آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 10 رجب 1444هـ الموافق:1 فبراير 2023م 09:02:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

شحاته صقر ..
الكاتب : شحاته صقر ..

أمُّنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها بَيْنَ حُبِّ النَّبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وبُغْض الشّيعَة 
جمع وترتيب: شحاته صقر


راجعه وقدّم له: أ د أنور السنوسي 

رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية بدمنهور

الإهــــــــــداء

إلى 

أمِّي عائشة رضي الله عنها

ألاَ يَــــــــــــــــــــــــا دُرَّةً زِينَتْ                بآثـــــــــــــــــــار الميامين ( )

حبيبةَ حِبِّنا الغـــــــــــــــالي              وحصنَ عفاف ذا ( ) الدينِ

 ألاَ يا عـــــــــــــــــــرضَ أمّتِنَا              ويا فخــــــــــــــــــــرَ الملايينِ 

كتبْتُ البحثَ أمدَحُكم      وأدفعُ طـــــــــــــــعن سِكّينِ

أنير الدرب للأعــــــــــــــــمى              وتجْلــــــــــــــــــــوه براهيني

أرادوكِ ببهــــــــــــــــــــــــتانٍ                        يَشِينُ الطُـــــــــــــهْرَ يُرْدِينِي

أرادوا الطــــــــــــهر بالرجس            فلاقَتْه براكــــــــــــيني ( )

أرادوا قلعـــــــــــــــــــــةً بُنِيَتْ                      بإتقـــــــــــــــــــــانٍ وتمكينِ

حَبَاها أحمـــــــــــــــدُ الهادي                      بإكــــــــــــــــــــــرامٍ وتلقينِ

فردَّ اللهُ كـــــــــــــــــيْدَهُمُو                              بخـــــــــــــــــزيٍ زِينَ بالطينِ 

حَماكِ طُهْــــــــــــرَنا العالي                          حمى الله شـــــــــــــــراييني

أفاق الغُــــــــــــــــــــرُّ وانتبهوا                            لمكرٍ غيــــــــــــــــرِ ميمونِ

أيُثْلَمُ عِــــــــــــــــــــرضُ أمَّتِنَا                              أتُشْتَمُ مَن تُزَكّــــــــيني ( )

أنا يا أمّ تـــــــــــــــــــــــــــــوَّاقٌ                                      لبَـــــــــــــــــذل الروح للدينِ 

فداكِ جُــــــــــــــثتي  تُلقَى                                ممـــــــــــــــــــزّعةً فيحييني 

إله الكـــــــــون في الجناتِ                              يطعـــــــــــــــــمُني ويسقيني

متى يا مجــــــدنا الخالي ( )                              تعــــــــــــــود كيوم حطينِ 

ألا يا مجـــــــــــــــــــــــد أمتنا                                      متى تعـــــــــــــــــلو فتَرْوِيني 

حياضُ العِــــــــــــزّ في غَدِنَا                          فيُســـــــحَقُ كلُّ مأفونِ ( )

أجاب المجـــــــــــــــــدُ سائلَه                                أعــــــــــودُ بصحبةِ الدينِ

ابنكم الفخور بكم

أبو عائشة 

شحاتة محمد صقر

ظ 

الأستاذ الدكتور  أنور السنوسي 

رئيس قسم اللغة العربية 

بكلية التربية بدمنهور

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وعلى أزواجه وذريته وآل بيته وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد

فلا يزال رب العزة والسلطان والقهر والجبروت يدافع عن الذين آمنوا ، ويردّ عنهم حملات المسعورين والموتورين ، ويضرب الذلة والصَّغَار على الشانئين والحاقدين ، الذين يريدون النَّيْلَ من قمم الإسلام الباذخة وصخراته الشامخة فلا يضيرونها مثقال ذرة ، ولا يُوهُون إلا قرونهم الغاشمة ، ولا يفلّون إلا أسلحتهم القميئة ، وأصواتهم الرديئة ، ولا يأكل البغض إلا صدورهم البائسة وقلوبهم المريضة.

ولا يزال أصحاب النبي ص ورضي الله عنهم أجمعين ، يتجدد لهم الأجر في قبورهم بهذه الجهالات ، ولا يزال الصدّيق والفاروق وابنة الصدّيق الطاهرة البتول كلما نبشوا تاريخهم يطلبون سوأةً انبعث العبق وانتشر العطر ، وازداد الجوهر النقي صفاءً ونقاءً وبريقًا ، يفرح به المؤمنون ويُكبَت به الحاسدون وأصحاب الأنوف المزكومة والأعين العمياء.

وفي كل عصر يقيّض الله تعالى مَن يسلّ الصارم المسلول على من ينال حبيبة الرسول ص ، ومن هؤلاء الأكارم أخونا الشيخ شحاتة صقر - حفظ الله قلبه ولسانه وقلمه - الذي انبرى من قبل يردّ جهالات الشيعة ، ويدافع عن معاوية ت. وهو يهب الآن ليذود عن حوض أمنا أجمعين ، ويقدم هذا الجهد المتين ، ويطوف على مصادر استغرق حصرها نحو عشر صفحات من الكتاب ناهيك عن قراءتها واستخراج الحجج منها والشُبَهِ الباطلة ، يضرب هذه بتلك ليقدم آيات الحب والولاء لنبيه ص وأزواج نبيه  .

وأكبر من جمع المصادر ذلك الجهد الذي بذله في تصنيف هذه المادة العلمية الغزيرة إلى أربعة عشر فصلًا ، كل فصلٍ منها مليء بالمباحث الفرعية المدعومة بحشد من الأدلة ذوات المناطات المتشابكة الحرجة الدقيقة المسلك.

وقد بدأ بفصلين في ترجمة أمنا عائشة ل وبيان فضائلها ، ثم خصص فصلًا لكيفية قراءة التاريخ قراءةً صحيحة تدحض الشبهات ، وتعتمد على المصادر النقية ، وتحذر من الأخرى المشبوهة والمُغرضة والحاطبة بليل والجامعة بين حُسْن النية وقصور العلم.

ثم جعل فصلًا لقطوف من حياة أمنا عائشة ل لخص فيها تعظيمها لأوامر الله ، وورعها ، وزهدها ، واجتهادها في العبادة ، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ، وخصالًا أخرى عدّدها مشكورًا.

وجعل فصلًا آخر لغيرة عائشة ل والشبهات حولها ، وفصلًا لروايات غير صحيحة في كتب السنة ، وفصلًا مثله لكتب الشيعة ، وهذا من عدل الشيخ شحاتة ، أن يبدأ بغير الصحيح في كتب السنة قبل كتب الشيعة.

ثم يتحدث عن علاقتها الحسنة بعلي وفاطمة ب ، ليكون ذلك مدخلًا لحديثه عن موقفها  مع عليٍّ ت في وقعة الجمل ، واجتهادها المأجور في ذلك وإن أخطأت.

ثم يكشف الشيخ شبهات الشيعة حول عائشة ل ويبين إيجابيات الإفك القديم والجديد حول البتول.

ويختم هذا التطواف بأقوال عائشة ، والأقوال عنها ، ومدائح الشعراء لها ل.

وإني إذ أثْني على هذا الجهد ثناء القارئ الهاوي ، لا ثناء الحاكم الجدير بالحكم على أهل العلم ، فإني أحيل الشيخ إلى أهل الذكر ليقدروا هذا الجهد حق قدره ، وأكتفي بتقديم عُذْر الشيخ في بعض الملاحظات التي أبديتها ، فإن الكتاب أعِدَّ في فترة حرجة وشواغل جمة ، يمكن إذا فرغ منها أن يخرج الكتاب في حُسْنٍ أبهى من حُسْنه ، وإحكامٍ أشدّ من إحكامه.

وفق الله الشيخ وشكر له ثقته في كاتب هذه السطور. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد عبده ورسوله.

ظ

الحمد لله الذي جعل فَضْل عائشة ل على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ، وأعْلَى أعلامَ فتواها بين الأعلام ، وألبَسَها حُلَّةَ الشرف حيث جاءَ إلى سيد الخلق الملَكُ بها في سَرَقَةٍ من حرير في المنام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنْظمُنا في أبناء أمهات المؤمنين ، وتهدينا إلى سنن السنة آمنين.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي أرشد إلى الشريعة البيضاء ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صباحَ مساء.

وعلى أزواجه اللواتي قيل في حقهن: ( ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ) ( ) ، صلاة باقية في كل أوان ، دائمة ما اختلف الـمَلَوَان ( ). 

أما بعد

فقد قال تعالى عن المشركين: ( ﮎ  ﮏ  ﮐ       ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ ) (البقرة:217) ، قد تتغير وسائلهم وقد تخفى على البعض ، لكنهم مُصِرُّون على حرب المسلمين وفتنتهم عن دينهم ، ولكن هناك حرب أكثر خطورة ، تلك الحرب التي تأتي من بني جِلدَتِنا ، ممن يتكلمون بألسنتنا ويدَّعون الانتساب إلى ديننا فهؤلاء فتنتهم أكبر ، وتزداد ضخامتها عندما تُوَجّه إلى قلب الأمة تبتغي لرموزها تحطيمًا ولثوابتها تهشيمًا.

ولعل هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر: 

هَذَا النَّبيُّ وكانَ صَــــــــفْوَة َ رَبهِ      منْ بينٍ بادٍ في الأنامِ وقــــــارِ

قدْ خصَ منْ أهلِ النفاقِ عصابة  ً وهمْ أشدُ أذى ً منَ الكـــــــفار

كادُوا النُّبُوَّة َ والهُـدَى فتَقطَّعَتْ أعناقهمْ في ذلكَ المضــــمارِ

جَهِلُوا فلم يَسْتَكثِرُوا مِنْ طاعة معروفة ٌ بعمارة ِ الأعمـــــــــــارِ

وإن حادثة الإفك المعاصرة ضد أمنا عائشة الطاهرة الـمُبَرَّأة من فوق سبع سماوات لَتُوجب علينا اليقظة للمكائد التي يدبرها مَن لم يُمْكِنْهم الطعن في سيد البشرية ص فطعنوا في صحابته حتى يقال رجل سوء ولو كان صالحًا لكان أصحابُه صالحين ، بل طعنوه ص في عرضه باتهام أحب الناس إليه ـ أم المؤمنين عائشة ل  ـ بالزنا ، نفس التهمة التي أطلقها المنافقون الأُوَل محاولين الطعن في عرضه ص، وبالتالي الطعن في دينه ، فرَدّ الله كيدهم إلى نحورهم وأنزل في براءتها قرآنًا يُتلَى.  

لقد أصدر أهل الإفك المعاصرون أحكامًا قاطعة بأن عائشة ل  هي عدوة الله وعدوة رسوله ص ، وأنها في النار بل في قعر النار معلقة من رجليها وتأكل الجيفة!! ، وأنها سيدة نساء النار ، وأقسموا أنها الآن تعذب العذاب الشديد ، وقال بعضهم شعرًا في الصِّدِّيقَة ل  تكاد تخر الجبال منه هدًّا ، يتهمونها فيه بالفاحشة ، ويمطرونها بدعوات اللعن والعذاب. 

وافترَوا عليها أنه يصعب تعداد جرائمها في حق الإسلام والمسلمين، وأن أبشع هذه الجرائم قَتْلُ رسول الله ص ، والمشاركة في الانقلاب على علي ت والخروج عليه ومحاربته، وإيذاؤها فاطمة ل  حتى أبكتها ، وابتهاجُها بموتها وبموت زوجها عليّ ب  ، ورميها جنازة الحسن ت  بالنبال، وتسببها في قتل ثلاثين ألف مسلم ، وتلويث سيرة رسول الله ص بأحاديثها المكذوبة، ورميها السيدة مارية القبطية ل  بالفاحشة.

كل تلك الاتهامات لفّقوها بلا دليل  أو سند صحيح أو مصدر معتمد لدي أهل السنة.

ولكن يُصَبِّر المسلمين الذين آلَمَهم افتراءُ أهل الإفك المعاصرين  ما قاله الله ـ: عندما افترى أهل الإفك والنفاق الذين اتهموا أمَّنا عائشة ل  على عهد رسول الله ص: ( ﭑ       ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ   ﭨﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ    ﭭ  ﭮ     ﭯ  ﭰ  ﭱ  ) (النور: ١١).

فقد ردَّ الله ﻷ كيدَ أهل حملة الإفك المعاصرة إلى نحورهم فاستنارت قلوبٌ كثيرة بمنهج أهل السنة ، وازداد وعيُ المسلمين بمكانة أمهم ، وانكشف وهم التقريب بينهم وبين مَن يطعنون في النبي ص وزوجاتِه .

وإن موقف الناطحين لجبَل الطُّهر عائشة ل  لَيُذَكّرنا بقول القائل: 

يا نَاطِحَ الـجَبَـــلَ العالي ليَكْلِمَه          أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الـجَبَلِ

فلم تستطع قرونُهم الكليلة النَّيْل من هذا الجبل.

كناطحٍ صخرةً يومًا ليَفْلِقَها         فلم يَضِرْها وأَوْهَى قَرْنَه الوَعلُ

بل إن الجبل قد ازداد شموخًا ، وهبَّ للدفاع عنه مِن أبنائه جنودٌ العلم سلاحهم ، والحب حاديهم ، فأفاق كثيرون لكيد الناطحين ، فتحدث المحبون من فوق المنابر وفي الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية منافحين عن أمهم الغالية مُظْهِرين استعدادهم للتضحية بأنفسهم وأموالهم في سبيل الذَّبّ عن عرضهم ـ عِرضها وعِرض زوجها ـ حبيبهم ص، وقد أنشأ بعض المسلمين مواقع باسمها على الشبكة العنكبوتية ، ولعل ذلك وغيره من بركات أمنا عائشة ل فهي المباركة التي ـ كما قال أسيد بن حضير  ت ـ :« ما نَزَلَ بِها أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَها مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً »( ).

ولم تستطع أفواه الناطحين الضعيفة إطفاء قنديل قد أوقده محمد ص وربّاه ، بل ازداد توهُّجًا بعد توهج ،  فلا يضر السحابَ نبحُ الكلاب ، ولن يضير السماء نقيق الضفادع. فــ ( ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  ) (النور: ١١). 

وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ طُوِيَتْ           أتاحَ لها لســانَ كلّ حســــــودِ

ولقد هالَني وآلمني كَثرة الروايات المكذوبة على أمنا عائشة ل والموجودة في بطون كتب التاريخ التي تُحسب على أهل السنة وكذلك التي تَنْضَح بها كتب الشيعة ، فتراهم يستغلون كل رواية مكذوبة للطعن فيها ، وإن لم يكن فيها ـ على كذبها ـ ما ينشدونه من الطعن ، بل يستغلون كل رواية صحيحة تشمّ منها أنوفهم المريضة رائحة خطأٍ لينسبوا لها من العيوب ما اشتهت أنفسهم. 

ولكن الْحَقّ أَبْلَجُ وَالْبَاطِل لَجْلَجُ ، ومن هنا كان هذا الكتاب لبيان فضائل أمِّنا المباركة عائشة ل ولكشف شبهات مُبغضيها ، وهذا هو جهاد اللسان حتى يعود للإسلام عزّه فتُقْطَع ألسنة الطاعنين ، ويكونوا عبرة لمن يعتبر.

وفي الختام أشكر للأستاذ الدكتور أنور السنوسي ما قام به من جهد وما انتزعه من وقته الثمين في مراجعة هذا الكتاب ؛ فجزاه الله عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، وأسأل الله ﻷ أن يبارك له في علمه وعمره وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.

كما أسأله ـ أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

شحاتة محمد صقر

[email protected]

[email protected]

 

أمُّنا عائشة ل 

 k ( )

• هي أم المؤمنين عَائِشَةُ حبيبة الحبيب وأليفة القريب ، سيد المرسلين محمد الخطيب ص ، المطهرة من العيوب ، المحصنة من ارتياب القلوب لرؤيتها جبريل رسول علام الغيوب ، الصَدّيقة بنت الصِدّيق العَتيقة بنت العتيق ، بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيْقِ الأَكْبَرِ، خَلِيْفَةِ رَسُوْلِ اللهِ ص أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بنِ عَامِرِ بنِ عَمْرِو بنِ كَعْبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيَّةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ص، وَأَحَبُّ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ، الْـمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، ل.

• أَفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلاَقِ.

• وَأُمُّهَا: هِيَ أُمُّ رُوْمَانَ بِنْتُ عَامِرِ بنِ عُوَيْمِرِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَتَّابِ بنِ أُذَيْنَةَ الكِنَانِيَّةُ.

• وَعَائِشَةُ ل  مِمَّنْ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ، وَكَانَتْ تَقُوْلُ:« لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِيْنَانِ الدِّيْنَ »( ). 

• هَاجَرَ بِعَائِشَةَ أَبَوَاهَا، وَتَزَوَّجَهَا نَبِيُّ اللهِ ص قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيْقَةِ خَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيْلَ: بِعَامَيْنِ.

• وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، مُنَصَرَفَهُ ص مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ ؛ فَرَوَتْ عَنْهُ: عِلْمًا كَثِيْرًا، طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيْهِ.

• تَزَوَّجَها النَّبِي ص وَهي بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ، ودخل بها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ( ). 

• وَكَانَتِ امْرَأَةً بَيْضَاءَ جَمِيْلَةً، وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ لَهَا: الحُمَيْرَاءُ ( ).

• وَلَمْ يَتَزَوَّجْ رَسُولُ الله ص بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَاجِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا.

• وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ غَارَ اللهُ لَهَا، فَأَنْزَلَ لَهَا بَرَاءَتَهَا فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ تُتْلَى عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ. 

• وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا.

• مُسْنَدُ عَائِشَةَ ل : يَبْلُغُ أَلْفَيْنِ وَمائَتَيْنِ وَعَشْرَةِ أَحَادِيْثَ ، اتَّفَقَ لَهَا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى: مائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَسَبْعِيْنَ حَدِيْثًا ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِيْنَ ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّيْنَ.

• كانت تُكَنَّى بأم عبد الله ، كنَّاها بذلك رسول الله ص بابن أختها عبد الله بن الزبير ، فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ل ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ صَوَاحِبِي لَهَا كُنْيَةٌ غَيْرِي . قَالَ: «فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ » فَكَانَتْ تُدْعَى بِأُمِّ عَبْدِ اللهِ حَتَّى مَاتَتْ( ).  

• ومَاتَ  رسول الله ص فِي يَوْمِهَا وَفِي بَيْتِهَا، وَبَيْنَ سَحْرِهَا وَنَحْرِهَا، وَجَمْعَ اللهُ بَيْنَ رِيقِهِ وَرِيقِهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ سَاعَةٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا.

• تُوفِّيت ل سَنةَ سَبْعٍ وخمسين على الصحيحِ، وقيل: سَنَة ثمان وخمسين، في ليلةِ الثلاثاء لسَبْعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضان بعدَ الوتر، ودُفنت من ليلتها، وصلَّى عليها أبو هريرة ت ، وَكَانَ عُمْرُهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وقيل:ثلاثًا وستين سَنَة وأشهرًا.

  

فضائل أمّنا عائشة ت

تسع خصال:

عَنْ عَائِشَةَ ل  أَنَّهَا قَالَتْ:« لَقَدْ أُعْطِيْتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهَا امْرَأَةٌ بَعْدَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بِصُوْرَتِي فِي رَاحَتِهِ حَتَّى أَمَرَ رَسُوْلَ اللهِ ص أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا، وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ قُبِضَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي، وَلَقَدْ قَبَرْتُهُ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتِ الملاَئكَةُ بِبَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَإِنِّي لَمَعَهُ فِي لِحَافِهِ، وَإِنِّي لابْنَةُ خَلِيْفَتِهِ وَصِدِّيْقِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً عِنْدَ طَيِّبٍ، وَلَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيْمًا» ( ).

أم المؤمنين:

ﭧ ﭨ (ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜﯝ  ﯞ  ﯟﯠ   ) (الأحزاب:6) ، وهذه تزكيةِ لأمِّ المؤمنين وبيان لمكانتِها ومكانة غيرِها من زوجاتِ النبيِّ ص. 

وعَنْ ابْنُ جُرَيْجٍ،  قال :أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ ـ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ـ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْـمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا:« أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي» ، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:...» ( ).

تزوجها النبي ص بوحي من السماء:

عَنْ عَائِشَةَ ل  قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله ص : «أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ ، رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ :اكْشِفْ. فَكَشَفَ فَإِذَا هِىَ أَنْتِ ، فَقُلْتُ إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ . ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ :اكْشِفْ . فَكَشَفَ فَإِذَا هِىَ أَنْتِ فَقُلْتُ:إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ»( ). 

من المبشَّرات بالجنة ، فهي زَوْجَة النبي ص فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ :

1- عَنْ عَائِشَةَ ل  أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِى خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبيِّ ص فَقَالَ:« إِنَّ هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ »( ). 

2- قَامَ عَمَّارٌ ت  عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ ل  وَقَالَ :«إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ص فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»( ). 

أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى رَسُوْلَ اللهِ  ص:

عَنْ أَبِى عُثْمَانَ قَالَ :حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ت  أَنَّ النَّبِيَّ ص بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟» ، قَالَ :« عَائِشَةُ ». 

فَقُلْتُ :«مِنَ الرِّجَالِ؟» فَقَالَ :« أَبُوهَا ». 

قُلْتُ:« ثُمَّ مَنْ ؟» قَالَ: « ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْـخَطَّابِ »( ). 

قال الإمام الذهبي /:«وَهَذَا خَبَرٌ ثَابِتٌ عَلَى رَغْمِ أُنُوْفِ الرَّوَافِضِ، وَمَا كَانَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ لِيُحِبَّ إِلاَّ طَيِّبًا.فَأَحَبَّ أَفْضَلَ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ، وَأَفْضَلَ امْرَأَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَمَنْ أَبْغَضَ حَبِيْبَيْ رَسُوْلِ اللهِ ص فَهُوَ حَرِيٌّ أَنْ يَكُوْنَ بَغِيْضًا إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ.وَحُبُّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ لِعَائِشَةَ كَانَ أَمْرًا مُسْتَفِيْضًا، أَلاَ تَرَاهُمْ كَيْفَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَهَا، تَقَرُّبًا إِلَى مَرْضَاتِهِ؟»( ). 

وجوب محبتها على كل أحد :

والدليل على ذلك قول النَّبيِّ ص لابنته فَاطِمَةَ ل : « أَىْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ ». فَقَالَتْ:« بَلَى». قَالَ: «فَأَحِبِّى هَذِهِ ».(يعني عائشة ل) ( ).

قال الإمام الزركشي: « وهذا الأمر ظاهر الوجوب ... ولعل من جملة أسباب المحبة كثرة ما بلّغَتْه عن النبي ص دون غيرها من النساء الصحابيات »( ). 

اختياره ص أن يمرّض في بيتها واجتماع ريقه ص وريقها في آخر أنفاسه ، ووفاته ص بين سحْرِها ونحرها في يومها ودفنه ص في بيتها:

عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عن أَبِيه ، عَنْ عَائِشَةَ ل  أَنَّ رَسُولَ الله ص كَانَ يَسْأَلُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ يَقُولَ: « أَيْنَ أَنَا غَدًا أَيْنَ أَنَا غَدًا » ، يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ ، فَكَانَ فِى بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِى الْيَوْمِ الَّذِى كَانَ يَدُورُ عَلَىَّ فِيهِ فِى بَيْتِى ، فَقَبَضَهُ اللهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِى وَسَحْرِى ، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي ، ثُمَّ قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ص ، فَقُلْتُ لَهُ :«أَعْطِنِى هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ». فَأَعْطَانِيهِ فَقَضِمْتُهُ ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ص ، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِى»( ).

قال أبو الوفا بن عقيل /:« انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب ، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة ، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلًا عن الناطق » ( ).

مَا نَزَلَ الوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ ص وَهُوَ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائه غَيْرِهَا:

عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:« كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ » ، قَالَتْ عَائِشَةُ:« فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقُلْنَ:«يَا أُمَّ سَلَمَةَ ، وَاللهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ ، وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ ، فَمُرِى رَسُولَ اللهِ ص أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ ».

قَالَتْ :فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِىِّ ص ، قَالَتْ :« فَأَعْرَضَ عَنِّى ، فَلَمَّا عَادَ إِلَىَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ فَأَعْرَضَ عَنِّى ، فَلَمَّا كَانَ فِى الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ:« يَا أُمَّ سَلَمَةَ لاَ تُؤْذِينِى فِى عَائِشَةَ ، فَإِنَّهُ وَاللهِ مَا نَزَلَ عَلَىَّ الْوَحْىُ وَأَنَا فِى لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا »( ).

قال الإمام الذهبي:« وَهَذَا الجَوَابُ مِنْهُ ص دَالٌّ عَلَى أَنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ بِأَمْرٍ إِلَهِيٍّ وَرَاءَ حُبِّهِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ الأَمْرَ مِنْ أَسْبَابِ حُبِّهِ لَهَا » ( ).

 لم يتزوج النبي ص بكرًا غيرها:

وهذا باتفاق أهل النقل ( ). 

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ل  قَالَتْ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا ، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا ، فِى أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ ، قَالَ: « فِى الَّذِى لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا » . تَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا ( ). 

أنها خُيّرت واختارت الله ـ ورسوله ص على الفور ، وكذا أزواج النبي ص كُنّ تبعًا لها في ذلك:

فعن عَائِشَةَ ل  قَالَتْ:«لَـمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ص بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِى فَقَالَ: « إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ » . قَالَتْ:«وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِى بِفِرَاقِهِ » ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ:« إِنَّ اللهَ ـ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ـ قَالَ: ﭧ (ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ            ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ  )  إِلَى (ﯨ   ﯩ ) ( ). قَالَتْ : «فَقُلْتُ:فَفِى أَىِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَىَّ ؛ فَإِنِّى أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ » ، قَالَتْ: « ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبيِّ ص مِثْلَ مَا فَعَلْتُ »( ). 

المباركة التي لم ينزل بها أمرٌ إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة:

فشُرِعَ جَلْدُ القاذف وصار باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أبواب الشريعة وكان سببه قصتها ل .

وآية التيمم نزلت بسبب عِقْدِها فعَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ص نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِى طَلَبِهَا ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبيَّ ص شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . 

فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ:« جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا ، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً»( ). 

ثناءُ النبي ص عليها: 

عن أبي موسى الأشعريِّ ت  قال: قالَ رسولُ اللهِ ص:« فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ  »( ).

قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: « قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ الثَّرِيدَ من كل طعام أَفْضَلُ مِنَ الْـمَرَقِ ، فَثَرِيدُ اللَّحْمِ أَفْضَلُ مِنْ مَرَقِهِ بِلَا ثَرِيد ، وثَرِيد مَا لَا لَحْمَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ مَرَقِهِ ، وَالْـمُرَادُ بِالْفَضِيلَةِ نَفْعُهُ وَالشِّبَعُ مِنْهُ وَسُهُولَةُ مَسَاغِهِ وَالِالْتِذَاذُ بِهِ وَتَيَسُّرُ تَنَاوُلِهِ وَتَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ مِنْ أَخْذِ كِفَايَتِهِ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرَقِ كُلِّهِ وَمِنْ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ زَائِدٌ كَزِيَادَةِ فَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ »( ).

جبريل ؛ يُقْرِؤها السلام ويوقرها:

عَنْ عَائِشَةَ ل  قَالَتْ: قال ص يَوْمًا:« يا عائِشَ، هَذا جبْريلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَم» ، فَقُلْتُ: « وَعليه السلام ورحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه، تَرَى ما لا أَرى » ، تُرِيدُ رَسُولَ اللهِ ص ( ). 

وجبريل ؛ من جملة الملائكة المأمورين بطاعة الله ـ وعدم عصيانه ، ﭧ ﭨ ( ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ   ﯠ   ﯡ  ﯢ  ﯣ   ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ   ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ  ) (التحريم:6) ، فإذن سلام جبريل على عائشة لم يكن ليحدث إلا بأمر الله ـ ، والسلام من الله تعالى يُفهم منه الرضا والقبول، فهنيئًا لأم المؤمنين ل هذه المكانة والمنزلة الرفيعة ( ).

رأتْ جبريل ؛:

عَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص لَـمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَحْزَابِ ، دَخَلَ الْـمُغْتَسَلَ لِيَغْتَسِلَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ فَقَالَ:«أَوَقَدْ وَضَعْتُمُ السِّلَاحَ ، مَا وَضَعْنَا أَسْلِحَتَنَا بَعْدُ ، انْهَدْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ » ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ ، مِنْ خَلَلِ  الْبَابِ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ»( ).

وعَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ:رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ص وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسٍ وَهُوَ يُكَلِّمُ رَجُلًا ، قُلْتُ: «رَأَيْتُكَ وَاضِعًا يَدَيْكَ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَنْتَ تُكَلِّمُهُ ».

قَالَ :«وَرَأَيْتِ؟».

قَالَتْ:« نَعَمْ».

 قَالَ :« ذَاكَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَام ، وَهُوَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ».

قَالَتْ :«وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا مِنْ صَاحِبٍ وَدَخِيلٍ فَنِعْمَ الصَّاحِبُ وَنِعْمَ الدَّخِيلُ».( ). 



كيف نقرأ التاريخ؟ ( )

إِنَّ تَارِيخَ الْـمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُ إِلَى كِتَابَةٍ جَدِيدَةِ، وَذَلِكَ بِأَخْذِهِ مِنْ يَنَابِيعِهِ الصَّافِيَةِ لَاسَيَّمَا فِي الْـمَوَاطِنِ الَّتِي شَوَّهَهَا أَهْلُ الذِّمَمِ الْخَرِبَةِ مِنْ مُلَفِّقِي الْأخْبَارِ، عِلْمًا أَنَّ أُمَّتَنَا الْإِسْلَامِيَّةَ هِيَ أَغْنَى الْأُمَمِ بِمَادَّةِ تَارِيخِهَا الَّذِي حَفِظَتْهُ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ.

وَلَقَدْ تَدَارَكَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ مِنَ الْـمُؤَرِّخِينَ الْأَخْيَارِ قَبْلَ ضَيَاعِهَا، فَجَمَعُوا كُلَّ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ أَيْدِيهِمْ مِنْ غَثٍّ وَسَمِينٍ، مُنَبِّهِينَ عَلَى مَصَادِر الْأخْبَارِ وَأَسْمَاءِ رُوَاتِهَا؛ لِيَكُونَ الْقَارِئُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا.

وَالْآنَ يَأْتِي دَوْرُنَا نَحْنُ الْخَلَفَ؛ كَيْ نَسِيرَ عَلَى خُطَى سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وَنُصَفِّيَ هَذِهِ الْكُتُبَ وَنُمَيِّزَ السَّقِيمَ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالْغَثَّ مِنَ السَّمِينِ، فَنَكُونَ بِذَلِكَ خَيْرَ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ، وَحَتَّى يَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنَّ صَحَائِفَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص كَانَتْ كَقُلُوبِهِمْ نَقَاءً وَسَلَامَةً وَطُهْرًا.

لَقَدْ بَاتَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَحْرُومَةً مِنْ أَغْزَرِ يَنَابِيعِ قُوَّتِهَا، أَلَا وَهُوَ الْإِيمَانُ بِعَظَمَةِ مَاضِيهَا، فِي حِينِ أَنَّهَا سَلِيلَةُ سَلَفٍ لَمْ يَرَ التَّارِيخُ سِيرَةً أَطْهَرَ وَلَا أَبْهَرَ وَلَا أَزْهَرَ مِنْ سِيرَتِهِ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِي التَّارِيخِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الطَّوِيَّةِ لِأَهْلِ الْحَقّ وَالْخَيْرِ، عَارِفًا بِهِمْ، وَلِمَا لَهُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالْـمَكَانَةِ، بَارِعًا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ حَمَلَةِ الْأخْبَارِ، وَتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ، أَمِينًا صَادِقًا مُتَحَرِّيًا لِلْحَقِّ.

كَيْفَ نَقْرَأُ التَّارِيخَ؟

لَابُدَّ أَنْ نَقْرَأَ التَّارِيخَ كَمَا نَقْرَأُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ ص.

وَنَحْنُ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَقْرَأَ أَحَادِيثَ الرَّسُولِ ص ؛ لَابُدَّ لَنَا أَنْ نَتَثَبَّتَ مِنَ الْخَبَرِ أَثَابِتٌ هُوَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ص أَمْ لَا؟

وَلَنْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَعْرِفَ صِحَّةَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ص مِنْ بُطْلَانِهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَى الْإِسْنَادِ مَعَ الْـمَتْنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اعْتَنَوْا بِالحَدِيثِ وَرِجَالِهِ، وَتَتَبَّعُوا أَحَادِيثَهُمْ وَمَحَّصُوهَا وَحَكَمُوا عَلَيْهَا وَبَيَّنُوا الصَّحِيح مِنَ الضَّعِيفِ، وَبِالتَّالِي نُقِّيَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِمَّا فِيهَا، أَوْ مِمَّا أُدخِلَ عَلَيْهَا مِنْ كَذِبٍ أَوْ تَدْلِيسٍ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ.

وَلَكِنَّ التَّارِيخَ يَخْتَلِفُ، فَتَارَةً نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ رِوَايَاتِهِ لَيْسَ لَهَا إِسْنَادٌ، وَتَارَةً أُخْرَى نَجِدُ لَهَا إِسْنَادًا وَلَكِنْ قَدْ لَا نَجِدُ لِلرِّجَالِ الَّذِينَ فِي إِسْنَادِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ تَرْجَمَةً، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَكَلَّمَ فِيهِمْ جَرْحًا أَوْ تَعْدِيلًا، مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، فَيَصْعُبُ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ أَنْ نَحْكُمَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ حَالَ بَعْضِ رِجَالِ السَّنَدِ.

فَالْأَمْرُ أَصْعَبُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ لَا يَعْنِي هَذَا أَبَدًا أَنْ نَتَسَاهَلَ فِيهِ، بَلْ لَابُدَّ أَنْ نَتَثَبَّتَ وَأَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَأْخُذُ تَارِيخَنَا.

وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ:

 سَيَضِيعُ عَلَيْنَا كَثِيرٌ مِنَ التَّارِيخِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ!

فَنَرُدُّ قَائِلِينَ: لَنْ يَضِيعَ الْكَثِيرُ كَمَا تَتَصَوَّرُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ رِوَايَاتِ التَّارِيخِ الَّتِي نَحْتَاجُ إلَيْهَا مَذْكُورَةٌ بِالْأَسَانِيدِ سَوَاءً أكَانَتْ هَذِهِ الْأَسَانِيدُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ نَفْسِهَا كـــ « تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ » وَ « جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ » أَوِ الْمُصَنَّفَاتِ، كـــ « مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ »، أَوْ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الَّتِي تَذْكُرُ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ التَّارِيخِيَّةِ بِالْأَسَانِيدِ كــ « تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ » وَ « تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ »، وَأَحْيَانًا فِي كُتُبٍ خَاصَّةٍ تَكَلَّمَتْ عَنْ أَوْقَاتٍ خَاصَّةٍ كَكِتَابِ «حُرُوبِ الرِّدَّةِ » لِلْكَلَاعِيِّ مَثَلًا، أَوْ كِتَابِ « تَارِيخِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ » الْـمُخْتَصَرِ.

الْقَصْدُ: أَنَّنَا لَا نَعْجِزُ عَنْ أَن نَجِدَ سَنَدًا لِرِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ.

وَإِنْ عَجَزْنَا وَلَمْ نَجِدْ سَنَدًا؛ فَعِنْدَنَا أَصْلٌ عَامٌّ نَتَّبِعُهُ، خَاصَّةً لِمَا وَقَعَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ  ي أَلَا وَهُوَ ثَنَاءُ اللهِ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ وَثَنَاءُ رَسُولِهِ  ص عَلَى الصَّحَابَةِ، فَالْأَصْلُ فِيهِمُ الْعَدَالَةُ.

وَكُلُّ رِوَايَةٍ جَاءَ فِيهَا مَطْعَنٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ص ، نَنْظُرُ فِي إِسْنَادِهَا:

• فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ.

• وَإِن وُجِدَ أَنَّ السَّنَدَ ضَعِيفٌ أَوْ لَمْ نَجِدْ لَهَا سَنَدًا؛ فَعِنْدنَا الْأَصْلُ وَهُوَ عَدَالَةُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ.

إِذًا: عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّارِيخِ لَابُدَّ أَنْ نَقْرَأَ بِتَمْحِيصٍ كَمَا نَقْرَأُ الْحَدِيثَ وَأَخَصُّ التَّوَارِيخِ هُوَ تَارِيخُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ص.

ولِلْأَسَفِ؛ شُغِفَ الْكَثِيرُونَ فِي زَمَانِنَا هَذَا بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي أُلِّفَتْ فِي التَّارِيخِ، وَالَّتِي تَهْتَمُّ بِجَمَالِ الْقِصَّةِ أَوْ تَشْوِيهِ الصُّورَةِ أَوْ هُمَا مَعًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ صِحَّتِهَا أَوْ عَدَمِ صِحَّتِهَا:

• كَكُتُبِ عَبَّاس الْعَقَّادِ ، (لَهُ سِلْسِلَةُ « الْعَبْقَرِيَّات »).

• أو كتب الدكتورة عائشة عبد الرحمن ـ بنت الشاطئ ـ ( لها « تراجم سيدات بيت النبوة»).

• أَوْ كُتُبِ خَالِد مُحَمَّد خَالِد ، ( له « خُلَفَاء الرَّسُولِ »، وَ « رِجَالٌ حَوْلَ الرَّسُولِ »).

• أَوْ كُتُبِ طه حُسَيْن ، (لَهُ كِتَاب: « مَوْقِعَةُ الْجَمَل »، وَ « عَلِيٌّ وَبَنُوهُ »، وَ«الْفِتْنَة الْكُبْرَى »).

• أَوْ كُتُبِ جُورْجِي زَيْدَان (النَّصْرَانِيّ) ، ( له كِتَاب « تَارِيخ التَّمَدُّنِ الْإِسْلَامِيّ »).

• أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْـمُحْدَثِينَ.

فَهَؤُلَاءِ عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَنِ التَّارِيخِ يَهْتَمُّونَ بِالسِّيَاقِ وَجَمَالِ الْقِصَّةِ وَحُسْنِ السَّبْكِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ صَحِيحَةً أَمْ لَا، وَبَعْضُهُمْ يَقْصِدُ التَّشْوِيهَ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ، الْـمُهِمُّ أَنْ يَقُصَّ عَلَيْكَ قِصَّةً جَمِيلَةً.

وَمِنَ الْكُتُبِ الَّتِي يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهَا:

1- « الْأَغَانِي لِلشيعي أَبِي الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيِّ »: وَهُوَ كِتَابُ سَمَرٍ وَشِعْرٍ وَطَرَبٍ، وَلَكِنَّهُ شَابَهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأخْبَارِ الْبَاطِلَةِ.

2- « الْعِقْدُ الْفَرِيدُ » لِابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ:وَهُوَ كِتَابُ أَدَبٍ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ طَعْنٍ.

3- « الْإِمَامَةُ وَالسِّيَاسَةُ » الْـمَنْسُوبُ لِابْنِ قُتَيْبَةَ: وَهُوَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ ( ).

4- « مُرُوجُ الذَّهَبِ » لِلْمَسْعُودِيِّ: وَهُوَ بِلَا أَسَانِيدَ.

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ /: « فِي تَارِيخِ الْـمَسْعُودِيِّ مِنَ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، فَكَيْفَ يُوثَقُ بِحِكَايَةٍ مُنْقَطِعَةِ الْإِسْنَادِ فِي كِتَابٍ قَدْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ » ( ).

وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ /: « وَكُتُبُهُ طَافِحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا مُعْتَزِلِيًّا »( ).

5- « شَرْحُ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ » لِعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الْـمُعْتَزِلِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، بَلِ النَّاظِرُ فِي سَبَبِ تَأْلِيفِ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ لِكِتَابِهِ هَذَا يَجِدُ نَفْسَهُ مُلْزَمًا بِأَنْ يَشُكَّ فِي الْكِتَابِ وَصَاحِبِهِ؛ فَقَدْ ألَّفَهُ مِنْ أَجْلِ الْوَزِيرِ ابْنِ الْعَلْقَمِيِّ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي مَقْتَلِ ( مَلْيُونِ ) مُسْلِمٍ فِي بَغْدَادَ عَلَى يَدِ التَّتَارِ.

قَالَ الْخوانساريُّ عَنْ كِتَابَ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ هَذَا: « صَنَّفَهُ لِخِزَانَةِ كُتُبِ الْوَزِيرِ مُؤَيِّدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلْقَمِيِّ »( ).

حَتَّى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الشِّيعَةِ ذَمُّوا صَاحِبَ الْكِتَابِ وَكِتَابَهُ؛ فَقَالَ الْمِيرْزَا حَبِيبُ اللهِ الْخوئِيُّ يَصِفُ ابْنَ أَبِي الْحَدِيدِ: « لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالْأَثَرِ ... وَأَنَّ رَأْيَهُ فَاسِدٌ وَنَظَرَهُ كَاسِدٌ ... وَأَنَّهُ أَكْثَرَ مِنَ اللِّجَاجِ ... وَأَنَّهُ أَضَلَّ كَثِيرًا وَضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ».

أَمَّا عَنْ كِتَابِهِ؛ فَوَصَفَهُ الْمِيرْزَا بِصِفَاتٍ عِدَّةٍ مِنْهَا: « جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ... يَدُورُ عَلَى الْقِشْرِ دُونَ اللُّبَابِ... لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ فَائِدَةٍ ... فِيهِ تَأْوِيلَاتٌ بَعِيدَةٌ تَشْمَئِزُّ عَنْهَا الطِّبَاعُ، وَتَنْفِرُ عَنْهَا الْأَسْمَاعُ » ( ).

6- « تَارِيخُ الْيَعْقُوبِيِّ »: وَهُوَ كِتَابٌ كُلُّهُ مَرَاسِيلُ لَا أَسَانِيدَ فِيهِ، وَصَاحِبُهُ مُتَّهَمٌ( ).

7- كتاب: الفتوح لابن أعثم الكوفي ، وهو ملئ بالأحاديث والروايات المكذوبة التي تشوه صورة الصحابة  ي وكثيرًا ما ينقل عنْه الشيعة ( ) ، وكأنه صحيح البخاري ، رغم أنه بلا أسانيد ، وبينه وبين الصحابة مفاوز ؛ فقد ولد في القرن الثالث الهجري ؛ فكيف نثق بروايته إن كان صادقًا ، فما بالك وهو متهمٌ بالتشيع والكذب.

قال الحافظ ابن حجر :« أحمد بن أعثم الكوفي الأخباري ، المورخ ، قال ياقوت:« كان شيعيًّا ، وعند أصحاب الحديث ضعيف »( ). 

وذكر الألوسي أنه كان من المشهورين بالكذب والإفتراء( ). 

لِمَنْ نَقْرَأُ التَّارِيخَ؟

1- إِذَا كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْحَثَ فِي الْأَسَانِيد ِوَتُمَحِّصَهَا؛ فَاقْرَأْ لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، فَهُوَ الْعُمْدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَكْتُبونَ فِي التَّارِيخِ. 

واقْرَأ لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي كِتَابِهِ « الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ ».

ولِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي كِتَابِهِ « تَارِيخُ الْإِسْلَامِ ».

واقْرَأ « الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى » لِابْن سَعْدٍ، وَهُوَ كِتَابٌ مُهِمٌّ جِدًّا حَيْثُ إِنَّ الْـمُؤَلِّفَ يَنْقُلُ رِوَايَاتِهِ بِالْأَسَانِيدِ.

واقْرَأ « تَارِيخُ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ » وَهُوَ كِتَابٌ مُخْتَصَرٌ لَكِنَّهُ مُهْتَمٌّ بِالْإِسْنَادِ.

واقْرَأ « تَارِيخُ الْـمَدِينَة » لِابْنِ شَبَّةَ، وَهُوَ أَيْضًا كِتَابٌ مُسْنَدٌ.

2- وإِذَا كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَحِّصَ الْأَسَانِيدَ، فَاقْرَأْ: لِلْعَلَّامَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْعَوَاصِمُ مِنَ الْقَوَاصِمِ ».

وَمِنَ الْكُتُبِ الْـمُفِيدَةِ فِي التَّارِيخِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ وَلَكِنَّهَا نَافِعَةٌ:

1- « مَرْوِيَّاتُ أَبِي مِخْنَفٍ فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ » لِلدُّكْتُورِ يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيمَ الْيَحْيَى.

2- « الْخِلَافَةُ الرَّاشِدَةُ وَالْخِلَافَةُ الْأُمَوِيَّةُ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي » لِلدُّكْتُورِ يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْيَحْيَى.

3- « تَحْقِيقُ مَوَاقِفِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْفِتَنِ » لِلدُّكْتُورِ مُحَمَّد أمحزون.

4- « عَصْرُ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ » لِلدُّكْتُورِ أَكْرَم ضِيَاء الْعُمَرِيّ.

5- « مَرْوِيَّاتُ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ » لِخَالِد الْغَيْث.

6- « أَحْدَاثُ وَأَحَادِيثُ فِتْنَة الْهَرْجِ » لِلدُّكْتُورِ عَبْدِ الْعَزِيزِ دخان.

7- « أَخْطَاءٌ يَجِبُ أَنْ تُصَحَّحَ مِنَ التَّارِيخِ » لِلدُّكْتُورِ جَمَال عَبْد الْهَادِي، وَالدُّكْتُورَةِ وَفاء جُمْعَة.

مِمَّ نَحْذَرُ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُتَبِ التَّارِيخِ؟

عِنْدَمَا نَقْرَأُ كُتُبَ التَّارِيخِ نَحْذَرُ مِنْ أَنْ نَمِيلَ مَعَ رَأْيِ الْـمُؤَلِّفِ؛ إِذْ لَابُدَّ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ لَا إِلَى رَأْيِهِ، وَأَنْ نَتَوَخَّى الْإِنْصَافَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَلَابُدَّ أَنْ نَعْتَقِدَ ـ وَنَحْنُ نَقْرَأُ تَارِيخَ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ ص ـ أَمْرَينِ اثْنَيْنِ:

الْأَمْرَ الْأَوَّلَ:

أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ص هُمْ خَيْرُ الْبَشَرِ بَعْدَ أنْبِيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَدَحَهُمْ وَالنَّبِيُّ ص كَذَلِكَ مَدَحَهُمْ، وَبَيَّنَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَدِيثٍ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْبَشَرِ بَعْدَ أنْبِيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.

الْأَمْرَ الثَّانِيَ:

أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ص غَيْرُ مَعْصُومِينَ. 

نَعَمْ نَحْنُ نَعْتَقِدُ الْعِصْمَةَ فِي إِجْمَاعِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ص أَخْبَرَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ ( ) فَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ كَأَفْرَادٍ غَيْرُ مَعْصُومِينَ، فَالْعِصْمَةُ لِأنْبِيَاءِ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، أَمَّا غَيْرُ الْأنْبِيَاءِ وَالْـمَلَائِكَةِ؛ فَلَا نَعْتَقِدُ عِصْمَةَ أَحَدٍ. 

إِذًا: لَابُدَّ أَنْ نَعْتَقِدَ أَن الصَّحَابَةَ خَيْرُ الْبَشَرِ بَعْدَ أنْبِيَاءِ اللهِ ‡، وَأَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ خَطَأٌ لَا خَطِيئَةٌ، وَشَتَّانَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. 

فَإِذَا جَاءَتْكَ رِوَايَةٌ فِيهَا طَعْنٌ فِي صَحَابِيٍّ فَلَا تُقْدِمْ عَلَى رَدِّهَا وَلَا تَقْبَلْهَا حَتَّى تَنْظُرَ فِيهَا، فَإِنْ وَجَدْتَ السَّنَدَ صَحِيحًا؛ فهَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ فِيهَا، فَهُمْ يُخْطِئُونَ كَسَائِرِ الْبَشَرِ، وَإِنْ وَجَدْتَ السَّنَدَ ضَعِيفًا؛ فَابْقَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْبَشَرِ بَعْدَ أنْبِيَاءِ اللهِ ـ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَحْطَانِيُّ فِي « نُونِيَّتِهِ »:

لَا تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّـــوَارِخِ كُلَّ مَا جَمَعَ الرُّوَاةُ وَخَــــطَّ كُلُّ بَنَانِ

ارْوِ الْحَدِيثَ الْـمُنْتَقَى عَنْ أَهْلِهِ سِيمَا ذَوِي الْأَحْلَامِ وَالْأَسْنَانِ

كَابْنِ الْـمُسَيِّبِ وَالْعَــلَاءِ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالزُّهْرِيِّ أَوْ سُفْيَانِ ( )

أي إِذَا أَرَدْتَ تَارِيخًا صَحِيحًا؛ فَهُوَ الَّذِي يَرْوِيهِ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ الثِّقَاتِ لَا كَمَا يَقُولُ الْكَثِيرُونَ مِمَّنْ يَطْعَنُونَ فِي سِيرَةِ أَصْحَابِ الرَّسُولِ: « إِنَّ تَارِيخَنَا أَسْوَدُ مُظْلِمٌ قَاتِمٌ »!!

«تَارِيخ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ » الْمَشْهُورِ بــ « تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ:

يُعْتَبَرُ « تَارِيخُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ »؛ أَهَمَّ كِتَابٍ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، وَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ النَّاسُ عَنْهُ. فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ يَنْقُلُونَ وَيَحْتَجُّونَ بِــ « تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ »، وَلِمَاذَا يَا تُرَى يُقَدِّمُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ التَّوَارِيخِ؟

يُقَدَّمُ « تَارِيخُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ؛ عَلَى غَيْرِهِ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:

1- قُرْبُ عَهْدِ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ مِنْ تِلْكَ الْحَوَادِثِ.

2- أَنَّ الْإِمَامَ الطَّبَرِيَّ يَرْوِي بِالْأَسَانِيدِ.

3- جَلَالَةُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ /، وَمَنْزِلَتُهُ الْعِلْمِيَّةُ.

4- أَنَّ أَكْثَرَ كُتُبِ التَّارِيخِ إِنَّمَا تَنْقُلُ عَنْهُ.

وإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَنَحْنُ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَقْرَأَ فَلْنَذْهَبْ مُبَاشَرَةً إِلَى الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، وَلَكِنْ أَهْلُ السُّنَّةِ يَأْخُذُونَ مِنْ « تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ »، وَأَهْلُ الْبِدَعِ كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُمْ، فَكَيْفَ نُوَفِّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟

« تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ » مِنْ مِيزَاتِهِ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا بِالْأَسَانِيدِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَأْخُذُونَ الصَّحِيحَ مِنْ أَسَانِيدِ الطَّبَرِيّ، بَيْنَمَا أَهْلُ الْبِدَعِ يَأْخُذُونَ الصَّحِيحَ وَالْغَثَّ وَالسَّمِينَ، الْمُهِمُّ أَن يُوَافِقَ أَهْوَاءَهُمْ.

وإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى مَنْهَجِ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ فِي « تَارِيخِهِ ».

مَنْهَجُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ فِي تَارِيخِهِ:

لَقَدْ أَرَاحَنَا الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ / فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ بِمُقَدِّمَةٍ كَتَبَهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، وَلَيْتَ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ هَذَا التَّارِيخَ يَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْـمُقَدِّمَةَ.

يَقُولُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ / فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِهِ: « وَلْيَعْلَمِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ اعْتِمَادِي فِي كُلِّ مَا أَحْضَرْتُ ذِكْرَهُ فِيهِ مِمَّا شَرَطْتُ أَنِّي رَاسِمُهُ فِيهِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا رُوِّيتُ مِنَ الْأخْبَارِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا فِيهِ وَالْآثَارِ الَّتِي أَنَا مُسْنِدُهَا إِلَى رُوَاتِهَا، فَمَا يَكُنْ فِي كِتَابِي هَذَا مِنْ خَبَرٍ ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْـمَاضِينَ، مِمَّا يَسْتَنْكِرُهُ قَارِئُهُ، أَوْ يَسْتَشْنِعُهُ سَامِعُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ لَهُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ، وَلَا مَعْنًى فِي الْحَقِيقَةِ ؛ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِنَا، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نَاقِلِيهِ إِلَيْنَا، إِنَّمَا أَدَّيْنَا ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا أُدِّيَ إِلَيْنَا »( ).

إنَّ الْإِمَامَ الطَّبَرِيَّ بِهَذِهِ الْـمُقَدِّمَةِ الَّتِي قَدَّمَ لِكِتَابِهِ أَلْقَى الْعُهْدَة عَلَيْكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ!!

فَهُوَ يَقُولُ لَكَ: إِذَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِي هَذَا خَبَرًا تَسْتَشْنِعُهُ، وَلَا تَقْبَلُهُ، فَانْظُرْ عَمَّنْ رَوَيْنَاهُ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَعَلَيَّ أَنْ أَذْكُرَ مَنْ حَدَّثَنِي بِهَذَا، فَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَاقْبَلْ، وَإِن لَمْ يَكُنْ ثِقَةً فَلَا تَقْبَلْ.

وَهَذَا الْأَمْرُ قَامَ بِهِ أَكْثَرُ الْـمُحَدِّثِينَ، فَحِينَ تَرْجِعُ إِلَى كُتُبِ الْحَدِيثِ ـ غَيْرِ «الصَّحِيحَيْنِ » اللَّذَيْنِ تَعَهَّدَا بِإِخْرَاجِ الصَّحِيحِ فَقَطْ ـ كَأَنْ تَرْجِعَ إِلَى « جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ»، أَوْ « سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ »، أَوِ « الدَّارَقُطْنِيِّ » أَوِ « الدَّارِمِيِّ » أَوْ « مُسْنَدِ أَحْمَدَ »، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ تَجِدُهُمْ يَذْكُرُونَ لَكَ الْإِسْنَادَ، وَلَمْ يَتَعَهَّدُوا بِذِكْرِ الصَّحِيحِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا لَكَ الْإِسْنَادَ، وَوَاجِبُكَ أَنْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْإِسْنَادِ؛ فَإِذَا كَانَ السَّنَدُ صَحِيحًا فَاقْبَلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَرُدَّهُ.

وَالطَّبَرِيُّ هُنَا لَمْ يَتَعَهَّدْ بِأَنْ يَنْقُلَ الصَّحِيحَ فَقَطْ، إِنَّمَا تَعَهَّدَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ.

وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَنْهَجِ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا طَرِيقَةَ وَمَنْهَجَ أَكْثَرِ الْأَقْدَمِينَ حَيْثُ قَالَ: « أَكْثَرُ الْـمُحَدِّثِينَ فِي الْأَعْصَارِ الْـمَاضِيَةِ مِنْ سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا إِذَا سَاقُوا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ تَبَرَّؤُوا مِنْ عُهْدَتِهِ »( ).

فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ /.

وَقَدْ أَكْثَر الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ « التَّارِيخ » النَّقْلَ عَنْ رَجُلٍ اسْمُهُ ( لُوطُ بْنُ يَحْيَى ) وَيُكَنَّى بِأَبِي مِخْنَفٍ. وَ( لُوطُ بْنُ يَحْيَى ) هَذَا رَوَى عَنْهُ الطَّبَرِيُّ ( خَمْسَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَثَمَانِينَ ) رِوَايَةً.وَأَبُو مِخْنَفٍ هَذَا؛ قَالَ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ: « لَيْسَ بِشَيْءٍ ».وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: «مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ».وَسُئِلَ عَنْهُ مَرَّةً فَنَفَضَ يَدَهُ وَقَالَ: « أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا ». وقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: « ضَعِيفٌ ».وقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: « يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ ».وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: « إِخْبَارِيٌّ تَالِفٌ لَا يُوثَقُ بِهِ »( ).

فَأَنْتَ إِذَا فَتَحْتَ « تَارِيخَ الطَّبَرِيِّ » وَوَجَدْتَ رِوَايَةً فِيهَا مَطْعَنٌ عَلَى أَصْحَابِ الرَّسُولِ ص ، فَوَجَدْتَ أَنَّ الطَّبَرِيَّ إِنَّمَا رَوَاهَا عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ ؛ فَعَلَيْكَ أَنْ تُلْقِيَهَا جَانِبًا.

لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَة أَبِي مِخْنَفٍ!وَأَبُو مِخْنَفٍ هَذَا جَمَعَ بَيْنَ الْبِدْعَة وَالْكَذِبِ وَكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ.مُبْتَدِعٌ كَذَّابٌ، مُكْثِرٌ مِنَ الرِّوَايَةِ!!

وَلَيْسَ أَبُو مِخْنَفٍ وَحْدَهُ، بَلْ أَبُو مِخْنَفٍ هُوَ أَشْهَرُهُمْ، وَإِلَّا فَهُنَاكَ غَيْرُهُ كَالْوَاقِدِيِّ  مَثَلًا وَهُوَ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ ( ) ، وَلَاشَكَّ أَنَّهُ مُؤَرِّخٌ كَبِيرٌ حَافِظٌ عَالِمٌ بِالتَّارِيخِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ. وَالثَّالِثُ: سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ ، وَهُوَ أَيْضًا مُؤَرِّخٌ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ أَيْضًا  ( ). وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بْن السّائب الْكَلْبِيُّ ( ) وَهُوَ كَذَّابٌ مَشْهُورٌ، فإِذًا لَابُدَّ أَنْ يَتَثَبَّتَ الْمَرْءُ مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ» ( ).

U:

مما يُؤْسَفُ له أن ينخدع كثير من أهل السنة بكتاب ( نهج البلاغة ) ، فتجده في مكتباتهم الخاصة والعامة ، بل إن كثيرًا منهم لا يعلم أنه من كتب الشيعة ، وأنه كتاب مطعون في سنده ومتنه ، فقد جُمِع ـ بلا سند ـ بعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  ت بثلاثة قرون ونصف ، وقد نسبت الشيعة تأليف نهج البلاغة إلى الشريف الرضي ـ  محمد بن الحسين بن موسى الرضي أبو الحسن ، المتوفى سنة 406 هـ.

قال عنه الذهبي: « رافضي جلد »( ) .

وهو غير مقبول عند المحدثين لو أسند ـ خصوصًا فيما يوافق بدعته ـ فكيف إذا لم يُسنِد كما فعل في (النهج)؟

وأما المتهم ـ عند المحَدِّثين ـ بوضع (النهج) فهو أخوه علي بن الحسين العلوي الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي ، المتوفى سنة (436هـ) ( ).

وسواء أكان من تأليف وجمع الشريف الرضى ، أم أخيه الشريف المرتضى ، فليس متصل الإسناد إلى الإمام على  ت.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:« وأهل العلم يعلمون أن أكثر خُطَب هذا الكتاب مُفْتَراة علَى علِيٍّ ت ، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم ولا لها إسناد معروف»( ).

وقال الإمام الذهبي :« ومن طالع كتابه « نهج البلاغة » جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ  ت ، ففيه السب الصراح والحطُّ على السيدين أبي بكر وعمر ب، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي مَن له معرفة بنفَس القرشيين الصحابة ، وبنفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين ، جزم بأن الكتاب أكثره باطل»( ).

وقد قام الدكتور صبري إبراهيم السّيّد في تحقيقه وتوثيقه لــ (نهج البلاغة) ببحث يمتاز بالدقة والصبر والتأنّي ذكر فيه عشرة أسباب للشك في نسبة النّصوص الواردة في كتاب (نهج البلاغة) عن القدماء والمحدثين ننقلها بشيء من الاختصار والتصرّف:

• إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله  ص ما لا يصحّ نسبته إلى عليّ ت ، وهو ما قرّره الحافظ ابن حجر بقوله:« ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيدين أبي بكر وعمر  ب».( ) 

• إنّ فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعْهَدْه عهْدُ عليّ ت ولا عرفَه.

• إنّ فيه من دقة الوصف واستفراغ صفات الموصوف ـ كما تراه في الخفاش والطاووس وغير ذلك ـ مما لم تعرفه العرب إلاّ بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية والحكمية.

• إنّ فيه بعض الألفاظ الاصطلاحية التي لم تعرف إلا من بعد كاصطلاحات المتكلّمين وأصحاب المقولات مثل (المحسوسات )  و(الصفات الذاتية والجسمانية).

• إنّ فيه ما يُشَمّ منه ريح ادّعاء صاحبه علم الغيب.

• إنّ في خطبه مقاطع طويلة وقصيرة تُرْوَى على وجهين مختلفين يتّفقان في المعنى ، ولكن يختلفان في اللفظ.

• خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في (النهج).

• طول الكلام غير المعهود في ذلك الوقت كما في عهده إلى الأشتر النخعي ، والمعروف عن عليّ  ت التوسّط إن لم يكن الإيجاز.

• ما في الكتاب من الخطب الكثيرة والرسائل المتعددة التي من الواضح أنها مختلقة لأغراض مذهبية شيعية.

• عدم ذكر المصادر المنقول منها خطب علي ت ولا الشيوخ الذين رووا ذلك ( ).

وقد استهجن الدكتور زيد العيص موقف محمد عبده من الكتاب حيث قام بشرح ألفاظ الكتاب .

قال الدكتور : « وليس بمستغرب أن يصدر هذا الافتراء عن الشريف المرتضى ، إنما المستهجن موقف الشيخ محمد عبده الذي قام بشرح ألفاظ هذا الكتاب ، وكان يمر بالعبارات التي تذم الشيخين والصحابة ، والنصوص التي توحي بأن عليًّا يعلم الغيب ، وغيرها من النصوص المستنكرة ، دون أن يعلق بكلمة واحدة ، وكأنها مسلمات عنده .

ولم يكن هَمّ الشيخ سوى شرح الألفاظ ، وتقريب المعاني إلى القاريء بأسلوب ميسر ليحببه إلى النفوس ، ويشجع على قراءته ، والغريب أيضًا أنه عبَّر في بعض المواضع عن أهل السنة بقوله : «عندهم». ولا أدري أين كان يضع الإمام نفسه وقتئذ؟»( ).

محاولة على الشبكة العنكبوتية لاختراق عقول أهل السنة:

يجب الحذر من الكتب التي تنشرها مواقع الروافض الإلكترونية ، خاصة موقع يعسوب ، حيث يعرض هذا الموقع كتب أهل السنة وكتب الشيعة ويخلط بينها فتجد كتبًا لأهل السنة موضوعة في تصنيف كتب الشيعة والعكس ، وينشر هذا الموقع بعض كتب الرافضة التي تصدر بشكل يوهم قارئها أن الكتَّاب من أهل السنة ، حبث يدلسون على المسلمين فيغَلّفُون طعونهم في الصحابة وزوجات النبي  ص بعبارات المدح والترضي.

ومن الأمثلة على ذلك كتاب ( عمر بن الخطاب ) للمدعو عبد الرحمن أحمد البكري ، والذي أضافه موقع المكتبة الشاملة على الشبكة العنكبوتية إلي كتب المكتبة نقلًا عن موقع يعسوب الشيعي ، وقد حذفه القائمون على الموقع بعد أن أرسلتُ إليهم ، فجزاهم الله خيرًا.

وكاتب هذا الكتاب يَدُسُّ فيه السم في العسل ليطعن في عمر ت، فقد قال في مقدمته:«الإهداء ... إلى الذين يسيرون على منهاجه وطريقته إلى الذين يرون فيه الجرأة والبطولة إلى عشاقه وعشاق طريقته والموالين له ، إلى جميع هؤلاء أقدم هذه اللمحات. المؤلف».

ويستمر في تدليسه قائلًا:« وبعد فهذه نتف يسيرة جمعتها وانتقيتها من كتب السِّيَر والتاريخ حول حياة عمر بن الخطاب واقتصرت في هذا الجمع على كتب أصحابنا من أهل السنة دون الكتب الأخرى. راجيا من الله تعالى الأجر والقبول بِلَمّ هذه النتف وجمعها ، والله من وراء القصد».

فهو يوهم القارئ أنه من أهل السنة وأنه لا ينقل إلا عن أهل السنة ، ثم يُصْدَم القارئ بتلك النتف المليئة بالكذب والتدليس والمنقولة دون بيان لصحتها أو ضعفها ، وينقل من كتب الشيعة ، ومن كتب الأدب والتاريخ ، وينقل عن خالد محمد خالد ، وعن المبتدع أحمد بن زيني دحلان ( ) الذي لقبه بمفتي مكة السيد أحمد بن زيني دحلان ، وعن منكر السنة محمود أبو رية الذي لقبه بـ «العلامة الكبير الشيخ » ، بل والنصراني جرجي زيدان الذي منحه لقب:« الأستاذ». 

ومن هذه النتف المزيفة التي ألصقها بعمر ت:

• لما قال النبي ص :« مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلَاهُ » ( ) ، تغير وجه أبي بكر وعمر فنزلَتْ: ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ ) (الملك: ٢٧).

• عمر وشرب النبيذ. 

• مصادر اعتراضه على الرسول ص في أكثر من مورد.

• تحريمه للمتعتين (أي متعة الحج والزنا المسمى عند الشيعة بزواج المتعة).

• اجتهاده في مقابل النص.

• غرائب في أحكامه وفتاويه.

• عمر أمام فضائل الإمام علي (وذكر ما فيه حط من مكانة عمر وتفضيل لعلي  ب).

• حديث إحراق الدار(أي إحراق عمر لدار علي وفاطمة ي).

• منعه من تدوين الحديث. 

• مما قاله عمر في نقص القرآن.

• رأيه حول تحريف القرآن الكريم.

• كان عمر بن الخطاب ـ رغم ما اشتهر به من قسوة وخشونة ـ مولعًا بالموسيقى، والغناء ولعًا شديدًا.

• إحراق عمرو بن العاص مكتبة الإسكندرية بأمر عمر.

كتاب (زوجات النبي ص):

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب (زوجات النبي ) للمدعو سعيد أيوب ، وكان موجودًا في إصدارات سابقة من المكتبة الشاملة ، ومصدره موقع يعسوب أيضًا ، وما يهمنا منه هو كلامه عن أمنا عائشة  ل. ونذكر هنا نموذجين لتدليسه وأسلوبه الماكر في الطعن فيها  ل، وانتبه لما تحته خط:

النموذج الأول: قال:« من وصايا النبي ص : عن عطاء بن يسار إن النبي  ص قال لأزواجه : «أيّتُكُنَّ اتقَتِ اللهَ ولم تأت بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة» ( ).

وأخبر النبي ص بالغيب عن ربه ، وبين ما يستقبل للناس من أحداث. حتى يأخذوا بأسباب الحياة السعيدة ؛ لأن الله ـ تعالى ـ ينظر إلى عباده كيف يعملون. وأن العباد لا يجب عليهم إلا الأخذ بتعاليم الدين وهم يسلكون في الحياة. وما يستقبل أحدهم من أحداث ما هو إلا نتيجة لما قدموه من أعمال، وهذه النتيجة أخبر بها الله تعالى العليم المطلق سبحانه رسوله  ص .

ومن أحاديث الإخبار بالغيب ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ص لأزواجه: أيتكن صاحبة الجمل الأَدْبَب ( ) يُقتل حولها قتلى كثير ، وتنجو بعد ما كادت» ( ) ، قال أبو عمر في هذا الحديث: وهذا الحديث من أعلام نبوته ص ( ) .

وذلك لأن ما أخبر به النبي ص تحقق على عهد الإمام علي بن أبي طالب. وروى الإمام أحمد عن قيس قال: لما أقبلت عائشة وبلغت مياه بني عامر ليلًا نبحت الكلاب. قالت:أي ماء هذا ؟ قالوا: ماء الحوأب قالت: « ما أظنني إلا إني راجعة » ، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم.

قالت:« إن رسول الله ص قال لها ذات يوم :« كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب»  ( ) وعلى هذه المقدمة كان يوم الجمل ما كان». اهـ كلامه( ). 

التعليق:

انظر كيف ربط بين خروج أمنا عائشة ل للإصلاح بين المسلمين ، وبين حديث عطاء بن يسار أن النبي  ص قال لأزواجه:« أيتكن اتقت الله ولم تأت بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة ».

فماذا يفهم القارئ من ذلك سوى أن عائشة ل خرجت ولم تلزم حصيرها ، وبالتالي ليست زوجةً للنبي  ل في الآخرة.

وعند البحث في إسناد الحديث  تجد أن ابن سعد قد رواه في الطبقات الكبرى (8 /208) فقال :أخبرنا محمد بن عمر حدثني عبد الله بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار أن النبي  ص ، قال لأزواجه:« أيتكن اتقت الله ، ولم تأت بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة».

وهذه الرواية من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو متهم بالكذب ( ).

وأيضًا الحديث مرسل فعطاء بن يسار لم يُدرك النبي ص ( ).

النموذج الثاني: قال:« وأخرج ابن سعد عن عروة عن عائشة أنها قالت: قال لي رسول الله ص: يا عائشة إنْ أردتِ اللحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الراكب. وإياك ومجالسة الأغنياء.ولا تستخلفي ثوبا حتى تُرَقّعيه » ( ).

وأخرج ابن سعد عن مصعب بن سعد قال:.فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف. وزاد عائشة ألفين.وقال: إنها حبيبة رسول الله ص ( ).

وفي عهد معاوية بن أبي سفيان. تعهد معاوية أم المؤمنين بالعطايا ، روى عن عروة أن معاوية بعث إلى عائشة بمائة ألف ( ).

وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم قال: أهدى معاوية لعائشة ثيابًا وورِقًا وأشياء توضع في أسطوانتها  ( ).

وكما ذكرنا إنها ل كانت تتحدث بالنعمة» ( ).اهـ المقصود من كلامه.

التعليق:

انظر كيف ربط بين أمر النبي  ص لعائشة بالزهد حتى تلحق به  ص وبين ما ذكره عنها من قبولها للمال الكثير.

ماذا يفهم القارئ من ذلك سوى مخالفة عائشة  ل لأمر النبي  ص ، وبالتالي عدم اللحوق به.

والحديث الذي بنى عليه هذا الطعن لا يصح ـ أي حديث:« يا عائشة إنْ أردتِ اللحوقَ بي فليكفيك من الدنيا كزاد الراكب. وإياك ومجالسة الأغنياء.ولا تستخلفي ثوبا حتى تُرَقّعيه » ـ فقد ضعفه الشيخ الألباني ( ) .

وعند البحث في مصادر المؤلف تجد العجب ؛ فهو يذكر من الأثر ما يدل على قبولها للمال ولا يذكر بقيته التي فيها أنها كانت تتصدق بهذا المال ولا تُبْقِي منه شيئًا لنفسها ، ومن الأمثلة على ذلك:

1- قال:« وفي عهد معاوية بن أبي سفيان. تعهد معاوية أم المؤمنين بالعطايا ، روى عن عروة أن معاوية بعث إلى عائشة بمائة ألف »، وعزاه في الهامش إلى المستدرك (4/13).

وعند الرجوع إلى المستدرك في الموضع المذكور تجد الرواية أن معاوية بن أبي سفيان بعث إلى عائشة ل بمائة ألف فقسمتها حتى لم تترك منها شيئًا فقالت بريرة : أنت صائمة فهَلّا ابْتَعْت لنا بدرهم لحمًا فقالت عائشة :« لو أني ذَكَرْتُ لفعلْتُ ». اهـ.

فتأمل البَتْر المتعمد للنصوص ، فقد ذكر رقم المجلد ورقم الصفحة.

2- قال:«وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم قال: أهدى معاوية لعائشة ثيابًا وورِقًا وأشياء توضع في أسطوانتها »، وعزاه في الهامش إلى حلية الأولياء (2/48).

وعند الرجوع إلى المصدر المذكور تجد الآتي:« عن عبد الرحمن ابن القاسم أنه قال: أهدى معاوية لعائشة ثيابًا وورقًا وأشياء توضع في اسطوانتها، فلما خرجت عائشة نظرت إليه فبكت، ثم قالت: لكن رسول الله ص لم يكن يجد هذا، ثم فَرّقَتْهُ ولم يَبْقَ منه شيءٌ».

ألا فَلْيَنْتَبِه المرابطون على المواقع الالكترونية لتدليس الشيعة ، فالحرب الفكرية يبدو أنها مدروسة ومخطط لها ، والهدف منها تشويه صورة الصحابة الميامين وزوجات النبي ص الطاهرات.



قطوف 

من حياة أم المؤمنين 

عائشة ل يجهلها الكثيرون 

أولًا: تعظيمها لأوامر الله ـ واتباعها للنبي ص :

1- تؤصل فقه الدليل:

عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ ل فَقَالَتْ:« أَتَقْضِى إِحْدَانَا الصَّلاَةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا ؟».

فَقَالَتْ عَائِشَةُ:«أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ص ثُمَّ لاَ تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ» ( ).

2- ترفض أن تلبس ثوبًا فيه صلبان لأَنَّ النَّبِيَّ ص لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ:

عَنْ دِقْرَةَ أُمِّ عَبْدِ الله بْنِ أُذَيْنَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ بِالْبَيْتِ فَأَتَاهَا بَعْضُ أَهْلِهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ قَدْ عَرَقْتِ فَغَيِّرِي ثِيَابَكِ، فَوَضَعَتْ ثَوْبًا كَانَ عَلَيْهَا، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِا بُرْدًا عَلَيَّ مُصَلَّبًا ، فَقَالَتْ:«إِنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَ إِذَا رَآهُ فِي ثَوْبٍ قَضَبَهُ » ، قَالَتْ: فَلَمْ تَلْبَسْهُ ( ).

3- تفتي بتحريم وصل شعر مريضة امتثالًا لنهي النبي ص عن ذلك :

عَنْ صَفِيَّهَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: ابْنَةٌ لِي سَقَطَ شَعْرُهَا، أَفَنَجْعَلُ عَلَى رَأْسِهَا شَيْئًا نُجَمِّلُهَا بِهِ ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ص عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ:« لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْـمُسْتَوْصِلَةَ»( ).

U:

لا يصح ما روي عن عائشة ل  في تفسير الوصل بأن تزني المرأة في شبابها ، فإذا أسنَّت جمعت بين الرجال والنساء. 

فقد رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا قَالَتْ :« لَيْسَتِ الْوَاصِلَةُ بِالَّتِي تَعْنُونَ ، وَمَاَ بَأْسَ إنْ كَانَتْ المرْأةُ زَعْرَا قَلِيلٌ شَعْرُهَا أنْ تَصِلَ رَأْسَهَا بِقَرْنِ صُوفٍ أسْوَدَ ألا لَيْسَتْ هَذِهِ بِالْوَاصِلَة ، ولَكِنّ الْوَاصِلَةَ الَّتِي تَكُونُ بَغِيًّا فِي شَبِيبَتِهَا فَإِذَا أَسَنَّتْ وَصَلَتْهَا بِالْقِيَادَةِ .

وهذا لا يصح فإنه من رواية شملة بن هزال أبي حتروش قال العقيلي عنه : «وكان ضعيفًا ، حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عباس قال سمعت يحيى يقول :«أبو حتروش شملة بن هزال بصرى ليس بشئ » ، ثم ذكر الحديث ، وقال:« لا يعرف إلا به »( ).

ومن العجيب أني قد وجدت هذا الأثر منسوبًا إلى عائشة  ل بصيغة التمريض (رُوِيَ عن عائشة ) في معاجم ، وفي كتب غريب الحديث ، وفي كتب وموسوعات فقهيية ومواقع فتاوى ، تُبْنَى عليه الأحكام دون الإشارة إلى ضعفه ، فرحم الله الشيخ الألباني لدعوته إلى التصفية ثم التربية ، حيث قال:« لابُد اليوم من أجل استئناف الحياة الإسلامية من القيام بهذين الواجبين: «التصفية والتربية ».

 وأرَدْتُ بالأول منهما أمورًا:

الأول:تصفية العقيدة الإسلامية مما هو غريب عنها، كالشرك، وجحد الصفات الإلهية وتأويلها، ورد الأحاديث الصحيحة لتعلقها بالعقيدة ونحوه.

الثاني: تصفية الفقه الإسلامي من الاجتهادات الخاطئة المخالفة للكتاب والسنة.

الثالث: تصفية كتب التفسير والفقه والرقائق وغيرها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات المنكرة.

وأما الواجب الآخر، فأريد به تربية الجيل الناشئ على هذا الإسلام المصفى من كل ما ذكرنا تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، دون أي تأثر بالتربية الغربية الكافرة»( ).

ثانيًا:توددها لزوجها ــ رسول الله ص ــ وأدبها معه حتى عند غضبها واشتداد غيرتها :

في غضبها لا تهجر إلا اسمه ص:

عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ص :« إِنِّى لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَىَّ غَضْبَى ». قَالَتْ: فَقُلْتُ:« مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟». فَقَالَ:« أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ ». قَالَتْ: قُلْتُ :«أَجَلْ ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا أَهْجُرُ إِلاَّ اسْمَكَ»( ) . 

قال الحافظ ابن حجر /:« وَقَوْل عَائِشَة :« أَجَل يَا رَسُول اللهِ ، مَا أَهْجُر إِلَّا اِسْمك » ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْحَصْر لَطِيف جِدًّا ؛ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي حَال الْغَضَب الَّذِي يَسْلُب الْعَاقِل اِخْتِيَاره لَا تَتَغَيَّر عَنْ الْـمَحَبَّة الْـمُسْتَقِرَّة فَهُوَ كَمَا قِيلَ : 

إِنِّي لِأَمْنَحك الصُّدُود وَإِنَّنِي           قَسَمًا إِلَيْك مَعَ الصُّدُود لَأَمْيَلُ

وَقَالَ اِبْن الْـمُنَيِّر :« مُرَادهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُك التَّسْمِيَة اللَّفْظِيَّة وَلَا يَتْرُك قَلْبهَا التَّعَلُّق بِذَاتِهِ الْكَرِيمَة مَوَدَّة وَمَحَبَّة » ا هـ . 

وَفِي اِخْتِيَار عَائِشَة ذِكْر إِبْرَاهِيم ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ دُون غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء دَلَالَة عَلَى مَزِيد فِطْنَتهَا ، لِأَنَّ النَّبِيّ ص أَوْلَى النَّاس بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآن ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا بُدّ مِنْ هَجْر الِاسْم الشَّرِيف أَبْدَلَتْهُ بِمَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ حَتَّى لَا تَخْرُج عَنْ دَائِرَة التَّعَلُّق فِي الْجُمْلَة »( ). 

ثالثًا: ورعها  ل :

عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ ـ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ  ص لأُمِّهَا ـ أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِى بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ:« وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ ، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا». فَقَالَتْ :« أَهُوَ قَالَ هَذَا؟».قَالُوا:«نَعَمْ ». قَالَتْ:« هُوَ لِلَّهِ عَلَىَّ نَذْرٌ ، أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا». 

فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا ، حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ فَقَالَتْ:« لاَ ، وَاللهِ لاَ أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا ، وَلاَ أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِى». 

فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَهُمَا مِنْ بَنِى زُهْرَةَ ، وَقَالَ لَهُمَا:« أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ لَـمَّا أَدْخَلْتُمَانِى عَلَى عَائِشَةَ ، فَإِنَّهَا لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِى». 

فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ :« السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، أَنَدْخُلُ؟». قَالَتْ عَائِشَةُ:« ادْخُلُوا». قَالُوا: «كُلُّنَا؟». قَالَتْ:«نَعَمِ ، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ». وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ.

فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ ( ) ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِى ، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ ، وَيَقُولاَنِ:« إِنَّ النَّبيَّ ص نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ». 

فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِى وَتَقُولُ إِنِّى نَذَرْتُ ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ . فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَأَعْتَقَتْ فِى نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً . وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِى ، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا ( ).

رابعًا:أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ونصحها وشفقتها وموعظتها البليغة:

1- تنهى عن لبس ما فيه صلبان:

عَنْ دِقْرَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَائِشَةَ ل فِي نِسْوَةٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةِ، فَرَأَتِ امْرَأَةً عَلَيْهَا خَمِيصَةٌ فِيهَا صُلُبٌ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ل:« انْزَعِي هَذَا مِنْ ثَوْبِكِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَ إِذَا رَآهُ فِي ثَوْبٍ قَضَبَهُ »( ).

2- تصلح بين عثمان بن مظعون وزوجته:

عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْتَضِبُ ، وَتَطَيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا: أَمُشْهِدٌ، أَمْ مُغِيبٌ ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ كَمُغِيبٍ، قُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ ؟ قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا، وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ص ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ، فَقَالَ:« يَا عُثْمَانُ، أَتُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ ؟ » ، قَالَ:« نَعَمْ » ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: « فَأُسْوَةٌ مَا لَكَ بِنَا »( ) .

 3- تنصح معاوية ت:

كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: « سَلَامٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ: « مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ » ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» ( ). 

وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر أن معاوية بن أبي سفيان ت حين قدم المدينة يريد الحج ، دخل على عائشة ل ( ) فكلمها خاليين ، لم يشهد كلامهما إلا ذكوان أبو عمرو ومولى عائشة ل فكلمها معاوية ، فلما قضى كلامه تشَهّدَتْ عائشة ل ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه ص من الهدى ودين الحق ، والذي سَنَّ الخلفاءُ بعده وحَضَّتْ معاوية على اتباع أمرهم ، فقالت في ذلك فلم تترك ، فلما قضت مقالتها ؛ قال لها معاوية:« أنت والله العالمة بالله وبأمر رسوله ، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة ، حضَضْتِ علَى الخيرِ وأمَرْتِ به ، ولم تأمرينا إلا بالذي هو خيرٌ لنا ، وأنت أهلٌ أن تُطَاعِي » ( ).

4- تنصح أبا سلمة بنَ عبد الرحمن أن يجتنب الأرض:

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ل وَهُوَ يُخَاصِمُ فِي أَرْضٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الْأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ:« مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»( ).

5- تنصح سعد بن هشام ألا يتبتل:

عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ:« يَا أُمَّ الْـمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، فَقَالَتْ:« لَا تَفْعَلْ، أَلَمْ تَقْرَأْ: (ﯯ  ﯰ        ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ   ﯶ  )(  ) قَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ص ، وَوُلِدَ لَهُ »( ). 

6- تنصح مَن بلغن المحيض أن يصلين بخمار:

عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ نَزَلَتْ عَلَى صَفِيَّةَ أُمِّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ، فَرَأَتْ بَنَاتٍ لَهَا يُصَلِّينَ بِغَيْرِ خُمُرٍ قَدْ حِضْنَ ، قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« لَا تُصَلِّيَنَّ جَارِيَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا فِي خِمَارٍ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ص دَخَلَ عَلَيَّ، وَكَانَتْ فِي حِجْرِي جَارِيَةٌ، فَأَلْقَى عَلَيَّ حَقْوَهُ ، فَقَالَ: «شُقِّيهِ بَيْنَ هَذِهِ، وَبَيْنَ الْفَتَاةِ الَّتِي فِي حِجْرِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ حَاضَتْ، أَوْ لَا أُرَاهُمَا إِلَّا قَدْ حَاضَتَا»( ).

7- تنهى النساء عن لبس الرقيق من الثياب:

عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت:« رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشفّ عن جَيْبِها فشَقَّتْه عائشةُ عليها ، وقالت « أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور » ، ثم دعت بخمار فكستها »( ).

8- تنصح ِابْنَ أَبِي السَّائِبِ قاصّ المدينة:

عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لِابْنِ أَبِي السَّائِبِ قَاصِّ أَهْلِ الْـمَدِينَةِ: «ثَلَاثًا لَتُتَابِعَنِّي عَلَيْهِنَّ أَوْ لَأُنَاجِزَنَّكَ » ، فَقَالَ:« مَا هُنَّ ؟ بَلْ أَنَا أُتَابِعُكِ يَا أُمَّ الْـمُؤْمِنِينَ » ، قَالَتْ:« اجْتَنِبِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ص وَأَصْحَابَهُ كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَقُصَّ عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَثِنْتَيْنِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَثَلَاثًا، فَلَا تَمَلُّ النَّاسُ هَذَا الْكِتَابَ، وَلَا ألْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ، وَلَكِنْ اتْرُكْهُمْ فَإِذَا حَدَوْكَ عَلَيْهِ، وَأَمَرُوكَ بِهِ فَحَدِّثْهُمْ» ( ).

9- توصي عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ بقيام الليل:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ:«لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَ لَا يَدَعُهُ وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ صَلَّى قَاعِدًا »( ). 

خامسًا: اجتهادها في العبادة ، وحرصها على الخير:

1- كانت تطيل الصلاة: 

عن عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَيْس، قَالَ: أَرْسَلَنِي مُدْرِكٌ إِلَى عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ أَشْيَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهَا، فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي الضُّحَى، فَقُلْتُ:« أَقْعُدُ حَتَّى تَفْرُغَ » ، فَقَالُوا:«هَيْهَاتَ»( ).

وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة أسَلّم عليها فغدوت يومًا فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: (ﯡ  ﯢ   ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ) ( ) وتدعو وتبكي وترددها ، فقمت حتى مللْتُ القيام ، فذهبْتُ إلى السوق لحاجتي ثم رجعْتُ فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي» ( ). 

2- كَانَتْ تُصَلّي الضُّحَى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ:

عن القعقاع بن حكيم ، أن جدته رميثة بنت حكيم حدثته قالت : ركَعَتْ عائشةُ ثمان ركعات ، وقالت : يا أم حكيم ، لو نُشِرَ لي أبو بكر ما تركتُهنَّ ، وقالت : «ركَعْتُهُنّ على عهد النبي ص »( ). 

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلّي الضُّحَى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ تَقُولُ « لَوْ نُشِرَ لِى أَبَوَاىَ مَا تَرَكْتُهُنَّ »( ). 

3- كانت تصوم حتى يُضعفها الصوم:

عن القاسم بن محمد قال :«كانت عائشة أم المؤمنين ل تصوم تصوم حتى يذلقها الصوم»( ).

4- حجها:

ومن شدة حرصها على الأعمال الصالحة اقترحت على النبي ص أن يأذن للنساء في الجهاد في سبيل الله فأرشدها إلى الحج المبرور ، فعن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ ل قَالَتْ:« قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلاَ نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ ، فَقَالَ « لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ ، حَجٌّ مَبْرُورٌ » . فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« فَلاَ أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ص»( ).

فلما سمعت بهذا الهدي النبوي قَلّما مضى عامٌ ولم تحج فيه  ( )  فحجت واعتمرت مراتٍ كثيرة ، فقد حجَّتْ مع النبي ص حجة الوداع ( ) ، وحجت واعتمرت بعد وفاته ص مرات عديدة ( ).

ساسًا:قدوة النساء في الأدب والحياء والعفة:

1- تستحيي من عمر ت وهو ميت:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ص، وَأَبِي فَأَضَعُ ثَوْبِي، وَأَقُولُ إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي، حَيَاءً مِنْ عُمَرَ ( ).

2- تنهى النساء عن وضع ثيابهن في غير بيوتهن:

عَنْ أَبِي الْـمَلِيحِ قال:دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي تَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« مَا مِنَ امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ »( ).

3- تمنع عبدها من الدخول عليها إذا أصبح حرًّا:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ مُكَاتِبًا لَهَا دَخَلَ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ مُكَاتَبَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ غَيْرُ دَاخِلٍ عَلَيَّ غَيْرَ مَرَّتِكَ هَذِهِ، فَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص، يَقُولُ:« مَا خَالَطَ قَلْبَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ  رَهَجٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ »( ).

4- كانت في حجها لا تخالط الرجال:

 فقد كَانَتْ عَائِشَةُ ل تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ:«انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْـمُؤْمِنِينَ».قَالَتْ «انْطَلِقِي عَنْكِ » ، وَأَبَتْ» ( ). 

(حَجْرَة) بِفَتْحِ الْـمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا رَاءٍ ، أَيْ نَاحِيَة ، قَالَ الْقَزَّاز : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : نَزَلَ فُلَان حَجْرَة مِنْ النَّاس أَيْ مُعْتَزِلًا. 

( اِنْطَلِقِي عَنْك) أَيْ عَنْ جِهَةِ نَفْسك( ).

5- تحتجب حتى من الأعمى:

عن إسحاق الأعمى قال:« دخلت على عائشة فاحتجبت مني ، فقلت: «تحتجبين مني ولست أراك » ، قالت:«إن لم تكن تراني فإني أراك » ( ).

سابعًا:تواضعها:

1- أنزل الله في براءتها قرآنًا يُتلَى ، ومع ذلك تتواضع فتقول: « وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِى شَأْنِى وَحْيًا يُتْلَى ، وَلَشَأْنِى فِى نَفْسِى كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِىَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى »( ).

2- أوصت ألا تدفن مع رسول الله  ص وصاحبيه أبي بكر وعمر ب مع قدرتها على ذلك: فعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ب لاَ تَدْفِنِّى مَعَهُمْ وَادْفِنِّى مَعَ صَوَاحِبِى بِالْبَقِيعِ ، لاَ أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا»( ) .

وفي رواية عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ:« ادْفِنِّى مَعَ صَوَاحِبِى وَلاَ تَدْفِنِّى مَعَ النَّبيِّ ص فِى الْبَيْتِ ، فَإِنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى» ( ).

قال الحافظ ابن حجر: «قَوْله ( مَعَ صَوَاحِبِي ) جَمْع صَاحِبَة تُرِيد أَزْوَاج النَّبِيّ ص . قَوْله ( فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى ) بِفَتْحِ الْكَاف الثَّقِيلَة عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ ، أَيْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ أَحَد بِمَا لَيْسَ فِيَّ ، بَلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِي مَدْفُونَة عِنْده دُون سَائِر نِسَائِهِ فَيَظُنّ أَنِّي خُصِصْت بِذَلِكَ مِنْ دُونهنَّ ، لِمَعْنًى فِيَّ لَيْسَ فِيهِنَّ ، وَهَذَا مِنْهَا فِي غَايَة التَّوَاضُع »( ).

3- عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قال:اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا بَنُو أَخِيهَا، قَالَتْ: أَخَافُ أَنْ يُزَكِّيَنِي، فَلَمَّا أَذِنَتْ لَهُ، قَالَ:« مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيِ الْأَحِبَّةَ إِلا أَنْ يُفَارِقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ ، كُنْتِ أَحَبَّ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ص إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُحِبُّ رَسُولُ اللهِ ص إِلا طَيِّبًا، وَسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيكِ آيَاتٌ مِنَ القُرْآنِ، فَلَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ الْـمُسْلِمِينَ إِلا يُتْلَى فِيهِ عُذْرُكِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ» ، فَقَالَتْ: «دَعْنِي مِنْ تَزْكِيَتِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ#( ).

قال الحافظ: « وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ على سَعَة علم ابن عَبَّاسٍ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَتَوَاضُعِ عَائِشَةَ وَفَضْلِهَا وَتَشْدِيدِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا » (  ). 

ثامنًا:زهدها  ل ( ):

1- عن كثير بن عُبيد ( )  قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ ل فَقَالَتْ: $أَمْسِكْ حَتَّى أَخِيطَ نُقْبَتِي( )# ، فَأَمْسَكْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْـمُؤْمِنِينَ! لَوْ خَرَجْتُ فَأَخْبَرْتُهُمْ لَعَدُّوهُ مِنْكِ بُخْلًا!# ، قَالَتْ: $أَبْصِرْ شَأْنَكَ ؛ إِنَّهُ لَا جَدِيدَ لِمَنْ لَا يَلْبَسُ الخَلَقَ »( ).

2- عن عروة بن الزبير أن معاوية  ت اشترى من عائشة بيتًا بمائة ألفٍ بَعَثَ بها إليها ، فما أمست وعندها منه درهم ، وأفطرت على خبز وزيت ، وقالت لها مولاة لها:«يا أم المؤمنين ، لو كنتِ اشتريتِ لنا بدرهمٍ لحمًا» ، قالت:«فهلا ذَكَّرْتِنِي » أو قالت : «لو كنت ذَكَّرْتِنِي لفعلتُ».(  )

3- وعن محمد ابن المنكدر عن أم ذَرَّة ـ وكانت تغشى عائشة ـ قالت:« بَعَثَ إليها ابن الزبير بمالٍ في غرارتين ـ قالت:أُرَاهُ ثمانين أو مائة ألف ـ فدَعَتْ بطبق وهي يومئذٍ صائمة ، فجلسَتْ تُقسّم بين الناس ، فأمسَتْ وما عندها من ذلك درهم ، فلما أمستْ قالت:«يا جارية ، هَلُمّي فطرى» ، فجاءتها بخبز وزيت ، فقالت لها أم ذَرّة:«أما استطعتِ مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحمًا بدرهم نفطر عليه» ، قالت:«لا تُعَنِّفِيني ؛ لو كنت ذَكَّرْتِنِي لفعلتُ»(  ).

تاسعًا:صبرها ل على شظف العيش وضيق الحال التي كان يعيشها زوجها ــ رسول الله  ص:

1- كانت تمر عليها الأيام الطويلة وما يوقد في بيت النبي ص نار، كانت تعيش مع رسول الله ص على الماء والتمر . 

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:«وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِى إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ ثُمَّ الْهِلاَلِ ـ ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِى شَهْرَيْنِ ـ وَمَا أُوقِدَ فِى أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ص نَارٌ».

قَالَ:قُلْتُ:« يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟».

قَالَتِ:« الأَسْوَدَانِ:التَّمْرُ وَالْـمَاءُ ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ص جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ  ص مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ»( ).

وعن القاسم بن محمد ( ) ، عن عائشة أنها قالت : « إن كان ليأتي علينا الشهر ونصف الشهر ما يدخل بيتنا نار المصباح ولا غيره ». قال : قلت : « سبحان الله فبأي شيء كنتم تعيشون ؟».قالت : بالتمر والماء ، كان لنا جيران من الأنصار ـ جزاهم الله خيرًا ـ كانت لهم منائح فربما أرسلوا إلينا بالشيء»( ).

2- وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ص، مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ص»( ). 

عاشرًا:كرمها وإنفاقها في سبيل الله:

1- أعتقت بريرة:

عن عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّىُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ل قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَىَّ بَرِيرَةُ وَهْىَ مُكَاتَبَةٌ ، فَقَالَتْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِى فَإِنَّ أَهْلِى يَبِيعُونِى فَأَعْتِقِينِى قَالَتْ نَعَمْ ( ). 

2- تتصدق بكل ما في بيتها ــ تمرة :

عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ص قَالَتْ:« جَاءَتْنِى امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْنِى فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا ، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبيُّ  ص فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا ، فَقَالَ النَّبيُّ   ص : « مَنِ ابْتُلِىَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَىْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ »( ). 

3- تقسم سبعين ألفًا وتُرَقِّعُ جَيْبَ دِرْعِها:

عن عروة بن الزبير( ) قال:« لقد رأيت عائشة ل تقسم سبعين ألفًا وإنها لتُرَقِّعُ جَيْبَ دِرْعِها »(  ). 

4- صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِى بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ فتتصدق به:

عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ ـ زَوْجِ النَّبيِّ ص ـ أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِىَ صَائِمَةٌ ، وَلَيْسَ فِى بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ ، فَقَالَتْ لِمَوْلاَةٍ لَهَا:«أَعْطِيهِ إِيَّاهُ». فَقَالَتْ:« لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ».فَقَالَتْ:« أَعْطِيهِ إِيَّاهُ».

قَالَتْ:« فَفَعَلْتُ ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ ـ أَوْ إِنْسَانٌ ـ مَا كَانَ يُهْدِى لَنَا ـ شَاةً وَكَفَنَهَا ـ فَدَعَتْنِى عَائِشَةُ أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ:«كُلِى مِنْ هَذَا ، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِك ( ) .

4-تتصدق بعد موتها:

عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عائشة ل قالت:« إذا كفنت وحنطت ثم دلّاني ذكوان في حفرتي وسواها عَلَيَّ فهو حر»(  ).

حادي عشر:فصاحتها ل:

1-  عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ:« مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ»»(  ).

2- وعن القاسم بن محمد ، أن معاوية بن أبي سفيان ت قال :« والله ما سمعت خطيبًا قط ـ ليس رسول الله ص ـ أبلغ من عائشة ل»(  ).

3- قال الأحنف بن قيس:«سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ي ، والخلفاء هلم جرا إلى يومي هذا ، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة ل ( ).

4- ومن أحاديثها الشيِّقة ومواعظها المؤثرة روايتها لحديث الإفك الطويل بأسلوب بلاغي مؤثر لا يكاد يقرؤه مؤمن إلا وتفيض عيناه وتنسكب عَبْرته تأثرًا وحزنًا لِـمَا أصابها  ل ، وفي نفس الوقت كان حديثها منصبًّا في باب تفويض الأمر لله والإنابة إليه والتوكل عليه ، وأنه ـ هو المغيث لكل ملهوف ، والمفَرّج عن كل مكروب ، وفي هذا أعظم درس وأبلغ موعظة لكل مؤمن ومؤمنة ( ).

ثاني عشر:رجاحة عقلها:

من النعم التي أنعم الله بها على أمنا عائشة  لأن رزقها عقلًا راجحًا ، ومما يدل على ذلك:

1- أن آية التخيير عندما نزلت على رسول الله ص في شأن أزواجه    بدأ ص بأم المؤمنين عائشة  ل وعرض عليها ما أنزل الله ﻷ فبادرَتْ مبادرة العاقل الحكيم العمل بما يسعده في الدنيا والآخرة واختارت الله ورسوله ص ( ).

عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ص قَالَتْ:« لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ص بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِى فَقَالَ:« إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ ». 

قَالَتْ:« وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِى بِفِرَاقِهِ».

قَالَتْ: « ثُمَّ قَالَ « إِنَّ الله ـ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ـ قَالَ: (ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ            ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ) إِلَى  ( ﯨ   ﯩ ) ( ). 

قَالَتْ:فَقُلْتُ:« فَفِى أَىِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَىَّ ؛ فَإِنِّى أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ ».

قَالَتْ:« ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبيِّ ص مِثْلَ مَا فَعَلْتُ»( ) . 

قال الحافظ ابن حجر: «وَفِيهِ مَنْقَبَة عَظِيمَة لِعَائِشَةَ وَبَيَان كَمَال عَقْلهَا وَصِحَّة رَأْيهَا مَعَ صِغَر سِنّهَا» ( ).

2- ومما يدل على رجاحة عقلها معرفتها قَدْر الصحابة بعضهم من بعض وذلك بعدم إذنها لغير عمر بن الخطاب  ت  أن يُدفن في حجرتها ( ) ، فعَنْ هِشَامٍ بن عروة بن الزبير عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ :« ائْذَنِى لِى أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَىَّ » ، فَقَالَتْ:« إِى وَاللهِ». قَالَ:«وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَتْ:« لاَ وَاللهِ ، لاَ أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا»( ).

3- ضربها الأمثلة والقياس عليها لتظهر لرسول الله  ص أنها فوق ضرائرها في المنزلة ( ) فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ل  قَالَتْ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا ، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا ، فِى أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ ، قَالَ: « فِى الَّذِى لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا » . تَعْنِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا ( ). 

4- تثَبُّتُها من حديث رواه عبد الله بن عمرو بن العاص  ب وذلك بإعادة السؤال عليه بعد عام ، فوافق قوله ما قال من قبل فتَبَيَّن لها ل تثبته وتمكّنه من الرواية.

عَنْ عُرْوَةَ قَالَ:« حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:«سَمِعْتُ النَّبيَّ ص يَقُولُ:« إِنَّ الله لاَ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا ، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ ».  

فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ص ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ ، فَقَالَتْ : « يَا ابْنَ أُخْتِى انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَاسْتَثْبِتْ لِى مِنْهُ الَّذِى حَدَّثْتَنِى عَنْهُ ». فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِى بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِى ، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا ، فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ:«وَاللهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو» ( ). 

ولفظ رواية صحيح مسلم عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ:«يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ص عِلْمًا كَثِيرًا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ص ، قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ ».

قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ:« أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ص يَقُولُ هَذَا؟ » ، قَالَ عُرْوَةُ:حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ.

قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ، فِي مَرَّتِهِ الْأُولَى.

قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ، قَالَتْ:« مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا وَلَمْ يَنْقُصْ».

قال النووي:« قوله (إنَّ عَائِشَة قَالَتْ فِي عَبْد اللهِ بْن عَمْرو :« وَمَا أَحْسِبهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا وَلَمْ يَنْقُص » لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا اِتَّهَمَتْهُ ، لَكِنَّهَا خَافَتْ أَنْ يَكُون اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ ، أَوْ قَرَأَهُ مِنْ كُتُب الْحِكْمَة ، فَتَوَهَّمَهُ عَنْ النَّبِيّ ص ، فَلَمَّا كَرَّرَهُ مَرَّة أُخْرَى ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ ، غَلَبَ عَلَى ظَنّهَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ ص » ( ).

وقال الحافظ ابن حجر:« قَوْله ( حَجَّ عَلَيْنَا) أَيْ مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا.

قَالَ عِيَاض : لَمْ تَتَّهِم عَائِشَة عَبْد اللهِ وَلَكِنْ لَعَلَّهَا نَسَبَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ مِمَّا قَرَأَهُ مِنْ الْكُتُب الْقَدِيمَة لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ طَالَعَ كَثِيرًا مِنْهَا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ:« أَحَدَّثَك أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ص يَقُول هَذَا»( ).

ثالت عشر: إنصافها ل:

1- لا تمنعها العداوة من قول الحق:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَىْءٍ ، فَقَالَتْ:« مِمَّنْ أَنْتَ ؟» ، فَقُلْتُ:«رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ». فَقَالَتْ:«كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِى غَزَاتِكُمْ هَذِهِ ؟».فَقَالَ:«مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا ؛ إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ».

فَقَالَتْ:« أَمَا إِنَّهُ لاَ يَمْنَعُنِى الَّذِى فَعَلَ فِى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ ـ أَخِى ـ أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ص يَقُولُ فِى بَيْتِى هَذَا:« اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»( ). 

2- تمدح ضرائرها وتذكر فضائلهن:

أ- أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ زينب بنت جحش  ل :

عن مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ص قَالَتْ : « وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِى الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ ، وَأَتْقَى لِلهِ ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا ، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً ، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِى الْعَمَلِ الَّذِى تَصَدَّقُ بِهِ وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ »( ). 

قال النووي:« وَالسَّوْرَة الثَّوَرَان وَعَجَلَة الْغَضَب.وَأَمَّا (الْحِدَّة) فَهِيَ شِدَّةُ الْخُلُق وَثَوَرَانُهُ. وَمَعْنَى الْكَلَام أَنَّهَا كَامِلَةُ الْأَوْصَافِ إِلَّا أَنَّ فِيهَا شِدَّة خُلُق وَسُرْعَة غَضَب تُسْرِعُ مِنْهَا ( الْفَيْئَة ) بِفَتْحِ الْفَاء وَبِالْهَمْزِ ، وَهِيَ الرُّجُوع ، أَيْ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهَا رَجَعَتْ عَنْهُ سَرِيعًا ، وَلَا تُصِرُّ عَلَيْهِ »( ).

وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ ـ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ ل قَالَتْ:«قَالَ رَسُولُ اللهِ  ص:« أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِى أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ». قَالَتْ:« فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا». قَالَتْ:«فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ» ( ).

قال النووي: « مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُنَّ ظَنَنَّ أَنَّ الْـمُرَاد بِطُولِ الْيَد طُول الْيَد الْحَقِيقِيَّة ، وَهِيَ الْجَارِحَة ، فَكُنَّ يَذْرَعْنَ أَيْدِيهنَّ بِقَصَبَةٍ ، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلهنَّ جَارِحَة ، وَكَانَتْ زَيْنَب أَطْوَلهنَّ يَدًا فِي الصَّدَقَة وَفِعْل الْخَيْر ، فَمَاتَتْ زَيْنَب أَوَّلهنَّ ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْـمُرَاد طُول الْيَد فِي الصَّدَقَةِ وَالْجُودِ ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : فُلَان طَوِيل الْيَد ، وَطَوِيل الْبَاع ، إِذَا كَانَ سَمْحًا جَوَادًا ، وَضِدّه قَصِير الْيَد وَالْبَاع ، وَجَدّ الْأَنَامِل. وَفِيهِ مُعْجِزَة بَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه ص ، وَمَنْقَبَة ظَاهِرَة لِزَيْنَب » ( ).

وعندما سمعت عائشة بموت زينب ب قالت:«لقد ذهبت حميدة متعبدة ، مَفْزَع اليتامى والأرامل»( ).

ب - أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ  ل:

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ ل قَالَتْ:« لَـمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ص سَبَايَا بَنِي الْـمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ ـ أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ ـ وَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا ، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَاحَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ.

فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ص تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَكَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَرَى مِنْهَا مَا رَأَيْتُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ ـ أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ ـ فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلَى كِتَابَتِي». 

قَالَ:« فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ ». قَالَتْ: « وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ».

قَالَ:« أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ».

قَالَتْ:« نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ». 

قَالَ: « قَدْ فَعَلْتُ ». 

قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ص فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، قَالَتْ: فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْـمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» ( ).

ج- أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ مَيْمُوْنَةُ بِنْتُ الحَارِثِ  ل:

عن يَزِيْد بنِ الأَصَمِّ أنَّ عائشةَ  ل قالت:« ذَهَبَتْ وَاللهِ ـ مَيْمُوْنَةُ ، أَمَا إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَتْقَانَا للهِ، وَأَوْصَلِنَا لِلرَّحِمِ »( ). 

رابع عشر:فقهها وعلمها ل :

1- عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري ت  قَالَ:« مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا ـ  أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ص حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا »( ). 

2- قَالَ مَسْرُوقٍ:« رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَكَابِرَ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ» ( ).

3- عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لقد صحبت عائشة - رحمها الله - حتى قُلْتُ قبل وفاتها بأربع سنين أو خمسٍ:« لو تُوُفّيَتْ اليوم ما ندمتُ على شيء فاتني منها ، فما رأيتُ أحدًا قط كان أعلم بآية أنزلت ، ولا بفريضة ، ولا بسُنّة ، ولا أعلم بشعر ، ولا أرْوَى له ، ولا بيوم من أيام العرب ، ولا بنسب ولا بكذا ، ولا بكذا ، ولا بقضاء ، ولا بطب منها ، فقلت لها :« يا أُمَّهْ ، الطب من أين عَلِمْتِه ؟ » ، فقالت:« كنت أمرض فيُنْعَت لي الشيء ويمرض المريض فينعت له فينتفع فأسمع الناس بعضهم لبعض فأحفظه »(  ).

3- وقَالَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ:« كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ ، وَأَعْلَمَ وَأَحَسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي العَامَّةِ »( ).

4- قال أبو عمر بن عبد البر:« إن عائشة كانت وحيدة بعصرها في ثلاثة علوم : علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر» ( ).

5- وَقَالَ الزُّهْرِيُّ:« لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيْعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ» ( ).

6- وقال الذهبي :« وَلاَ أَعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص بَلْ وَلاَ فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا »( ).

7- وقال الحافظ ابن كثير:« وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا أَعْلَمُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ص ، بَلْ هِيَ أَعْلَمُ النِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ... وَلَمْ تَرْوِ امْرَأَةٌ وَلَا رَجُلٌ، غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ص مِنَ الْأَحَادِيثِ بِقَدْرِ رِوَايَتِهَا، ل ... ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاءِ أَعْلَمُ مِنْ تِلْمِيذَاتِهَا:عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَقَدْ تَفَرَّدَتْ أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُل بِمَسَائِلَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا عِنْدَهَا »( ).

8- وهي من أكثر الصحابة فتوى ، قال ابن حجر: «أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة رضوان الله تعالى عليهم ». ( )

خامس عشر: أمانتها العلمية:

1- مع كثرة علمها لا تستحيي أن تحيل السائل إلى من هو أعلم منها بالمسألة:

فعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْـمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ:« عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ص » ، فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ص ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» ( ).

2- روت ما يُفهم منه خطأ اجتهادها ، ومن ذلك: روايتها حديث خروجها للصلح بين المسلمين ، فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ:«لَـمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا ؟» ، قَالُوا:«مَاءُ الْحَوْأَبِ» ، قَالَتْ:« مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ» ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا:«بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْـمُسْلِمُونَ ، فَيُصْلِحُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ:«إِنَّ رَسُولَ اللهِ  ص  قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ:« كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْـحَوْأَبِ ؟».

وفي رواية:عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ  ل  لَـمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ  ص  قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْـحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ:« تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ»( ).

فعائشة  ل لما تذكرت هذا الحديث وهمت بالرجوع ، أشار عليها الزبير بالمضي في مسيرها ، للإصلاح بين الناس ، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها ل، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد.

ولو كانت أم المؤمنين عائشة  ل كاتمةً شيئًا لكتمَتْ هذا الحديث الذي يُثَبّطُها عن وجهتها وما كانت تصبو إليه من الإصلاح بين المسلمين ، وهذا الحديث لا يُروَى إلا عنها  ل (  ).

3- روت وصفها لصفية بأنها قصيرة ـ ولم تكن تعلم حرمة ذلك ـ فأخبرها النبي  ص بعِظَم هذه الكلمة ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:« قُلْتُ لِلنَّبِىِّ ص:« حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا » ـ تَعْنِى قَصِيرَةً ـ فَقَالَ:« لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ». قَالَتْ :وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ «مَا أُحِبُّ أَنِّى حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِى كَذَا وَكَذَا»(  ) .

وهذا الحديث لا يروى إلا عنها  ل.

4 – روت دعاء النبي ص عليها:

عَنْ ذَكْوَانَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:« دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ص بِأَسِيرٍ، فَلَهَوْتُ عَنْهُ، فَذَهَبَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ص فَقَالَ:« مَا فَعَلَ الْأَسِيرُ؟ » ، قَالَتْ::« لَهَوْتُ عَنْهُ مَعَ النِّسْوَةِ فَخَرَجَ ، فَقَالَ:« مَا لَكِ قَطَعَ اللهُ يَدَكِ، أَوْ يَدَيْكِ» ، فَخَرَجَ، فَآذَنَ بِهِ النَّاسَ، فَطَلَبُوهُ، فَجَاءُوا بِهِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ فَقَالَ::« مَا لَكِ، أَجُنِنْتِ؟ » ، قُلْتُ: «دَعَوْتَ عَلَيَّ، فَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ، أَنْظُرُ أَيُّهُمَا يُقْطَعَانِ » ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا، وَقَالَ:« اللهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ، أَوْ مُؤْمِنَةٍ، دَعَوْتُ عَلَيْهِ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَطُهُورًا»(  ). 

وهذا الحديث أيضًا لم يُرْوَ إلا من طريق عائشة ل.

5- روت أن النبي  ص قد صوَّب لها فهمها لآية:

فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْدَانِىِّ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ ص قَالَتْ : «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ص عَنْ هَذِهِ الآيَةِ :( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ) ( ) ، قَالَتْ عَائِشَةُ:« أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟» ، قَالَ:« لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ »(  ). 



غَيْرة عائشة  ل

وقد أفردتُ ذلك في فصل مستقل لأن أهل الأهواء يتخذون من هذه المواقف ذريعة للطعن فيها فلم يكن بُدّ من بعض التفصيل.

وإن ما يلفت الانتباه في مواقف الغيرة التي يطعن بسببها الشيعة في أمنا عائشة أن معظمها لم يُنقَل لنا إلا من طريقها هي  ل .

وهي مواقف عادية تفرضها ما جُبِلت عليه النساء من الغيرة.

ولكنها  ل لم توقِعْها الغَيْرة في محرَّم كانت تعلم حرمته ، بل لم تمنعها غيرتها من الثناء على ضرائرها ونقل ما قاله النبي  ص في مدحهن.

وهناك روايات لا تصح عن أمنا عائشة تشوه العلاقة بين أمهات المؤمنين ، تجدها في نهاية هذا الفصل.

مواقف وأقوال وردت بسبب الغيرة :

1- وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟:

عن عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ص، حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ:« مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟» فَقُلْتُ:« وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟» ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص: «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ » قَالَتْ: « يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟» ، قَالَ: «نَعَمْ» ، قُلْتُ:« وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟» قَالَ: «نَعَمْ» ، قُلْتُ:«وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟»قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» ( ).

رغم غَيْرتها من خديجة ل تذكر فضائلها وحب النبي ص لها:

 عَنْ عَائِشَةَ  ل ، أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ ص كَمَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ص إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ص أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ لَهَا فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ »( ).

وعَنْها  ل قَالَتْ:« مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ص، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ص يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ:«كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ »، فَيَقُولُ «إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ»( ).

وعَنْها ل ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ص، إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ص إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ» قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ:« خَدِيجَةَ» ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ص:«إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»( ).

تغار من خديجة ل وَمَا رَأَتْهَا قَطُّ :

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ ص عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ»( ).

قال الإمام الذهبي:«وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ أَنْ تَغَارَ ل مِنِ امْرَأَةٍ عَجُوْزٍ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ تَزَوُّجِ النَّبِيِّ ص بِعَائِشَةَ بِمُدَيْدَةٍ، ثُمَّ يَحْمِيْهَا اللهُ مِنَ الغَيْرَةِ مِنْ عِدَّةِ نِسْوَةٍ يُشَارِكْنَهَا فِي النَّبِيِّ ص فَهَذَا مِنْ أَلْطَافِ اللهِ بِهَا وَبِالنَّبِيِّ ص لِئَلاَّ يَتَكَدَّرَ عَيْشُهُمَا، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا خَفَّفَ أَمْرَ الغَيْرَةِ عَلَيْهَا حُبُّ النَّبِيِّ ص لَهَا، وَمَيْلُهُ إِلَيْهَا، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا»( ).

وعَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ:«اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَى رَسُولِ اللهِ ص، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةَ». 

قَالَتْ:« فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا»( ).

قال النووي: (عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) مَعْنَاهُ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا حَتَّى قَدْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا مِنَ الْكِبَرِ وَلَمْ يبق لشدقها بياض شئ مِنَ الْأَسْنَانِ إِنَّمَا بَقِيَ فِيهِ حُمْرَةُ لَثَاتِهَا.

قَالَ الْقَاضِي:«وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَةَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَأَوَّلِ شَبِيبَتِهَا وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ»( ).

أمهات المؤمنين  بشر ولسن ملائكة:

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:«كَانَ لِلنَّبِيِّ ص تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ، لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْعٍ، فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَتْ زَيْنَبُ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: « هَذِهِ زَيْنَبُ» ، فَكَفَّ النَّبِيُّ ص يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى اسْتَخْبَتَا، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا، فَقَالَ:« اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ» ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ص، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« الْآنَ يَقْضِي النَّبِيُّ ص صَلَاتَهُ» ، فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ فَيَفْعَلُ بِي وَيَفْعَلُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ص صَلَاتَهُ ، أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا قَوْلًا شَدِيدًا، وَقَالَ:« أَتَصْنَعِينَ هَذَا»( ).

رَسُولُكَ وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا:

عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ص إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ص إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ:« أَلاَ تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِى وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ» ، قَالَتْ:«بَلَى». 

فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ص إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا ، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ وَتَقُولُ:«يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِى ؛ رَسُولُكَ وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا»( ).

مَا كُنْتُ لِأصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا :

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ فِي مَرَضِهِ: « مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ:«إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَقَالَ:«مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ:« قُولِي إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص: «إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ» ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: « مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا»( ).

غَارَتْ أُمُّكُمْ :

عَنْ أَنَسٍ ت ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ص عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ ص فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ ص فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: « غَارَتْ أُمُّكُمْ » ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ»( ).

روايات لا تصح تشوه العلاقة بين عائشة وأمهات المؤمنين:

1- تتهم مارية القبطية  ل بالزنا:

رُوِيَ عن سليمان بن الأرقم (المتفق على ضعفه ) عن الزهري عن عروة عن عائشة ل  قالت : « أهديت مارية إلى رسول الله ص ومعها ابن عم لها قالت : فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا ، قالت : فعزلها عند ابن عمها ، قالت : فقال أهل الإفك و الزور :« مِن حاجتِه إلى الولد ادّعى ولدَ غيرِه » ، وكانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه.

قالت عائشة ل : « فدخل به على النبي ص ذات يوم فقال :« كيف ترين » ، فقلت : « من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه ».

قال : « ولا الشبه؟».

قالت:« فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أنْ قلتُ : «ما أرى شبهًا ».

قالت : وبلغ رسول الله ص ما يقول الناس فقال لعلي : «خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته » ، قالت : «فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا ، فلما نظر إلى عليّ ومعه السيف استقبلَتْهُ رعْدةٌ.قال:« فسقطت الخرفة فإذا هو لم يخلق الله ـ عز وجل ـ له ما للرجال ، شيء ممسوح »( ).

البيان: 

هذه القصة لا تصح ؛ فإن سليمان بن الأرقم متفق بين الأئمة على تضعيفه ، بل هو ضعيف جدًا ( ).

والصحيح ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ الله ص فَقَالَ رَسُولُ الله ص لِعَلِىٍّ :« اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ». فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِى رَكِىٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ :«اخْرُجْ». فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ ؛ فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبيَّ ص فَقَالَ :«يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» ( ).  

2- عائشة تغار من نزول الوحي بزواج النبي ص من زينب بنت جحش ل:

رُوِيَ عن محمد بن يحيى بن حبان قال: جاء رسول الله، ص، بيت زيد بن حارثة يطلبه وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ص الساعة فيقول:«أين زيد؟» ، فجاء منزله يطلبه فلم يجده وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فضلًا فأعرض رسول الله ص عنها فقالت:« ليس هو هاهنا يا رسول الله ، فادخل بأبي أنت وأمي». 

فأبى رسول الله ص أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس لما قيل لها رسول الله ص على الباب فوثَبَتْ عجلَى فأعجبَتْ رسول الله ، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن: «سبحان الله العظيم ، سبحان مصرف القلوب». 

فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله أتى منزله. فقال زيد:« ألا قلتِ له أن يدخل؟ » ، قالت:« قد عرضت ذلك عليه فأبى». قال:« فسمعت شيئا؟ » ، قالت:« سمعته حين وَلّى تكلم بكلام ، ولا أفهمه، وسمعته يقول:«سبحان الله العظيم ، سبحان مصرف القلوب». 

فجاء زيد حتى أتى رسول الله فقال: « يا رسول الله ، بلغني أنك جئتَ منزلي فهلّا دخلت؟ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لعل زينب أعجبتك فأفارقها ، فيقول رسول الله ص:« أمسك عليك زوجك». 

فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله فيخبره فيقول رسول الله:« أمسك عليك زوجك» ، فيقول:«يا رسول الله ، أفارقها» ، فيقول رسول الله: « احبس عليك زوجك». ففارقها زيد واعتزلها وحَلّت، يعني انقضت عدتُها. 

قال:« فبينا رسول الله جالس يتحدث مع عائشة إلى أن أخذت رسول الله غشية فسُرّيَ عنه وهو يتبسم وهو يقول: « من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله قد زوجَنِيها من السماء؟» ، وتلا رسول الله ص: (ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ   ﭳ  ﭴ  ﭵ  )  ( ) ، القصة كلها». 

قالت عائشة:« فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها ما صنع لها ـ زَوَّجَها الله من السماء. وقلت: هي تفخر علينا بهذا». 

قالت عائشة:« فخرجتْ سلمى خادم رسول الله ص تشتد فتحدثها بذلك فأعطتها أوضاحًا عليها ( ).

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب ( ).

3- غيرتها من جمال أم سلمة ل:

رُوِيَ عن عائشة ل  قالت: لما تزوج رسول الله ص أم سلمة حزنْتُ حزنًا شديدًا لِـما ذكروا لنا من جمالها، فتلطفت لها حتى رأيتُها ، فرأيتُها ـ والله ـ أضعاف ما وُصِفَتْ لي في الحسن والجمال. فذكرتُ ذلك لحفصة ـ وكانتا يدًا واحدة ـ  فقالت:« لا ـ والله ـ إن هذه إلا الغيرة، ما هي كما يقولون». 

فتلطفَتْ لها حفصة حتى رأتْها فقالت:« قد رأيتُها ، ولا ـ والله ـ ما هي كما تقولين ولا قريب ، وإنها لجميلة». قالت:«فرأيتها بعدُ ، فكانت ـ لَعَمري ـ كما قالت حفصة ولكني كنت غَيْرَى» ( ).

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب ( ).

4- ما تشبع من أم سلمة؟:

رُوِيَ عن فاطمة الخزاعية قالت: سمعت عائشة تقول يومًا: دخل علي يوما رسول الله، ص، فقلت:«أين كنتَ منذ اليوم؟» ، قال:« يا حميراء كنت عند أم سلمة». فقلت:« ما تشبع من أم سلمة؟» ( ).

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب( ).

5- غيرتها من مارية القبطية ل:

رُوِيَ عن عائشة قالت: ما غِرْتُ على امرأة إلا دون ما غِرْتُ على مارية، وذلك أنها كانت جميلة من النساء جعدة، وأعجب بها رسول الله ص ، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا ، فكان رسول الله عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها ، فجزعت فحولها إلى العالية فكان يختلف إليها هناك » ( ).

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ ، وهو كذاب( ).

6- تسبُّ أم المؤمنين صفية ل بأنها يهودية:

أ- رُوِيَ عن عبد الرحمن بن أبي الرجال عبد الله بن عمر قال: لما اجتلى النبي ص صفية رأى عائشة منتقبة في وسط الناس فعرفها فأدركها فأخذ بثوبها فقال:« يا شقيراء كيف رأيتِ؟» ، قالت:« رأيت يهودية بين يهوديات» ( ).

البيان:

قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسير أعلام النبلاء :« رجاله ثقات ، لكنه منقطع بين عبد الرحمن وابن عمر».( )

ب- رُوِيَ عن عطاء بن يسار قال: لما قدم رسول الله ص من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان ، فسمع بها نساء الأنصار وبجمالها فجئن ينظرن إليها ، وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلَتْ عليها فعرفها، فلما خرجت خرج رسول الله ص على أثرها فقال:«كيف رأيتها يا عائشة؟» ، قالت:« رأيت يهودية» ،  قال:« لا تقولي هذا يا عائشة ؛ فإنها قد أسلمت فحسن إسلامها»( ).

البيان:

قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسير أعلام النبلاء :« فيه على إرساله الواقدي» ، والْوَاقِدِيِّ محمد بن عمر كذاب( ).

ج-  رُوِيَ عن أم سنان الأسلمية قالت:«لما نزلنا المدينة لم ندخل منازلنا حتى دخلنا مع صفية منزلها، وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار فدخلْنَ عليها متنكرات ، فرأيتُ أربعًا من أزواج النبي ص متنقبات: زينب بنت جحش ، وحفصة ، وعائشة ، وجويرية ، فأسمع زينب تقول لجويرية:« يا بنت الحارث ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله ص». فقالت جويرية:« كلا إنها من نساء قَلّ ما يحظَيْن عند الأزواج» ( ).

البيان:

فيه محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ  وهو كذاب( ).

د- رُوِيَ عن ابن أبي عون قال:« استبت عائشة وصفية فقال رسول الله لصفية: «ألا قلت أبي هارون وعمي موسى؟ » ؛ وذلك أن عائشة فخرت عليها ( ).

البيان:

فيه محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ  وهو كذاب( ).

7- كانت ترى أنها أفضل من صفية ، فلم يُقِرّها رسول الله  ص على ذلك:

رُوِيَ عن صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ  ص وَقَدْ بَلَغَنِى عَنْ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ كَلاَمٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:« أَلاَ قُلْتِ فَكَيْفَ تَكُونَانِ خَيْرًا مِنِّى وَزَوْجِى مُحَمَّدٌ وَأَبِى هَارُونُ وَعَمِّى مُوسَى ». وَكَانَ الَّذِى بَلَغَهَا أَنَّهُمْ قَالُوا:« نَحْنُ أَكْرَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ  ص مِنْهَا». وَقَالُوا:«نَحْنُ أَزْوَاجُ النَّبيِّ  ص وَبَنَاتُ عَمِّهِ » ( ).

البيان:

قال الترمذي عقب هذا الحديث: « وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ هَاشِمٍ الْكُوفِىِّ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَلِكَ الْقَوِىِّ». 

وأيضًا ضعّفه الألباني .

8- عائشة وحفصة تنالان من صفية:

قال ابن عبد البر : « ويروى أن رسول الله ص دخل على صفية وهي تبكي، فقال لها: « ما يبكيك ؟» ، قالت:« بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني ، وتقولان نحن خير من صفية ؛ نحن بنات عم رسول الله ص وأزواجه» ، قال: « ألا قلت لهن كيف تَكُنَّ خيرًا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ص ». 

البيان:

هذا الأثر ذكره ابن عبد البر ( ) بدون إسناد ، وبصيغة التمريض :« رُوِيَ» التي تدل على ضعف الرواية.

9- تستب هي وصفية:

عن ابن أبي عون قال:قالت عائشة:«كنت أسْتَبُّ أنا وصفية فسبَبْتُ أباها فسبَّتْ أبي وسمعه رسول الله  ص ، فقال:« يا صفية تسبين أبا بكر ، يا صفية تسبين أبا بكر»( ).

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب( ).

10- مَضْمِضْنَ مِن تغامزكن بصاحبتكن! والله إنها لصادقة!

قال ابن سعد:«أخبرنا محمد بن عمر ، حدثني أسامة بن زيد عن أبيه عن عطاء ابن يسار قال: اجتمع إلى رسول الله ص نساؤه في مرضه الذي مات فيه فقالت صفية زوجتُه:« أمَا والله يا نبي الله لَوَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي بِكَ بِي ». فغمزتها أزواج النبي ص وأبصرَهُنَّ النبيُّ ص فقال:« مَضْمِضْنَ » ، فقلن:« من أي شيء يا رسول الله؟» ، قال: « مِنْ تَغَامُزِكُنَّ بِصَاحِبَتِكُنَّ ، وَاللهِ إِنَّهَا لَصَادِقَةٌ »  ( ).

وقال في رواية أخرى:« أخبرنا معن بن عيسى، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله ص في الوجع الذي تُوُفِّيَ فيه اجتمع إليه نساؤه ، فقالت صفية بنت حُيَيّ:« أمَا والله يا نبي الله لَوَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي بِكَ بِي ». فغمزنها أزواج النبي ص ، وأبصَرَهُنَّ رسول الله ص فقال: « مَضْمِضْنَ » ، فقلن:« من أي شيء يا نبي الله؟ » ، قال:« مِنْ تَغَامُزِكُنَّ بِصَاحِبَتِكُنَّ ، وَاللهِ إِنَّهَا لَصَادِقَةٌ » ( ).

الجواب:

1- أما الرواية الأولى فمن رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو متهم بالكذب ( ).

2- أما الرواية الثانية فمرسلة ( )   ، فزيد بن أسلم تابعِيٌ لم يسمع من النبي ص وإنما حَدَّثَ عَنْ وَالِدِهِ - أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ - ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ ي( ).

3- أما قول الحافظ ابن حجر:« وأخرج ابن سعد بسند حسن عن زيد بن أسلم قال:«اجتمع نساء النبي ص في مرضه الذي توفى فيه ....» الخ الرواية ( ) ، فمعناه أن السند حسن إلى زيد بن أسلم فقط وليس إلى النبي ص.

والشيعة يلتقطون مثل هذه الكلمات ويوهمون الناس أن الحافظ ابن حجر يُحَسّن الحديث ، وللردّ على تدليسهم ننقل كلام الحافظ ابن حجر في زيد بن أسلم حيث قال في ترجمته :« زيد بن أسلم العدوي مولى عمر أبو عبد الله وأبو أسامة المدني ، ثقة عالم ، وكان يُرْسِلُ »( ).

فالحافظ ابن حجر / لم يقُل إن زيد بن أسلم صحابي بل قال إنه ثقةٌ عالم ، وقال إنه كان يُرسِل ، أي يذكر الحديث دون ذِكْر الصحابي الذي سمعه منه ، وهذا الإرسال معناه أن هناك انقطاعًا في السند ، وبسببه لا يصح الحديث.

والرواية يلاحظ منها الطعن الخفي في زوجات النبي ص أمهات المؤمنين ، وأنهن يتهمن صفية ل بالكذب على النبي ص.

11- تسبّ أُمُّ سَلَمَةَ بأمر رسول الله  ص !!!

رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدَنَا أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ص عِنْدَ جُنْحِ اللَّيْلِ، فَجَعَلَ يَصْنَعُ شَيْئًا بِيَدِهِ، وَجَعَلَ لَا يَفْطِنُ لِأُمِّ سَلَمَةَ ، فَقُلْتُ بِيَدِهِ، حَتَّى فَطَّنْتُهُ لَهَا، فَأَمْسَكَ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «أَهَكَذَا الْآنَ، أَمَا كَانَ وَاحِدَةٌ مِنَّا عِنْدَكَ، إِلَّا فِي خِلَابَةٍ كَمَا أَرَى » ، وَسَبَّتْ عَائِشَةَ ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ص يَنْهَاهَا، فَتَأْبَى ، فَقَالَ النَّبِيُّ ص:« سُبِّيهَا » ، فَسَبَّتْهَا، حَتَّى غَلَبَتْهَا.

فَانْطَلَقَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَتْ:«إِنَّ عَائِشَةَ سَبَّتْهَا، وَقَالَتْ لَكُمْ، وَقَالَتْ لَكُمْ» ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ:« اذْهَبِي إِلَيْهِ، فَقُولِي: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَنَا، وَقَالَتْ لَنَا» ، فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ص:« إِنَّهَا حِبَّةُ أَبِيكِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ »، فَرَجَعَتْ إِلَى عَلِيٍّ ، فَذَكَرَتْ لَهُ الَّذِي قَالَ لَهَا ، وَجَاءَ عَلِيٌّ  ت إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ:« أَمَا كَفَاكَ، إِلَّا أَنْ قَالَتْ لَنَا عَائِشَةُ، وَقَالَتْ لَنَا حَتَّى أَتَتْكَ فَاطِمَةُ، فَقُلْتَ لَهَا:« إِنَّهَا حِبَّةُ أَبِيكِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».

البيان:

هذا الحديث رواه أبو داود ( )  والإمام أحمد في المسند وضعفه الأرنؤوط ( ) والألباني( ).

12- عَائِشَةُ وحَفْصَةَ سَخِرَتَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ :

جاء في أسباب نزول القرآن للواحدي النيسابوري ( ) :« قَوْلُهُ  ﭨ ( ﯵ  ﯶ    ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ   ﯼ     ﯽﯾ  )  ( ) ، نَزَلَتْ فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ أزواج النبي ص سَخِرَتَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَذَلِكَ أَنَّهَا رَبَطَتْ حَقْوَيْهَا بِسَبَنِيَّةٍ ـ وَهِيَ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ـ وَسَدَلَتْ طَرَفَهَا خَلْفَهَا فَكَانَتْ تَجُرُّهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ:« انْظُرِي إِلَى مَا تَجُرُّ خَلْفَهَا كَأَنَّهُ لِسَانُ كَلْبٍ!» ، فَهَذَا كَانَ سُخْرِيَتَهَا. 

وذكره القرطبي في تفسيره ( )  بدون إسناد.

البيان: هذه الرواية لا تصح فهي ـ كما ترى ـ بدون إسناد.



روايات

في كتب أهل 

السنة لا تصح نسبتها 

إلى أم المؤمنين عائشة ل

أثبت العرش ثم انقش :

قد يجد القارئ في كتب أهل السنة  ـ وفي كتب التواريخ خاصةً ـ  بعضَ الروايات المكذوبة التي يتلقفها أهل الأهواء للطعن في صحابة النبي  ص وفي زوجاته الطاهرات  . 

وهذه الروايات المكذوبة يمكن بيانها بالرجوع إلى إسنادها ، ومعرفة كلام علماء الجرح والتعديل في رواتها ، هذا إن كانت واردة بالإسناد ، أما إن كانت واردة بلا إسناد فيكفي في بيان كذبها أن الأصل عدالة الصحابة وزوجات النبي  ص ( ).

ويجب التنبه إلى تدليس الشيعة في نقلهم لما ورد في كتب أهل السنة ، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الشيخ الألباني في تخريج حديث عبد الرحمن بن الضحاك أن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخر معه ، فقالت عائشة لأحدهما:« أسمعت حديث حفصة يا فلان ؟!» ، قال: « نعم يا أم المؤمنين ؟! » ، فقال لها عبد الله بن صفوان :« وما ذاك يا أم المؤمنين ؟! » ، قالت : « خلال لي تسع ؛ لم يَكُنَّ لأحد من النساء قبلي ؛ إلا ما آتى الله ـ عز وجل ـ مريم بنت عمران ، والله ! ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي. 

فقال لها عبد الله بن صفوان :« وما هن يا أم المؤمنين ؟! ».

قالت عائشة:« جاء الملك بصورتي إلى رسول الله ص . فتزوجني رسول الله ص وأنا ابنة سبع سنين. وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين. وتزوجني بكرًا لم يكن في أحد من الناس. وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد. وكنْتُ من أحب الناس إليه. ونزل فيَّ آياتٌ من القرآن كادت الأمة تهلك فيها. ورأيت جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ  ولم يره أحد من نسائه غيري. وقُبِض في بيتي ؛ لم يَلِهِ أحد غير الملك إلا أنا ».

قال الشيخ الألباني:« منكر ، أخرجه الحاكم (4/10)... وإنما أوردتُ الحديث من أجل ذكر مريم فيه مع هذه الخلة الأخيرة ؛ فإني لم أجد لها شاهدًا يقويها ، وقد استغلها الشيعي عبد الحسين في (مراجعاته) (257-258) ؛ فجزم بنسبة الحديث إليها ، ثم أخذ يغمز منها بسبب هذه الخلة ، وهي مما لم يثبت عنها كما تبين لك من هذا التخريج ، بخلاف الخلال التي قبلها ، فكلها صحيحة ثابتة عنها في (الصحيحين) وغيرهما.

فاعلم هذا ؛ يساعدْك على دفع المطاعن الشيعية عن أم المؤمنين ل!» ( ).

وقد وجدت على أحد المواقع الشيعية أحدَهم يزعم أن عائشة  ل كانت قبيحة المنظر ومنفّرة لسوادها ولوجود أثر الجدري والبثور الكثيرة في وجهها، فلا يرغب بها أحدٌ من الرجال. ثم قال: « راجع لسان الميزان لابن حجر  ج4 ص136».

وعند مراجعة لسان الميزان لابن حجر (ج4 ص136) تجد تكذيب ابن حجر لهذا الكلام فهذا كلامه :« 433 - سهيل بن ذكوان أبو السندي عن عائشة  ل وزعم أنها كانت سوداء فكذَّبَه يحيى بن معين ، وقال غير واحد:«متروك الحديث » ، ... وقال عباد بن العوام قلت لسهيل بن ذكوان:« أرأيت عائشة؟» ، قال:«نعم» ، قلت :« صِفْها لي» ، قال:«كانت أدماء» ، قال عباد:« كنا نتهمه بالكذاب ، قد كانت عائشة بيضاء شقراء » ، ... وقال ابن المديني:« ثنا محمد بن الحسن الواسطي عن سهيل بن ذكوان قال:« لقيت عائشة بواسط » ، انتهى  ، وهكذا يكون الكذب فقد ماتت عائشة قبل أن يخط الحجاج مدينة واسط بدهر ». 

روايات لا تصح

 قد يفهم منها الطعن 

في عائشة أو التنقيص من قدرها

1- أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ :

رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : وَكَانَ مَتَاعِي فِيهِ خَفٌّ ، وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ نَاجٍ ، وَكَانَ مَتَاعُ صَفِيَّةَ فِيهِ ثِقَلٌ ، وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ ثَقَالٍ بَطِيءٍ يَتَبَطَّأُ بِالرَّكْبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص: « حَوِّلُوا مَتَاعَ عَائِشَةَ عَلَى جَمَلِ صَفِيَّةَ ، وَحَوِّلُوا مَتَاعَ صَفِيَّةَ عَلَى جَمَلِ عَائِشَةَ حَتَّى يَمْضِيَ الرَّكْبُ »، قَالَتْ عَائِشَةُ:« فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ ، قُلْتُ : يَا لَعِبَادِ اللهِ ، غَلَبَتْنَا هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص :« يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنَّ مَتَاعَكِ كَانَ فِيهِ خَفٌّ وَكَانَ مَتَاعُ صَفِيَّةَ فِيهِ ثِقَلٌ ، فَأَبْطَأَ بِالرَّكْبِ ، فَحَوَّلْنَا مَتَاعَهَا عَلَى بَعِيرِكِ ، وَحَوَّلْنَا مَتَاعَكِ عَلَى بَعِيرِهَا » ، قَالَتْ: فَقُلْتُ :« أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟».

قَالَتْ : فَتَبَسَّمَ ، قَالَ :« أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتِ يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ؟» ، قَالَتْ : قُلْتُ : «أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟  أَفَهلا عَدَلْتَ ؟ » ، وَسَمِعَنِي أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ فِيهِ غَرْبٌ ـ أَيْ حِدَّةٌ ـ  فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَلَطَمَ وَجْهِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص :« مَهْلا يَا أَبَا بَكْرٍ » ، فَقَالَ :« يَا رَسُولَ اللهِ ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتْ ؟ » ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« إِنَّ الْغَيْرَى لا تُبْصِرُ أَسْفَلَ الْوَادِي مِنْ أعْلَاه» ( ).

البيان:

هذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني:« هذا سند ضعيف ؛ وفيه علتان :

الأولى : عنعنة ابن إسحاق ؛ فقد كان يدلس( ). 

والأخرى : ضعف سلمة بن الفضل ـ وهو الأبرش ـ قال الحافظ في (التقريب) : «صدوق كثير الخطأ» ( ). 

وسَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ فيه أَبُو حَاتِمٍ:« لاَ يُحْتَجُّ بِهِ». وَقَالَ البُخَارِيُّ:« عِنْدَهُ مَنَاكِيْرُ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ:« ضَعِيْفٌ». وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ:« أَهْلُ الرَّيِّ لاَ يَرغَبُوْنَ فِيْهِ؛ لِظُلمٍ فِيْهِ». وَقَالَ ابْنُ مَعِيْنٍ:« كَانَ يَتَشَيَّعُ » ( ). 

وأشار الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين إلى تدليس محمد بن إسحق فقال:« أخرجه أبو يعلى في مسنده ، وأبو الشيخ في كتاب (الأمثال) من حديث عائشة وفيه ابن اسحق وقد عنعنه »  ( ).

وإيراد الغزالي لهذه القصة من جملة ما حشا به كتابه (الإحياء) من آلاف الأحاديث الضعيفة والموضوعة. وهذه الرواية بذاتها كانت سببًا في توجيه نقد أهل العلم إليه ( ).

2- اتق الله، ولا تقل إلا حقا: 

ورُوِي عن عائشة ل أنه كان بينها وبين رسول الله ص كلام، فقال لها: «من ترضين بيني وبينك؟ أترضين بعمر بن الخطاب؟». قالت:« لا ؛ عمر فظ غليظ» ، قال ص:« أترضين بأبيك بيني وبينك؟». قالت:« نعم» ، فبعث إليه رسول الله ص فقال:« إن هذه من أمرها كذا ومن أمرها كذا» ، قالت:فقلت:« اتق الله، ولا تَقُلْ إلا حقًّا!». 

قالت:« فرفع أبو بكر يده فرشم أنفي، وقال:« أنت لا أم لك يا ابنة أم رومان ؛ تقولين الحق أنت وأبوك ولا يقوله رسول الله ص » ، فابتذر منخري كأنهما عزلاوان فقال رسول الله ص :« إن لم نَدْعُكَ لهذا !».

قالت: ثم قام إلى جريدة في البيت فجعل يضربني بها، فوليت هاربة منه فلزقت برسول الله ص فقال ص :« أقسمت عليك لما خرجت فإنا لم نَدْعُكَ لهذا» ، فلما خرج قمت فتنحيت رسول الله  ص ، فقال:« ادني » ، فأبيت أن أفعل فتبسم رسول الله ص وقال لها: « لقد كنت من قبل شديدة اللصوق لي بظهري».

البيان:

هذا الحديث ضعَّفَه الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين ، فقال: «أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) ، والخطيب في ( التاريخ ) من حديث عائشة بسند ضعيف » ( ).

3- اقصد يا رسول الله (أي اعدل):

رُوِيَ  عن عائشة ل قالت:« كان بيني وبين رسول الله ص كلام فقال: «بِمَنْ ترضِينَ أن يكون بيني وبينك؟ أترضين بأبي عبيدة بن الجراح؟» ، قلت:« لا ؛ ذاك رجل لَيِّنٌ يقضي لك عَلَيَّ». قال:« أترضين بعمر بن الخطاب؟» ، قلت:« لا ؛ إني لأفْرَقُ مِن عمر» ،  فقال رسول الله ص :« والشيطان يَفْرَقُ منه» ( ) ، فقال:« أترضين بأبي بكر» ، قلت:« نعم » ، فبعث إليه فجاء فقال رسول الله ص:« اقضِ بيني وبين هذه».

قال:«أنا ، يا رسول الله؟».

قال :«نعم ».

فتكلم رسول الله ص فقلت له:« اقصد ، يا رسول الله».

قالت:« فرفع أبو بكر يده فلطم وجهي لطمة بَدَر منها أنفي ومنخراي دمًا وقال:« لا أم لك ؛ فمن يقصد إذا لم يقصد رسول الله ص؟».

فقال ص:«ما أردنا هذا » ، وقام فغسل الدم عن وجهي وثوبي بيده» ( ).

البيان:

هذا الحديث ضَعّفَه الحافظ العراقي في تخريج  كتاب ( إحياء علوم الدين ) فقال:«أخرجه الطبراني في (الأوسط) والخطيب في (التاريخ) من حديث عائشة بسند ضعيف »  ( ).

4- عائشة متكبرة:

رُوِيَ عن عائشة ل قالت:« دخلَتْ عَلَيَّ امرأةٌ مسكينة ومعها شيء تهديه إليَّ فكرهْتُ أنْ أقبلَه منها رحمةً لها ، فقال لي نبي الله ص : « فهلا قبلتِه وكافأتِها ، فأرى أنك حقرتِها ، فتواضعي يا عائشة فإن الله يحب المتواضعين ويبغض المستكبرين» ( ). 

البيان:

هذا الحديث لا يصح ، فقد أشار إلى ذلك أبو نعيم الأصفهاني ؛ فقال عقب روايته له: «غريب من حديث زاذان وأبي هاشم ، واسم أبي هاشم يحيى بن دينار الواسطي ، لم نكتبه الا من حديث خلف عن عبد الغفور ».اهـ.

وهذا الإسناد موضوع فيه عبد الغفور وهو أبو الصباح الأنصاري الواسطي ، قال عنه :« تركوه ، منكر الحديث» ، وقال ابن معين:«ليس بشئ» ( ) ، وقال ابن عدى: «ضعيف ، منكر الحديث». وأورد الذهبي عددًا من منكراته( ).

وقال ابن حبان:«كان ممن يضع الحديث على الثقات، كعب وغيره، لا يحل كتابة حديثه ولا ذكره إلا على جهة التعجب »( ). 

وقد يقول قائل:وما الفائدة من ذكر هذا  الحديث الضعيف في هذا الباب ، فلو كان الحديث صحيحًا لما كان فيه مطعنٌ في عائشة ت ، حيث ليس فيه أنها رفضت الهدية تكبرًا بل رحمةً بالمرأة المسكينة ؟

والجواب: أن بعض الكتب لا تذكر قصة الحديث ، فيأتي الطاعنون فيذكرون مَتْنَه فقط فيفهم البعض ـ بمفهوم المخالفة ـ أن عائشة  ل كانت متكبرة فنصحها النبي ص بالتواضع. وقد وجدتُ مقالة لأحد الروافض على الشبكة العنكبوتية يذْكُرُ فيها أن عائشة  ل متكبرة ، ويستدل على ذلك بهذا الحديث الموضوع ، وحذف منه جملة (رحمةً لها ). 

5- تتصدق بحبة عنب ، أسخريةً أم بخلًا؟:

قال مَالِكٍ :بَلَغَنِى أَنَّ مِسْكِينًا اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْـمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ فَقَالَتْ لإِنْسَانٍ:« خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا» ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْجَبُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : «أَتَعْجَبُ ؟ كَمْ تَرَى فِى هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ »( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح للانقطاع بين مالك وعائشة ، حيث قال مَالِكٍ:«بَلَغَنِى».

وبينه وبين عائشة مفاوز ؛ فقد توفيت عائشة سَنةَ سَبْعٍ وخمسين على الصحيحِ، وقيل: سَنَة ثمان وخمسين ، ووُلدَ الإمام مالك بن أنس سنة ثلاث وتسعين ( ).

6- قلة علمها وسوء تعبيرها للرؤيا:

رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ص ، قَالَتْ:« كَانَتِ امْرَاةٌ مِنْ أهْلِ الْـمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِف ، فَكَانَتْ تَرَى رُؤْيَا كُلَّمَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَلَّمَا يَغِيبُ إلاَّ تَرَكَهَا حَامِلًا ، فَتَأتِي رَسُولَ اللهِ ص فَتَقُولُ:« إِنَّ زَوْجِي خَرَجَ تَاجِرًا فَتَرَكَنِي حَامِلًا ، فَرَأيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِي انْكَسَرَتْ ، وَإِنِّي وَلَدْتُ غلامًا أعْوَرَ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِِ ص :« خَيْرٌ ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ عَلَيْكِ ـ إِنْ شَاءَ اللهُ تعَالَى ـ صَالِحًا ، وَتَلِدِينَ غُلامًا بَرًّا » ، فَكَانَتْ تَرَاهَا مَرَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ تَاْتِي رَسُولَ اللهِ ص فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهَا ، فَيَرْجِعُ زَوْجُهَا وَتَلِدُ غُلامًا. 

فَجَاءَتْ يَوْمًا كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِ وَرَسُولُ اللهِ ص غَائِبٌ وَقَدْ رَأتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا ، فَقُلْتُ لَهَا :« عَمَّ تَسْألِينَ رَسُولَ اللهِ ص يَا أمَةَ اللهِ؟» ، فَقَالَتْ:« رُؤْيَا كُنْتُ أرَاهَا فَآتِي رَسُولَ الله  ص فَأسْالُهُ عَنْهَا ، فَيَقُولُ خَيْرًا ، فَيَكُونُ كَمَا قَالَ». 

فَقُلْتُ:« فَأخْبِرِينِي مَا هِيَ؟» ، قَالَتْ :« حَتَّى يَاْتِيَ رَسُولُ اللهِ ص فَأعْرِضُهَا عَلَيْهِ ، كَمَا كُنْتُ أعْرِضُ ، فَوَاللهِ مَا تَرَكْتُهَا حَتَّى أخْبَرَتْنِي ، فَقُلْتُ:« وَاللهِ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَلَتَلِدِينَ غُلامًا فَاجِرًا» ، فَقَعَدَتْ تَبْكِي ، وَقَالَتْ:« مَا لِي حِينَ عَرَضْتُ عَلَيْكِ رُؤْيَايَ » ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِِ ص وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ لَهَا :« مَا لَهَا يَاعَائِشَةُ؟» ، فَأخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ، وَمَا تَأوَّلْتُ لَهَ. 

فَقَالَ رَسُولُ اللهِِ ص:« مَهْ يا عَائِشَةُ ، إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُون عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا». فَمَاتَ وَاللَّه زَوْجُهَا ، وَلا أُرَاهَا إِلاَّ وَلَدَتْ غُلامًا فَاجِرًا»( ). 

الجواب:

1- هذا الحديث لا يصح ، فيه ابن اسحق ، وهو مُدَلِّس ، قال حسين سليم أسد محقق سنن الدارمي عقب هذا الحديث:« إسناده رجاله ثقات غير أن ابن إسحاق قد عنعن»( ).

2- وإن كانت المرأة قد عرضت رؤياها على النبي ص  مرة وأوَّلَها لها فما فائدة ذهابها إليه بعد ذلك مرتين أو ثلاثًا ، والرؤيا نفس الرؤيا والواقع نفس الواقع.

7-  أعلة وبخلا:

رُوِيَ عن الأسود ، عن عائشة ، أن رسول الله ص كان يصلي فوجد القَرّ ، فقال : « يا عائشة أرخي علي مرطك » . قالت:« إني حائض » ، قال : « أعلة وبخلا ؟ إن حيضتك ليست في ثوبك » ( ).

البيان:

هذا الحديث ضعفه الألباني ( ).

8 - يا أبا بكر ألا تعذرني من عائشة:

عن بن المسيب قال قال رسول الله ص لأبي بكر:« يا أبا بكر ألا تعذرني من عائشة» ، فرفع أبو بكر يده فضرب صدرها ضربة شديدة فجعل رسول الله يقول:«غفر الله لك يا أبا بكر ما أردت هذا» ( ). 

البيان:

هذه القصة من رواية محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب( ).

9- يا عائشة أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن :

رُوِيَ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت:«سمعت عائشة تقول:«لبستُ ثيابي فطفقت أنظر إلى ذيلي وأنا أمشي في البيت وألتفت إلى ثيابي وذيلي» ، فدخل علي أبو بكر فقال:«يا عائشة أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن» ( ) .

البيان:

هذا الإسناد فيه عبد الرحمن بن الحسن الزجاج ، قال أبو حاتم :«يكتب حديثه ولا يحتج به » ( ).

10- ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك:

رُوِيَ عن عروة بن الزبير عن عائشة ل قالت:«لبست مرة دِرْعًا لي جديدًا فجعلتُ أنظر إليه وأعجبتُ به ، فقال أبو بكر:«ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك» ، قلتُ:«ومِمَّ ذاك؟» ، قال:«أما علمت أن العبد إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه ـ عز وجل ـ حتى يفارق تلك الزينة».

قالت:« فنزعته فتصدقت به».

فقال أبو بكر:«عسى ذلك أن يكفر عنك» ( ). 

البيان:

هذا الإسناد فيه إسحاق بن بشر ، قال عنه ابن حجر:« تركوه ، وكذّبه علي بن المديني. وقال ابن حبان: «لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب». وقال الدارقطني: «كذاب متروك»( ).

11- ناحت على أبيها أبي بكر يوم وفاته: 

رُوِيَ عن سعيد بن المسيب، قال: لما توفى أبو بكر ـ رحمه الله ـ أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها، فنهاهن عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد:« ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قحافة ؛ أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر:« إني أحرج عليك بيتي». 

فقال عمر لهشام:« ادخل فقد أذنت لك، فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرة، فضربها ضربات، فتفرق النوح حين سمعوا ذلك» ( ). 

البيان:

هذا الأثر منقطع فهو من رواية سعيد بن المسيب وهو لم يدرك أبا بكر.

قال الحافظ ابن حجر في ترجمته:« سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي. روى عن أبي بكر مرسلًا». ( )

12- أقَرَّتْ أن معاويةَ  ت من الطلقاء و ليس من الصحابة  ( ):  

رُوِيَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ:« أَلَا تَعْجَبِينَ لِرَجُلٍ مِنَ الطُّلَقَاءِ يُنَازِعُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص فِي الْخِلَافَةِ ؟ » ، فَقَالَتْ:« وَمَا تَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ؟ هُوَ سُلْطَانُ اللهِ يُؤْتِيَهُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَقَدْ مَلَكَ فِرْعَوْنُ أَهْلَ مِصْرَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ»  ( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح في سنده أيوب بن جابر أبو سليمان اليمامي ، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث ، ضعفه ابن معين وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ومعاوية بن صالح ، وقال أبو حبان :« كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه».

وقد قال عنه الذهبي: «ضعيف » ، وقال عنه الحافظ في التقريب:« ضعيف ».

وفيه أيضا عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر الجوبري فيه جهالة  ( ).

13- شَوَّفَتْ جارية وطافَتْ بها وقالت : لعلنا نصطاد بها شباب قريش:

1- رُوِيَ عن امرأة عن عائشة أنها شوفت جارية وطافت بها وقالت : «لعلنا نصطاد بها شباب قريش » ( ).

2- رُوِيَ عن امرأة منهم عن عائشة أنها شَوَّفَتْ جارية وطافت بها وقالت : «لعلنا نصيب بها بعض شباب قريش» ( ).

البيان:

أولًا: هذه الرواية لا تصح لأمرين:

1- في إسنادها عمار بن عمران الجعفي قال الذهبي وابن حجر:« لا يصح حديثه ، ذكره البخاري في الضعفاء »( ).

2-  في إسنادها (امرأة منهم) وهي مجهولة.

ثانيًا: معنى شَوَّفْت الجارية : أي زيَّنْت ما يحل إظهاره منها وألبستها الملابس الجميلة لتحسن في عين الخاطب وطالب النكاح ، والجارية البنت صغيرة السن التي لم تبلغ.ويدل على هذا الفهم الروايات الأخرى التي ذكرها ابن أبي شيبة في الباب ، وقد كان من المعتاد أن تتزوج البنت قبل البلوغ كما حدث مع أمنا عائشة  ل ، فانظر كيف أدي اتباع الهوى والفهم السقيم لهذه الرواية المكذوبة إلى اتهام عائشة  ل بأنها تصطاد الشباب لتوقعهم في الفاحشة مع أن معناها تزيين البنت الصغيرة لتنال زوجًا وفق شرع الله ﻷ. 

14- عائشة أرَتْ مولاها سَالِمٌ سَبَلَانُ كيف كان رسول الله ص يتوضأ:

قال الإمام  النَسائى :«أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ:حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ جُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْـمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ذُبَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ سَالِمٌ سَبَلَانُ ، قَالَ ـ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَعْجِبُ بِأَمَانَتِهِ وَتَسْتَأْجِرُهُ  ـ :« فَأَرَتْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ  ص يَتَوَضَّأُ فَتَمَضْمَضَتْ وَاسْتَنْثَرَتْ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَتْ وَجْهَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَتْ يَدَهَا الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، وَالْيُسْرَى ثَلَاثًا ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ، ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى مُؤَخِّرِهِ ثُمَّ أَمَرَّتْ يَدَهَا بِأُذُنَيْهَا ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ ، قَالَ سَالِمٌ :« كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا مَا تَخْتَفِي مِنِّي فَتَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيَّ ، وَتَتَحَدَّثُ مَعِي حَتَّى جِئْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ : «ادْعِي لِي بِالْبَرَكَةِ يَا أُمَّ الـْمُؤْمِنِينَ »، قَالَتْ : «وَمَا ذَاكَ ؟ » قُلْتُ :«أَعْتَقَنِي اللهُ» ، قَالَتْ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ » ، وَأَرْخَتْ الْحِجَابَ دُونِي فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ».

البيان:

أولًا: هذا الأثر  رواه الإمام النسائي ، وقال عنه الشيخ الألباني :«صحيح الإسناد».

وهذا القول ليس تصحيحًا للحديث ؛ فهناك فرق بين قول أحد علماء الحديث: «هذا الحديث صحيح» وبين قوله:«إسناده صحيح » ؛ فالأول جَزْمٌ بصحته ، والثاني شهادة بصحة سنده ، وقد يكون فيه علة أو شذوذ ، فيكون سنده صحيحًا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.

ثانيًا: في إسناد هذا الأثر عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب:«مقبول من السادسة» ( ).

ومعناه عنده أنه ( لين الحديث ) حيث تفرد ، ولم يتابع ، حيث قال في مقدمة التقريب: «السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل ، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول ، حيث يُتَابَع ، وإلا فلين الحديث».

وعبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب لم يُتَابع ، فلم يَرْوِ عنه غير جعيد بن عبد الرحمن. 

معنى اصطلاح الحافظ ابن حجر:

قال الدكتور ماهر الفحل:

«الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده وهي :

1 - قلة الحديث .

2 - عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله .

3 - المتابعة.

فالأصل في المقبول عند الحافظ أنه ضعيف ، إذ ( ليِّن الحديث) من ألفاظ التجريح، فإذا توبع الراوي رفعته المتابعة إلى مرتبة القبول ، فالمتابعة شرط لارتقاء الراوي من الضعف إلى القبول عند الحافظ ابن حجر ، و(المقبولية ) أول درجات سلّم القبول بمعناه الأعم» ( ).

يتضح مما سبق أن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب ضعيف عند الحافظ ابن حجر ؛  أما ذِكْرُ ابن حبان له في ( الثقات ) ( ) ، فلا يُعتد به ، فابن حبان لا يُعتمد على توثيقه. وقد أشار الشيخ الألباني نفسه  كثيرًا إلى تساهل ابن حبان في التوثيق ( ).

وإذا طبقنا كلام الشيخ الألباني / فلن نتردد في الحكم على هذا الأثر  بالضعف( ).

ثالثًا: وقد قال ص:«الْـمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ»( ).

ويدل هذا الأثر ـ إن صح ـ على أن سالم سبلان راوي الحديث كان مكاتَبًا ، والمكاتَب هو العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمال يؤديه إليه ، وكانت عائشة ل  لا تحتجب عنه ، وكان يرى شعرها وأطرافها ، ولما أخبرها بأن الله قد منَّ عليه بالحرية أرْخَتْ الحجاب دونه فلم يرها بعد ذلك.

ومكاتَب المرأة يجوز له أن يرى منها ما لا يجوز لغيره ، فإذا أدى ما عليه وجب عليها أن تحتجب عنه.

فهذه الرواية تدل على أن عائشة  ل لم تكن تأذن لغير مِلْك يمينها بالدخول عليها ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد في المسند  عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ مُكَاتِبًا لَهَا دَخَلَ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ مُكَاتَبَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ:« أَنْتَ غَيْرُ دَاخِلٍ عَلَيَّ غَيْرَ مَرَّتِكَ هَذِهِ، فَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص ، يَقُولُ:«مَا خَالَطَ قَلْبَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ رَهَجٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ»( ).

والشيعة في كتبهم ومروياتهم أجازوا للمملوك أن يرى شعر مولاته وساقها؟

فليقرأ الرافضة قول علمائهم بأن المرأة لا يجب أن تحجب من العبد إلا أن يؤدي ما يعتقه ( ).



أكاذيب 

وافتراءات في 

كتب الشيعة لا تصح 

نسبتها إلى أم المؤمنين عائشة ل

أثبت العرش ثم انقش :

الأصل عدم تصديق الروايات الواردة في كتب الشيعة فإن رَدّ شهادة مَن عُرِفَ بالكذب متفق عليه بين الفقهاء ( )  فكيف بشهادة في أصحاب النبي  ص وزوجاته.

ومن المعلوم أن الشيعة هم أكذب الطوائف المبتدعة على الإطلاق ، قال شيخ الإسلام:« إن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة ومعرفة الأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والأثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها وإنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب ، بل وبالإلحاد ، وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام بن محمد بن السائب وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم ، مع أن أمثال هؤلاء هُم مِن أجَلّ من يعتمدون عليه في النقل إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممن لا يُذكر في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرجال.

وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف ، والكذب فيهم قديم ، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب.

 قال أبو حاتم الرازي سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال أشهب بن عبد العزيز:«سئل مالك عن الرافضة فقال :«لا تكلمهم ولا تَرْوِ عنهم ؛ فإنهم يكذبون».

وقال أبو حاتم:« حدثنا حرملة قال:سمعت الشافعي يقول:«لم أر أحدًا أشهَدَ بالزورِ من الرافضة».

وقال مُؤ َمِّل بن إهاب سمعت يزيد بن هارون يقول:«يُكْتَب عن كل صاحب بدعة ، إذا لم يكن داعية ، إلا الرافضة ؛ فإنهم يكذبون».

وقال محمد بن سعيد الأصبهاني سمعت شُرَيْكًا يقول:« احمل العلم عن كل مَن لقيتَ ، إلا الرافضة ؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا».

 وشُرَيْك هذا هو شُرَيْك بن عبد الله القاضي قاضى الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة.

وهذه آثار ثابتة رواها أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الكبرى هو وغيره » ( ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: « الشِّيعَةُ غَلَوْا فِي الْأَئِمَّةِ وَجَعَلُوهُمْ مَعْصُومِينَ يَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَوْجَبُوا الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَا يُعَرِّجُونَ لَا عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا عَلَى السُّنَّةِ ؛ بَلْ عَلَى قَوْلِ مَنْ ظَنُّوهُ مَعْصُومًا وَانْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الِائْتِمَامِ بِإِمَامِ مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، فَكَانُوا أَضَلَّ مِنْ الْخَوَارِجِ ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ يَرْجِعُونَ إلَى الْقُرْآنِ ـ وَهُوَ حَقٌّ ـ وَإِنْ غَلِطُوا فِيهِ ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَرْجِعُونَ إلَى شَيْءٍ بَلْ إلَى مَعْدُومٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، ثُمَّ إنَّمَا يَتَمَسَّكُونَ بِمَا يُنْقَلُ لَهُمْ عَنْ بَعْضِ الْـمَوْتَى فَيَتَمَسَّكُونَ بِنَقْلِ غَيْرِ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ ؛ وَلِهَذَا كَانُوا أَكْذَبَ الطَّوَائِفِ وَالْخَوَارِجُ صَادِقُونَ فَحَدِيثُهُمْ مِنْ أَصَحِّ الْحَدِيثِ وَحَدِيثُ الشِّيعَةِ مِنْ أَكْذَبِ الْحَدِيثِ »( ).

وقال ابن قيم الجوزية :«الرافضة أكذب خلق الله ،و أكذب الطوائف »( ).

وقال الذهبي :«أكثر ما ترويه الرافضة كذب ،ودأبهم رواية الأباطيل ،ورَدّ ما في الصحاح والأسانيد ،وتكفير الصحابة ،والتدثر بالتقية و النفاق ، فمن كان ذلك حالهم لا تقبل روايتهم ولا يحتج بقولهم »( ). 

وقال ابن حجر :« الشيعة لا يوثق بنقلهم»( ) .

لماذا كان الشيعة أكثر الطوائف كذبا؟

هناك ثلاثة أسباب رئيسة أوصلتهم إلى المبالغة في الكذب والتخصص فيه:

أولها:إن الشيعة الرافضة الأوائل لما كانوا على منهاج باطل وفكر ضال، مخالفين لأهل البيت ي ـ و هم يزعمون أنهم على منهاجهم و فكرهم ـ دفعهم ذلك إلى الكذب عليهم ، وتأسيس مذهب جديد يوافق أفكارهم الضالة ، ثم نسبوه لأهل البيت .

والسبب الثاني: هو أنه لما كان مذهب الرافضة ـ على اختلاف تياراته ـ يتناقض تمامًا مع القرآن الكريم ، دفعهم ذلك إلى الكذب على أهل البيت ، واتخاذ أقوالهم المكذوبة عليهم أدلة شرعية مقدسة لرد ما جاء في القرآن الكريم ، وتأسيس مذهبهم الباطل . 

والسبب الثالث:هو أنهم لما كانت السنة النبوية الصحيحة ، والحوادث التاريخية المتواترة تناقض مذهبهم ، لجؤوا إلى الكذب على رسول الله  ص وأهل بيته وصحابته ي ، لِرَدّ المتواترات من السنة النبوية ، والحوادث التاريخية ، تأسيسًا لمذهبهم و نصرًا لباطلهم و تعصبًا له.

و هؤلاء ـ أي الشيعة ـ في احترافهم للكذب كانوا مدفوعين بتعصب أعمى لمذهبهم ،وبحقد دفين لمن يُخالفهم ، وإلا ما وصل بهم الأمر إلى اختلاق الأكاذيب لرد ما في القرآن ،والزعم بتحريفه ، وسب الصحابة وتكفيرهم ، وهم خير الناس بعد رسول الله  ص ، بشهادة القرآن والسنة والتاريخ ( ).

اعتماد الروايات الشيعية على المجهولين والكذابين( ):

نحن لا نعرف مصدرًا شيعيًّا قديمًا صحيحًا، فهذا الكافي أصح كتاب عندهم، مملوء بغرائب الأحاديث التي يُستحى من إضافتها إلى دين الله ﻷ ، وإن كنَّا نعتقد أنَّها باطلة، وكذلك يعتقد كثير من علماء الشيعة أنَّها باطلة. لكن يصعب تمييز صحيحها من باطلها لدى كثير من الناس، وقد ظهر في الآونة الأخيرة مَن يتتبع أحاديثه ويبين صحيحها من سقيمها على منهج الإمامية، وهذا توجه مفيد إذا آتى ثماره.

وروايات العقيدة وروايات التاريخ عند الشيعة، تقوم على رجال مجهولين، فكيف يمكن أن يتوصل إلى الصحيح منها من خلال رواة مجهولين، كما اعترف المحققون منهم؟؟!!

قال السيد محمد الصدر في مقدمته لتاريخ الغيبة الصغرى تحت عنوان: (تمهيد) وهو يتحدَّث عن أسباب الغموض في التاريخ الإسلامي ـ أي الشيعي ـ فذكر عدة نقاط قال في الخامسة منها:« الخامسة: نقطة إسناد الروايات ، حيث إنَّ المصنفين الإمامية جمعوا في كتبهم كل ما وصل إليهم من الروايات عن الأئمة ‡ أو عن أصحابهم، بِغضّ النظر عن صحتها أو ضعفها.

وعلماء الشيعة الإمامية الذين ألفوا في الرجال اقتصروا في كتبهم على الترجمة لرواة الأحاديث الفقهية التشريعية، وأَوْلَوْها العناية الخاصة بصفتها محل الحاجة العملية في حياة الناس.

لكن هذه الكتب أَهْمَلتْ إهمالًا تامًا ذِكْر الرجال الذين وُجِدت لهم روايات في حقول أخرى من المعارف الإسلامية، كالعقائد والتاريخ والملاحم، ممَّا قد يربو على رواة الكتب الفقهية!!

فإذا وُفِّقَ من حسن الحظ أن روى الراوي في التاريخ والفقه معًا، وجدنا له ذكرًا في كتبهم، أمَّا إذا لم يرو شيئًا في الفقه، فإنَّه يكون مجهولًا »( ).

أرأيت هذا الاعتراف الخطير كيف يكشف عن حقيقة تهدم المذهب من أساسه، وتوقظ القلوب الحية الباحثة عن الحق لتعلن ـ كما أعلن العشرات من علماء المذهب الشيعي التخلي عنه إلى عقيدة الحق.

ويقرر الحر العاملي ( ) ، وهو يعترض على التطور الجديد في المذهب الذي يدعو إلى إخضاع الروايات الشيعية للنقد، وزعمه بأن إيراد الروايات في المصادر الشيعية كافٍ في صحتها، وأنه لو طبقت قواعد الجرح والتعديل الإمامي ـ فقط ـ لضعف جميع رواة المذهب، وهذا حكم يؤيد كلام الصدر السابق ، قال العاملي:« وهذا الكلام يستلزم الحكم بصحة أحاديث الكتب الأربعة، وأمثالها من الكتب المعتمدة، التي صرح مؤلفوها وغيرهم بصحتها، واهتموا بنقلها ورواياتها، واعتمدوا في دينهم على ما فيها.

ومثله يأتي في رواية الثقات الأجلاء ـ كأصحاب الإجماع ونحوهم ـ عن الضعفاء والكذابين والمجاهيل، حيث يعلمون حالهم، ويروون عنهم، ويعملون بحديثهم، ويشهدون بصحته، وخصوصًا مع العلم بكثرة طرقهم، وكثرة الأصول الصحيحة عندهم! وتمكنهم من العرض عليها بل على الأئمة ‡.

فلا بد من حمل فعلهم وشهادتهم بالصحة على وجه صحيح، لا يتطرق به الطعن إليهم، وإلا لزم ضعف جميع رواياتهم لظهور ضعفهم وكذبهم، فلا يتم الاصطلاح الجديد!! ويظهر من ذلك ضعف الاصطلاح الجديد على تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثوق وضعيف، الذي تجدد في زمن العلامة وشيخه أحمد بن طاوس» ( ).

أرأيت لو طبق منهج النقد الشيعي الإمامي ـ فقط ـ لَأَدّى إلى ضعف جميع الروايات ؛ لأن الرواة ما بين كذاب وضعيف؟؟!! 

نترك لك أنت الحكم ولكل عاقل يحترم دينه وعقله.

واستمع إلى آية الله العظمى أبي الفضل البرقعي، وهو يتحدث عن نشأة الروايات الشيعية، حيث يقول:« ولكن بعد مُضي قرن أو قرنين من الزمان ، ظهرت أخبارٌ بِاسم الدين، ووجد أشخاص بِاسم المحدِّثين أو المفسِّرين الذين جاءوا بأحاديث مسندة عن النبي ص » ... إلى أن قال:« وضَعْتُ كتابي هذا موضحًا فيه:أنَّ هذه الخلافات إنَّما نشأت بسبب الأخبار المفتراة الواردة في كتبنا المعتبرة نحن «الشيعة»...» ، إلى أن قال:« وكان الوضاعون من أشباه المتعلمين وأصحاب الخرافات، قد أحدثوا أكثر هذه الأخبار في القرن الثاني أو الثالث؛ حيث لم تكن هناك حوزة علمية...».

ثمَّ بيَّن أنَّ: « الشيخ الصدوق كان إنسانًا محترفًا يبيع الأرز في قم، كتب كرَّاسًا جمع فيه كل ما سمعه عمن رآه حسنًا ونقله، ومحمد بن يعقوب الكليني أيضًا كان بقالًا في بغداد، وقد جمع ودوَّن طوال عشرين عامًا كل ما سمعه من أهل مذهبه، واعتمد عليه؛ لأنَّ تلك الفترة لم يكن فيها رجال دين بالمعنى المعروف...» ، إلى أن قال:« ليت شعري كيف يكون كتاب الكافي كافيًا لهم، حيث استقى مئات الروايات والموضوعات الخرافية من أعداء الدين، وأثبتها، كما سنفصل ذلك...» إلى أن قال:« ففي كتاب الكافي عيوب كثيرة؛ سواء من حيث السند ورواته كانت، أم من حيث المتن وموضوعاته؛ وأمَّا من حيث السند فمعظم رواته من الضعفاء والمجهولين، ومن الناس المهملين، وأصحاب العقائد الزائفة، وهذا ما يقول به علماء الرجال من الشيعة».

ثمَّ حدد هدفه من تأليف كتابه: «كسر الصنم» فقال:

1- لقد دخَلَتْ إلى الإسلام خرافاتٌ بِاسم الدين...

2- قد أُسِّست معظم طوائف الشيعة التي تبلغ قريبًا من مئة فرقة على هذه الأخبار...

3- وقد تلاعبوا بآيات القرآن وحرَّفوها عن وجوهها عن طريق هذه الأخبار...

4- كما أنَّ هذه الأخبار المختلفة، كانت سببًا لسوء ظن جمهور علماء المسلمين وطعنهم بالشيعة »( ).

صدَقَ.. والله! إنَّها سبب اعتقاد علماء المسلمين بأنَّ الذي وضع هذه الأحاديث هم من الزنادقة.

وإن كان كثير من الأتباع لا يضمر الشر للدين وأهله؛ بل يتديَّن عن جهل بما فيها.

وقد أورد البرقعي رحمه الله نموذجًا من هؤلاء فقال:« وفي حوار مع أحد المجتهدين قال:«إنَّ أحاديث الكافي كلها صحيحة، ولا يُحتَمل الشك فيها أبدًا، وإذا قال أحدٌ غير هذا فهو مغرض».

فقلت لهذا المجتهد:« إذا كنت تقول بصحة جميع أحاديثه، فلِم لا تعتقد بثلاثة عشر إمامًا؛ ذلك لأنَّه روى في المجلد الأول من الكافي في باب عدد الأئمة أربع روايات على أنَّ الأئمة ثلاثة عشر إمامًا؟!».

قال: أرني ذلك، فأريته، فتعجب وقال: ما رأيت ذلك قبل! »( ).

أرأيت ـ وفقنا الله وإيَّاك ـ كيف تكشَّف لهذا الإمام الصادق في البحث عن الحقيقة فساد هذه الروايات التي فرَّقت الأمَّة؟!!

نموذج من جهالة رواة الشيعة في أحاديث الاعتقاد:

المُعتمَد عند الشيعة أنَّ الإمامة لا تثبت لأحد إلَّا بنص من الإمام السابق.

وقد عقد الكليني بابًا لإثبات إمامة الحسن العسكري والد المهدي، وأورد فيه ثلاث عشرة رواية ( ) لم يصح منها واحدة على ضوء كلام أئمة الجرح من الشيعة أنفسهم.

وهنا وقفات:

أولًا: جميع الأسانيد فيها رجال (مجهولون)، وهذا يُؤكِّد كلام السيد محمد الصدر ، بأنَّ كتب التراجم أهملت ذكر رواة (العقائد والتاريخ) فهم مجهولون ( ). وهذا يؤكد كلام البرقعي بأنَّ رواة الكافي من: (الضعفاء والمجهولين... والمهملين وأصحاب العقائد الزائفة». إذن: أين الثقة في المرويات التي يُبنى عليها أعظم شيء في حياة المسلم (العقيدة).

ثانيًا: إذا لم تثبت (إمامة) أحد ممن يزعم أنَّه (إمام) ـ وهذه قضية عقدية كبيرة ـ فهذا ينقض المذهب من أساسه.

ثالثًا: إذا لم تثبت إمامة (الحادي عشر) فالثاني عشر: (الوهمي) من باب أولى.

هذا الكلام يرفع الثقة في (عقائد الشيعة الإثني عشرية)، وأما الأحكام فالثقة فيها أصلًا معدومة؛ لأنها لا يُدرَى أيها قيل (تقية)، وأيها قيل: (حقيقة).

وهذا ما يقرره العالم الشيعي يوسف بن أحمد البحراني المتوفى عام (1186هـ) حيث يقول:« لم يُعلَم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار (التقية)، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام: محمد بن يعقوب الكليني ـ نور الله مرقده ـ في جامعه الكافي، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار، فصاروا ـ صلوات الله عليهم ـ محافظة على أنفسهم وشيعتهم يخالفون بين الأحكام، وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة، وإن لم يكن بها قائل من المخالفين! كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم وأخبارهم وتحرى سِيَرهَم وآثارهم»( ).

إن حرمة الزنا لا يجهلها مسلم، فلو وجد شخص مع امرأة أجنبية يزني بها فقال: أنا أستمتع بها!! فكيف تستطيع أن تعرف الحقيقة؟؟!! إن التقية ترفع حكم الزنا، فلا يمكن أن يوجد زنا مطلقًا!! ولا خطأ؛ لأن التقية تحله!! أي دين هذا يا ترى؟؟؟!!!

أصح كتاب عند الشيعة ثلثاه ضعيف ( ):

صدر كتابان في تخريج كتاب الكافي: (مرآة العقول للمجلسي) و(صحيح كتاب الكافي للبهبودي) وهو الذي زاد كثيرا في تضعيفه لروايات الكافي على ما ضعفه المجلسي حتى يمكن القول بأن كتابه بلغ مجلدًا واحدًا فقط.

وهذان الكتابان كثيرًا ما يتناقضان في الحكم على روايات كتاب الكافي. فما يصححه المجلسي هنا يضعفه البهبودي هناك في الغالب. ولم يبين البهبودي وهو متأخر عن زمن المجلسي سبب مخالفته للمجلسي وتضعيف ما صححه. وهذا ما يدفع بالشيعة إلى عدم الاطمئنان إلى هذا الذي أسموه تحقيقا لروايات الأئمة.

فإن من يضعف لا يبين منهجه في التضعيف بل كثير مما يصححه المجلسي هو غير صحيح بشهادة البهبودي ، وهذه ضربة في مقتل لهذا الكتاب الذي فضلوه على صحيح البخاري.

وهو يؤكد أن تخريج الرافضة لمصادرهم إنما كان دفعا للتجريح ؛ وذلك حتى لا يقال: أين تحقيقكم للروايات عن الأئمة؟ ألستم تخالفون الإخباريين؟

فما كان من المجلسي إلا أن هب ليسدد ضربة للكافي ظنًّا منه أنه يسدي له خدمة ويصونه من التشنيع ؛ فقد حكم المجلسي على ما يقارب من ثلثي الكافي بالضعف ، ولم يبين منهجه وأسباب التضعيف والتصحيح عنده. بل أتى بألفاظ عجيبة يعرف أهل فن التحقيق ونقد الروايات بأنها عبارات ركيكة لا قيمة لها في الحقيقة ولا تعتمد على المنهج العملي في الحكم على الروايات صحة وضعفًا.

فإننا نجد من مصطلحاته في التخريج ما يلي:(موثق كالصحيح) ، (مجهول كالصحيح) ، فكيف استوى وتشابه المجهول مع الموثق في مشابهتهما للصحيح. 

ثم أتى بتعبير آخر وهو (ضعيف على المشهور معتبر عندي). 

ونسأل ما سبب ترجيحك للرواية من التضعيف إلى الاعتبار؟ وما سبب تضعيفك لما صححه الآخرون على المشهور؟

لا نجد منهجًا علميًّا في التحقق من صحة أسانيد رواياتهم ، مما يؤكد لنا أنهم فعلوا ذلك دفعا للطعن والتشنيع عليهم بأنهم لا يعرفون شيئًا اسمه التحقق من الأسانيد.

أبطال اللسان:

وبسبب الكذب الذي تربى عليه الرافضة انبرى أهل السنة والجماعة من العلماء وطلبة العلم لبيان كذبهم على الرسول ص فيما نسبوه إلى النبي ص زورا وبهتانا .

ولعل كتاب ( منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) للشيعي الرافضي ابن المطهر الحلي ، من أصول كتب الشيعة التي تستغل الروايات المكذوبة في كتبهم وكتب التاريخ التي جمعها علماء أهل السنة  ، وقد ردَّ على افتراءات الحلي وضلالاته شيخُ الإسلام ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية).

المراجعات امتداد لمنهاج الندامة ( ):

ومن أهم كتبهم الحديثة (المراجعات) لمؤلفه عبد الحسين شرف الدين الموسوى ، وهو امتداد لكذب ابن المطهر الحلي ، وكتاب المراجعات هذا، من أهم أصولهم المعتمدة في عصرنا الحاضر، ذلك أنه قد جمع أعظم الشُبه التي وردت في كتب أسلافه ، وفصّلها وتظاهر بالاحتجاج لها بما يوهم الدهماء بالإسلوب العلمي ـ وهو أبعد ما يكون عنه ـ  ثم كان مرجعا لكل ما أعقبه من كتبهم التي يحاولون بها النيل من أهل السنة، حتى أن من أخطر كتبهم في عصرنا تلك السلسلة التي صدرت باسم ذلك الشخص، المدعو محمد التيجاني السِّماوي ( ثم اهتديت، لأكون مع الصادقين، فاسألوا أهل الذكر)، وهي كلها في الحقيقة إعادة لعرض الشُبه التي افتراها عبد الحسين صاحب (المراجعات)، لكن بأسلوب جديد خبيث ( ).

ويزعم الكاتب أن مراجعاته عبارة عن حوار جرى بينه وبين شيخ الأزهر (سليم البشرى) ، والتلفيق واضح في الكتاب.

فلقد صور المؤلف شيخ الأزهر أمامه كتلميذ مؤدب أمام شيخ علامة بَزَّ بعلمه الأولين والآخرين ... فترى البشرى يسأل والموسوى يجيب ويسَلّم الأولُ للآخر بكل اجابة حتى نهاية الكتاب.والسؤال الذي يفرض نفسه :لماذا لم يصبح شيخ الأزهر شيعيا بعد أن اقتنع بأصول وفروع المذهب ؟! ( ).

قال الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني : «... وكتاب(المراجعات) للشيعي المذكور محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل عليٍّ  ت ، مع كثير من الجهل بهذا العلم الشريف ، والتدليس علَى القراء والتضليل عن الحق الواقع ، بل والكذب الصريح ( ) ، مما لا يكاد القارئ الكريم يخطر في باله أن أحدًا من المؤلفين يحترم نفسه يقع في مثله»( ).  

ومن أمارات الوضع والكذب في كتاب  (المراجعات):

أولًا: زعم الموسوي أن الكتاب مراسلات خطية حصلت بينه وبين شيخ الأزهر سليم البشري ، ولم يوثِّق كتابه بصورة واحدة من تلك الرسائل الخطية. ورسائل الكتاب بلغت 112 رسالة ، منها 56 رسالة لشيخ الأزهر. وهذا يدل علَى كذب الموسوي ، ويطعن في صحة الرسائل.

ثانيًا: لم يُنشَر الكتاب إلا بعد عشرين سنة من وفاة شيخ الأزهر البشري ، فالشيخ البشري  توفي سنة 1335 هـ ، وأول طبعة للكتاب في سنة 1355 هـ.

ثالثًا: كيف تكون المراسلات بين شيخ الأزهر البشري ولا يعلمها ـ علَى أقل تقدير ـ المقربون من شيخ الأزهر ، وخاصة مَن يعملون معه في الأزهر ؟ ولذلك بادر كثير من أهل العلم إلى تكذيب هذه الرسائل ، ونفْي نسبتها لشيخ الأزهر البشري.

بل إن الدكتور علي السالوس ـ أستاذ الفقه والأصول ، وعضو المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ، والذي كان الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق  قد كلفه بكتابة ردّ علَى كتاب (المراجعات) ـ قد قال في مقدمة كتابه (المراجعات المفتراة علَى شيخ الأزهر البشري ، الفرية الكبرى) : « تحدثتُ مع الشيخ محمد بن سليم البشري ، وذكَرْتُ له كتاب (المراجعات) ، فقال لي ما نَصُّه:«قرأتُ الحديثَ علَى أبي ثلاثين سنة فما ذكَرَ لي شيئًا عن الشيعة ، وما كان يُخفِي عنِّي أيَّ شيءٍ ». اهـ .

وذكر الدكتور عليّ السالوس في مقدمة كتابه المذكور أيضًا نموذجًا آخر من كذب الشيعة حدث معه هو شخصيًا ؛ حيث قابله أحدهم في القاهرة ، وزعم أنه ذهب إلى العلامة محمود محمد شاكر ، ودار حوار بينهما ، وانتهى الحوار بعجز الشيخ العلامة محمود شاكر عن الرد علَى الشيعي الرافضي.

يقول الدكتور عليّ السالوس:«وذهبتُ إلى شيخي في منزله ،  وسألتُه عن هذه الزيارة وما دار فيها ، فقال:« لم يأتني أحدٌ من هؤلاء ، ولم يحدث أيُّ حوار». فلما رأى آثار تعجُّب تظهر عَلَيَّ قال لي:« يا عَلِيّ ، إنهم يكذبون علَى الله وعلَى رسوله  ص، وتعجَبُ أنهم يكذبون علَى محمود شاكر».

 رابعًا: أسلوب الرسائل واحد لا يختلف ، أي أن الموسوي هو الواضع للأسئلة وهو الذي أجاب عنها ، ومن دقق عرف ذلك. 

خامسًا:كلام البشري لا يتعدى 42 صفحة ، وتكلم الموسوي من خلال 636 صفحة ، ثم يقولون هذا مراجعات حدثت بين البشري وبين عبد الحسين شرف الدين.

سادسًا: جعل الموسوي نفسه الأستاذ والشيخ سليم البشري التلميذ إما يسأل أو يكيل المدح للموسوي ، ويُشْعِرُك الموسوي أن شيخ الأزهر البشري رجل لا يعرف شيئًا ، وليس صاحب تلك المكانة في العالم الإسلامي من جهة منصبه العلمي ، وكأنّ شيخ الأزهر يُسَلّم بكل ما يطرحه الموسوي.

والعجب كل العجب من جرأة هذا الرافضي لا على الكذب والافتراء فقط ، ولكن أيضا على تصوير شيخ الأزهر وشيخ المالكية وقد جاوز الثمانين عامًا في صورة جاهل لا يدرى ما في كتب في التفسير والحديث عند أهل السنة أنفسهم ، وما يدرس منها لطلاب الأزهر ، فبدا كأنه أقل علمًا من هؤلاء الطلاب ، إلى أن جاء هذا الشاب الرافضي الطريد ـ الذي لجأ إلى مصر ـ ليُعَلم شيخ الأزهر نفسه ما في هذه الكتب ، ويصور الرافضي نفسه في صورة من أخرج شيخ الأزهر من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، وجعله يسَلّم بصحة عقيدة الرافضة وشريعتهم وبطلان ما عليه أمة الإسلام منذ الصحابة الكرام البررة إلى عصرنا !!

وبعد هذه الأمارات نجزم أن الموسوي هو من ألَّف وحبك الأسئلة ، وأجاب عليها ظنًا منه أن مثل هذه الحيَل تخدع أهل السنة ، ولكن هيهات هيهات ( ).

صدق أو لا تصدق:

الإمام مالك يفضل عليّ بن أبي طالب  ت على أولى العزم من الرسل: 

وامتدادًا لسلسلة الكذب يقول زين الدين البياضي ـ أحد مراجع الشيعة ـ ما نصه:« نقل الإمام مالك بن أنس أخبارًا جمة في فضائل علي وكان يفضله على أولى العزم من الأنبياء»( ).

صدق أو لا تصدق:

ابن تيمية وابن القيم ينصران دين الشيعة:

صدر عن مكتبة الحياة في بيروت كتاب اسمه (القول القيم فيما يرويه ابن تيمية وابن القيم) ، وشاء الكاتب ألا يذكر اسمه ، ولقد نقل في كتابه نصوصًا كثيرة عن كتب ابن تيمية وابن القيم تؤكد صحة عقيدة الشيعة وسلامة أصولهم .

علما بأن هذين العالمين من المشهورين في القديم والحديث في تتبع شركيات وأكاذيب الرافضة ، ولو اختار غيرهما لكان من الممكن أن ينطلي كذبه على الناس.

وهذه الأقوال إما أن يلفِّقَها تلفيقًا أو ينقل نَصًّا من نصوص الرافضة ساقه شيخ الإسلام أو تلميذه للرد عليه ، فيأخذ الكاتب الرافضي النص ويترك الرد ( ).

وقد أطَلْتُ في هذه النقطة لبيان أن الكذب أصل من أصولهم ولئلا يفزع أحد المسلمين عندما يرى في كتبهم افتراءات قد زينها الكذب تحت اسم البحث العلمي والنقول من كتب المخالفين لهم ـ أي أهل السنة.

افتراءات وروايات 

مكذوبة لم ترد إلا في كتب الشيعة 

ويكفي في الرد عليها ما سبق بيانه من حال رواتهم ( )

موقف الشيعة الإمامية الإثني عشرية من عائشة أمّ المؤمنين معروف ؛ فالإمامية الاثني عشرية يكفّرون عائشة ويلعنونها ويقولون برِدّتِها ويرمونها بكل سوء ؛ ولا يرون لها فضيلة واحدة ؛ ولا يُكِنّون لها أدنى احترام وها هي مصادرهم تعجّ بالروايات المكذوبة عليها  ل.

والغالب أنهم يفترون تلك الروايات على جعفر الصادق وغيره من أئمة آل البيت ، وهم منها براء  ي. وعندما يقرأ القارئ هذه الروايات لا يعجب مما فعله المدعو ياسر الحبيب وأعوانه ، فكل ما فعلوه أنهم قرؤوا ما في كتبهم على الملأ.

بعض رواياتهم المكذوبة عليها  ل :

1- هي وجميع زوجات النبي ـ أمهات المؤمنين ـ قد طُلّقن وأُخْلِيَ سبيلهن بموت النبي  ص ( ) .

2- هي وجميع زوجات النبي ص من الحشايا أي السراري ( ).

3- عائشة أم المؤمنين كافرة مستحقة للنار ومستحقة للعن والعذاب: 

ويستدلون بمـا نسبوه ـ كذبًا ـ إلى رسول الله ص من قوله لعلي ت:« يا عَلِيّ مَن أحبك ووالاك سبقت له الرحمة ، ومن أبغضك وعاداك سبقت له اللعنة» ، ثم أخبر عائشة أنها ممّن يُبغض عليًّا ويُعاديه فهي لذلك مستحقه للعن( ). 

وفى شرح قوله  ﭨ( ﮏ  ﮐ  ﮑ   ﮒ  ﮓ      ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ   ﮣ  ﮤ    ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ    ﮫ   ) (التحريم:١٠) ، قال المجلسي:« لا يخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض ، بل التصريح بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما»( ).

4- عائشة أم المؤمنين كانت منافقة ثم ارتدت بعد وفاة النبي ص  .

أسند العياشي ـ زورًا وبهتانًا ـ إلى جعفر الصادق ت أنه قال في تفسير قوله  ﭨ  (ﮣ  ﮤ  ﮥ     ﮦ   ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ  ) (النحل:92) ، قال :« التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا: عائشة ، هي نكثت إيمانها» ( ).

5- لعائشة باب من أبواب النار تدخل منه:

فقد أسند العياشي إلى جعفر الصادق ( ) أنه قال  في تفسير قوله تعالى عن النار : ( ﮫ  ﮬ  ﮭ  ) ( الحجر: ٤٤ (:« يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب ... والباب السادس لعسكر ... »( ).

وعسكر كناية عن عائشة ل ، كما زعم ذلك المجلسي ( ) .

ووجه الكناية عن اسمها بعسكر ، كونها كانت تركب جملًا ـ في موقعة الجمل ـ  يقال له : عسكر ، كما ذكر ذلك المجلسي أيضًا .

 6- عائشة اليوم معلّقة من رجليها في النار: 

روو أن رسول الله ص جلس مع أزواجه وحذّرهن أنه:« من بعدي عليكن أن تلزمن ظهر الحصير ؛ لأن الله أمركن بذلك ، وإيّاكن أن تخرُجْن على وصيِّي ـ علي بن أبي طالب » ، وقد تكلمت عائشة ، فقالت:« يا رسول الله ما كنّا لتأمرَنا بشيءٍ فنخالفه إلى ما سواه » ، فقال لها: « بلى يا حميراء قد خالفتِ أمري أشد الخلاف ، وأيم الله لتخالفين قولي هذا ، ولتعصينه بعدي ، ولتخرجين من البيت الذي أخلّفكِ فيه متبرّجةً ، قد حف بكِ فئام من الناس فتخالفينه ظالمةً عاصيًة لربك ( ).

قالوا :وبما أن عائشة خالفت أمر رسول الله ص فلنرجع للحديث الذي رواه الشيخ الصدوق في «عيون أخبار الرضا» عن الإمام الرضا ؛ عن آبائه عن رسول الله ص الذي تحدّث عمّا رآه حينما عُرِج به إلى السماوات ومر على النار ورأى مَن يُعَذَّبُ فيها حيث قال:«... ورأيت امرأةً معلّقةً برجليها في تنُّورٍ من نار ...» ، ثم يقول ص: «أمّا المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها».

وقد زعموا أن عائشة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها ، فهي اليوم معلّقة من رجليها في النار.

7- التبرؤ منها ولعنها.

ذكر الكركي والمجلسي أن جعفر الصادق ( ) كان يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال و أربعة من النساء : التيمي و العدوي ـ أبا بكر وعمر ـ وعثمان ومعاوية يسميهم ، وعائشة وحفصة وهندًا وأم الحكم أخت معاوية( ). 

ونقل الصدوق والمجلسي إجماع الشيعة على التبري  من أصحاب النبي ص ، وهذا لفظ المجلسي :«وعقيدتنا في التبرئ : أننا نتبرأ من الأصنام الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ، ومن النساء الأربع :عائشة وحفصة وهند وأم الحكم ومن جميع أتباعهم وأشياعهم ، وأنهم شر خلق الله على وجه الأرض ، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبري من أعدائهم»( ).

8- يتهمونها بالفاحشة ـ والعياذ بالله تعالى ـ.

فقد زعم الشيعة أن قوله  ﭨ( ﮏ  ﮐ  ﮑ   ﮒ  ﮓ      ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ   ﮣ  ﮤ    ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ    ﮫ   ) (التحريم:١٠) ، مَثَلٌ ضربه الله لعائشة وحفصة ب.

وقد فسر بعضهم بالخيانة بارتكاب الفاحشة ـ والعياذ بالله تعالى ـ :

قال القمي في تفسير هذه الآية :« والله ما عنى بقوله : (ﮟ ) إلا الفاحشة ، وليقيمن الحد على (عائشة) فيما أتت في طريق (البصرة) وكان (طلحة) يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى (البصرة) قال لها فلان:« لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم فزوجت نفسها من (طلحة) »( ).

ووجه إقامة الحد عليها ـ على حد زعم الشيعة ـ كونها زَوّجَتْ نفسها من آخر بعد رسول الله ص ، مع حرمة ذلك ، فالله تعالى قد حرم نكاح أزواج النبي ص من بعده أبدًا .

9- يتهمونها بأنها جمعت أربعين دينارًا من خيانة وفرّقَتْها على مبغضي علي:

ذكر رجب البرسي  ـ وهو من علمائهم ـ أن عائشة جمعت أربعين دينارًا من خيانة وفرقتها على مبغضي علي ( ) ، وهذا طعن في عرض النبي  ص.

10 - يسمّونها في كتبهم أمّ الشرور:

وهذه التسمية واردة في أكثر من كتاب من أمّهات كتبهم ؛ فأفرد علي بن يونس العاملي في كتابه الصراط المستقيم فصلين الفصل الأول سماه( فصل في أم الشرور عائشة أم المؤمنين ) ، والفصل الآخر خصصه للطعن في حفصة ب سماه:( فصل في أختها حفصة) ( ).

11-  دعوى الشيعة أن عائشة وحفصة ب سقتا السم لرسول الله ص  .

أسند العياشي ـ بسنده المسلسل بالكاذبين ـ  إلى أبي عبد الله جعفر الصادق ( ) أنه قال :« تدرون مات النبي ص أو قتل؟ إن الله يقول :( ﭽ  ﭾ  ﭿ   ﮀ   ﮁ  ﮂ  ﮃﮄ  ) ( ) فَسُمَّ قبل الموت ، إنهما سقتاه ـ يعني المرأتين لعنهما الله وأبويهما ـ قبل الموت» ، فقلنا :« إنهما وأبويهما شر من خلق الله» ( ).

ووصف المجلسي ـ شيخ الدولة الصفوية، ومرجع الشيعة المعاصرين ـ سند هذه الرواية المكذوبة بأنه معتبر ، وعلق عليها بقوله :« إن العياشي روى بسند معتبر عن الصادق(ع) أن عائشة وحفصة ـ لعنة الله عليهما وعلى أبويهما ـ قتلتا رسول الله بالسم دَبَّرَتَاه» ( ).

12- يزعمون أن عائشة  ل تبعث من قبرها قبل يوم القيامة ـ وذلك حسب عقيدتهم في الرجعة ـ  وذلك لأنها ارتكبت ـ كما يفترون ـ حدًّا في عهد رسول الله ص، ولكن رسول الله ص لم يقم عليها الحد ـ كما يزعمون ـ وقد أخذته الرحمة بها، مع أن الله ـ ﭧ :( ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ       ﭟ    ﭠ  ﭡ    ﭢﭣ  ﭤ   ﭥ   ﭦ  ﭧ   ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰﭱ  ﭲ   ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ) (النور: ٢) ، فلم يقم عليها الحد ولكن قائمهم المزعوم يتولى تنفيذ ما عجز أفضل الخليقة عن تنفيذه وذلك في عصر الرجعة المزعوم.

ونص هذه الأسطورة (المنسوبة لأبي جعفر) يقول: « أما لو قام قائمنا لقد رُدّت إليه الحميراء ( ) حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة ـ عليها السلام ـ منها.

قلت:« جعلت فداك ولم يجلدها الحدّ؟» ، قال:« لفِرْيَتِها على أم إبراهيم ص».

قلت:« فكيف أخره الله للقائم ؛؟ فقال له:« إن الله ـ تبارك وتعالى ـ بعث محمدًا ص رحمة، وبعث القائم ؛ نقمة ( ) .

 13- يزعمون أن النبى ص قد وكَّل على بن أبى طالب ت بتطليق زوجاته من بعده إذا خرجن عليه.

نص الرواية:

« ثم مشى أحمد بن إسحاق ليجيء بذلك فنظر إليَّ مولانا أبو محمد العسكري ؛ وقال:« ما جاء بك يا سعد؟» ، فقلت: « شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا». قال: « المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟» ، قلت:« على حالها يا مولاي».

قال: «فاسألْ ، قرةَ عيْني ـ وأومأ إلى الغلام ـ عما بدا لك ».

فقلت:« يا مولانا وابن مولانا ، رُوِيَ لنا: إن رسول الله ص جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين ، حتى أنه بعث يوم الجمل رسولًا إلى عائشة وقال: إنك أدخلتِ الهلاك على الإسلام وأهلِه بالغش الذي حصل منك، وأوردتِّ أولادَك في موضع الهلاك بالجهالة، فإن امتنعت وإلا طلقتك». فأخبِرْنا يا مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله ص إلى أميرالمؤمنين ـ عليه السلام؟».

فقال:« إن الله ـ تقدس اسمه ـ عظّم شأن نساء النبي ص فخَصَّهُنّ لشرف الأمهات فقال رسول الله ص:« يا أبا الحسن ، إن هذا شرفٌ باقٍ مادُمْنَ لله على طاعة، فأيَّتُهُنّ عصَتِ الله بعدي بالخروج عليك فطَلِّقْها من الأزواج، وأسقِطْها مِن شرف أمّيّة المؤمنين» ( ).

14- دعاء النبي ص على عائشة وحفصة ب بقوله :« اللهم سدّ مسامعهما» ( ).  

15- سبب نزول آية التخيير مَقَالَةٍ قَالَتْهَا بَعْضُ نِسَاء النبي  ص:

عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّ بَعْضَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ص قَالَتْ:« أَيَرَى مُحَمَّدٌ أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَنَا لَا نَجِدُ الْأَكْفَاءَ مِنْ قَوْمِنَا» ، قَالَ:« فَغَضِبَ الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ فَأَمَرَهُ فَخَيَّرَهُنَّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَامَتْ وَقَبَّلَتْهُ وَقَالَتْ:«أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ»( ) .

والصحيح أنهن سألن رسول الله ص التوسعة في النفقة ولم يَرِدْ أنهن قُلْن هذه المقالة البته  ( ).

 16- عثمان يقول لعائشة إنها من الخائنات ويبشرها بأنها ستدخل النار:

قال ابن أعثم :« عزمت عائشة على الحج، وكان بينها وبين عثمان قبل ذلك كلامٌ ، وذلك أنه أخّر عنها بعض أرزاقها إلى وقت من الأوقات فغضبَتْ ، ثم قالت: «يا عثمان! أكلتَ أمانتَك ، وضيقْتَ رعيتَكَ ، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك، لا سقاك الله الماء من فوقك وحرمك البركة من تحتك! أما والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو ثياب وبصائر يذبحوك كما يذبح الجمل» ، فقال لها عثمان:

( ﮏ  ﮐ  ﮑ   ﮒ  ﮓ      ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ   ﮣ  ﮤ    ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ    ﮫ   ) ( ).

قال: وكانت عائشة تحرض على قتل عثمان جهدها وطاقتها وتقول:« أيها الناس! هذا قميص رسول الله ص لم يَبْلَ وبلِيَتْ سُنَّتُه، اقتلوا نعثلًا ، قتل الله نعثلًا»( ). 

17- زعمهم أن عائشة اتهمت مارية القبطية ب  بالزنا:

قال القمي في تفسير قوله  ﭨ ( ﭑ       ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ   ﭨﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ    ﭭ  ﭮ     ﭯ  ﭰ  ﭱ  ) (النور: ١1) قال:« إن العامة ـ أي أهل السنة ـ روَوْا أنها نزلت في عائشة وما رُمِيَتْ به في غزوة بني المصطلق من خزاعة ،وأما الخاصة فإنهم روَوْا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به بعض النساء المنافقات» ( ). 

وقال القمي في تفسيره في قول الله  ﭨ ( ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ     ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ     ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ   )  (الحجرات: ٦ (:

قال:« إنها نزلت في اتهام عائشة لمارية القبطية»( ).

18- يتهمونها بالكذب على رسول الله:

روى الصدوق عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال:« ثلاثة كانوا يكذبون رسول الله: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة»( ).   

19-  تُدْخِل الرجال بيت النبي ص بغير إذنه:

رووا عن الحسين ت أنه قال لعائشة :« وقد أدخَلْتِ أنتِ بيتَ رسول الله الرجالَ بغير إذنه» ( ). 

20- ينهون عن التسمية بلقب عائشة (الحميراء) ؛ لأنه اسم يبغضه الله ﻷ :

عن يعقوب السراج قال :« دخلت على أبي عبد الله ؛ وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد ، فجعل يُسَارّه طويلًا ، فجلست حتى فرغ. 

فقمت إليه فقال لي:« ادنُ من مولاك فسَلّمْ». فدنوت فسلمتُ عليه فرَدّ عليَّ السلام بلسان فصيح ثم قال لي:« اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سميتها أمس ؛ فإنه اسم يبغضه الله. 

قال:« وكانت ولدت لي ابنة سميتها بالحميراء». فقال أبو عبد الله ؛ :« انتَهِ الى أمره ترشُدْ» ( ). 

21- ادِّعاء الشيعة أنَّ عائشة ل وطئت عنق النبي ص وَهُوَ سَاجِدٌ بَاكٍ:

روى الكليني عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ؛ قَالَ:« كَانَ رَسُولُ اللهِ ص عِنْدَ عَائِشَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ ، فَاسْتَيْقَظَتْ عَائِشَةُ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَلَمْ تَجِدْهُ فَظَنَّتْ أَنَّهُ قَدْ قَامَ إِلَى جَارِيَتِهَا ، فَقَامَتْ تَطُوفُ عَلَيْهِ فَوَطِئَتْ عُنُقَهُ ص وَهُوَ سَاجِدٌ بَاكٍ» ( ).

22 - ادِّعاء الشيعة أنَّ عائشة ل هي أوَّل مَن رَكِبت السروج في الإسلام:

روَوْا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ:« سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ؛ يَقُولُ:« لَـمَّا حَضَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ؛ الْوَفَاةُ قَالَ لِلْحُسَيْنِ ؛:« يَا أَخِي إِنِّي أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا : إِذَا أَنَا مِتُّ فَهَيِّئْنِي ثُمَّ وَجِّهْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ص لِأُحْدِثَ بِهِ عَهْدًا ثُمَّ اصْرِفْنِي إِلَى أُمِّي ‘ ، ثُمَّ رُدَّنِي فَادْفِنِّي بِالْبَقِيعِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُصِيبُنِي مِنْ عَائِشَةَ مَا يَعْلَمُ اللهُ وَالنَّاسُ صَنِيعَهَا وَعَدَاوَتَهَا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ وَعَدَاوَتَهَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ».

فَلَمَّا قُبِضَ الْحَسَنُ ؛ وَوُضِعَ عَلَى السَّرِيرِ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ص الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ ؛ ، وَحُمِلَ وَأُدْخِلَ إِلَى الْـمَسْجِدِ.

فَلَمَّا أُوقِفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ص ذَهَبَ ذُو الْعُوَيْنَيْنِ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّهُمْ قَد أَقْبَلُوا بِالْحَسَنِ لِيَدْفِنُوه مَعَ النَّبِيِّ ص » ، فَخَرَجَتْ مُبَادِرَةً عَلَى بَغْلٍ بِسَرْجٍ ، فَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ رَكِبَتْ فِي الْإِسْلَامِ سَرْجًا ، فَقَالَتْ:« نَحُّوا ابْنَكُمْ عَنْ بَيْتِي فَإِنَّهُ لَا يُدْفَنُ فِي بَيْتِي وَ يُهْتَكُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ حِجَابُهُ» ، فَقَالَ لَهَا الْحُسَيْنُ ؛:« قَدِيمًا هَتَكْتِ أَنْتِ وَأَبُوكِ حِجَابَ رَسُولِ اللهِ ص ، وَأَدْخَلْتِ عَلَيْهِ بَيْتَهُ مَنْ لَا يُحِبُّ قُرْبَهُ وَ إِنَّ اللهَ سَائِلُكِ عَنْ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ »( ) .

وقد نقل أبو الفرج الأصفهاني عن يحيى بن الحسن قال:« وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول : « لما أرادوا دفنه ركبتْ عائشةُ بغلًا واستنفرت بني أمية: مروان بن الحكم ، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم » ، وهو القائل :« فيومًا على بغلٍ ويومًا على جمل » ( ).

وزعموا أن ابن عباس قال لها أبياتًامشهورة:

تَبَغَّـــــلْتِ ، تَجَمَّلْتِ  وَلَوْ شِــئْتِ تَفَيَّلْتِ 

لكِ التُسْعُ مِن الثُمْنِ وبالكُلّ تَطَّمّعْتِ ( )

أي: ركبت الْبغلَ ثُمَّ الْجملَ، وَإِن شِئْت ركبتِ الْفيلَ، أي: للقِتَالِ وَإِثارةِ الْفِتْنَةِ.

لكِ التُسْعُ مِن الثُمْنِ :أي أن ميراث النبي ص لزوجاته يقَسَّم على زوجاته التسعة  ، ولها ثمن الميراث فيما يقَسَّم على التسعة ، وتصرفت في الكل.



العلاقة الحسنة  

بين أم المؤمنين عائشة ل 

وبين علي وفاطمة وذريتهما ي

اتهم الشيعة عائشة  ل بأنها صاحبة هوى ومن ذلك ما ذُكِر في (نهج البلاغة) وشرحه لابن أبي الحديد مما افترته الرافضة على عائشة ل من معاداتها لعلي وفاطمة والحسن والحسين ي ، ونحن نتحداهم أن يكشفوا إسنادًا صحيحًا لأيٍّ من تلك السخافات والافتراءات المنسوبة إلى علي أو غيره ، فأين الحجة في ذلك على أهل السنة ( ). 

هذا مع أن من رجع إلى (شرح نهج البلاغة) في بعض المواضع ( ) وجد أن ابن أبي الحديد الرافضي المعتزلي هذا قد قرر براءة عائشة ل مما قُذِفَتْ به أولًا، ثم جعل سبب الجفاء بينها وبين فاطمة ل سببًا طبيعيًا، فقال:« ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها وتزوج أبوها الأخرى، كان بين الابنة وبين المرأة كدر وشنآن، هذا لا بد منه ؛ لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غريبة كالضرة لأمها، بل هي ضرّة على الحقيقية وإن كانت الأم ميتة ، ولأنّا لو قدّرنا الأم حية لكانت العداوة مضطرمة متسعرة ، كانت قد ورثت ابنتها تلك العداوة » ... إلى أن قال:« ثم اتفق أن رسول الله ص  مال إليها وأحبها، فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله، وأكرم رسول الله  ص فاطمة إكرامًا عظيمًا أكثر مما كان الناس يظنونه». 

فهذا كلام أحد فرسانهم وأئمتهم، فيه إقرار بمكانة عائشة العظيمة من قلب رسول الله ص، وتبرئة لها من عداوة فاطمة، بل تصريح بأن سبب الجفاء بينهما هو التسابق لنيل محبة رسول الله ص.

وكذلك ردّ  ابن أبي الحديد بعض مطاعن الرافضة في عائشة ل( ).

U: 

هذا الرافضي قد اتهم فاطمة بما اتهم به عائشة ب وجعل شدة الغيرة سببًا لما زعمه من شدة الجفاء بينهما ، وإن أوقعوا اللوم على عائشة فيلزمهم من ذلك لوم فاطمة  ب .

وإن كثيرين من أهل السُّنة يبررون هذا الجفاء بين علي وعائشة  ب بما ورد عن عائشة  ل أنها قالت:« والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها » ، وتصديق علي  ت لها على قوة العلاقة بينهم  ب ( ).

وقد ذكرت كتب الشيعة أيضًا أن الأمر بينهما لا يتعدى ذلك ففي بحار الأنوار للمجلسي:« لما بلغ عائشة قتل علي للخوارج قالت: سمعت رسول الله ص يقول: اللهم إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي ( ) ، وما كان بيني وبينه ـ تقصد عليًا ـ إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها». 

تلك غاية العداء ، جفاء بين المرأة وأحمائها ، وإن كنا لا نتفق معهم أنه كان هناك جفاء  أصلًا ، فحتى هذه الرواية لم أجدها بإسناد صحيح ، فالأصل سلامة الصدر بين عائشة  ل وبين علي  ت ، بل إن هذا هو الأصل بين كل مسلمَيْن حتى يثبت خلافه.

ولو ثبت ذلك بإسناد صحيح فلا يقدح في علي ولا في عائشة  ب فإن ما يحدث بين المرأة وأحمائها أمر طبيعي طالما أنه لم ينتج عنه معصية لله ﻷ من ظلم أو غيبة أو نميمة أو غير ذلك.

ويجب على المسلم أن يحذر تلك الكتب التي تُظهِر العلاقة بين عائشة وعلي وفاطمة  ي بمظهر الصراع دون أدنى دليل ، ومن ذلك قول الدكتورة عائشة عبد الرحمن ـ بنت الشاطئ ـ  إن عائشة منذ جاءت بيت محمد أرادت أن تكون لها فاطمة بنت الرسول ضرة وخصمًا ( ).

أين الدليل على هذه النية المبيتة والعداوة المضمرة؟!! أم أنه الأسلوب الأدبي الذي يطغى على الحقائق فيطمسها ، فيقلب المحبة إلى عداوة؟!!

العلاقة الحسنة بين أم المؤمنين عائشة وعلي ب، دلائل وبراهين:

1- إن من أظهر الدلائل على حُسْن العلاقة أن عائشة ل هي التي رَوَتْ حديث الكِساء في فضْل عَلِي وفاطمة، والحسن والحسين، فعَنْ عَائِشَةُ ل قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ص غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ:( ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ) ( ) .

ولا يصح حديث الكساء إلا من طريق عائشة ل فقط  ،  فكيف يدَّعي مَن كان له أدنى ذرة عقل أو دين أن يتهمها بنصب العداء لعلي ت.

2- وكذلك أخبرتْ عائشة  ل عن مَحبَّة رسول الله ص للحسن بن علي ب فعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ل، أَنّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَأْخُذُ حَسَنًا فَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ ، فَيَقُولُ : « اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا ابْنِي فَأَحِبَّهُ ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ » ( ).

3- كانت عائشة ل تثق في علي  ت وعلمه ، وكانتْ كثيرًا ما تُحيلُ السائل على عَلِي ليجيبَه، فعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْـمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ:« عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ص » ، فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ص ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» ( ).

4-  عائشة ل كانت تمدح عِلْمَ علي ت بالسنة: 

ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب قول عائشة ل عن علي ت:« أما إنه لأعلم الناس بالسنة » ( ).

5- طلبتْ عائشة  ل من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه ، 

فقد أخبر عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي أنه أتى عائشة يوم قُتِل عثمان فقال :« إن عثمان قد قُتِلَ فما تأمريني » ، فقالت له :« الزَمْ عَلِيًّا »( ). 

وبعضُ الشيعة يعترف بذلك( ).

6- وصَف عليٌّ ت عائشة ب بأنها خليلة رسول الله ص فعَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:« انْتَهَيْنَا إِلَى عَلِيٍّ ت فَذَكَرَ عَائِشَةَ، فَقَالَ:« خَلِيْلَةُ رَسُوْلِ اللهِ ص » ( ).

وأقر عليٌّ عمارَ بن ياسر ي على وصفه لعائشة ل بأنها حبيبة رسول الله ص وزوجته في الجنة فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي عَائِشَةَ وَعَابَهَا، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ : «وَيْحَكَ ؛ مَا تُرِيدُ مِنْ حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ ص ، مَا تُرِيدُ مِنْ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ» ، بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ ، وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ »  ( ).

7- وبعد انتهاء معركة الجمل ذهب علي إلى عائشة ب فقال:« كيف أنت يا أُمّه ؟» ، قالت:« بخير» ، قال:« يغفر الله لكِ»، قالت:« ولكَ» ( ).

8- وروى الطبري من طريق محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الأعلم في تجهيز علي لعائشة ب لما أرادت أن ترتحل من البصرة قالا: «جهز عليٌّ عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب، أو زاد أو متاع، وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام» ( ).

العلاقة الحسنة بين فاطمة وعائشة  ب:

لم تسجل لنا كتب الحديث واقعةً صحيحة تدل على أن واحدةً منهما كانت تحمل شيئًا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه الأخرى ( ) ومما يدل على حسن هذه العلاقة ما روته عائشة  ل :

1- عائشة  ل تروي عن النبي  ص فضائل فاطمة  ب :

قَالَتْ عَائِشَةَ ل :كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبيِّ ص عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ ص شَيْئًا فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِى». 

ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ ص مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ص سَأَلْتُهَا:«مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ص » ، قَالَتْ:«مَا كُنْتُ أُفْشِى عَلَى رَسُولِ اللهِ ص سِرَّهُ». 

قَالَتْ:فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ص قُلْتُ:«عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِى مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ص».

فَقَالَتْ:«أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِى فِى الْـمَرَّةِ الأُولَى فَأَخْبَرَنِى:« أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّى لاَ أُرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ». 

قَالَتْ:«فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ:« يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ ». 

قَالَتْ:« فَضَحِكْتُ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ»( ).

2- عائشة  تمدح فاطمة ب:

فقد وصفتها بأنها تشبه النبي ص هيئة وطريقة وسمتًا وخلقًا .

عَنْ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا قَالَتْ:« مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًا بِرَسُولِ اللهِ  ص مِنْ فَاطِمَةَ ـ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهَا ـ كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِى مَجْلِسِهِ ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِى مَجْلِسِهَا»( ).

وفي رواية عن عائشة أم المؤمنين ل قالت: «ما رأيت أحدًا من الناس كان أشبه بالنبي ص كلامًا ولا حديثًا ولا جلسة من فاطمة»( ).

3- وقد وصفتها ل بالصدق ؛ فعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ل أنها كانت إذا ذَكَرَتْ فاطمة بنت النبي ص قالت:« ما رأيتُ أحدًا كان أصدقَ لهجةً منها إلا أن يكون الذي ولدها»( ).

 4- عائشة تبشر فاطمة  ب:

عن عروة قال : قَالَتْ عَائِشَةُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ص :« أَلَا أُبَشِّرُكَ ؛ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ:« سَيِّدَاتُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ: « مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» ( ). 

5- عائشة تذكر فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ـ أم فاطمة ي وحب النبي  ص لها ، وأن النبي  ص لم يتزوج عليها حتى ماتت:

فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «بَشَّرَ رَسُولُ اللهِ ص خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ»( ).

وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ص، إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ص إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ» قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ:«خَدِيجَةَ؟» ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ص « إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا »( ).

وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: « لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ص عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ»( ).

كتب الشيعة تشير إلى حسن العلاقة بين عائشة وعلي وفاطمة وذريتهما ي:

1- ذكرت كتب الشيعة أن بعض الأئمة  ـ عند الشيعة ـ قد سَمُّوا  بناتهم بعائشة.

أ- فقد سمى موسى الكاظم إحدى بناته باسم عائشة أم المؤمنين فقد روى المفيد أنه « كان لأبي الحسن موسى ؛ سبعة وثلاثون ولدًا ذكرًا وأنثى منهم علي بن موسى الرضا إ ... وفاطمة... وعائشة.... وأم سلمة» ( ).

ب- سمى جده علي بن الحسين إحدى بناته عائشة( ). 

ج- وكذلك الإمام العاشر المعصوم ـ عندهم ـ  علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمى أحد بناته بعائشة. ( )

2- رووا عنها حب النبي لعلي وفاطمة  ب ( ).

3- رووا عنها أنها كانت تمدح عليًّا  ت قائلة ـ وقد ذُكِرَ عندها علي بن أبي طالب ت ـ :« كان من أكرم رجالنا على رسول الله ص »( ). 

4- رووا عن عائشة أنها قالت :« أقبلتْ فاطمة ‘ تمشي ، لا والله الّذي لا إله إلاّ هو ، ما مشيتُها تخرم مشيةَ رسول الله ص فلمّا رآها قال :« مرحبًا بابنتي» مرّتين أو ثلاثًا  ( ) .

5- ذكر ابن رستم الطبري الشيعي أن فاطمة  ل ماتت وهي راضية عن عائشة ، وأوصت لها باثنتي عشرة أوقية ولكل زوجة من أزواج النبي  ص مثل ذلك( ).

6- ذكروا أنها ندمت على خطأ اجتهادها في المسير إلى البصرة للإصلاح بين المسلمين فرووا أنها كانت تتذكر هذا المسير فتقول:« والله لو كان لي من رسول الله ص عشرون كلهم ذَكَر مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكَلْتُهُم بموت أو قتل كان أيْسَرَ عليَّ مِن خروجي على علِيًّ » ( ) .

7- ذكروا أنها قالت لأخيها محمد بن أبي بكر:« الزم عليَّ بن أبي طالب »( ). 

8- ذكر المفيد ـ الملقب عند الشيعة بشيخ الطائفة ـ أن الأحنف بن قيس قدم على عائشة وهي في مكة ـ وكان عثمان محاصرًا ـ فقال لها:« إني لأحسب هذا الرجل مقتولًا، فمن تأمريني أن أبايع؟» ، فقالت:« بايع عليًّا».

7- وروَوْا أنها لما بلغها قَتْل عليّ ت للخوارج قالت ل:« سمعت رسول الله ص يقول:« يقتلهم خير أمتي بعدي». 

وقالت:«رحم الله عليًّا ، إنه كان على الحق»( ).

هذا هو رأي أم المؤمنين عائشة التي يتهمها الشيعة ببغض علي ب.

U:

هذه الروايات تخالف ما سبق نقله من أكاذيب الشيعة حول العداوة المتوهمة بين عائشة وعلي ، فأي الروايات نصدق؟

وإن كانت عائشة بهذه المكانة فلماذا يكفرونها؟.

وإن كانت كافرة مرتدة فكيف يقبلون روايتها لأحاديث في فضل علي  ت ؟

روايات في كتب أهل السنة لا تصح حول العلاقة بين عائشة ، وعلي وفاطمة  ي :

1- ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟ 

أخرج أبو القاسم عبد الحكيم بن حيان بسند له مرسل من طريق سعيد بن عفير عن القاسم بن الحسن عن عمرو بن الحارث عن الأسود بن جبر المغافري قال:

دخل رسول الله ص على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام، فقال:« ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي؟».

البيان:

هذا  الحديث لا يصح ، قال الألباني:« منكر»( ).

2- انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت :

روَى الحاكم عن أم سلمة ل  قالت : ذكر النبي ص خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال : «انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت » ، ثم التفت إلى عليٍّ فقال :« إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها»( ). 

البيان:

الحديث ضعيف كما أشار إليه محقق المستدرك الشيخ سعد الحميد (3/1345). وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى نكارة وضعف هذه الرواية فقال بعد أن ذكر رواية الْبَيْهَقِيّ:« وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ... عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قِيلَ لَهُ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تَكُونَ قَاتَلْتَ عَلَى بَصِيرَتِكَ يَوْمَ الْجَمَلِ؟» ، فَقَالَ:« سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ:« يَخْرُجُ قَوْمٌ هَلْكَى لَا يُفْلِحُونَ ، قَائِدُهُمُ امْرَأَةٌ ، قَائِدُهُمْ فِي الْجَنَّةِ ». 

وَهَذَا مُنْكَرٌ جِدًّا.

وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: نَفَعَنِي الله بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ص وَبَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأَةَ كِسْرَى، فَقَالَ:« لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً » ( ). 

3- إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ:

رُوِي عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:« إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ » ،  قَالَ:« أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟» ، قَالَ:« نَعَمْ» ، قَالَ:« أَنَا ؟» ، قَالَ: «نَعَمْ »، قَالَ:« فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ:« لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا » ( ).

البيان:

قال الأرنؤوط:«إسناده ضعيف» ( ).

4- عائشة لا تطيب لعلي نفسًا بخير :

رُوِيَ عن ابن عباس ت  أنه قال:«إن عائشة لا تطيب لعلي نفسًا بخير»( ). 

البيان:

هذه زيادة شاذة غير صحيحة ( ).

5- تحذر من الوقيعة بعمار ، ولا تحذر من الوقيعة في علي :

رُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ:« جَاءَ رَجُلٌ فَوَقَعَ فِي عَلِيٍّ، وَفِي عَمَّارٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ـ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ:« أَمَّا عَلِيٌّ، فَلَسْتُ قَائِلَةً لَكَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَمَّا عَمَّارٌ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ:« لَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا» ( ).

البيان:

هذا الحديث لا يصح ؛ فقد رُوِيَ من طريق حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وحبيب هذا قال عنه الحافظ في (التقريب):« كان كثير الإرسال والتدليس» ، وقد عَنْعَنَه هنا ولم يصرح بالسماع كما ترى ( ) ، مما يمنع من صِحَّته قطعًا، وذكر الحافظُ حبيبًا هذا في (طبقات المُدَلِّسين ، برقم:69) ضمن المرتبة الثالثة التي قال عنها في المقدمة (ص13): « من أكثر من التدليس فلم يحتجّ الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع».

والتصريح بالسماع أمر مُنْتَفٍ هنا كما ترى، وبَيَّن الحافظ هناك تدليسه أيضًا فقال (ص38):« ونقل أبو بكر بن عياش عن الأعمش عنه ـ يعني عن حبيب ـ أنه كان يقول:« لو أن رجلًا حدثني عنكم ما باليتُ إن رويته عنك ـ ، يعني وأسقطه من الوسط» اهـ. و هذا هو المحذور في التدليس الذي يوجب رد الحديث. 

وفي ترجمة حبيب بن أبي ثابت من (التهذيب) نقل الحافظ عن القطان قوله عنه: « له غير حديث عن عطاء لا يُتَابَع عليه وليست بمحفوظة» ، وأيضًا قال العقيلي: «وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها» اهـ. وهو الحال هنا تمامًا.

أما قول النبي ص عن عمار:« « لَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا»  ، فهو صحيح من طرق أخرى ، منها مثلًا عند الإمام أحمد (1/445، 389) والحاكم (3/388) عن ابن مسعود ت.

والمهم أن قول عائشة: « أَمَّا عَلِيٌّ، فَلَسْتُ قَائِلَةً لَكَ فِيهِ شَيْئًا » غير صحيح ، بل هو ضعيف مردود، وقد أخرج هذا الحديث أيضًا عن عائشة ت الترمذي (4/345)، وابن ماجة (148)، والحاكم (3/388)، وليس فيه هذا القول، مما يعزز عدم ثبوته ولله الحمد  ( ).

6- جرى بينها وبين فاطمة ب كلام :

رُوِيَ عن عيسى بن عبد الله عن أبيه أن بيت فاطمة ل كان بينه وبين بيت النبي ص ـ أي منزل عائشة ـ خوخة ـ أي كوّة ـ ثم روى أن مخرج النبي ص كان هناك ، فكان إذا قام إلى المخرج اطَّلَعَ مِن الكوّة إلى فاطمة ل فعلم خبرهم ، وأن عائشة ل دخلت المخرج جوف الليل فجرى بينهما كلام فسألت فاطمة النبي ص أن يسد الكوّة فسَدَّها( ).

البيان: 

هذه الرواية لا تصح فعيسى بن عبد الله ضعيف ، ومن أهل التشيع ( ).

7- تمنع الحسن بن علي أن يُدفَن في بيتها مع جده  ص :

قال الحافظ ابن عساكر:« وأنا ( ) ابن سعد أنا محمد بن عمر نا علي بن محمد العمري عن عيسى بن معمر عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال:«سمعت عائشة تقول يومئذ:« هذا الأمر لا يكون أبدًا ، يدفن ببقيع الغرقد ولا يكون لهم رابعًا ، والله إنه لَبَيْتِي أعطانيه رسولُ الله ص في حياته ، وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري ، وما آثر علي عندنا بحسن» ( ).

البيان:

هذه الرواية في إسنادها محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب ( ).

8- قيل لها :ألِعَلِيٍّ تقولين هذا؟ فقالت إني أنسي فإذا نسيت فذكروني :

روى الطبري في تاريخه إنما لما انتهى قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ت إلى عائشة قالت:

« فألقَتْ عصاها واستقَرّ بها النوَى    كما قَرّ عَيْنًا بالإيابِ المسافرُ

فمن قتله؟» ، فقيل:« رجل من مراد لعنه الله» ، فقالت:

« فإنْ يكُ نائيًا فلَقد نعاهُ                تباعٌ ليس في فِيهِ الترابُ

فقالت زينب بنت سلمة ابن أبي سلمة :« ألِعَلِيٍّ تقولين هذا؟» ، فقالت:« إني أنسي فإذا نسيتُ فذَكّرُوني» ( ).

قال الشيعة:« وهذه سخرية منها بزينب وتمويه عليها تخوفًا من شناعتها، ومعلوم ضرورة أن الناسي الساهي لا يتمثل بالشعر في الأغراض التي تطابق مراده، ولم يكن ذلك منها إلا عن قصد ومعرفة ( ).

البيان:

هذه الرواية ذكرها الإمام الطبري بلا إسناد وبصيغة التمريض التي تدل على ضعفها ، فقال : « وذُكِرَ....».

9- تحتجب من الحسن والحسين  ب مع أنه يجوز دخولهما عليها:

قال ابن سعد:« أخبرنا محمد بن عمر، حدثني بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عكرمة قال:« كانت عائشة تحتجب من حسن وحسين » ، قال:«فقال ابن عباس:« إن دخولهما عليها لحِلّ». أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال:« كان حسن وحسين لا يدخلان على أزواج النبي، ص، فقال ابن عباس: أما إن دخولهما على أزواج النبي لحل لهما».قال محمد بن عمر: لأنهما ولد ولد النبي، ص. وقد قال أبو حنيفة ومالك بن أنس: الرجل يتزوج المرأة فلا تحل لولده ولا لولد ولده من الذكور أن يتزوجها أبدًا لا هم ولا أولادهم ولا أولاد بناتهم وهذا مجمع عليه» ( ).

وقال الشيعة إن تلك الرواية دليل على عداوتها لهما ( ).

البيان:

هذه الروايات في إسنادها محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب( ).

والرواية الثانية ـ على ضعفها ـ تدل على أن ذلك كان رأيا للحسن والحسين ب ففيها انهما كانا لا يدخلان على أزواج النبي ص ، فهل يأخذ الشيعة أو غيرهم من تلك الرواية أن فيها دليلًا على عداوتهما لجميع زوجات النبي ص.

10- قالت :«أصبع عثمان الذي يشير بها إلى السماء خير من طلاع الأرض من علي»:

قال نعيم بن حماد:«حدثنا عبد القدوس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن عائشة ل قالت:«والله لوددت أني لم أذكر عثمان بكلمة قط ، وأني عشت في الدنيا برصاء سالخ ( ) ، ولأصبع عثمان الذي يشير بها إلى السماء خير من طلاع الأرض من علي» ( ).

البيان:

الضعف في الرواية من المؤلف نفسه ؛ نعيم بن حماد، فإنه مع كونه من أئمة السنة والمدافعين عنها، ليس بحجة فيما يرويه،  رَوَى عَنْهُ البُخَارِيُّ ـ مَقْرُوْنًا بِآخَرَ ـ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ:« لَيْسَ بِثِقَةٍ». وَقَالَ مَرَّةً:«ضَعِيْفٌ» .

وقَالَ الحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُوْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ النَّسَائِيَّ يَذْكُرُ فَضْلَ نُعَيْمِ بنِ حَمَّادٍ، وَتَقَدُّمَهُ فِي العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالسُّنَنِ، ثُمَّ قِيْلَ لَهُ فِي قَبُولِ حَدِيْثِهِ، فَقَالَ:«قَدْ كَثُرَ تَفَرُّدُهُ عَنِ الأَئِمَّةِ المَعْرُوْفِيْنَ بِأَحَادِيْثَ كَثِيْرَةٍ، فَصَارَ فِي حَدِّ مَنْ لاَ يُحْتَجُّ بِهِ».

وقال الذهبي:« لاَ يَجُوْزُ لأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ، وَقَدْ صَنَّفَ كِتَابَ (الفِتَنِ)، فَأَتَى فِيْهِ بِعَجَائِبَ وَمَنَاكِيْرَ»( ).

U:

قد يقول قائل إن في الأثر مدحًا من عائشة لعثمان وندمًا منها على ما قالته في حقه ، وهذا يُحْسَبُ لعائشة ل لا عليها ، فيقال:ولكن فيه ادعاء أنها كانت تطعن فيه ، وليس هناك سند صحيحٌ بذلك ، وأيضًا يُشم منه رائحة الحط من علي  ت .

أكاذيب 

من كتب الشيعة 

حول العلاقة بين عائشة ، وعلي وفاطمة  ي

1- زعموا أن عبد الله بن مسعود قال : قلت للنبى ؛:« يا رسول الله من يغسّلُكُ إذا مِتَّ ؟ قال:« يُغَسّلُ كلَّ نبيٍّ وَصِيُّه ، قلت:« فمن وَصِيُّك يا رسول الله؟ قال : «علي بن أبي طالب» ، قلت :«كم يعيش بعدك يا رسول الله؟» ، قال :« ثلاثين سنة »، فإن يُوشع بن نون ـ وَصِيّ موسى ـ عاش بعد موسى ثلاثين سنة ، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى ؛ فقالت:« أنا أحق منك بالأمر» ، فقاتَلَها فقتَل مقاتِلِيها وأسَرَها فأحسن أسْرَها ، وإن ابنة أبي بكر ستخرج على علِيٍّ في كذا وكذا ألفًا مِن أمتي فيقاتلها فيقتل مقاتليها ، ويأسرها فيحسن أسرها ، وفيها أنزل الله عز وجل : (ﭶ   ﭷ  ﭸ ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ) ( )» ( ).

2- زعموا أن فاطمة لما زُفَّتْ إلى علي ب قالت نسوة الأنصار:« أبوها سيد الناس» ، فقال النبي ص:« قلن: وبَعْلُها ذو الشدة والبأس» ، فلم يَذْكُرْن عليًّا فقال في ذلك فقُلْن:« منعتنا عائشة» ، فقال:« ما تدع عائشة عداوتنا أهل البيت» ( ).

3- زعموا أن النبي ص قال لها:« أما تستحين أن تحاربين لمن ت ( ) ؛ إنه عهد إليَّ إنه مَن خرج على عليّ فهو في النار » ( ).

4- زعموا أن النبي ص قال لعلي:«قاتَل الله من يقاتلك ، وعادَى الله من عاداك » ، فقالت عائشة :«ومَن يقاتله ويعاديه» ، قال :«أنت ومن معك»( ).

5- زعموا أن رسول الله ص  دخل منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول:« والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلًا ، وأي فضل كان لها علينا ، ما هي إلا كبعضنا، فسمع مقالتها فاطمة ، فلما رأت فاطمةُ رسولَ الله ص  بكَتْ فقال لها:« ما يبكيك يا بنت محمد؟» ، قالت: ذكرَتْ أمي فتنقَّصَتْها فبكيْتُ» ، فغضب رسول الله ص  ثم قال:« مَهْ يا حميراء ، فإن الله ـ تبارك وتعالى ـ بارك في الولود الودود ، وإن خديجة ـ رحمها الله ـ ولدت مني طاهرًا وهو عبد الله وهو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب ، وأنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئًا» ( ).    

6- زعموا أنها سجدت يوم قُتِل علي ت( ).    

7- زعموا أنها عدوة الله ورسوله وعدوة آل البيت: 

روى الكليني أن الحسن بن علي عند وفاته قال للحسين ي:« وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُصِيبُنِي مِنْ عَائِشَةَ مَا يَعْلَمُ اللهُ وَالنَّاسُ صَنِيعُهَا وَعَدَاوَتُهَا لِلهِ ، وَ لِرَسُولِهِ ، وَعَدَاوَتُهَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ»( ).

8- زعموا أنها كانت تعادي فاطمة ل:

قال الجزائري:« أول عداوة خربت الدنيا وبني عليها جميع الكفر والنفاق إلى يوم القيامة هي عداوة عائشة لمولاتها الزهراء »( ).  

9- كفروها لأنها ـ بزعمهم ـ حاربت عليًّا ، وزعموا أنها كانت تكرهه وتأمر بقتله : فزعموا أن النبي ص لعلي :« يا علي حربُك حربي»( ).

قالوا: وحرب النبي كفر .

وقال الطوسي:« عائشة كانت مصرة على حربها لعلي، ولم تتب. وهذا يدل على كفرها وبقائها عليه»( ) .

9- زعموا أن عليًّا ت قال :« لقد دخلتُ على رسول الله ذات يوم قبل أن يُضْرَبَ الحجابُ على أزواجه، وكانت عائشة بقرب رسول الله ، فلما رآني رحب وقال: « ادنُ مِنّي يا علي، ولم يزَلْ يُدْنيِني حتى أجلسني بينه وبينها، فغلظ ذلك عليها، فأقبلت إلي وقالت بسوء رأي النساء وتسرعهن إلى الخطاب:« ما وجدت لإستك يا علي موضعًا غير موضع فخذي؟ فزجرها النبي  ص وقال لها:«ألعلي تقولين هذا؟ إنه والله أول من آمن بي وصدقني »( ).

10- زعموا أن رسول الله   ص  جاع، فطلب من الله ، فجاءه جبريل ؛ بطير، فقال النبي:« اللهم يَسِّرْ عبدًا يحبك ويحبني يأكل معي» ، فلم يأت أحد، فقال ثانية:« اللهم يَسِّرْ عبدًا يجبك ويحبني وأحبه» ، فلم يأت أحد، فقال ثالثة:« اللهم يَسِّرْ عبدًا يحبك وتحبه ويحبني وأحبه» ، فسمع صوت عليٍّ فقال لعائشة:«أدخليه».

ثم سأله رسول الله:« أخبرني ما أبطأك عني؟».

فقال:«طرقتُ الباب مرة فقالت عائشة:«نائم» ، فانصرفتُ، وطرقتُ ثانيةً فقالت:« على الحاجة» ، فرجعتُ ، وجئت وطرقتُه ثالثًا عنيفًا فسمعتك يا رسول الله وأنت تقول لها:« أدخلي عليًّا».

فكلمها رسول الله فقالت:«اشتهيت أن يكون أبي». 

فقال لها:«ما هذا بأول ضغن ( ) بينك وبينه، لتقاتلِنَّه وإنه لك خيرٌ منك له، ولينذرنك بما يكون الفراق بيني وبينك في الآخرة» ( ).

11- زعموا أن النبي كان كثيرًا ما يخلوا بعلي يناجيه وقد دخلت عائشة عليهما وهما يتناجيان، فقالت:«يا علي ليس لي إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي، فأقبل رسول الله عليها وهو محمر الوجه غضبًا» ( ).

12- زعم الشيعة أنَّ عائشة ل منعت من دفن الحسن بن علي في بيتها ( ).

13- زعموا لما وُلّيَ علي طعنت في ولايته( ).

14- زعموا أنها عندما سمعَتْ بأنّ الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان، قالت: « وددت لو أنّ السّماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب» ( ). 

15- زعموا أنها كانت تؤلب الزبير بن العوام على علي  ب:

زعموا أن الزبير جاءها فسلم عليها فقالت له:« يا أبا عبد الله اشتركت في دم عثمان ثم بايعت لعلى وأنت والله أحق بالأمر منه» ، فقال لها الزبير:« أما ما صنعت مع عثمان فقد ندمتُ منه وهربتُ إلى ربي من ذنبي من ذلك ، ولن أترك الطلب بدم عثمان ، والله ما بايعتُ عليًّا إلا مُكْرَهًا ، التفَّتْ به السفهاءُ من أهل مصر والعراق واستَلّوا سيوفهم وأخافوا الناس حتى بايعوه» ( ). 

شبهة حول العلاقة بين عائشة وعلي وفاطمة  ي:

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ص، قَالَتْ:« لَـمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ص وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ».

قَالَ عُبَيْدُ اللهِ فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: «هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟» قَالَ: قُلْتُ:« لاَ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»( ).

قال الشيعة:إن عائشة تبغض عليًّا ولا تطيق ذكر اسْمِهِ.

الجواب( ):

1- إن عائشة  ل لم تذكر اسم علي  ت  ولكن ما الحامل لها على ذلك ؟

• هل لأنها قد نسيت اسم الرجل الآخر؟

• أم أنها لم تره لأنها كانت وراء الحجاب؟

• أم أنها سمعت صوت العباس ولم تسمع صوت عليٍّ فعرفت أحد الرجلين ولم تعرف الآخر( ) .

• أم أنها كانت واجدة على عليٍّ ت لأنه قال لرسول الله ص لما استشاره في طلاقها زمن الإفك: « يَا رَسُولَ اللهِ ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ »( ) ، كلها أمور محتملة.

ولكن الاحتمال الأخير أبعدها عن التصديق لأن عليًّا  ت لم يَخُضْ في الإفك كما خاض غيره ، وكان نصيب الخائضين منها  ل العفو والصفح ، حتى إنها كانت تنافح عنهم إذا ذكر أحدهم أمامها بسوء  ، فهذا حسان ابن ثابت  ت كان من الخائضين في الإفك ، ورغم ذلك قال ابن أختها عروة بن الزبير:« ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ: «لاَ تَسُبَّهُ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنِ النَّبِيِّ ص» ( ).

2- إذا افترضنا ـ جدلًا ـ أن عائشة أم المؤمنين لم تذكر اسم علي ب لوجدها عليه بسبب موقفه من حادثة الإفك ، فإنما هي بشر تغضب كما يغضب البشر ، ولم يدفعها غضبها إلى ظلمه أو انتقاصه شيئًا من حقه ؛ فهي التي روت فضائله ولم تنكرها ب.

 

عائشة وعلي  ب

وموقعــــــــــة الجمـــــــــل

إنَّ مُعتقَد أهْلِ السُّنة والجماعة الإمساكُ عمَّا جَرَى بين أصحاب النبي ص والترضِّي عنهم جميعًا، واعتقادُ أنهم مجتهدون في طلب الحقِّ ؛ للمصِيب منهم أجران، وللمُخْطِئ أجرٌ واحد.

ملخص الفتنة ( ):

1- عاش الصحابة مع رسول الله ص في مكة والمدينة قرابة عشرين سنة، وهم إخوة متحابون، لا نرى بينهم إلا الخير والأخوة الإيمانية، وكان ذلك سر انتصارهم على أعدائهم وحصول هذا الثناء الربَّاني الذي صدر من الحكيم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.

ولا يعكر عليه وجود أشخاص ليسوا من المسلمين، قد يشاركونهم في السكنى بالمدينة أو في بعض الغزوات؛ لأنَّهم ليسوا من المؤمنين أصلًا، وليسوا المقصودين بالثناء.

2- ثمَّ توفي رسول الله ص ، وخلَفَه أفضلُ البشر وأعظمهم بعد الأنبياء، صاحب رسول الله ص منذ بعثته، ورفيقه في هجرته، وضجيعه في حجرته ت أبو بكر الصدِّيق ، فكان الصحابة معه على مثل ما كانوا مع رسول الله ص في نصر الدين، والتعاون على البر والتقوى، ولم ينتقص من سيرتهم شيء ي.

ولا يعني ذلك أن لا يحدث بين شخصين أو أكثر خلاف أو خصومة؛ لكن الحكم للغالبية.

ثمَّ خلف بعد ذلك الفاروق، واستمرت الحياة والصحابة ي على نفس المسيرة، حتى استُشهِد ت عام خمسة وعشرين تقريبًا، فوفى بذلك مع الصدِّيق خمسة عشر عامًا.

فإذا أضفنا هذه الفترة إلى فترة الرسول ص أصبحت خمسًا وثلاثين سنة تقريبًا.

ثمَّ حكَم ذو النورين، صهر رسول الله ص زوج ابنتيه قرابة ثلاث عشرة سنة، وقع آخرها فتنة انتهت باستشهاده ت.

فإذا أضفنا فترة خلافة عثمان ت إلى الفترة السابقة أصبحت ثمانيًا وأربعين سنة، كان الصحابة ي خلالها إخوة متحابين، نصر الله ﻷ بهم الدين وفتح الأرض، ولو لم يكونوا متحابين رحماء بينهم، لما تمكنوا من غلبة أعدائهم.

فأين هذه الفترة الذهبية التي تسطر بمداد من نور؟ ألم يكونوا رحماء بينهم؟!

إنَّ القرآن كلام الله أصدق الكلام، وإنَّ الصحابة ي كانوا كما ذكر الله ﻷ.

3- في عام خمسة وثلاثين هجرية وقعت الفتنة، ونتج عنها مقتل عثمان رضي الله عنه، وليس ذلك من الصحابة، بل كان بسبب رجل يهودي اسمه: (عبد الله بن سبأ) عمل على إثارة الفتنة، كما رواه الطبري / وغيره من المؤرخين( ). 

4- ثمَّ تولى علي بن أبي طالب ت الخلافة، وامتنع معاوية عن البيعة ما لم يقتص من قتلة عثمان ت.

وقد خرجت عائشة ومعها الزبير وطلحة ومن معهم من الصحابة ي، قاصدين العراق لمحاربة الذين قتلوا عثمان، ثمَّ اتجه عليّ ت إلى العراق لما بلغه الخبر، وكان يريد قبل ذلك الشام، ولـمَّا تلاقى الجيشان اتفقا على الصلح؛ لكن المفسدين الذين كانوا في جيش عليّ أدركوا خطورة الصلح، فاتفقوا على إعلان الحرب آخر الليل، واتهام جيش عائشة وطلحة والزبير بأنَّهم هم الذين بدءوا، وأنَّهم قد خدعوا عليًا ت( ).

هذا ملخص الفتنة.

الذين أثاروا الفتنة على عثمان ت هم الذين أثاروها على عليّ وكانت النتيجة أن وقع القتال. فأين في هذه الأحداث تعَمُّد القتل؟! أليس كلا الجيشين قد جُرَّ إلى الفتنة بدون رغبته؟

هذه كتب التواريخ، فهل عند الشيعة روايات أصدق منها وأصح، تقول بأنَّ الصحابة تعمدوا القتال واستباحوا دماء بعضهم؟!

وهذا القتال قد شارك عليّ بن أبي طالب ت فيه؛ فهل يُقال: إنَّه ليس ممن قال الله ﻷ فيهم: (   ﭑ  ﭒ  ﭓﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ    ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ   ﭣ  ﭤﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ    ﭫﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ   ﭰﭱ  ﭲ   ﭳ  ﭴ  ﭵ ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ   ﮀ   ﮁﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ   ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ   ) (الفتح: ٢٩).

إن ما يُعْتَذَرُ به لعليّ ت يُعْتَذَرُ به لإخوانه ، وإن كنا نعتقد أنَّه ت هو أحق من الآخرين ؛ لكنا لا نؤثِّم الآخرين، ولا نَدّعِي أنَّهم تعمدوا القتال ؛ لما ظهر منهم من حسن الصحبة وفضلها، وما ورد فيهم من مدح وثناء، وأنَّهم مع إخوانهم كانوا قاعدة الإسلام ورواته وأنصاره، وما وقع من فتنة لعل الله ﻷ يعفو عنهم ويغفر لهم، فإنَّنا لا نعتقد أنَّهم تعمدوا تلك الأحداث.

هل خرجت عائشة في ملأٍ من الناس تقاتل عليًا ب على غير ذنب؟!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :« أما زعمهم أنها خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليًّا ب على غير ذنب فهذا كذب عليها ؛ فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضًا طلحةُ والزبيرُ قصْدُهما قتالُ عليّ ، ولو قُدِّر أنهم قصدوا القتال فهذا هو القتال المذكور في قوله ﭨ (ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ      ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ   ﮨ     ﮩ  ﮪ  ﮫ     ﮬ  ﮭﮮ  ﮯ  ﮰ   ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ   ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ       ﯟ  ﯠ  ﯡﯢ  ) ( ) فجعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال وإذا كان هذا ثابتًا لمن هو دون أولئك المؤمنين فهم به أوْلَى وأحْرَى»( ). 

إن خروج عائشة ل يوم الجمل كان بقصد الإصلاح بين المسلمين وليس القتال ؛ فأُمَّ المؤمنين ل ومَن خَرَجَ إلى البصرة لم يكنْ مُرادُهم قتالَ عَلِي ت، وإلاَّ لكانتْ وِجْهتُهم المدينة بدلًا من البصرة، بل كان مرادُهم الإصلاح، والطلب بدمِ عثمان ت وكانتْ عائشة ل تَرى أنَّ في خروجِها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّنَ لها فيما بعد أنَّ ترْكَ الخروج كان أَوْلَى.

فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ:«لَـمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا ؟» ، قَالُوا:«مَاءُ الْحَوْأَبِ» ، قَالَتْ:« مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ» ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا:«بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْـمُسْلِمُونَ ، فَيُصْلِحُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ:«إِنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ:« كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْـحَوْأَبِ ؟ ».

وفي رواية:عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ل  لَـمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ ، فَقَالَتْ:« مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْـحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ:« تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ»( ).

فعائشة ل لما تذكرَتْ هذا الحديث وهَمَّتْ بالرجوع ، أشار عليها الزبير بالـمُضِيِّ في مسيرها ، للإصلاح بين الناس ، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها ، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد.

قال الذهبي /:« ولا ريبَ أنَّ عائشة نَدِمتْ ندامةً كليَّةً على مَسيرِها إلى البصرة ، وحضورها يوم الجَمَل ، وما ظنَّتْ أنَّ الأمرَ يبلغُ ما بلَغَ»( ). 

وقال الشيخ الألباني:« ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ولذلك هَمَّتْ بالرجوع حين علمت بتحقق نبوءة النبي ص عند الحوأب ، ولكن الزبير ت أقنعها بتَرْكِ الرجوع بقوله :« عَسَى الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ». ولا نشك أنه كان مخطئًا في ذلك أيضًا.

وقد أظهرت عائشة ل الندم ، على أنها ما فعلَتْ ذلك إلا متأولة قاصدة للخير ، كما اجتهد طلحة بن عبد الله ، والزبير بن العوام ، وجماعة من الكبار ؛ رضي الله عن الجميع» ( ).

ومما يدل على رجوعها إلى الحق:

ما رواه قيس بن أبي حازم قال : قالت عائشة ل ـ وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله  ص وأبي بكر فقالت : « إني أحدثْتُ بعد رسول الله  ص حدثًا ؛ ادفنوني مع أزواجه » ، فدُفِنَتْ بالبقيع ( ).

وإن كان الشيعة يكفرونها وطلحة بن عبد الله والزبير بن العوام بسبب هذا الخروج ـ مع أنه ليس فيه ما يدّعون ـ فقد ذكرت كتب الشيعة أن عائشة وطلحة والزبير  ي قد تابوا ( ). 

U: 

عائشة ل  لم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها ، بل كان في العسكر من محارمها ، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسُّه لها جائز بالكتاب والسُّنّة والإجماع ، وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع ، وهي لم تسافر إلا مع ذي مَحْرَم منها ( ). 

وفيما يلي ذِكْرٌ لرواياتٍ لا تصح وردت في كتب التاريخ عند أهل السنة ، وروايات مكذوبة تطفح بها كتب الشيعة تتعلق بهذه الفتنة وبأمنا عائشة ل ؛ لأن من يطعن فيها من الشيعة وغيرهم يستدل بتلك الروايات ، ويذْكُرها دون الإشارة إلى ضعفها ، بل أحيانًا دون ذكر سندها.

روايات 

مكذوبة

على عائشة ل

                    وردت في كتب أهل السنة

متعلقة بالفتنة التي وقعت بين الصحابة  ي 

1- قال لها النبي ص: «تقاتلين عليًا وأنتِ ظالمةٌ له »: 

البيان:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«هذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة ، بل هو كذب قطعًا، فإن عائشة ل لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين ، وظنَّتْ أن في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أوْلَى»( ).

والحديث وجدتُه في كتاب (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) للثعالبي (1/80) ، والعقد الفريد : لأحمد بن محمد بن عبد ربِّه الأندلسي (2/109) ، في كليهما بدون إسناد ، وهما من كتب الأدب ، ولا يؤخذ منهما أحاديث أو أحكام شرعية ، فهو فضلًا عن عدم سوقه للأسانيد فهو كتاب أدب لا حجة فيه لإثبات الأخبار، ولا يعرج على مثله إلا المخذولون( ). 

2- قتلَتْ من أولادها الأكابر عشرين ألفًا في صَعيد واحد :

قال ابن عبد ربِّه :«ودخلتْ أم أوفى العَبْدية على عائشة بعد وَقعه الجمل فقالت لها:« يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في امرأةٍ قَتلت ابنًا لها صغيرًا؟» ، قالت:« وَجبت لها النار». قالت:« فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفًا في صَعيد واحد؟» ، قالت:« خُذوا بيد عدوّة اللهِ»( ) .

البيان:

هذه الرواية ذكرها ابن عبد ربه بدون إسناد ، وكتابه (العقد الفريد) كما ذكرنا لا يمكن الاعتماد عليه في مثل هذه الأخبار.

3- أمرَتْ زيد بن صوحان أن يخَذّل الناس عن علي ت: 

فكتب إليها:« من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصديق ت حبيبة رسول الله ص ، أما بعد ، فأنا ابنُك الخالص ، إن اعتزَلْتِ هذا الأمر ورجَعْتِ إلى بيتِكِ وإلا فأنا أول مَن نابذكِ».

قال زيد بن صوحان:« رحم الله أم المؤمنين أمِرَتْ أن تلزم بيتها ، وأمِرْنا أن نقاتل ، فتركَتْ ما أمِرَتْ به وأمرَتْنَا به ، وصنعَتْ ما أمِرْنا به ونهَتْنا عنه »( ).

البيان: 

هذه القصة لا تصح ؛ فإنّ في إسنادها ( لُوطَ بْنَ يَحْيَى ) وَيُكَنَّى بِأَبِي مِخْنَفٍ الكذاب  ( ).

4- كانت تأمر بقتل عثمان ، وتقول:« اقتلوا نعثلًا ( )، قتل الله نعثلًا»، ولما بلغها قَتْلُه فرحَتْ بذلك:

قال الإمام الطبري:

« كتب إليَّ علي بن أحمد بن الحسن العجلي أن الحسين بن نصر العطار قال حدثنا أبي نصر بن مزاحم العطار قال حدثنا سيف بن عمر عن محمد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي ، قال وحدثنا عمر بن سعد عن أسد بن عبد الله عمن أدرك من أهل العلم أن عائشة  ل لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقِيَها عبد بن أم كلاب ـ وهو عبد بن أبي سلمة ـ يُنسَبُ إلى أمه ـ فقالت له:« مَهْيَم؟» ، قال:« قتلوا عثمان ت ، فمكثوا ثمانيًا».

قالت:« ثم صنعوا ماذا؟».

قال:« أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب».

فقالت:« والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ، ردُّوني ردُّوني» ، فانصرفت إلى مكة وهي تقول:« قُتِلَ والله عثمان مظلومًا ؛ والله لأطلُبَنّ بدمه».

فقال لها ابن أم كلاب:«ولِـمَ؟ فوالله إن أول مَن أمال حَرفَه لأنْتِ ، ولقد كنت تقولين:« اقتلوا نعثلًا فقد كفر».

قالت:« إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأول». فقال لها ابن أم كلاب:

فمنكِ البـداءُ ومنك الغيَر ( )          ومنكِ الرياحُ ومنكِ المطـــرْ 

وأنتِ أمرْتِ بقَـــتْلِ الإمام وقلتِ لنا إنه قد كفَــــــــرْ  

فهَبْنَا أطــــعناكِ في قَتْــــلِه وقاتِلُه عندنا مَن أمَــــــــرْ 

ولم يسقُطِ السـقفُ مِن فوقِنا ولم تنكسِفْ شمسُنا والقمـرْ

وقد بايـــعَ الناسُ ذا تُدْرَإٍ ( )            يزيل الشبا ( )  ويقيم الصعر ( )

ويلبسُ للحـــــربِ أثوابَها وما مَن وفَى مثلُ مَن قدْ غدرْ

 فانصرفَتْ إلى مكة ، فنزلَتْ على باب المسجد ـ فقصدتْ للحِجْر فسترت واجتمع إليها الناس فقالت:« يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلومًا ، ووالله لأطلبَنّ بدمه»  ( ).

البيان:

هذه الرواية مكذوبة حيث إن في إسنادها: 

أ- سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ ، وَهُوَ مُؤَرِّخٌ مَعْرُوفٌ ، وَلَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ بالكذب( ).

ب- نصر بن مزاحم قال فيه العقيلي :« كان يذهب إلى التشيع وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير»( ) ، وقال أبو خيثمة:«كان كذابًا» ، وقال أبو حاتم: «واهي الحديث، متروك »، وقال الدارقطني: «ضعيف » وقال الذهبي :«رافضي جلد، تركوه » ( ).

وقال الجوزجاني:«كان نصر زائغًا عن الحق مائلًا» ، وقال صالح بن محمد: «نصر بن مزاحم روى عن الضعفاء أحاديث مناكير»، وقال الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين:« نصر بن مزاحم غالٍ في مذهبه » ( ).

ج- فيها راوٍ مجهول: «عمن أدرك من أهل العلم ».

5- إنّ ناسًا كانوا عند فسطاط عائشة يلعنون عثمان:

قال ابن عبد ربه:« أبو نضرة عن أبي سَعيد الخُدريّ قال: إنّ ناسًا كانوا عند فُسطاط عائشة وأنا معهم بمكة، فمرّ بنا عثمان فما بقي أحدٌ من القوم إلا لَعَنَه غيري، فكان فيهم رجلٌ من أهل الكوفة فكان عثمان على الكُوفيّ أجرأ منه على غيره، فقال:« يا كُوفي، أتشتُمني؟» ، فلما قدم المدينةَ كان يتهدّده. قال: فقيل له:« عليك بطَلحة». قال: فانطلق معه حتى دَخل على عثمان. فقال عُثمان:« واللّه لأجلدنَه مائة سَوط». قال طلحة:« والله لا تَجلدنه مائةَ إلاّ أن يكون زانيًا». قال:« والله لأحرمنه عَطاءه». قال: «اللهُ يرزقه»( ). 

البيان:

هذه الرواية ذكرها ابنُ عبد ربه المولود  سنة 246 هـ ( ) بلا إسناد ، وكتابه (العقد الفريد) لا يمكن الاعتماد عليه في مثل هذه الأخبار، كما ذكرنا من قبل.

6- عائشة تدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص:

روى الطبري في تاريخه أن عائشة لما بلغها قَتْلُ محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعًا شديدًا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص( ).

البيان:

هذه القصة لا تصح ؛ فإن في إسنادها ( لُوطَ بْنَ يَحْيَى ) وَيُكَنَّى بِأَبِي مِخْنَفٍ الكذاب ( ).

7- وددتُ والله أن بَعضها كان قتلكِ:

دخل المُغيرة بن شُعبة على عائشة فقالت:« يا أبا عبد الله، لو رأيتني يومَ الجمل وقد نفذتْ النِّصالُ هَوْدجي حتى وصل بعضُها إلى جِلْدي». قال لها المغيرة:« وددتُ والله أن بَعضها كان قتَلكِ». قالت:« يرحمك الله، ولم تقول هذا؟» ، قال:« لعلَها تكون كَفّارة في سَعْيك على عُثمان». قالت:« أما والله لئن قلتَ ذلك لما عَلم الله أني أردتُ قتله، ولكن علم اللهُ أني أردتُ أن يُقاتَل فقوتِلْتُ، وأردتُ أن يُرمَى فرُمِيتُ، وأردت أن يُعصَى فعُصيتُ، ولو علم مني أني أردتُ قَتْلَه لقُتِلْتُ». 

وقال حسان بن ثابت لعليّ:« إنك تقول: ما قتَلْتُ عثمان ولكن خذلْتُه، ولم آمُر به ولكن لم أنْهَ عنه، فالخاذل شريك القاتل، والساكتُ شريك القاتل»( ). 

البيان:

هذه الرواية ذكرها ابن عبد ربه المولود  سنة 246 هـ ( ) بلا إسناد ، وكتابه (العقد الفريد) لا يمكن الاعتماد عليه في مثل هذه الأخبار كما ذكرنا مرارًا.

U: هذه الرواية المكذوبة ينقلها الشيعة ولكن دون ما فيها مِن طعنٍ في علي بن أبي طالب ت واتهامٍ له بالاشتراك في قتل عثمان ، وحاشاه  ت فإما أن ينقلوها كلها أو يتركوها كلها.

8- أمكم تغزوكم :

قال نعيم بن حماد المروزي: «حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل سمع حذيفة بن اليمان يقول:«لو حدثتكم أن أمَّكم تغزوكم أتصدقوني ؟ » قالوا:« أوَحَقٌّ ذلك ؟» ،  قال:«حق».

البيان:

المؤلف نفسه ؛ نعيم بن حماد ، فهو ضعيف ( ).

9- يا أمنا يا خير أمٍّ نعلمُ ، أما ترين كم شجاع يكلمُ :

قال الإمام الطبري:حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، عن جدّه، قال:«كان عمرو بن الأشرف آخِذٌ بخطام الجمل لا يدنو منه أحدٌ إلا خبطه بسيفه إذ أقبل الحارث بن زهير الأزدي وهو يقول:

« يا أمنا يا خيرَ أمٍّ نعلمُ

أما ترينَ كم شجاع يُكْلمُ

وتختلي هامتُه والمعصمُ ».

فاختلفا ضربتين فرأيتهما يفحصان الأرض بأرجلهما حتى ماتا ، فدخلتُ على عائشة ل بالمدينة فقالت:«من أنت» ، قلت:« رجل من الأزد أسكن الكوفة» ، قالت:«أشهدتنا يوم الجمل؟» ، قلت:« نعم» ، قالت:« ألنا أم علينا؟» ، قلت:« عليكم» قالت:« أفتعرف الذي يقول:يا أمنا يا خير أم نعلم؟» ، قلت:« نعم ، ذاك ابن عمي » ، فبكت حتى ظننتُ أنها لا تسكت»( ).

البيان:

هذه القصة لا تصح ؛ فإن في إسنادها ( لُوطَ بْنَ يَحْيَى ) وَيُكَنَّى بِأَبِي مِخْنَفٍ الكذاب( ).

10- عثمان قتله سيفٌ سلته عائشة، وشَحذه طلحة، وسمّه عليّ:

قال ابن عبد ربه:«عن العُتبيّ قال: قال رجل من ليث: لقيتُ الزبيرَ قادمًا، فقلت:« أبا عبد الله، ما بالُك؟» ، قال:« مَطلوب مَغلوب، يَغلبني ابني، ويطلبني ذَنبي».  قال: فقدمتُ المدينة فلقيتُ سعدَ بن أبي وقّاص، فقلت:« أبا إسحاق، مَن قتَل عثمان؟ » ، قال:« قتله سيفٌ سَلَّتْهُ عائشة ، وشَحَذه طلحة، وسَمّه عليّ»( ).

البيان:

في الإسناد مجهول (قال رجل)  ولا يُعلم حاله ، بالإضافة إلى ما قد يوجد من الانقطاع في سنده ، فلا يعقل أن يكون بين ابن عبد ربه المولود عام 246 هـ ( ) وبين الزبير بن العوام رجلان.

11- أم سلمة تنصح عائشة بعدم الخروج إلى البصرة للطلب بدم عثمان ، وتتهمها بالجَور: 

قال ابن قتيبة الدينوري:

« وقال في حديث أم سلمة، أنها أتت عائشة لما أرادت الخروج الى البصرة، فقالت لها: إنك سدة بين رسول الله وأمّتِه، وحجابك مضروب على حُرمتِه. وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه (وبعضهم يرويه: فلا تبدحيه ) وسكن عقيراك فلا تصحريها، الله من وراء هذه الأمة.

لو أراد رسول الله أن يعهد اليك عهدًا علت علت، بل قد نهاك رسول الله عن الفرطة في البلاد، إن عمود الإسلام لا يثاب بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن صدع، حماديات النساء غض الأطراف وخفر الأعراض، وقصر الوهازة.

ما كُنْتِ قائِلَةً لَوْ أَنَّ رِسُولَ اللهِ ص عارَضَكِ ببَعْض الفَلَواتِ نَاصَّةً قَلُوصَكِ مِنْ مَنْهَلٍ إِلى آخَرَ ، إن بعين الله مهواك، وعلى رسول الله ترِدِين قد وجهت سدافته (يروي: سجافته)، وتركت عهيداه، ولو سرتُ مسيرك هذا، ثم قيل ادخلي الفردوس لاستحييتُ أن ألقي محمدًا هاتكةً حجابًا قد ضربه علي.

اجعلي حصنك بيتك، ووقاعة الستر قبرك، حتى تلقيه وأنت على تلك، أطوع ما تكونين لله ما لزمتِه، وأنصر ما تكونين للدين ما جلست عنه.

لو ذكرتك قولا تعرفينه نهشته نهش الرقشاء المطرق».

فقالت عائشة ـ رحمها الله ـ: « ما أقبلني لوعظك، وليس الأمر كما تظنين، ولنعم المسير مسيرٌ فزعت إليَّ فيه فئتان متناحرتان، أو متناجزتان، إن أقعد ففي غير حرج، وان أخرج فإلى ما لابد من الازدياد منه».

حدثنيه شيخ بالري من أهل الأدب.

ورأيته عند بعض المحدثين، غير أنه كان لا يقيم ألفاظه»( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح ؛ قال ابن قتيبة :«حَدَّثَنِيه شيخٌ بالري من أهل الأدب.ورأيْتُه عند بعض المحدثين، غير أنه كان لا يقيم ألفاظه».

والشيخ الأديب مجهول لا يُعلم حاله ، وكذلك لا يُعلم حال المحدّثين الذين رآه عندهم ، ولا يُعلم حال الرواة الذين رووه عنهم.

12- أرسلت عائشة إلى حفصة تسألها الخروج معها إلى البصرة: روى الطبري من طريق سيف بن عمر أن عائشة بعثت إلى حفصة فأرادت الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت وبعثت إلى عائشة أن عبدالله حال بيني وبين الخروج ، فقالت:« يغفر الله لعبد الله» ( ).

البيان:

هذه الرواية مكذوبة حيث إن في إسنادها:سَيْفَُ بْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ ، وَهُوَ مُؤَرِّخٌ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ بالكذب( ).

14- إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك :

روى الطبري من طريق سيف بن عمر أن القاسم بن محمد قال:« وأقبل جارية بن قدامة السعدي فقال:« يا أم المؤمنين ، والله لقَتْلُ عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضةً للسلاح. إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحتِ حرمتكِ ، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قَتْلَك ، وإن كنت أتيتِنَا طائعةً فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتِنَا مستكرهةً فاستعيني بالناس».

قال:فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال:« أما أنت يا زبير فحوارِيُّ رسول الله ص ، وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله  ص بيدِكَ ، وأرى أمَّكُمَا معكما ، فهل جئتما بنسائكما؟» ، قالا:«لا » ، قال:«فما أنا منكما في شيء » ، واعتزل وقال السعدي في ذلك :

صُنتُمْ حــلائلكُم وقُدتُمْ أمَّكُمْ      هذا لعَمْرُكَ قلةُ الإنصــافِ 

أمِرَتْ بِجَــــرِّ ذيولِـهَا في بيتِهَا              فهَوَت تَشُقُّ البِيدَ بالإيجافِ( ) 

غرضًا يقـــــاتلُ دُونَها أبناؤُهَا        بالنَبْلِ والخطيِّ والأســيافِ 

هتكَتْ بطلحةَ والزبيرِ ستُورَهَا    هذا المخَبِّرُ عنهــمُ والكافي( )

البيان:

هذه الرواية مكذوبة حيث إن في إسنادها: سَيْفَ بْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ ، وَهُوَ مُؤَرِّخٌ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ بالكذب( ).

15- والله ما قاتلَتْ مع رسول الله ص المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين :

قال البيهقي:« وعن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أن الأحنف بن قيس قال لعائشة ـ رحمها الله ـ يوم الجمل:« يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله ص هذا المسير؟ » ، قالت:« اللهم لا». قال:« فهل وجدتِهِ في شيء من كتاب الله ـ جل ذكره؟» ،  قالت:«ما نقرأ إلا ما تقرؤون». قال:« فهل رأيت رسول الله ص استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة والمشركون في كثرة؟» ، قالت:« اللهم لا». 

قال الأحنف:« فإذًا ما هو ذنبنا؟». 

قال: وقال الحسن البصري:« تقلدت سيفي وذهبتُ لأنصر أم المؤمنين فلقِيَني الأحنف فقال:« إلى أين تريد؟» ، فقلت:«أنصر أم المؤمنين». فقال:« والله ما قاتلَتْ مع رسول الله ص المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين؟».

قال:« فرجعت إلى منزلي ووضعت سيفي» ( ). 

البيان: هذا الأثر لا يصح ، للانقطاع بين البيهقي والحسن البصري.

فإن الحسن البصري مات سنة عشر ومائة ، ووُلد البيهقي سنة ثلاثمائة وأربعة وثمانين ( ).

16- « استفززت الناس وقد فزوا حتى قَتَلَ بعضُهم بعضًا بِتَأْلِيبِك»:

قال البلاذري: «حدثني خلف بن سالم وأبو خيثمة، قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الايلي: عن الزهري قال:« احتمل محمد بن أبي بكر عائشة؛ فضرب عليها فسطاطًا، فوقف عَلِيٌّ عليها فقال:« استفززت الناس وقد فزوا حتى قَتَلَ بعضُهم بعضًا بِتَأْلِيبِك». فقالت:« يا ابنَ أبي طالب ، ملَكْتَ فأَسْجِحْ» ( ). 

ورواه الطبري في تاريخه ( ) عن أحمد بن زهير ، قال حدثنا أبي أبو خيثمة ، قال حدثنا وهب بن جرير بن حازم ، قال سمعت أبي ، قال سمعت يونس بن يزيد الايلي عن الزهري ....

الجواب:

هذا الأثر لا يصح لأن فيه انقطاعًا ؛ فالزهري - راوي الحادثة – وُلِدَ سَنَةِ خَمْسِيْنَ، أو سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ مِنَ الْهِجْرَةِ ( ) ، بينما كانت وقعة الجمل سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ( ) ، أي قبل مولده بما يزيد عن أربع عشرة سنة.

17- « إِنَّ حُمَيْرَاءَ إِرَمَ هَذِهِ أَرَادَتْ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ »:

قال البلاذري:« حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ حَاطِبٍ ، قَالَ:«أَقْبَلْتُ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى الْهَوْدَجِ ، وَكَأَنَّهُ شَوْكُ قُنْفُذٍ مِنَ النَّبْلِ ، فَضَرَبَ الْهَوْدَجَ ، ثُمَّ قَالَ :« إِنَّ حُمَيْرَاءَ إِرَمَ هَذِهِ أَرَادَتْ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ». 

فَقَالَ لَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدٌ:«هَلْ أَصَابَكِ شَيْءٌ؟» ، فَقَالَتْ :« مِشْقَصٌ فِي عَضُدِي».

فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ جَرَّهَا إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ»( ). 

الجواب:

ابن حاطب مجهول ، فلم يَرْوِ سعيد بن عمرو عن أحد بهذا الاسم ( ).

أما زَعْمُ الشيعة أن ابن حاطب هو مُحَمَّد بْن حاطب الجمحي الصحابي فلم أجد في رواية صحيحة أنه شهد الجمل مع علي ت ، والروايات التي ورد فيها ذلك ( )  لا تصح لأن مدارها على هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، قال عنه الدارقطني: «متروك» ( ) وقال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة»، وقال الذهبي: «لا يُوثَقُ به»( ). 

وكتب التراجم لم أجد فيها أن سعيد بن عمرو ممن روى عن مُحَمَّد بْن حاطب الجمحي الصحابي. 

U:

كتاب (أنساب الأشراف) لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري لا يُعْتمد عليه في تأريخ فترة الفتنة التي وقعت بين الصحابة ي ؛ خاصة ما تفرد به البلاذري وحده ، فليس له وثاقة من أهل العلم ، فلا تجد للأئمة فيه جرحًا ولا تعديلًا على شهرته ومصنفاته ، بل قد ورد في ترجمته ما يدل على أن في عدالته نظرًا ، قال الصفدي عن البلاذري:« وكان أحمد بن يحيى بن جابر عالمًا فاضلًا شاعرًا راوية نسّابة متقنًا ( ) ، وكان مع ذلك كثير الهجاء بذيء اللسان آخذًا لأعراض الناس» ( ). 

فمَنْ هذه صفته لا يوثق فيما ينقله عن الصحابة ي.

أما أنه كان نسابةً متقنًا ، فعلم الأنساب شيء والرواية شيء آخر ، فهشام بن محمد الكلبي كان نسابة ولكنه متروكٌ في الرواية.

18- خروجها علَى علِيٍّ ت تسبب في قتل ثلاثين ألفًا من المسلمين ( ):

الجواب:

هذا من الكذب الصريح ، وإلا فأين السند الصحيح بذلك.

وأما عن عدد قتلى معركة الجمل فقد بالغ المؤرخون في ذكرهم فمن مقلل ومن مكثر على حسب ميل الناس وأهوائهم ؛ لكن العدد الحقيقي لقتلى معركة الجمل كان ضئيلًا جدًا للأسباب التالية :

1- قصر مدة القتال ، حيث أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن القتال نشب بعد الظهر ، فما غربت الشمس وحول الجمل أحد ممن كان يدافع عنه ( ). 

2 - الطبيعة الدفاعية للقتال ، حيث كان كل فريق يدافع عن نفسه ليس إلا .

3 - تحرُّج كل فريق من القتال لما يعلمون من عظم حرمة دم المسلم .

4 - قياسًا بعدد شهداء المسلمين في معركة اليرموك  ـ ثلاثة آلاف شهيد ـ ( ) ، ومعركة القادسية ـ ثمانية آلاف وخمسمائة شهيد ( ) ـ وهي التي استمرت عدة أيام ، فإن العدد الحقيقي لقتلى معركة الجمل يعد ضئيلًا جدًا . هذا مع الأخذ بالاعتبار شراسة تلك المعارك وحدتها لكونها من المعارك الفاصلة في تاريخ الأمم .

5 - أورد خليفة بن خياط في تاريخه ( )  بيانًا بأسماء من حفظ من قتلى يوم الجمل ، فكانوا قريبًا من المائة. فلو فرضنا أن عددهم كان مائتين وليس مائة ، فإن هذا يعني أن قتلى معركة الجمل لا يتجاوز المائتين . وهذا هو الراجح للأسباب والحيثيات السابقة.

روايات 

مكذوبة

 على عائشة ل

وردت في كتب الشيعة 

متعلقة بالفتنة التي وقعت بين الصحابة  ي( )

1- كذبوا على عائشة زاعمين أنها كانت تعتقد بكفر عثمان ، ولما بلغها قتله فرحت بذلك:

وزعموا أنهم لم يقولوا بكفره وإنما عائشة هي التي فعلت حين قالت « اقتلوا نعثلًا ( )  فقد كفر»( ).

وروى العسكري من طريق أبي مخنف ، عن عمر بن بشير، عن عمته أم زيد قالت: كنت مع عائشة ل بمكة، فأتاها أن عثمان قُتِلَ فقالت:« أبْعَدَهُ الله بما قدمت يداه » ( ).

2- زعموا أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبًا من ثياب رسول الله ص فنصبته في منزلها ، وكانت تقول للداخلين إليها:« هذا ثوب رسول الله ص لم يَبْلَ وعثمان قد أبلى سنته»( ).

3- زعموا أن عثمان كان يُكَفّر عائشة وحفصة:

فرووا أنه لما ولي عثمان قالت له عائشة:«أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر». فقال:« لا أجد له موضعًا في الكتاب ولا في السنة ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل»( ). 

قالت:« فأعطني ميراثي من رسول الله». فقال:« أليس جئتِ فشهدتِ أنتِ ومالك بن أوس النضري أن رسول الله  ص قال:« لا نورث» ، فأبطلتِ حقّ فاطمة، وجئتِ تطلُبينه، لا أفعل»( ). 

فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت وترفع القميص وتقول:« إنه قد خالف صاحبَ هذا القميص» ، فلما آذته صعد المنبر فقال:« إن هذه الزعراء عدوة الله ضرب الله مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب( ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ   ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ    )    ( ).فقالت له:« يا نعثل ، يا عدو الله ، إنما سمّاك رسول الله ص باسم نعثل اليهودي الذي باليمن» ، فلاعَنَتْهُ ولاعنها ، وحلفت أن لا تساكنه بـِمَصْرٍ أبدًا وخرجت إلى مكة»( ).

4- زعموا أن عثمان يقول إن عائشة كيَّادة:

ذكر اليعقوبي أن عثمان كان يخطب إذْ دَلَّتْ عائشة قميص رسول الله ص ونادت :« يا معشر المسلمين ! هذا جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته».

 فقال عثمان :« رب اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم»( ). 

5- زعموا أن عثمان قال:أما يجد مُرَّاق أهل العراق وفُسَّاقُهم ملجأ إلا بيت عائشة :

رووا أنه خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد؛ فقال:« أكلما غضب رجلٌ منكم على أميره رماه بالباطل ؛ لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم». 

فاستجاروا بعائشة. وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتًا وكلامًا فيه بعض الغلظة؛ فقال:« أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة؟!».

فسمعت فرفعت نعل رسول الله ص وقالت:« تركْتَ سُنَّةَ رسول الله ص صاحب هذه النعل». 

فتسامع الناس فجاؤوا حتى ملؤوا المسجد؛ فمِنْ قائل:« أحسنت».

ومِن قائل:« ما للنساء ولهذا » ، حتى تحاصبوا و تضاربوا بالنعال. ودخل رهط من أصحاب رسول الله ص على عثمان فقالوا له:« اتق الله ولا تعطل الحد واعزل أخاك عنهم » ، فعزله عنهم ( ).

6- زعموا أنها قالت:« إن عثمان غَيَّر وبَدَّل»:

رووا أنه لما صارت عائشة وطلحة والزبير لحفر أبي موسى، بعث إليهم عثمان بن حنيف ـ وهو عامل على البصرة ـ عمران بن حصين فدخلا على عائشة ، وقالا: ما جاء بك؟ قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان، أفلا أغضب لعثمان من سيوفكم؟ قالا: وما أنت وسوط عثمان وسيوفنا؟ أنت حبس رسول الله ص ، نُذَكِّرُكِ اللهَ أن تُهْرَقَ الدماءُ في سببِكِ.

قالت: «وهل أحد يقاتلني؟» ، قال أبو الأسود:« نعم. والله قتال أهونه شديد» ، ثم دخلا على الزبير وطلحة، وكَلّماهما، فوقعا في علي ونالا منه، فأتيا عثمان فعرفاه، فأمر الناس فلبسوا السلاح، ودخل طلحة والزبير وعائشة حتى انتهوا إلى المربد، فخطبت فقالت:« إن عثمان غَيَّر وبَدَّل، فلم نَزَلْ نغسله حتى أنقيناه، وبلوناه بالسدة حتى أخلصناه، ولما صار كالذهب المصفى عدا عليه السفهاء فقتلوه، ثم أتوا عليًّا فبايعوه على غير ملأ من الناس، أفنغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم، لا يصلح هذا الأمر حتى ترد شورى كما فعله عمر ».

فقال بعضهم:« صدقت». وقال بعضهم:« كذبت».

واضطربوا بالنعال، فصارت تجمعها، فاستقبلهم عثمان في الناس، فشجوهم بالرماح، ورماهم النساء والصبيان من فوق البيوت، وأفواه السكك، فاندفعوا حتى أتوا مقبرة بني مازن، فنابت إليهم نائبة من الناس، ولقيهم عثمان من الغد في أصحابه فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى زالت الشمس، وكثرت القتلى، ثم كتبوا بينهم كتابًا لا يتعرض بعضهم لبعض حتى يرد علي ـ عليه السلام ( ). 

7- زعموا أن عليًّا أرسل غلامًا يحمل مصحفًا يدعو القوم للصلح فأمرت عائشة بقتله ( ).

8- زعموا أن عائشة قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لعلي:

فرووا أن عائشة قالت:«التمسوا لي رجلًا شديد العداوة لهذا الرجل ـ يعني عليًّا عليه السلام ـ  فأُتِيَتْ برجل، فمثل بين يديها، فرفعت رأسها، فقالت:« ما بلغ من عداوتك  لهذا الرجل؟» ، فقال:« کثيرًا ما أتمني علي ربي أنه وأصحابه في وسطي، فضربْتُ ضربةً بالسيف فسبق السيف الدم».

قالت:«فأنتَ لها، فاذهبْ بکتابي هذا إليه، فادفعه إليه ظاعنًا رأيتَه أو مقيمًا، أما إنك إن رأيته راکبًا ، رأيته علي بغلة رسول الله متنکبا قوسه، معلقا کنانته بقربوس سرجه، و أصحابه خلفه کأنهم طير صواف ، وإن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تنالَنّ منه، فان فيه السحر».

فمضي واستقبله راکبًا، فناوله الکتاب، ففض خاتمه ثم قال ـ عليه السلام ـ : « تبلغ إلي منزلنا، فتصيب من طعامنا وشرابنا، ونکتب جواب کتابك».

فقال: «هذا ، والله ، ما لا يکون».

فثني رجله، فنزل، وأحدق به أصحابه.

ثم قال له: «أسألك؟».

 قال:« نعم».

قال:«وتجيبُني؟».

قال:« نعم».

قال:« أنشدك اللهَ ، أقالتْ التمسوا لي رجلًا شديد العداوة لهذا الرجل» ، فأتِيَتْ بك، فقالت لك:« ما مبلغ عداوتك لذلك الرجل؟» ، فقلتَ: کثيرًا ما أتمني علي ربي أنه هو وأصحابه في وسطي، وأني ضربت ضربة بالسيف، سبق السيف الدم؟».

 قال:« اللهم نعم».

قال:«فأنشدك الله، أقالت لك :« اذهب بکتابي هذا، فادفعه إليه ظاعنًا کان أو مقيمًا ، أما إنك إن رأيته ظاعنا، رأيته راکبا علي بغلة رسول الله ، متنکبًا قوسه معلقًا کنانته بقربوس سرجه، وأصحابه خلفه کأنهم طير صواف؟».

قال:« اللهم نعم».

قال: «فأنشدك بالله، هل قالت لك:« إن عرض عليك طعامه وشرابه، فلا تنالَنّ منه فإن فيه السحر؟ ».

قال:« اللهم نعم»( ).

قال: فمُبّلّغٌ أنت عَني؟ قال:«اللهم نعم ، فإني أتَيْتُك وما في الأرض خلق أبغض إليّ منك، وأما الساعةَ ما في الأرض خلق أحب إليّ منك، فمُرْني بما شئت».

فقال:« ادفع إليها کتابي هذا، و قل لها:« ما أطعْتِ اللهَ ولا رسوله حيث أمرك الله بلزوم بيتك، فخرجت ترددين في العساکر».

وقل لهما ـ يعني طلحة والزبير ـ :« ما أنصفتما الله ورسوله حيث خلفتما حلائلکما في بيوتکما وأخرجتما حليلة رسول الله ص».

فجاء بکتابه إليها حتى طرحه لديها، و أبلغها مقالته، و إليهما کلامه، ثم رجع إلي أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فأصيب بصفين.

فقالت: «ما نبعث إليه ـ والله ـ بأحدٍ إلا أفسده علينا» ( ).

9- زعموا أنها خطبت في أهل البصرة أن عثمان كان قد غَيّرَ وبَدّلَ: 

فرووا أن عائشة أقبلت على جملها عسكر، فنادت بصوت مرتفع:« أيها الناس أقلوا الكلام واسكتوا» ، فسكت الناس لها فقالت:« أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان كان قد غير وبدل، ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قُتِلَ مظلومًا تائبًا» ( ).

10- زعموا أن عائشة كانت تركب الجمل وتحمل السلاح:

« شكوتُ رأسًا     قد مللْتُ حملَه 

وقد ملَلْتُ        دَهْــــنَه وغسْلَه

ألا فَتًى يحْمِلُ     عَنَّــــــا كُلَّه ».

وقُطِع علي خطام جملها أربعمائة وهي مسرورة.

وقال لها عمار:« كيف رأيتِ ضرْبَ بَنِيكِ عن أديانهم؟».

قالت:«لسْتُم لي بِبَنِين».

قال:«صدقْتِ ، أمهاتُنا نساء النبي ، ذوات الحجاب، المطيعات لله ولرسوله، وأنت فمخالفة لهما»( ).

11- زعموا أن قيادة الجيش العامة كانت لعائشة ( ).

12- زعموا أن ابن عباس قال لعائشة:« ألستِ إنما سُمِّيتِ أم المؤمنين بنا»، قالت:«بلى» ، قال:«أولَسْنا أولياءَ زوجك؟» ، قالت:« بلى»، قال:« فلِمَ خرَجْتِ بغير إذنِنَا؟» ، فقالت:«أيها الرجل كان قضاء وأمر خديعة»( ). 

13- زعموا أن ابن عباس قال:« أرسلني علي ـ عليه السلام ـ إلى عائشة بعد الهزيمة، وهي في دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها، قال: فجئتها، فوقفتُ على بابها ساعةً لا يُؤْذَنُ لي، ثم أذِنَتْ فدخلْتُ ولم توضَعْ لي وسادة ، ولا شيءٌ أجلس عليه، فالتفتُّ فإذا وسادة في ناحية البيت على متاع فتناولتُها ووضعتُها، ثم جلستُ عليها، فقالت عائشة:«يا ابن عباس أخطأت السنة ؛ تجلس على متاعنا بغير إذننا» ، فقلت لها : «ليست بوسادتك ، تركتِ متاعكِ في بيتِك الذي لم يجعل الله لك بيتًا غيره» ، فقالت: «والله ما أحِبُّ أنْ أصبحتُ في منزل غيرِه»، قلت:« أما حين اخترت لنفسك فقد كان الذي رأيت»، فقالت:« أيها الرجل أنت رسول ؛ فهلم ما قيل لك». قال: فقلت:« إن أمير المؤمنين يأمركِ أن ترحلي إلى منزلك وبلدك» ، فقالت:« ذاك أمير المؤمنين عمر ».

قال ابن عباس :فقلت:« أمير المؤمنين عمر والله يرحمه ( )، وهذا والله أمير المؤمنين» ،  فقالت: أبيتُ ذلك». 

فقلتُ:« أما والله ما كان إلا فواق عنز ( ) حتى ما تأمرين ولا تنهين كما قال الشاعر الأسدي:

ما زال أعداءُ القصــائد بيننَا شَتْمُ الصديقِ وكثْرةُ الألقابِ

حتى تركت كأن أمرَكَ فيهمُ في كلِّ مجمعــــةٍ طنينُ ذبابِ 

قال ابن عباس:« فوالله يعلم لَبَكَتْ حتى سمعتُ نشيجها»، فقالت:«أفعلُ ؛ ما بلدٌ أبغضُ إليَّ مِن بلدٍ لصاحبك مملكة بعدُ، وبلدٍ قُتِل فيه أبو محمد وأبو سليمان» ، تعني طلحة بن عبيد الله وابنه. 

فقلتُ:« أنتِ والله قتلتِهما» ، قالت:« وأجلهما إليَّ؟» ، قلتُ:« لا ، ولكنك لما شجعوك على الخروج خرجتِ ، فلو أقمتِ ما خرجَا، قال: فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الأول، ثم قالت:« والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن، نخرج لعمري من بلدك، فأبغِضْ بها والله بلدًا إليَّ وبمن فيها» ، فقلت:« الله ما هذا جزاؤنا بأيدينا عندك ولا عند أبيكِ، لقد جعلنا أباكِ صِدّيقًا ( )  ، وجعلناك للناس أمًّا»، فقالت:« أتَمُنّون عليَّ برسول الله؟» ، قلت:« إي والله لأمْتَنَّنَّ به عليكِ، والله لو كان لكِ لمنَنْتِ به».قال ابن عباس: قمت وتركْتُها فجئتُ عليًّا ـ عليه السلام ـ فأخبرْتُه خبرها وما قلتُ لها فقال ـ عليه السلام ـ: ( ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛﮜ  ﮝ   ﮞ  ﮟ ) ( )( ).

13- زعموا أن عمارًا بن ياسر استأذن على عائشة بالبصرة بعد معركة الجمل فأذنت له فدخل فقال:«يا أمّه كيف رأيتِ صُنْعَ اللهِ حينَ جمعَ الحقَّ والباطل، ألمْ يظهر الحقُّ على الباطل، وزهق الباطل؟» ، فقالت:« إن الحرب دُوَلٌ ( ) وسجال ( ) وقد أديل على رسول الله  ص ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك»( ).

14- زعموا أن عمارَ بن ياسر دخل على عائشة فقال:« كيف رأيتِ ضَرْب بنيك على الحق وعلى دينهم» ، فقالت: «استبصرتَ من أجل أنّكَ غلبتَ» ، فقال:«أنا أشد استبصارًا من ذلك ، والله لو غلبتمونا حتى تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل».

فقالت عائشة:« هكذا تخيل إليك ، اتق الله يا عمار ؛ إن سنك قد كبرت ودَقَّ عظمُك ودنَى أجلُك إذ وهبت دينك لابن أبي طالب» ، قال:« أي والله اخترت لنفسي في أصحاب رسول الله ص فرأيت عليًّا ـ عليه السلام ـ أقرأَهم لكتاب الله، وأعلَمهم بتأويله، وأشدَّهم تعظيمًا لحق الله وحرمته، مع قرابتِه وعِظَم بلائِه وعنائه في الإسلام».

قال: فسكتت» ( ).

15- زعموا أن عائشة لما انتهت بجيشها إلى حفر أبي موسى، أرسل عثمان بن حنيف ـ وهو يومئذ عامل أمير المؤمنين عليّ على البصرة ـ أبا الأسود الدؤلي إلى القوم ليعلم له علمهم، فدخل على عائشة فسألها عن مسيرها. فقالت:« أطلب بدم عثمان». 

قال: «إنه ليس في البصرة مِن قَتَلة عثمان أحد». 

قالت:« صدقت، ولكنهم مع علي ابن أبي طالب في المدينة، وجئت استنهض أهل البصرة لقتاله، أنغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟».

 فقال لها:« ما أنت من السوط والسيف، إنما أنت حبيس رسول الله ص أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك، وليس على النساء قتال، ولا لهن الطلب بالدماء، وإن أمير المؤمنين لَأولى بعثمان مِنْكِ وأمَسُّ رحمًا، فإنهما أبناء عبد مناف( )  ».

فقالت:«لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه، أفتظن يا أبا الأسود أن أحدًا يُقْدِمُ على قتالي ؟ ». قال:« أما والله لنقاتلنك قتالًا أهونه الشديد» ( ). 

16- زعموا أنها أرسلت إلى حفصة أن عليًّا مرعوب لما بلغه من عدتها وجماعتها: 

فرووا عن أبي مخنف الكذاب : قال لمال نزل علي (ع) ( )  ذا قار كتبَتْ عائشة من البصرة إلى حفصة بنت عمر وهى بالمدينة :« أما بعد فإنى أخبرك أن عليًّا قد نزل ذا قار وأقام بها مرعوبًا ، خائفًا لما بلغه مِن عدتنا وجماعتنا فهو بمنزلة الأشتر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر » ، فدعت حفصة جواري لها يغنين ويضربن بالدفوف  ، فأمرتهن أن يقُلْن في غنائهن:

ما الخــــــــبر ما  الخــــبر على في ســفر 

كالفرس الأشتر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر 

وجعلت بنات الطلقاء يدخُلْنَ على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء فبلغ أم كلثوم بنت علي (ع) فلبست جلابيبها ودخلت عليهن في نسوة متنكرات ثم أسفرتْ عن وجهها ، فلما عرفَتْها حفصة خجلت واسترجعت ، فقالت أم كلثوم:«لئن تظاهرتما عليه منذ اليوم ، لقد تظاهرتما على أخيه من قبل ، فأنزل الله تعالى فيكما ما أنزل ، فقالت حفصة :«كفى رحمك الله » ، وأمرت بالكتاب فمُزِّق ، واستغفرتِ الله( ).

17- زعموا أنها كانت بعد رجوعها إلى المدينة تحرض الناس على أمير المؤمنين ، وتطلق على غلامها اسم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ت:

فرووا أن عائشة لما وصلتْ إلى المدينة راجعة من البصرة، لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وكتبت إلى معاوية وإلى أهل الشام مع الأسود بن أبي البختري لتحرضهم عليه.

ورووا أن مسروقًا قال: دخلت على عائشة فجلستُ إليها فحدثتني واستدعتْ غلاما لها أسود يقال له: عبد الرحمن حتى وقف، فقالت:«يا مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمن؟». فقلتُ:« لا» ، فقالت:« حُبًّا مني لعبد الرحمن بن ملجم»( ). 

18 - زعموا أنها علمت أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي :

فرووا أن حبة العرني قال: سمعت عليًّا ـ عليه السلام ـ حين برز إلى أهل الجمل وهو يقول:« والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي وقد خاب من افترى» ( ).

19- زعموا أنها خادعت أم سلمة على الخروج للطلب بدم عثمان:

فرووا أن عائشة أقبلت حتى دخلَتْ على أم سلمة ـ زوجة النبي ص ـ وهي يومئذ بمكة، فقالت لها:« يا بنت أبي أمية! إنك أول ظعينة هاجرت مع رسول الله ص وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وقد كان رسول الله ص يقسم لنا بين بيتك، وقد خُبّرتُ أن القوم استتابوا عثمان بن عفان حتى إذا تاب وثبوا عليه فقتلوه، وقد أخبرني عبد الله بن عامر أن بالبصرة مائة ألف سيف يقتل فيها بعضهم بعضًا، فهل لك أن تسيري بنا إلى البصرة لعل الله تبارك وتعالى أن يصلح هذا الأمر على أيدينا؟ 

فقالت لها أم سلمة:« يا بنت أبي بكر ، بدم عثمان تطلبين ، والله لقد كنت من أشدّ الناس عليه، وما كنت تسميه إلا نعثلا، فما لك ودم عثمان؟ وعثمان رجل من عبد مناف وأنت امرأة من بني تيم بن مرة، ويحك يا عائشة! أعلى عليّ وابن عم رسول الله ص تخرجين وقد بايعه المهاجرون والأنصار؟».

ثم جعلت أم سلمة تُذَكّر عائشة فضائل عليٍّ وعبد الله بن الزبير على الباب يسمع ذلك كله، فصاح بأم سلمة وقال:« يا بنت أبي أمية! إننا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير» ، فقالت أم سلمة:« والله لتوردنّها ثم لا تصدرنّها أنت ولا أبوك ، أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة وعلي بن أبي طالب حي وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة؟».

 فقال عبد الله بن الزبير:« ما سمعنا هذا من رسول الله ص ساعة قط».

فقالت أم سلمة:« إن لم تكن أنتَ سمعْتَه فقد سمعَتْه خالتك عائشة ، وها هي فاسألها ؛ فقد سمعته ص يقول: «عليٌّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي ؛ فمن عصاه فقد عصاني» ، أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا؟».

فقالت عائشة:«اللهم نعم».

قالت أم سلمة:« فاتقي الله يا عائشة في نفسك واحذري ما حذرك الله ورسوله ص ، ولا تكوني صاحبة كلاب الحوأب ، ولا يغرنك الزبير وطلحة فإنهما لا يغنيان عنك من الله شيئًا».

فخرجت عائشة من عند أم سلمة وهي حنقة عليها، ثم إنها بعثت إلى حفصة فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابَتْها حفصة إلى ذلك. 

فعند ذلك أذّن مؤذن طلحة والزبير بالمسير إلى البصرة ، فسار الناس في التعبية والآلة والسلاح وسارت معهم عائشة وهي تقول:« اللهم! إني لا أريد إلا الإصلاح بين المسلمين ( )   ، فأصلح بيننا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ( ).

20- زعموا أن أم سلمة كتبت إلى علي بن أبي طالب ت تخبره أن طلحة والزبير وعائشة وبنيها بني السوء وشيعة الضلال خرجوا مع ابن الجزار عبد الله بن عامر إلى البصرة:

فرووا أن أم سلمة كتبت إلى علي بن أبي طالب:« لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، من أم سلمة بنت أبي أمية، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد! فإن طلحة والزبير وعائشة وبنيها بني السوء وشيعة الضلال ، خرجوا مع ابن الجزار عبد الله بن عامر إلى البصرة، يزعمون أن عثمان بن عفان قتل مظلومًا ( )  وأنهم يطلبون بدمه ، والله كافيكم وجاعلٌ دائرة السوء عليهم إن شاء الله تعالى ، وتالله لولا ما نهى الله ـ عزّ وجلّ ـ عنه من خروج النساء من بيوتهن وما أوصى به رسول الله ص عند وفاته لشخصْتُ معك، ولكن قد بعثت إليك بأحب الناس إلى النبي ص وإليكَ ابني عمر بن أبي سلمة ،  والسلام( ).

21- زعموا أن أم الفضل بنت الحارث كتبت إلى علي ت بأن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة، وقد استنفروا الناس إلى حربه ولم يخرج معهم إلى ذلك إلا من كان في قلبه مرض( ). 

22- زعموا أن عائشة أنكرت على معاوية في دعواه الخلافة: 

فرووا أنها أنكرتْ عليه وبلغه ذلك فقال:«عجبا لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله ، وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، ما لها ولهذا يغفر الله لها ، إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس وقد استأثر الله به». 

فقال الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ:« أو عجبٌ ذلك يا معاوية؟».

قال:« أي والله». 

قال:«أفلا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟».

قال:« ما هو؟». قال:« جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك» ( ).

سؤال لعقلاء الشيعة: 

نقلت كتب الشيعة كيف أحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ت إلى أمِّنا عائشة بعد واقعة الجمل فأعادها إلى بيتها معززة مكرمة ( ). 

فإن كانت قد ارتدت بخروجها على الإمام المعصوم كما يزعم الشيعة فلماذا لم يُقِم عليها الإمام المعصوم حدّ الردة ، إنْ قَصَّرَ في تطبيق الحد فليس بمعصوم ، فيلزمهم الاعتراف بأنه كان يعلم مكانتها ، وأنها أخطأت في اجتهادها ل.



كشف 

شبهات الشيعة 

حول أم المؤمنين عائشة  ل

وقفات قبل الشروع في الرد:

1- يجبُ على المسلم أنْ يصونَ دينَه عن الشُّبهات فلا يستمع إليها ؛ لأن الشبهة قد تستقرُّ في قلبه، ولا يستطيع دَفْعَها ؛ لضَعف إيمانه، أو قِلَّة عِلمه، أو هما معًا، ولا شكَّ أنَّ المسلمَ مأمورٌ باجتباب مواقع الشُّبهات، ومواطن الفِتن، لماذا؟ لأنَّ الحُكماء من هذه الأُمَّة قالوا:« القلوبُ ضعيفة، والشُّبَهُ خَطَّافة»، ولا ينبغي لعاقلٍ أن يجعلَ قلبَه عُرضة للشُّبهات تستحكمُ قلبَه، ثم يقول: أدفعُها، وأدحضُها، وأكشفُ زيفَ القوم وباطلَهم.

ومَن نظَرَ للواقع عَلِم حقيقةَ الحال، فمن نَجَا من الشهوة، وقَعَ في الشُّبهة، والقليل مَن وفَّقه الله للاعتصام بالكتاب والسُّنة( ).

قال الإمام ابنُ القَيِّم /:« وقوله ـ أي عَلِي بن أبي طالب تـ :« ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأوَّلِ عارضٍ مِن شُبهة» ؛ هذا لضَعف عِلْمه، وقِلَّة بصيرته، إذا وردتْ على قلبِه أدنى شُبهة قدحتْ فيه الشكَّ والريبَ، بخلاف الراسخ في العِلم، لو وردَ عليه من الشُّبَه عددُ أمواج البحر، ما أزالَ يقينَه، ولا قدحَ فيه شكًّا؛ لأنه قد رسَخَ في العِلم، فلا تستفزُّه الشُّبهات، بل إذا وردتْ عليه ردَّها حَرَسُ العلم وجيشُه؛ مغلولةً مغلوبةً.

والشُّبهة واردٌ يَرِدُ على القلب، يحول بينه وبين انكشافِ الحقِّ له، فمتى باشَرَ القلبُ حقيقةَ العلم، لم تؤثِّر تلك الشبهةُ فيه، بل يقوى عِلمُه ويقينه بردِّها ومعرفة بُطْلانها، ومتى لَمْ يُباشرْ حقيقةَ العلم بالحقِّ قلبُه، قدحتْ فيه الشكَّ بأوَّل وهْلة، فإنْ تداركَها وإلاَّ تتابعتْ على قلبه أمثالُها، حتى يصيرَ شاكًّا مُرتابًا.

والقلبُ يتواردُه جيشان من الباطل: جيشُ شهوات الغَيّ ، وجيشُ شبهات الباطل، فأَيُّما قلبٍ صغَى إليها، وركَنَ إليها تشرَّبها، وامتلأ بها، فينضح لسانُه وجوارحُه بموجبها، فإنْ أُشْربَ شبهاتِ الباطل، تفجَّرتْ على لسانه الشكوكُ والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهلُ أنَّ ذلك لسعة عِلمه، وإنَّما ذلك من عدمِ عِلمه ويقينه.

وقال لي شيخُ الإسلام ت وقد جعلتُ أُورِدُ عليه إيرادًا بعد إيراد:« لا تجعلْ قلبَك للإيرادات والشُّبهات مثل السفنجة فيتشربَها، فلا ينضح إلا بِها، ولكنِ اجعلْه كالزجاجة المصمتة، تمرُّ الشبهات بظاهرِها ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعُها بصلابته، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْتَ قلبَك كُلَّ شُبهةٍ تمرُّ عليها، صارَ مقرًّا للشُّبهات» ، أو كما قال.

 فما أعلمُ أنِّي انتفعتُ بوصيَّة في دَفْع الشُّبهات كانتفاعي بذلك.

وإنما سُمِّيَت الشبهة شبهةً؛ لاشتباه الحقِّ بالباطل فيها؛ فإنَّها تَلْبَس ثوبَ الحقِّ على جِسم الباطل، وأكثرُ الناس أصحاب حُسنٍ ظاهر، فينظر الناظر فيما أُلْبِسَتْهُ من اللباس، فيعتقد صِحَّتَها.

 وأمَّا صاحبُ العِلم واليقين، فإنَّه لا يغترُّ بذلك، بل يجاوزُ نظرُه إلى باطنها، وما تحتَ لباسِها، فينكشف له حقيقَتُها، ومثال هذا: الدرهم الزائف، فإنَّه يغترُّ به الجاهل بالنقْد ؛ نظرًا لِمَا عليه مِن لباس الفضَّة ، والناقد البصير يجاوزُ نظرَه إلى ما وراء ذلك، فيطَّلعُ على زَيْفِه»( ).

2- ليس من طريقة أهل العلم والإيمان تتبع المتشابهات والإشكالات المخالفة للمحكمات وإثارتها ـ خاصةً عند العوام ـ ، وهذه الطريقة طريقة أهل البدع والضلال ورثوها عن المنافقين.

وكذلك ليس من منهج أهل العلم والإيمان السكوت عن الشبهات والإشكالات التي تثار وتنشر على رؤوس الملأ ، فعندهم من الحق والعلم والهدى والضياء ما يقذفون به الباطل فيدحره ﭧ ﭨ ( ﮒ  ﮓ  ﮔ    ﮕ  ﮖ    ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  )(الأنبياء: ١٨).وَقَالَ سبحانه: ( ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸﯹ  )(الرعد: ١٧).

 ومعظم ما ذُكِرَ في هذا البحث هو من الشبهات التي يستند إليها أهل الشهوات ، وأهل الشبهات في هذا الزمان ، ويثيرونها في وسائل الإعلام المختلفة التي تشاهدُ وتقرأُ وتسمعُ مِنْ قِبلِ ملايين الناس .

3- إن من يتبع الهوى يلوي أعناق النصوص لعلها توافق رأيه ، قال الإمام الشاطبي :« لا تجد مبتدعًا ممن ينتسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي ، فيُنْزِله على ما وافق عقله وشهوته»( ).

وقال أيضًا:« لا تجد فِرقةً من الفرقِ الضالة ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة ، بل قد شاهدنا ورأينا مِن الفساق مَن يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة ، وفى كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة ، بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن ، ثم تحيَّل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرًا» ( ).

وما أهل السنة مع أهل البدع إلا كما قال القائل:

مياه أهل الدعاوَى غير رائقة          وماءُ مثلي ذاكَ الرائقُ الصافي

وكما قال القائل:

فَدَعُوا الدَّعَاوى وَابْحَثُوا مَعَنَا بِتَحْ قِيقٍ وَإَنْصَافٍ بِلاَ عُــــدْوَانِ

وَارْفُوا مَذَاهِبَكُمْ وسُدُّوا خَرْقَهَا إنْ كَانَ ذَاكَ الرَّفْوُ في الإمْكَانِ

4- نحن ـ أهل السُنّة ـ لا ندَّعِي لصحابة النبي  ص ولا لأهل بيته ومنهم أزواجه  ي - لا ندّعي لهم العصمة من الوقوع في الخطأ ، فإن ثبت عنهم وقوع في خطأ فقد تكفره توبة أو حسنات ماحية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية /:

« إن أهل السُّنَّة قائمون بالقسط شهداء لله ، وقولهم حق وعدل لا يتناقض،  أما الرافضة وغيرهم من أهل البدع ففي أقوالهم الباطل والتناقض ، وذلك أن أهل السُنّة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة ، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة وغيرها ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء.

وأهل السُّنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ ، بل ولا عن الذنب ، بل يجوز أن يُذنب الرجل منهم ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا ويتوب منه. وهذا مُتّفق عليه بين المسلمين، ولو لم يَتُبْ منه فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تُمحى بالحسنات التي هي أعظم منها، وبالمصائب المُكفِّرة وغير ذلك.

وإذا كان هذا أصلهم فيقولون: ما يُذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثيرٌ منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم، وما قُدِّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم: إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفّرة، وإما بغير ذلك، فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه: أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يُوجب النار لا محالة، وإذا لم يمُتْ أحد منهم على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم للجنة. 

ونحن قد علِمْنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يُعلم أن أولئك المعَيَّنين في الجنة لم يَـجُزْ لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها تُوجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يُعلم أنهم يدخلون الجنة، ليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك، فكيف يجوز مِثْلُ ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفصيل أحوال كل واحد منهم باطنًا وظاهرًا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته؟ فكان كلامنا في ذلك كلامًا فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام.

فلهذا كان الإمساك عمّا شجر بين الصحابة خيرًا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك ـ أو أكثره ـ كلامًا بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلامًا بهوًى يُطلب فيه دفع الحق المعلوم؟ 

فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجبًا للوعيد، ولو تكلم بحق لقصد اتباع الهوى ـ لا لوجه الله تعالى ـ أو يُعارض به حقًا آخر، لكان أيضًا مستوجبًا للذم والعقاب.

 ومن عَلِمَ ما دلَّ عليه القرآن والسُّنة من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير هذه الأمة التي هي أخرجت للناس ـ لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة: منها ما لا يُعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يُعلم كيف وقع، ومنها ما يُعلم عذر القوم فيها، ومنها ما يُعلم توبتهم منه، ومنها ما يُعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبل أهل السُّنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل وكذب وتناقض كحال هؤلاء الضُلّال » ( ).

وفي هذا الفصل عرض ميسر لما تيسر الوقوف عليه من شبهات الشيعة حول أمنا عائشة  ل جمعتها من كتب أهل العلم  ، والطريقة المتبعة هي عرض الشبهة ثم ذِكْر رد أهل العلم عليها.

ويجب ألا نهوّل من شأن تلك الشبهات ؛ لئلا يغتر أهل البدع بما هم عليه من ضلال ، ويجب ألا نهَوّن من شأنها ، فقد تكون ـ على تهافتها ـ سببًا في صرف بعض الناس عن المنهج الحق ؛ يقول شيخ الإسلام في مقدمة كتابه القيّم : (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية) الذي رَدَّ فيه على ضلالات الشيعي الرافضي ابن المطهر الحلي في كتابه (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) ـ يقول بعد حمْدِ الله والثناء عليه:« أما بعد ، فإنه قد أحضر إليَّ طائفةٌ من أهل السنة والجماعة كتابًا صنَّفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا ، منَفّقًا لهذه البضاعة ، يدعو به إلي مذهب الرافضة الإمامية مَن أمكنه دعوته من ولاة الأمور » ، قال : « وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند مَن مَالَ إليهم من الملوك وغيرهم . وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه فيه (خدابنده) ، وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب، لما في ذلك من نَصْر عباد الله المؤمنين ، وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين».

الشبهة الأولى: عائشة وجميع زوجات النبي  ص لسن من آل بيت النبي  ص  ( ):

أول طعون الشيعة في زوجات النبي  ص أنهن لم يَكُنَّ من أهل بيته  ص كما هو واضح من قوله ﭨ(ﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ    ﮗ   ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  ﮜ    ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠﮡ) (الأحزاب:30-34).

وحصروا أهل البيت في علي وأبنائه من فاطمة زوجته وابنه الحسن، ومن أبناء الحسين من الذكور الأكبر فالأكبر حتى بلغوا الاثني عشر فقط وأخرجوا منهم كل من سواهم من ذرية علي وفاطمة ب من الأولاد الآخرين من أهل البيت، حتى أخرجوا أولاد علي غير الحسين ي.

وبالتالي لا يَعدُّون بقية أبناء عليٍّ ت من أهل البيت من محمد بن الحنفية ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والعباس، وجعفر، وعبد الله، وعُبَيْد الله، ويحيى ، ولا أولادهم من الذكور الاثني عشر، ولا من البنات الثماني عشر ابنة، أو تسع عشر ابنة على اختلاف الروايات ، كما أخرجوا بنات فاطمة ل من زينب وأم كلثوم ولا أولادهما من أهل البيت ، وكذلك أخرجوا أولاد الحسن بن علي ب من أهل البيت، بل إنهم افتروا على الكثيرين من أولاد الحسين بالكذب والفجور والفسوق وحتى الكفر والردة، وكذلك كفَّروا وشتموا أبناء أعمام الرسول وعماته وأولادهم ، حتى أولاد أبي طالب غير علي ي. وكذلك أخرجوا بنات النبي ص الثلاثة غير فاطمة وأزواجهن، وأولادهن من أهل البيت( ).

قال الشيخ  عبد المحسن بن حمد العباد البدر:

« القولُ الصحيحُ في المرادِ بآل بيت النَّبِيِّ ص هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبد المطلب، وهم بنُو هاشِم بن عبد مَناف ، ويدلُّ لدخول بنِي أعمامه في أهل بيته ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله ص يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما  ص:« إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ »، ثمَّ أمر بتزويجهما وإصْداقِهِما من الخمس( ).

وقد ألْحَق بعضُ أهل العلم ـ منهم الشافعي وأحمد ـ بنِي المطلب بن عبد مَناف ببَنِي هاشم في تحريم الصَّدقة عليهم ؛ لمشاركتِهم إيَّاهم في إعطائهم من خمس الخُمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن جُبير بن مُطعم، الذي فيه أنَّ إعطاءَ النَّبِيِّ ص لبَنِي هاشم وبنِي المطلب دون إخوانِهم من بنِي عبد شمس ونوفل؛ لكون بنِي هاشم وبَنِي المطلب شيئًا واحدًا ( ). 

فأمَّا دخول أزواجه  في آلِه ص ، فيدلُّ لذلك قول الله  ﭨ (ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  )(الأحزاب:33).

فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتمًا ؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ ؛ ﭧ  ﭨ (ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ  ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ   ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ  ﯟ  ﯠ   ﯡ   ﯢ     ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ     ﯧ  ﯨ   ﯩ  ﯪ   ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ   ﯱ  ﯲ   ﯳ  ﯴ    ﯵﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ    ﮗ   ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  ﮜ    ﮝ  ﮞ         ﮟ  ﮠ  ﮡ   ) (الأحزاب: ٢٨ – ٣٤).

ولا يُنافي ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة ل أنَّها قالت: « خَرَجَ النَّبِيُّ ص غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ( ) ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ ، ثُمَّ قَالَ: (ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ) ( ) ( ) ؛ لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ي في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث ، وتخصيصُ النَّبِيِّ ص لهؤلاء الأربعة ي في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه. 

ونظيرُ دلالة هذه الآية على دخول أزواج النَّبِيِّ ص في آله ودلالة حديث عائشة ل المتقدِّم على دخول عليٍّ وفاطمة والحسن والحُسين ي في آله ص ، نظيرُ ذلك دلالةُ قول الله ﻷ:(  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ    ﭷ  )  ( ) على أنَّ المرادَ به مسجد قباء، ودلالة السُّنَّة في الحديث الذي رواه مسلم على أنَّ المرادَ بالمسجد الذي أُسِّس على التقوى مسجدُه ص  ( ) . وقد ذكر هذا التنظيرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية / في رسالة (فضلُ أهل البيت وحقوقُهم) ( ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : « وقد روَى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمةَ أن هذه الآيةَ لما نزلتْ أدارَ النبيُّ ص كِسَاءَه على عليٍّ وفاطمةَ والحسنِ والحسينِ ي ، فقال:« اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا »( ) .

وسنتُه ص تُفَسِّر كتابَ الله وتُبيِّنُه، وتَدُلُّ عليه وتُعبِّر عنه، فلما قال:« اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى » مع أن سياق القرآن يدلُّ على أن الخطابَ مع أزواجه - علمْنا أن أزواجَه ، وإن كُنَّ مِن أهلِ بيتهِ كما دلَّ عليه القرآن، فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهلَ بيته ، لأن صِلةَ النسب أقوى من صلة الصِّهر. والعرب تُطلِق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم ، كقول النبي ص:« لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، وإنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا » ( ) .

بيَّن بذلك أن هذا مختصٌّ بكمالِ المسكنة، بخلاف الطوَّاف فإنه لا تَكْمُل فيه المسكنةُ، لوجودِ من يُعطِيه أحيانًا، مع أنه مسكينٌ أيضًا. ويقال: هذا هو العالم، وهذا هو العدوّ، وهذا هو المسلم، لمن كَمُلَ فيه ذلك، وإنْ شاركه غيرُه في ذلك وكان دونَه.

ونظيرُ هذا الحديثِ ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ص أنه سُئِل عن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال: « مَسْجِدِي هَذَا» ( )  يعني مسجد المدينة. مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار (ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ    ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁﮂ   ﮃ  ﮄ  ﮅ) ( ) يقتضي أنه مسجد قُباء. فإنه قد تَواتَر أنه قال لأهل قباء:« مَا هَذَا الطّهُورُ الّذِي أَثْنَى اللهُ عَلَيْكُمْ بِهِ؟»، فقالوا: «لأننا نَستنجيْ بِالْـمَاءِ»( ).

لكن مسجده أحقُّ بأن يكون مؤسَّسًا على التقوى من مسجد قُباء، وإن كان كلٌّ منهما مؤسّسًا على التقوى، وهو أحقُّ أن يقوم فيه من مسجد الضرار، فقد ثبتَ عنه ص أنه كان يأتي قُباءَ كلَّ سَبْتٍ راكبًا وماشيًا ( ) ، فكان يقوم في مسجده القيامَ الجامعَ يومَ الجمعة، ثمَّ يقومُ بقُباءَ يوم السبت، وفي كلٍّ منهما قد قامَ في المسجد المؤسَّسِ على التقوى.

ولمَّا بيَّن ـ سبحانَه ـ أنه يُريد أن يُذْهِب الرجسَ عن أهلِ ببتِه ويُطَهَّرهم تطهيرًا، دعا النبيُّ ص لأقربِ أهلِ بيتهِ وأعظمِهم اختصاصًا به، وهم: عليٌّ وفاطمةُ ب وسيِّدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قَضى لهم بالتطهير، وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ص ، فكان في ذلك ما دلَّنا على أنَّ إذهابَ الرجسِ عنهم وتطهيرَهم نعمةٌ من الله ليُسْبِغَها عليهم، ورحمةٌ من الله وفضلٌ لم يبلغوهما لمجردِ حَوْلهم وقوتهم، إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ص ، كما يَظنّ من يَظُنّ أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانةِ الله تعالى له وهدايتهِ إيّاه.

وقد ثبت أيضًا بالنقل الصحيح أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي ص على أزواجه ( )  ، وخيَّرهن كما أمره الله، فاخترنَ الله ورسولَه والدار الآخرةَ ( ) ، ولذلك أقَرَّهنّ ولم يُطلِّقْهن حتى ماتَ عنهن» ( ) . اهـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. 

الرد على الشيعة في إخراجهم زوجات النبي ص من أهل بيته:

أولًا: الرد عليهم من القرآن الكريم:

1- ذكر القرآن الكريم قصة خليل الله إبراهيم ؛ لما جاءت رسل الله إبراهيم بالبشرى، فقال ﭨ (ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ    ﯛﯜ  ﯝ  ﯞﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ      ﯥ  ﯦ  ﯧ   ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰﯱ   ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ       ﯶ  ﯷ     ﯸ   ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ  ﯿ      ﰀ  ﰁ  ﰂ      ﰃ  ﰄ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ  ﭛ    ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪﭫ  ﭬ    ﭭ  ﭮ  ﭯ  )(هود:69-73).

فاستعمل الله ـ هذه اللفظة ( ﭩ  ﭪ) بلسان ملائكته في زوجة إبراهيم ؛ لا غير. وقد أقر بذلك علماء الشيعة ومفسروها كالطبرسي في مجمع البيان، والكاشفي في منهج الصادقين.

2- وكذلك في قصة موسى ؛ ﭧ ﭨ ( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ   ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ    ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ   ﭥ  ﭦ    ﭧ   ﭨ    ﭩ  ﭪ     ﭫ  ﭬ   ﭭ  )(القصص:30). فالمراد من أهل موسى ؛ زوجته، وهذا ما ذهب إليه مفسرو الشيعة كما قال الطبرسي في سورة النمل في تفسير قوله ﭨ ( ﮅ  ﮆ   ﮇ   ﮈ  ﮉ       ﮊ  ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ  ﮕ  ) (النمل: ٧) : «أي امرأته » ( ) .

3- ومما يدل على دخول زوجة الرجل في أهله قولُ الله ﻷ عن لوط ؛ (ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ     ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ   ﯝ  ﯞ  ﯟ    ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ     ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ   ﯮ  ﯯ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ   ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  )(الأعراف: ٨٠ - ٨٣).

4- وكذلك قوله تعالى عن نوح ؛ : قوله ﭨ (ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ     ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ    ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ  ﮊ     ﮋ  ﮌ  ﭼ (هود: ٤٠). فزوجته من أهله ، وهذا أحد علماء الشيعة يعترف بذلك ، فننقل من تفاسيرهم ما قاله عالمهم الطبرسي :«( ﭷ  ﭸ  ﭹ     ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ) ، أي: قلنا لنوح ؛ لما فار الماء من التنور: احْمِل في السفينة من كل جنس من الحيوان زوجين أي: ذكر وأنثى ، (ﰀ) أي: واحْمِل أهلك وولدك (ﰁ  ﰂ  ﰃ  ﰄ  ﰅ) أي: من سبق الوعد بإهلاكه، والإخبار بأنه لا يؤمن، وهي امرأته الخائنة، (ﮄ  ﮅﮆ  ) أي: واحمل فيها من آمن بك من غير أهلك» ( ). 

فهل يقرّ الشيعة أن زوجة نوح من أهله ، ولا يقرون أن أزواج محمد ص من أهله؟

5- وعلى نفس الأسلوب والمعنى السابق وردت لفظة أهل البيت عندما تحدثت عن بيت رسول الله ص في سورة الأحزاب في قوله ﭨ (ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ  ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ   ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ  ﯟ  ﯠ   ﯡ   ﯢ     ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ     ﯧ  ﯨ   ﯩ  ﯪ   ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ   ﯱ  ﯲ   ﯳ  ﯴ    ﯵﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ    ﮗ   ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  ﮜ    ﮝ  ﮞ         ﮟ  ﮠ  ﮡ   ) (الأحزاب: ٢٨ – ٣٤).

فهذه الآية :( ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ ) (الأحزاب:33)  ، تتحدث عن أزواج رسول الله ص ، فما قبلها وما بعدها من آيات تتحدث عنهن  ، فهي تبدأ بقوله ﭨ (ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ   ﮰ  ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ﯘ   ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ  ﯟ  ﯠ   ﯡ   ﯢ     ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ     ﯧ  ﯨ   ﯩ  ﯪ  ) (الأحزاب:28-29) ، ثم يكرر (ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ   ﯱ  ﯲ   ﯳ  ﯴ    ﯵﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ   ) (الأحزاب:30)،  ثم يقول مخاطبًا إياهن:( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ) (الأحزاب:31) ،  ثم يخاطبهن سبحانه:( ﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ) (الأحزاب:31) ، وبعدها:( ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅﮆ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ) (الأحزاب:33)  ، ثم يعاود سبحانه مخاطبة نساء الرسول ص بقوله:(ﮒ  ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ    ﮗ   ﮘ  ﮙ  ﮚﮛ  ﮜ    ﮝ  ﮞ         ﮟ  ﮠ  ﮡ   ) (الأحزاب: ٣٤).

وعليه فإن من يقرأ هذه الآيات يعلم أنها نزلت في أزواج الرسول ص ؛ لأنها لم تذكر غيرهن.

ثانيًا: من السنة النبوية: 

1- قول النبي ص : «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا»( ).

2- جاء في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ ت قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ص بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ:« يَا نَبِيَّ الله مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ» ، قَالَ: «ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ» ، وَبَقِيَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ص فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللهِ » ، فَقَالَتْ:« وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ» ، فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ص فَإِذَا ثَلاَثَةٌ مِنْ رَهْطٍ فِي البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ص شَدِيدَ الحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ القَوْمَ خَرَجُوا فَرَجَعَ، حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ البَابِ دَاخِلَةً، وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ».

ورواه مسلم أيضًا عن أنس ولفظه:« فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ ( )، أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ:( ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ    ﮝ   ﮞ  ﮟ  ) ( ) الْآيَةَ » ( ).

ثالثًا: من معاجم اللغة العربية:

جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي:« أَهْلُ الرجُلِ : عَشيرَتُه وذَوُو قُرْباهُ ... وأَهْلُ الأمرِ : وُلاتُه ، وللبيتِ : سُكَّانُه وللمَذْهَبِ : من يَدينُ به ، وللرجُل : زَوْجَتُه ،  وللنبيِّ ص: أزْوَاجُه وبناتُه وصِهْرُه عليٌّ ت ، أَو نِساؤُه والرِّجالُ الذين هُمْ آلُه ، ولكلِّ نَبيٍّ : أُمَّتُه»( ). 

وجاء في تاج العروس للزبيدي: :« الأَهْلُ لِلبَيتِ: سُكَّانُه ومِن ذَلِك: أَهْلُ القُرَى: سُكَّانُها. الأَهْلُ لِلْمَذْهَبِ: مَن يَدِينُ بِه ويَعْتقِدُه. الأَهْلُ لِلرَّجُلِ: زَوْجَتُه ويدخلُ فيه الأولادُ ، وبه فُسِّر قولُه  ﭨ ( ﭖ  ﭗ  ) »( ) أي زوجتِه وأولادِه. الأَهْلُ للنَّبي ص: أزواجُه وبَناتُه وصِهْرُه علي ت أو نِساؤُه. وقِيل : أَهْلُه : الرجالُ الذين هم آلُه ويدخلُ فيه الأحفادُ والذّرِّيّاتُ ، ومنه قولُه ﭨ ( ﮰ  ﮱ     ﯓ     ﯔ   ﯕﯖ  ) (طه: ١٣٢) ... 

وقال الرَّاغِبُ وتَبِعه المُناويُّ : أَهْلُ الرَّجُلِ : مَن يَجمعُه وإيّاهم نَسَبٌ أو دِينٌ أو ما يَجْرِي مَجراهُما ؛ مِن صِناعةٍ وبَيتٍ وبَلَدٍ فأَهْلُ الرجُلِ في الأصل : مَن يَجمعُه وإيَّاهُم مَسْكَنٌ واحِدٌ ثمّ تُجُوِّزَ به فقيلِ : أهلُ بَيْتِه : مَن يَجْمعُه وإيّاهُم نَسَبٌ أو ما ذُكِر وتُعُورِفَ في أُسرةِ النبيِّ ص مُطْلَقًا » ( ).

وجاء في لسان العرب لابن منظور:« أَهل الرجل أَخَصُّ الناس به ، وأَهْلُ بيت النبي ص أَزواجُه وبَناته وصِهْرُه ـ أَعني عليًّا ت ـ وقيل نساء النبي ص والرجال الذين هم آله ، ... والتأَهُّل التزوّج »( ).

يظهر جليًّا من هذه التعريفات اللغوية الواردة في أهم المعاجم العربية أن أهل البيت هم الأزواج خاصة ثم يستعمل في الأولاد والأقارب تجاوزًا.

حديث الكساء:

عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ص غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ( ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ) ( ) (الأحزاب:33).

المرط:كساء ، والمرَحَّل:هو الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل.

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ لِفَاطِمَةَ:« ائْتِينِي بِزَوْجِكِ وَابْنَيْكِ». فَجَاءَتْ بِهِمْ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ كِسَاءً فَدَكِيًّا، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ:«اللهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ آلُ مُحَمَّدٍ، فَاجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». 

قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:« فَرَفَعْتُ الْكِسَاءَ لِأَدْخُلَ مَعَهُمْ، فَجَذَبَهُ مِنْ يَدِي، وَقَالَ:« إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ» ( ).

وعن عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ  ص قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى النَّبيِّ  ص ( ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ) ( ) فِى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِىٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَالَ:«اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا». 

قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:« وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِىَّ اللهِ؟» ، قَالَ:« أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ »( ) . 

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ل أَنَّ النَّبيَّ  ص جَلَّلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِىٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءً ، ثُمَّ قَالَ: « اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى وَخَاصَّتِى أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا». فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:«وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»، قَالَ: « إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ »( ). 

قال المباركفوري: «( قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:«وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللهِ» ) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ.

(أَنْتِ عَلَى مَكَانِك وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَنْتِ خَيْرٌ وَعَلَى مَكَانِك مِنْ كَوْنِك مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، وَلَا حَاجَةَ لَك فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْكِسَاءِ ،كَأَنَّهُ مَنَعَهَا عَنْ ذَلِكَ لِمَكَانٍ عَلِيٍّ ت( ).

معنى هذا الحديث أن الرسول ص بما له من مكانة عند ربه ـ ، جمع عليًّا وفاطمة والحسن والحسين ي تحت ثوب ثم دعا الله أن يدخلهم في أهل بيته بدلالة قوله ص: « فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» ؛ فلو كانوا داخلين في الآية من قبل لَـمَا دعا لهم في هذا الحديث بذهاب الرجس والتطهير، ولَـمَا خاطَبَ الله ـ بقوله: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى » ، فالله ـ قد بَيَّنَ في الآية أن المخاطَب هن نساء الرسول ص  ، فالرسول ص لا يمكن أن يقصد من قوله: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى » أنه يريد تعريف الله ـ مَن هُم أهل بيته، ولكن أراد مِن ربّه ضمهم لأهل البيت.

 ولذلك عندما أرادت أُمُّ سَلَمَةَ ل أن تدخل تحت الكساء فقال لها ص: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ » أي أنك قد ذُكِرْتِ بالآية فلا حاجة لدخولك تحت الكساء، وإنما أطلب من الله أن يضيف هؤلاء إلى أهل البيت.

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي  / عند تفسير قوله ﭨ ( ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ) (الأحزاب:33):

«...وقد تلقف الشيعة حديث الكساء، فغصبوا وَصْفَ أهل البيت وقَصَرُوه على فاطمة وزوجها وابنيهما ـ عليهم الرضوان ـ ، وزعموا أن أزواج النبي ص لَسْنَ من أهل البيت. وهذه مصادمة للقرآن بجَعْلِ هذه الآية حشوًا بين ما خوطب به أزواج النبي ص. 

وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قَصْرَ هذا الوصف على أهل الكساء؛ إذ ليس في قوله:«هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى» صيغةُ قَصْرٍ، وهو كقوله ﭨ (ﯱ     ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ  ﯶ  ) ( ) (الحجر: ٦٨) ليس معناه ليس لي ضيفٌ غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها.

ويظهر أن هذا التوهم مِن زمن عصر التابعين وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال:« من شاء باهَلْتُهُ أنها نزلتْ في أزواج النبي ص »، وأنه قال أيضًا: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي ص »، وأنه كان يصرخ بذلك في السوق. 

وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبيُّ ص الدعوة لأهل الكساء، وأنها نزلت في بيت أم سلمة. 

وأما ما وقع من قَوْل عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أنّ أُمّ سَلَمَةَ قالت:« وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» ، قَالَ « أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ » ؛ فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه مَنَعَها مِن أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة ؛ لأن النبي ص إنما أراد أنَّ ما سألَتْهُ من الحاصل ؛ لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمرٍ حصل، وهو مناف لآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي  ص تعليمًا لها ( ). 

ادعاء الشيعة أن الآيات التي قبل آية التطهير جاءت بصيغة المؤنث والتي بعد آية التطهير جاءت بصيغة المؤنث كذلك أما آية التطهير فقد جاءت بصيغة المذكر، إذن المقصود هم علي وفاطمة والحسن والحسين لأنهم ذكور.

الجواب:

أولًا: إن ما زعمه الشيعة الاثنا عشرية من كون التذكير في ( ﮋ) ، و(ﮏ   ) في قوله ـ : (ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ  ﮑ  ) (الأحزاب:33) يمنع من دخول أمّهات المؤمنين في جملة أهل البيت : باطلٌ ، ويَرُدّه أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث في جملة غُلِّب المذكر ، والآية عامة في جميع أهل البيت كما تقدم ، فناسب أن يُعبّر عنهم بصيغة المذكّر( ).

وقد جاءت أمثال هذه الصيغة في القرآن الكريم في قصة زوجة إبراهيم ؛ ؛ ﭧ ﭨ (ﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ  ﯿ      ﰀ  ﰁ  ﰂ      ﰃ  ﰄ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ  ﭛ    ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪﭫ  ﭬ    ﭭ  ﭮ  ﭯ  )(هود:٧١ - ٧٣ ).

فالآيات تتحدث عنها بصيغة المؤنث:( ﯼ )  ، (ﯽ) ، ( ﯾ) (ﭑ) ، (  ﭒ  ) ، والملائكة كانت تخاطب زوجة إبراهيم ؛ بصيغة المؤنث: (ﭠ) ، ثم تحولت الآيات للمخاطبة بصيغة المذكر بقوله ﭨ (ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪﭫ  ).

إذن نرى نفس الصيغة التي جاءت في نساء النبيَ ص ـ وهي التحول من المؤنث إلى المذكر ـ  هي التي جاءت في زوجة إبراهيم ؛.

ثانيًا:ولو قيل إن التحول من صيغة المؤنث إلى المذكر في نساء النبيِّ ص في آية التطهير، تمنع دخول نساءه ص كما يقول الشيعة فيها، فمعنى ذلك أن تَمْنَع دخول السيدة فاطمة ل في النص وهذا ما لا يقول به الشيعة فهي الأساس عندهم، وهذا ردٌّ قوي على ادعائهم الباطل.

ولولا إضافة الرسول ص لعلي وفاطمة وأولادهما ي لبقِيَتْ الآية مقتصرة على زوجاته ص فقط كما هو الحال مع زوجة نبي الله إبراهيم ؛ وزوجة موسى ؛ ، فالقرآن بين أن زوجات الرسول ص هن أهل بيته ، والرسول ص أضاف إليهن عليًّا وفاطمة والحسن والحسين ي وهذا ينسجم مع معاجم اللغة العربية ، ومع ما تعارف عليه الناس، وهذا بعكس ما ادعاه الشيعة.

ثالثًا: لماذا التحول من صيغة المؤنث إلى المذكر في بيت رسول الله ص وبيت إبراهيم ؛؟

الجواب: لأن البيت هو بيت النبي سواء أكان محمدًا ص أو إبراهيم ؛. فإذا حصل سوءٌ في أي بيت منهما فهو إساءة لصاحب البيت نفسه وهو النبي قبل غيره من سكان البيت ، لأن الذي سيطعن في شرفه هو النبي، فزوجاته هم أهل بيته، وأهل البيت لابد من أن يكن مطهرات من كل رجس ومطهراتٍ تطهيرًا.

إذن أصبح المخاطب هنا الرسول ص بصفته الذكرية مضافًا إليه الحسن والحسين وعلي مضافًا إليهم النساء من زوجاته ص وبنته فاطمة، وهذه الصيغة من صيغ اللغة العربية والتي تخاطب الذكور ويُقصد بها الذكور والإناث معًا وهي صيغة تغليبية وهي كثيرة في القرآن الكريم، كقوله تعالى ﭨ (ﯓ  ﯔ  ﯕ) ( ) فتشمل المؤمنين والمؤمنات أيضًا وهكذا.

دعوى الشيعة الاثني عشرية أن الاشتراط في مدح نساء النبي ص دليلٌ على أنّ منهنّ من تتغير عن الصلاح:

يدَّعي الشيعة الرافضة الاثنا عشرية أن الاشتراط في مدح زوجات النبي ص في قول الله ﻷ:( ﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ) (الأحزاب: 32) يدلّ على أنّ منهنّ مَن تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح والإكرام .

وقالوا : إنّ الاشتراط ( ﭨ  ﭩ  ) يدلّ على أنّ منهنّ مَن تتغيّر وتتبدّل من حال الصلاح إلى حال أخرى.

ويُردّ عليهم : بأن اشتراط التقوى في المدح لا يدلّ على وقوع ما ينافيها ، بل هي تدلّ على أنّ هذه الفضيلة تكون ثابتة لهنّ بملازمتهنّ للتقوى ، لا لمجرد اتصالهنّ بالنبي ص .

وقد وقعت منهنّ ـ ولله الحمد ـ التقوى البيّنة ، والإيمان الخالص ، والمشي على طريقة الرسول ص في حياته وبعد مماته( ) .

الشبهة الثانية: «يَا عَائِشَةُ ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً»: 

قالوا:هذا رسول الله ص  كثيرا ما يحذر عائشة من سلاطة لسانها !!!

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ ص أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا:«السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ» ، قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ» ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ:« بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ» ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص: «يَا عَائِشَةُ ، لَا تَكُونِي فَاحِشَةً» ، فَقَالَتْ:«مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟» فَقَالَ:« أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» ( ).

الجواب:

عائشة  ل  غضبت حمية للنبي ص لما دعا اليهود عليه بالموت ، فأخبرها النبي  ص بالطريقة المثلى للتعامل مع هؤلاء ، في مثل هذه المواقف ، وإذا كان الشيعة يعتبرون رد عائشة على اليهود حميةً للنبي  ص سلاطة لسان ، فما رأي الشيعة فيما فعله النبي  ص باليهود من قتلهم وإجلائهم عن المدينة.

ونقول لهم:إذا كانت عائشة كما تزعمون فلماذا لم يطلقها النبي  ص ؟

أأنتم أعلم أم رسول الله ص الذي كانت هي أحب الناس إليه؟

الشبهة الثالثة: ترفع صوتها على رسول الله  ص:

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ص، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ص، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ:« يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ ـ وَتَنَاوَلَهَا ـ أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص؟» ،  قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ ص بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ ص يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا:« أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ »، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:« يَا رَسُولَ اللهِ أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا»( ).

الجواب:

مشكلة أسرية ، أخطأت عائشة ل ، ونصحها أبوها ل، ثم رضي عنها زوجها ص، وانتهت المشكلة ، وهذا الحديث فيه ما يدل على حسن عشرة النبي ص وحبه لها وحرصه على إرضائها ، فموتوا بغيظكم.

الشبهة الرابعة:اتهمها ابن أختها عبد الله بن الزبير بالجنون والسفه وأراد أن يحْجُر عليها:

عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ ـ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ  ص لأُمِّهَا ـ أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِى بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ:« وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ ، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا». فَقَالَتْ :« أَهُوَ قَالَ هَذَا؟».قَالُوا:«نَعَمْ ». قَالَتْ:« هُوَ لِلَّهِ عَلَىَّ نَذْرٌ ، أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا». 

فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا ، حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ فَقَالَتْ:« لاَ ، وَاللهِ لاَ أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا ، وَلاَ أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِى». 

فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَهُمَا مِنْ بَنِى زُهْرَةَ ، وَقَالَ لَهُمَا:« أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ لَـمَّا أَدْخَلْتُمَانِى عَلَى عَائِشَةَ ، فَإِنَّهَا لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِى». 

فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ :« السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، أَنَدْخُلُ؟». قَالَتْ عَائِشَةُ:« ادْخُلُوا». قَالُوا: «كُلُّنَا؟». قَالَتْ:«نَعَمِ ، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ». وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ.

فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ ( ) ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِى ، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ ، وَيَقُولاَنِ:« إِنَّ النَّبيَّ ص نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ». 

فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِى وَتَقُولُ إِنِّى نَذَرْتُ ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ . فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَأَعْتَقَتْ فِى نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً . وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِى ، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا ( ).

الجواب:

أولًا:لماذا قال عبد الله بن الزبير هذا القول؟:

عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَبَّ البَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ص وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لاَ تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللهِ إِلَّا تَصَدَّقَتْ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: «أَيُؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ ، عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ» ( ).

ثانيًا:هل ما قاله ابن الزبير في خالته عائشة يشينها أم لا؟

بالطبع لا ، والدليل أنه ندم على هذا القول عندما علم بنذرها ، واستشفع بالصحابة لإرضائها.

ثالثًا: هل خالفت عائشة  ل أمر النبي  ص بتحريم الهجر فوق ثلاث؟

قال الْـمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ :« إنَّ الْهِجْرَانَ الْـمَنْهِيَّ عَنْهُ تَرْكُ السَّلَامِ إِذَا الْتَقَيَا ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ من عَائِشَة فِي حق ابن الزُّبَيْرِ » ( ).

وإن كانت قد خالفت فلعلها اعتبرت ذلك من الهجر المشروع كما فعل النبي  ص مع الثلاثة الذين خُلّفوا ، أو اعتقدت أن الحنث في النذر أشد من هجر ابن أختها.

الشبهة الخامسة: زعموا أنها قتلت النبي  ص بالسم ( ):

وهذا نص الرواية وكلام العلماء فيها، وأوجهُ الردِّ على الرافضة في زعمهم الكاذب:

روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ ص فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «لاَ تُلِدُّونِي» فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» ( ).

وفي رواية للبخاري : قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ص فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «لاَ تَلُدُّونِي» ، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي» قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ص: «لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»( ).

وعَنِ الزُهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ل ، قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ص فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ:«مَا هَذَا؟» ، فَقُلْنَا: «هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا» ـ وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ ـ قَالُوا:« كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللهِ» ، قَالَ:« إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيَقْرَفُنِي بِهِ ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ إِلَّا عَمُّ رَسُولِ اللهِ ص - يَعْنِي الْعَبَّاسَ - ، قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللهِ ص ( ).

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللهِ ص عَمَّهُ أَمْرًا عَجِيبًا، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَتْ تَأْخُذُهُ الْخَاصِرَةُ ، فَيَشْتَدُّ بِهِ جِدًّا، فَكُنَّا نَقُولُ: أَخَذَ رَسُولَ اللهِ ص عِرْقُ الْكُلْيَةِ، لَا نَهْتَدِي أَنْ نَقُولَ الْخَاصِرَةَ.

ثُمَّ أَخَذَتْ رَسُولَ اللهِ ص يَوْمًا، فَاشْتَدَّتْ بِهِ جِدًّا حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَخِفْنَا عَلَيْهِ، وَفَزِعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَظَنَنَّا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ ، فَلَدَدْنَاهُ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ص ، وَأَفَاقَ، فَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ لُدَّ، وَوَجَدَ أَثَرَ اللَّدُودِ ، فَقَالَ:« ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ - سَلَّطَهَا عَلَيَّ، مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطْهَا عَلَيَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ إِلَّا عَمِّي».

فَرَأَيْتُهُمْ يَلُدُّونَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَنْ فِي الْبَيْتِ يَوْمَئِذٍ، فَتَذْكُرُ فَضْلَهُمْ ؟ فَلُدَّ الرِّجَالُ أَجْمَعُونَ، وَبَلَغَ اللَّدُودُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ص ، فَلُدِدْنَ امْرَأَةٌ امْرَأَةٌ، حَتَّى بَلَغَ اللَّدُودُ امْرَأَةً مِنَّا، - قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: لَا أَعْلَمُهَا، إِلَّا مَيْمُونَةَ -، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:«إِنِّي وَاللهِ صَائِمَةٌ» ، فَقُلْنَا:«بِئْسَمَا ظَنَنْتِ أَنْ نَتْرُكَكِ، وَقَدْ أَقْسَمَ رَسُولُ اللهِ ص » ، فَلَدَدْنَاهَا وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ»( ).

اللَّدُود: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض، أو يُدْخَلُ فيه بأصبع وغيرها ويحنَّك به ، وذات الجَنْب: ورمٌ حارٌّ يَعْرِضُ في نواحى الجَنْب في الغِشاء الْـمُستبطِن للأضلاع( ).

وقفات مع هاتين الروايتين:

1- إنَّ مَن نقَلَ هذه الحادثة للعالَم هو عائشة ل فكيف تنقل للناس قَتْلَها لنبيِّها، وزوجها، وحبيبها ص؟! وهي مُتَّهَمة في دينها عند الرافضة، ومُشَارِكة في قَتْله ص ومع ذلك قَبِلوا روايتها لهذا الحديث ؛ فاعْجَبوا أيُّها العُقلاء!

2- وكذلك رَوَتِ الحادثةَ أسماءُ بنت عُمَيس ب وهي موثقة عندهم ، ويروون عنها في كتبهم ( ) ؛ فإن كانت من المُشَارِكات في قَتْله ص فلماذا قَبِلوا روايتها للروايات الأخرى؟ فاعْجَبوا أيُّها العُقلاء!

2- كيف عَرَف الرافضة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عائشة للنبي ص؟!

 3- النبي ص أمرَ بأنْ يُوضَعَ الدواء نفسُه في فمِ كلِّ مَن كان في الغُرفة، إلّا العبَّاس ت فلماذا ماتَ هو ص منه، وهنَّ لم يَمُتْنَ؟!

 4- لماذا لم يُخْبر النبي ص عمَّه العباس ت بما فعَلوه مِن وضْعِ السُّمِّ في فمه ص حتى يقتصَّ ممن قَتَلَه؟! إذا قُلْتُم:أخبرَه ، فأين الدَّليل على إخباره؟! وإنْ قُلتُم: لم يخبرْه، فكيف عَلِمتُم أنَّه سمٌّ وليس دواءً، والعباس نفسُه لم يعلم؟! 

 5- السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة في الطعام الذي قُدِّم للنبي ص كُشِفَ أمرُه من الله ـ وأخبرتِ الشاةُ النبيَّ ص أنَّها مسمومةٌ » ( )، فلماذا لم يحصلْ معه ص الأمرُ نفسُه في السُّمِّ الذي وضعتْه عائشة في فمه؟!

 6- لم يُعطَ الدواءُ للنبي ص من غير عِلَّة، بل أُعْطِيَه مِن مَرضٍ ألَمَّ به.

7- لم يُعطَ النبي ص الدواءَ إلاَّ بعد أن تشاورَ نساؤه  في ذلك الإعطاء.

 8 - لا ننكر أنْ يكونَ النبي ص ماتَ بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنَّه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة للنبيِّ ص في طعام دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ ص اللُّقمة؛ لإخبار الله ـ بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النبي ص في آخر أيَّامه أنَّه يجدُ أثَرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال مِن سَلف هذه الأُمة: إنَّ الله ﻷ جمَعَ له بين النبوَّة والشهادة.

والعجيبُ أنَّ بعضَ الرافضة يُنكرون هذه الرواية، ويبرِّئون اليهود من تلك الفَعْلة الدنيئَة ؛ مع تواتُر الرواية، وصحَّة أسانيدها، ومع إخبار الله ـ أنَّ اليهودَ يَقتلون النبيِّين، ومع ذلك برَّأتْهم الرافضةُ مع صحة الرواية، وألصقوا التهمة بأجِلاَّء الصحابة، مع عدم وجود مُستند صحيحٍ ولا ضعيف!

9- من الواضح في الرواية أنَّ نساءَ النبي ص ومن معهن من الرجال لم يَفْهَموا مِن نَهْي النبي ص بعدم لَدِّه أنَّه نَهْيٌ شَرْعي، بل فَهِموا أنَّه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهم هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحوا بأنهم ـ وإنْ لم يكنْ لهم عذرٌ عند النبي ص لأنَّ الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه ص ـ  قد أخطؤوا في تشخيص دَائه ص لذا فقد ناوَلوه دواءً لا يُناسب عِلَّته.

 10- وهل اقتصَّ منهم ص أو أرادَ تأديبَهم؟ الظاهرُ أنَّ ما فعَلَه ص مِن إلزامهم بتناول ذلك اللَّدُود أنَّه مِن باب التأديب ، ومما يدلُّ على أنَّه ليس مِن باب القِصاص ، أنَّه لم يُلزمْهم بالكميَّة ؛ وقال الحافظ ابن حجر /:« وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا انْتِقَامًا »( ).

11- إن  كانت عائشة ل قد سَقَتْ النبِيَّ ص السُّمَّ كما يزعم هؤلاء الكذابون فلماذا لم يطالب بنو هاشم بالقصاص ، ولماذا لم يقتص منها عليٌّ  ت  عندما تولى الخلافة؟ إن هذا طعن في علي  ت  لو كانوا يفقهون.

الشبهة السادسة: أذاعت سرّ رسول الله ص ( ) :

ﭧ ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ    ﭛ  ﭜﭝ  ﭞ   ﭟ    ﭠ    ﭡ   ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧﭨ  ﭩ  ﭪﭫ   ﭬ     ﭭ  ﭮ    ﭯ  ﭰ  ﭱ         ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ    ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ        ﮀ  ﮁﮂ   ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ    ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ   ﮨ  ﮩ  ﮪ     ﮫ  ﮬ  ﮭ   ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ   ﯘ  ﯙ  ﯚ  )(التحريم:1-5).

وقد ثبت في الصحيحين  أنهما عائشة وحفصة ب ؛ فعن عَائِشَةَ ل أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ:أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ص فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لاَ، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ » فَنَزَلَتْ: ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ) إِلَى ( ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  )   لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ( ﭰ  ﭱ         ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  )   لِقَوْلِهِ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا»( ).

الجواب:

أولًا: إن أهل السنة هم القائمون بالقسط الشهداء لله، وقولهم حق وعدل، ولا يردون خبرًا صحيحًا لمنافاته ما يريدون، كما لا يغالون في إثبات ما يصلهم، بخلاف مَن عداهم مِن أهل البدع وأخصهم الرافضة هؤلاء، ثم إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم من الخطأ، بل ولا من الذنب، وإذا كان هذا أصلًا عند أهل السنة فيقولون: ما ذُكِر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب ، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لا يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم، وما قُدِّرَ أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم، إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك؛ فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يوجب النار لا محالة، وإذا لم يمت أحدهم على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم للجنة.

ثانيًا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فتكونان قد تابتا منه، وهذا ظاهر لقوله ـ:( ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ) (التحريم: ٤).

فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يُظن بهما أنهما لم تتوبا، مع ما ثبت مِن علوّ درجتهما، وأنهما زوجتا نبيّنا ص في الجنة، وأن الله خيَّرهُنَّ بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك حرّم الله عليه أن يتبدّل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج عليهن، ، ومات عنهن وهنّ أمهات المؤمنين بنص القرآن. ثم قد تقدّم أن الذنب يُغفر ويُعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة.وهذا زيغٌ في هذه المسألة ليس زيغًا عن الإسلام إلى الكفر.

ثالثًا: الرسول ص لم يطلقهما بعدما علم ذلك منهما بل أقر زواجهما منه، وحاشاه أن يقر ببقائهما ولا يطلقهما إن كان الأمر يستحق ما ينفخ فيه الرافضة ؛ لأنه يلزم من هذا الطعن بالنبوة وأن الرسول ص لم يطلق من تستحق الطلاق.

رابعًا: عائشة  ل غير معصومة، ومثل أخطائها هذه ت كنكتة سوداء في ثوب ناصع البياض. وقصارى ما يقال: إن هذا من أخطاء عائشة وحفصة ب ، فإنهما ليستا معصومتين، وحتى لا يفرح الشيعة بهذا نقول: إن له ما يشبهه تمامًا عند علي ت الذي تزعم الشيعة عصمته ، فالمذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من الصحابة ي ، فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ت قَالَ:«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:« إِنَّ بَنِى هِشَامِ بْنِ الْـمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِى أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ فَلاَ آذَنُ ، ثُمَّ لاَ آذَنُ ، ثُمَّ لاَ آذَنُ ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِى وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ ، فَإِنَّمَا هِىَ بَضْعَةٌ مِنِّى ، يُرِيبُنِى مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا »( ).

فإن عليًا ت  لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة ل  ، فلا يُظنّ بعليٍّ ت  أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط، بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.

فلْيُجِب الشيعة عن فِعْل علي ت هذا، فهو تمامًا الجواب عن فعل عائشة وحفصة ب، وإن كانوا يزعمون أن هذا لم يثبت عندهم بل عند أهل السنة فقط فالأول مثله تمامًا.

خامسًا: الآية من فضائلها في توبتها لا من معايبها، نظير قوله ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ) (آل عمران:122) الذي نزل في بني حارثة وبني سلمة، كما ثبت في الصحيح عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ب ، قَالَ:«فِينَا نَزَلَتْ: (  ﭑ ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  )  بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ :(ﭗ  ﭘﭙ  )  »( ) ، فهي وإن كانت تشعر بوجود تقصير منهم لكنها تدل على ولاية الله لهما، وكذا قوله  ﭨ ( ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ ) وإن كانت تشعر بوجود ذنب لهما لكنها تدل على توبتها، إذ لو لم تتوبا لكُشِف أمرهما.

بل إنا نجد في القرآن الكريم ما هو أكبر من ذلك وهو قوله ﭨ (ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ   ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ    ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ   ﯬ     ﯭ  ﯮ   ﯯﯰ  ﯱ      ﯲ  ﯳ  ﯴ  ) (التوبة:117) ، فهل يستدل عاقل على أن ذلك دليل على ذنوب هؤلاء؟ 

أو قوله  ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ) (الأحزاب:1) فهل يقول عاقل: إنه ص لم يتق الله وأطاع الكافرين والمنافقين؟

أو قوله  ﭨ ( ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ   ﮅ  ﮆ  ﮇ  ) (التوبة:43) فهل يجيز عاقل أنه يدل على ذنبه ص في ذلك؟!

سابعًا: موتوا بغيظكم:

نزل قوله ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ    ﭛ  ﭜﭝ  )    ، وهذا من أكبر الأدلة على شدة محبة النبي ص لعائشة ل ، حتى إن حبّه لها قد تجاوز كل حد، فأرشده الله ـ لإصلاح فِعْلِه هذا مع إقراره إياه شدة محبته لها، وهو صريح في قوله  ﭨ ( ﭚ    ﭛ  ﭜﭝ  )  ، فعاد هذا من دلائل شدة محبة النبي ص لعائشة لما اختصت به ؛ إذ إن الله ـ لم يَقُل عن تصرف النبي ص مع زوجاته إنه ابتغاء لمرضاتهن إلا في عائشة ل.

الشبهة السابعة : زعموا أنها تظاهرت هي وحفصة على النبي  ص وتأهب الله لنصرة نبيه  ص عليها ، وتوعدها الله بالطلاق وهددها بأن يبدِلَه خيرًا منها ( ):

ادعى الشيعة أن القرآن نزل في تظاهرها على النبي ص ، وتأهب الله ﻷ لنصرة نبيه ص عليها وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير.

ﭧ ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ    ﭛ  ﭜﭝ  ﭞ   ﭟ    ﭠ    ﭡ   ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧﭨ  ﭩ  ﭪﭫ   ﭬ     ﭭ  ﭮ    ﭯ  ﭰ  ﭱ         ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ    ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ        ﮀ  ﮁﮂ   ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ    ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ   ﮨ  ﮩ  ﮪ     ﮫ  ﮬ  ﮭ   ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ   ﯘ  ﯙ  ﯚ  )(التحريم:1-5).

الجواب:

هذا فيه مغالطة عجيبة، فإن الله تعالى لم يقرر ذلك، بل قال: ( ﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ) ، وهذا الشرط ذكره بعد قوله:( ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ) ، فهو إذًا حال عائشة وحفصة إذا لم تتوبا، وقد قدمنا ما يبين امتناع عدم توبتهما بعد دعوة الله سبحانه لهما، فأصبح موقف التظاهر غير وارد لثبوت بدله، أو يقال هو تظاهر في هذا الأمر فقط.

وقولهم: « تأهب الله لنصرة نبيه عليها وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير» مغالطة أيضًا، فإن الله جعل ذلك بديلًا إذا لم تتوبا فقال: ( ﮐ  ﮑ      ﮒ      ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ) وقد قدمنا أنهما لا بد أن تكونا تائبتين بعد ذلك، فلا وجه لقولهم هذا كما هو واضح.

أما قولهم: « توعدها الله بالطلاق وهددها بأن يبدله خيرًا منها»  فجهل وعماء؛ فإن قوله ﭨ ( ﮨ  ﮩ  ﮪ     ﮫ  ﮬ  ﮭ   ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ   ﯘ  ﯙ  ) ، ليس خاصًا بعائشة وحفصة، بل هو عام في كل أزواجه ص، كما هو واضح من سياق الآية، فإن الله قال:( ﮫ ) و(ﮰ  ) وهذا عام في كل نسائه ص.

ثم لا يظن أحد أن في ذلك انتقاصًا لزوجاته ص، فإن هذا الأمر ـ أي الطلاق ـ لم يحصل لعدم حصول مقتضاه، فعلم بذلك أن جميع زوجاته ص اللآتي مات عنهن ص ـ ومنهن عائشة وحفصة ـ لهن مثل هذه الصفات: ( ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ  ).

الشبهة الثامنة: ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لعائشة مثلًا ( ):

ﭧ ﭨ (ﮏ  ﮐ  ﮑ   ﮒ  ﮓ      ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗﮘ  ﮙ  ﮚ   ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ   ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ    ﮩ  ﮪ    ﮫ   ) (التحريم:١٠). وقولهم هذا تكفيرٌ لعائشة  ل .

الجواب:

أولًا: كيف يُعقَل أن يضرب الله ﻷ لعائشة مَثلًا بامرأة نوح وامرأة لوط، وهو مَثَلٌ للذين كفروا، ثم يقرّها رسول الله ص ولا يطلقها، بل ولا يبين حالها؟!

وأكثر من ذلك يمدحها ص ويُثْنِي عليها بما لا يُثْنِي به على غيرها، أليس هذا تناقضًا مع قوله  ﭨ (ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜﯝ  ﯞ  ﯟﯠ ) (الأحزاب:6)؟ فهذا نصٌّ من رب العالمين بتسمية أزواج رسول الله ص بأمهات المؤمنين، فهذا يتضمن البراءة لهن من مشابهة أزواج أي نبي آخر، إذ هذا مما اختصصن به عن سائر زوجات باقي الأنبياء ‡.

وكيف يُعْقَل أن يضرب الله لعائشة مثلًا بامرأة نوح وامرأة لوط، وهي التي أنزل الله من أجل تبرئتها آيات بينات تتلى إلى قيام الساعة؟! حذر الله سبحانه خلالها من الوقيعة بعائشة مرة أخرى فقال ﭨ (ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ      ﯥ  ﯦ       ﯧ               ﯨ  ﯩ   )(النور:17).

ثانيًا: إن الله ـ قال في تلك الآيات نفسها أيضًا: ( ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ) (التحريم:11) ، فإن كنتم تقولون: إن المثل المضروب للذين كفروا يخص عائشة وحفصة، فمن يا ترى يخصه المثل المضروب للذين آمنوا؟ 

نظنكم ستقولون: لفاطمة ل كما هو دأبكم، حينها نضحك منكم ملء صدورنا ؛ لأنكم بذلك تجعلون عليًّا ت مَثَله هو فرعون إذا كانت امرأة فرعون مثلًا لفاطمة، وإذ لم تقولوا ذلك فإنه يبقى هذا المثل عامًا لا يُراد به أحد بعينه ـ وهو الحق ـ فإنه من الممتنع أن نجد أحدًا في الأمة لها مثل حال امرأة فرعون أو مريم ابنة عمران، فكذلك يكون المثل الأول، لا يُراد به أحد بعينه، إذ هما مثل واحد، في سياق واحد فوجب اتحاد مدلوليهما.

والحق أن نقول: إن هذين المثلين ضربهما الله سبحانه لنا حتى يتقرر عندنا أن أواصر الزوجية لا تجلب نفعًا ولا ضرًا، بل كل امرئ موكول لعمله، لا يؤاخذ الله سبحانه أحدًا بحساب غيره أو من أجله، كما لا يثيب أحدًا بعمل غيره أو من أجله، كما فعل مع امرأة نوح وامرأة لوط، حين لم ينفعهما كونهما زوجتي نبيَّيْن، وكذلك الشأن مع امرأة فرعون ، أو مريم التي لم يكن لها زوج أصلًا.

وهذه من سنن الله الثابتة التي قررها الله ﭨ ( ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼﯽ  ) (الأنعام:164) ، وهو نظير مخاطبة النبي ص لأعمامه وعماته وعشيرته الأقربين، وحتى ابنته فاطمة حين نزل قوله  ﭨ (ﭿ  ﮀ  ﮁ  ) (الشعراء:214) ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (ﭿ  ﮀ  ﮁ  ) ، دَعَا رَسُولُ اللهِ ص قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» ( ).

الشبهة التاسعة: زعموا أنها خالفت أمر الله في قوله ﭨ(ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽﭾ  ) (الأحزاب:33):

الجواب:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية /:« هي ل  لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. 

والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي ص ، وقد سافر بهن رسول الله ص بعد ذلك، كما سافر في حجة الوداع بعائشة ل وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم. 

وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي ص بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي ص يحججن في خلافة عمر ت وغيره كما كُنَّ يحججن معه ص.

وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزًا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك ( ).

الشبهة العاشرة: هل عائشة ل كانت تجهل أن الله يعلم السر وأخفى؟

قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ص فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ.

فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: «مَا لَكِ؟ يَا عَائِشُ، حَشْيَا رَابِيَةً» ، قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: « لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » ، قُلْتُ:« يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي» ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: « فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ:«نَعَمْ» ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» قَالَتْ:« مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ» ، قَالَ:« فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ »، قُلْتُ:« كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ:« قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ»( ).

ما معنى قول عائشة ل : «مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ»؟:

هذه العبارة فسرها الإمام النووي على أنها تقرير من عائشة بسعة علم الله عز وجل ، وجعل كلمة (نعم) في الحديث مِن قول عائشة ، فقال: «(قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ ، نَعَمْ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَكَأَنَّهَا لَـمَّا قَالَتْ:«مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ» صَدَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَالَتْ :«نَعَمْ »( ).

واعتبرها شيخ الإسلام ابن تيمية استفهامًا منها عن أمر كانت تجهله ؛ فتُعذر بجهلها ، وجعل كلمة «نعم» مِن قول النبي  ص فقال:« فَهَذِهِ عَائِشَةُ أُمُّ الْـمُؤْمِنِينَ : سَأَلَتْ النَّبِيَّ  ص هَلْ يَعْلَمُ اللهُ كُلَّ مَا يَكْتُمُ النَّاسُ ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ  ص :«نَعَمْ»، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا بِأَنَّ اللَه عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ يَكْتُمُهُ النَّاسُ كَافِرَةً ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِذَلِكَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ ، وَإِنْكَارُ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَإِنْكَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ... فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ وَلَكِنَّ تَكْفِيرَ قَائِلِهِ لَا يُحْكَمُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ قَدْ بَلَغَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا ( ).

أما من يطعن فيها ويتهمها بجهل أبسط أمور العقيدة فإنه إنما يطعن في النبي  ص الذي لم يأمر بقتلها لردتها عن الإسلام واكتفى - حسب تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية - بتوضيح الأمر لها.

الشبهة الحادية عشرة: كانت تنام أمام النبي ص وهو يصلي:

قالوا:بلغت في آدابها أن تمد رجلها في قبلة النبي ص  ، وهو يصلي ثم لا ترفعها عن محل سجوده حتى يغمزها، فإذا غمزها رفعَتْها، حتى يقوم فتمدها ثانية.

الجواب:

أولًا: ها هي روايات الحديث كما جاءت في صحيح البخاري:

1- عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ص، أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ص وَرِجْلاَيَ، فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا» ، قَالَتْ: « وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ». 

2- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَ يُصَلِّي وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ». 

3- عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: «كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ص وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا»( ). 

ثانيًا:ما علاقة فِعْلها هذا بالأدب أو عدمه؟ إنَّ فِعْلَ عائشة  ل إنما كان بإقرار رسول الله ص لها على ذلك ، بل أصبح ذلك من الأدلة على جواز مثل هذه الأفعال في الصلاة، فهل يُظَن أن النبي  ص كان لا يعلم أن ذلك منافٍ للأدب حتى يأتي هؤلاء فيعلموه إياه؟ أهُمْ أعلمُ أم رسولُ الله  ص؟!!

أم تراهم يريدون بيان أن صلاة النبي  ص كانت باطلة ، وكان عليه أن يأمرها بالتحول عن هذا المكان أو يتحول هو؟!!

ثالثًا: ذكرت كتب الشيعة ما يعيبونه على رسول الله ص وحبيبته عائشة ل من طريق أئمتهم المعصومين ـ بزعمهم ـ وصححوه ، بل ذكرت استدلالهم به وبناء أحكام فقهية عليه. 

قال إمامهم الحر العاملي:« في كتاب (من لا يحضره الفقيه): روى جميل عن أبى عبد اللّه ؛ أنه قال:« لا بأس بأن تصلي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلى فإن النبي ص كان يصلى وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض ، وكان إذا أراد أن يسجد غمز رجليها فرفعت حتى يسجد» ، أقول: هذا الحديث صحيح السند على اصطلاح المتأخرين»( ).

رابعًا: طبقًا لكتب الشيعة هل أقرَّ رسول الله  ص سوء الأدب؟

الشبهة الثانية عشرة :أَشَارَ ص نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ : «هُنَا الْفِتْنَةُ ــ ثَلاَثًا ــ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»( ):

عَنْ عَبْدِ الله بن عمر ب قَالَ:« قَامَ النَّبيُّ  ص خَطِيبًا فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ:« هُنَا الْفِتْنَةُ ـ ثَلاَثًا ـ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ »( ).

الجواب:

هذا الحديث له روايات أخرى كثيرة تبَيِّن المقصود الحقيقي منه قد أخرجها البخاري نفسه وغيره، والواجب علينا جمْعُها وضمّها كلها فإنها كلها صحيحة ثم نفهم بعد ذلك مراد النبي ص مِن قوله.

ليس المراد من الحديث عائشة ل بل جهة المشرق ، فقد كان بيتها ل جهة المشرق ، فلو كانت عائشة المقصودة بذلك لطلقها النبي ص ، وهذا ما لم يحدث بل ـ على العكس ـ كانت ل  أحب الناس إليه.

ويدل على أن الجهة هي المقصودة قوْلُ رسول الله ص:« رَأْسُ الكُفْرِ قِبَل الْـمَشْرِقِ » ( ). وحديث ابْنِ عُمَرَ ب أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ص وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ: «أَلاَ إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»( ).

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْـمَشْرِقِ:« الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ». قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ( ). 

فليس المقصود بيت حفصة أو بيت عائشة ، إنما المقصود جهة المشرق التي كان فيها بيتاهما.

وقال سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ب :«يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ ، سَمِعْتُ أَبِى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ :سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ: « إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِىءُ مِنْ هَا هُنَا ». وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْـمَشْرِقِ « مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ » ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»( ). 

فيستفاد إذن من مجموع هذه الروايات الصحيحة أن مقصود النبي ص بمطلع الفتنة إنما هو جهة المشرق وهي قرن الشيطان ولأن بيت عائشة ل  كان إلى شرقي مسجده ص.

وفي ضوء ذلك يجب أن يُفْهَم حديث عَبْدِ الله بن عمر ب أن النَّبِيَّ ص قَامَ خَطِيبًا فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ:« هُنَا الْفِتْنَةُ ـ ثَلاَثًا ـ  مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ »( ).

فأراد راوي الحديث ـ عبد الله بن عمر ب ـ أن يحدد الجهة التي أشار إليها رسول الله ص فذكر أنه أشار إلى هذه الناحية، حتى أنه لم يقل:« فَأَشَارَ إلى مَسْكَنِ عَائِشَةَ » بل قال:«فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ» مما يبين أنه عنى الجهة فقط بخلاف كل الروايات الأخرى والتي فيها أنه أشار نَحْوَ الْـمَشْرِقِ ؛ لأن فيها تحديد المقصود تمامًا، وهذا لا يخفى على مَن له علم باللغة.

ثانيًا: كلام الشيعة لا يعني إلا أحد شيئين: 

• إما أن يقولوا إن النبي ص عنى بتلك الإشارة عائشة نفسها. 

• أو يقولوا إنه ص قصد مسكنها نفسه.

فإن قالوا الأول فبطلانه واضح من معرفة التراكيب اللغوية التي في الحديث وإنها لا تستعمل إلا للإشارة لمكان معين لا لشخص، كقوله ( مِنْ حَيْثُ ) وقوله (هَاهُنَا الْفِتْنَة ) يشير إلى مكان تستوطن فيه الفتنة.

وإن قالوا الثاني ـ وهو أنه ص أراد مسكنها نفسه ـ فلا يمكن أن يكون كذلك طيلة حياة النبي ص وهو مقّر سكنه فيه ويتردد إليه كل يوم فيه نوبة عائشة ل  ، بل كان يتردد إليه أكثر من بيوت زوجاته الأخريات بمقدار الضعف فإن لعائشة ل  في القسم يومين : يومها ويوم سودة بنت زمعة ل التي وهبته لها لعلمها بمحبة النبي ص لها. 

وأكثر من ذلك أنه ص كان في سكرات موته يحب أن يمرّض في بيت عائشة ل دون بيوت سائر زوجاته ، وبقي هناك حتى توفي ص في بيت عائشة ل  ودفن فيه رغم أنوف الرافضة.

ولم يبقَ من القول مجال إلا أن يقولوا إنما عنى به مسكن عائشة ل  بعد وفاة رسول الله ص ، وهذا إن قالوه فإنما ينادون على أنفسهم بالويل والثبور، إذ إن مسكن عائشة ل تحول بوفاة رسول الله ص إلى قبره الشريف ولم يَعُدْ بيتًا لها حتى يُنْسَب إليها، وكيف يستجيز عاقل أن يرضى الله تعالى لحبيبه وعبده محمد ص أن يدفن في مكان هو مطلع الفتنة على حدّ زعم الرافضة؟ 

وإن المرء ليتعجب من آيات الله تعالى أن جعل مسكن عائشة ل مكانًا يمرض فيه عبده وحبيبه محمد ص ، ثم يجعله مدفنًا له وقبرًا، ثم يتم ذلك بأن دفن إلى جواره صاحباه ووزيراه أبو بكر وعمر ب .

ثالثًا:أن هذا القول المفترى من قبل الشيعة لو كان له أي وجه أو احتمال لعلمنا بأحد قاله أو ذكره أو احتج به ممن خالف أم المؤمنين ل  ممن هو من طبقة التابعين أو بعدهم، أما الصحابة فلا يظن بأحد منهم اعتقاد مثل هذا قطعًا. 

فلما لم نجد أحدًا قاله علمنا بأنه محض افتراء وبهتان على أم المؤمنين ل من قبل الشيعة ، نظير ما فعله أسلافهم من أصحاب الإفك.

الشبهة الثالثة عشرة: زعموا أن عائشة ل تقول بتحريف القرآن ؛ وإن كان من قال بتحريف القرآن كافرًا عند أهل السنة فقد كفرت عائشة في مذهبهم ! ( ) :

أولًا: (ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ    ) (البقرة: 238) ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ( ):

عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، وَقَالَتْ:« إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي: (ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ) ، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ )، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، (  ﭖ  ﭗ   ﭘ) ، قَالَتْ عَائِشَةُ:« سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ص» ( ).

قال الشيعة: وفي القرآن لا توجد كلمتا:« وصلاة العصر».

الجواب:

1- في الحديث التالي لهذا الحديث من صحيح مسلم بيان أن الآية منسوخة ، فعن  الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ( ﭑ  ﭒ  ﭓ)، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ، فَنَزَلَتْ: ( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ ) ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقِ لَهُ: هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقَالَ الْبَرَاءِ:« قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ » ( ).

2- يُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَتْ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، فَلَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْلَمْ بِنَسْخِهَا أَوِ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا مِمَّا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ ( ).

3- وهي قراءة منسوخة بشهادة أم المؤمنين أيضًا  ل:

فعن عَبْدِ الْـمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ حُمَيْدٍ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَأَلَتْ عَائِشَةَ ل عَنْ قَوْلِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :(      ﭔ  ﭕ ) ، فَقَالَتْ:« كُنَّا نَقْرَؤُهَا عَلَى الْحَرْفِ الْأَوَّلِ , عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ص «( ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ) ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، (  ﭖ  ﭗ   ﭘ) ( ).

ثانيًا:كلمة (متتابعات) فُقِدت من المصحف:

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نَزَلَتْ ( ﮱ  ﯓ   ﯔ  ﯕ) ( ) مُتَتَابِعَاتٍ ، فَسَقَطَتْ (مُتَتَابِعَاتٍ) ( ). 

الجواب:

ما معنى سقطت؟معناها نسخت ، فهذه الكلمة منسوخة ، فَكَأَنَّ التَّتَابُعِ كَانَ أَوَّلًا وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ  ( ) ولا علاقة لذلك بتحريف القرآن.

ثالثًا: عائشة تقول إنه كان معها آية الرجم وآية رضاع الكبير لكن الداجن أكلته:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا، وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ص وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ، دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا»( ).

الجواب:

1- هذا الحديث لا يصح ؛ قال الدكتور عبد الله الفقيه:« كثيرًا ما يستشهد أعداء الإسلام للتشكيك في نقل القرآن بحديث عائشة ... والحق أن هذا الحديث لا يصح ، وابن اسحاق صدوق ، ومن كانت هذه صفته فإن حديثه يكون في درجة الحسن بعد النظر الذي يخلص منه إلى نقائه من الخلل ، كذلك هو رجل مشهور بالتدليس مُكْثِرٌ منه ، يدَلّس عن المجروحين ، وشرط قبول رواية من هذا حاله أن يذكر سماعه ممن فوقه فإذا قال ( عن) لم يقبل منه .

وابن اسحاق له في هذا الخبر إسنادان ، وجمعه الأسانيد بعضها إلى بعض وحمل المتن على جميعها مما عِيبَ عليه ، فربما كان اللفظ عنده بأحد الإسنادَيْن فحمل الآخر عليه ، لأنه حسبه بمعناه ، وقد لا يكون كذلك.

قيل لأحمد بن حنبل : ابن اسحاق إذا تفرد بحديث تقبله ؟ قال :« لا ، والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ، ولا يفصل كلام ذا من ذا » ( ).

وإذا كان جماعة من العلماء الكبار كأحمد بن حنبل والنسائي نصوا على أن ابن اسحاق ليس بحجة في الأحكام ، فهو أحرى أن لا يكون حجة تستعمل للتشكيك في نقل القرآن ( ).

2- إن صح فليس فيه ما يدل على أنه كان مقروءًا بعد وفاة النبي  ص .

فقد بين العلماء معنى الحديث والمراد منه فقال السندي:(وَلَقَدْ كَانَ) أَيْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ بَعْدَ أَنْ نُسِخَ تِلَاوَةً مَكْتُوبًا (فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي) وَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ كَانَ مَقْرُوءًا بَعْدُ»( ).

وقال ابن حزم :« فَصَحَّ نَسْخُ لَفْظِهَا وَبَقِيَتْ الصَّحِيفَةُ الَّتِي كُتِبَتْ فِيهَا - كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ل - فَأَكَلَهَا الدَّاجِنُ، وَلا حَاجَةَ بِأَحَدٍ إلَيْهَا ... وَبُرْهَانُ هَذَا: أَنَّهُمْ قَدْ حَفِظُوهَا كَمَا أَوْرَدْنَا، فَلَوْ كَانَتْ مُثْبَتَةً فِي الْقُرْآنِ لَمَا مَنَعَ أَكْلُ الدَّاجِنِ لِلصَّحِيفَةِ مِنْ إثْبَاتِهَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِهِمْ »( ).

3- ذكرت كتب الشيعة أن آية الرجم مما نسخت تلاوته ( ).

رابعًا: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ص يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ:

عن إِسْمَاعِيلُ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ مَوْلَى بَنِي جُمَحٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ فِي سَقِيفَةِ زَمْزَمَ ، لَيْسَ فِي الْـمَسْجِدِ ظِلٌّ غَيْرَهَا، فَقَالَتْ:« مَرْحَبًا، وَأَهْلًا بِأَبِي عَاصِمٍ - يَعْنِي عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ - ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا، أَوْ تُلِمَّ بِنَا؟» ، فَقَالَ:«أَخْشَى أَنْ أُمِلَّكِ»، فَقَالَتْ:«مَا كُنْتَ تَفْعَلُ»، قَالَ:« جِئْتُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ص يَقْرَؤُهَا؟».

فَقَالَتْ:« أَيَّةُ آيَةٍ ؟ ».

فَقَالَ:« (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا ) ، أَوْ (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا )».

فَقَالَتْ:« أَيَّتُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟».

قَالَ: قُلْتُ: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، أَوِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

قَالَتْ:« أَيَّتُهُمَا؟».

 قُلْتُ:«الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا».

قَالَتْ:«أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ - أَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ لَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ - ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ص يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ».

الجواب:

هذا الأثر لا يصح ؛ فقد ضعفه ابن كثير والهيثمي والأرنؤوط( ).

خامسًا:يا ابن أختي ، هذا عمل الكُتّاب أخطؤوا في الكتاب ( ):

عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : سألتُ عائشة عن لحن القرآن : عن قوله: ( ﯮ  ﯯ  ﯰ  ) ( )، وعن قوله: (ﯿ  ﰀﰁ  ﰂ  ﰃ    ) ( )  ، وعن قوله:  (ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ) ( ) ، فقالت : « يا ابن أختي ، هذا عمل الكُتّاب أخطؤوا في الكتاب » ( ).

الجواب: في إسناد هذا الأثر أبو معاوية الضرير الذي شهد علماء الحديث أن في أقواله أحاديث مضطربة، وأنه « ربما دلّس» ، وأنه «كان مرجئًا خبيثًا»( ).

وقد ذكر أبو حيان الأندلسي المفسّر أن هذه الرواية لا تصح عن عائشة( ).

وهناك بحث للدكتور جمال أبو حسان المدرس بكلية الشريعة جامعة الزرقاء الأهلية بالأردن يتكلم عن الروايات التي قالت إن السيدة عائشة قالت بخطأ كُتّاب المصحف.وهذا البحث منشور في مجلة جامعة الزرقاء الأهلية ، المجلد السادس ، العدد الثاني،  ويعالج مجموعة من الروايات التي وردت عن أم المؤمنين عائشة ل والتي تدل صراحة على أنها تخَطّئ كُتّابَ المصاحف ، وترى أن هناك أخطاء في كتابة المصحف مما ترتب عليه أخطاء في القرآن الكريم.

درس الباحث هذه الروايات التي تزيد على العشرين - ومنها هذا الأثر - ، درسها روايةً روايةً ، وأثبت بالبرهان العلمي والبحث النقدي والموضوعي أن هذه الروايات كلها باطلة لا أساس لها من الصحة ، وأن مَا عُزي إلى أم المؤمنين ل من تخطئة كُتّاب المصاحف كله أحاديث باطلة لا يصح منه شيء. وأن أمة الإسلام منذ تلقت المصحف قد حافظت عليه بعد أن تكفل الله تعالى بحفظه ، ولهذا سلم المصحف من أي خطأ أو عارضة خطأ .

الشبهة الرابعة عشرة :قول عمار بن ياسر ب عن عائشة : «إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ص فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا »:

عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَامَ عَمَّارٌ، عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ، وَذَكَرَ مَسِيرَهَا، وَقَالَ: «إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ص فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ»( ). 

وفي رواية عَنِ الحَكَمِ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارًا، وَالحَسَنَ إِلَى الكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَقَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا»( ).

الجواب( ):

ليس في قول عمار هذا ما يطعن به على عائشة ل بل فيه أعظم فضيلة لها، وهي أنها زوجة نبينا ص في الدنيا والآخرة، فأي فضل أعظم من هذا؟! وأما قوله في الجزء الأخير من الأثر: « وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا» فليس بمطعن على أم المؤمنين عائشة ل وبيان ذلك من وجوه:

1- أن أثر عمار تضمن معنيين:

• أولهما قوله:« إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ص فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ » ، وهذا نص حديث صحيح. 

• والآخر قوله:« وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلاَكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا ». وهذا قول عمار، فإن كان قول عمار غير معارض للحديث فلا مطعن حينئذ، وإن كان معارضًا للحديث فالحديث هو المقدم.

2- أن الشهادة بأنها زوجة النبي ص في الدنيا والآخرة، حكم عام باعتبار العاقبة والمآل.وقول عمار حكم خاص في حادثة خاصة، فرجع الحكم الخاص إلى العام وآلَ الأمرُ إلى تلك العاقبة السعيدة فانتفى الطعن.

3- أن هذا القول لعمار ت يمثل رأيه، وعائشة ل ترى خلاف ذلك، وأن ما هي عليه هو الحق، وكل منهما صحابي جليل، عظيم القدر في الدين والعلم، فليس قول أحدهما حجة على الأخر.

4- أن غاية ما في قول عمار هو مخالفتها أمر الله في تلك الحالة الخاصة، وليس كل مخالف مذمومًا حتى تقوم عليه الحجة بالمخالفة ويعلم أنه مخالف، وإلا فهو معذور إن لم يتعمد المخالفة، فقد يكون ناسيًا أو متأولًا فلا يؤخذ بذلك.

قال الحافظ ابن حجر:« وَمُرَادُ عَمَّارٍ بِذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَأَنَّ عَائِشَةَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ص فِي الْجَنَّةِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ إِنْصَافِ عَمَّارٍ وَشِدَّةِ وَرَعِهِ وَتَحَرِّيهِ قَوْلَ الْحَقِّ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْـمَدِينِيِّ قَالَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعَائِشَةَ لَـمَّا فَرَغُوا مِنَ الْجَمَلِ: «مَا أَبْعَدَ هَذَا الْـمَسِيرِ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكُمْ » - يُشِيرُ إِلَى قَوْله ﭨ (ﭶ   ﭷ  ﭸ ) (الأحزاب:٣٣) - .

فَقَالَتْ:« أَبُو الْيَقْظَانِ». قَالَ:«نَعَمْ».

قَالَتْ:«وَاللهِ إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَقَوَّالٌ بِالْحَقِّ».

قَالَ: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي قَضَى لِي عَلَى لِسَانِكِ». ( ). 

وقولها هذا دليلٌ على رجوعها إلى الحق ، واعترافٌ منها بخطأ اجتهادها ، فهي ل ما خرجت إلا لمصلحة عظيمة وهي الإصلاح بين المسلمين.

5- أن عمارًا ت ما قصد بذلك ذم عائشة ل ولا انتقاصها، وإنما أراد أن يبين خطأها في الاجتهاد نصحًا للأمة، وهو مع هذا يعرف لأم المؤمنين قدرها وفضلها, وقد جاء في بعض روايات هذا الأثر أن رجلا نال من عائشة ل عند علي ت فقال له عمار بن ياسر ب:« اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا ؛ أتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللهِ  ص؟»( ).

6- وذكرت بعض كتب الشيعة أن عمارًا قد خاطبها بعد المعركة بأم المؤمنين ووصف نفسه ومن معه بأنهم بنوها ( ).

7- ونحن نقول لكل من يتطاول على أمنا عائشة ما قاله عمار  ت : «اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا ؛ أتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللهِ  ص ؟».

الشبهة الخامسة عشرة :اتهموها بالكذب على رسول الله  ص وغيره :

الاتهام الأول:

افتراؤهم أنها وضعت حديثًا فيه أن النبي ص سَحَره لبيد بن الأعصم اليهودي:

وقالوا كيف يمكن أن يُسحر النبي ص ويُخَيَّلُ اليه أنه يفعل الشيء وما فعله ، وهو معصوم؟

الجواب:

أولًا: الحديث رواه البخاري ( )، وقد جاء الحديث من رواية عدة من الصحابة كابن عباس وزيد ابن أرقم فلم تنفرد عائشة ل  بروايته.

وقد ذكر القاضي عياض أن بعض المبتدعة طعنوا في حديث عائشة ل  ، وقد جمع الردود على هؤلاء الشيخ مقبل الوادعي / في كتاب ( ردود اهل العلم على الطاعنين في حديث السحر).

ثانيًا:قد ورد في القرآن الكريم أن موسى ؛ خُيِّل إليه أنّ عِصِيّ السحرة وحبالهم انقلبت الى حيات تسعى فهل  يُعَدُّ هذا طعنًا في موسى ؛؟

ﭧ ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ   ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ   ﭞ   ﭟﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ   ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ       ﭵ  ﭶ     ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾﭿ  ﮀ   ﮁ   ﮂ           ﮃﮄ  ﮅ   ﮆ  ﮇ           ﮈ  ﮉ   ﮊ  ﮋ   ﮌ   ﮍ   ﮎ  ﮏ  ﮐ      ﮑ  ﮒ  ﮓ  ) (طه:65-70).

ثالثًا:السحر الذي أصابه ص لم يكن ليمس عقله الشريف ولا يؤثر على تبليغ الرسالة بل كان عارضًا كعوارض الأمراض المختلفة التي تصيب الصالح والطالح والكبير والصغير ، والنبي ص مشرع لذا تحدث هذه الحوادث معه لبيان جواز حدوثها مع غيره ص مهما بلغ قدرًا عاليًا في العبادة ، وهو أمر جائز عقلًا ونقلًا . 

فهو كحديث نسيان النبي ص في الصلاة ، وهو الذي ينزل عليه الوحي ، وهو أخشع الخلق في الصلاة ص وذلك لتعليم الأمة الإسلامية من خلال هذا الحدث.

رابعًا:ورد في كتب الشيعة نفس القصة التي رواها الإمام البخاري عن عائشة ل  حول سحر الرسول ص ( ).

الاتهام الثاني:روايتها لحديث بدء الوحي إلى رسول الله ص:

ردوه بمبررات عقلية تافهة على طريقة المستشرقين في الطعن في الإسلام ، وقالوا :لم ينقل عن أحد من الأنبياء ‡ أنه جرى له مثل ذلك عند ابتداء الوحي إليه ، وقالوا إنه من المراسيل، بدليل أنه حديث عما قبل ولادة عائشة بسنين عديدة ، فأين هي عن بدء الوحي ؟ وأين كانت حين نزول الملك في غار حراء على رسول الله ص؟

قالوا:فإن قلت: أي مانع لها أن تسند هذا الحديث إلى النبي ص إذا سمعته ممن حضر مبدأ الوحي. قلنا: لا مانع لها من ذلك، غير أن هذا الحديث في هذه الصورة لا يكون حجة، ولا يوصف بالصحة، وإنما يكون مرسلًا، حتى نعرف الذي سمعته منه، ونحرر عدالته( ).

الجواب:

أولًا:قال الإمام النووي:« الحديث مشهور رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، قال الإمام النووي:« هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ي فَإِنَّ عَائِشَةَ ل لَمْ تُدْرِكْ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فَتَكُونُ قَدْ سَمِعَتْهَا مِنَ النَّبِيِّ ص أَوْ مِنَ الصَّحَابِيِّ»( ).

ثانيًا:ثقتنا في عائشة أم المؤمنين التي وثّقها خير البشر ص أنها لن تروي إلا عن ثقة ، وفي هذا الحديث الثقة هو  رسول الله ص ، ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبي ص قولها في أثناء هذا الحديث : 

« فَجَاءَهُ الْـمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ»( ). 

فقولها:( قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»). ظاهر في أن النبي ص أخبرها بذلك.

وبذلك نكون - كما يريد الشيعة - قد عرفنا الذي سمعَتْهُ منه، وحررنا عدالته.

فهل النبي ص عدل عندهم أم لا؟

وهل إذا قالت عائشة :«أخبرني رسول الله » سيصدقها الشيعة؟ 

أم أنها - عندهم - كافرة مرتدة لا يُقْبَلُ حديثها أصلًا؟.

ثالثًا:أما قولهم «لم ينقل عن أحد منهم ‡ أنه جرى له مثل ذلك عند ابتداء الوحي إليه » ، فهل يفرضون - بعقولهم المريضة - كيفية معينة لما ينبغي أن يكون عليه وحي الله ﻷ إلى أنبيائه؟

الاتهام الثالث:روايتها حديث إرضاع الكبير:

عَنْ عَائِشَةَ ل  أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِى بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ -  تَعْنِى ابْنَةَ سُهَيْلٍ - النَّبيَّ ص فَقَالَتْ:«إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا ، وَإِنِّى أَظُنُّ أَنَّ فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا». فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ  ص:« أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِى عَلَيْهِ وَيَذْهَبِ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ ». 

فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ:«إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ»( ).

وفي رواية البخاري عَنْ عَائِشَةَ ل  أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبيِّ ص تَبَنَّى سَالِمًا ، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهْوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ، كَمَا تَبَنَّى النَّبيُّ  ص زَيْدًا ، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ:( ﮗ  ﮘ   )  إِلَى قَوْلِهِ:(  ﮥﮦ  ) ( ) فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِى الدِّينِ ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِىِّ ثُمَّ الْعَامِرِىِّ - وَهْىَ امْرَأَةُ أَبِى حُذَيْفَةَ - النَّبيَّ ص فَقَالَتْ:«يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ...» ( ).

وفي رواية لأبي داود :« فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ ل  تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبيِّ ص أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِى الْـمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ:«وَاللهِ مَا نَدْرِى لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبيِّ ص لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ»( ).

الجواب:

أولًا:قَال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ :« وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ . وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (وذكر الحديث ....ثم قال):وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَتْ بِهِ عَائِشَةُ ، وَأَبَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ص أَنْ يَأْخُذْنَ بِهِ ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنْهُ قَال : «الرَّضَاعَةُ مِنَ الْـمَجَاعَةِ » ( ) لَكِنَّهَا رَأَتِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ رَضَاعَةً أَوْ تَغْذِيَةً ، فَمَتَى كَانَ الْـمَقْصُودُ الثَّانِيَ لَمْ يُحَرِّمْ إِلاَّ مَا كَانَ قَبْل الْفِطَامِ ، وَهَذَا هُوَ إِرْضَاعُ عَامَّةِ النَّاسِ. 

وَأَمَّا الأَوَّل فَيَجُوزُ إِنِ احْتِيجَ إِلَى جَعْلِهِ ذَا مَحْرَمٍ .

وَقَدْ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مَا لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهَا ، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ .

وَقَال: « رَضَاعُ الْكَبِيرِ تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ إِذَا كَانَ قَدْ تَرَبَّى فِي الْبَيْتِ بِحَيْثُ لاَ يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ»( ).

ثانيًا:النص لم يصرح بأن الإرضاع كان بملامسة الثدي ، سياق الحديث متعلق بالحرج من مجرد الدخول على بيت أبي حذيفة فكيف يرضى بالرضاع المباشر بزعمكم؟

هل نسي هؤلاء أن النبي ص حرم المصافحة؟ فكيف يجيز لمس الثدي بينما يحرم لمس اليد لليد؟

الحجة لا تقوم على الخصم بما فهمه خصمه وإنما تقوم بنص صريح يكون هو الحجة.

هل الطفل الذي يشرب الحليب من غير رضعه من الثدي مباشرة يثبت له حكم الرضاعة أم لا؟

ذكر الفقهاء أن المقصود بالرضاعة هنا أن تفرغ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ لبنها فى إناء وترسله لسَالِمٍ ليشربه وتكرر ذلك خمس مرات وبذلك تحرم عليه ( ). 

روى  ابن سعد في (طبقاته) عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه قال:«كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام ، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسر رخصة من رسول الله ص لسهلة»  ( ).

الاتهام الرابع: رواية موت النبي ص في بيت عائشة وبين سحرها ونحرها والتي رواها البخاري وغيره ، ويقدمون عليها روايات ضعيفة لا تصح:

وكَانَتْ عَائِشَةَ ل  تَقُولُ :« إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَىَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص تُوُفِّىَ فِى بَيْتِى وَفِى يَوْمِى ، وَبَيْنَ سَحْرِى وَنَحْرِى ، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِى وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، دَخَلَ عَلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ ص فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ :«آخُذُهُ لَكَ » فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَتَنَاوَلْتُهُ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، وَقُلْتُ : «أُلَيِّنُهُ لَكَ » ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَلَيَّنْتُهُ( ).

وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ب كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ:« مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي؟ - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي - فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ»( ). 

الجواب:

الروايات المخالفة لهاتين الروايتين لا تصح:

أولًا : ما رواه ابن سعد في الطبقات:

1-  أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن حرام بن عثمان عن أبي حازم عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن كعب الأحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله، ص؟ فقال عمر:« سَلْ عليًّا» ، قال:«أين هو؟» ، قال:« هو هنا» ؛ فسأله فقال علي:« أسندتُه إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال:« الصلاة الصلاة! » ، فقال كعب:« كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا وعليه يبعثون».

2- أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله، ص، في مرضه:« ادعوا لي أخي» ، قال: فدعي له علي فقال:« ادن مني» ، فدنوتُ منه فاستند إليَّ فلم يزل مستندًا وإنه ليكلمني حتى إن بعض ريق النبي ص ليصيبني ثم نزل برسول الله ص وثقل في حجري فصِحْتُ:«يا عباس أدركني فإني هالك!» ، فجاء العباس فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه.

3- أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن حسين قال:« قبض رسول الله، ص، ورأسه في حجر علي».

4- أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أبو الجويرية عن أبيه عن الشعبي قال:« توفي رسول الله، ص، ورأسه في حجر علي».

5- أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن أبي غطفان قال: سألت بن عباس:« أرأيتَ رسولَ الله ص توفي ورأسه في حجر أحد؟» ،  قال:« توفي وهو لَـمُستنِدٌ إلى صدر علي» ،  قلت: فإن عروة حدثني عن عائشة أنها قالت: « توفي رسول الله ص بين سحري ونحري!» ، فقال ابن عباس:« أتعقل؟ والله لَتُوُفِّيَ رسول الله ص، وإنه لَـمُستنِدٌ إلى صدر علي».

التعليق:

هذه الروايات من طريق محمد بن عمر الْوَاقِدِيِّ وهو كذاب( ).

ثانيًا: ما رواه غير ابن سعد:

1- روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ص وهو في بيتها لما حضره الموت: «ادعوا لي حبيبي». فدعوْتُ له أبا بكر. فنظر إليه، ثم وضع رأسه. ثم قال:«ادعوا لي حبيبي». فدعَوْا له عمر. فلما نظر إليه، وضع رأسه.ثم قال:« ادعوا لي حبيبي». فقلت: « ويلكم ادعوا لي عليَّ بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره». 

فلما رآه أفرد الثوب الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه( ).

التعليق:

هذا الحديث فيه مسلم الملائي - وهو ابن كيسان الأعور - وهو متروك كما قال النسائي وغيره.

قال الألباني:« وهذا من أكاذيبه - أو على الأقل: من أوهامه الفاحشة - ... هذا ليس فيه التصريح بأنه ص مات وهو مستند إلى علي ت»( ). 

2- رُوِيَ عَنْ أُمِّ مُوسَى، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ، إِنْ كَانَ عَلِيٌّ لَأَقْرَبَ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ص. قَالَتْ: عُدْنَا رَسُولَ اللهِ ص غَدَاةً بَعْدَ غَدَاةٍ يَقُولُ: «جَاءَ عَلِيٌّ؟»  مِرَارًا، قَالَتْ: وَأَظُنُّهُ كَانَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ . قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، فَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ص مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا»( ).

التعليق:

1- هذه الرواية ضعفها الأرنؤوط والألباني ، وقال عن تصحيح الحاكم والذهبي: « وفيه نظر من وجهين:

الأول: أن أم موسى هذه، لم تثبت عدالتها وضبطها. وقد أوردها الذهبي نفسه في «فصل النسوة المجهولات» من (الميزان) ، وقال فيها:« تفرد عنها مغيرة بن مقسم. قال الدارقطني:«يخرج حديثها اعتبارًا».ولذلك لم يوثقها الحافظ في (التقريب) بل قال فيها:«مقبولة». يعني: عند المتابعة.

وأما قول الهيثمي (9/112) - بعد أن عزاه لأحمد وأبي يعلى والطبراني -: «ورجاله رجال الصحيح غير أم موسى، وهي ثقة»! أقول(أي الألباني): فهذا من تساهله؛ لأن عمدته في مثل هذا التوثيق إنما هو ابن حبان، وهو مشهور بالتساهل في التوثيق، كما ذكرناه مرارًا.

والآخر: أن المغيرة - وهو ابن مقسم الضبي - وإن كان ثقة متقنًا؛ إلا أنه كان يدلس؛ كما قال الحافظ ، وقد عنعنه( ). 

2- قال الألباني:« هذا لو صح عن أم سلمة ؛ لأمكن التوفيق بينه وبين حديث عائشة الصحيح؛ بحَمْل قول أم سلمة: (الناس) على الرجال؛ فلا ينافي ذلك أن يخرج عليٌّ بعد مناجاة الرسول ص إياه، وأن تتولى أمره عائشة ت، ويموت ص وهي مسندته إلى صدرها؛ وهذا ظاهر جدًا»( ).

رواية قاصمة لكل بنيان الرافضة ، من فمك أدينك:

أسند عالم الشيعة أبو علي محمد بن محمد الأشعث الكوفي في كتابه إلى الحسين بن علي ت أنَّ أبا ذر أخبره : أنَّ رسول الله ص قبل أن يموت دعا بالسواك فأرسله إلى عائشة فقال : لتبلينه لي بريقك , ففعلَتْ , ثمَّ أُتي به فجعل يستاك به ويقول بذلك : « ريقي على ريقك يا حميراء », ثمَّ شخص يُحرِّك شفتيه كالمخاطب , ثمَّ مات ص »( ).

الاتهام الخامس:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ  ص وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ»( ).

الجواب:

قال الإمام النووي:« مَعْنَاهُ أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرَ إِنْزَالُهُ جِدًّا حَتَى إِنَّهُ ص تُوُفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ وَيَجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى.

وَالنَّسْخُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ كَعَشْرِ رَضَعَاتٍ.

وَالثَّانِي: مَا نسخت تلاوته دون حكمة كخمس رضعات وكالشيخ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا.

وَالثَّالِثُ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهُ وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ وَمِنْهُ قوله ﭨ (ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ   ﭱ  )  الْآيَةَ ( ) ، وَاللهُ أَعْلَمُ»( ). 

الاتهام السادس: تبالغ :

رُوِيَ  عن عروة عن عائشة قالت:فخرت بمال أبي في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية، فقال النبي ص :«اسكتي يا عائشة! فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع»( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح( ).

الاتهام السابع: تنسب لنفسها فضائل ليست فيها:

رُوِيَ أنها قالت:« خِلالٌ لي تسع ؛ لم يكن لأحد من النساء قبلي ؛ إلا ما آتى الله عز وجل مريم بنت عمران ، والله ! ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي . فقال لها عبد الله بن صفوان : وما هن يا أم المؤمنين ؟! قالت عائشة جاء الملك بصورتي إلى رسول الله ص . فتزوجني رسول الله ص وأنا ابنة سبع سنين . وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين . وتزوجني بكرًا لم يكن في أحد من الناس . وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد . وكنت من أحب الناس إليه . ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها . ورأيت جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ ولم يره أحد من نسائه غيري . وقبض في بيتي ؛ لم يَلِهِ أحد غير الملك إلا أنا » .

البيان:

هذا الأثر لا يصح ، قال الشيخ الألباني:«منكر ، أخرجه الحاكم (4/ 10) ... وإنما أوردتُ الحديث من أجل ذكر مريم فيه مع هذه الخلة الأخيرة ؛ فإني لم أجد لها شاهدًا يقويها ، وقد استغلها الشيعي عبد الحسين في (مراجعاته) (257-258) ؛ فجزم بنسبة الحديث إليها ، ثم أخذ يغمز منها بسبب هذه الخلة ، وهي مما لم يثبت عنها كما تبين لك من هذا التخريج ، بخلاف الخلال التي قبلها ، فكلها صحيحة ثابتة عنها في الصحيحين وغيرهما.

فاعلم هذا ؛ يساعدك على دفع المطاعن الشيعية عن أم المؤمنين ل » ( ).

الاتهام الثامن: لقد رأيت خالًا بخدها ؛ اقشعرت كل شعرة منك :

قال ابن سعد في (الطبقات الكبرى ) :

« أخبرنا محمد بن عمر، حدثني الثوري عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط قال :خطب رسول الله ص  امرأة من كلب ، فبعث عائشة تنظر إليها ، فذهبت ثم رجعت . فقال لها رسول الله ص:«ما رأيتِ؟». فقالت :« ما رأيتُ طائلًا» . فقال لها رسول الله ص:«لقد رأيتِ خالًا ( ) بخدها ؛ اقشعرَّتْ كلّ شعرةٍ منكِ » . فقالت : «يا رسول الله ! ما دونك سِرٌّ » ( ).

البيان:

هذا الحديث موضوع ، قال الألباني:«وهذا موضوع ؛ فإنه مع كونه مرسلًا ، فإن محمد بن عمر - وهو الواقدي - كذاب ، كما تقدم مرارًا »( ).

الاتهام التاسع: تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّتْ عروسًا للنبي  ص : 

قال الحاكم في المستدرك :«وذكر هشام بن محمد أن ابن الغسيل حدثه عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِيهِ - وكان بدريًّا - قَالَ:تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ص أَسْمَاءَ بِنْتَ النُّعْمَانِ الْجَوْنِيَّةَ فَأَرْسَلَنِي فَجِئْت بِهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ:« اخْضِبِيهَا ( ) أَنْتِ ، وَأَنَا أَمْشُطُهَا » فَفَعَلَتَا ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا إحْدَاهُمَا:«إنَّ رَسُولَ اللهِ ص يُعْجِبُهُ مِنْ الْـمَرْأَةِ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَقُولَ:أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْك » ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَغْلَقَ الْبَابَ وَأَرْخَى السِّتْرَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهَا ، فَقَالَتْ:« أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْك» ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص بِكُمِّهِ عَلَى وَجْهِهِ فَاسْتَتَرَ بِهِ ، وَقَالَ:«عُذْت بِمَعَاذٍ» ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ فَقَالَ:«يَا أَبَا أُسَيْدٍ أَلْحِقْهَا بأهْلِهَا وَمَتِّعْهَا بِرَازِقِيَّيْنِ ( ) ، فَكَانَتْ تَقُولُ :«اُدْعُونِي الشَّقِيَّةَ »( ). 

البيان:

هذه القصة إسنادها واهٍ كما قال الذهبي في تلخيصه ( ) ، فهو من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، قال الدارقطني: «متروك» ( ) وقال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة»، وقال الذهبي: «لا يُوثَقُ به»( ). 

وفي هذه القصة المزعومة أن القائلة هي إما عائشة أو حفصة؟ فمن أين قطعوا أنه قول عائشة؟ وفي إسناد آخر عند ابن سعد أن القائلة بذلك إحدى نساء النبي ص ولم يتعين مَن هي، ولكن إسنادها واهٍ أيضًا فهي من طريق الكلبي عن أبيه, وأبوه متهم بالكذب, فهذه القصة مكذوبة من أساسها فلا حجة فيها ( ).

والقصة الصحيحة رواها البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ت  قَالَ:ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ص امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ ، فَخَرَجَ النَّبيُّ  ص حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا ، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبيُّ  ص قَالَتْ:«أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ». 

فَقَالَ:«قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى».فَقَالُوا لَهَا :«أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟».قَالَتْ:«لاَ». قَالُوا:«هَذَا رَسُولُ اللهِ ص جَاءَ لِيَخْطُبَكِ ». قَالَتْ :«كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ »( ).

وليس في هذه القصة الصحيحة أيُّ ذِكْرٍ لحفصة ولا لعائشة ب ، ولا ما يفيد علمهما بهذا الأمر من أساسه.

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابْنِ الصَّلَاحِ أنه قَالَ:« هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أبي سعيد السَّاعِدِيِّ دُونَ مَا فِيهِ أَنَّ نِسَاءَهُ عَلَّمْنَهَا ذَلِكَ قَالَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ وَقَدْ رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ ( ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ».

ثم قال ابن حجر:«فِيهِ الْوَاقِدِيُّ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ وَمِنْ الْوَجْهِ الْـمَذْكُورِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، ... ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْوَاقِدِيِّ أَيْضًا مُنْقَطِعَةٍ أَنَّهُ دَخَلَ عليها دَاخِلٌ مِنْ النِّسَاءِ - وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ - فَقَالَتْ:«إنَّك مِنْ الْـمُلُوكِ فَإِنْ كُنْت تُرِيدِينَ أَنْ تَحْظَيْ عِنْدَهُ فَاسْتَعِيذِي مِنْهُ»( ).

الاتهام العاشر:

قال الشيعي البياضي:« ولقد افترت على نبِيِّها ما رواه الزُّهْري عنها أنها قالت: قال النبي ص :« إن عليًّا والعباس يموتان على غير ملتي » ، وقالت: قال عليه السلام:« إنْ سَرَّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إليهما» ( ).

البيان:

هذا الحديث لا يصح لأنه منقطع ؛ فلم يذكر الشيعي - الذي ليس ثقةً عندنا أصلًا - مَن روى هذا الحديث عن الزُّهْري ، وبين هذا الشيعي المتوفى سنة 877 هـ والزُّهْري مفاوز ، والزهري لم يسمع عائشة  ل وإنما يروي عنها عن طريق ابن أختها عروة بنِ الزبير.

الشبهة السادسة عشرة :

قالت قبل موتها:«وَوَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا»:

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهَا عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ ، قَالَتْ:« أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ» ، فَقِيلَ:«ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ص وَمِنْ وُجُوهِ الْـمُسْلِمِينَ» ، قَالَتْ:« ائْذَنُوا لَهُ »، فَقَالَ:« كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟» ، قَالَتْ:« بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ» ، قَالَ: «فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ص، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ» ، وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلاَفَهُ، فَقَالَتْ:« دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا»( ).

وفي رواية عنه أَنَّهُ حَدَّثَهُ ذَكْوَانُ، حَاجِبُ عَائِشَةَ ، أَنَّهُ جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ، فَجِئْتُ وَعِنْدَ رَأْسِهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللهِ بِنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: «هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ» ، فَأَكَبَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ:« هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ»، وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَتْ:« دَعْنِي مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ».

فَقَالَ:« يَا أُمَّتَاهُ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ صَالِحِي بَنِيكِ، لِيُسَلِّمْ عَلَيْكِ، وَيُوَدِّعْكِ».

فَقَالَتْ:« ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ، فَلَمَّا جَلَسَ، قَالَ:« أَبْشِرِي»، فَقَالَتْ:« أَيْضًا ».

فَقَالَ: « مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا ص وَالْأَحِبَّةَ ، إِلا أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الجَسَدِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ص، إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ إِلا طَيِّبًا ، وَسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ( )، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ص، حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ  فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (ﯪ  ﯫ  ﯬ  ) ( ) ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الرُّخْصَةِ، وَأَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ لِلهِ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللهُ، إِلا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ.

فَقَالَتْ:« دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا» ( ).

الجواب:

1- هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم، ولا مطعن عليهم فيه ، والكلام الصادر عن خوف العبد من الله يدل على إيمانه بالله ﻷ.

قال الحافظ ابن حجر إن معنى قولها ( وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا) :هُوَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْوَرَعِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ» ( ).

2-  ألم تقل مريم: ( ﯩ   ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ) ( ) .

3- روى الشيعة ما يشابهه فرووا عن علي  ت  أنه كان يقول « يا ليتني لم تلدني أمي، ويا ليت السباع مزقت لحمي، ولم أسمع بذكر النار» (بحار الأنوار8/203 و43/88). فإن يكن في هذا طعن في عائشة  ل فيلزم أن يكون طعنًا في علي  ت أيضًا.

ونحن - أهل السنة - لا نطعن في أيٍّ منهما  ب .

4- لماذا غفل الشيعة عن ثناء ابن عباس ب عليها ، وعما ذكره من فضائلها؟ ومن هذه الفضائل:

أ- فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ.

ب- زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ص.

ج- وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ.

د- وَأَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ لِلهِ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللهُ، إِلا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ.

هـ- مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا ص وَالْأَحِبَّةَ ، إِلا أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الجَسَدِ.

و- كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ص، إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ إِلا طَيِّبًا.

ز- وَسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ص، حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ  فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( ﯪ  ﯫ  ﯬ  ) ( ) ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الرُّخْصَةِ.

التنبيه على أقوال لا تصح نُسبت إلى عائشة ل عند موتها:

1- يا ليتني كنت شجرة :

قال ابن سعد :أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا أسامة بن زيد عن بعض أصحابه عن عائشة أنها قالت حين حضرتها الوفاة:« يا ليتني لم أخلق، يا ليتني كنت شجرة أسبح وأقضي ما علي»( ).

البيان:

هذه الرواية لا تصح لأن فيها راوٍ مجهولًا بين أُسَامة بن زَيْد الليثي - وليس الصحابي - وبين عائشة ل ( ).

2- والله لوددت أني كنت مدرة ( ) :

قال ابن سعد:أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا هشام بن المغيرة، حدثني يحيى بن عمرو عن أبيه عمرو بن سلمة أن عائشة قالت: والله لوددت أني كنت شجرة، والله لوددت أني كنت مدرة، والله لوددت أن الله لم يكن خلقني شيئا قط»( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح ؛ في إسناده هشام بن يحيى بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني ، قال عنه الحافظ ابن حجر:«مستور من الخامسة»( ). 

والخامسة تعني - كما بيّن الحافظ في مقدمة تقريب التهذيب :« من قصر عن (درجة) الرابعة قليلًا، وإليه الاشارة بصدوق، سيئ الحفظ، أو صدوق يَهِمُ، أو: له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة، ويلتحق بذلك من رُمِيَ بنوع من البدعة: كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم مع بيان الداعية من غيره»( ).

3- استغفر الله لها :

قال ابن سعد:أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا عيسى بن دينار قال: سألت أبا جعفر عن عائشة فقال: استغفر الله لها، أما علمت ما كانت تقول:« يا ليتني كنت شجرة، يا ليتني كنت حجرًا، يا ليتني كنت مدرة؟» ، قلت: وما ذاك منها؟ قال:« توبة» ( ).

البيان:

هذا الأثر لا يصح ، أبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو جعفر الباقر ، لم يسمع من عائشة ( ).

4- يا ليتني كنت نباتا من نبات الأرض:

قال ابن سعد:أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي، حدثنا مسلم بن خالد، حدثني زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر عن عائشة قالت: يا ليتني كنت نباتا من نبات الأرض ولم أكن شيئا مذكورًا ( ).

البيان: مسلم بن خالد - وهو الزنجي - ، قال ابن المديني:« ليس بشيء » ، وقال البخاري:« منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به يعرف وينكر »( ).

5- يا ليتني كنت نسيًا منسيًا :

قال الخطيب البغدادي: 

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق أخبرنا أحمد بن عثمان بن يحيى الأدمي حدثنا محمد بن سويد حدثنا سفيان بن محمد المصيصي حدثنا يوسف بن أسباط حدثنا سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما ذكرت عائشة مسيرها في وقعة الجمل قط إلا بكت حتى تبل خمارها وتقول: يا ليتني كنت نسيًا منسيًا ، قال سفيان:« النسي المنسي: الحيضة الملقاة»( ).

البيان:

هذا الإسناد فيه:

1- سفيان بن محمد المصيصي ، قال ابن أبي حاتم:« سمع منه أبي وأبو زرعة وتركا حديثه ، سمعت أبي يقول: «هو ضعيف الحديث» ، وقال الحاكم: «روى عن بن وهب وابن عيينة أحاديث موضوعة» ، وقال صالح جزرة:« ليس بشيء وقال الدارقطني:«كان ضعيفًا سيء الحال في الحديث» ، وقال مرة:« لا شيء» ، وقال بن عدي أيضًا:« ليس من الثقات وله أحاديث لا يتابعه عليها الثقات وفيها موضوعات»( ). 

2- يوسف بن أسباط ، وفيه ضعف، قال البخاري: يوسف بن أسباط دفن كتبه فكان لا يجيء حديثه بعد كما ينبغي ، وأورده ابن عدي في (الضعفاء) ، وقال:أبو حاتم: «لا يحتج به »( ).

وإن صحت هذه الآثار فلا تشينها ؛ فليس فيها سوى ورعها وشدة خوفها من الله ﻷ ، وندمها على خطأ اجتهادها  ل .

الشبهة السابعة عشرة: عائشة ل كانت تعلم الرجال، وتفقه الأجانب:

الجواب: 

هذا من أعظم مناقبها، وفضائلها ،. وعائشة  ل كانت تعلم الرجال من وراء الحجاب ، فعن مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ:«سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ...» ( ). وحديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ : «... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ :«مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» ( ).

وقال الإمام البخاري في ترجمة عبد الله أبي الصهباء الباهلي: «ورأى سِتْرَ عائشة ل في المسجد الجامع ، تُكَلِّم الناس من وراء السِّتر ، وتُسأل من ورائه»( ).

ومن هنا يتبين خطأ تصور الناس اليوم لمعنى الدخول الوارد في الأحاديث حيث يتصورون جلوس الرجال مع النساء في مكان واحد بعضهم أمام بعض والنساء كاشفات عن وجوههن وبعض أجسامهن ينظر بعضهم إلى بعض كما هو الحال اليوم؟ 

إن هذا مخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون إذا احتاجوا إلى مخاطبة النساء الأجنبيات ، قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول:«لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» ( ). 

الشبهة الثامنة عشرة : اتهموها بالاغتسال أمام الرجال الأجانب:

قال أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ:« سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ص: «فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ، وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ»( ).

الجواب:

1- الرجلان اللذان دخلا على عائشة  ل من محارمها فأحدهما أخوها من الرضاعة ، والآخر ابن أختها من الرضاعة ، فأرادت أم المؤمنين أن تثبت لهما أنه من الممكن أن يغتسلوا بالصاع ونحوه وكيفية غسل الحبيب محمد ص بالطريقة العملية وكان بينهما وبينها حجاب ، ولم يريا منها ما لا يحل.

قال النووي:« قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا رَأَيَا عَمَلَهَا فِي رَأْسِهَا وَأَعَالِي جَسَدِهَا مِمَّا يَحِلُّ لِذِي الْـمَحْرَمِ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ ذَاتِ الْـمَحْرَمِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ كَمَا ذُكِرَ قِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يزيد ، وكان أبو سلمة بن أُخْتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ.

قَالَ الْقَاضِي:«وَلَوْلَا أَنَّهُمَا شَاهَدَا ذَلِكَ وَرَأَيَاهُ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِدْعَائِهَا الْمَاءَ وَطَهَارَتِهَا بِحَضْرَتِهِمَا مَعْنَى إِذْ لَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سِتْرٍ عَنْهُمَا لَكَانَ عَبَثًا وَرَجَعَ الْحَالُ إِلَى وَصْفِهَا لَهُ وَإِنَّمَا فَعَلَتِ السِّتْرَ لِيَسْتَتِرَ أَسَافِلُ الْبَدَنِ وَمَا لَا يَحِلُّ لِلْمَحْرَمِ نَظَرُهُ وَاللهُ أَعْلَمُ».

وَفِي هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ ل دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْلِيمِ بِالْوَصْفِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْقَوْلِ وَيَثْبُتُ فِي الْحِفْظِ مَا لايثبت بِالْقَوْلِ»( ). 

2- لا غرابة في اغتسالها في الغرفة نفسها، فالمعروف أنهم كانوا في ذلك الوقت يغتسلون داخل البيوت، فلا مانع أن يرخي ستارة من حوله ويغتسل ، وفي هذه الحالة لا حرج من وجود غيره معه في نفس الغرفة، ويشهد لهذا ما في الحديث المشهور من دخول أم هانئ بنت أبي طالب ل على النبي  ص وهو يغتسل وفاطمة بنته  ل تستره بثوب ( ).

قال النووي:« هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغتسال الْإِنْسَانِ بِحَضْرَةِ امْرَأَةٍ مِنْ مَحَارِمِهِ إِذَا كَانَ يحول بَيْنَهُ وَبَيْنهَا سَاتِرٌ مِنْ ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ» ( ).

الشبهة التاسعة عشرة :

زعموا أن عائشة تسيء الأدب مع رسول الله ص فالقرآن يصف رسول الله ص أنه لا ينطق عن الهوى وتقول له:«ربك يسارع في هواك» :

 عن هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ص، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:« أَمَا تَسْتَحِي المَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ» ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ) ( ) قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ»( ).

وفي رواية لمسلم عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:« كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ص، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْـمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﭛ  ﭜ    ﭝ  ﭞ  ) ( ) ، قَالَتْ: قُلْتُ: «وَاللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ»( ).

الجواب:

هل هؤلاء يَعْلَمون حدود الأدب التي لم يَعْلمها رسول الله  ص ؟

لماذا لم يَقُلْ لها النبي  ص إنها أساءت معه الأدب ؟

أهُم أعلم أم الله الذي لم ينزل على رسوله  ص وحيًا فيه الأمر بتطليقها؟

أأنتم أعلم أم رسول الله  ص الذي أبقاها في عصمته حتى مات بين سحرها ونحرها وكانت أحَبَّ الناس إلى قلبه؟

إن كلام عائشة ل لا يعدو أن يكون مدحًا للنبي  ص بأن الله يعطيه ما يحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعًا في إعطائه مرغوبه( ).

قال النووي:قَوْلُهَا (مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَرَى ، وَمَعْنَاهُ يُخَفِّفُ عَنْكَ وَيُوَسِّعُ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ ، وَلِهَذَا خَيَّرَكَ»( ). 

فائدة:

ﭧ ﭨ (ﮙ  ﮚ    ﮛ      ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ  ﮬ   ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ   ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ      ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ  ﯟ    ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ   ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ﯰ     ﯱ  ﯲ  ﯳﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﭛ  ﭜ    ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ   ﭥ  ﭦ   ﭧ       ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭﭮ  ﭯ  ﭰ    ﭱ  ﭲ  ﭳﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ) (الأحزاب: ٥٠ – ٥١).

قال الشيخ السعدي:

«يقول تعالى، ممتنًا على رسوله ص بإحلاله له ما أَحَلَّ مما يشترك فيه، هو والمؤمنون، وما ينفرد به، ويختص:( ﮙ  ﮚ    ﮛ      ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ) أي: أعطيتَهن مهورهن، من الزوجات، وهذا من الأمور المشتركة بينه وبين المؤمنين، فإن المؤمنين كذلك يباح لهم ما آتوهن أجورهن، من الأزواج.

( ﮢ  ﮣ   ﮤ  ) أي: كذلك أحللنا لك ( مَا  ﮣ   ﮤ  ) الإماء التي ملكت ( ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  )  من غنيمة الكفار من عبيدهم والأحرار ، مَن لهن زوج منهم، ومَن لا زوج لهن، وهذا أيضا مشترك.

وكذلك من المشترك قوله ( ﮩ  ﮪ  ﮫ  ﮬ   ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ) شمل العم والعمة، والخال والخالة، القريبين والبعيدين، وهذا حصر المحَلّلَات ، يؤخذ من مفهومه، أن ما عداهن من الأقارب، غيرُ محلل، كما تقدم في سورة النساء، فإنه لا يباح من الأقارب من النساء، غير هؤلاء الأربع، وما عداهن من الفروع مطلقًا، والأصول مطلقًا، وفروع الأب والأم، وإن نزلوا، وفروع من فوقهم لصلبه، فإنه لا يباح.

وقوله: ( ﮱ   ﯓ  ﯔ )  قَيْدٌ لحِلّ هؤلاء للرسول ص ، كما هو الصواب من القولين، في تفسير هذه الآية، وأما غيره ص ، فقد علم أن هذا قيد لغير الصحة.

 ( ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ     ) أي أحللناها لك بمجرد هبتها نفسها.

(ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ  ﯟ   )  أي: هذا تحت الإرادة والرغبة، (ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤﯥ )  يعني: إباحة الموهبة وأما المؤمنون، فلا يحل لهم أن يتزوجوا امرأة، بمجرد هبتها نفسها لهم.

(ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ   ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ  ﯯ  ) أي: قد علمنا ما على المؤمنين، وما يحل لهم، وما لا يحل، من الزوجات وملك اليمين ، وقد علمناهم بذلك، وبيَّنَّا فرائضه.

فما في هذه الآية، مما يخالف ذلك، فإنه خاص لك، لكون الله جعله خطابًا للرسول وحده بقوله:( ﮙ  ﮚ    ﮛ      ﮜ  ﮝ  )  إلى آخر الآية ، وقوله: (ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤﯥ )  وأبَحْنَا لك يا أيها النبي ما لم نُبِحْ لهم، ووسعنا لك ما لم نوسع على غيرك، ( ﯰ     ﯱ  ﯲ  ﯳﯴ  ) وهذا من زيادة اعتناء اللهِ تعالى برسوله ص.

(ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ) أي: لم يزل متصفًا بالمغفرة والرحمة، وينزل على عباده من مغفرته ورحمته، وجوده وإحسانه، ما اقتضته حكمته، ووجدت منهم أسبابه. 

(  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  ﭛ  ﭜ    ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ   ﭥ  ﭦ   ﭧ       ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭﭮ  ﭯ  ﭰ    ﭱ  ﭲ  ﭳﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ ).

وهذا أيضًا من توسعة اللهِ على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم بين زوجاته، على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك، فهو تَبَرُّعٌ منه، ومع ذلك، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في القسم بينهن في كل شيء »( ) ، ويقول:«اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا لَا أَمْلِكُ»( ). 

فقال هنا:  ( ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ) أي: تؤخر مَن أردت مِن زوجاتك فلا تؤويها إليك، ولا تبيت عندها، ( ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙﭚ  )  أي: تضمها وتبيت عندها.

(وَ) مع ذلك لا يتعين هذا الأمر ( ﭛ  ﭜ    ) أي: أن تؤويها ( ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ  )  ، والمعنى أن الخيرة بيدك في ذلك كله.

وقال كثير من المفسرين: إن هذا خاص بالواهبات، له أن يرجي من يشاء، ويؤوي مَن يشاء، أي: إن شاء قَبِلَ مَن وهبت نفسها له، وإن شاء لم يقبلها، واللهُ أعلم.

ثم بين الحكمة في ذلك فقال: (ﭣ )  أي: التوسعة عليك، وكون الأمر راجعًا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن تبرعًا منك (ﭤ   ﭥ  ﭦ   ﭧ       ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭﭮ  )  لعِلْمِهِنّ أنك لم تترك واجبًا، ولم تفرط في حق لازم.

( ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳﭴ  ) أي: ما يعرض لها عند أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وعند المزاحمة في الحقوق، فلذلك شرع لك التوسعة يا رسول اللهِ ، لتطمئن قلوب زوجاتك.

(  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ  ) أي: واسع العلم، كثير الحلم. ومن علمه، أن شرع لكم ما هو أصلح لأموركم، وأكثر لأجوركم. 

ومِن حِلْمه، أنه لم يعاقبكم بما صدر منكم، وما أصرت عليه قلوبكم من الشر( ). 

الشبهة العشرون: 

زعموا أنها غيرت سُنّة النبي ص فكانت تتم الصلاة في السفر( ):

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: «الصَّلاَةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الحَضَرِ» ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ:« مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟» ، قَالَ: «تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ» ( ) .

زعم الشيعة أن أول من غير سنة النبي ص هو عثمان وعائشة ب لإتمام عثمان ت الصلاة في مِنًى، ولأن عائشة ل كانت تتم الصلاة في السفر.

الجواب:

عثمان وعائشة ب كانا مجتهدَيْن ، وقد اختلف العلماء في وجه اجتهادهما اختلافًا كبيرًا، وذكروا وجوهًا كثيرة في ذلك( ). 

قال النووي: « اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِمَا ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْـمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْقَصْرَ جَائِزًا وَالْإِتْمَامَ جَائِزًا ، فَأَخَذَا بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ »( ).

وقال القرطبي: «اختُلِفَ في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأوْلَى ما قيل في ذلك أنهما تأولا: أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد»( ). 

وهذا الذي ذكره القرطبي هنا في سبب تأولهما فيه ترجيح الإتمام على القصر على اعتبار أن القصر رخصة، وأن الإتمام عزيمة ولذا قال: أخذا بالأكمل ، بخلاف توجيه النووي فالظاهر منه أنه يستوي فيه الأمران وإنما أخذا بأحد الجائزين.

وقد فرق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان، وإتمام عائشة ب ، وقد ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال في شرح عبارة « إن عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ»:

«التَّشْبِيهُ بِعُثْمَانَ فِي الْإِتْمَامِ بِتَأْوِيلٍ لَا اتِّحَادِ تَأْوِيلِهِمَا ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْأَسْبَابَ اخْتَلَفَتْ فِي تَأْوِيلِ عُثْمَانَ فَتَكَاثَرَتْ بِخِلَاف تَأْوِيل عَائِشَة ...

وَالْـمَنْقُولُ أَنَّ سَبَبَ إِتْمَامِ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْرَ مُخْتَصًّا بِمَنْ كَانَ شَاخِصًا سَائِرًا وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ فِي مَكَانٍ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَلَهُ حُكْمُ الْـمُقِيمِ فَيُتِمُّ .

... وَهَذَا رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ آخِرِهِمُ الْقُرْطُبِيُّ ...

وَأَمَّا عَائِشَةُ فَقَدْ جَاءَ عَنْهَا سَبَبُ الْإِتْمَامِ صَرِيحًا وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا فَقُلْتُ لَهَا:« لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ» ، فَقَالَتْ:«يَا بن أُخْتِي إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ» ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَأَنَّ الْإِتْمَامَ لِمَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَفْضَلٌ» ( ).

وهذا موافق لما ذكره القرطبي سابقًا في سبب إتمامها ل.

هذا وقد ذكر بعض العلماء المحققين في معرض ردهم على الرافضة أن الذي حمل عثمان ت على الإتمام في منى لما بلغه أن بعض الأعراب الذين كانوا شهدوا معه الصلاة في الأعوام الماضية ظنوا أنها ركعتان فأراد أن يعلمهم أنها أربع.

قال أبو نعيم الأصفهاني:«وإن الذي حمل عثمان ت على الإتمام أنه بلغه أن قومًا من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمِنًى رجعوا إلى قومهم فقالوا:«الصلاة ركعتان، كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ت بمِنًى» ؛ فلأجل ذلك صلى أربعًا ليُعْلِمَهُم ما يسْتَنُّون به للخلاف والاشتباه» ( ). 

وقال ابن العربي في معرض رده على الشبه التي أُثيرت ضد عثمان ت: «وأما تَرْكُ القَصْر فاجتهادٌ ؛ إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السُّنّة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فترَكها مصلحةً خوفَ الذريعة، مع أن جماعةً من العلماء قالوا: إن المسافر مخَيّر بين القصر والإتمام»( ).

ويؤيد هذا أن عثمان ت ما كان يقصر الصلاة في بداية عهده، بل بقي سبع سنين من خلافته وهو يقصر الصلاة بمنى، ثم أتم بعد ذلك، فهو دليل أنه ما فعل ذلك إلا لأمرٍ طَرَأَ ؛ روى ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين أنه قال:« حجَجْتُ مع عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمِنًى أربعًا»( ). 

وعلى كل حال فعثمان وعائشة ب كانا مجتهدَيْن فيما ذهبا إليه أيًا كان السبب الحامل لهما على ذلك ، وإذا ما تقرر هذا اندحضت دعوى الرافضة في النَّيْل منهما، وانكشفت شبهته، وبطل افتراؤه وظلمه.

وها هي بعض الأوجه الأخرى المؤكدة لما تقدم من براءة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأم المؤمنين عائشة ب مما رماهما به الرافضة.

الوجه الأول: أنهما مجتهدان، والمجتهد معذور، بل مأجور على كل حال لقول النبي ص : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ( ) .

الوجه الثاني: أن القول بإتمام الصلاة في السفر لم ينفرد به عثمان وعائشة ب وإنما هو قول طائفة من الصحابة.

قال أبو نعيم: «وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر منهم عائشة ل وعن أبيها، وعثمان ت وسلمان ت وأربعة عشر من أصحاب رسول الله ص» ( ).

وسلمان ت ممن يعتقد الرافضة عدالته ؛ فإذا كان سلمان ت معذورًا في اجتهاده بإتمام الصلاة فكذلك عثمان، وعائشة ب معذوران في ذلك ، حكمُهما حكمُه. كما أن الطعن في عثمان وعائشة بهذا طعن في سلمان، ويتوجه عليه من الذم والقدح ما يتوجه عليهما على حد سواء.

الوجه الثالث: أن الصحابة  ي سواء من قال بإتمام الصلاة في السفر، أو من قال بالقصر، ما كان بعضهم يعيب على بعض، كما روى ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيِّ، قَالَ: «اصْطَحَبَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ص فِي السَّيْرِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُتِمُّ وَبَعْضُهُمْ يَقْصُرُ، وَبَعْضُهُمْ يَصُومُ وَبَعْضُهُمْ يُفْطِرُ، فَلَا يَعِيبُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ»( ).

وهذا يدل على أنهم كانوا يرون التوسعة في هذا، وإلا لَأنْكر كل فريق منهم على الآخر ما يرى أنه منكر ومخالفة، فهم أقومُ الناس بعد رسول الله ص بدينه، وأشدهم على المخالفين لهديه، فرضي الله عنهم أجمعين.

الوجه الرابع: أنه ثبت أن عامة الصحابة الذين شهدوا الصلاة مع عثمان ت في منى تابعوه على ذلك.

الوجه الخامس: أنه ثبت عن علي ت أنه اجتهد في مسائل فأخطأ وخالف بذلك السنة متأولًا فلم يضره ذلك لمّا كان مجتهدًا ، فإن كان علي ت معذورًا في تلك المسائل التي خالف فيها، فعثمان أولى بالعذر في مسألة واحدة وافقه عليها من وافقه من الصحابة، وعذره الباقون.

وبهذا تظهر براءة عثمان وعائشة ب مما رماهما به الرافضة بسبب الاجتهاد في مسألة القصر.

الشبهة الحادية والعشرون: 

زعموا أنها خالفت سُنّة النبي ص التي روتها فكَانَتْ تَلِي بَنَاتَ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حَجْرِهَا، لَهُنَّ الْحَلْيُ، فَلاَ تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ: 

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ص ، فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ص فَرَأَى فِي يَدَيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ ( ) ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» ، فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟» ، قُلْتُ: «لَا، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ» ، قَالَ: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ»( ). 

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ص ، كَانَتْ تَلِي بَنَاتَ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حَجْرِهَا، لَهُنَّ الْحَلْيُ، فَلاَ تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ( ). 

الجواب:

1- لا يُعقَل أن تخالف عائشةُ ل سُنّةَ النبي ص التي رَوَتْها ؛ فالمأثور عنها ل تعظيمها لأوامر الله ـ واتباعها للنبي ص  ، ومن ذلك أنها رفضَتْ أن تلبس ثوبًا فيه صلبان لأَنَّ النَّبِيَّ ص لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ ( ).

ومن ذلك أنها أفتت بتحريم وصل شعر مريضة امتثالًا لنهي النبي ص عن ذلك ( ).

2- عَائِشَةُ ل كَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاةَ الْحُلِيِّ ؛ وَلَا تَتْرُكُ مِثْلُ عَائِشَةَ إخْرَاجَهَا إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَنَّهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ فِيهِ ( ) .

3- كون الْـمَأْثُورُ عَنْ عَائِشَةَ ل يُخَالِفُ مَا رَوَتْهُ عَنِ الرَّسُول ص يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخَالِفْهُ إِلاَّ فِيمَا عَلِمْتُهُ مَنْسُوخًا ، فَإِنَّهَا زَوْجُهُ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ.

وَكَذَلِكَ الْـمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ب فَإِنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كَانَتْ زَوْجَ النَّبِيِّ ص وَحُكْمُ حُلِيِّهَا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ وَلاَ يَخْفَى عَنْهَا حُكْمُهُ فِيهِ( ). 

قال الزرقاني:« حَدِيثُ الْـمُوَطَّأِ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ أَثْبَتُ إِسْنَادًا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَسْمَعَ عَائِشَةُ مِثْلَ هَذَا الْوَعِيدِ وَتُخَالِفَهُ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهَا عُلِمَ أَنَّهَا عَلِمَتِ النَّسْخَ» ( ).

وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ:« رواية القاسم بن محمد وبن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي تَرْكِ إِخْرَاجِ الزكاة مِنَ الْحُلِيِّ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِهَا إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ( ) يُوقِعُ رَيْبًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْـمَرْفُوعَةِ وَهِيَ لَا تُخَالِفُ النَّبِيَّ ص إِلَّا فِيمَا عَلِمَتْهُ مَنْسُوخًا» ( ).

4- أهل السنة لا يدَّعون عصمة عائشة ل ولا أحد من الصحابة ي من الخطأ ، ومسألة زكاة الحلي المعد للاستعمال من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها أهل العلم ، وعائشة ل على كل حال مأجورة ، كما قال الشيخ الألباني / ( ) ، والمجتهد معذور، بل مأجور على كل حال لقول النبي ص : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ( ) .

فائدة: حكم زَّكَاةِ الْحَلْيِ:

1- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْـمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا ، كَأَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُل حَلْيَ الذَّهَبِ لِلاِسْتِعْمَال ، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ أَصْلِهِ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ فَسَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَهُوَ صِيَاغَتُهُ صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً ، وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الأَصْل مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ .

2- كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحَلْيِ الْمَكْنُوزِ الْـمُقْتَنَى الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُقْتَنِيهِ اسْتِعْمَالًا مُحَرَّمًا وَلاَ مَكْرُوهًا وَلاَ مُبَاحًا ، لأِنَّهُ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ فَصَارَ كَغَيْرِ الْـمَصُوغِ ، وَلاَ يَخْرُجُ عَنِ التَّنْمِيَةِ إِلاَّ بِالصِّيَاغَةِ الْـمُبَاحَةِ وَنِيَّةِ اللُّبْسِ.

3- وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلْيِ الْـمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالًا مُبَاحًا كَحَلْيِ الذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُل .

فَذَهَبَ الْـمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَد الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْـمُفْتَى بِهِ فِي الْـمَذْهَبِ ، إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْـمُبَاحِ الْـمُسْتَعْمَل .

وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَسْمَاءَ ي وَالْقَاسِمِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الآْخَرِ فِي الْجَدِيدِ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْـمُبَاحِ الْـمُسْتَعْمَل ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ مِهْرَانَ وَمُجَاهِدٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ حَبِيبٍ  ( ).

قال الشيخ الشنقيطي /:« وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُلِيَّ الْـمُبَاحَ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، تَنْحَصِرُ حُجَّتُهُ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ :

الْأَوَّلُ : حَدِيثٌ جَاءَ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ص.

الثَّانِي : آثَارٌ صَحِيحَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ يَعْتَضِدُ بِهَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ .

الثَّالِثُ : الْقِيَاسُ.

الرَّابِعُ : وَضْعُ اللُّغَةِ .

أَمَّا الْـحَدِيثُ : فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ مِنْ طَرِيقِ عَافِيَةَ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ : «لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ» .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ ، إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، وَالَّذِي يُرْوَى عَنْ عَافِيَةَ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا لَا أَصْلَ لَهُ ، وَعَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ مَجْهُولٌ.

وَأَمَّا الْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ : فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي «الْـمُوَطَّأِ» ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ص كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيَّ ، فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ» ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَنْ عَائِشَةَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، كَمَا تَرَى .

وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْـمُوَطَّأِ» أَيْضًا ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ، ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ب فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ كَمَا تَرَى .

وَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْـمَانِعَ مِنَ الزَّكَاةِ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَالُ يَتِيمَةٍ ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّبِيِّ ، كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ عَائِشَةَ تَرَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، فَالْـمَانِعُ مِنْ إِخْرَاجِهَا الزَّكَاةَ ، كَوْنُهُ حُلِيًّا مُبَاحًا عَلَى التَّحْقِيقِ ، لَا كَوْنُهُ مَالَ يَتِيمَةٍ ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى أَنَّ الْـمَانِعَ لِابْنِ عُمَرَ مِنْ زَكَاةِ الْحُلِيِّ أَنَّهُ لِجَوَارٍ مَمْلُوكَاتٍ ، وَأَنَّ الْـمَمْلُوكَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، مَرْدُودٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ لَا يُزَكِّي حُلِيَّ بَنَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُزَوِّجُ الْبِنْتَ لَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ يُحَلِّيهَا مِنْهَا بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَلَا يُزَكِّي ذَلِكَ الْحُلِيَّ ، وَتَرْكُهُ لِزَكَاتِهِ لِكَوْنِهِ حُلِيًّا مُبَاحًا عَلَى التَّحْقِيقِ.

وَمِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُلِيِّ ، فَقَالَ «زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ» ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى» ، وَابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّلْخِيصِ» وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ ، فَقَالَ :« وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ» ، فَقَالَ جَابِرٌ :« كَثِيرٌ» .

وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْحُلِيِّ ، فَقَالَ :«لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ».

وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِهَا الذَّهَبَ وَلَا تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا .

وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ :

الْأَوَّلُ : أَنَّ الْحُلِيَّ لَـمَّا كَانَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ لَا لِلتِّجَارَةِ وَالتَّنْمِيَةِ ، أُلْحِقَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْـمَرْجَانِ ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ لَا لِلتَّنْمِيَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْإِلْحَاقِ مَالِكٌ / فِي «الْـمُوَطَّأِ» بِقَوْلِهِ : فَأَمَّا التِّبْرُ وَالْحُلِيُّ الْـمَكْسُورُ الَّذِي يُرِيدُ أَهْلُهُ إِصْلَاحَهُ وَلُبْسَهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْـمَتَاعِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِهِ ،فَلَيْسَ عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ زَكَاةٌ ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ فِي اللُّؤْلُؤِ ، وَلَا فِي الْمِسْكِ ، وَالْعَنْبَرِ زَكَاةٌ.

الثَّانِي: هُوَ النَّوْعُ الْـمَعْرُوفُ بِقِيَاسِ الْعَكْسِ ، وَوَجْهُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا ، هُوَ أَنَّ الْعُرُوضَ لَا تَجِبُ فِي عَيْنِهَا الزَّكَاةُ ، فَإِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ وَالنَّمَاءِ ، وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ عَكْسَ الْعَيْنِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي عَيْنِهَا ، فَإِذَا صِيغَتْ حُلِيًّا مُبَاحًا لِلِاسْتِعْمَالِ ، وَانْقَطَعَ عَنْهَا قَصْدُ التَّنْمِيَةِ بِالتِّجَارَةِ ، صَارَتْ لَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَتَعَاكَسَتْ أَحْكَامُهَا لِتَعَاكُسِهِمَا فِي الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا وَضْعُ اللُّغَةِ ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ فِي الصَّحِيحِ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ لَا تَشْمَلُ الْحُلِيَّ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ .

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الرِّقَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ : الْوَرِقُ الْـمَنْقُوشَةُ ذَاتُ السَّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَا تُطْلِقُهَا الْعَرَبُ عَلَى الْـمَصُوغِ ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي الْأُوقِيَّةِ .

ومَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْـمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي «صِحَاحِهِ»:« الْوَرِقُ الدَّرَاهِمُ الْـمَضْرُوبَةُ ، وَكَذَلِكَ الرِّقَّةُ ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ» ، وَفِي «الْقَامُوسِ» : «الْوَرِقُ: الدَّرَاهِمُ الْـمَضْرُوبَةُ ، وَجَمْعُهُ أَوْرَاقٌ وَوِرَاقٌ كَالرِّقَّةِ ».

هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : لَا زَكَاةَ فِي الْـحُلِيِّ .

وَأَمَّا حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْـحُلِيَّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ أَيْضًا :

الْأَوَّلُ : أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ .

الثَّانِي : آثَارٌ وَرَدَتْ بِذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ .

الثَّالِثُ : وَضْعُ اللُّغَةِ .

الرَّابِعُ : الْقِيَاسُ .

أَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِذَلِكَ ، فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ص وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا ، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ لَهَا :« أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟» ، «قَالَتْ :« لَا» ، قَالَ :« أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟» ، قَالَ : فَخَلَعَتْهُمَا ، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ص ، فَقَالَتْ :« هُمَا لِلهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلِرَسُولِهِ» .

وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الْحُسْنُ.

وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ص فَقَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ص فَرَأَى فِي يَدِي فَتَخَاتٌ مِنْ وَرِقٍ ، فَقَالَ :« مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟» ، فَقُلْتُ :« صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ» ، قَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟» ، قُلْتُ :« لَا ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ» ، قَالَ :« هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ».

قِيلَ لِسُفْيَانَ :«كَيْفَ تُزَكِّيهِ؟» ، قَالَ :« تَضُمُّهُ إِلَى غَيْرِهِ ».

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَ نَحْوَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ. 

وَأَمَّا الْقِيَاسُ : فَإِنَّهُمْ قَاسُوا الْحُلِيَّ عَلَى الْـمَسْكُوكِ وَالْـمَسْبُوكِ بِجَامِعِ أَنَّ الْجَمِيعَ نَقْدٌ.

وَأَمَّا وَضْعُ اللُّغَةِ : فَزَعَمُوا أَنَّ لَفْظَ الرِّقَّةِ ، وَلَفْظَ الْأُوقِيَّةِ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيحِ يَشْمَلُ الْـمَصُوغَ كَمَا يَشْمَلُ الْـمَسْكُوكَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ خِلَافُهُ .

فَإِذَا عَلِمْتَ حُجَجَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَسَنَذْكُرُ لَكَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .

أَمَّا الْقَوْلُ بِوُجُوبِ زَكَاةِ الْـحُلِيِّ ، فَلَهُ مُرَجِّحَاتٌ :

مِنْهَا: أَنَّ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ص أَكْثَرُ ، وَكَثْرَةُ الرُّوَاةِ مِنَ الْـمُرَجِّحَاتِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ أَحَادِيثَهُ كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ أَقْوَى سَنَدًا مِنْ حَدِيثِ سُقُوطِ الزَّكَاةِ الَّذِي رَوَاهُ عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ.

وَمِنْهَا: أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؛ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. 

وَمِنْهَا: دَلَالَةُ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي أَصْلِ الْفِضَّةِ ، وَالذَّهَبِ ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُلِيَّ مِنْ نَوْعِ مَا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، هَذَا حَاصِلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَجَّحَ بِهِ هَذَا الْقَوْلُ .

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْـحُلِيِّ الْـمُبَاحِ ، فَيُرَجَّحُ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي التَّحْرِيمِ إِنَّمَا كَانَتْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ مُحَرَّمًا عَلَى النِّسَاءِ ، وَالْحُلِيُّ الْـمُحَرَّمُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ اتِّفَاقًا.

وَأَمَّا أَدِلَّةُ عَدَمِ الزَّكَاةِ فِيهِ ، فَبَعْدَ أَنْ صَارَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ مُبَاحًا .

وَالتَّحْقِيقُ:أَنَّ التَّحَلِّيَ بِالذَّهَبِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُحَرَّمًا عَلَى النِّسَاءِ ، ثُمَّ أُبِيحَ ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ أَوَّلًا وَتَحْلِيلِهِ ثَانِيًا ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَالْجَمْعُ وَاجِبٌ إِنْ أَمْكَنَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ التَّرْجِيحَاتِ .

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْجَمْعُ يَقْدَحُ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْـمُتَقَدِّمُ ، فَإِنَّ فِيهِ «فَرَأَى فِي يَدِي فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ» الْحَدِيثَ.

وَالْوَرِقُ : الْفِضَّةُ ، وَالْفِضَّةُ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا تَحْرِيمٌ ، فَالتَّحَلِّي بِهَا لَمْ يَمْتَنِعْ يَوْمًا مَا.

فَالْـجَوَابُ مَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ / قَالَ :« مَنْ قَالَ : لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ ، زَعَمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي وُجُوبِ زَكَاتِهِ كَانَتْ حِينَ كَانَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ ، فَلَمَّا أُبِيحَ لَهُنَّ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ.

قَالَ: وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، إِنْ كَانَ ذِكْرُ الْوَرِقِ فِيهِ مَحْفُوظًا ، غَيْرَ أَنَّ رِوَايَةَ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي تَرْكِهَا إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْحُلِيِّ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِهَا مِنْ إِخْرَاجِ زَكَاةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى - يُوقِعُ رِيبَةً فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْـمَرْفُوعَةِ ، فَهِيَ لَا تُخَالِفُ النَّبِيَّ ص فِيمَا رَوَتْهُ عَنْهُ ، إِلَّا فِيمَا عَلِمَتْهُ مَنْسُوخًا» . اهـ .

وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَعْلَمَ عَائِشَةُ أَنَّ عَدَمَ زَكَاةِ الْحُلِيِّ فِيهِ الْوَعِيدُ مِنَ النَّبِيِّ ص لَهَا بِأَنَّهُ حَسْبُهَا مِنَ النَّارِ ، ثُمَّ تَتْرُكُ إِخْرَاجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ فِي حِجْرِهَا ، مَعَ أَنَّهَا مَعْرُوفٌ عَنْهَا الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى.

وَمِنْ أَجْوِبَةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ الْـمُرَادَ بِزَكَاةِ الْحُلِيِّ عَارِيَتُهُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْـمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .

هَذَا حَاصِلُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ .

وَأَقْوَى الْوُجُوهِ بِحَسَبِ الْـمُقَرَّرِ فِي الْأُصُولِ وَعِلْمِ الْحَدِيثِ : الْجَمْعُ إِذَا أَمْكَنَ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا.

وَإِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ أَحْوَطُ ; لِأَنَّ «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ( ) - « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»( ) ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ( ).

 

الفوائد 

والآثار الإيجابية 

لحادثة الإفك القديمة والمعاصرة

( ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  )( )

حادثة الإفك القديمة:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ( ) أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ص قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ص إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ( )، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ص مَعَهُ. 

فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ( ) ، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ص ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ( )، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ص مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ ( ) ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْـمَدِينَةِ، آذَنَ ( ) لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ( ).

فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي ( )  أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ ( ) ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي ( ) مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ ( )  قَدِ انْقَطَعَ ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ ( )  وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي  ( )  فَحَمَلُوا هَوْدَجِي ( )  فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ.

وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا ( ) ، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ ( )  ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ ( )  مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ ( )  ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ ( ) وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ( ) ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ( ) ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ( ) ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ( ).

فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ ( ) ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْـمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ ( )  قَدْ عَرَّسَ ( ) مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ    فَادَّلَجَ ( ) ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ  ( ) ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ( ) ، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ ( ) ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ  ( )  حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي ( ) ، وَوَاللهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا ( )  فَرَكِبْتُهَا.

فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ ( )  فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ( ) ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ( ) ، فَقَدِمْنَا الْـمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الْـمَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ ( ) فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ  ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي ( )       أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ص اللُّطْفَ ( ) الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ ص فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»  ( )   فَذَاكَ يَرِيبُنِي ، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ  ( ) وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْـمَنَاصِعِ ( )، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا ( ) ، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ ( )  قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ  ( )        وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا.

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْـمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْـمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ ( )  أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا ( ) ، فَقَالَتْ:«تَعِسَ مِسْطَحٌ» ( ) ، فَقُلْتُ لَهَا:« بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا»، قَالَتْ:«أَيْ هَنْتَاهْ  ( ) أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟» ، قُلْتُ:«وَمَاذَا قَالَ؟» ، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي.

فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ ( ) عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ص فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ:«كَيْفَ تِيكُمْ؟» ، قُلْتُ:« أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟» ، وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا ، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ص فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي:«يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟» ،فَقَالَتْ:« يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ ( )  عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ ( ) ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا» ( ) .

قُلْتُ:« سُبْحَانَ اللهِ وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟»( ).

فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ  ( ) وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ( ) ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ  ( ) ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ( ).

فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ:« يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ أَهْلُكَ ( ) وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا»، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ:« لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ( ) ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ» .

فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ص بَرِيرَةَ فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟» ، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ:« وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا ، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ» ( ).

فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ص عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ( ) ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الْـمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي» ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ:«أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ( )  ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ».

فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ( )، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ( ) ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ:« كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ» ( ) ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ:« كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْـمُنَافِقِينَ» ( ) ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ  حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا ( ) وَرَسُولُ اللهِ ص قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ص يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.

وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْـمُقْبِلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي ، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ص فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ،وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ص حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْـمَمْتِ بِذَنْبٍ ( )      فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ».

فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ص مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي  ( )     حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي:« أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ص فِيمَا قَالَ» ، فَقَالَ:« وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ص» ، فَقُلْتُ لِأُمِّي:«أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ص»( )  ، فَقَالَتْ:«وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ص» ( ) ، فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ( ) :«إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ ( ) وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ( ) ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ - وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُونَنِي ( ) وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ( ) : ( ﮊ  ﮋﮌ   ﮍ  ﮎ    ﮏ  ﮐ  ﮑ ) ( ).

ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا وَاللهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ص فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا.

فَوَاللهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ص مَجْلِسَهُ ( ) ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ ( ) حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى نَبِيِّهِ ص ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ  ( ) عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ  ( )  ، فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ص  ( )  ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ» ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي:« قُومِي إِلَيْهِ» ، فَقُلْتُ: «وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي» ( ).

فَأَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ: (  ﭑ       ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ) عَشْرَ آيَاتٍ ( ) فَأَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ:«وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ» ( ) ،  فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ   ( )   ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  )  إِلَى قَوْلِهِ:( ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐﮑ   ) ( )، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:« وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي» ، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ( ) وَقَالَ:« لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا».

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ص سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ص عَنْ أَمْرِي «مَا عَلِمْتِ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟» فَقَالَتْ:« يَا رَسُولَ اللهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي ( ) ، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا». 

وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ص ( ) ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا ( ) ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ ( ).

وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ:« سُبْحَانَ اللهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ» ( ) ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ. 

من فوائد حديث الإفك( ):

1- مَشْرُوعِيَّةُ الْقُرْعَةُ حَتَّى بَيْنَ النِّسَاءِ وَفِي الْمُسَافَرَةِ بِهِنَّ.

2- السَّفَرُ بِالنِّسَاءِ حَتَّى فِي الْغَزْوِ.

3- جَوَازُ حِكَايَةِ مَا وَقَعَ لِلْمَرْءِ مِنَ الْفَضْلِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَدْحُ نَاسٍ وَذَمُّ نَاسٍ إِذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إزلة تَوَهُّمِ النَّقْصِ عَنِ الْحَاكِي إِذَا كَانَ بَرِيئًا عِنْدَ قَصْدِ نُصْحِ مَنْ يَبْلُغُهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ سَبْقٍ.

4- أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ وُقُوعِ الْغَيْرِ فِي الْإِثْمِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ يَقَعُ فِي الْإِثْمِ وَتَحْصِيلُ الْأَجْرِ لِلْمَوْقُوعِ فِيهِ.

5- اسْتِعْمَالُ التَّوْطِئَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ.

6- الْهَوْدَج يَقُومُ مَقَامَ الْبَيْتِ فِي حَجْبِ الْـمَرْأَةِ.

7- جَوَازُ رُكُوبِ الْـمَرْأَةِ الْهَوْدَجَ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَكُونُ مُطِيقًا لِذَلِكَ.

8- خِدْمَةُ الْأَجَانِبِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ.

9- جَوَازُ تَسَتُّرُ الْـمَرْأَةِ بِالشَّيْءِ الْـمُنْفَصِلِ عَنِ الْبَدَنِ.

10- جَوَازُ تَوَجُّهُ الْمَرْأَةِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَحْدَهَا وَبِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنْ زَوْجِهَا بَلِ اعْتِمَادًا عَلَى الْإِذْنِ الْعَامِّ الْـمُسْتَنِدِ إِلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ.

11- جَوَازُ تَحَلِّي الْـمَرْأَةِ فِي السَّفَرِ بِالْقِلَادَةِ وَنَحْوِهَا.

12- صِيَانَةُ الْـمَالِ وَلَوْ قَلَّ لِلنَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ الْـمَالِ فَإِنَّ عِقْدَ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا جَوْهَرٍ.

13- تَوَقُّفُ رَحِيلِ الْعَسْكَرِ عَلَى إِذْنِ الْأَمِيرِ وَاسْتِعْمَالِ بَعْضِ الْجَيْشِ سَاقَةً يَكُونُ أَمِينًا لِيَحْمِلَ الضَّعِيفَ وَيَحْفَظَ مَا يَسْقُطُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْـمَصَالِحِ.

14- الِاسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْـمُصِيبَةِ.

15- تَغْطِيَة الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ.

16- إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَعَوْنِ الْـمُنْقَطِعِ وَإِنْقَاذِ الضَّائِعِ وَإِكْرَامِ ذَوِي الْقَدرِ وَإِيثَارِهِمْ بِالرُّكُوبِ وَتَجَشُّمُ الْـمَشَقَّةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ الْأَجَانِبِ خُصُوصًا النِّسَاءَ لَا سِيَّمَا فِي الْخَلْوَةِ وَالْمَشْيِ أَمَامَ الْمَرْأَةِ لِيَسْتَقِرَّ خَاطِرُهَا وَتَأْمَنَ مِمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ نَظَرِهِ لِمَا عَسَاهُ يَنْكَشِفُ مِنْهَا فِي حَرَكَةِ الْـمَشْيِ.

17- مُلَاطَفَةُ الزَّوْجَةِ وَحُسْنُ مُعَاشَرَتِهَا وَالتَّقْصِيرُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ إِشَاعَةِ مَا يَقْتَضِي النَّقْصُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ تَتَفَطَّنَ لِتَغْيِيرِ الْحَالِ فَتَعْتَذِرُ أَوْ تَعْتَرِفُ.

18- لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْـمَرِيضِ أَنْ يُعْلِمُوهُ بِمَا يُؤْذِي بَاطِنَهُ لِئَلَّا يَزِيدُ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ.

19- السُّؤَالُ عَنِ الْـمَرِيضِ.

20- مَرَاتِب الْهِجْرَانِ بِالْكَلَامِ وَالْـمُلَاطَفَةِ: فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُحَقَّقًا فَيُتْرَكُ أَصْلًا ، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَيُخَفَّفُ ، وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَحْسُنُ التَّقْلِيلُ مِنْهُ ، لَا لِلْعَمَلِ بِمَا قِيلَ ، بَلْ لِئَلَّا يُظَنُّ بِصَاحِبِهِ عَدَمُ الْـمُبَالَاةِ بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِمِ الْـمُرُوءَةِ.

21- الْـمَرْأَة إِذَا خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ تَسْتَصْحِبُ مَنْ يُؤْنِسُهَا أَوْ يَخْدِمُهَا مِمَّنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا.

22- ذَبُّ الْـمُسْلِمُ عَنِ الْـمُسْلِمِ خُصُوصًا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَرَدْعِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ.

23- بَيَان مزِيد فَضِيلَةِ أَهْلِ بَدْرٍ ، وتَقْوِيَةٌ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَنَّ اللهَ قَالَ لَهُمُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ، وَأَنَّ الرَّاجِحُ أَنَّ الْـمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ لَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالْـمَغْفِرَةِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْـمَشْهَدِ الْعَظِيمِ ، وَمَرْجُوحِيَّةُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْـمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُمْ فَلَا يَقَعُ مِنْهُمْ ذَنْبٌ.

24- إِطْلَاق السَّبِّ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءِ بِالسُّوءِ عَلَى الشَّخْصِ.

25- الْبَحْثُ عَنِ الْأَمْرِ الْقَبِيحِ إِذَا أُشِيعَ وَتُعْرَفُ صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ بِالتَّنْقِيبِ عَلَى مَنْ قِيلَ فِيهِ هَلْ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُهُ أَوْ يَقْرَبُ مِنْهُ ، وَاسْتِصْحَابُ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِسُوءٍ إِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ بِالْبَحْثِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.

26- فَضِيلَة قَوِيَّة لِأمّ مِسْطَح ل لِأنَّهَا لَـمْ تُحَابِ وَلَدَهَا فِي وُقُوعِهِ فِي حَقِّ عَائِشَةَ ل بَلْ تَعَمَّدَتْ سَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ.

27- مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ سَمَاعَ مَا يَعْتَقِدُ السَّامِعُ أَنَّهُ كَذِبٌ وَتَوْجِيهُهُ هُنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنَزَّهُ أَنْ يَحْصُلَ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ ص تَدْنِيسٌ فَيُشْرَعُ شُكْرَهُ بِالتَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا.

28- تَوَقُّفُ خُرُوجِ الْـمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا عَلَى إِذْنِ زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا.

29- اسْتِشَارَةُ الْمَرْءُ أَهْلَ بِطَانَتِهِ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ بِقَرَابَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَتَخْصِيصُ مَنْ جُرِّبَتْ صِحَّةُ رَأْيِهِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَبَ.

30- الْبَحْثُ عَنْ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِشَيْءٍ وَحِكَايَةُ ذَلِكَ لِلْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً.

31- اسْتِعْمَالُ:«لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا» فِي التَّزْكِيَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَتْ عَدَالَتُهُ مِمَّنْ يُطَّلَعُ عَلَى خَفِيِّ أَمْرِهِ.

32- التَّثَبُّتُ فِي الشَّهَادَةِ وَفِطْنَةُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْحَادِثِ الْـمُهِمِّ.

33- الِاسْتِنْصَارُ بِالْأَخِصَّاءِ عَلَى الْأَجَانِبِ.

34- تَوْطِئَةُ الْعُذْرِ لِمَنْ يُرَادُ إِيقَاعُ الْعِقَابِ بِهِ أَوِ الْعِتَابِ لَهُ.

35- اسْتِشَارَةُ الْأَعْلَى لِمَنْ هُوَ دُونَهُ.

36- اسْتِخْدَامُ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ.

37- مَنِ اسْتَفْسَرَ عَنْ حَالِ شَخْصٍ فَأَرَادَ بَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ فَلْيُقَدِّمْ ذِكْرَ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْلَمُهُ كَمَا قَالَتْ بَرِيرَة فِي عَائِشَة ل حَيْثُ عَاتَبَتْهَا بِالنَّوْمِ عَنِ الْعَجِينِ فَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ.

38- النَّبِيَّ ص  كَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ ص لَمْ يَجْزِمْ فِي الْقِصَّةِ بِشَيْءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ.

39- الْحَمِيَّة لِلهِ ﻷ وَرَسُولِهِ ص لَا تُذَمُّ.

40- فَضَائِلُ جَمَّةٌ لِعَائِشَةَ وَلِأَبَوَيْهَا وَلِصَفْوَانَ وَلِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ي.

41- التَّعَصُّب لِأَهْلِ الْبَاطِلِ يُخْرِجُ عَنِ اسْمِ الصَّلَاحِ.

42- جَوَازُ سَبِّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلْبَاطِلِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى مَا يَسُوءُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ فِيهِ ، لَكِنْ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ جَازَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا لَهُ.

43- إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى الْخَطَأِ.

44- الْقَسَمُ بِلَفْظِ لَعَمْرِ اللهِ.

45- النَّدْبُ إِلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ وَتَسْكِينِ ثَائِرَةِ الْفِتْنَةِ وَسَدِّ ذَرِيعَةِ ذَلِكَ.

46- احْتِمَالُ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ بِزَوَالِ أَغْلَظِهِمَا.

47- فَضْلُ احْتِمَالُ الْأَذَى.

48- مُبَاعَدَةُ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ ص وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا حَمِيمًا.

49- مَنْ آذَى النَّبِيَّ ص بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ص.

50- مُسَاعَدَةُ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ بَلِيَّةٌ بِالتَّوَجُّعِ وَالْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ.

51- تَثَبُّتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ت فِي الْأُمُورِ .

52- ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ فِي الْأَمْرِ الْـمُهِمِّ بِالتَّشَهُّدِ وَالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ ، وَقَوْلُ أَمَّا بَعْدُ.

53- قَوْل :«كَذَا وَكَذَا » يُكَنَّى بِهَا عَنِ الْأَحْوَالِ كَمَا يُكَنَّى بِهَا عَنِ الْأَعْدَادِ ، وَلَا تَخْتَصُّ بِالْأَعْدَادِ.

54- مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبَةِ وَأَنَّهَا تُقْبَلُ مِنَ الْـمُعْتَرِفِ الْـمُقْلِعِ الْـمُخْلِصِ ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ لَا يُجْزِئُ فِيهَا.

55- الِاعْتِرَاف بِمَا لَمْ يَقَعْ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ عُرِفَ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِرَافِهِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ أَوْ يَسْكُتَ.

56- الصَّبْر تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ وَيُغْبَطُ صَاحِبُهُ.

57- تَقْدِيمُ الْكَبِيرِ فِي الْكَلَامِ.

58- تَوَقُّفُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي الْكَلَامِ.

59- تَبْشِيرُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ وَالضَّحِكُ وَالْفَرَحُ وَالِاسْتِبْشَارُ عِنْدَ ذَلِكَ.

60- مَعْذِرَةُ مَنِ انْزَعَجَ عِنْدَ وُقُوعِ الشِّدَّةِ لِصِغَرِ سِنٍّ وَنَحْوِهِ.

61- إِدْلَالُ الْـمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَأَبَوَيْهَا.

62- تَدْرِيجُ مَنْ وَقَعَ فِي مُصِيبَةٍ فَزَالَتْ عَنْهُ لِئَلَّا يَهْجُمُ عَلَى قَلْبِهِ الْفَرَحُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيُهْلِكُهُ ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنِ ابْتِدَاءِ النَّبِيِّ ص بَعْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ بِالضَّحِكِ ، ثُمَّ تَبْشِيرِهَا ، ثُمَّ إِعْلَامِهَا بِبَرَاءَتِهَا مُجْمَلَةً ، ثُمَّ تِلَاوَتِهِ الْآيَاتِ عَلَى وَجْهِهَا ، وَقَدْ نَصَّ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ لَا يُمَكَّنُ مِنَ الْـمُبَالَغَةِ فِي الرَّيِّ فِي الْـمَاءِ لِئَلَّا يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَكَةِ ، بَلْ يُجَرَّعُ قَلِيلًا قَلِيلًا.

63- الشِّدَّة إِذَا اشْتَدَّتْ أَعْقَبَهَا الْفَرَجُ وَفُضِّلَ مَنْ يُفَوِّضُ الْأَمْرَ لِرَبِّهِ وَأَنَّ مَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ خَفَّ عَنْهُ الْهَمُّ وَالْغَمُّ كَمَا وَقَعَ فِي حَالَتَيْ عَائِشَةَ قَبْلَ اسْتِفْسَارِهَا عَنْ حَالِهَا وَبَعْدَ جَوَابِهَا بِقَوْلِهَا: ( ﮊ  ﮋﮌ   ﮍ  ﮎ    ﮏ  ﮐ  ﮑ ) ( ).

64- الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ خُصُوصًا فِي صِلَةِ الرَّحِمِ.

65- وُقُوعِ الْـمَغْفِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ أَوْ صَفَحَ عَنْهُ.

66- مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ الحنْثُ.

67- جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيِ الْقُرْآنِ فِي النَّوَازِلِ وَالتَّأَسِّي بِمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

68- التَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الْأَمْرِ.

69- ذَمُّ الْغِيبَةِ وَذَمُّ سَمَاعِهَا وَزَجْرُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا لَا سِيَّمَا إِنْ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةُ الْـمُؤْمِنِ بِمَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ.

70- ذَمُّ إِشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ.

71- مَنْع الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ لِـمَا بَدَا مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حَالَةَ الْغَضَبِ حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ ؛ فَإِنَّ الْغَضَبَ يُخْرِجُ الْحَلِيمَ الْـمُتَّقِي إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ.

نزول براءة أمنا عائشة ل من السماء: 

برَّأ الله ـ أمنا عائشة الطاهرة العفيفة ل ممَّا رماها به أهلُ الإفك ، وأنْزَل في عُذرِها وبراءتِها وحيًا يُتْلَى في محاريبِ المسلمين وصلواتهم إلى يومِ القيامة، وشَهِد لها بأنَّها مِنَ الطيِّبات، ووعَدَها المغفرةَ والرِّزقَ الكريم ( ) ﭧ ﭨ(ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞﯟ   ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣﯤ  ﯥ  ﯦ   ﯧ  ﯨﯩ  ﯪ  ﯫ        ﯬ  ﯭ  ﯮ  )  (النور: ٢٦).

وأخْبَر ـ أنَّ ما قيل فيها مِنَ الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شَرًّا لها، ولا عائبًا لها، ولا خافضًا مِن شأنها، بل رَفَعها الله بذلك وأعْلى قدْرَها، وأعْظَمَ شأنها، وصار لها ذِكرًا بالطيب والبراءة بيْن أهلِ الأرض والسماء، فيا لها مِن مَنْقَبة ما أجلَّها. 

ﭧ ﭨ ( ﭑ    ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ   ﭨﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ    ﭭ  ﭮ     ﭯ  ﭰ  ﭱ  ) (النور:١١).

فنزل فيها قرآن يُتلَى إلى يوم القيامة ، وهذا باتفاق المسلمين. 

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ب :( ﮖ    ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ )   ( ) قال :« نَزَلَتْ فِي عَائِشَةَ خَاصَّةً »( ). 

سبّح الله ـ نفسه في تنزيه عائشة ل كما سبّح نفسه لنفسه في تنزيهه ـ:

قال أبو الخطاب ابن دحية:« إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سَبّح لنفسه ، ﭧ ﭨ (ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤﭥ  ﭦﭧ   ) (الأنبياء:26) ، والله تعالى ذَكَر عائشة ل فقال: ( ﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ     ﯕ  ﯖ  ﯗ     ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ   ) (النور:16)  ، فسَبّحَ نفسه في تنزيه عائشة كما سَبَّحَ نفسه لنفسه في تنزيهه»( ).

من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها:

قدْ أجْمَع علماءُ الإسلام قاطبةً مِن أهل السُّنَّة والجماعة على أنَّ مَن سبَّ أمَّ المؤمنين عائشة ل  ورَماها بما برَّأها الله منه أنه كافِرٌ.

قال الحافظ ابن كثير /:« وقد أجمع العلماء على تكفير مَن قذفها بعد براءتها. واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين ، هل يكفر من قذفهن أم لا ؟ على قولين : أصَحُّهُما أنه يَكْفُر »( ). واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ( ). 

وقال الملَّا علي القاري: « وَأما مَنْ قذَفَ عَائشة فكَافرٌ بالإجماعِ ؛ لمِخالفَته نص الآياتِ المبَرِّئَة لَها مِنْ غَيْرِ النزاع»( ).

وقال ابن حجر الهيتمي:« سَبُّ عَائِشَةَ ل بِالْفَاحِشَةِ كُفْرٌ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ النَّازِلِ بِبَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ إلَيْهَا الْـمُنَافِقُونَ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ إنْكَارُ صُحْبَةِ أَبِيهَا كُفْرٌ إجْمَاعًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ أَيْضًا ، ﭧ ﭨ ( ﯕ      ﯖ  ﯗ   ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜﯝ  ) ( ) وَقَدْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِقَتْلِ سَابِّ عَائِشَةَ ل» ( ) .

قال المهلب:« والنظر عندى يوجب أن يقتل من سب أزواج النبي  ص بما رُمِيَتْ به عائشة ل أو بغير ذلك ... ومَن سَبَّ أزواجه  ص فقد آذاه ونقصه ؛ فهو متهم بسوء العقيدة فى إيمانه بالنبي ص فهو دليل على إبطانه النفاق»( ). 

من قذف عائشة ل فهو بمنزلة اليهود الذين قذفوا مريم ‘:

ﭧ ﭨ ( ﭑ  ﭒ  ﭓ    ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ    ﭙ     ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ   ﭤ  ﭥ  ﭦ    ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ   ﭭ  ﭮ  ﭯ  ) (النساء:155-156). فإنه لما وَصَفَ طَعْن اليَهُود في مَرْيم بأنَّه بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، ووصَفَ طَعْن المُنَافِقِين في عَائِشَةَ بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ قال: (ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ   ) (النور:16)  ؛ دلَّ ذلك على أنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِين يَطْعَنُون في عَائِشَةَ، بمَنْزِلَة اليَهُودِ الَّذِين يَطْعَنُون في مَرْيم ‘  ( ). 

أقسام الناس عندما رُميت الصديقة بنت الصديق ب بالإفك( ) :

إن الناس عندما رُميت الصديقة بنت الصديق بالإفك كانوا أربعة أقسام:

قسم: وهو أكثر الناس، حموا أسماعهم وألسنتهم فسكتوا، ولم ينطقوا إلا بخير ولم يصدقوا ولم يكذبوا.

وقسم: سارع إلى التكذيب، وهم أبو أيوب الأنصاري وأم أيوب ب ، فقد وصفوه عند سماعه بأنه إفك وبرؤوا عائشة ل مما نُسِبَ إليها في الحال.

فرُوِيَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ أَيُّوبَ:« يَا أَبَا أَيُّوبَ ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟» ، قَالَ:« بَلَى ، وَذَلِكَ الْكَذِبُ ، أَكُنْتِ يَا أُمَّ أَيُّوبَ فَاعِلَةً ذَلِكَ؟» ،  قَالَتْ:«لَا وَاللهِ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ» ، قَالَ:« فَعَائِشَةُ خَيْرٌ مِنْكِ»( ).

أما القسم الثالث: فكانوا جملة من المسلمين لم يصدقوا ولم يكذبوا ولم ينفوه، ولكنهم يتحدثون بما يقول أهل الإفك، وهم يحسبون أن الكلام بذلك أمر هيّن لا يُعَرّضُهم لعقوبة الله ـ لأن ناقل الكفر ليس بكافر، وحاكي الإفك ليس بقاذف، ومِن هؤلاء حمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة.

أما القسم الرابع: فهم الذين جاءوا بالإفك وعلى رأس هؤلاء عدو الله عبد الله بن أبَيّ ابن سلول رأس المنافقين لعنه الله وهو الذي تولى كِبْره.

وقد أشار الله ﻷ إلى فضل القسم الثاني من هذه الأقسام، وأنه كان ينبغي لجميع المسلمين أن يقفوا هذا الموقف ، فقال ﭨ( ﭲ  ﭳ   ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ    ﭽ  ) (النور: ١٢).

أما القسم الثالث: فقد أشار الله ﻷ إلى أنه ما كان ينبغي لهم أن يتحدثوا بمثل هذا الحديث حيث ﭧ ﭨ ( ﮟ  ﮠ  ﮡ   ﮢ  ﮣ     ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ   ﮩ     ﮪ  ﮫ   ﮬ  ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ     ﯕ  ﯖ  ﯗ     ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ   ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ      ﯥ  ﯦ       ﯧ               ﯨ  ﯩ   ) (النور: ١٥ – ١٧).

وقد أثبت الله ﻷ لأهل هذا القسم فضائلهم التي عملوها حيث أثبت لمسطح هجرته وإيمانه عندما حلف أبو بكر ت أنه لن ينفق على مسطح ، ولن يتصدق عليه وهو من ذوي قرابته ، فقال  ﭨ (ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ     ﮅ  ﮆﮇ  ﮈ  ﮉﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐﮑ   ﮒ  ﮓ  ﮔ  )  (النور: ٢٢).

أما القسم الرابع: وهو جماعة عبد الله بن أبَيّ الذين جاءوا بالإفك واخترعوا هذا الكذب، فقد أشار الله ـ إلى موتهم على الكفر، وأنه لن يَقْبَل منهم توبة، وأنه أنزل عليهم لعنته في الدنيا والآخرة حيث ﭧ ﭨ ( ﮖ ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ   ﮜ  ﮝ  ﮞ    ﮟ  ﮠ    ﮡ  ﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ          ﮬ   ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ     ﯙ ) (النور: ٢٣ – ٢٥). 

الفوائد والآثار الإيجابية لحادثة الإفك القديمة ( ):

كانت قصة الإفك حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله ص من أعداء الدين، وكان من لطف الله تعالى بنبيه ص وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها وبطلانها، وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من هذه الفِرْية ، وهي مواقف يتأسَّى بها المؤمنون عندما تَعْرِضُ لهم في حياتهم مِثْلُ هذه الفِرْيَة، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس لتكون عبرة وعظة للأجيال إلى أن يرث الله ـ الأرض ومَن عليها.

وقد أخذ العلماء من الآيات التي نزلت في حادثة الإفك أحكامًا وآدابًا من أهمها ما يأتي:

1- تبرئة السيدة عائشة ل من الإفك بقرآن يُتْلَى إلى آخر الزمان ، ﭧ ﭨ (  ﭑ       ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ) (النور: 11).

2- أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يبزغ الخير من ثنايا الشر، فقد كان ابتلاء أسرة أبي بكر الصديق ت بحديث الإفك خيرًا لهم، حيث كُتِبَ لهم الأجر العظيم على صبرهم وقوة إيمانهم، ﭧ ﭨ (ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  ) (النور: 11).

3- الحرص على سمعة المؤمنين، وعلى حسن الظن فيما بينهم ؛ ﭧ ﭨ ( ﭲ  ﭳ   ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ    ﭽ  ﭾ  (النور: ١٢).

4- تكذيب القائلين بالإفك ، ﭧ ﭨ ( ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉ   ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ) (النور:١٣).

5- بيان فضل الله على المؤمنين ورأفته بهم، ﭧ ﭨ (ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ   ﮔ  ﮕ   ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ   ﮜ  ﮝ  )   (النور:١٤).

6- وجوب التثبّت من الأقوال قبل نشرها، والتأكد من صحتها ، ﭧ ﭨ (ﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ     ﯕ  ﯖ  ﯗ     ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ   )  (النور:١٦).

7- النهي عن اقتراف مثل هذا الذنب العظيم أو العودة إليه، ﭧ ﭨ (ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣ  ﯤ      ﯥ  ﯦ       ﯧ               ﯨ  )   (النور: ١٧).

8- النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، ﭧ ﭨ(ﯳ  ﯴ    ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ   ﯿ  ﰀ  ﰁﰂ  ﰃ  ﰄ    ﰅ    ﰆ    ﰇ  ) (النور: ١٩).

9- بيان فضل الله سبحانه على عباده المؤمنين ورأفته بهم وكرر ذلك تأكيدًا له، ﭧ ﭨ (ﰉ   ﰊ  ﰋ  ﰌ  ﰍ  ﰎ  ﰏ  ﰐ  ﰑ  ) (النور:٢٠).

إن الحدث لعظيم ، وإن الخطأ لجسيم ، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء ، ولكن فضل الله ورحمته ، ورأفته ورعايته ، ذلك ما وقاهم السوء ، ومن ثم يذكرهم به المرة بعد المرة؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين.

10- النهي عن تتبع خطوات الشيطان التي تؤدي للهلاك، ﭧ ﭨ (  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘﭙ  ﭚ  ﭛ     ﭜ  ﭝ    ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ   ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ    ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ   ﭱ  ﭲﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ) (النور:٢١).

11- الحث على النفقة على الأقارب وإن أساءوا ، ﭧ ﭨ (ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ     ﮅ  ﮆﮇ  ﮈ  ﮉﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﮐﮑ   ﮒ  ﮓ  ﮔ  )  (النور:٢٢).

12- غيرة الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين، ودفاعه عنهم، وتهديده لمن يرميهم بالفحشاء باللعن في الدنيا والآخرة، ﭧ ﭨ ( ﮖ ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ      ﮛ   ﮜ  ﮝ  ﮞ    ﮟ  ﮠ    ﮡ  ﮢ  ﮣ   ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ          ﮬ   ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﯖ  ﯗ  ﯘ     ﯙ ) (النور: ٢٣ – ٢٥).

13- بيان سنة من سنن الله الجارية في الكون وهي أن الطيبين يجعلهم الله من نصيب الطيبات، والطيبات يجعلهن من نصيب الطيبين، ﭧ ﭨ( ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞﯟ   ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣﯤ  ﯥ  ﯦ   ﯧ  ﯨﯩ  ﯪ  ﯫ ﯬ  ﯭ  ﯮ  ) (النور:٢٦).

14- بيان بشرية الرسول ص وصدق رسالته:

جاءت محنة الإفك منطوية على حكمة إلهية استهدفت إبراز شخصية النبي ص وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلتبس بها، فلو كان الوحي أمرًا ذاتيًّا غير منفصل عن شخصية الرسول ص، لما عاش الرسول ص تلك المحنة بكل أبعادها شهرًا كاملًا، ولكن الحقيقة التي تجلت للناس بهذه المحنة أن ظهرت بشرية الرسول ص ونبوته.

فعندما حسم الوحي اللغط الذي دار حول أم المؤمنين عائشة ل عادت المياه إلى مجاريها بينها وبين الرسول ص، وفرح الجميع بهذه النتيجة بعد تلك المعاناة القاسية، فدل ذلك على حقيقة الوحي، وأن الأمر لو لم يكن من عند الله ـ لَبَقيَتْ رواسب المحنة في نفس رسول الله ص بصفة خاصة، ولانْعَكَس ذلك على تصرفاته مع زوجته عائشة ل ، وهكذا شاء الله أن تكون هذه المحنة دليلًا كبيرًا على نبوة حبيبنا محمد ص.

15- تشريع حد القذف وأهميته في المحافظة على أعراض المسلمين:

كان المجتمع الإسلامي يتربى من خلال الأحداث، فعندما وقعت حادثة الإفك أراد المولى ﻷ أن يشرع بعض الأحكام التي تساهم في المحافظة على أعراض المؤمنين، ولذلك نزلت سورة النور، التي تحدثت عن حكم الزاني والزانية وعن قبح فاحشة الزنا، وعما يجب على الحاكم أن يفعله إذا ما رمى أحد الزوجين صاحبه، وعن العقوبة التي أوجبها الله على الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى غير ذلك من الأحكام.

إن الإسلام حرم الزنا، وأوجب العقوبة على فاعله، وحرم أيضًا كل الأسباب المسببة له، وكل الطرق الموصلة إليه، ومنها إشاعة الفاحشة والقذف بها لتنزيه المجتمع من أن تسري فيه ألفاظ الفاحشة والحديث عنها؛ لأن كثرة الحديث عن فاحشة الزنا وسهولة قولها في كل وقت يهوّن أمرها لدى سامعيها، ويجرّئ ضعفاء النفوس على ارتكابها.

لهذا حرمت الشريعة الإسلامية القذف بالزنا، وأوجبت على من قذف عفيفًا أو عفيفة، طاهرًا أو طاهرة، بريئًا أو بريئة من الزنا - حد القذف وهو الجلد ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته إلا بعد توبته توبة صادقة نصوحًا.

16- كشف الكائدين للإسلام في شخص رسول الله ص وأهل بيته.

فقد كانت حادثة الإفك معركة خاضها رسول الله ص وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك ، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه .

فالذين تجرؤوا على رمي بيت النبوة الكريم إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة ، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها ، بذلك تشيع الفاحشة في النفوس ، لتشيع بعد ذلك في الواقع .

وحرب «إسقاط الرموز » حرب قديمة ، ولم يمر بالمسلمين محنة قط هى أعظم و أشد عليهم من حادث الإفك . 

فقد أخرج البخاري ومسلم أن من الصحابة من كان يعتقد أن استيلاء غسَّان على المدينة أهون من تطليق النبى ص نساءه مع أن الطلاق مباح ، بل جلس بعضهم يبكى حول المنبر ( )  لتكدُّر خاطره ص  مع أنه لو طلقت بنت أحدهم لما بكى ، فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف إذا اتهمت زوجة نبيهم ص بالزنى ؟!

فإذا نظرتَ إلى ما حدث فى الإفك مِن رَمْى العفيفة المؤمنة أمِّ المؤمنين ، حبيبة رسول الله ص وآثر نسائه عنده بهذه الداهية الدهياء ، والفاقرة العظيمة ، علمْتَ ما حلَّ بالمجتمع المسلم كلِّه من البلاء العظيم والخطب الفادح.

ولم يكن المقصود الأوَّل فى هذه المحنة هو إتهام عائشة ل، بقدر ما كان طعنًا على النبي ص ، وأن تحته امرأة يُزْنَى بها ، ومع أن الزنى دون الشرك فى الإثم، إلا أن الزنا عار ، ولذلك لا يعير أحدٌ بأن أباه كافر، أو ابنه، فقد كان والد إبراهيم ؛ كافرًا، ولم يُعَيَّرْ به، وكان ابنُ نوح ؛ وامرأته كافرين، ولم يُعَيَّرْ بهما ، وكانت امرأة لوط ؛ كافرة، ولم يُعّيَّرْ بها ، بخلاف الزنى فإنه عار وشنار على أهله فى الدنيا قبل الآخرة . 

إن إسقاط (الرمز) أقلُّ مؤنةٍ على المنافقين من إحداث الشَّغَبِ فى المجتمع كلِّه ، لأن إسقاط الرمز فيه إهدارٌ لكل المبادئ التي يدعو إليها والمثل العليا التي يدندن حولها.

وتستطيع أن تدرك لِمَ ثار علماءُ المسلمين فى تركيا لما فرض كمال أتاتورك - قاتله الله - القبعة بدلا من العمامة ؟ وقد جرت محاكمات لعلماء المسلمين ، فكان مما حدث أن قاضي المحكمة قال لأحد العلماء :« ما أتْفَهَكُم يا علماء الدين ، لِـمَ هذه الثورة؟ أمِنْ أجل أننا استبدلنا القبعة بالعمامة؟ وما الفرق بينهما ، فهذا قماش وهذا قماشٌ». 

فقال له العالم :« أيها القاضي ! إنك تحكم علىَّ وخلفك علمُ تركيا ،فهل تستطيع أن تستبدله بعلم إنجلترا وهذا قماش ، وهذا قماش ؟!».

فبُهِتَ القاضى الظالم ، ولم يُحِرْ جوابًا . 

ولو تأملت الطواف حول الكعبة ، والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار ، فهذا كلُّه إحياءٌ للرمز ، لنأخذ منه العبرة . 

حادثة الإفك المعاصرة:

تجرأ ياسر الحبيب - أحد معممي الشيعة - وأخذ يوزع الأكاذيب والشتائم والسباب من المهجر بلندن ضد أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق ب والمبرأة من فوق سبع سماوات، تجرأ في النيل من زوجة نبينا محمد ص، تقوّل ونال من عِرض النبي الأكرم ص !! 

لقد بلغت وقاحة ياسر هذا أن جمع مجموعة ممن هم على شاكلته ليمطرهم ويسمعهم شتائمه القذرة لأمنا عائشة ل ، بل جمع الأطفال الصغار والكبار وألبسهم أعلامًا عليها (عائشة في النار!!!) ، فأقام بهم احتفالا كبيرًا وألقى محاضرة وكانت كالصاعقة حيث افترى كعادته بأن أمنا عائشة ل عدوة الله وعدوة رسوله ص ، وأنها في النار بل في قعر النار معلقة من رجليها ، وتأكل الجيفة!! ، وأنها سيدة نساء النار ، وقال بعض الحاضرين شعرًا في الصِّدِّيقَة ل  تكاد تخر الجبال منه هدًّا ، يتهمونها فيه بالفاحشة ، و يمطرونها بدعوات اللعن والعذاب. 

الفوائد والآثار الإيجابية لحادثة الإفك المعاصرة ( ):

إن اعتداء أهل الإفك المعاصرين على أمنا عائشة ل - مع ما أصاب أبناءها من ألم - قد  كانت له آثار إيجابية ، ولعل ذلك من بركات أمنا عائشة  ل ، فمع المحنة تأتي المِنَحُ ، وهذا من فضل الله ﻷ على المؤمنين ، ﭧ ﭨ (   ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  )  (النور: ١١).

ولعل هذه الآثار على المسلمين من بركة أمنا عائشة  ل فَهي كما قَالَ لها أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ عندما نزلت آية التيمم بسبب عِقْدِها:« جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا ، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً»( ). 

وقال لها:« مَا هِىَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ »( ).  

فلا تزالُ بركاتُ أبي بكرٍ وآلهِ تتوالَى على هذهِ الأمةِ منذُ أن نصرَ اللهُ رسولَهُ ص بأبي بكرٍ قبلَ الهجرةِ حينَ صدّقهُ إذ كذَّبهُ الناس، وأثناءَ الهجرةِ بمُرافقتِهِ لهُ، وبذاتِ النطاقينِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ل حينَ كانت تصِلُهم بالطعام، وبعدَ الهجرةِ في كثيرٍ من مواقفِ الصدقِ والحقّ ، ثمّ ما جرى بعدَ ذلكَ في حادثةِ الإفك التي نالَتْ من عائشةَ  ابنةِ أبي بكرٍ ب والتي كانت خيرًا وبركةً على جميعِ المؤمنين، كما ﭧ ﭨ  ( ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛﭜ  ﭝ  ﭞ   ﭟ  ﭠﭡ  )  (النور: ١١) ، ولم يقُل : بل هوَ خيرٌ لعائشةَ فقط ، ثمّ ما حصلَ في نزولِ آية التيمُّم كما تقدّم ، وما حصلَ بعدَ موتهِ  ص في الذي تحقّقَ على يدِ أبي بكرٍ  ت من حربِ المرتدِّين ، وتثبيتِ دعائمِ الدولةِ الإسلاميةِ ، إلى أن حصَل من الخيرِ والبُشْرياتِ الطيبة في هذهِ الحادثةِ الأخيرةِ ما تَطْمَئنُّ بهِ قلوبُ المؤمنين.

فتعالَوْا بنا نتأملُ ما أجراهُ اللهُ من الخيرِ في طيّاتِ محنةَ الإفكِ والبُهتانِ التي أصابَت عرضَ نبيِّنا ص:

1- معرفة أهل السنة - وبخاصة المنخدعين منهم - بحقيقة عقيدة الشيعة في الصحابة وأمهات المؤمنين ي التي طالما أخفوها كما ظهر من هذا الزنديق ، فكل ما افتراه على أمنا عائشة ل موجود في كتبهم ، وقد سبق ذكر ذلك.

واتّضَح للقاصي والداني أنّ ما يدّعونهُ من مُعاداةِ اليهودِ والنّصارى والحرص على قضايا المسلمين الشائكة - خصوصًا قضيّتيْ الأقصى وفلسطين - ما هوَ إلاّ محضُ كذب ومجموعُ اِفتراء! بل هم في الضفّة المقابلة تمامًا لكلِّ ما يدّعون.

وهذا بعدَ أن كادت طائفةٌ مفتونة تُّصدِّقُ دعاواهُم.

2- سقوط دعاوى التقريب بين السنة والشيعة التي كان بعض الدعاة ينادون بها ؛ فإن في هذهِ الحادثة رسالةٌ صريحةٌ إلى دعاةِ التقاربِ والتلميعِ لمذهبِ التشيُّع، فقد أتت هذهِ الحادثةُ على بُنْيانهم من القواعد، فهم لم يستطيعوا أن يُحدّدوا موقفًا صريحًا تجاهَ هذهِ الفريةِ العظيمة ؛ اللهمّ إلا تصريحاتٍ خجولةٍ غيرِ واضحةٍ لبعضِهم، بل وحاولَ بعضُهم أن يجعلَ منها قضيةَ شخصٍ واحدٍ فقط! 

وبعضُهم ممن أزعجَ آذاننا بكثرةِ منعِه لِسبِّ الصحابةِ والبراءةِ ممن قامَ بذلك؛ له تسجيلاتٌ صوتية تلعنُ وتسُبُّ الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول ي وما زالت موجودة ! 

3- ظهور خطورة مذهب الشيعة وضخامة الحقد الذي يكِنّه المنتسبين له لأهل السُنّة وعلى رأسهم صحابة النبي ص.

4- وضوح أثر التحرك الجماعي لأهل السنة وأثره في تغيير الباطل ويظهر ذلك من خلال :

أ-  تفاعل القنوات الفضائية في فضح هذا المعتقد والدفاع عن الصحابة كما فعلت القنوات ذات التوجه الإسلامي.

ب-  تفاعل أهل السنة في الكويت بإقامة الندوات والتجمعات المنددة بالزنديق والمطالبة بعقوبته وبسحب جنسيته وقد تحقق منها :سحب جنسيته الكويتية ، ومطالبة الكويت من الأنتربول الدولي القبض عليه ليحاكم في الكويت. 

ج- قيام عدد من المحامين السُنة برفع دعوى قضائية على الزنديق في بريطانيا.

د- قيام الجالية الإسلامية في بريطانيا برفع دعوى قضائية عليه في بريطانيا.

ه- كشف كثير من تاريخ الزنديق الإجرامي عندما كان في الكويت.

و- تفاعل كثير من الكُتاب والشعراء بتدوين المقالات وتأليف القصائد ردًّا على الشيعة ونصرة للصحابة ي.

5- زيادة التعريف بالصحابة الكرام ي بين أهل السنة والجماعة.

6- قيام عدد من الشيعة بإصدار البيانات تنديدًا بالزنديق ، لخشيتهم من كشف معتقدهم على حقيقته ؛ مما يترتب عليه عداء الناس لهم وخاصة المجتمعات السنية ، وعدم استطاعتهم خداع أهل السُنّة كما في السابق  ، وبياناتهم ليس فيها تكفير له بل وصمه بالتطرف وأن كلمات الزنديق التي أطلقها لا تمثل إلا نفسه.

7- زيادة تسمية «عائشة» في بلاد المسلمين ففي المغرب مثلًا ردًا على الهجوم الشيعي عمدت أمهات مغربيات إلى تسمية مواليدهن الإناث باسم عائشة ، مساهمة منهن في الرد، على تطاول المعمم الشيعي ياسر الحبيب.

وقالت أخريات إنهن يعتزمن منح هذا الاسم لأولى ثمرات بطونهن مستقبلًا.

وقالت إحداهن: وهي أم في الثلاثين من عمرها، إنها سمّت مولودتها الجديدة باسم عائشة بعد أن ضاق صدرها وبكت من فرط الكم الهائل من الحقد الذي تحمله بعض الجهات للسيدة عائشة ل.

واستغربت كيف يمكن للبعض أن يطعنوا في أخلاق امرأة شرفها الله تعالى بنزول القرآن لتبرئتها من حادثة الإفك، وزادها شرفًا رسول الله ص بالاقتران بها وتفضيلها على جميع نسائه.

وتابعت بالقول إن زوجها لم يمانع تسمية المولودة «عائشة» ، بالرغم من أنهما كانا قد اتفقا معا من قبلُ على اسمٍ آخر.

وأسرة أخرى منحت اسم عائشة أيضا لمولودتهما مساهمة منها في نشر هذا الاسم أكثر، فكما ارتفعت أعداد المواليد الذين سُموا باسم محمد عقب الرسومات المسيئة للنبي الكريم ص قبل أشهر، ينبغي أن ينتشر اسم عائشة ل ليموت الناقمون والشامتون بغيظهم، وفق تعبير أبي الطفلة عائشة.

ودعت أم الصغيرة عائشة خديوي جميع الأمهات في المغرب وفي كل البلاد الإسلامية إلى أن يسمين مواليدهن الجديدات باسم عائشة ليدرك الذين شتموها أن سِحْرهم انقلب عليهم.

وأعلمُ أكثر من شخص قد رزقه الله ﻷ بأنثى فسماها عائشة وقد قام أحدهم -- وهو الأخ مدحت رزق أبو النور - بطباعة وتوزيع بطاقات (كروت) كتب عليها: «حُبًّا في أم المؤمنين عائشة ، سميتها عائشة».

8- عودة كثير من المسلمين للاطلاع على سيرة الرسول  ص وعلى حياة أم المؤمنين عائشة للاستفادة منها في جوانب الحياة اليومية.

9- عَلِمَ الناسُ عظيم مكانتها عند الله ـ ، و عند نبيّه ص ، وعند المُسلمين.

10- من المتوقع أن توجد يقظة وانتباه عند عوام الشيعة المُغرر بِهم وعند المُتشيعين من جُهال وسُذج أهل السنّة ، و الذين تشيعوا لأسباب مادية أو سياسية ، مع عدم علمهم ببواطن هذا الدين الخبيث.

11- أيقظت مشاعر الشباب المسلم في كل مكان ، و أرجعَتْهم إلى الله ، بعد أن أخذتهم الحياة وألْهَتْهم.

12- إغلاق قناة فدك التي تخصصت في سب أم المؤمنين عائشة ل.

13- تم إنشاء مواقع باسم أمنا عائشة ، ومنها:

• موقع عائش الحميراء أم المؤمنين  ل aisha.almenhaj.net 

• موقع نصرة أمنا السيدة عائشة ل Aiesha.net

• موقع عائشة حبيبة رسول الله rasoulallah.net/Aisha 

• موقع عائشة ل 3aesha.weebly.com

• موقع الصدِّيقة أم المؤمنين  www.siddeqa.com 

15- أبانَت هذهِ الحادثة بوضوحٍ تامّ ؛ حقيقةَ التحالُفِ الليبراليّ الصحفيّ معَ المدِّ الصفويّ الرافضيّ الذي حذَّر منهُ وأشارَ إليهِ بعضُ المُدركينَ من العلماء، والذي أخذ يتنامى بشكلٍ مُخيف في الفترةِ الأخيرة!

16- تداعي الكثير من علماءِ أهلِ السُّنة ودُعاتهم إلى تبيانِ خطورةِ التشيُّع وسوءِ آثاره، وتوارُد بعض وسائلِ الإعلامِ الهادفة من المواقعِ على الشبكة العنكبوتية والقنوات المتخصِّصة في فضحِ الرافضة كَقناتيْ ( صفا ووِصال ) توارُدًا محمودًا على إنتاج الكثير من البحوثِ والبرامج الوثائقية التي تكشِفُ ضلالَ التشيُّعِ وفسَاده.

وشاءَ اللهُ  ﻷ أن يكونَ الحديثُ عن خطَر الرافضةِ مثارَ اِهتمامِ الكثيرِ من العامةِ في البيوتاتِ والطرقاتِ والأسواقِ وأماكنِ العمل والاِجتماعات.

17- التأثيرِ الإيجابيّ على كثير من عامّةِ الشيعةِ وعقلاءهم، فقد سمِعنا أن كثيرًا منهم رجَعَ إلى الفطرةِ السليمة ( السُنة )، وأدركَ خطورة ما كانَ عليه ، وخطورة ما عليهِ ملالي الشيعةِ وعلماؤهم من الشركِ، والضلالِ، والحقدِ على الخلفاءِ الراشدينَ وعلى أمّهاتِ المؤمنينَ وآلِ بيتِ النبيِّ ص.

 

قالت عائشة  ل 

1- كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: « سَلَامٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ص يَقُولُ: «مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» ( ). 

2- وعن معمر قال : كتبت عائشة إلى معاوية ب:« أما بعد ، فإنه من يطلب أن يحمده الناس بسخط الله يَكُنْ مَن يحمدُه مِن الناس ذامًّا» ( ). 

3- قَالَتْ ل:«عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ص كَانَ لَا يَدَعُهُ ، فَإِنْ مَرِضَ قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ » ( ).   

4- عن الأسود بن يزيد عن عائشة ل قالت:«إنكم تدعون أفضل العبادة التواضع»( ).

5- عن كَثِير بن عُبيد ( ) قال: دخلت على عائشة أم المؤمنين ل فقالت: «أمسك حتى أخيط نُقْبَتِي» ( ) ، فأمسكتُ، فقلت:«يا أم المؤمنين ! لو خرجتُ فأخبرتُهم لعدّوه منك بخلًا»!!  قالت: « أبصر شأنك؛ إنه لا جديد لمن لا يلبس الخَلَقَ» ( ).

6- وعنها ل قالت:«إنكم لن تلقوا الله بشيء خير لكم من قلة الذنوب ؛ فمن سَرَّه أن يسبق الدائب المجتهد فلْيَكُفّ نفسه عن كثرة الذنوب»( ).

7- عن جابر بن عبد الله ب قال: قيل لعائشة إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله ص حتى إنهم ليتناولون أبا بكر وعمر ، فقالت:«أتعجبون من هذا؟ إنما قطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر»( ).

 

قالوا عن عائشة  ل 

1- ﭧ ﭨ  (  ﯠ  ﯡ  ﯢ  ﯣﯤ  ﯥ  ﯦ   ﯧ  ﯨﯩ  ﯪ  ﯫ       ﯬ  ﯭ  ﯮ  )  (النور: ٢٦).

2- رسول الله ص:

قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ  »( ).

3- أبو بكر  ت:

عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ص قَالَتْ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ص فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِتُرْبَانَ - بَلَدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ بَرِيدٌ وَأَمْيَالٌ ، وَهُوَ بَلَدٌ لَا مَاءَ بِهِ - وَذَلِكَ مِنَ السَّحَرِ، انْسَلَّتْ قِلَادَةٌ لِي مِنْ عُنُقِي، فَوَقَعَتْ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ  ص لِالْتِمَاسِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ الْقَوْمِ مَاءٌ، فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ مِنَ التَّعْنِيفِ وَالتَّأْفِيفِ، وَقَالَ:« فِي كُلِّ سَفَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْكِ عَنَاءٌ وَبَلَاءٌ ؟». 

قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ الرُّخْصَةَ بِالتَّيَمُّمِ ، فَتَيَمَّمَ الْقَوْمُ وَصَلَّوْا. 

قَالَتْ: يَقُولُ أَبِي حِينَ جَاءَ مِنَ اللهِ مَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ لِلْمُسْلِمِينَ: «وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ يَا بُنَيَّةُ، إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ، مَاذَا جَعَلَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَبْسِكِ إِيَّاهُمْ مِنَ الْبَرَكَةِ وَالْيُسْرِ ؟»( ).

4- عمر بن الخطاب  ت :

عن مصعب بن سعد قال : فَرَضَ عُمَرُ لأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ عَشْرَةَ آلاَفٍ، عَشْرَةَ آلاَفٍ، وَزَادَ عَائِشَةَ أَلْفَيْنِ، وَقَالَ:« إِنَّهَا حَبِيْبَةُ رَسُوْلِ اللهِ ص» ( ).

5- علي  بن أبي طالب ت : 

عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:انْتَهَيْنَا إِلَى عَلِيٍّ ت فَذَكَرَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «خَلِيْلَةُ رَسُوْلِ اللهِ ص » ( ).

وأقر عمارَ بن ياسر على وصفه لها بأنها حبيبة رسول الله ص وزوجته في الجنة. 

6- عمار بن ياسر ب: 

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي عَائِشَةَ وَعَابَهَا، فَقَالَ: لَهُ عَمَّارٌ «وَيْحَكَ مَا تُرِيدُ مِنْ حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ ص، مَا تُرِيدُ مِنْ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ» ، بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ ت وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ ( ).

وَقَامَ عَمَّارٌ ت  عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ ل  وَقَالَ :«إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ص فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»( ).

7- أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ  ت:

في قصة نزول آية التيمم قَالَ لها أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ :« جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا ، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً»( ). 

8- أم سلمة  ل :

عن ابن أبي ملكية : أن أم سلمة  ل سمعت الصرخة على عائشة فقالت لجارية :« اذهبي فانظري» ، فجاءت فقالت:« وجبت » ، فقالت أم سلمة :« والذي نفسي بيده كانت أحَبَّ الناس إلى رسول الله ص إلا أباها »( ).

      ولما توفيت عائشة ل قالت أم سلمة زوج النبي ص:« والله ما كان على الأرض نسمة أحب إلى رسول الله  ص منك» ( ). 

9- عبد الله بن عباس ب:

قال لها في مرض موتها: « أَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ص، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ»( ).

وفي رواية عنه أَنَّهُ قَالَ لها :« أَبْشِرِي، مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا ص وَالْأَحِبَّةَ ، إِلا أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الجَسَدِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ص، إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ إِلا طَيِّبًا ، وَسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ( )، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ص، حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ  فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (ﯪ  ﯫ  ﯬ  ) ( ) ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الرُّخْصَةِ، وَأَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ لِلهِ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللهُ، إِلا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»( ).

10- أَبو مُوسَى الأشعري ت:

عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري ت قَالَ:« مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا ـ  أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ص حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا »( ). 

11- معاوية بن أبي سفيان ب: 

عن القاسم بن محمد ، أن معاوية بن أبي سفيان ت  قال لعائشة ل:«أنتِ والله العالمة بالله وبأمر رسوله الناصحة المشفقة البليغة الموعظة ، حضضت على الخير وأمرْتِ به ، ولم تأمُرِينا إلا بالذي هو خير لنا ، وأنت أهل أن تطاعي »( ).

11- عروة  بن الزبير /:

وقال هشام بن عروة عن أبيه:« ما رأيت أحدًا أعلمَ بفقه ولا بطب ولا بشعرٍ مِن عائشة»( ).

12- مسروق /:

عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ:«حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللهِ الْـمُبَرَّأَةُ ...» ( ).  وفي رواية:«المبرأة في كتاب الله »( ).

وقال الشعبي:كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال:«حدثتني الصادقة ، ابنة الصديق ، حبيبة حبيب الله»( ).

13- عطاء بن أبي رباح:قال عطاء بن أبي رباح:« كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة»( ). 

14- قال الزهري:« لو جُمِع عِلْمُ عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعِلْمِ جميع النساء لكان عِلْمُ عائشةَ أفضل»( ).

  

أشْعَارٌ فِي مَدْح أمِّنَا 

عائشة ل والدفاع عنها

قال موسى بن محمد بن عبد الله الواعظ الأندلسي / على لسان عائشة الصِّدّيقَة بنْت الصِّدّيق ب( ):

ما شَــــانُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَشَـــانِي( ) هُــدِيَ المُحِبُّ لها وضَلَّ الشَّانِي( )

إِنِّي أَقُـــــولُ مُبَيِّنًا عَنْ فَضْــــلِها ومُتَرْجِـــمًا عَنْ قَوْلِـــــها بِلِسَانِي

يا مُبْغِضِي لا تَأْتِ قَبْرَ مُحَمَّـــــدٍ ( ) فالبَيْـــتُ بَيْتِي والـمَكانُ مَـكانِي

إِنِّي خُصِصْتُ على نِســاءِ مُحَمَّـدٍ ( ) بِصِــــفاتِ بِرٍّ تَحْتَهُنَّ مَعــــــانِي

وَسَبَقْتُهُنَّ إلى الفَضَــــــائِلِ كُلِّها فالسَّبْقُ سَبْـقِي والعِـــنَانُ عِنَانِي( )

مَرِضَ النَّبِيُّ ومــاتَ بينَ تَرَائِبِي( ) فالْيَوْمُ يَــوْمِي والزَّمــــانُ زَمانِي

زَوْجِي رَسُـــولُ اللهِ ( )    لَمْ أَرَ غَيْرَهُ اللهُ زَوَّجَـــــنِي بِهِ وحَـــــــبَانِي

وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ الأَمِينُ بِصُـــــورَتِي فَأَحَبَّنِي المُخْتَـــــــارُ حِينَ رَآنِي( )

أنا بِكْرُهُ العَــــذْراءُ عِنْدِي سِرُّهُ ( ) وضَجِيعُهُ في مَنْزِلِي قَمَــــــرانِ ( ) 

وتَكَلَّمَ اللهُ العَظـــــــيمُ بِحُجَّتِي وَبَرَاءَتِي في مُحْكَمِ القُــــــــــرآنِ

واللهُ خَفَّرَنِي ( ) وعَظَّـــــمَ حُرْمَتِي وعلى لِسَـــــــــــانِ نَبِيِّهِ بَرَّانِي( )

واللهُ في القُــــــرْآنِ قَدْ لَعَنَ الذي بَعْـــــــــدَ البَرَاءَةِ بِالقَبِيحِ رَمَانِي

واللهُ وَبَّخَ مَنْ أَرادَ تَنَقُّـــــــــصِي إفْكًا وسَبَّحَ نَفْسَــــــهُ في شَانِي( )

إنِّي لَـمُحْصَــــــــنَةُ الإزارِ بَرِيئَةٌ ودَلِيل حُسْنِ طَهَارَتِي إحْصَــانِي( )

واللهُ أَحْصَنَنِي بخاتَمِ رُسْـــــــلِهِ وأَذَلَّ أَهْـــــلَ الإفْكِ ( ) والبُهتَانِ

وسَمِعْتُ وَحْيَ اللهِ عِنْدَ مُحَمَّــدٍ ( ) مِن جِبْرَئِيلَ ونُورُهُ يَغْشـــــانِي ( )

أَوْحَى إلَيْهِ وَكُنْتُ تَحْـــــتَ ثِيابِهِ فَحَنَا عَــــليَّ بِثَـــوْبِهِ خَبَّــــاني( )

مَنْ ذا يُفَاخِـــرُني وينْكِرُ صُحْبَتِي ومُحَمَّـــــــدٌ ( )   في حِجْرِهِ رَبَّاني؟

وأَخَذْتُ عن أَبَوَيَّ دِينَ مُحَمَّـــدٍ ( ) وَهُما على الإسْــــلامِ مُصْطَحِبانِ

وأبي أَقامَ الدِّينَ بَعْدَ مُحَمَّــــــدٍ ( ) فالنَّصْــلُ نَصْلِي والسِّنانُ سِنانِي( )

والفَخْـــرُ فَخْرِي والخِلاَفَةُ في أبِي حَسْبِي بِهَذا مَفْخَـــــــرًا وكَفانِي

وأنا ابْنَةُ الصِّدِّيقِ صاحِبِ أَحْمَـدٍ( ) وحَبِيبِهِ في السِّرِّ والإعْـــــلَانِ ( )

نَصَــــرَ النَّبيَّ ( )  بمالِهِ وفعـــــالِهِ وخُرُوجِهِ مَعَهُ مِن الأَوْطــــــانِ

وَهُوَ الذي لَمْ يَخْشَ لَوْمَـــــةَ لائِمٍ في قَتْلِ أَهْـــلِ البَغْيِ والعُدْوَانِ ( )

قَتَلَ الأُلى مَنَعُـــوا الزَّكاةَ بِكُفْرِهِمْ وأَذَلَّ أَهْلَ الكُفْـــــــرِ والطُّغيانِ

سَبَقَ الصَّـحَابَةَ والقَرَابَةَ لِلْهُدَى ( )  هو شَيْخُهُمْ في الفَضْلِ والإحْسَانِ

واللهِ ما اسْتَبَقُوا لِنَيْلِ فَضِيـــــــلَةٍ مِثْلَ اسْتِبَاقِ الخَيـــــلِ يَومَ رِهَانِ

إلاَّ وطَــــــــــارَ أَبي إلى عَلْيَائِها فَمَكَانُهُ مِنها أَجَــــــــــلُّ مَكَانِ

وَيْلٌ لِعَبْدٍ خانَ آلَ مُحَمَّــــــــدٍ ( )  بِعَــــدَاوةِ الأَزْواجِ ( ) والأَخْتَانِ( )

طُوبى لِمَنْ والى جَمَاعَـــــةَ صَحْبِهِ وَيَكُونُ مِن أَحْـــــبَابِهِ الحَسَنَانِ( )

بَيْنَ الصَّـحابَةِ والقَـــــــرابَةِ أُلْفَةٌ لا تَسْتَحِيلُ بِنَزْغَةِ الشَّيْطـــــــانِ

هُمْ كالأَصَابِعِ في اليَدَيْنِ تَوَاصُــلًا هَـــــلْ يَسْتَوِي كَفٌّ بِغَيرِ بَنانِ؟!

حَصِرَتْ صُدورُ الكافِرِينَ بِوَالِدِي وقُلُوبُهُمْ مُلِئَتْ مِنَ الأَضْــغانِ ( )

حُبُّ البَتُولِ وَبَعْـــلِها ( )  لم يَخْتَلِفْ مِن مِلَّةِ الإسْــــــــلامِ فيهِ اثْنَانِ

أَكْــرِمْ بِأَرْبَعَـــةٍ أَئِمَّةِ شَرْعِـــنَا ( ) فَهُــــمُ لِبَيْتِ الدِّيـــنِ كَالأرْكَانِ

نُسِجَتْ مَوَدَّتُهُمْ سَدىً في لُحْـــمَةٍ فَبِنَاؤُها مِــن أَثْبَتِ البُنْيَــــــانِ( )

اللهُ أَلَّفَ بَيْنَ وُدِّ قُلُـــــــــــوبِهِمْ لِيَغِيظَ كُلَّ مُنَافِــــقٍ طَعَّـــــــانِ

رُحَمَاءُ بَيْنَهُمُ صَفَتْ أَخْلاقُـــــهُمْ وَخَلَتْ قُلُوبُهُـــــمُ مِنَ الشَّنَآنِ( )

فَدُخُولُهُمْ بَيْنَ الأَحِبَّةِ كُلْفَــــــةٌ ( ) وسِبَابُهُمْ سَبَبٌ إلى الحِرْمَـــــــانِ

جَمَعَ الإلهُ الْـمُسْلِمِينَ عَـــلَى أبِي ( ) واسْتُبْدِلُوا مِنْ خَوْفِهِمْ بِأَمَـــــانِ

وإذا أَرَادَ اللهُ نُصْـــرَةَ عَبْـــــــدِهِ مَنْ ذا يُطِــيقُ لَهُ عـلى خِـذْلانِ؟!

مَـنْ حَبَّنِي فَلْيَجْتَنِبْ مَـنْ َسَــبَّنِي إنْ كَانَ صَــانَ مَحَبَّتِي وَرَعَــــانِي

وإذا مُحِبِّي قَـــدْ أَلَظَّ ( ) بِمُبْغِـــضِي فَكِلاهُـمَا في البُغْــضِ مُسْــتَوِيَانِ

إنِّي لَطَـــــيِّبَةٌ خُلِــقْتُ لِطَــــيِّبٍ ونِسَــاءُ أَحْمَدَ ( )  أَطْيَبُ النِّسْــوَانِ

إنِّي لأُمُّ الْـمُؤْمِـــــنِينَ فَمَــنْ أَبَى حُبِّي فَسَـــوْفَ يَبُوءُ بالخُسْـــرَانِ

اللهُ حَبَّبَــــــنِي لِقَلْــــــبِ نَبِيِّـهِ وإلى الصِّـــــرَاطِ المُسْتَقِيمِ هَدَانِي

واللهُ يُكْرِمُ مَنْ أَرَادَ كَرَامَـــــــتِي ويُهِـــــينُ رَبِّي مَنْ أَرَادَ هَــــوَانِي

واللهَ أَسْـــــأَلُهُ زِيَادَةَ فَضْــــــلِهِ وحَمِـــــدْتُهُ شُـــــكْرًا لِمَا أَوْلاَنِي

يا مَنْ يَلُوذُ ( )  بِأَهْـلِ بَيْتِ مُحَمَّـدٍ ( )  يَرْجُو بِذلِكَ رَحْـمَـةَ الرَّحْمـــــنِ 

صِلْ أُمَّهَـــاتِ الْـمُؤْمِنِينَ ولا تَحِدْ عَــنَّا فَتُسْلَبَ حُـــلَّةَ الإيمــانِ ( )  

إنِّي لَصَـــادِقَةُ الـمَقَـالِ كَرِيمَـــةٌ إِي وَالّـذِي ذَلَّتْ لَهُ الثَّقَــــــلانِ

خُذْها إليكَ ( )  فإنَّمَا هيَ رَوْضَــــةٌ مَحْفُـوفَةٌ بالرَّوْحِ ( )  والرَّيْحَــــــانِ

صَـــلَّى الإلهُ عَــــلى النَّبيِّ ( )  وآلِهِ فَبِهِمْ تُشَـــمُّ أَزَاهِـــرُ البُسْـــتَانِ 

وقال القحطاني / في نونيته :

أكْرِمْ بعائشةَ الرضَى مِن حُرَّةٍ        بِكْرٍ مُطهَّرةِ الإزارِ حَصَانِ( )   

هِيَ زوْجُ خيرِ الأنبياءِ وبِكْرُهُ          وعروسُه مِن جمُلةِ النِّسوانِ

هِي عرْسُه هي أُنْسُه  هي إلْفُهُ    هي حِبُّه صِدْقًا بلا إدْهـانِ( )   

وقال الشيخ عائض القرني:

يا أمَّنَا أنتِ أنتِ ذروةُ الكـــــــــرمِ وأنتِ أوفَى نساءِ العُــــــرْبِ والعجمِ

يا زوجةَ المصــطفَى يا خيرَ مَن حَمَلَتْ نورَ النبوةِ والتوحيدِ مِن قِــــــــــدمِ

أنتِ العفافُ فِداكِ الطُّــــــهْرُ أجمعُهُ أنتِ الرّضَى والهُـدَى يا غَايةَ الشَّممِ( )   

نفْـــديكِ يا أُمَّــــنا في كُلِّ نَـــــازِلَةٍ مِنْ دُونِ عِرْضِـكِ عِرْضُ الناسِ كُلِّهِمِ

وهَلْ يَضُرُّ نُبَاحُ الكَلْبِ شَمْسَ ضُحًى لَا والذِي مَلَأَ الأَكْــــوَانَ بالنِّعَـــــمِ

اللهُ بَــــــرَّأَهَا واللهُ طَهَّــــــــــرَهَا واللهُ شَـــرَّفَهَا بالدِّيـــــــنِ والشِّيمِ( )   

الوحْيُ جاءَ يُزَكِّيهَا ويمْدحُــــــــهَا تَبًّا لنَذْلٍ حَقِـــــيرٍ تَافِـــهٍ قَــــــزمِ( )   

والله أغْيَرُ مِنْ أنْ يَرْتَضِي بَشَــــــــرًا لِعِشْـــــرةِ المصـــطَفَى في ثَوْبِ مُتَّهمِ

في خِـــــدْرها نَزَلَتْ آيَاتُ خالِقِـــنَا وَحْيًا يبدِّد ليلَ الظُّــــلْمِ والظُـــــلَمِ

عاشَتْ حَــصَانًا رَزَانًا ( )   هَمُّهَا أبـــدًا في الذِّكْر والشُّكْرِ بَيْنَ اللّوْحِ والقَـلمِ( )   

صِدِّيقَةٌ يُعْرَفُ الصِّـــــــدِّيقُ وَالدُها صَان الخـــلافةَ مِن بَغْيٍ ومِن غَشَـــمِ

مَصُــــــونَةٌ في حِمَى التَّقْديسِ ناسكةً مِن دُونِ عِــــزِّتها حَــرْبٌ وسَفْكُ دَمِ

مَحْجُوبةٌ بجلالِ الطُّـــــــهْرِ صَيّنَةٌ ( )    أمِينَةُ الغَيبِ في حِـــلٍّ وفي حَـــــــرَمِ

كُلُّ المحاريبِ تَتْلُو مَدْحَـــــــهَا أبدًا كُلُّ المنَــــــابِرِ مِن رُومَـــاـ إلى أرَمِ ( )   

وكُلُّنَا في الفِــــــــــــدَا أبنَاءُ عائشةٍ نَبْغِي الشَّــــهادةَ سَــــــبّاقِينَ للقِمَمِ

مُبَايِعينَ رَسُــــــــــولَ الله ما نَكَثَتْ أيْمانُنَا بَيْ