها المجلدات ، وحتى الآن لا أجد دليلا واحدا يتيما على هذا النص المزعوم .
 
وأما سالفة أحاديث البخاري فلها موضع آخر نعلم منه إن شاء الله تعالى مدى صحة أحاديث البخاري وقتها المتناهية ، ومدى فخرنا أهل السنة بعلوم الحديث وعلوم الإسناد وعلوم الجرح والتعديل التي حفظت سنة النبي ص على مر العصور من الكذب والمتقولين على النبي ص ما لم يقله .
 
( لغط في القاعة ، وسيدهم يشير بيده أن اسكتوا ، وأشار إلى القائم على مسجل الندوة بالكف ، وإلى صاحب مكبر الصوت بإغلاقة ، ثم بدأ حديثه بوجه جديد غير وجه المداهنة والمجاملة الذي تحلى به أول اللقاء ، ولربما أيقن الرجل أن التقية مع أمثالي لا تصلح ، وأن الذي أمامه ليس كما كان يظن صيدا سهلا يفضح به أهل السنة وينادي على الملأ ، ها قد حاججت أهل السنة وغلبتهم وانظروا إلى ضعفهم وترددهم وعدم علمهم بدينهم ، كما فعلوا ذلك مع مغررين سابقين .
 
وأقول : الحمد لله ، فبحمد الله أصول وأجول وعليه أتوكل وما أنا إلا طالب علم صغير في مدرسة أهل السنة والجماعة ، مدرسة الحق التي لا يقف في وجهها عجائز أه الباطل الذين أفنوا أعمارهم في الإحاطة بباطلهم " إن الباطل كان زهوقا " ) .
 
سيدهم :
صاحبنا الدكتور يقصدني يبدو عليه أنه من فقهاء التبرير والتأويل ، فهو يصر على تأويل النصوص الجلية الواضحة في حق الإمام علي عليه سلام الله ، ويصر على هضم حقه عليه السلام الذي أعطاه الله له ووصى به النبي ص وآله ونص عليه ، ولكن ليست هذه أول ولا آخر مرة يظلم فيها الإمام عليه السلام فهذا شأنهم معه دائما ومع أهل بيت النبوة الطاهر سلام الله عليهم ، فمن قبل سلبوه حقه ، وضربوا زوجته الزهراء سلام الله عليها ، وأجهضوا جنينها محسنا وقتلوها وحرقوا بيتها ، وقتلوا أولادها ، وذبحوا الحسين سلام الله عليه . . . نعم ذبحوا الحسين سلام الله عليه كما تذبح الخراف . . .
 
( صاحبنا يتحدث إلى أصحابة  بنبرة حزينة ، وأحسست أنه رغب عن مناظرتي إلى التحدث مع أصحابة ، ولم أحب أن تنتهي المناظرة هكذا ) .
 
فقلت مقاطعا :
 
العبد لله :
عفوا ، فإن البحث عن الحق يحتاج إلى مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل ، أما العواطف والأساطير فلا مجال لها ولا مكان لها عندما يتحدث العقل للعقل والدليل للدليل .
 
وعندما نتحدث عن الحق ونبحث عنه فإن الأدلة لا الأساطير هي الحجج الدامغات (1) ، وأما الأساطير فهي حيلة الثكلى والأرامل والسفهاء .
 
ــــــــــــــ
(1) لم أشأ ها هنا أن أتحدث وأشير إلى كل ما قيل عن ظلم الصحابة للإمام علي وأهل بيته هو أكاذيب وبهتان من أولئك الذين لا خلاق لهم إيثارا للدخول مرة ثانية في المناظرة ،والحمد لله فقد تهيأت الفرصة بعد ذلك للحديث عن هذا الأمر .
 
أحد الجالسين ( وأظنه من العجم للكنة في لهجته ) : 
ترى إحنا طولنا بالنا عليك ، ترى إحنا موسعين صدورنا معاك ، ترى إحنا للحين محترمين حق الضيافة معاك .
 
العبد لله :
لم آتكم ضيفا ، وإنما أنتم طلبتم مناظرتي فأتيتكم تلبية لرغبتكم أنتم .
 
سيدهم :
لا تزعل على صاحبنا ، وهو لا يصقد هذا الكلام ولا يقصد جرح إحساسك ،
 
العبد لله :
لم يحدث شيء بحمد الله ، والآن تفضل اذكر لي ما تبقى عندك من أهم الأدلة التي تراها تنص صراحة على إمامة علي رضي الله عنه بعد موت النبي ص .
 
سيدهم :
الأدلة كثيرا جدا ، وخذ منها هذا الدليل لعل الله أن يشرح صدرك لحب الإمام عليه السلام وحب آل بيت النبوة عليهم السلام .
 
وهو ( آية التطهير وحديث الكساء ) ، قال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) . وأجمع المفسرون وأجمعت الروايات على أن المقصود بأهل البيت هم " علي وفاطمة والحسن والحسين " والروايات عندكم تنص على ذلك .
 
فعن أم سلمة زوج النبي ص قالت : قال رسول الله ص لفاطمة : " ائتيني بزوجك وابنيه " فجاءت بهم ، فألقى رسول الله ص كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : " اللهم إن هؤلاء أهل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال : " إنك على خير " .
 
فالآية تدل على أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل بيت النبوة عليهم السلام ، والحديث يدل على أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين ، وما دام الله أذهب عنهم الرجس ، فهم لا شك معصومون ، وإذا كانوا معصومين فهم أولى بالخلافة من غيرهم ، لكونهم معصومين وغيرهم غير معصوم .
 
العبد لله :
يبدو أن الأدلة التي زعمت أنها لا تسعها المجلدات قد تلاشت حتى إنك بدأت تستدل بما لا يوحي من قريب ولا بعيد على ما تريد .
 
فأين آية التطهير وحديث الكساء من الاستدلال على النص على إمامة علي عليه السلام بعد النبي ص ، بحيث أن من خالفه فقط ظلمه واستحق البغض واللعن والسب والشتيمة والردة والتكفير ؟ ! .
 
إن الآية الكريمة ثبت بما لا يدع مجالا لشاك أنها نزلت في أزواج النبي ص الطاهرات المطهرات ، وهي خاصة بهن عليهن الرضوان .
 
ولننظر إلى هذه الآيات ولنتدبرها جيدا ، حيث تبدأ بقوله تعالى في سورة الأحزاب : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعم لصالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) .
 
فلننظر ولنتدبر فإن قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ليس آية مستقلة وإنما هو جزء من آية تتحدث عن أمهات المؤمنين وزوجات النبي ص الطاهرات المطهرات ، ثم الآيات بعدها تكمل الحديث عنهن ، وهذا أدل دليل على كون الآية نزلت أصلا في زوجات النبي الطاهرات العفيفات .
 
وأقول وأكرر : الحمد لله أنها ليست آية مستقلة حتى يتقول عليها المتقولون ، ولكنها جزء من آية ، وما قبلها وما بعدها تناول زوجات النبي الطاهرات المطهرات العفيفات ، لا سيما الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، والصوامة القوامة العابدة القانتة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما (1) ، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، وبقية نساء النبي ص .
 
ـــــــــــــ
(1)  تعمدت ذكر أم المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما لكون الشيعة الإمامية يلعنونهما ويقذفونهما بأفظع الشتائم والسباب ، ثم ذكرت أم سلمة رضي الله عنها لكونهم يخرجونها من أهل بيت النبي ص
 
وعلى هذا أهل العلم وأهل القرآن وأهل الفقه وأهل التحقيق من أمة النبي ص ، وذلك لكونه نص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .
 
فهذا بالنسبة لآية التطهير ، أما حديث الكساء فقصاراه أن النبي ص أدخل عليا وفاطمة والسحن والحسين ضمن أهل البيت وجعلهم من آل بيته الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس وأن يطهرهم تطهيرا ، وليس معناه أن عليا وفاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت فقط ، ودليل ذلك أن قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) كما سبق أن بيناه نزل في وسط آيات تتحدث إلى زوجات النبي ص فقط ، والنبي ص إنما أدخل عليا وفاطمة والحسن والحسين ليعمهم الخير في هذا الجانب ، ولذلك فعندما أرادت أم سلمة رضي الله عنها أن تدخل ضمن أصحاب الكساء قال لها النبي ص : " أنت على خير " أو " إنك على خير " ، بمعنى خير سابق شرفكن به الله تعالى في سورة الأحزاب .
 
أما قول البعض : إن نساء النبي ص ورضي الله عنهن لا يدخلن في إطار أهل البيت ، فإنه قول مردود على صاحبه لمنطوق الآيات السابقة ، والقرآن حجة على كل أحد .
 
وقد ورد كذلك في القرآن الكريم ما يدل على دخول الزوجة مع زوجها في معنى أهل بيته ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : ( رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ) في حق إبراهيم ، ومعلوم أنه آن ذاك لم يكن له سوى زوجته ولم يكن له ولد حتى يقال : إنها نزلت في أبنائه ، وقل الله تعالى في حق موسى عليه السلام : ( وسار بأهله ) ، ومعلوم أنه كان يسير بزوجته .
 
فالزوجة هي خاصة أهل الرجل ، ويكفينا كما ذكرت من قبل أن قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) أنها جاءت في وسط آية وليست آية مستقلة ، والآيات قبلها وهي نفسها وما بعدها كلهن يتحدثن عن أمهات المؤمنين نساء النبي ص .
 
تنبيه :
من بين ما احتجت به الروافض لإخراج زوجات النبي ص من أهله رغم أن السياق فيهن : قالوا : الخطاب في قوله تعالى : ( عنكم ) ، ( ويطهركم ) للمذكر بدلا من : " عنكن " ، " ويطهركن " للمؤنث .
 
والجواب :
أن الله تعالى قال : ( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من الناس لعلكم تصطلون ) . وأهل موسى هنا : زوجته .
 
وقال تعالى عن أخت موسى : ( فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) . . . وهناك آيات أخرى تدل على أن خطاب التذكير قد يكون مع الإناث .
وقد جاء في أحاديث صحيحة بأن أهل بيت النبي ص يدخل فيهم آل العباس وآل عقيل وآل جعفر إضافة إلى آل علي ، فهؤلاء هم الذين حرموا الصدقة بعد موت النبي ص وإلى قيام الساعة ، وهم داخلون في أهل بيت النبي الأطهار المطهرين .
 
وقضية هامة حتى لا نفهم آية التطهير فهما خاطئا :
فالله تعالى يقول : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) والإرادة هنا بالمعنى الشرعي أي بمعنى إن الله قد شرع لأهل بيت النبي ص شرائع لو أخذن بها لطهرهن " إذا كان بمعنى الزوجات " ، وقد فعل الله تعالى في حقهن .
 
أما أهل البيت بالمعنى العام والممتد إلى قيام الساعة فإن من أخذ بهدي النبي ص أذهب الله عنه الرجس وطهره ، ومن لم يأخذ لم يقع عليه التطهير وذلك كقول الله تعالى : ( والله يريد أن يتوب عليكم ) ، ومعلوم أن التوبة لأناس دون أناس ، فدل ذلك على أن الإرادة هنا إرادة شرعية وليست إرادة فعلية ، وإلا لحكمنا لكل أهل البيت بالمعنى العام وإلى قيام الساعة بالتطهير مهما فعلوا ، وهذا لم يقل به عالم يؤخذ بقوله قط .
 
وقضية أخرى :
وهي على فرض أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين فقط ، مع أن الصحيح خلافة ، فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل على النص على علي بالخلافة، ولقال من قال : الإمامة موزعة على الأربعة علي وفاطمة والحسن والحسين ، وهذا لم يقل به ساذج فضلا عن عالم .
 
وليس في الآية ولا في الحديث دليل على عصمة هؤلاء ، إذ قصارى معناه التطهير من الرجس ، ولكن لا يمنع من السهو والخطأ والزلل والاجتهاد المخالف للصواب ، فالعصمة شيء والتطهير من الرجس شيء آخر ، وينبغي أن لا نخلط بين الأمرين .
 
وتعقيب أود توضيحه :
وهو أني شعرت من خطاب المحاضر وهو يتحدث إلى عن آية التطهير وحديث الكساء أنه يظن أنني لا أحب الإمام علي رضي الله عنه ولا آل بيته الأطهار رضي الله عنهم حيث قال لي : " خذ هذا الدليل لعل الله أن يشرح صدرك لحب الإمام علي " .
 
وأود أن أقول : إننا جميعا " أهل السنة " نحب الإمام علي ونترضى عليه ونجله ونعتبره رابع الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ينبغي أن نعض على سننهم وهديهم بالنواجذ .
 
فنحن لا نذكره إلا بكل إجلال ومحبة وموالاة وتقدير ، ونترضى عن آل بيت النبوة عليهم السلام بالمعنى الواسع ، فنترضى عن زوجات النبي المطهرات ، وعن الصالحين من آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس ، فهؤلاء هم أهل بيت النبوة الذين يريد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا .
 
أما القاصمة " قاصمة الظهر " فهي أن نغالي في حبهم كمثل مغالاة النصارى في أمر عيسى عليه السلام ، حتى صار حبهم له طريقا إلى الشرك في ألوهية الله تعالى وربوبيته .
 
ولقد ضلت في هذا الطريق طائفتان :
الطائفة الأولى : النواصب ، وهم الذين أبغضوا عليا وكفروه واستحلوا دمه وأبغضوا آل بيته الكرام الأطهار .
وأهل السنة من هؤلاء براء ، فهم يوالون الإمام عليا ، يترضون عنه ، ونظرة عابرة إلى أي من كتب أهل السنة في العقيدة نجد هذا الأمر واضحا جليا .
والطائفة الثانية : وهم الروافض الذين حملهم الغلو في حب الإمام علي إلى أن رفعوه عن منزلته التي رضيها الله تعالى له إلى منزلة لا يحب هو نفسه أن يوصف بها .
 
وقد حملهم هذا الغلو على أن يبغضوا صحابة النبي الكرام البررة الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه ص ولحمل أمانة دينه ونصرته ، وجعلهم خير صحب الأنبياء ، وجعلهم خير أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، فهم خير من خير ، وأمرهم إلى كل حق وخير .
 
الشاهد : حملهم الغلو في الإمام علي رضي الله عنه على بغض هؤلاء الأصحاب والانتقاص من قدرهم ، والظن السيء فيهم ، بأنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، وسلبوا عليا رضي الله عنه حقه وظلموه ! ! !
 
وإني لأتعجب من قوم هذا حالهم ، إذ من يعدل إن لم يعدل أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؟ ! ومن يعدل إذا لم يعدل الفاروق رضي الله عنه ؟ ! والذي جعل الله تعالى الحق على لسانه وفي قلبه ، ومن يعدل إذا لم يعدل ذو النورين عثمان الذي تستحي منه الملائكة رضي الله عنه ؟ !
( ضجيج في الساحة ، ويقف أحد الجالسين ويشير إلي بيده وهو يقول صارخا : تقول : " رضي الله عنهم " ! هؤلاء كفار مرتدون بدلوا دين محمد ص وغيروا وصيته ، هؤلاء كفار مرتدون ، هؤلاء كفار . ونظر إلى الجالسين بحرقة وهو يصيح في وجوههم : كيف تتركون هذا يقصدني يترضى عن هؤلاء وأنتم تسمعون ) .
 
سيدهم ( وهو يشير إلى المتكلم ) :
ما ينبغي هذا الكلام ، اجلس اجلس .
 
هذا الصارخ :
أنت تسمعه يا سيد وهو يعيب علينا على كيفه ، ما نصبر على هذا الحال .
 
سيدهم واقفا مغضبا :
الوقت تأخر ، أنا لازم أستأذن .
 
العبد لله :
أنا كذلك تأخرت وينبغي أن أستأذن
 
أحد الجالسين :
لا يا دكتور إحنا نريد نناقشك والنقاش لم ينته معك بعد .
 
سيدهم :
الجماعة بيناقشوك وائذن لي الحين لأني لازم أمشي ، وإن شاء الله يكون هناك مجلس آخر للمناقشة .
 
العبد لله :
إن شاء الله ، تفضل .
( وبعد أن مشى سيدهم قام أكثر الجالسين  ويبدو أنهم عوامهم  وبقي حولي منهم حوالي من عشرة إلى خمسة عشر شابا ) .
 
أحدهم :
يا دكتور دعنا من الأدلة التي ذكرها السيد ، والتي أجبت عليها بما فيه الكفاية ، وأنا أريد أن أسألك عن أشياء أخرى .
 
العبد لله :
 استعنت بالله ولا حول ولا قوة إلا به ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، تفضل يا أخي .
 
السائل :
من أعلم الصحابة ؟
 
العبد لله :
أبو بكر أعلم الصحابة .
 
السائل :
ما دليلك على ذلك ؟
 
العبد لله :
النبي ص قدمه للصلاة بالناس عند مرضه الأخيرة ، ومعلوم في الفقه أن الذي يؤم القوم أعلمهم ، وتقديم أبي بكر للصلاة بالمسلمين أعظم شهادة من الرسول المعصوم بأنه أعلم الناس وأفضلهم .
 
السائل :
أليس الرسول ص يقول : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ، وهذا أدل على أن عليا عليه السلام هو أعلم الصحابة ؟ !
 
العبد لله :
هذا الحديث لا يثبت عندنا فلا يصح الاحتجاج به .
 
السائل :
لكن هذا الحديث موجود في كتبكم .
 
العبد لله :
علم الحديث عندنا ليس بالسطحية التي يعيش عليها الآخرون ، بل هو علم واسع ألفت فيه كتب ومؤلفات لا تحصى لكثرتها ، وأفنى فيه علماء كثيرون أعمارهم لجمع الحديث ولتمييز صحيحه من ضعيفه ، والثابت منه والذي لا يثبت ، وهكذا .
 
وكتب الحديث عندنا درجات في الصحة والثبوت ، فأصح الكتب صحيح البخاري وصحيح مسلم ، والحديث الوارد في أحد هذين الصحيحين يكفي عزوه إلى أحدهما ليقبله المسلم . 
 
ويلي ذلك بقية الكتب وهي أربعة : سنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، ولكن لا يكفي عزو الحديث إلى أحد هذه الكتب الأربعة حتى يبين مدى صحته وثبوته وفق قواعد علم الحديث الدقيقة ، ووفق ما قاله علماء الجرح والتعديل حول هذا الحديث وحول رجاله .
 
ويلي ذلك : الكتب التي أفت على نهج الصحاح كمسند الدارمي وصحيحي ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والمستدرك للحاكم ، ولا بد أيضا عند العزو إلى تلك الكتب توضيح مدى ثبوت الحديث من عدمه ، لأن فيها الثابت وفيها غيره ، بل وفيها الموضوع الذي لا يصح ذكره فضلا عن الاحتجاج به .
 
ويلي ذلك المسانيد وجوامع حديث النبي ص ، وهذه تحوي الصحيح والضعيف والمكذوب ، وهذه يجب عند العزو إليها بيان درجة الحديث ومدى ثبوته .
 
وخلاصة القول أن كل حديث مذكور في كتبنا فليس حجة على الإطلاق ، وإنما الحجة ما كان صحيحا أو ثابتا وفق قواعد علم الحديث وقواعد الجرح والتعديل التي وضعها العلماء المحققون .
 
وعلى ذلك فالعزو إلى كتب الحديث لا يكفي حتى تبين درجة الحديث ، اللهم إلا إن كان العزو إلى صحيح البخاري أو صحيح مسلم ، فقد تلقت أمة الإسلام أحاديثهما بالقبول .
 
وبعد فهذه عجالة أردت بها إطلاعك على سعة علم الحديث عندنا .
 
وحديثك هذا غير ثابت (1) ، ثم لو جاريتك فهي لوجدنا الحديث لا يعني بحال أن عليا رضي الله عنه هو أعلم الصحابة ، بل قصارى مفهوم الحديث أن عليا باب من أبواب العلم ، ومعلوم أن لكل مدينة أبوابا عديدة ومداخل كثيرة وإلا لما كانت مدينة ، وعلي رضي الله عنه ليس سوى باب من أبواب هذه المدينة ، ولا شك أن هناك أبوابا أخرى أعظمها أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، والذي ما احتاج المسلمون إلى علم إلا ووجدوه عنده ، وقد ذكرت لك أن أعلم القوم هو أحقهم بإمامة الصلاة ، والنبي ص أمر أبا بكر أن يصلي بالناس عند مرضه الأخير الذي توفي فيه .
 
ـــــــــــــــــ
(1) بل هو مكذوب موضوع وعند رجوعي إلى منزلي بحثت فيه فوجدته قد أورده ابن الجوزي في الموضوعات
 
السائل :
أمر النبي ص لأبي بكر بالصلاة مذكور في كتبكم وليس حجة علينا .
 
العبد لله :
سبحان الله تستدل لي بحديث مدينة العلم وليس بشيء وأجاريك فيه ، ثم أستدل لك بحديث رواه البخاري وترفضه ، فبالله عليك ما هو ميزان صحة الحديث عندكم ؟ !
 
السائل :
أحاديثكم كلها ليست حجة علينا ونحن لا نثق فيها مطلقا ، وإنما استدلالي لك بها لأني أعلم أنها حجة عندك .
 
العبد لله :
لا حول ولا قوة إلا بالله ، حديث النبي ص والذي هو نصف الوحي والحكمة التي خرجت من مشكاة النبوة تتمم القرآن وتفصل مجمله وتشرح معانيه وتوضح مبهمه ، هذه السنة التي أفنى فيها علماؤنا الأفذاذ أعمارهم من أجل حفظها وتحقيقها تنكرونها بهذه السهولة .
 
لقد كنت أعلم أننا " أهل السنة " ، لأننا نؤمن بالسنة ، سنة النبي ص وأنتم الرافضة لكونكم تنكرون السنة وترفضونها ، والآن تيقنت من هذا الأمر تيقن المشاهدة ، فنحن أهل السنة وأنتم روافض السنة .
 
السائل :
نحن عندنا أحاديثنا الخاصة بنا ، وهي كلها عن آل بيت النبي عليهم السلام وهم ورثوا العلم كله ، وهم معصومون ، وعلمهم رباني خالص .
 
العبد لله :
بضاعتكم في الحديث مزجاة ، وأنتم أبعد الناس عن الحديث وعن علومه فلا تعرفون سندا ولا متنا ولا تعرفون جرحا ولا تعديلا ، وكل ما عندكم في هذا المجال غثاء غث لا يسمن ولا يغني من جوع .
وليس هذا قولي بل هو بشهادة أئمتكم وعلمائكم ، حيث ذكروا أن أحاديثكم فيها اختلاف شديد ، حتى لا يكاد يأتي حديث إلا وفي مقابله ما ينقضه ويضاده ، وفي كل مسألة تختلفون إلى أوجه تسع جميع الاحتمالات المتناقضة ، حيث يفتى في القضية الواحدة بالحظر والإباحة والوجوب والندب والكراهة ، وهذا التناقض العجيب والتخبط المريب لهو أدل الأدلة على أن كل أحاديثكم باطلة متناقضة مكذوبة على أهل بيت النبي الهداة المهديين ، إذ الاختلاف علامة الباطل قال تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ، وهذا هو الحاصل عندكم .
أخي إن الفرق بين علوم أهل السنة في الحديث وعلومكم في الحديث فرق أوسع مما بين السماء والأرض ، فعندنا بحمد الله تعالى وهذا فخر نفتخر به روى الحديث عن رسول الله ص من صحابته الكرام أكثر من أربعة آلاف صحابي وصحابية صحبوه نيفا وعشرين سنة قبل الهجرة وبعدها ، ونقلوا إلينا جميع أقواله وأعماله وأفعاله وأحكامه وعباداته وأخلاقياته ، وكافة حركاته وسكناته في بيته ومع أهله وبين الناس ، وفي مغازيه وحروبه ومعاملته للمسلمين وغيرهم ، حتى دخوله الخلاء وخروجه منه شرحوا لنا آدابه وهديه ص في ذلك كله .
ومن هؤلاء الأربعة آلاف نقل إلينا ألوف مؤلفة من التابعين وتابعي التابعين وعلماء الحديث الجهابذة الحفاظ المتقنين المحققين ، حتى دونت سنة النبي ص في دقة متناهية نفخر بها على الأمم جميعا وعلى كافة الناس وكافة الفرق الضالة الحائدة عن هديه ص وسنته .
أما عندكم فعلم الحديث مهزلة ما بعدها مهزلة ، إذ تجعلون أقوال الأئمة بمنزلة حديث المصطفى ص المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وهذا والعياذ بالله ضلال عظيم ، وهو السر في اختلافكم الشديد في الدين ، إذ لكل إمام قوله واجتهاده . ومن المضحكات المبكيات أنكم أخذتم جل علمكم من طفل صغير عمره سنتان ، هناك شك عظيم في وجوده من الأصل ، واختلاف كبير عندكم على وجوده ، وهو الإمام محمد بن الحسن العسكري .
فبالله عليكم كيف يقبل العقلاء أن يأخذوا علم الحديث عن غلام مغيب عمره سنتان ؟ ! وياليتهم يأخذون مشافهة ، بل عن طريق رقاع وأوراق يخفيها في شجرة بالليل ، ويستخرجها نوابه بالنهار ! !
فبالله عليكم هل هذا الأمر يصلح كسند لحديث يتخذ دينا يعبد به الله عز وجل ، أم هذا من العجائب والأساطير التي لا يصدقها الصبية الصغار فضلا عن الكبار العقلاء العلماء ؟ !
أتدرون لماذا تسمينا بهذا الاسم ( أهل السنة ) ؟ !
إن سبب تسميتنا بهذا الاسم الذي نفتخر به هو شدة حرصنا على هدي النبي ص وسنته ، ونحن ولا فخر أهل الحديث وحماته ، والعارفون لمتونه وأسانيده ولدروبه ومسالكه ، والكل أمامنا في هذا الشأن أقزام . ويكفينا فخرا أننا جميعا حديثنا عن أربعة آلاف من صحابة النبي ص الكرام البررة الذين كان رأس مالهم في العلم هو حفظ كتاب الله تعالى وحفظ سنة نبيه ص ، فلم يدعوا شيئا من سنته ص .
 
السائل ( مقاطعا ) :
علم الإمام علي أكثر مما عند هؤلاء ، ونحن عندنا علم الإمام علي عليه السلام .
 
العبد لله :
نريد أن نتكلم بعقل وصواب ، علم صحابي واحد يزيد على علم أربعة آلاف صحابي ؟ ! ثم الإمام علي لم يلازم النبي ص في كل وقت ، فمعلوم أن النبي ص كان يخلو بزوجاته الطاهرات رضي الله عنهن وعندهن علم لا يعرفون الإمام علي ، ومعلوم أن النبي ص أرسل عليا رضي الله عنه إلى اليمن ولم يكن يلازمه في هذه الفترة ، إذ كان النبي ص في المدينة وعلي في اليمن ، ومعلوم أن النبي استخلفه في غزوة تبوك ولم يكن يصاحبه فيها ، فكيف يكون عن الإمام علي علما أكثر من أربعة آلاف صحبوا النبي ص في كل وقت وحين ، وحتما في كل لحظة كان واحد من هؤلاء مع النبي ص ؟ ! !
 
السائل :
النبي ص أودع عليا عليه السلام علوما لم يودعها لأحد منهم .
 
العبد لله :
هذا زعم بأن النبي ص كتم بعض العلم عن أصحابه ، ومعلوم أنه لا يجوز كتمان شيء من علوم الدين في حق العلماء ، فكيف بنا في حق النبي ص الذي أنزل الله عز وجل عليه قوله : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ؟ !
إننا نبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد الفاسد ، اللهم إلا إن كنت تزعم أنه علم لدني علمه الله تعالى دون الرجوع إلى النبي ص .
 
السائل مسرورا :
نعم لا شك أن عنده علما لدنيا علمه إياه الله عز وجل ، فعنده عليه السلام علوم لا حصر لها .
 
العبد لله :
هذا خلاف ما ادعيته من قبل ، وهذا أيضا من الغلو الحاصل عندكم في شخص الإمام علي رضي الله عنه ، فالإمام علي صحابي جليل من أعلم صحابة النبي ص ، ولكنه لم يؤثر بعلم خاص عن بقية الصحابة فحاله حال صحابة رسول الله ص .
والمتتبع لحياته يعلم ذلك يقينا ، فلو كان يعلم علم الغيب كما يدعي علماؤكم لما كان ما حدث في صفين ، ولما كان أجهده الخوارج ، ولما كان قتله أحدهم وهو خارج لصلاة الفجر
ثم بعد ذلك كله فأهل السنة يجمعون علم الإمام علي إلى علم الصحابة أجمعين ، فهم قد أحاطوا بعلوم الصحابة دون استثناء ، أما أنتم فقد فاتكم علم الصحابة أجمعين ، وحتى الإمام علي رضي الله عنه فاتكم من علمه الكثير مما رواه عنه أهل السنة الحفاظ المتقنون
 
السائل :
لقد خرجنا عن موضوعنا الأول ، فقد كان سؤالي عن أعلم الصحابة .
 
العبد لله :
وأنا أجبتك بأن أعلم الصحابة يقينا هو أبوبكر بدليل إمامته للناس بالصلاة بأمر النبي ص في مرضه الأخير .
 
السائل :
سؤال آخر ، من هو أشجع الصحابة ؟
 
العبد لله :
الصحابة كلهم شجعان ، وقد كانت الشجاعة صفة بارزة تكاد تكون سائدة في أكثرهم .
 
السائل :
أريد تحديدا من هو أشجع الصحابة ؟
 
العبد لله :
كثير منهم كانت تميزه الشجاعة منهم حمزة عم النبي ص ، ومنهم الفاروق رضي الله عنه ، ومنهم الإمام علي رضي الله عنه ، ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه .
 
السائل :
أريد بالتحديد من هو أشجع هؤلاء ؟
 
العبد لله :
ماذا يفيدك هذا التحديد ؟
 
السائل :
يسكت كأنه يفكر ، ثو يقول : الإمام علي هو أشجع الشجعان .
 
العبد لله :
على افتراض أن الإمام علي هو أشجع الصحابة ، فماذا يفيد هذا في موضوعنا الذي نتحدث عنه ؟ !
 
السائل :
ما دام هو أشجع الصحابة ، فهو أحقهم بالإمامة إذ الإمام يحتاج إلى الشجاعة والإقدام .
 
العبد لله :
نحن نتكلم عن أمور شرعية تحكمها ضوابط شرعية ، فلسنا نتكلم عن الشجاعة وحدها ، وإلا فلنترك الدين ونتكلم عن عنترة بن شداد مثلا ، فلقد كان أشجع شجعان العرب . إن الإمامة يا صاحبي تحتاج إلى علم وحنكة وخبرة وسياسة وفطنة ورفق وحكمة وشجاعة وإقدام .
 
السائل متعجلا :
هذا كله في الإمام علي عليه السلام .
 
العبد لله :
نعم هذا كله فيه ، بل وأكثر من ذلك فيه ، فهو حري بكل خير ، ولكن هناك من قافه في هذه الصفحات مجتمعة بعضها إلى بعض ، وهم ثلاثة وهو رابعهم ، وهو إمام خليفة راشد نترضى عليه ونحبه أكثر منكم ونجله ، ولكن ضمن إطار الشرع الصحيح دون غلو ولا إسراف ودون تهاون ولا تفريط في حقه .
 
فالإجماع عندنا على أن الأئمة الهداة المهديين الخلفاء الراشدين أربعة وهم على ترتيبهم في الإمامة : أبوبكر الصديق ، وعمر الفاروق ، وذو النورين عثمان ، وأبو السبطين علي ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، وعلى هذا إجماع سحابة النبي الكرام البررة رضي الله عنهم .
 
أحد الجالسين ( صارخا ) وأظنه الصارخ الأول - :
أنتم تاركين هذا يترضى على الصحابة ، وأنتم عارفين أن الصحابة كفرة مرتدون ، بدلوا وغيروا وحرفوا وظلموا الإمام علي وأرادوا قتله وأرادوا أن يحرقوا بيته بالنار .
أنتم تاركين هذا الثعلب يجركم إلى أمور هو يريدها ، وتجادلون في أمور لا تحتاج إلى نقاش ، وتاركين فاطمة سلام الله عليها ، تاركين فاطمة التي قال رسول الله ص : " فاطمة مني وأنا منها ، من آذاها فقد أذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله " .
وهؤلاء الذين يترضى عنهم هذا الأخ آذوها وضربوها وطعنوها في بطنها فأجهضت وليدها محسنا ، وحرقوا دارها ، وأرادوا قتل زوجها الذي هو أخو رسول الله وإبن عمه وخليفته في قومه الإمام علي سلام الله عليه .
ثم توجه إلي بالكلام قائلا :
بالله عليك أليست هناك روايات عندكم تبين هذا كله ؟ إنكم جميعا تجادلون في شيء لا يحتاج إلى نقاش .
 
العبد لله :
كلام الأخ يحوي على عدة أمور لا بد وأن أتناولها بالتوضيح :
 
الأمر الأول : هو أن كل الروايات التي وردت في تهديد الإمام علي والهم بقتله ، وقي حرق الدار ، وفي ضرب السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، كلها عندنا مكذوبة موضوعة لا يحل ذكرها فضلا عن الاحتجاج بها ، وهذه الروايات إنما وضعها أهل الفتنة والكذب والفجور لإظهار الصحابة رضي الله عنهم في صورة رعاع همجيين لا هم لهم سوى الدنيا والرئاسة والتقاتل عليها ، وحاشاهم رضي الله عنهم من ذلك .
بل الثابت والذي لا يقبل التشكيك أن الحب والوئام والتعاون هو حال الصحابة مع علي ، وهو حال علي مع الصحابة رضي الله عن الجميع ، والثابت كذلك أن الإمام علي كان يحب الشيخين أبا بكر وعمر ويثني عليهما ويترضى عنهما ، وليس أدل على ذلك من كونه سمى ثلاثة من أولاده باسم أبي بكر وعمر وعثمان .
وليس أدل على ذلك من كونه كان قاضي المدينة على عهد عمر رضي الله عنهما ، وزوجه ابنته وفلذة كبده أم كلثوم بنت الزهراء رضي الله عنهما .
والثابت كذلك أن الإمام علي رضي الله عنه كان يحب ويجل الإمام عثمان رضي الله عنه ، وقد ذكرت أنه سمى أحد أبناءه عثمان بحبه للخليفة عثمان ، وليس أدل من حبهما لبعضهما البعض من كون عثمان رضي الله عنه هو الذي ساهم المساهمة الكبرى في مهر فاطمة رضي الله عنها حيث اشترى من علي درعه ووهبه إياه ، وكان علي يذكر لعثمان ويترضى عليه .
والثابت كذلك أن الإمام علي عندما حوصر الإمام عثمان أرسل ابنيه سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين لحماية الإمام عثمان رضي الله عن الجميع .
والثابت كذلك أن الإمام علي كان يحب الهاجرين والأنصار ويثني عليهم حتى جاء في نهج البلاغة وهو من أوثق كتبكم أن الإمام علي كان يقول : إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فمن اختاروه لهم إماما فهو الإمام وهو لله رضى .
وجاء في نهج البلاغة أيضا أنه كان يعيب على أصحابه هو لكونهم ليسوا على حال صحابة النبي ص في العبادة والتقوى والصدق والإخلاص .
إذن فهذه الأمور كلها تثبت بما لا يدع مجالا لشاك أن عليا رضي الله عنه كان يجل جميع أصحاب النبي ص ويحبهم ويتولاهم ، وهم كذلك كانوا يحبونه ويجلونه ويقدرونه .
وكل ما روي خلاف ذلك فهو باطل مكذوب وضعه أصحاب الفتن ورؤوس الشر والفساد وصحابة النبي الكرام والذي رباهم النبي ص على القرآن والحكمة والقدوة الحسنة كانوا أجل من ذلك وأعلى من فعل تلك الفواحش التي يتعالى عليها العامة فضلا عن الأئمة الهدى .
 
أحد الجالسين ( مقاطعا حديثي ) :
هل تثق في كتاب نهج البلاغة للإمام علي ؟  
 
العبد لله :
نهج البلاغة كتبه مؤلفه الشريف الرضي بعد موت الإمام علي بأكثر من ثلاثة قرون كاملة دون سند يعرف ، ففي إسناده للإمام علي شك كبير ، والمجزوم به أن ثلث الكتاب أو أكثر من الثلث مكذوب عليه ، وهو الثلث الذي ذكر فيه سب الشيخين أبي بكر وعمر والانقاص من قدرهما ، فهذا نجزم يقينا بأنه كذب وافتراء على الإمام علي رضي الله عنه ، لا سيما وهذا الثلث تقريبا يخالف نصوص الكتاب والتي تثني على صحابة النبي ص الكرام (1) .
(1) السائل ربما كان يريد أن يحتج علي بما في الكتاب من الكذب والافتراء ، فلما وجد الأمر كذلك سكت . قلت : ورغم أن ثلث الكتاب يقينا مكذوب على الإمام علي إلا أن الشيعة الضالة تجل هذا الكاب وتثق فيه أكثر من ثقتها في القرآن الكريم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
 
جالس آخر :
متى بايع الإمام علي عليه السلام أبا بكر الصديق .
 
العبد لله :
بعد ستة أشهر من خلافة الصديق رضي الله عنه .
 
السائل :
ولماذا تأخر الإمام علي كل ذلك إذا كنت تدعي المحبة والوفاق بينهما ؟
 
العبد لله :
كل ما في الأمر أن الإمام علي كان مشغولا بغسل النبي ص هو والعباس والزبير بن العوام ، واجتمع المهاجرون والأنصار وبايعوا أبا بكر بالخلافة فأخذ بخاطره أن يقضى الأمر دون شورته ، والإمام علي نفسه يعرف للإمام أبي بكر فضله ويقر بخلافته ، ولكن كل ما في الأمر أنه أخذ بخاطره أن الأمر قضي دون مشاورته .
 
السائل ( مسرورا ) :
هذا يدل على أن القوم تمالئوا على الإمام علي رضي الله عنه وسلبوه حقه وأنهم كانوا يبحثون عن السلطة والقيادة بأي ثمن .
 
العبد لله :
رويدك ، رويدك ، الأمر لا يستحق كل هذا ، ولو دققت في الأمر لوجدت الحق ها هنا مع أبي بكر رضي الله عنه .
إن الأنصار لما سمعوا بموت النبي ص اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ليتخذوا من بينهم خليفة للمسلمين لأنهم أصحاب المدينة الأصليون ، وعلموا أن الإسلام لا يقوم إلا بقيادة ، فاجتمعوا ليبايعوا خليفة منهم يدير دفة سفينة الإسلام نحو بر الأمان .
ولما سمع بذلك أبوبكر وعمر خرجا مسرعين يريدان السقيفة فقابلا أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ، فذهبوا ثلاثتهم إلى السقيفة .
وهناك احتج أبوبكر على الأنصار بحديث الرسول ص : " الأئمة من قريش " ، واستدل عليهم بكون الله تعالى سمى المهاجرين في كتاب الله تعالى بالصادقين وسمى الأنصار بالمفلحين ، وأمر الناس أن يكونوا مع الصادقين فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا على الصادقين " .
فانقادت الأنصار لأبي بكر فقال ليجزم الخلاف : هذا عمر وأبوعبيدة فاختاروا أحدهما ، فقال عمر ما معناه : لا نتأمر على أمة أنت فيها يقصد أبا بكر - ، ثم قال له : امدد يدك أبايعك ، فبايعه الناس . وكان ذلك يوم الأثنين فلما كان صبح الثلاثاء تمت البيعة من كافة المهاجرين والأنصار سوى علي وقليل من آل البيت كالعباس .
فأخذ علي بخاطره أن يقضى الأمر وهو غائب ولا يستشار . والحق مع أبي بكر ، فإن الأمر كان لا يحتمل التأخير وإلا صارت فتنة لا يعلم عاقبتها سوى الله وحده .
ثم بعد مضي ستة أشهر زال هذا العتاب من نفس الإمام علي فأرسل إلى أبي بكر واتفق معه على بيعته ، فبايعه أمام الناس جميعا في مسجد رسول الله ص ، وزال ما بينهما من خلاف.
أفيتصالحان ، ثم نحن نتخاصم في أمرهما ؟ ! إن هذا لشيء عجيب .
 
السائل :
وهل بايعت فاطمة سلام الله عليها أبا بكر بالخلافة ؟
 
العبد لله :
رويدك فإن هذا جهل عظيم منك لم أكن أتوقعه ، إن النساء مفطومة عن البيعة ممنوعة عنها ، ولا دخل للنساء بهذا الشأن ، ومهما علا قدر الزهراء في نفوسنا ونفس كل مسلم فلا دخل لها بهذا الأمر ، ولا شأن لها بأمور الولاية والخلافة التي يمنع منها فحول الرجال خشية الفتنة فكيف بالنساء ؟
إن الخلافة تحتاج إلى عقل وحكمة وحزم وشجاعة ، وأهل الحل والعقد المعول عليهم في اختيار الخليفة ينبغي أن يكونوا كذلك ، حتى يتمكنوا من اختيار أصلح الناس لهذا الأمر .
أما النساء فتحكم عواطفهن ، ولا رأي لهن ولا حزم ، فهن مفطومات عن الخلافة وعن إبداء الرأي فيها ، وهذا الكلام لا ينقص من قدر الزهراء شيئا فهي خير نساء الدنيا وهي سيدة نساء أهل الجنة .
 
السائل :
فلماذا كان الخلاف بين أبي بكر وفاطمة سلام الله عليها ؟ !
 
العبد لله :
لم يكن هناك خلاف بالمعنى الذي تفهمونه أنتم ، فأنتم تجعلون الخلاف سببا في تكفير أبي بكر وعامة صحابة النبي ص ، وتجعلون الخلاف سببا في سب ولعن وشتم وتجريح صحابة النبي الكرام البررة رضي الله عنهم .
أما أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر ، فهذا كان موجودا وكل في نظر نفسه على الحق ، وعند التحقيق نعذر الطرفين .
فأساس الخلاف قصة فدك ، وهي قضية بسيطة لا توجب خلافا بالمعنى الذي تفهمونه أنتم .
 
أحدهم :
لا ليس الخلاف بسيطا وإنما أبوب بكر سلبها حقها وآذاها ، والنبي ص يقول في فاطمة : " فاطمة مني وأنا منها من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله : ، ولهذا ليس الخلاف بسيطا ، بل هو دين وعقيدة .
 
العبد لله :
أهذا الخلاف دين وعقيدة توجبون به تكفير الصحابة والحكم بردتهم ؟ إن هذا لهو الشطط العجيب والغلو المريب الذي يمرق صاحبه من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
كلامك هذا حجة عليك أيها السائل ، أتدري متى قال الرسول ص ذلك ؟ إنه يعرض بعلي لا بأبي بكر ، وسيأتيك البيان ، ولكن اصبر حتى يأتيك الخبر بعد حين .
نعود إلى الخلاف الذي يدعيه صاحبنا دينا وعقيدة ، إن الأمر كله أن النبي ص كان نصيبه في الفيء يوم خيبر قطعة أرض تسمى فدكا ، فلما توفي النبي ص أرسلت السيدة فاطمة رضي الله عنها إلى الخليفة أبي بكر رضي الله عنه تسأله نصيبها في ميراثها من النبي ص في فدك .
والنبي ص قبل موته قال لأبي بكر : " لا نورث ما تركناه صدقة " (1) يقصد نفسه ص .
 
(1)    رواه البخاري في مواضع عديدة منها : كتاب الخمس ( 3092 ) ، ومسلم في الجهاد ( 1759 ) . 
 
فلما أرسلت إليه أخبرها بحديث رسول الله ص وعهده إليه بذلك ، وأقسم لها أن قرابة رسول الله ص أحب إليه من قرابته ، ولكنها وصية النبي ص والتي يجب أن يعمل بها
فلما سمعت بذلك رضيت وسكتت رضي الله عنها ، وقد وردت عندنا روايات موثوقة بأنه قد زارها قبل موتها وترضاها مع أن الحق معه فرضيت فأين الخلاف الذي يدعيه الأخ ها هنا عظيما ويعتبره دينا وعقيدة ؟ !
إن أبا بكر أقسم لها أن قرابة النبي أحب إليه من قرابته ، ولا بد من تنفيذ وصية النبي ص ، فما ذنب أبي بكر رضي الله عنه في ذلك ؟ ثم لو تفكرنا في قضية فدك لوجدنا أن أبا بكر كان أول المستفيدين من توريث فدك ، لأن أم المؤمنين عائشة ابنته وزوج النبي ص لها نصيب كذلك في فدك ، ولكن تنفيذ وصية النبي ص أعلى وأجل من الدنيا وما فيها .
وحق لي أن أتساءل : لماذا عندما آل الأمر إلى علي رضي الله عنه وصارت مقاليد الأمور بيده لم يعد فدكا إلى ولديه الحسن والحسين وابنته أم كلثوم ( التي زوجها لعمر ) رضي الله عن الجميع ؟ ! لولا أن أمير المؤمنين علي يعلم أن الحق مع أبي بكر رضي الله عنه في قضائه وحكمه لأعاد الحق إلى نصابه ، ولكن الحق أحق أن يتبع .
فهذه قضية فدك التي صورتموها دينا وعقيدة ، وهي مجرد خلاف في وجهات نظر شرعية آلت بعد ذلك إلى الأنصياع للحق والرضا به ، وأول من كذب ادعاءكم هو الإمام علي رضي الله عنه حيث أمضى قضاء أبي بكر ، وهذا دليل على كونه يراه الحق ، وإلا فعلي رضي الله عنه أبعد الناس عن التملق والرياء والضعف والخذلان في الحق .
وأعود إلى قول أحدكم : " فاطمة مني وأنا منها ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل " يقصد حديثا للنبي ص ، فهذا الحديث لا أعرفه بهذا اللفظ ، وإنما الذي أذكره أو في معناه : " فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما يؤذيها " (1) ، أما قوله : " ومن آذاني فقد آذى الله " فهذا أشك فيه ولا أعلمه من لفظ الحديث ، وأظنه مكذوبا عليه والله أعلم .
(1) رواه البخاري في فرض الخمس ( 3110 ) ، ومسلم في فضائل الصحابة ( 3449 ) .
وهذا الحديث حجة على قائلة لأنه يستدل به على أبي بكر ، وقد قاله النبي ص وهو يعرض بعلي رضي الله عنه لأنه أراد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة الزهراء ، فقام النبي ص في الناس خطيبا يثني على بعض أصهاره ، ويعتب على علي لما أقدم عليه ، فكان مما قال أو في معناه : " أما إني لا أحرم حلالا ، ولكن فاطمة مني أو ( بضعه مني ) يريبني ما يريبها ويؤذيني ما يؤذيها ، ووالله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا " . أو في معنى هذا الكلام ، فرجع علي عما أراد ، وآثر رضا رسول الله ص ورضا فاطمة الزهراء عليه .
فأين هذا من الاستدلال به على أبي بكر الصديق أحرص الناس على رضا الله تعالى ورضا رسوله ص ؟ !
 
أحدهم :
أتعرف أين قبر فاطمة الزهراء سلام الله عليها ؟
 
العبد لله :
ليس من أصول الدين ولا حتى فروعه أن نعرف قبور الأولياء والصالحين من آل بيت النبي ص ، بل الواجب علينا أن نترضى عنهم ونصلي ونسلم عليهم أنى كانوا ، ومن حرص شرع الإسلام الحنيف على التوحيد وحماية جنابه كان الأولى شرعا متى خشي الفتنة من هذه القبور أن تخفى معالمها وتغيب حتى لا يفتن الناس بها .
 
المتكلم :
هل تعرف قصة موتها ، ومن الذي صلى عليها ؟
 
العبد لله :
ماتت كما يموت البشر ، وصلى عليها زوجها علي رضي الله عنهما وأرضاهما .
 
المتكلم :
لماذا لم يصل عليها أبوبكر ؟
 
العبد لله :
ليست هذه صلاة جمعة حتى يصلي بها الإمام الخلافة ، وإنما هي صلاة جنازة ، وفي صلاة الجنازة هناك رأي فقهي قوي يقول إن أقرب الناس من أهل العلم إلى الميت هو الذي يصلي بالجنازة ، لأنه أكثر الناس إشفاقا بالميت وأكثرهم صدقا في الدعاء له والاستغفار ، وعلى هذا طائفة كبيرة من أهل الفقه عندنا .
 
المتكلم :
ليس هذا ما حدث ولكنك تجيد اللف والدوران .
 
العبد لله :
سبحان الله ، وعلى كل حال فاللف والدوران خير من السبب والقذف واللعن . فما الذي حدث ؟
 
المتكلم :
شوف اللي حدث ، أم الحسن والحسين فاطمة الزهراء سلام الله عليهم ، علمت بوقت وفاتها ، فقامت واغتسلت غسل الميت ولبست أكفانها ثم نامت على فراشها ، وأمرت الإمام علي سلام الله عليه أن يصلي عليها سرا ، وأن يدفنها ليلا ، حتى لا يعلم بها أبوب بكر فيصلي عليها لأنها لا تحب صلاة هذا المنافق .
 
العبد لله :
إني لأتعجب من قوم هذا حالهم ، مغرمين بكل خرافة ، مؤيدين لكل غلو ، باحثين عن الشقاق والخلاف بحث الصادقين عن الحق والوفاق .
 
ثم التفت إلى المتكلم وقلت له : أسألك سؤالا : هل يجوز أن تصلي الصبح " مثلا " قبل وقته ؟
 
قال : لا .
 
قلت : لم ؟
 
قال : لأنه لم يأت وقته بعد فلا يجوز .
 
قلت له : سؤال آخر : هل يجوز أن تتوضأ لصلاة الصبح " مثلا " بعد العشاء حتى تنام على وضوء الفجر فتستيقظ جاهزا للصلاة ؟
 
" الجلوس جميعهم يضحكون " وهو يقول : لا " مبتسما " .
 
ثم قال : ما علاقة هذا بالذي نتحدث عنه ؟
 
قلت له : لماذا لا يصح الوضوء بالليل لصلاة الصبح مع أن ذلك يجعلك جاهزا للصلاة صباحا ؟
 
قال : لأن النوم ينقض الوضوء فلا فائدة منه قبل الاستيقاظ .
 
فقلت : ها هنا مربط الفرس ، فكذلك لا يجوز غسل الميت قبل موته لأنه عند الموت ينتقض الغسل السابق ، ويجب غسل جديد وجب بالموت وخروج الروح وبرودة الجسم وارتخاء المفاصل ، وهذا ما نطقت به بلسانك ، وهذا ما حكمت به على نفسك ، وهذا أول شيء يرد روايتك الواهية ، وشيء آخر يرد روايتك .
 
يقف الرجل الذي سبني وهددني قبل ذلك عدة مرات ويقول صارخا حتى لا تكاد تميز كلامه من صراخه : هذا منافق لا تناقشوه ، ألم أقل لكم : لا تناقشوا هذا المنافق ، فإنه ثعلب يلف ويدور ، ويأول ويبرر ، ويأخذ بكم حيث شاء . هذا الرجل لا يريد الحق ولا يبحث عنه ولا يحب آل بيت النبي سلام الله عليهم . ثم ألهمه الله تعالى بهذا الدعاء ، وأحيانا يأتي الخير على لسان الأعداء :
اللهم احشره مع عمر ، اللهم احشره مع أبي بكر وعمر ، اللهم احشره مع هؤلاء ، اللهم احشره مع هؤلاء الكفرة المرتدين الظلمة المنافقين .
 
العبد لله ( مبتسما تغير وجهه عند سماع السب والشتيمة ) :
اللهم آمين اللهم آمين ، اللهم احشرني في زمرة هؤلاء الأتقياء الأنقياء ، أئمة المؤمنين وخير الناس بعد النبيين وأئمة الصديقين والشهداء والصالحين .
وعند ذلك يؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، وهكذا قريبا من ست ساعات متواصلة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ونحن في نقاش لا يكاد ينقطع .
 
العبد لله :
لقد حال وقت الانصراف لصلاة الفجر إلا أنني أود أن أشير إلى أمر ظلمني فيه هذا الرجل " أشرت إلى السباب اللعان ، وأنا أوقن أنهم كلهم على حاله " ، وهذا الأمر أنه اتهمني أنني لا أريد الحق وأنني لا أبحث عنه ، واتهمني بالنفاق ، أعوذ بالله من النفاق وأهله .
ويعلم الله تعالى أني ما جئت إلا لإظهار الحق والذب عنه وإحقاقه ، ولو كان بي نفاق أعوذ بالله منه لما جادلتكم بصدق وصراحة وإحقاق للحق الذي أعتقده .
وألفت أنظاركم جميعا إلى أنني حتى الآن لم تتح لي فرصة واحدة لبيان الحق الذي أراه وأعتقده ولم تتح لي فرصة لتقريره والتدليل عليه .
وحتى الآن تسألون وأنا أجيب ، وأكتفي بدحض شبهات وإزالتها ، ولم أتكلم فيما أحب أن أتكلم فيه ، ولو تكلمت كما أحب لأريتكم الحق إن شاء الله تعالى على مثل بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك .
صاحبي الأول الذي جاءني إلى منزلي أول مرة قائلا :
تكلم يا شيخ وقل ما تحب وسنسمع لك جميعا .
 
العبد لله :
الوقت الآن لا يتسع ، وصلاة الفجر على الأبواب ، وينبغي أن أستأذن لصلاة الفجر.
 
صاحبي الأول :
إذن حدد وقتا قريبا لإتمام المناظرة .
 
العبد لله :
كما تحبون ، وإن كنت أرى الإخوة غير متحمسين للقاء آخر .
 
أكثر الجميع بحماس :
كلنا متحمسون لإتمام المناقشة .
 
صاحبي الأول :
نجعلها اليوم بعد صلاة العشاء .
 
الحاضرون :
لا مانع ، اليوم بعد صلاة العشاء .
 
العبد لله :
على شرط أن يحضر سيدكم حتى تكتمل الفائدة من النقاش .
 
أحدهم :
على التأكيد هو سيرحب بهذا الأمر تماما .
 
آخر :
سآتيك أنا وفلان ( يقصد صاحبي الأول ) بعد صلاة العشاء لتأتي معنا إلى هنا .
 
العبد لله :
إن شاء الله تعالى ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .
ثم انطلقت إلى حيث المسجد لصلاة الفجر على أمل اللقاء بعد صلاة العشاء ، حيث أشياء كثيرة تدور في خلدي ولم أتناولها بالتوضيح بعد .
 
الفصل الثاني
المناظرة الثانية وانتصار الحق
 
تتمة المناظرة وظهور الحق
 
صليت الفجر ثم ذهبت إلى عملي فظللت فيه حتى الظهر ثم رجعت إلى منزلي وأنا أشعر بإرهاق من سهر الأمس ، فنمت حتى العصر ثم صليت العصر ثم نمت حتى صلاة المغرب فاستيقظت وصليت المغرب ثم العشاء وانتظرت صاحبي فلم يأت ، فقلت في نفسي : لعل القوم آثروا أن لا يناقشوني ثانية ، فمرت هذه الليلة ولم يأتني أحد .
 
وفي الليلة التالية ، وبعد رجوعي من صلاة العشاء مباشرة جاءني صاحبي وأخبرني أن القوم ينتظرون ذهابي إليهم لتكملة النقاش معهم .
 
فقلت له : إنني ذهبت أول مرة لأجلك فإن كنت تستفيد من ذهابي ذهبت معك ، وإن لم تكن فإنني في حل لأنني انتظرتهم بالأمس فلم يأتني أحد .
 
فقال لي : إن ثلاثة غيري هم على نفس حالتي السابقة من الشك والبحث وهم أشد انتظارا لك مني ، والوقت ضيق فالرجاء القيام بسرعة لنذهب إليهم سويا .
 
فقمت معه وذهبنا إلى حيث مكان اجتماعهم وكانوا بضعة عشر رجلا هم تقريبا الذين كانوا بالأمس القريب ، ولكني لم أر سيدهم فسألتهم عنه فقالوا : قد اعتذر وقد كلفنا بالبحث معك عن الحق ومناقشتك وهو يعدك بلقاء قريب ، فقلت : لا بأس وجلست بينهم وبدأت الحوار .
 
العبد لله :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد :
لقد تميز اللقاء السابق بأن كنتم تسألوني وأنا أجيب ، ولذلك أستأذنكم في هذا اللقاء أن أسألكم وأنتم تجييبون متى كان عندكم علم بإجابة الأسئلة ، وأرجو أن يكون الجواب مبنيا على المصارحة لا على التقية حتى يثمر النقاش .
 
أحدهم : 
نحن من البداية على المصارحة معك رغبة في جلاء الحق وظهوره .
 
العبد لله :
ما هو معتقدكم في القرآن الكريم .
 
أحدهم :
هو كتاب الله عز وجل .
 
العبد لله :
أعلم ذلك ، ولكن أقصد ما هو معتقدكم في تحريف القرآن ؟
 
المتكلم :
القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتغيير .
 
العبد لله :
هل فيه زيادة أو نقصان ؟
 
المتكلم :
لا ، ليس فيه زيادة ولا نقصان .
 
العبد لله :
هل هذا اعتقاد الإمامية الإثني عشرية جميعهم ؟
 
المتكلم :
نعم الإجماع عندنا على ذلك .
 
العبد لله :
فما حكم من ادعى أن في القرآن تحريفا أو زيادة أو نقصا ، أو ادعى أن آية منه مكتوبة على غير ما أنزل ؟
 
المتكلم :
هو عندنا كافر .
 
العبد لله ( وأشرت إلى الجالسين ) :
هل جميعكم على هذا الحكم الذي حكم به الأخ على من ادعى أن بالقرآن تحريفا أو تبديلا أو زيادة أو نقصانا ؟
 
الحاضرون :
نعم جميعنا وجميع الإمامية الإثني عشرية على هذا القول ، وكل ما ينسب إلينا من القول بتحريف القرآن كذب وافتراء علينا .
 
العبد لله :
فلنحفظ هذه الشهادة في أذهاننا لأننا سنحتاج إليها .
والآن ما رأيكم في عالم شيعي إمامي اثني عشري ألف كتابا جمع فيه مئات الروايات التي تنص على تحريف القرآن ، وسمى هذا الكتاب : " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ؟ فما رأيكم في هذا الكتاب ، وما حكمكم على هذا العالم ؟
 
المتكلم :
هذا الكتاب باطل ، وقد رفضه علماء الشيعة الإمامية ولم يقبلوه .
 
العبد لله :
هذا حكمكم على الكتاب ، فما حكمكم على مؤلف هذا الكتاب ؟
 
المتكلم :
هذا لا علم لي به أسأل السيد عندما تلتقي به .
 
العبد لله :
الأمر واضح رجل يقول بتحريف القرآن ، ولا يكتفي بذلك ، بل يؤلف فيه مجلدا ضخما يثبت فيه هذا التحريف ، ومن قبل أجمعتم على تكفير من زاد في القرآن حرفا واحدا أو ادعى نقصه بحرف واحد ، فالحكم عليه هو الكفر .
 
المتكلم والحاضرون جميعهم :
هذا يجيبك عليه السيد فقط .
 
العبد لله :
أتدرون من هذا العالم ؟
إنه عالمكم الميرزا حسين بن محمد النوري الطبرسي .
أتدرون ما كانت مكافأة هذا العالم على كتابه هذا ؟ لقد كافئوه بأن دفنوه عند موته في أشرف بقاع الأرض عندكم ، لقد بلغ من إجلالهم لعلمه أن دفنوه في النجف الأشرف .
وهذا العمل دليل على أنكم ترون التحريف عقيدة راسخة عندكم ، وإلا لكان مصيره الحكم عليه بالردة والقتل ، ويعامل معاملة المرتدين ، فلا يدفن في مقابر المسلمين أبدا .
 
أما إذا كان الأمر عكس ذلك إذ جلوه وكرموه ودفنوه في أقدس بقاعكم : النجف الأشرف ، فهذا يعكس حقيقة معتقدكم في القرآن الكريم .
 
أحد الجالسين :
قلنا لك بألسنتنا أن عقيدتنا هي أن القرآن محفوظ وهذا يكفي ، والرجل مات منذ زمن ودفن وانتهى أمره ، ولا حاجة لأن نحيي هذه الأمور التي ليست من صالح المسلمين .
 
العبد لله :
 
نحن لا نتكلم عن أمور سياسية حتى نقول من صالح المسلمين أو ليست من صالح المسلمين ، وإنما نحن نبحث عن الحق في إطار الشرع ، والنقاش والبحث عن الحق ما كان الجميع يلتزمون بالحق يثمر لا شك .
ولذلك أرجع إلى موضوع القرآن فأقول : المشكلة لا تكمن في كتاب أو مجلد ألفه النوري الطبرسي ، وإنما تكمن في أن هذا الكتاب " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " قد جمع مئات الروايات من أوثق الكتب طرفكم كالكافي للكليني ، وهو أقدم كتبكم وأحسنها وأتقنها وأعظمها وأصحها بشهادة علمائكم ، ومؤلفه الكليني تجلونه وتعظمونه وتسمونه ثقة الإسلام ، وتعتبرونه مجدد المذهب الإمامي الإثني عشري في المائة الثالثة .
هذا الكليني ملأ كتابه الكافي بالروايات التي تنص على أن القرآن قد حدث فيه تبديل وتحريف وحذف وإضافة ، ويمتلىء بالروايات التي تنص على أن الصحابة حذفوا ثلثي القرآن والتي نزلت في حق آل البيت وأعدائهم ، وأن الثلث الباقي حرفوه وبدلوه ، ويمتلىء بالروايات التي تشير إلى مصحب فاطمة وأخرى تشير إلى القرآن الحقيقي الكامل الذي يأتي به قائم الزمان الإمام الغائب ، وأنه ليس فيه من قرآننا اليوم حرف واحد .
فهذا هو الكليني وهذا هو كتابه الوافي والكافي للإمامية ، ولا شك أن الكليني لن يورد روايات بالمئات ثم هو لا يؤمن بها ولا يثق بها ، فهل تستطيعون رفض الكافي وهو أصل كتبكم جميعها كما ادعيتم رفض فصل الخطاب للنوري الطبرسي ، وهل تستطيعون تكفيره كما ادعيتم أن من زعم أن في القرآن تحريفا أو تبديلا فإنه كافر مرتد .
 
أحد الجالسين بغضب وعصبية :
هذه الروايات كلها ضعيفة لا نحتج بها ولا نثق فيها ، ثم ما هي المشكلة نحن أمامك نعلن أن القرآن كما أنزل دون تحريف أو تبديل .
 
العبد لله :
ليست المشكلة فينا نحن ، إننا نتكلم بلسان طائفتين ، نبحث أين الحق ومع من يكون الحق ، وهأنذا أعرض لكم موقف علماء الشيعة الإمامية من القرآن أصل الدين الأول ومصدره الأعظم ، فالقضية ليست أنا أو أنتم نقول بحفظ القرآن أو تحريفه ، ومن أنا أو أنتم حتى نحكم بأقوالنا على طائفة من الناس تمتلىء بعلمائها وأئمتها ، القضية ه يما قاله علماء المذهب ، وما قرروه ، وما أثبته هؤلاء هو المعبر عن آراء المذهب وأقواله .
ثم دعونا من الكليني وكتابه الكافي الذي هو أوثق كتب الشيعة على الإطلاق ، ولننظر إلى القمي وتفسيره والمشهور عندكم بتفسير القمي .
وطبعا " القمي " غني عن التعريف فهو عندكم شيخ مشايخكم في التفسير والحديث ، وتفسيره المعروف بتفسير القمي هو يقر بالتحريف والتبديل قال عن القرآن الموجود بين أيدينا اليوم إن فيه على خلاف ما أنزل الله .
ثم ملأ تفسيره بعد ذلك بالروايات التي تثبت التحريف والتبديل ، ولعلي أذكر ما قاله في تفسير قول الله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) فنقل عن بعض أئمتكم المعصومين عندكم : كيف تكون خير أمة وقد قلت أمير المؤمنين على وابنه الحسين عليهما السلام ؟ وإنما هي " كنتم خير أئمة يقصد أئمة الشيعة الإثني عشرية أخرجت للناس " ولكنها مما حرف من القرآن . وغير ذلك كثير يصعب عليه الحصر والعد لكثرته .
فهل ترفضون القمي وتفسيره كما ادعيتم رفض فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للطبرسي ؟ وهل تستطيعون ذلك ؟
ولو رفضتم الكافي ورفضتم القمي وتفسيره لا يبقى لكم كتاب تثقون فيه ، لأنهم المقررون لمذهب الإمامية الإثني عشرية .
فإما أن تسيروا على منهاجهم وتكونوا على مذهبهم وتعترفون بتحريف القرآن ، وإما أن تتبرءوا من مذهب الإمامية الإثني عشرية برمته ، لأن علماءه يقولون بالتحريف .
 
أحد الجالسين :
يا فلان النقاش لا يصلح بهذه الطريقة ، لأننا نقول لك اعتقادنا هو عدم التحريف وأنت تصر على إلزامنا بأننا نعتقد بالتحريف ، وسأحضر لك من كتبنا ما يثبت ذلك .
ثم التفت إلى أصغر الجالسين ، وقال : يا فلان هات من المكتبة كتاب الاعتقادات ، فقام وأحضر له كتابا وأعطاه إياه ، فالتقت إلى ، وقال : هذا كتاب " الاعتقادات " لابن بابويه القمي (1) وهو يثبت قولنا بعدم التحريف .
(1) هذا القمي غير القمي السابق ، والقمي لقب لكليهما والأول اسمه : علي بن إبراهيم القمي وهو صاحب تفسير القمي ، والثاني اسمه محمد بن بابويه القمي وهو صاحب كتاب " من لا يحضره الفقيه " .
ثم فتح الكتاب على صفحة هو يعلمها ثم قال :
هذا باب الاعتقاد في القرآن ، فاسمع ما يقوله القمي عن القرآن ، يقول : " اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك . . . ، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب " .
فهذا هو اعتقادنا جميعا ، فما الداعي إلى إثارة الفتنة والدخول إلى مناقشات تمثل خطرا على الإسلام كله ؟
 
العبد لله :
لا . . . خطر هذه المناقشات على الإمامية وحدها ، فهم أهل القول بالتحريف والتبديل والنقص والزيادة .
 
أحد الجالسين :
بعدما قرأنا لك معتقدنا تقول هذا الكلام ، أنت حقا مجادل لا يبحث عن الحق أبدا .
 
العبد لله :
ليس الأمر بهذه البساطة التي تظنونها ، لأن القول بتحريف القرآن هو الخط العام الأساسي عند الإمامية الإثني عشرية ، وكافة المفسرين ينقدون أقوالا عن الأئمة المعصومين عندكم كلها تثبت التحريف وتصرح به ، وقد ذكر علامتكم الجزائري في كتابه الأنوار أن الروايات متواترة والأخبار مستفيضة تدل تصريحا على وقوع التحريف في القرآن .
أتدرون ما معنى متواترة ؟ وما معنى مستفيضة ؟ يعني أنه لا مجال للشك في هذه الروايات ، لأن أشد مراحل التوثيق هو التواتر .
وذكر كذلك أن هناك أكثر من ألفين من الروايات والأحاديث الصحيحة عندكم والتي تثبت ذلك التحريف .
وعلامتكم المجلسي ذكر تواتر هذه الروايات ثم صرح بأنه لا يمكن طرح تلك الروايات لأن طرحها يوجب طرح جميع الروايات الخاصة بالإمامة .
ولا يخفى على أحد أن طرح هذه الروايات الدالة على الإمامة هو طرح للمذهب الشيعي من أساسه وخاصة المذهب الإمامي الإثني عشري ، لأنه أكثرها حديثا عن الإمامة .
وهذا الذي أذكره لكم أستطيع إخراجه من كتبكم متى شئتم ذلك ، فلست أدعي شيئا ليس عندكم .
فبالله عليكم ، هل يمكن طرح هذه الروايات المتواترة المستفيضة التي تزيد على الألفين ، والتي رواها ثقاتكم من الأئمة المعصومين عندكم ؟
هل يمكن طرح هذه الروايات لأجل قول أحد العلماء غير المعصومين ؟ إن ما قاله ابن بابويه ليس إلا حلقة من حلقات التقية والتدليس على أهل السنة ليس أكثر ، وأنتم تجعلون التقية تسعة أعشار الدين وتجعلونها أصل الإيمان .
ولذلك لا يقبل أبدا أن نسقط قول الأئمة لأجل قول أحد العلماء المعرضين للسهو والخطأ . وليس هذا كلامي فقط ، ولكنه كذلك قول خاتمة حفاظكم الذي دفنتموه في النجف الأشرف النوري الطبرسي ، حيث رد على القمي قوله (1) وادعاءه بعدم التحريف ، وذكر أن رد قوله أهون من رد أقوال الأئمة المعصومين ، ثم صرح بأن ابن بابويه وغيره إثما يتحدثون في هذا المجال بهذه الأقوال العارية من الأدلة الموصلة بالأئمة  من باب التقية عن العوام ، وهو طبعا يقصدنا بذلك لا شك .
ــــــــــــــــــــ
(1) قال النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب : " إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائدهم ، وتبعه المرتضى والطوسي والطبرسي " . وكذلك قال نعمة الله الجزائري في كتابه " الأنوار النعمانية " جـ 2 ص 357 ، 358 : " . . . نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع منه تحريف ولا تبديل . . . والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا بالقرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها . . . وكيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا " . الأنوار النعمانية جـ 2 ص 357 ، 358 .
ووالله إني لأتمنى أن أصدقكم في ادعائكم بعدم التحريف ، لأن هذا هو الفصل بين الإسلام والكفر ، إذ مجرد الشك في حرف من القرآن كفر وخروج من ملة الإسلام .
ولكن صدقوني هناك عوامل كثيرة ترسخ في أذهان علمائنا يقينكم في التحريف مهما حاولتهم التدليس .
ومن هذه العوامل :
-         كثرة النصوص الموجودة عندكم ، واليت يكاد المذهب أن يبنى عليها وكلها يصرح بالتحريف .
-    ظنكم السوء في الصحابة وهم الذين جمعوا القرآن ، والقرآن أثنى عليهم ، فكيف يستقر لكم المذهب بتكفير الصحابة وعدم تحريف القرآن ؟
إذ المستساغ هو إما تبني القول بالتحريف والتكفير ، فيكون الصحابة كفارا غير مؤتمنين على القرآن فحرفوه وأظهروه كأنه يمدحهم ، وإما القول بحفظ القرآن والثناء على الصحابة الذين أثنى عليهم القرآن .
أما غير المستساغ مطلقا هو التفريق بين الأمرين كما تدعون الآن بعدم التحريف رغم النصوص الجلية على التحريف وبتكفير الصحابة الذين أثنى عليهم القرآن .
المجلس يمتلىء بالضجيج والأكثر معارض لهذا الكلام .
ثم يتطوع أحدهم بالحديث :
ليس القول بالتحريف عندنا فقط ، ولكن عندكم كذلك قول بالتحريف ، وقد نصت به كتبكم .
 
العبد لله :
سبحان الله ! أجمعتم في أول الحديث على أنكم جميعا لا تقولون بالتحريف ، فلما أخرجت لكم النصوص الموجودة عندكم والتي تدل على التحريف والتي لا مجال لردها ، تزعمون أن عندنا أيضا من يقول بالتحريف .
إن كتب أهل السنة والتي تملأ المحيطات كثرة وتسد عين الشمس سعة لا تجد فيها أدنى إشارة إلى هذا التحريف ، إذ أهل السنة هم حماة القرآن وهم حفظة القرآن وهم أهل القرآن ، وهم ينسجمون مع القرآن والقرآن ينسجم معهم ، فالقرآن يثني على الصحابة وهم يثنون على الصحابة ، والقرآن يأمر بحب النبي ص وآله الأطهار المطهرين ، وهم يحبون النبي ص وآله الأطهار المطهرين ص ، والقرآن يثني على أمهات المؤمنين ، وهم يترضون عن أمهات المؤمنين كافة ، فهم مع القرآن أينما كان وهم أهله أينما حلوا . 
المتحدث السابق :
لقد وردت عندكم روايات بأن " عمر " كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : إنهما ليستا من القرآن ، وهذه الرواية موجودة عندكم في كتبكم المعتمدة لديكم .
( الحاضرون يجاملونه وكأنهم بدءوا يتنفسون ) .
ويقول أحد المتحذلقين منهم :
يا شيخ إحنا نصحناك أن لا نخوض في هذا الأمر ، لأنه خسارة لنا ولكم وقتنة لنا ولكم وخطر على الإسلام كله ، وأنت تصر على الخوض في هذا الأمر .
ثم يقول متحذلقا :
وأنا أرى أننا نغلق هذا الباب تماما وننظر في أمور أهم ، حتى نستفيد جميعا .
 
العبد لله :
لا والله ، لا أترك هذا الأمر حتى أوضحه وأظهره ، فالحاصل أنكم عندما آيستم من التفلت من مسبة القول بالتحريف ، واليت افتجرها عامة علمائكم إلا قليلا أردتم أن تنسبوا إلينا بعض ذلك ، حتى نكون في المسبة والجرح سواء ، ولكن هيهات .
فإن أهل السنة قاطبة أجمعوا بمعنى الإجماع وليس بمعنى التدليس والتخبط على أن ما بين الدفتين من المصحف هو كلام الله تعالى لا زيادة فيه ولا نقصان ، وأن من ادعى فيه تحريفا أو تبديلا أو زيادة أ نقصا ولو بحرف واحد كفر وارتد وخرج من ملة الإسلام إلى مسالك الكفر والزندقة والإلحاد .
وأمامكم مئات من كتب العقائد عندنا للعلماء المشهورين والمغمورين والجهابذة والمبتدئين ، لا تخالف في ذلك حرفا واحدا .
ثم نحن لماذا نقول بالتحريف ؟ ! وما هو دافعنا لذلك ؟ ! فإن الذي جمع القرآن هو خليفتنا أبوبكر بمشورة خليفتنا عمر ، والذي نسخه خليفتنا عثمان ، وكلهم عندنا أئمة هدى راشدون هداة مهديون ، فما هو دافعنا إلى القول بالتحريف ؟ !
أما أنتم فدافعكم أكبر من أن يخفى وأجل من أن يكتم ، وهو أنكم تكفرون أبا بكر وعمر وعثمان ، وتجعلون دينكم هو سبهم ولعنهم والبراءة منهم وهم الذين جمعوا القرآن ، فكيف جمع القرآن كفار مرتدون ؟ !
إن دافعكم إلى القول بالتحريف هو عقائدكم المخالفة لهدي القرآن وهدي السنة وهدي أهل القرآن والسنة ، أما نحن فالقرآن لنا ومعنا وهو كتابنا ونحن أهله ، فيستحيل علينا القول بتحريفه .
وأعود إلى قول الأخ إن هناك رواية عن " عمر " أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ، فأصحح له معلوماته الخاطئة ، فالرواية أولا ليست عن " عمر " رضي الله عنه ، وعمر أجل وأعلى من أن يغيب عليه أمر كهذا ، ولكنها وردت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، وإنكار الصحابي الجيل عبدالله ابن مسعود كان إنكارا فرديا لمي تابعه عليه أحد من أصحاب النبي ص قاطبة فيما أعلم .
والسبب في ذلك أن النبي ص كان من دعائه أن يرقي من العين والحسد والهوام وغيرها من المؤذيات وغير ذلك من شياطين الإنس والجن ، فلما نزلت المعوذتين ترك النبي ص ما سواهما من الرقى والأدعية الخاصة بهذا التعوذ ، فلما رأى ذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ظن أنهما من الأدعية الجامعات وليستا من القرآن .
وقوى هذا الظن عنده أنه لم يتوافق معه أن صلى النبي ص أمامه بهما أو بإحداهما ، مع أنه ص كان كثيرا ما يتعوذ بهما لا سيما في أدعية الصباح والمساء .
ولكنه قد صح في روايات أله السنة عن أصحاب النبي ص أن النبي ص صرح أنهما من القرآن ، ومن ذلك قوله : " أنزلت علي آيات لم أر مثلهن قط ، قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس " (1) .
ــــــــــــ
(1)    أخرجه مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
 
وفوق ذلك كله وقع الإجماع " إجماع الصحب الكرام " على كتابتهما في المصاحف وعلى أنهما من القرآن ، حتى عبدالله بن مسعود رجع من قوله إلى قول الجماعة لما رأى الصحابة قد أثبتوهما في المصاحف ونفذوهما إلى سائر الأمصار والبلدان .
ووقع إجماع أهل السنة ، لا ، بل إجماع الأمة قاطبة سوى الإمامية الإثني عشرية على أن ما بين الدفتين من المصحف كله قرآن لا ينقص ولا يريد ، وأنه محفوظ من التبديل والتحريف ، ومن إدخال ما ليس منه عليه ، وعلى ذلك فالمعوذتين بإجماع أهل السنة من القرآن ، وكل ما في الأمر أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في بادىء الأمر ظن أنهما أدعية طالما سمعهما من النبي ص في غير الصلاة ، فلما أثبتهما الأصحاب واجتمعت عليهما كلمتهم ، وصح الخبر عن رسول الله ص أنهما من القرآن رجع عن رأية ، وكم من الصحابة لم يسمع شيئا عن رسول الله ص أنهما فعمل بخلافه ، فلما جاءه العلم بذلك كان أول المسارعين بالسمع والطاعة .
 
الحاضرون يكلم بعضهم بعضا ، ثم يكلمني أحدهم :
فيقول :
يا دكتور ، أنت لا يجدي النقاش معك لأنك لا تبحث عن الحق وإنما جئت لتقرير مذهبك . ولذك رأينا أن ننهي هذه المناقشة ونشكرك على زيارتك ، وندعو الله أن يهدينا وإياك إلى الحق وإلى محبة آل بيت النبي عليهم السلام ، ومعرفة فضلهم وقدرهم .
 
العبد لله :
أنتم أحق بهذا الوصف مني ، فإن النقاش لا يجدي معكم لأنكم لا تبحثون عن الحق ، وإنما تريدون حمل الناس على معتقدكم حملا دون بحث ولا تحقيق .
وأحمد الله عز وجل أن هداني إلى محبة النبي ص وهداني إلى محبة آل البيت كلهم أولهم وآخرهم ، بدءا من أمهات المؤمنين  الطاهرات العفيفات ، وانتهاء بآل العباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي رضي الله عن الصالحين منهم .
وأدعو الله عز وجل أن يهدينا وإياكم إلى محبة صحب النبي الكرام البررة رضي الله عنهم وأرضاهم ، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة الراشدون ، والعشرة الذين هم بالجنة مبشرون ، وأله بدر وأله بيعة الرضوان والمهاجرون قبل الفتح والمهاجرون بعده ، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين .
 
وأقول : كنت أظنكم تبحثون عن الحق وتتسع صدوركم لسماعه ، وقد كان عندي حق كثيرا أحببت أن تسمعوه لعلكم تستفيدون منه ، ولكنكم أبيتم ذلك ، وكل ميسر لما خلق له .
 
صاحبي الذي جاء معي :
لا والله لا تمشي حتى تقول كل ما عندك ، فلكم تناقشوا معي ولكم سمعت منهم ، وحق لي عليهم أن يسمعوا مثل ما سمعت ويناقشوك إن كان عندهم من ذلك علم ، وإلا فليعترفوا بجهلهم وليدعوا الدين لأهله العارفين به .
 
فقلت لصاحبي :
هم لا يريدون الناقش . 
 
أحد الحاضرين :
لا ، لسنا نرفض النقاش ، وإنما أنت تصر على الحديث في أمر القرآن ونحن نقول إننا نؤمن بحفظ القرآن ، وأنت تريد أن تفرض علينا القول بالتحريف .
 
العبد لله :
لا ، لست أفرض عليكم القول بذلك ، وإنما أنا أعرض لكم أقوال علمائكم ، وهي لا شك حجة عليكم لا سيما وأنتم تثنون على هؤلاء العلماء وتثقون فيهم ، هذا ما أردته ، ولكن لا أستطيع أن أفرض عليم قولا تنفونه والله أعلم بالبواطن وهو عز وجل حسيبكم .
 
أحد الحاضرين :
ما دمنا وصلنا إلى هذا الاتفاق فلا مانع من إتمام المناقشة .
 
وقال آخر ملطفا للجو المتوتر :
يا أخي ، مسائل القرآن واسعة وأقوال العلماء حوله كثيرة  وهذه الأمور الحساسة تبحثها مع السيد ، لأنه صاحب العلم ، ولا بد عنده ردود وعلوم لا تصل إلينا نحن .
 
صاحبي الذي جاء بي :
ما دمنا وصلنا إلى هذا الاتفاق ، فلنكمل المناقشة .
وهكذا بعد أن وقفنا واستعددنا للمغادرة ، رجعنا وجلسنا لنكمل المناقشة من جديد .
 
العبد لله :
الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، وبعد :
 
أحد الحاضرين مستطرفا مقاطعا :
لو تلغي " وصحبه " هذي .
 
ثم قال :
من أين أتيت بها يا أبا عبدالله ؟ ( وهذه كنيتي ) .
 
العبد لله :
هذا إن شاء الله تعالى هو موضوعنا الذي سنتحدث فيه ، ولكن قبل البدء فيه أود أن ألخص ما تم في موضوع القرآن .
 
أحد الجالسين :
تاني يا أبا عبدالله موضوع القرآن ؟ !
 
العبد لله :
كما اتفقنا لن أعود إليه ، ولكن في النفس شيء لا بد وأن أتكلم به ، ولن أطيل إن شاء الله .
الذي وصلنا إليه ولا يمكننا رده البتة هو أن هناك الكثير إن لم يكن أكثر علماء الإمامية السابقين واللاحقين يقولون بالتحريف والزيادة والنقصان (1) ، وهناك المئات بل الألوف من الروايات والنصوص التي تدعم هذا القول وتؤيده . وهذا الأمر لا يمكننا رده ، ولكن هناك من رد تلك النصوص ولم يعترف بها وأكد على حفظ القرآن وصيانته من التحريف والتبديل .
ـــــــــــــ
(1) من هؤلاء على سبيل المثال : الكليني ، أبو الحسن القمي ، وأبو القاسم الكوفي ، محمد ابن النعمان الملقب بالمفيد ، أحمد الأردبيلي ، الطبرسي صاحب الاحتجاج ، المجلسي ، ونعمة الله الجزائري ، أبو الحسن العاملي الخراساني ، وغيرهم كثير .
 
ونحن لا نعلم هل هذا تقية منهم أم أنه قولهم الذي يعتقدونه فالله حسيبهم ، وأظنكم تتبعون هذا الصنف من العلماء ، والله أعلم بالنيات والله حسيبنا وحسيبكم وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وإن كان لي رأي شخصي وهو أن رأيكم هذا لا يتماشى مع أصول الإمامية الإثني عشرية لكونهم يكفرون الصحابة الذين جمعوا القرآن ، ولا يعقل أن الكفار والمرتدون يؤتمنون على شيء فضلا عن القرآن .
المهم ، اتفقنا جميعا على صيانة القرآن وحفظه ، وأنه كما أنزل وأنه بين الدفتين في المصحف الموجود بأيدينا لا نزيد فيه حرفا ولا ننقص ولا نبدل فيه كلمة ولا نغير فيه شيئا البتة ، واتفقنا جميعا على أن من يفعل ذلك فهو كافر مرتد ، هل هناك خلاف على هذا الأمر ؟
 
الحاضرون جميعهم :
متفقون على ذلك بالإجماع .
 
العبد لله :
يقول الله تعالى في كتابه الكريم المحفوظ : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " .
والقمي يقول : نقلا عن أحد الأئمة المعصومين عندكم : " خير أمة لا تقتل إمامها أمير المؤمنين عليا ، ولا تقتل ابن نبيها الحسين عليهما السلام " ، فسئل فكيف نزلت ؟ أو كيف تقرأ ؟ فقال : نزلت : " كنتم خير أئمة أخرجت للناس " يقصد الأئمة الإثني عشر ، وأنتم لا تقرون بهذا النص ، بل تكذبونه حتما ، لأنه ينص على التحريف ، فما رأيكم في هذا الأمر ؟
 
أحد الحاضرين :
أنت والله تلف وتدور ، احنا ما قلنا هذا الأمر تناقش فيه السيد ؟ ! والله النقاش معاك ما فيه فايدة .
 
العبد لله :
لا ، لست أريد العودة إلى أمر القرآن ، فقد اتفقنا على صيانته ، وهذا يلزمنا برد تلك الرواية المكذوبة على كتاب الله تعالى ، وأظننا جميعا متفقون على ذلك .
 
الحاضرون سكوت .
 
العبد لله :
كلنا متفقون على أن الآية هي كما نزلت . " كنتم خير أمة أخرجت للناس " .
 
الحاضرون سكوت .
 
العبد لله :
ألم نتفق على حفظ القرآن وصيانته وأنه لا تبديل ولا تحريف فيه ؟ !
 
أحد الحضارين :
نعم قلنا ذلك والآية كما هي في المصحف .
 
العبد لله :
الحمد لله ، أليست هذه الآية أعظم دليل على فضل الصحابة وثناء الله تعالى عليهم ، حتى جعلهم خير أصحاب الأنبياء وجعلهم خير الأمم جميعها .
هل يعقل أن أمة هذا حالها من الفضل والبر حتى صارت خير الأمم جميعا ، هل يعقل أن هذه الأمة يرتد أهلها جميعهم إلا ثلاثة أو خمسة أو بضعة عشر رجلا على أفضل تقدير ؟
هل يعقل أن أمة تعدادها عند حجة الوداع مائة ألف فيهم ألفان أو أكثر من أكابر الأصحاب والأنصار والمهاجرين والعلماء والمجاهدين ، هل يعقل أن هؤلاء جميعا لا يثبت منهم على الحق إلا نفر قليل يعدون على أصابع اليد الواحدة ، ثم تكون خير الأمم ؟
كيف يصح ذلك ، ولو صح لكانت شر الأمم وأرذلها إذ لم يثبت على الحق فيها إلا أقل القليل ، بل إلا العدم ، فإن النادر يأخذ حكم العدم .
لذلك أيها الأخوة إما أن تقولوا كما قال القمي في تفسيره أن هذه الآية مما حرف من القرآن وبدل ، وهنا نكون على دين وتكونون على غيره ، ولا تجمعنا ملة القرآن وملة الإسلام أبدا ، هذا إن وافقتم القمي على قوله عند ذكر هذه الأمة .
أما وحيث أنكم من القوم الذين يعتقدون صيانة القرآن وحفظه من التبديل والتحريف فإنه ينبغي عليكم أن تأخذوا بالآية كما كتبت في المصحف ( كنتم خير أمة ) وحيث ذلك فلا مناص من تنزيلها على صحب النبي الكرام البررة حيث كان النبي ص يقرؤها عليهم ، ولذلك فهم ولا شك وبنص القرآن الكريم خير أمة أخرجت للناس ، وكل من جاء بعدهم يدين لهم بالفضل والخيرية ، كما وصفهم الله تعالى بقوله : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) .
فهم أي الأصحاب السابقون بالخير والعقل والإيمان ، وهم خيار من خيار ، بل هم خير صحب الأنبياء قاطبة عند تدبر الآية ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ، لأنه إذا كانت الأمة أفضل الأمم قاطبة ، والأصحاب أفضل الأمة قاطبة فالأصحاب هم خير الناس بعد الأنبياء ولا شك ، وهم أئمة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
أيها الناس ، إما أن توافقوا القمي على قوله بتحريف الآية فتكفروا ، وإما أن توافقوني على إثبات الآية وتدبرها وتنزيلها على الصحب الكرام فتنجوا وتسلموا .
 
أحد الجالسين :
ربما كانوا عند نزول الآية خير الناس ، ولكنهم عند موت النبي ص ارتدوا على أدبارهم فبدلوا وصية نبيهم وغيروها وسلبوا إمامهم حقه وظلموه وهموا بقتله ، وآذوه في أهل بيته الأطهار عليهم سلام الله .
وعندكم أحاديث صحيحة أخرجها البخاري ، وأنتم تقولون " كل ما في البخاري صحيح " ، والبخاري أخرج أحاديث عن النبي ص تثبت ارتداد الصحابة بعد موته كفارا ، وأنهم يردون على حوض النبي ص فيحال بينهم وبين الحوص ، فينادي النبي ص ويقول : يا رب أصحابي ، فيقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى فيقول النبي ص : سحقا سحقا لمن بدل بعدي ثم يقول ص : فلا أراه يخلص منهم إلا همل النعم .
وهذه الأحاديث تدل على أن الصحابة بدلوا وغيروا بعد موت النبي ص ، وأنهم ارتدوا كفارا بعد إسلامهم ، حتى أنه لا يثبت على الحق منهم إلا " همل النعم " أي أقل القليل من شايعوا الإمام عليا ونصروه وتولوه وأحبوا آل بيته الأطهار سلام الله عليهم .
 
آخر من الجالسين ( وكأنه يشد من أزره ) :
نعم ، نعم ، بارك الله فيك ، كلهم ارتدوا بعد وفاة النبي ص . وأخذ يقول بنبرة حزينة كأنه يتغنى :
ظلموا الإمام عليا عليه السلام ، وسلبوه حقه ، وأرادوا قتله وأرادوا أن يحرقوا داره وداخلها بنت رسول الله ، وأحدهم يقول : تحرقون البيت وفي داخلة بنت رسول الله ؟ فيقول عمر ، " أي وإن كانت داخله " ، ولما خرجت سلام الله عليها ضربوها على بطنها بالسياط فأجهضت وليدها محسنا وماتت بسببهم ، وقتلوا الحسين ابن بنت رسول الله سلام الله عليه وحزوا رأسه . . . وأخذ يكرر هذه الأمور ويهذي ويبكي .
 
العبد لله :
يا قوم ، حتى الآن لا نمل من تكرار هذه الأكاذيب والافتراءات على صحب الرسول الكرام البررة خير أصحاب الأنبياء وخير الناس بعد الأنبياء ؟
ويا قوم ، إلى متى نعيش على أساطير واهية وخرافات ضالة تخالف قرآننا الذي نثق فيه ونتمسك بهديه ؟
ويا قوم ، قلت لكم حكموا عقولكم في هذه الأساطير والخرافات التي تسيء إلى الإمام علي رضي الله عنه قبل أن تسيء إلى غيره من الصحب الكرام رضي الله عنهم .
ويا قوم ، ما كان بين الصحابة رضي الله عنهم وعلي وآل بيته رضي الله عنهم سوى المودة والمحبة .
وها هو الإمام علي رضي الله عنه محبة في الخلفاء الراشدين نراه يسمي أولاده : أبا بكر وعمر وعثمان ، رضي الله عن الجميع .
وها هو الإمام علي رضي الله عنه يزوج ابنته وفلذة كبده أم كلثوم بنت الزهراء رضي الله عنها لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه .
وها هو الإمام علي يعمل قاضيا للمدينة في خلافة عمر رضي الله عنهما ، ولا يألو جهدا في نصحه ومساعدته .
وها هو الإمام علي رضي الله عنه يثني على الأنصار والمهاجرين ويعتب على أصحابه لكونهم لم يبلغوا إخلاص الصحابة ولا تعبدهم لربهم ونصرتهم لدينهم (1) .
وها هو الإمام علي رضي الله عنه يعتد بإجماع المهاجرين والأنصار ويجعل البيعة لهم وأن من بايعوه كان لله رضى (2) ، لأن الله رضي عمن رضي عنه الصحابة من المهاجرين والأنصار .
ـــــــــــ
(1)     انظر نهج البلاغة
(2)     انظر نهج البلاغة
 
يا قوم ، ما كان بين الصحابة والإمام علي وآل بيته رضي الله عن الجميع إلا المودة والمحبة ، وكل ما ورد خلاف ذلك فهو ساقط لا يساوي مداد الحبر الذي كتب به ، وهو يسيء للإسلام والمسلمين ، وأكثره ضلال وفجور وكفر وتعد على حرمات المؤمنين الصادقين المفلحين صحابة النبي الكرام البررة ، أهل الرضوان والصدق والفوز في الدنيا والآخرة .
يا قوم ، اتقوا الله في أصحاب النبي وأحبابه الذين صدقوه ونصروه وأيدوه وضحوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ابتغاء مرضات الله ، يا قوم ، لولا الصحابة  بعد الله لما كنا اليوم على الإسلام . 
 
المتكلم أولا :
دعك عن هذا ، أنا أسألك : أنت تثق في البخاري أم لا ؟
 
العبد لله :
صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وهو يحوي كلام رسول الله ص وقد تلقت الأمة كتابة بالقبول العام ، وكل ما فيه من الأحاديث مقبولة .
 
نفس الشخص :
أنا أقول لك : البخاري أخرج أحاديث تكفر الصحابة وتجعلهم مرتدين ، وأنت تقول كل ما في البخاري صحيح ، وهذا البخاري يحكم بكفر الصحابة وارتدادهم .
 
ثم يقوم ليحضر كتابا من المكتبة وأظنه البخاري .
 
العبد لله :
يا جماعة اتقوا الله في البخاري ، البخاري هو خادم سنة النبي ص وحاشاه أن يكفر أصحاب النبي ، وهو الذي ملأ كتابه بالفضائل والمناقب عن الصحب الكرام صاحبا بعد صاحب .
 
نفس الشخص :
يفتح البخاري على علامة أظنه حددها قبل المناظرة ثم قال : اسمع إلى ما يقوله البخاري : " هذا صحيح البخاري تفضل تأكد منه " .
 
العبد لله :
اقرأ ، وأنا أسمع منك ما تقرأ .
 
نفس الشخص :
اسمع الرواية الأولى : قال رسول الله ص : " ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم ، فأقول : إ،هم مني ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي " .
واسمع الرواية الثانية . . .
 
العبد لله مقاطعا :
لا تتعجل ، حديث ، حديث ، حتى نتبين الأمر ، ثم لي إن شاء الله تعالى توضيح على جملتها جميعها .
انظر إلى هذا الحديث ، هل قال النبي : " فأقول إنهم أصحابي " ؟ أم قال : " فأقول إنهم مني " ؟
الرجل ينظر في الحديث ثم يقول : قال : " فأقول إنهم مني " .
 
العبد لله :
هذا الحديث حجة عليكم أنتم إن أبيتم إلا أن تفهموا الحديث فهما خاطئا مقلوبا ، فإن الحديث يقول : " فأقول : إنهم مني " ومعلوم لكم أن النبي ص قال لعلي : أنت مني ، وفاطمة مني ، وقال عن الحسن والحسين : إنهما مني أو ولداي . أو من هذا القبيل .
فأقول : لو أصررتم على فهم الحديث فهما مقلوبا خاطئا فإن قوله ص : " فأقول : إنهم مني " أقرب إلى آل البيت منه إلى الصحابة .
هذا مني تماشيا في الحديث على أسلوبكم ، وإلا فأنا وكل أهل السنة نجل ونحب ونود آل البيت عليهم الصلاة والسلام ونترضى عنهم جميعهم ، وليس كما تفعلون ، أنتم تغالون في البعض غلوا مقيتا ، وتنقصون من حق البعض من آل البيت نقصانا مهينا (1) .
ـــــــــــ
(1) بغض الرافضة لآل البيت لا يخفى على أحد ، وسيأتي بيان ذلك بعد قليل في المناظرة نفسها .
 
والحديث ليس على هذا ولا ذاك ، وحاشاه من الانتقاص في ق الأصحاب الكرام ، وحاشاه من الانتقاص من أهل البيت الأطهار .
بل الثابت عندنا وعند البخاري نفسه الذي يودر نصوصا تفيد أن أئمة الصحابة في الجنة لا سيما العشرة المبشرين بالجنة ، ومنهم الإمام علي رضي الله عن الجميع ، وتفيد بأن أهل بيت النبوة في الجنة لا سيما زوجاته أمهات المؤمنين ، ولا سيما بناته المطهرات العفيفات ، وعلى رأسهن الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ، والسبطين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة .
فالحديث لا يحمل أبدا معنى الانتقاص من الأصحاب ولا من آل بيت النبوة الأطهار ، وإنما هو من باب الترهيب والتنبيه والتحذير ، حتى لا يغتر الأصحاب بصحبتهم وسابقتهم ، فيميلوا إلى الدنيا عن الآخرة ، وإلى الأموال والأولاد عن الجهاد في سبيل الله ، وحتى لا يغتر أله البيت بقرابتهم ، فيتكلوا بها عن العمل والاجتهاد في العبادة والطاعة .
وهكذا حتى يظل الجميع على الرغبة والرهبة ، وعلى الخوف والرجاء وهما جناحا الإيمان ، وركنا العبودية الخالصة للرحمن .
وإن حمل الحديث على أحد ، فلا يمكن مطلقا حمله على المبشرين بالجنة ولا على أهل بدر ، ولا على أهل بيعة الرضوان ، ولا على المهاجرين الذين شهد الله تعالى لهم بالصدق والإخلاص ، ولا على الأنصار الذين شهد الله تعالى بالفلاح ، ولا على الذين هاجروا من قبل الفتح وقاتلوا ، ولا على الذين هاجروا من بعد الفتح وقاتلوا ، لأن الله وعد الطائفتين بالحسنى .
لا يمكن حمل الحديث على أولئك الكرام البررة ن لأن هناك نصوصا تعارض ذلك ، وينبغي فهم الحديث ضمن إطار تلك النصوص حتى لا يحدث الغلو والشطط والانحراف والضلال .
 
نفس الشخص :
دعنا من هذا الحديث ، واسمع الحديث الثاني فإنه يصرح بذكر الأصحاب .
 
العبد لله :
تفضل اقرأ الحديث .
 
نفس الشخص :
يقول رسول الله ص : " يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحالون عن الحوض ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " .
ثم يعقب صاحبنا على الحديث بقوله : أظن الحديث واضحا فيه ذكر الصحابة وأنهم ارتدوا وكفروا ، والحديث كما ترى لا يحتاج إلى تعليق ، وهو حجة عليك .
والحاضرون يؤازرون صاحبهم :
فأحدهم يقول : الحديث نص على ارتداد الصحابة .
وآخر يقول : الحديث يا جماعة موجود في البخاري
وثالث يقول لي : أظن ما راح تعرف تلف وتدور .
ورابع يقول : ما قولك الآن على هذا الحديث الواضح ؟
وخامس يبتسم لأصحابة . . . وهكذا .
 
والعبد لله بحمد الله وتحثا بنعمته كان رابط الجأش ممتلىء الثقة بالله ، تغمره بحمد الله السكينة ، فجعلت أنظر إليهم كما ينظر الأسد إلى قرود تتهارج ، فتركهم على لهوهم وباطلهم هنيهة ، ثم زأر عليهم زأرة فانقلبوا خائبين ، وولوا هاربين ، وارتدوا على أدبارهم خاسئين ، فالحمد لله رب العالمين .
 
العبد لله :
ماذا تفهم من قول الرسول ص : " إ،هم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " .
 
نفس الشخص :
الذي أفهمه أنهم كفروا وارتدوا عن دين الإسلام إلى الكفر . 
 
العبد لله :
من تقصدون بالأصحاب الذين ارتدوا بعد موت النبي ص .
قال : صحابة النبي كلهم إلا الإمام علي عليه السلام وشيعته .
قلت : وكم كانت شيعته ؟
قال : كانوا كثرين .
قلت : وكم كان عددهم تقريبا ؟
قال : لا أدري بالضبط ، وكلنهم كانوا كثيرين .
قلت : كذبت ، والروايات عندكم تدل على أنهم ثلاثة : المقداد وأبو ذر وسلمان ، وأن عمارا حاص حيصة ثم عاد ، فهؤلاء أربعة وخامسهم الإمام علي ، ولقد تتبعت كتبكم فوجدتهم في أحسن الأحوال لا يزيدون عن بضعة عشر رجلا .
 
نفس الشخص :
لا أدري ما علاقة ذلك بالحديث .
 
العبد لله :
ستعرف الآن ، ولكن قل لي : من كانوا أئمة المرتدين ؟
 
نفس الشخص :
أئمتهم هم ، أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ومعاوية .
 
العبد لله :
هذا هو الذي فهمتموه من حديث البخاري .
 
نفس الشخص :
نعم .
 
العبد لله :
هذا الذي فهمتموه من حديث البخاري لمي فهمه البخاري نفسه فها هو ذا يخرج في صحيحة في كتاب " فضائل الصحابة " الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تبين فضائل المهاجرين وفضائل الأنصار ومناقب أبي بكر ومناقب عمر ومناقب عثمان ومناقب علي ومناقب الزبير ومناقب طلحة ومناقب أبي عبيدة ومناقب سعد ومناقب خالد بن الوليد .
وها هو ينقل قول النبي ص : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " ، وهو يصدق صريح القرآن " كنتم خير أمة أخرجت للناس " ويصدق صريح القرآن الصحب الكرام وتعتبرهم صادقين مفلحين فائزين .
وها هو البخاري نفسه ينقل عن النبي ص قوله في أبي بكر الذي تجعلونه من أئمة الكفر والإلحاد ، وهو عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين إمام الصدق والإخلاص والإيمان والتقوى يخرج البخاري ، قول النبي ص في حق أبي بكر : " لو كنت متخذا في الإسلام خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخي وصاحبي " .
وها هو البخاري يثبت الأفضلية لأبي بكر على كافة الصحابة حيث يقدمه الرسول ص للصلاة في مرضه الذي توفي فيه ، فيخرج قوله ص : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " .
ويخرج قوله ص في مرضه الأخير لعائشة رضي الله عنها : " ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلى أبا بكر " .
وها هو البخاري يثبت فضل عمر رضي الله عنه والذي تجعلونه من أئمة الكفر وتقولون إن أبا بكر وعمر هما الجبت والطاغوت ، وحاشاهما من ذلك .
فيخرج قول النبي ص : " لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر " .
وها هو البخاري يثبت فضل عمر رضي الله عنه ، فيخرج قول النبي ص : " بينا أنا نائم شربت " يعني اللبن " حتى أنظر إلى الري يخرج من أظفاري ، ثم ناولت عمر . قالوا : فما أولته يا رسول الله ؟ قال : العلم " .
وها هو البخاري يثبت فضائل الصحابة من المهاجرين والأنصار، فيملأ كتابه بمناقبهم وفضائلهم ، ويترضى عنهم كافة . وعلى ذلك فالبخاري يفهم من حديثه ما لم تفهموه أنتم .
 
نفس الشخص :
أحاديث البخاري ليست حجة علينا ، ونحن لا نثق فيها ، وإنما أنتم تثقون فيها ، ونحن نحتج بها عليكم أنتم .
 
العبد لله :
سبحان الله ! يا قوم إنما مثلكم كمثل اليهود يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، يا قوم إما أن تكذبوا بأحاديث البخاري كلها ، وإما أن تأخذوها كلها ، وإلا كنتم كما قول تعالى : " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب " .
 
نفس الشخص :
نحن عندنا رواياتنا وأحاديثنا الخاصة بنا والتي رواها علماؤنا والمأخوذة من علم آل البيت عليهم سلام الله ، وهي مدونة في كتبنا التي نثق فيها .
 
العبد لله :
أين هي كتبكم الموثوقة ، وهذه الكتب روت أكثر من ألفي رواية مكذوبة على القرآن نفسه ، فهل نستبعد أن يروى مثلها على أصحاب النبي الكرام البررة ؟ وهل نستبعد أن يروى مثلها في حق زوجات النبي الطاهرات المطهرات رضي الله عنهن ؟ وهل نستبعد أن يروى مثلها زورا وبهتانا وغلوا في حق أمير المؤمنين علي رضي الله عن وآل بيته الأطهار ؟
يا قوم ، إن الذي يكذب على القرآن يكذب على كل شيء ، ويكذب في كل شيء ، وإذا لم تستحوا من الكذب على القرآن فللذي بعده أنتم أقل حياء ، وفي الحديث : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " .
 
أحد الجالسين ( موتورا ) :
ترى والله يا أخ احنا للحين موسيعن صدورنا معاك ، ومراعين حق الضيافة معاك ، وترى إحنا للحين نجاملك ، ولكنك لا تراعي مجاملتنا لك ، وأسلوبك مو ( ليس ) أسلو نقاش .
 
العبد لله :
ما الذي حدث ؟ ! يا جماعة نحن لسنا في هوشة ، وإنما ظننت أننا في مجلس علمي نتناقش فيه حول الحق ، وكل ينافح عما يراه الحق ، وكل يدلو بدلوه ويؤيد حقه ويدحر باطل مخالفه ما استطاع إلى ذلك سبيلا .
ولسنا هنا للضيافة أو المجاملة ، وإنما لإظهار الحق من خلال المناقشة والمناظرة وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل .
وصاحبك يستدل مرة بالبخاري ، ومرة يقول : ليس هو حجة علي ، ويأخذ ببعض ، ويكفر ببعض ، وكأن الشرع على هواه ، فأينا يكون أسلوبه غير علمي وأينا يكون أسلوبه ليس أسلوب نقاش ؟ !
 
نفس الشخص :
دعنا من هذا ، أنت للحين ما ذكرت ردك على الحديث الذي ذكرته لك والذي يدل على أن الصحابة حرفوا وبدلوا وارتدوا على أدبارهم كفارا مرتدين .
 
العبد لله :
نعم نعود إلى البحث العلمي ، ارجع إلى الحديث وانظر نصه وقل لي : هل قال النبي : " يرد علي يوم القيامة أكثر أصحابي " ؟ أم قال : " يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحالون عن الحوض " ؟
 
هو ينظر في البخاري ثم يقول :
بل نص الحديث : " يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحالون عن الحوض ".
 
العبد لله :
أتدري كم الرهط ؟
 
فقال :
لا أعرف .
 
فقلت :
الرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة ، فدل ذلك على قلة الذين يمنعون عن الحوض ، وأنت تزعم أن أكثر الصحابة ارتدوا بعد وفاة النبي ص ، ونصوصكم تثبت أن الذي ثبت على الإيمان ثلاثة وعلي ، أو أربعة وعلي ، أو على أحسن تقدير اثنا عشر رجلا وعلي .
هذا على العلم أن الصحابة في حجة الوداع بلغ عددهم تقريبا مائة ألف ، منهم أكثر من عشرة آلاف من الأعلام ، وألفان من كبار الصحابة وأهل الرأي والأمر فيهم .
فالحديث يبين أن رهقا يحالون عن الحوض ، وأنت تدعي أن رهطا هم الذين سيصلون إلى الحوض من أصحاب النبي ص ، وشتان بين الأمرين ، فأنت بهذا الفهم تقلب معنى الحديث وتنكسه وتغالط فيه فهم معناه وما يرنو إليه .
وعاصمة أخرى من فهم خطأ للحديث ، وهي : ارجع إلى نص الحديث فأخبرني هل قال النبي : " إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ؟ أم قال : " إنهم ارتدوا على أدبارهم كفارا " ؟
 
ينظر في البخاري ثم يقول :
نص الحديث : " إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى " .
 
فقلت : " ارتدوا القهقرى " لها معنى في اللغة يخالف معنى الارتداد بالكفر ، فالارتداد القهقرى أو الرجوع إلى الخف وهو يأتي بمعنى التعاون أو التنازل عن بعض الحق ، ويأتي أحيانا بمعنى التنازل عن الفضل والنزول من مرتبة عالية إلى مرتبة أقل منها ، والصحابة لموضعهم من دين الله وسابقتهم لا ينبغي من أمثالهم ذلك ، ولذلك كان التنازل عن شيء يسير يعتبر في حقهم ارتدادا على الأدبار إلى الخلف .
ولعلك ترى في الحديث تشديد النبي ص على أصحابه من باب أفضليتهم وسابقتهم ، وهذا كمثل تشديد الله تعالى على أمهات المؤمنين من باب فضلهن ومنزلتهن وموضعهن من دين الله تعالى ، فقال عز وجل : " من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف بها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا " ، وهذا كما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وهي عند التحقيق حسنات ولكنها في حق المقربين كانت أقل مما ينبغي أن تكون عليها حالتهم
 
نفس الشخص :
انظر هذه الرواية الثالثة عند البخاري وهي أشد وضوحا في ارتداد الصحابة أجمعين إلا قليلا .
 
العبد لله :
يستحيل أن تخالف روايات البخاري الصحيحة صريح القرآن ، لأن السنة خرجت من مشكاة النبوة ، والنبي لا ينطق عن الهوى إلا هو إلا وحي يوحى ، وعلى ذلك فالسنة والقرآن لا يتعارضان وإنما يتوافقان وكلاهما يترضى عن الأصحاب البررة ويثني عليهم . ومع ذلك تفضل اقرأ الروايات كلها ، وأسأل الله أن يظهر على لساني الحق .
 
نفس الشخص :
أخرج البخاري عن رسول الله قوله : " بينا أنا نائم فإذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلم ، ، قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم "
ثم يعقب على ذلك بقوله :
انظر قوله ص : " فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " ، فهذا معنا أن أقل القليل هو الذي ينجو وهم علي عليه السلام وشيعته .
 
العبد لله :
لا حول ولا قوة إلا بالله ، إن الهوى يجري من أصحابه مجرى الدم في العروق ، حتى إنهم يؤولون كل قول على هواهم الذي استعبدهم ، مصداقا لقول الحق تعالى : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون " .
يا قوم ، إن صريح القرآن ينص على صدق الصحابة وفلاحهم وفوزهم وأن لهم الحسنى ، وأن لهم العقبى ، وأن لهم التمكين في الدنيا والرضوان في الآخرة .
اسمعوا إلى قول الله تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم " ، فمن هم السابقون إن لم يكن منهم أبوبكر وعمر وعثمان وطلحة وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد رضي الله عنهم ؟ !  
ومن هم السابقون إن لم يكونوا أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة والثانية إلى الحبشة ؟ ! ومن هم السابقون إن لم يكونوا أهل الهجرة إلى المدينة ، وأهل بدر المشهود لهم بالإيمان ، وأهل بيعة الرضوان الذين شهد الله لهم بالرضوان ؟ !
ومن هم السابقون إن لم يكونوا أنصار النبي " والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ؟ !
ومن هم الذين اتبعوهم بإحسان إن لم يكونوا المهاجرين بعد الفتح ، وكلا وعد الله عز وجل الحسنى ؟ !
يا قوم ، إن التدبر في هذه الآية مع التجرد للحق وسلامة الصدر للخلق يؤول بنا إلى أن نفهم أن الآية تشهد لمجمل الصحب الكرام بالإيمان والإحسان والرضوان ، وقد وعدتهم بالجنان وبالفوز العظيم .
يا قوم كيف يعقل مع هذه الآية أن نصدق قول من قال : إن الصحابة ارتدوا جميعا سوى خمسة أو مثل ذلك ؟
ثم ، هل هذا هو جزاء من جاهد في سبيل الله وفتح البلدان ورفع راية الإسلام ؟ أم جزاؤهم التولي والدعاء لهم بأن يغفر الله لنا ولهم ويلحقنا بهم في جنان الرحمن ؟ 
ويا قوم ، اسمعوا إلى قول الله تعالى وهو يصف المهاجرين بالصدق والأنصار بالفلاح ، ويطالب المسلمين على مر العصور بالاستغفار لهم :
قال عز وجل : " الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " .
ففي الآية الأولى : وصف الله عز وجل المهاجرين عامة بالصدق ، فهل الذي يشهد الله تعالى له بالصدق يكذب أو يخون أو يرتد أو يؤثر الدنيا على الآخرة ؟ ! إن ذلك كله نقيض الصدق ، والله الذي يعلم السر وأخفى ، والذي يعلم ما كان وما سيكون شهد لهم بالصدق وهو علام الغيوب .
وفي الآية الثانية وصف الله عز وجل الأنصار بالفلاح ، والفلاح في الإسلام والموت عليه ، فهل الذي يشهد الله تعالى له بالفلاح ويعده به يكفر ويرتد ويموت كافرا ؟ ! فأي فلاح يؤول إليه ؟ !
وفي الآية الثالثة يثني الله عز وجل على أهل السنة الذين قولون : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ويبرأ من الذين يسبون ويلعنون ويكفرون المهاجرين والأنصار الذين وصفهم الله بالصدق والفلاح ، ووعدهم بالجنة والرضوان .
ويا قوم ، اسمعوا إلى قول الله عز وجل وهو يعد الأصحاب جميعا بالحسنى ، فيقول جل وعلا : " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " .
فالله عز وجل يعد الأصحاب جميعهم بالحسنى ن سواء من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، وسواء من أنفق من بعد الفتح وقاتل . ومعلوم أن الأصحاب جميعا سواء من هاجر قبل الفتح أو بعد الفتح ، كلهم جاهدوا في سبيل الله تعالى بأموالهم وأنفسهم ، وباعوا أنفسهم ابتغاء مرضات الله .
فبالله عليكم ، كيف يعد الله هؤلاء الأصحاب بالحسنى سواء السابقون منهم واللاحقون ، ثم تريدون أنتم أن تجعلوا دينكم سبهم ولعنهم وتكفيرهم ؟ فبالله عليكم أأنتم أعلم أم الله ؟
ويا قوم اسمعوا إلى قول الله تعالى " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا " .
أتدرون ماذا سميت هذه البيعة ؟ لقد سميت بيعة الرضوان ، لكون الله تعالى رضي الله عن أصحابها وكانوا ألفا وأربعمائة صحابي .
أفترون الله عز وجل يترضى عن أهل بيعة الرضوان ثم أنتم تكفرون هؤلاء ؟ أأنتم أعلم أم الله ؟ أفلا تعقلون ؟
ويا قوم اسمعوا إلى قول الله تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " ، فالمتدبر لهذه الآية يعلم يقينا أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين الذين ارتضى الله لهم دينهم بالتمكين في الأرض
والناظر إلى الصحب الكرام يجد أن الله تعالى مكن لهم في الأرض تمكينا عظيما ، حيث فتحوا البلدان شرقا وغربا ، ودانت لهم الأرض كلها ، يعبدونها لله وحدة ، ويرفعون عليها رايات التوحيد ، فدل ذلك على أن الله تعالى ارتضى دينهم فمكن لهم في الأرض بإيمانهم وصالح أعمالهم .
ويا قوم ، انظروا إلى كتاب الله الكريم ، كم آية تصدرت بقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " (1) .
ــــــــــ
(1) هناك أحاديث لا حصر لها كلها يثني على الصحب الكرام ، ولكن القوم لا يؤمنون بها ، ولكني للفائدة أذكر بعضها ها هنا :
يقول النبي ص : " أبوبكر في الجنة ، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة ، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ، وسعيد بن زيد في الجنة ، وأبوعبيدة في الجنة " رواه أحمد والترمذي وصححة الألباني .
ويقول النبي ص : " أبوبكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة " رواه أحمد والترمذي وصححة الألباني .
ويقول النبي ص : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخي وصاحبي " رواه البخاري ومسلم .
ويقول النبي ص : " لو كان من بعدي نبي لكان عمر " رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ( 498) ، و(519) ، و(694) وقال محققه : إسناده حسن لغيره .
ويقول النبي ص : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " أخرجه الترمذي .
ويقول النبي ص : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " متفق على صحته .
ويقول ص : " النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " أخرجه مسلم .
 
إن هذه الآيات وقت نزولها كانت تخاطب أصحاب النبي الكرام رضي الله عنهم ، وما دامت الآيات تخاطبهم بصفة الإيمان ، فهم بشهادة الله تعالى المؤمنون .
فبالله عليكم ، كيف يخاطبهم الله بصفة الإيمان ، وأنتم تكفرونهم وتسبونهم وتلعنونهم وتستندون في ذلك لروايات مكذوبة وضعها أولئك الذين كذبوا على القرآن بروايات تصل إلى ألفي رواية ملحدة آثمة مكذوبة ؟ !
وأعود إلى حديث البخاري فأقول : إن فهم أي حديث لا بد وأن يكون في إطار النصوص العامة القرآنية والنبوية ، وقد دل القرآن على أن الصحابة هم الصادقون وهم المفلحون ، وهم الذين وعدهم الله الحسنى والتمكين ، والبخاري نفسه أورد أحاديث تدل جميعها على مناقب الصحابة ومآثرهم وفضائلهم سواء في ذلك المهاجرين والأنصار - .
ونظرة سريعة إلى صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة نعرف منها كيف كانت منزلة الأصحاب العظيمة عند الله تعالى وعند رسوله ص .
وهذا الاعتقاد العام في عدالة الصحابة وسابقتهم وفضلهم هو الأصل الأوحد الذي يفهم داخل إطاره كافة النصوص التي توحي بالتعارض في الظاهر ، وعند التحقيق الرصين الواعي للنصوص نجد التوافق التام بين كافة الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة .
فإن قال قائل : فما تفعل في قوله ص : " فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم "؟
فأقول : الإجابة على ذلك من أيسر اليسر وأسهل السهل ، ولها وجوه عديدة أظهرها أننا عندما ننظر إلى قوله ص : " منهم " نجد أنهم عند التمعن في الحديث والتحقيق في سياقه ومعناه ، نجد أنها تعود على الذين ارتدوا على أدبارهم ، ومعنى ذلك أن الذين ارتدوا على أدبارهم فئة قليلة وسط الكم الغفير من الأصحاب ، وهؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم ممن يعذره الله تعالى ويغفر له ويعفو عنه .
فإن قال قائل : فمن هم هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم ، قلت : الصحابة رضي الله عنهم بنص القرآن ونص الحديث أبرار أطهار صادقون مفلحون موعودون بالحسنى والرضوان ، وكلنا يعلم أنه قد بلغ عددهم في حجة الوداع مائة ألف من المسلمين تقريبا ومن الطبيعي أن يتفاوت إيمانهم ، فلربما تخفف أقوام منهم عما كانوا عليه أيام النبي ص ، وهؤلاء المتخففون المرتدون على أدبارهم القهقرى أي الراجعون إلى الخلف في الطاعة والإيمان لا يخلص منهم إلا أقل القليل ، والباقي يأخذ جزاءه في النار ثم يخرج بفضل التوحيد إلى الجنة ، إلا أننا نجزم أن أكابر الأصحاب وهم قريب من الألفين أجل من أن نعتقد فيهم التخفف والرجوع عن حالهم الذي كانوا عليه أيام النبي ص .
وعموما فإن النادر يأخذ حكم الملغي ، والغالب يأخذ حكم الكل ، وحيث لا تعيين لأحد بالتقهقر ، وجب الترضي عن الجميع والنادر يأخذ حكم الملغي عند الشيوع وعدم التعيين .
وأمر ينبغي أن نلفت إليه الأنظار : وهو أننا لا ينبغي أن ننسى أن غالب العرب ارتدوا بعد موت النبي ص سوى المدينة ومكة (1) حفظهما الله من الردة ، فوقف أبوبكر لتلك الردة وجاهد فيها جهادا لا يقوم به بعد الأنبياء أحد سوى الصديق نفسه ، وقد قتل في تلك الردة أعداد كثيرة من المرتدين ، وأكثر ذلك كان في جهاد الصحابة لبني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب حتى سميت الحديقة التي قتل فيها حديقة الموت لكثرة من قتل فيها .
ـــــــــــــ
(1)  اطلعت فيما بعد على كتاب قيم هو : ( الثابتون على الإسلام زمن الردة ) للدكتور مهدي رزق الله أحمد ، فظهر لي أن الثابتين على الإسلام في الأماكن الأخرى كثير ، وليسوا في مكة والمدينة فقط .
 
أضف إلى ذلك أن الرسول ص مات وهناك من يظهر إسلامه وصحبته لكنه منافق كافر في الباطن لم يعلم به الرسول ص ، فلربما هو المعني في الحديث ، أما أن نفهم من الحديث تكفير الصحابة ، لا سيما أبا بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة ومن ورائهم الألوف المؤلفة من أصحاب النبي الكرام البررة الذين زكاهم النبي ص ورباهم على القرآن والحكمة وعلى الصدق والإخلاص فهيهات هيهات ، إن هذا الفهم لهو الكفر بعينه ، ولهو الردة بعينها ، نعوذ بالله من الضلال والكفر وعمى البصر والبصيرة .
وبعد أن قلت هذا الكلام ، أغلق صاحبنا كتاب البخاري ، وعلى وجهه حسرة وكآبة ، وعلى القوم وجوم وسكون تحكي وجوههم الهزيمة ، يصدق فيهم قول الله تعالى : ( وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ، وتذكرني بقول الله تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) .
 
وقام صاحبنا ليضع صحيح البخاري في المكتبة وجميعهم صامتون حتى قطع سكوتهم أححد الدهماء قائلا :
الصحابة كلهم علهيم الرضوان حتى معاوية عليه الرضوان ؟
( والرجل يقول هذا الكلام مستهزئا وتعلوه سخرية واضحة ) .
 
العبد لله :
دعك عن هذا ، ولكن أريد أن أسألك سؤالا ،
 
فقال : تفضل .
 
قلت : هل ترضى مثلا أن يشتم أبوك ؟ " عفوا " ،
 
فقال : لا .
 
فقلت : هل ترضى أن يشتم عمك ؟
 
قال : لا .
 
قلت : هل ترضى أن يشتم خالك وأخو أمك ؟
 
قال : لا ، قلت قف عند هذه .
 
ثم نظرت إلى الحاضرين وقلت :
إن أحدا منا لا يرضى بأن يشتم خاله وأخو أمه وهو يسمع ، ومعاوية رضي الله عنه الذي يستهزىء منه صاحبنا هو خال المؤمنين جميعا ، لأنه أخو زوجة النبي وأم المؤمنين أم حبيبة ورملة بنت أبي سفيان ، رضي الله عنهم جميعا .
ومعاوية رضي الله عنه كان من كتاب النبي ص ، وكان مضرب الأمثال في الحلم والعقو والكياسة والفطانة والحزم ، وكان بحق خير ملوك الإسلام قاطبة ، في عهده أكرم الله الأمة بالعزة والقوة والغلبة حتى ركبت جيوشه البحر غزوا في سبيل الله ، وأصبحت دولة الإسلام في عهده أقوى دول العالم قوة وعتادا حتى خشيها جميع الأعداء وظلت كلمة الله عالية وظهر الدين على الدين كله .
 
الرجل المستهزىء سابقا يشتط غضبا ويقول :
يا جماعة ما يصير نسكت على هذا الكلام ، معاوية ! يترضى على معاوية ، ترضى يا أخ عن يزيد بعد ، سمعني الترضي عن يزيد ، والله صارت فوضى ، يا أخ أكملت ترضى عن يزيد الحين .
 
العبد لله :
الحق أحق أن يتبع .
 
الرجل السابق صارخا :
أي حق إنت ما خليت فيها حق .
 
العبد لله :
اصبر ، اتركني أكمل كلامي وبعد ذلك قاطعني بما تشاء من الحجج ، الحق أحق أن يتبع ، أقصد من ذلك أن الحق كان مع علي رضي الله عنه وكان هو أقرب الطائفتين للحق ، وأدناهما للصواب ، وكان الحق معه ويؤيده ، ولكن كانت هناك شبهات قوية أحاطت بالظروف المحيطة بالإمام علي رضي الله عنه ، وهي التي سببت في خروج طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة من قبل ، ولولا أصحاب الفتنة من الهمج والرعاع لما حمل صحابي سيفه على صحابي . 
وأنا أقول هذا الكلام لأقرر حقائق :
الحقيقة الأولى : أن الخليفة الراشد الرابع بعد مقتل عثمان رضي الله عنه هو الإمام علي رضي الله عنه ، وقد كانت له الوجهة الشرعية وكان الحق معه ، ولو عاد الزمان لكنت أنا " أقصد نفسي " في جيشه وأفتخر بذلك (1) ، ولكن ليس معنى هذا الكلام أن مخالفيه كانوا على الباطل وعلى النقيض تماما ، لا ، فقد كانت هناك شبهات قوية جعلت المخالفين للإمام علي على وجه من الحق ، لهم فيه اجتهاد لا نفسقهم فيه ولا ننتقص من شأنهم أبدا ، بل نقول لهم أجر الاجتهاد الخاطىء إن شاء الله تعالى .
ــــــــــ
(1) كل أهل السنة يرى الحق مع علي ، ولكن كثير من علمائهم رأى العزلة عن الفتنة أفضل من القتال مع إحدى الطائفتين .
 
الحقيقة الثانية : أن أقوى تلك الشبهات هي وجود رؤوس الشر وقادة الفساد والساعين إلى الفتنة في جيش الإمام علي ، وهم الذين كانوا وراء كل قتال وكل خلاف .
والإمام علي رضي الله عنه معذور في وجودهم ، لأنهم كانوا على قوة وعتاد ولم يمهلوه حتى يتفرغ لهم ، بل كانوا يسوقون الأحداث نحو الفتنة والقتال .
الحقيقة الثالثة : كل من خالف عليا رضي الله عنه كان له اجتهاد ، وهو من باب الاجتهاد نسأل الله تعالى أن يؤجروا عليه أجرا واحدا ، وأن يؤجر الإمام علي عليه أجران ، بموجب حديث رسول الله ص .
الحقيقة الرابعة : الصحابة لم يسعوا إلى قتال أبدا ، وهم أجل وأعلى من ذلك ، وكلما جلسوا تصافوا وتصالحوا ، وكادت تعود الأمور إلى نصابها ، ولكن رؤوس الفتنة وقتلة عثمان رضي الله عنه لا يرضون بذلك ، فينشبون القتال ليلا حتى يظن الفريق الثاني بالخيانة ، فينتصر لحقه ويظن الإمام علي أنهم بدءوا القتال فيقاتلهم ، فالصحابة في تلك الفتن أبرأ من الذئب من دم نبي الله يوسف عليه السلام ، هذا هو ظننا فيهم ، وهذه هي حقيقة الأمر .
الحقيقة الخامسة : أن أصل الشر والفتنة في هذه الملاحم هم أتباع عبدالله ابن سبأ " السبئية " الذين بدءوا القتنة بقتل عثمان ثم بقتل الزبير وطلحة ، ثم بذروا بذرتين : إحداهما التشيع ، والأخرى الخروج ، والشيعة غالوا في الإمام علي والخوارج قتلوه . ولا دخل للأصحاب في تلك الفتن مطلقا .
الحقيقة السادسة : أن أهل السنة يرون الحق أدنى إلى علي ، وعلي أقرب إلى الحق ، ويرون أن خلافه مع بعض أصحاب النبي ص كالزبير وطلحة ، وهما من المبشرين بالجنة وكمعاوية خال المؤمنين ، لا يوجب عليهم فسقا أبدا - ، وإنما هذا من صنيع الروافض والخوارج والغلاة والملاحدة - ، وذلك لكونهم خالفوا عن اجتهاد له وجه من الحق تمسكوا به فنعذرهم لهذا الحق ، وعلي كان أقرب إلى الحق منهم .
الحقيقة السابة : أن أهل السنة يترضون عن جميع الأصحاب دون استثناء ويرون لهم الفضل والكرامة " كافتهم " ، وكلهم في الحشر مرحومون مغفور لهم ، نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم جميعهم . وأهل السنة سليمو الصدر لكل صحابي ، كرامة لصحبته واحتراما لسابقته .
 
الرجل السفيه :
وما تقول في يزيد بن معاوية  والفاجر يلعن يزيدا ويسبه - ؟ أنا بقولك ترضى عن يزيد حتى نعرف حقيقتك .
 
العبد لله :
أما يزيد فإني لا أخوض في أمره ولا أرضى بسبه ، وهو قد اختلفت عليه اقوال أعلام عصره المعاصرين له ، وقد امتدحه ابن عباس رضي الله عنهما ، وامتحده كذلك محمد ابن الحنفية ابن علي رضي الله عنه ، والعلماء منهم من وثقه وحسنه حتى لقبه بأمير المؤمنين يزيد وكذب كل ما قيل في حقه من الفجور والظلم ، ومنهم من توقف في شأنه وقال : له ما كسب وعليه ما اكتسب ولا نسأل عما كان يفعل تأويلا لقول الله تعالى : " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " والذين طعنوا فيه على حد علمي لم يجيزوا لعنه وسبه ، وإنما هذا فعل المغرمين باللعن والسباب والشتم لكل أصحاب النبي الكرام البررة .
 
الرجل السفيه :
والله ما أدري كيف أنا صابر عليك ، هذا قتل الحسين عليه السلام ، كل شيء كنت أتوقعه إلا ها الكلام هذا .
 
العبد لله :
الحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة ، ولكن من الذين قتلوه ؟ إن الذين قتلوا الحسين هم الذين خدعوه وأغروه وبعثوا إليه أن أقدم على جند لك مجند ، وأرسلوا إليه عشرات الكتب ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين .
وأما يزيد فعلى حد علمي لم يأرم بقتل الحسين ، بل حزن حزنا شديدا لمقتله ، وإنما قتله أحد الرعاع المجترئين على آل البيت الأطهار يدعى ابن الجوشن ، وما قتله إلا طمعا في الوجاهة والمنصب دون أمر من أحد ، ولكن تزلفا إلى عبيدالله بن زياد عامل يزيد على الكوفة ، وغير ابن الجوشن هذا فالغالب كان يتحاشى قتل الحسين رضي الله عنه .
وإنما خرجوا لقتاله متأولين قول جده المصطفى ص : " إنه ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان " ، ومتأولين قول النبي ص : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " .
فهم خرجوا لمنعه ، وكان قدره رضي الله عنه الشهادة ، وهو في أعلى عليين في الجنة مع جده المصطفى ص ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، سيد شباب أهل الجنة ، فهنيئا له الشهادة وهنيئا له الجنة .
ولا أملك إلا أن أقول في حق الفتن الحادثة آنذاك إلا قول الله تعالى : " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " .
والله عز وجل أعلم بهؤلاء ونياتهم ، وأهل الهوى والضلال هم الذين يعيشون على أكاذيب نسجت حول هذه الفتن حتى جعلوها عقائد من صلب الدين وأساسه .
ويا قوم ، دعوني أسألكم ما الفائدة من تجديد تلك الآلام والفتن التي لم نحضرها ولم نعلم بحقيقة الأمر فيها ؟ إن الله عز وجل لم يلزمنا بالبحث عنها ، بل أمرنا بعبادته وحده واتباع نبيه ، واتباع سبيل أصحابة ، وحب ومودة آل بيته ، فهل يمكن أن يجمعنا ذلك بدلا من الفرقة والاختلاف الذي لا يأتي إلا بشر وفساد وفتنة ؟
 
أحدهم :
لا يصلح هذا الأمر ، فالولاء لآل بيت النبوة عليهم السلام يوجب البراءة من أعدائهم ، ولا تصح المحبة إلا ببغض أعدائهم ، وأعداؤهم هم الصحابة الذين تترضى أنت عنهم .
 
العبد لله :
أتدرون من أعداؤهم ؟ هم المغالون فيهم والمغرورون بهم ، والذين ملهم من قبل الإمام علي رضي الله عنه ، والذين طعنوا وجرحوا من قبل الإمام الحسن رضي الله عنه ، والذين أغروا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما أن يقدم إليهم ، ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه الزاهدين .
أتدرون من أعداؤهم ؟ إنهم الذين يشتمون ويلعنون أخص أل بيت النبوة : الصديقة عائشة والصوامة القوامة حفصة رضي الله عنهما ، وهما من زوجات النبي وأهله وحرماته
أتدرون من أعداؤهم ؟ إنهم الذين يسبون ويكفرون الأصحاب الذين أحبوا آل البيت وودوهم وكانوا جميعا يدا واحدة لناء مجد الدين ونشر رسالته .
هؤلاء يا قوم هم أعداؤهم ، وإني أبرأ إلى الله تعالى من هؤلاء الأعداء المتسترين بلباس الحب والمتسربلين بشتى خصال الكذب والنفاق والسباب واللعن .
 
أحد الجالسين :
لقد وصلنا إلى طريق مسدود لا يجدي مع النقاش ، احتملنا منك كل شيء ، ولكن ترضى عن معاوية وعن يزيد وعن بني أمية ، معناه إنه لا حاجة للنقاش أصلا ، والأمور كلها أصبحت واضحة .
 
العبد لله ( وقد أحسست أن الوقت ضاق وأن الفجر قد اقترب موعده وأنه ينبغي أن أحزم بعض الأمور ) فقلت :
يا قوم ، ليست القضية الأصلية في يزيد وحال يزيد ، ولكن موقفكم من صحابة النبي ص يثر نفسي الشك (1) في مدى التزامكم بدين الإسلام كله .
ــــــــــــ
(1) موقفهم من الصحابة هو عين الكفر والضلال ، وماذا يكون الكفر إن لم يكن تكفير أصحاب النبي ورد الآيات والأحاديث التي تثني عليهم كفرا ، ولكني قلت ذلك من باب الاستمرار في المناقشة .
 
إن المتواتر عندنا وعندكم أن الذي جمع المصحف هم : أبو بكر وعمر وعثمان ، وأنتم تجعلون هؤلاء هم أئمة الكفر والضلال والردة ، وهذا يجعلنا عند مفترق الطرق ، ويجعلنا أمام قضيتين متناقضتين لا تتلاءم إحداهما مع الأخرى .
 
العبد لله يقف على قدميه وذلك بعد أن كان جالسا ولربما فعل ذلك ليثير اهتمام الحاضرين إلى الكلام التالي :
القضية الأولى : هي الموقف من الصحب الكرام .
والقضية الثانية : هي الموقف من القرآن الكريم .
والقضيتان متداخلتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى بحال ، وذلك لأن القضيتين متداخلتان ، تبنى إحداهما على الأخرى ، وتنبثق إحداهما من الأخرى .
فإما أن نجزم بكفر الصحابة وارتدادهم ، وفي نفس الوقت نجزم بتحريف القرآن ، وذلك لأنهم هم الذين جمعوا القرآن وكتبوه في المصحف ، ولا يؤتمن الكفار على كتاب الله ، فالحاصل أن هؤلاء المرتدين وحاشاهم من ذلك حرفوا وبدلوا وأتوا بآيات تذكر فضلهم وتؤيد الثناء عليهم ، وألغوا من القرآن كل ما فيه ذكر فضل غيرهم ، وآنذاك يكون الصحابة كفارا وحاشاهم من ذلك والقرآن الكريم محرفا وحاشاه من ذلك (1) .
ـــــــــــــــ
(1)  إن المسلم ليستحي من هذا الكلام وطريقته ، ولكنها المناظرة التي تحتاج معها أحيانا إلى متابعة الخصم حتى تجهز عليه .
 
وإما أن نجزم بسلامة وصيانة القرآن الكريم ، وأنه محفوظ من التبديل والتحريف ، وآنذاك نشكر لمن جمعوه صنيعهم ونعرف لهم فضلهم وسابقتهم ، لا سيما وأن المصحف المحفوظ يثني عليهم ويترضى عنهم .
وهكذا نجد الانسجام الصحيح الذي يقبله كل ذي عقل صحيح .
ونحن الآن وأنتم على مفترق الطرق :
·   إما أن تجزموا بكفر الصحابة وردتهم وهذا الذي تفعلونه الآن  وتجزموا مع هذا بالقول بتحريف القرآن وتبديله والحذف منه والزيادة فيه  وهذا ليس بجديد على غالب أئمتكم وعلمائكم - .
وآنذاك فليس لكم من ديننا نصيب ، وليس لكم في الإسلام أدنى سهم ، وقد بان لكل ذي عينين حالكم (1) .
ـــــــــــــ
(1)    والله إن أمر تكفيرهم للصحابة بمفرده لا يجعل لهم في الإسلام سهما ولا نصيبا ، وكيف لا ؟ ومجرد تفسيق الصحابة يعتبره علماؤنا كفرا وردة وزندقة وإلحادا ، فما بالنا بقوم يكفرون الصحابة ويسبونهم ويلعنونهم ، ويجعلون ذلك هو دينهم ؟ ! ويا للعجب ! فدين كهذا لا يتقربون به إلا إلى شيطانهم الرجيم ، فإنهم قد اتخذوا الشيطان وليا والهوى غلها يعبدونه من دون الله .
والذي أدين به لله أن هؤلاء كما رأيتهم شر على الأمة من الملاحدة والزنادقة وكافة أهل التبطن الملحدين من القرامطة والشيوعيين والحشاشين . 
 
·   وإما أن تجزموا بحفظ القرآن وسلامته ، وتشكروا للصحب الذين جمعوه صنيعهم ، فتثنوا عليهم وتترضوا عنهم ، لا سيما والقرآن المحفوظ يثني عليهم ويترضى عنهم .
·   وآنذاك تكونون من المسلمين ، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم ، ولكن بجانب ذلك يهدم الأصل الضال الذي بنى عليه أسلافكم دين الإمامية ، والذي يتمثل في تكفير الصحابة والحكم بردتهم .
 
أيها الحاضرون :
نحن الآن أمام مفترق الطرق ، فإما أن تختاروا الإسلام والإيمان وحفظ القرآن وسلامة الصدر تجاه الأصحاب الكرام . وإما أن تختاروا الكفر والبهتان وتحريف القرآن وتكفير الصحب الأبرار .
 
أحد الجالسين ( ويبدو وكأنه في الرمق الأخير ) :
ليس هناك يا شيخ تلازم بين الأمرين ، فالقرآن تولى الله حفظه بنفسه ولا دخل للأصحاب فيه ، والصحابة ارتدوا بعد نزول القرآن واكتماله وموت النبي ص .
والقرآن كان مجموعا على عهد النبي ص ، وقد جاء في الحديث أن النبي ص في غدير خم رفع المصحف بيده وقال : " تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وعترتي " .
فهذا دليل على أن المصحف كان موجودا قبل موت النبي ص ، وعلى ذلك فالصحابة لم يجمعوا كتاب الله وليس لهم فضل ذلك أبدا .
 
العبد لله :
يذكرني هذا المتكلم بقول أحد سلفنا الصالح رحمهم الله : " لو جادلني ألف عالم لغلبتهم ، ولو جادلني جاهل لأتعبني " .
والتعب الناشىء من مجادلة الجاهل ، هو أنك تحتار في إيجاد المداخل العلمية فقناعه ، حيث هو لا يعرف شيئا عن المتفق عليه والمختلف فيه ، ولا يعلم شيئا عن المتواتر وغيره ، ولا يفقه شيئا في الأصول ، بل لا يعرف ما يضره مما ينفعه ، ولا يعي ما يقول ولا يفقه ما يسمع .
وإنني لأتأسف أن يصل النقاش بنا إلى هذا الحد من الجهل والإسفاف ، والشاهد أقول للسائل أو المتكلم آنفا :
إن المتواتر عندنا وعندكم والذي لا يقبل الجدال ولا النقاش عند العلماء هنا وهناك : أن المصحف قد قام بجمعه وكتابته بين دفتي المصحف صحابة رسول الله ص ورضي الله عنهم أجمعين .
والثابت والمتواتر عندنا وعندكم أن الذي أشار بجمعه أولا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فأمر بجمعه أبوبكر رضي الله عنه ، وجمع آنذاك في السعف والخشب والجريدة والحجر وخلافه .
فلما كان عهد عثمان رضي الله عنه أمر بنسخه في المصحف ، ثم نسخ منه أربع نسخ أرسلها إلى الأمصار العظيمة ، وأرم بحرق ما سواها حتى لا يختلف الناس في القرآن.
وعلى ذلك ، فجمع المصحف ذهب بأجره وفضيلته أئمة الصحابة الكبار الخلفاء الراشدون : أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنه وأرضاهم .
والثابت والمتواتر عندنا وعندكم أن المصحف الموجود اليوم هو نسخ تام لمصحف عثمان الذي جمعه بين الدفتين ، وهو عندنا لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا واحدا عما جمعه عثمان رضي الله عنه ، واجتمع عليه الصحب الكرام رضي الله عنهم ، ولهذا يسميه الناس اليوم المصحف العثماني ، نسبة إلى أن الذي جمعه عثمان رضي الله عنه .    
 
وأقول للأخ المتكلم بغير علم :
ارجع إلى الحديث الذي تفوهت به لا تجد أبدا في أي من رواياته الصحيحة أن النبي ص قد أمسك مصحفا وأشار إليه ، وكيف يمسك المصحف والقرآن ما زال يتنزل ولم يكتمل بعد ، إذ الوحي كان ينزل على الرسول ص منجما مفرقا ، وإنما عرف الصحابة ترتيب السور والآيات من خلال العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ص على جبريل عليه السلام قبل وفاة النبي والتحاقه بالرفيق الأعلى .
 
وأقول لهذا الأخ :
إنك بادعائك هذا تنسف جانبا عظيما من روايات ومعتقدات الإمامية الإثني عشرية التي تدين أنت بها .
حيث فاحت وطفحت كتبكم بروايات تزعم أن الإمام عليا رضي الله عنه اعتكف ستة أشهر بعد موت الني ص في بيت فاطمة رضي الله عنها ليتفرغ لجمع القرآن وكتابته .
وروايات عديدة أخرى أنه رضي الله عنه لما فرغ من جمعه وكتابته ذهب به إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ليأخذوا به ، فأبيا عليه ذلك وقالا له : نحن نجمع القرآن ، فأقسم لهما أنهما لن يروا هذا المصحف أبدا ، وأن هذا المصحف لن يخرج ولن يظهره سوى القائم من ولد علي آخر الزمان ، هكذا زعمت كتبكم ورواياتكم .
 
فبماذا نأخذ ؟ !
أنأخذ بقول علمائكم ، مع ما فيه من الفساد البين الواضح حيث يلقي قولهم هذا شبها عظيما على صيانة القرآن ، ويشير إشارات قوية إلى تحريفه وتبديله ، وحيث يلغي الحكمة العظيمة التي من أجلها نزل القرآن ، وهي أنه هدى وبشرى وموعظة ونور وهداية للمسلمين جميعا ، وتبيان لهم لكل شيء فيه فلاح الدارين ، فهم يؤخرون بقولهم السابق كل هذه الحكم ، ويجعلون القرآن في حكم الغائب والمختفي عن الناس من وقت موت النبي ص وإلى ظهور الغائب آخر الزمان .
أم نأخذ بقول هذا الأخ المتكلم آنفا ، مع ما فيه من الجهل المبين والمغالطة المفضوحة ، والكذب على رسول الله وادعاء إمساكه لمصحف لم يمسكه ولم يعلم بإمساكه له أحد سوى هذا الأخ المتكلم ، ومع ما فيه من مخالفه الآثار الثابتة والمتواترة عندنا وعندكم ، والمخالفة لأقوال العلماء عندكم قبل مخالفته لأقوال العلماء عندنا .
أم نأخذ بالحق المبين والهدى والنور والصراط المستقيم ، وهو أن الذي جمعه كما اتفقنا هم صحابة رسول الله ص الكرام البررة الصادقون المفلحون ، وكان على رأسهم أئمة الإيمان والإحسان : صديق الأمة الأكبر ، وفاروقها الأعظم ، وذو النورين الخليفة الراشد عثمان الذي كانت تستحي منه ملائكة الرحمن . وما داموا هم الذين جمعوه فعليهم من الله الرضوان ولهم منا الثناء والدعاء ، وهذا حقهم وفضلهم ، وما كانوا عليه من الفضل أكثر .
والوقت قد تأخر فأعود فأقول :
خلاصة الأمر :
نحن الآن أمام مفترق الطرق ، طريق الإسلام وطريق الكفر ، طريق الهداية وطريق الضلال ، طريق الصدق وطريق الكذب والخب (1) والخيانة ، طريق الحق ، وطريق الباطل.
ــــــــــــ
(1)     ليتني ما ذكرت هذه الكلمة ، وذلك لأن عندهم حديث يعظم الخب ، فقد روى الكليني في أصح كتبهم وهو الكافي جـ 2 /269 " عن أبي عبدالله ، قال : والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخب " وانظر وحق لك أن تتعجب كيف جعلوا الخب والذي هو الخبث واللؤم والخديعة دينا يقربهم إلى إلههم وهو لا شك شيطانهم الرجيم الذي يعبدونه ، وقد قال تعالى : " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون * هذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون " .
قلت : سبحان الله ! والله لكأنها نزلت في هؤلاء القوم الذين أضلهم الشيطان فأطاعوه وعبدوه من دون الله ، ويم القيامة يصلون جهنم بما افتروا في حق صحابة النبي الكرام البررة رضي الله عنهم وأرضاهم ، إلا أن يتوب الله عليهم فيتوبوا .
 
فإما أن نجزم بحفظ القرآن وسلامته ونشكر للصحب الذين حفظ الله تعالى القرآن على أيديهم وبجهودهم ، وهذا هو طريق الحق وطريق الهداية وطريق الإسلام والإيمان والإحسان .
وإما أن تجزموا بكفر الصحابة وردتهم وتجزموا معه بتحريف الكتاب الذي جمعوه ، وآنذاك يحق لكم أن تسبوهم وتلعنوهم ، ولكن فلتعلموا أن هذا هو طريق الكفر والضلال ، وطريق جهنم وبئس المصير .
وقد بينت لكم بحمد الله تعالى الطريقين ، فاختاروا ما شئتم ولكن لا تلوموا إلا أنفسكم ، فإن الله تعالى بين لنا طريق الرشاد وبين لنا طريق الضلال ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم .
قلت هذا الكلام ، ثم هممت بالانصراف ، لأن أذان الفجر قد سبق ونحن بين الأذان والإقامة .
وإذا بصاحبي الذي أرغمني أول مرة على حضور تلك المناظرة يقف ثم يقول :
جزاك الله خيرا يا أبا عبدالله " يقصدني لأن تلك كنيتي " ، والحمد لله الذي أظهر على لسانك الحق وأزهق الباطل مصداقا لقول الله تعالى : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .
ثم التفت إلى الحاضرين قائلا :
لقد رافقتكم طيلة أربعة أشهر ، وسمعت لكم فيها ، فاسمعوا لي الآن ، لأنني بعد اليوم لا أعرفكم ولا تعرفوني .
لقد عاشرتكم طيلة الشهور السابقة فعرفتكم شياطين الإنس تشككون المرء في دينه ، وتخرجونه من يقينه في الله وفي رسوله وفي صحابة رسوله إلى شكه في كل ما حوله .
عرفتكم تخرجون المرء من سلامة صدره لعباد الله المسلمين إلى سوء الظن بهم ، وعرفتكم تخرجون المرء من حسن خلقه إلى سوء الخلق وإلى السباب واللعن والشتيمة .
وكنت خلال تلك الأيام التي عرفتكم فيها ويا ليتني ما عرفتكم أتمنى لو لم تلدني أمي ، ولم أخرج إلى هذه الدنيا ، فقد حولتموها إلى شك وحيرة وتيه وضلال .
والآن ، وبعد أن انزاحت الغمة عن قلبي والغمامة من أمام عيني ورأيتكم على حقيقتكم دون زيف أو تقية أو خداع .
والآن أقول لكم : يا قوم إن الدين عبادة وخلق وليس سبابا وشتيمة ، وأقول لكم : إن الدين صراحة ووضوح وليس كذبا ونفاقا وخديعة ، وأقول لكم : إن الدين شجاعة وإقدام وليس جبنا وخيانة ، وأقول لكم : إن الدين قرآن وسنة ، وليس أساطير وروايات وأكاذيب وخزعبلات .
وأقول لكم : إن هذا المكان الذي تجلسون فيه أبعد ما يكون عن هدي بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، لقد ملأتموها صورا ورسومات حتى صارت كالكنائس التي يجلس فيها النصارى الضالون .
ثم نظر إلى أحد الجالسين وقال له : يا فلان ، إن الله قد أزال شكي باليقين والإيمان وإني لأرجو لك من فضل الله ما أرجو لنفسي فانج بنفسك وتعال معنا ولا تكن مع الكافرين .
ثم التفت إليهم ثانية وأقسم بالله : لا أعرفكم ولا تعرفوني ولا أساكنكم في مساكن ولا تساكنوني .
ثم مد يده إلي وقال : يا من أحياني الله به بعد موتي ، وأنقذني الله به بعد قرب هلاكي ، هيا بنا حتى نخرج من تلك الكنيسة .
وعند الباب ، لما رأى السماء قال : الحمد لله الذي أخرجني من الظلمات إلى النور .
وكان لا يزال ممسكا بيدي قابضا عليها فقلت له : هيا إلى صلاة الفجر ، فإني أسمع إقامة الصلاة . وبعد الصلاة وختم الصلاة وخروج المصلين ، ونحن لا نزال جالسين التفت إلى صاحبي وقال لي :
ما رأيك في هؤلاء ؟ أكفار هم أم مرتدون ؟
فتبسمت ، وقلت له : بل هم كفار زنادقة ، كفرهم مركب ، وزندقتهم ظلمات بعضها فوق بعض ، نسأل الله السلامة .
فتبسم صاحبي وقال متعجبا :
كفر مركب ! وزندقة بعضها فوق بعض ! !   
فقلت له : نعم وأكثر ، إن مذهب الإمامية الجعفرية " الإثني عشرية " حرص أهله أشد الحرص على أن يجمعوا له :
كل كفر تفوهت به الأمم الكافرة ، وكل شرك وقعت فيه الأمم الوثنية المشركة ، وكل غلو وقعت فيه اليهود والنصارى ، وكل زندقة وانحلال تفوهت به فرق التبطن والإلحاد ، وكل ضلال تفوهت به فرق الضلال .
أخذوا من اليهود خستهم ، ومن النصارى غلوهم وضلالهم ، ومن المجوس جل معتقداتهم في الأئمة ، ومن الملاحدة تقيتهم ونفاقهم .
وأخذوا عن الجهمية تجهمهم ، وعن القدرية بدعتهم ، وعن المعتزلة اعتزالهم ، وعن الخوارج حمقهم وتسرعهم ونزقهم .
وهم قول لم يدعوا ضلالا إلا وتلقفوه ، ولا جهلا وخرافة إلا واعتقدوها ، ولا غيا وخسة وخيانة إلا تدثروا بها ، ولا غلوا إلا وأخذوه   

عدد مرات القراءة:
6498
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :