جديد الموقع

لا بد من لعن الظلام - طه الدليمي ..
الكاتب : طه الدليمي ..

لا بد من لعن الظلام 

بحث في جذور المأساة الحقيقية
ومعالم المنهج المطلوب في خطاب التشيع الفارسي
في ضوء المنهج القرآني
كي لا ننسى

                                                 الدكتور: طه حامد الدليمي

الإهــداء

* إلى ..أحفاد المثنى وخالد وسعد والقعقاع

* إلى .. أبناء العروبة والإسلام
الذين أدركوا العلاقة الصميمية بين عروبتهم ودينهم

وعاشوا واقعهم زماناً ومكاناً

في ظل كتاب ربهم وسنة نبيهم

* وإلى أخي الشيخ نوري الدليمي.. والشيخ محمد طه السامرائي.. والسيد محمد اسكندر الياسري.. وكل الذين اغتالتهم زمر الحشاشين والغدر والخيانة في صفحاتها المتكررة
* وإلى كل من حمل قضيته على متنه وواصل المسير .. مهما طال الطريق ، وأوحش السفر 
أهدي كتابي هذا .
المؤلف

 
 
قال تعالى :
}قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{
 
وقال أيضاً:
}وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهيمَ إِلا مَنْ سفهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{
 
وقال رسول الله e :
 
(إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض)
 
 
ثم قال:
 }لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون  * ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون{
 
ثم قال:
 
(كلا والله لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنّه على الحق أطرا ولتقصرنّه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم).
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
 
 القضـية
 
 أيهـا الآتـون !  والفجــر عـلى
ســـابقاتٍ من عتــاقٍ يَعربيـهْ
 
تنهبُ الأرضَ وتــذرو خلفـــَها
في ليــالي اليأسِ يجتاحُ البريــهْ
 
ظـلـمةً ، لولا أحاديـثُ الهــوى
في السرى عنـكم لقلـنا، سرمـديهْ
 
قـد عرفتم أن ديـنَ المصطـفـى
هوَ سيـفٌ ورجـالٌ وقضيــــهْ
 
وعـرفـتم ، وعـرفنـا مثلـــكم
فالتقينـا ، أن عـنوان القضــيـهْ
 
ومنــارَ العـزِّ مـا بـينَ الـورى
منذُ كانـتْ في البلادِ السـومريــهْ
 
رايــةٌ في كـفِّ (سعدٍ(أشرقــتْ
و(المثـنى) وليوثِ القادسـيـــهْ
 
يوم أن جـاءوا يَزِفـونَ النــدى
ضاحكـاً بينَ أراضيـنا الخلِيــَّـهْ
 
أيهـا الآتـونَ ! والفجرَ وفـــي
أُذُنِ التــاريخِ والـرُّقمِ الخفــيةْ
 
مـن سراكمْ حمحمــاتٌ لحــنُها
يبعثُ الأشواقَ في النفـسِ الأبيــهْ
 
وصهيـلٌ شـقَّ أستارَ الدجـــى
ومضى يطوي عصورَ الوثنيـــهْ
 
رغـمَ طـولِ الليلِ فـيما بيننـــا
وتهاويـلِ الوحـوشِ البربريـــهْ
 
ســوفَ تأتــونَ وربِّي قســماً
وتُطلـونَ معَ الفجــرِ علــــيَّ
 
فإذا قُمتـمْ على قبـري صفــــو
فاً صفوفاً لـي تؤدون التحـــيـهْ
 
العنـوا كسرى ورستمْ والعنـــوا
كـــلَّ حاخـامٍ خمينيِّ الطويــهْ
 
وارفعوا الأيدي وقولـوا واهتفــوا
بشفـاهٍ ماضيــاتٍ يعربيــــهْ
 
كلُّنا، يا (سعد)! سعــدٌ في الوغى
كلّمـــا عادوا أعدناهـا فتيــهْ
 
ثمَّ قولـوا في شموخٍ واجعلـــو
ه ُ شعــاراً يتحـدى الأبديـــهْ
 
كـلُّ يومٍ .. كلُّ أرضٍ قادسيـــهْ
منذُ كانتْ في البلاد السومريـــهْ
 
 
14/3/2002

هذا الكتاب

 
كتبت هذا الكتاب من أجل هدفين اثنين هما:

  1. التفريق بين منهجين مختلفين في علاج خطر التشيع. أحدهما هو (المنهج الترضوي)، الذي يسود الساحة الدعوية اليوم. مع بيان الفشل الذريع الذي حققه هذا المنهج في أداء المهمة المرجوة من ورائه. وأنه السبب الأهم في الإخفاق المتكرر، والتراجع المستمر للوجود السني في العراق، وغيره من الدول التي يغزوها التشيع. والآخر هو (المنهج القرآني النبوي)، الذي آن الأوان لأن نأخذ به، ونتبعه بديلاً ملحاً عن ذلك المنهج الخائب في مواجهة هذا الخطر المتفاقم.

  2. التفريق بين المنهج التغييري الفردي، والمنهج التغييري الجماعي. وأن أحد أسباب فشل المنهج الترضوي جنوحه إلى المنهج الفردي في الدعوة، وإغفاله المنهج الجماعي في التغيير. إن هناك قانونين أو منهجين في التغيير لا قانوناً واحداً. وقد نجح الإسلام في مهمته التغييرية لأنه طبق المنهج الجماعي في سبيل ذلك، ولم يقتصر على المنهج الفردي، الذي لا يعرف المنهج الترضوي قانوناً سواه.

وفيه أميط اللثام عن أهم قوانين علم النفس في مخاطبة الجمهور، وكيفية التأثير فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

 
1
كان العراق - منذ القدم - الحد الشرقي للثقافة السامية تجاه ثقافة أخرى قوية هي الآرية . فهو لذلك ساحة صراع ثقافي اجتماعي بين السامية والآرية منذ فجر السلالات... ثم صار العراق الحد الشرقي للثقافة العربية حفيدة الثقافات السامية ووريثتها تجاه الأعجمية . فهو لذلك ساحة صراع سياسي ثقافي بين العروبة والأعجمية منذ ظهور العرب على المسرح في دولتهم المركزية الجديدة...
ومن الممكن بسهولة استعمال عبارة الحروب العراقية الإيرانية التي تستخدم عند السياسيين والإعلاميين لوصف تاريخ البلدين المتجاورين . فقد كان هذا التاريخ الذي يمتد إلى أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد مخضباً بدماء الجنود العراقيين الذين دافعوا عن حدودهم الشرقية ضـد هجمات الأقوام التي سكنت مناطق جبال زاجروس وخوزستان المتاخمة للحدود العراقية[1].
 
2
ومن عجائب حقائق التأريخ أنه لم تقم حضارة في العراق قط إلا وكانت نهايتها على يد الفرس أو الغزاة القادمين من الشرق ! . فسومر دمرها العيلاميون وأحرقوا عاصمتها (أور) عام (2006 ق.م.) وقادوا الملك العراقي ( آبي ـ سين ) أسيراً إلى عاصمتهم ( سوسة ) وكانت مأساةً ظـل العراقيون يذكرونها بالأسـى والحزن مئـات السنين . وكذلك ( أكـد ) و( بابل ) و ( الحضر ) و ( آشور ) . وآخرها ( الحيرة ) إذ كانت نهاية ملكها ( النعمان بن المنذر) على يد ( كسرى برويز ) أو (كسرى الثاني) .
ولما جاء الإسلام وقامت حضارته في العراق كانت نهاية عاصمتها ( بغداد ) على أيدي المغول ولكن .. بتخطيط وتحريض من الـوزير الفارسـي ( ابن العلقمي ) وتعاونه مع وزير هولاكو ( نصير الدين الطوسي ) الفارسي ! بعد أن قضى الفرس في تآمرهم ضد دولة العرب أو دولة الإسلام ستة قرون ونصف قرن خاضوا خلالها مئات الثورات والحروب ، وحاكوا آلاف الدسائس ، وسفكوا أنهاراً من الدماء ، وأهلكوا
الحرث والنسل ، وأشاعوا الفساد ، ودمروا البلاد والعباد ! ..
لقد ظل صراع الفرس مع العراقيين خصوصاً والعرب عموماً كما هو قبل الإسلام وبعده لم يتغير منه سوى العناوين واللافتات . أما المضامين والأهداف والغايات فهي هي ، سوى أنها صارت هذه المرة تتغلغل تحت طيات العمائم .
كل الذي تغير هو أن المفاهيم المجوسية والأحقاد الفارسية صارت تصدر إلينا باسم جديد وذريعة جديدة ، بعد أن تأكد لأساطين السياسة الفارسية عدم قدرتهم على مواجهة الإسلام علناً فأمسوا يكيدون له سراً متقمصين مبادئه ويرفعون شعاراته ويتبنون شعائره بعد تفريغها من محتواها وملئها بمحتوى آخر هو المحتوى الفارسي الذي ليس له من الإسلام سوى الاسم والعنوان واللافتة والشعار. وصاروا يصدرون إلينا هذا ( الإسلام ) المصنّع حسب التفصيلة الفارسية باسم التشيع لأهل البيت .
 
3
وأصيب الإسلام في بلاد فارس بمثل ما أصيبت به أخته المسيحية في بلاد الرومان فتروّمت المسيحية  ـ كما قيل ـ ولم تتنصر الرومانية ، كذلك تمجّست الديانة الإسلامية ، ولم تسلم المجوسية الفارسية .
وكما صار الرومان الوثنيون يغزون أرض العرب باسم الصليب ، كذلك صار الفرس المجوس يغزون بلادنا وأرضنا باسم أهل البيت .
وكما استباح أولئك دماءنا باسم ( المسيح الصليب ) ، استباح هؤلاء دماءنا باسم (الحسين الشهيـد ) .
وكما تأسس دين كامل على حادثة صلب المسيح u المزعومة كذلك تأسس دين كامل على حادثة قتل الحسين t التي صيغت صياغة ، وأخرجت إخراجاً !
والضحية في كلتا الحالتين العرب والإسلام .
ونجح الفرس في استغلال الأحداث ـ كالخلاف بين علي ومعاوية والحسين ويزيد ـ وصناعتها وتزويرها ليحولوها من إطارها السياسي إلى إطار ديني اعتقادي يستثمرونه متى شاءوا خدمة لأغراضهم السياسية . أي أنهم حولوا التشيع من قضية سياسية إلى قضية دينية تستثمر عند الطلب لمصلحة سياسية .
كل ذلك يتم في جو مشبع بالروايات الملفقة المنسوبة زوراً لأئمة أهل البيت العلوي، ومشحون بالعاطفة الجياشة والدموع حزناً على ( مصائب أهل البيت ) .
وتمكنوا بذلك من استمالة الملايين من البسطاء ، وجرهم إلى صورة مشوهة للدين تحت ستار ( التشيع ) ونسبة ما اخترعوه من روايات وما ابتدعوه من عقائد وعبادات إلى الأئمة الثقات .
إن هذا ( التشيع ) المشوه الذي نطلق عليه اسم ( التشيع الفارسي ) أو (الرفض) ما هو إلا ( فارسية ) مجوسية بكل ما فيها من حقد تأريخي دفين ومعلن ، وعقد نفسية تأريخية غير قابلة للعلاج، ألبسوها ثوب الإسلام، وتوجوها بشعار التشيع لأهل البيت !
وإن هو إلا حلقة واحدة متميزة في سلسلة طويلة من الصراع الأبدي ، الذي لم يتوقف ـ ولن يتوقف ـ تمتد حلقاتها إلى مدى ستين قرناً من الزمان المكتوب !
إن ميزة هذه الحلقة كونها مغلفة ، تتخفى ولا تعلن عن نفسها صراحة ؛ بسبب تغير الظروف لا أكثر . أما الحقد والعقد ، والأفكار والعقائد ، والفساد والاعتداء فهو هو ! بل صار أدهى وأمر ، وأنكى وأخطر بسبب هذا التغليف والتخفي والـ..( تقية ) .
 
4
أما نحن أبناء هذا الجيل فقد كشفت لنا الأحداث الدامية التي عشناها من حرب الثماني سنوات وأعمال الغدر والخيانة على هامش العدوان الأمريكاني الصليبي اليهودي على بلدنا والاحتفاظ بالأسرى العراقيـين في زنازين القهر في إيران وقد مر على تأريخ أسرهم لحد الآن /2002 م أكثر من عشرين عاماً ! مع المعاملة اللا إنسانية التي لم نسمع عنها في الخيال ، وغيرها من الأحداث ، والواقع المعاش، جميعها كشفت لنا عن أمور وأمور ودفعتنا إلى ضرورة إجراء مراجعة تأريخية واقعية شاملـة لنكتشف حقيقة مؤلمة خطيرة هي : أن العداء ( الفارسي ) لأمتنا وديننا وعراقنا عداء أبدي تمتد جذوره عميقة في أغوار الزمان وتتفرع أغصان شجرته الخبيثة دونما نهاية ! وأن كل موقف عدائي نواجهه لا يصح أن نفسره تفسيراً ساذجاً يقف به عند حدود أسبابه المباشرة ودوافعه الظاهرة ، بل علينا أن نعتقد جازمين أن ذلك الموقف الجزئي ( ما هو إلا امتداد لموقف ( فارسي ) راسخ معادٍ للعراق والأمة العربية والإسلامية . اتخذ في كل مرحلة سماته المنسجمة مع طبيعتها .. لقد اعتنق الفرس الإسلام كسائر شعوب المشرق لكنهم حاربوه من داخله، وتعلموا الآداب العربية لكنهم حاربوها بما تعلموه منها ، وكتبوا بالحروف العربية لكنهم شنوا حرباً على اللغة العربية نفسها . لأن العقلية (الفارسية) تنظر إلى الحضارة العربية بعين واحدة . إنها تتأثر بها لأنها مضطرة إلى ذلك لنقص في مستواها الحضاري ، وتعاديها في الوقت نفسه لأنها تمثل خطراً يهدد سيطرتها على القوميات العديدة  التي تحيط بها)[2].
ولقد شاء الله تعالى بحكمته أن يجعل من إيران بلداً متفوقاً في عدده ومساحته ، ويجعل  العراق متفوقاً في معناه وقيمته فكان أن أدى ذلك إلى أن تصاب إيران بعقدة الشعور بالنقص تجاه العراق كما يشعر الكبير الفارغ بالانتفاخ تجاه من هو أقل حجماً وأكبر نفساً ومعنى ، وفي الوقت نفسه ظل العراق يستشعر قيمته ويعتز بنفسه فلا يستجيب لكبرياء ذلك الخصم الفارغ المنفوخ .
إن هذا العداء المتأصل تجاه أمتنا وحضارتنا يمثل عقدة مترسخة في نفسية كل الشعوب الإيرانية ـ إلا من رحم ـ لا سيما من أمسك منهم بزمام الحكم . (فمع أن سلالات غير فارسية حكمت إيران في بعض العهود إلا أن سياستها لم تكن لتختلف عن السياسة الفارسية التقليدية التي ذكرنا ، فالأفشاريون والزنديون والقاجاريون مثلاً وهم ليسوا فرساً لم يكونوا ليصبحوا ( شاهات ) لإيران لو لم يلتزموا بـ( العقدة الفارسية ) فيحذوا حذو أسلافهم في معاداة الأمة العربية وسلب أراضيها ومياهها وتشويه دينها وثقافتها)[3] .
5
وفي الحقبة الأخيرة استشرى خطر ( الرفض ) لا سيما بعد مجيء الشاه المعمم (الخميني) إلى سدة الحكم في إيران ، فبدأت تتكون له قواعد وتمتد استطالات خارج حدودها طالت أماكن ومواقع حساسة لا ينبغي أن تطالها ، وصار له وجود في دول وأقاليم كالشام والخليج وأفريقيا وشرق آسيا ، طبقاً إلى خطة مرسومة سلفاً يقوم على تنفيذها دول ومنظمات ـ وليس أفراداً وتجمعات محدودة ـ وضعت العراق على رأس القائمة وجعلته أول هدف من أهدافها .
 
6
إن كل من وضع هذه الصورة بجميع أجزائها أمام عينيه لا بد أن يحكم بأن التصدي لهذا الخطر الشعوبي والغزو الفارسي الشرقي هو ( واجب الوقت ) بالنسبة لنا أهل العراق ، وأن مجاهدة الشعوبية وملاحقة رؤوسها وذيولها هو أعظم أنواع الجهاد التي ينبغي أن نقوم بها في هذا الزمان والمكان . إنه لا يقل عن جهاد خالد والمثنى في تحرير غربي العراق وسعد والقعقاع في القادسية وما بعدها ! بل هو أصعب وأكثر مرارة ، وأدعى للإحباط ؛ لقلة الناصر وكثرة الخاذل وضعف الإمكانيات وغفلة الأمة وانشغال أبنائها بـ( الغزو الغربي ) ، جانحين إلى تعميمات وقضايا بعيدة عن مشكلة العراق الرئيسية ، غير منتبهين إلى ضرورة الربط بين الزمان والمكان . مع أن الانشغال بقضايا الزمان دون المكان كالانشغال بقضايا المكان دون الزمان ، كلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة هي الجمود والانعزالية وتوقف الحركة .
وإذا كان ذلك كذلك فإن على كل من تصدى للعلاج أو المواجهة أن يضع في حسابه هذه الصورة بجميع أجزائها وعمقها وامتداداتها ، وأن يحذر من النظرة السطحية أو المجتزأة وإلا خسر الجولة وحلت به الهزيمة . وهو الواقع .
 
7
ومع هذا ـ وقبله وبعده ـ علينا أن ننطلق في خطواتنا وإدارة عجلة الصراع مع الباطل من القرآن العظيم وتطبيقات السنة النبوية المطهرة ، وأن نخضع أفكارنا وآراءنا وحركتنا لأحكام الوحي النازل وليس العكس. مع الأخذ بنظر الاعتبار إمكانية تغير هذه الأحكام طبقا للظرف زماناً ومكاناً ، وأعيانا كذلك . على أن نظل نفرق بين حكم الله من حيث الأصل والعزيمة، وبينه من حيث مراعاة الظرف والأخذ بالرخصة؛ حتى لا تنقلب الأمور ويتحول الحرام حلالا أو جائزا في كل الأحوال، أو الواجب حراما كذلك فتضيع معالم الدين أو يمسي مطية لأهوائنا، ومظلة يستريح تحتها ضعفنا،
ويلوذ بها نكولنا عن تحمل أعباء الطريق.
 
8
لقد نظرت إلى هذا كله ، وأجلت النظر كثيراً في التاريخ القديم والحديث ، وأسباب الصراع العامة والخاصة وعشت الواقع، ولم تشغلني أحداث العصر أو الزمان عن أن أعيش واقعي بآلامه وآماله وأتجرع مرارته وغصصه . ورغم أن عينيّ كانتا تغرورقان بالدموع وتختنقان على الدوام وهما تنظران بين حين وآخر إلى شهيد جديد يسقط ضحية الغدر والخيانة لا يقل منـزلة عن شهداء فلسطين وحطين إلا أن ذلك لم يمنعهما من رؤية الطريق وتحديد معالمه رغم ضبابيته على امتداد الأفق البعيد.
ووقفت طويلا أمام كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيرته العملية لأستخلص منهما وصفة للعلاج المناسب، فهالني وأرعبني- وأنا أتلفت حولي علّني أجد أثراً لتلك الوصفة- ما اكتشفته من سطحية وغثائية وابتعاد عن المنهج الرباني وذهول عن الواقع وعدم شعور بمصائب ( الأهل )، والتحليق عالياً أو التردي عميقاً – لا فرق - في أودية الخيال ، والضرب الطويل في صحراء من السراب ، كلف الأمة قروناً من الجهود العقيمة والتضحيات الضائعة السقيمة .
وأخيراً.. عرفت أن سبب ذلك ضعف المناعة الفكرية رغم المنعة العسكرية ، وما تحققه الحكومات الوطنية من انتصارات في الميدان العسكري . وذلك راجع - بالدرجة الأساسية - إلى ما غزا تراثنا العظيم من ميوعة تجاه الغزو الفكري الشرقي ، وإلى ما يسود الساحة اليوم – ومن قبل - من منهج دعوي يعتمد أساساً على الابتعاد عن التعرض للباطل ، وعن كل ما يزعج أهله ويثيرهم أو …( ينفرهم ). على اعتبار أن (بيان الحق كفيل بزوال الباطل ). ومع السكوت عن الباطل السكوت عن الدعوة إلى مفردات الحق ( المثيرة ) ( المزعجة ) .
مما يستدل به أصحاب هذا المنهج الحكمة الصينية القائلة: ( بدلاً من أن تلعن الظلام أشعل شمعة ). ومنه: ضرورة أن تكون الدعوة ( هادئة ) لينة على طول الخط كما قال تعالى لموسى وهرون عليهما السلام حينما أرسلهما  إلى فرعون:)فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى( طـه/44 وقال: )وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(  العنكبوت/46 وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه.. ) وقد ترفق برأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول ، وقال لولده عبد الله حين خشي أن يقتله: ( بل نترفق به ) . ومنه: أن إنكار الباطل ينفر أهله ويبعدهم من الحق.
وينكر هذا المنهج - مع ذلك - جميع أساليب الشدة في إنكار الباطل ، ويأبى فضح رؤوس الضلال بأسمائهم أو بأوصافهم ، أو السخرية منهم مطلقاً ، أو سبهم ولعنهم ، أو إعلان العداوة لهم والبراءة منهم ، ولو كان من باب الرد بالمثل ! ويعتمد اللين كأسلوب وحيد ، لا محيص عنه ، ولا محيد .
 
9
ونحن – كأمة مسلمة عظيمة مرجعها كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولها منهج دعوي واضح ومفصل في هذا المرجع العظيم ، سار عليه النبي القائد والأنبياء الكرام من قبل ودعاة الحق من بعد ـ حين نقارن بين المنهج السائد ، والمنهج الإلهي النبوي نجد البون شاسعاً بين المنهجين !
وشتان بين منهج نازل من السماء ، وآخر نابع من الضغط الاجتماعي الملتقي مع النفس البشرية الضعيفة ، وهي تبغي (السلامة أولاً) وآخراً ، مؤثرة إياها على المواجهة المتعبة أو.. الخطرة ؛ ما يؤدي بها إلى تجاهل - أو التغافل عن - جميع الآيات والأدلة الواضحة البينة المعارضة ، رغم صراحتها وكثرتها.
 
10
إن هذا المنهج الأرضي الترضوي المتستر برقاعات من ( الأدلة ) المقطعة والمقتطعة ، ثم الملصقة بحذق بعضها إلى جنب بعض -هو السبب الأساس وراء الإخفاقات المتوالية والمتوازية عبر القرون ، و التراجع المستمر أمام الزحف الشعوبي الشرس الذي تزداد شراسته وتشتد ضراوته طرديا مع تراجعنا وتخاذلنا و(هدوئنا) بسبب ذلك المنهج الذي يغرس الهزيمة النفسية في أعماق حمَلته ، والمنخدعين بسلاسته ونعومته، جاعلاً منهم حمائم سلام وادعة خانعة، في جوٍ يزدحم بالصقور والنسور الكاسرة ، التي تزداد شهيتها ، ويقوى طمعها بفريستها كلما ازدادت وداعة وخناعة.
لقد تخرجت على هذا المنهج أجيال غاية ما تطمع في الحصول عليه كلمة رضا أو نظرة عطف من وجوه صفراء كالحة ، تختفي وراءها قلوب امتلأت غيظاً وحقداً ، وصف الله تعالى أصحابها فقال: }لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ{ آل عمران / 118 .
 
11
وهكذا اختلت الغاية والوسيلة معا: أما الغاية فلأنها صارت إرضاء الناس لا إرضاء الله . وأما الوسيلة فاختلت تبعاً لاختلال الغاية ، فصارت منهجاً أرضيا ترضوياً ولم يعد إلهيا نبوياً ! رغم أن الله تعالى قد بيّن لنا أن الطريق الموصل إلى غايتنا من مرضاته، وتغيير الواقع وتصحيح انحرافاته، محفوف بالمكاره ، لا يجوزه إلى نهايته إلا الصابرون المبصرون ، الذين يأخذون بعزائم الأمور ، كما قال سبحانه: }لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ {آل عمران/186 .
وأعتقد - كما أنت - أنه يصعب الجمع بين رضا الله ، ورضا خصومه .
وشتان شتان بين من جعل الله تعالى غايته ، وإرضاءه بغيته ، وبين من عكس الأمر فظل يلهث خلف سراب يطلب في الدنيا السلامة ، ويحاول عبثاً ترضية خصوم أطوارهم غريبة ، وأخلاقهم عجيبة : إن أدهنت لهم لا يدهنون! وإذا أنكرت هم يغضبون!! وإذا سكتّ – لتسلم - لا يسكتون !!!.
 
12
وفي هذا الكتاب جولة واسعة في بيان المنهج الإلهي النبوي، وفساد المنهج الأرضي الترضوي، في وقت نحن بأمسَّ الحاجة فيه إلى إصلاح حالنا وإنقاذ عراقنا وعروبتنا وإسلامنا من براثن الأخطبوط الشعوبي اليهودي الصليـبي الذي اختار من اختار أن يمثل أمامه دور الانبطاح والانفتاح ، طمعاً في مرضاته ، والسلامة من شروره ومكره ، وغدراته ومكراته، وإن كان فيه غضب الرب ومخالفة أوامره وآياته. وتلك – معاذ الله - غاية اللاهثين وراء السراب.. وما أكثرهم !
هدانا الله تعالى وإياهم، وأخذ بأيدينا وأيديهم إلى سبيل النجاة، وطريق السلامة والعزة والحياة..  آمين.

 
مدخل

الرحمة أساس الدعوة
 
المسلم الحق إنسان يحمل بين جنبيه عاطفة صادقة جياشة تجاه الخلق أجمعين.
هذه العاطفة الصادقة هي التي تحمله على أن يدعو إلى الحق ويرحم الخلق ويمضي في طريقه يلقي إليهم بالثمر وإن رموه  بالحجر!
زاده: (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون). يضرب فيه عرق من وراثة (الرحمة المهداة) الذي وصفه الرب فقال: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107){ الأنبياء.
والرحمة الحقيقية تلزم صاحبها أن يوضح لمن سلك منهم سبيل الضلال أن نهاية سبيله الهلاك وسوء المآل ، ولو استطاع استعمل معه القوة ليمنعه. أرأيت والدا رفيقا رأى ولده متجها إلى هاوية من نار؟!
بل إن هذا دليل الصدق في العاطفة والقوة في العلاقة الرابطة، بل هو غاية الرحمة كما عبر عنها تلميذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا أبو هريرة الدوسي t في تفسير قوله تعالى: }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ{ آل عمران/110  فقال: خير الناس للناس تأتون بهم  في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام! .
ولم تفارق النبي المعلم صلى الله عليه وآله وسلم رحمته بل كانت تلازم دعوته من أول يوم وهو يندد بآلهة المشركين ويعلن بأنها لا تنفع ولا تسمع ولا تضر ولا تدفع، ويضلل آباءهم ويسفه أحلامهم حين احتجوا لما يصنعون بما كان يصنع أولئك الآباء الذين لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون! .
ويشتد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحيانا في دعوته ، ويعلو في نبرته حتى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه ، ويلين أحياناً حتى تتندى عيونه الكريمة بالدموع حسرة على قومه ولسان حاله يقول:)يا ليت قومي يعلمون( يس/26 فإن للشدة في ظل الرحمة موضعاً لو جعلنا اللين فيه بدلاً، لم يبق للرحمة معنى أو جدوى، كما أن للين موضعه في ذلك الظل الظليل .
ألم يقل الشاعر الحكيم:
 
 

من الحلمِ أن تستعملَ الجهلَ دونَهَ

 

إذا اتسعتْ في الحِلمِ طرقُ المظالمِ!

 
وقد تكون الشدة رداً بالمثل كما قال تعالى :) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ( (البقرة/194)، وقال :) وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ( (العنكبوت/46).
وليس من دين الله الصبر المستديم على الضيم أو الاعتداء. بل الحكمة تلزم المسلم أن يعرف متى يصبر ويعفو، ومتى ينتصر ويقسو . وقد قال تعالى مادحاً : )والذين  إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ( (الشورى/39). فلم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم متناقضاً مع نفسه - وهو الرحمة المهداة - حين سمل أعين الغادرين من قبيلتي عُكْل وعُرَينة ، وقطع أيديهم وأرجلهم ، وتركهم وهم على هذه الحال في الشمس يستسقون الماء فلا يسقون ، ويستغيثون ولا يغاثون حتى ماتوا ! جزاءاً وفاقاً ، وإلا لعمّ الفساد وأمن العابثون فتجرأوا فزالت الرحمة من المجتمع . إن هؤلاء قوم أفسدتهم الرحمة فحقهم أن يحرموا منها جزاءاً وشفاءاً وحماية للناس و.. رحمة بهم كما قال تعالى:)وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ (البقرة/179) . والقصاص موت ولكن .. لا بد منه أحياناً لتحفظ الحياة !
ولنا في التاريخ عبرة : عثمان بن عفان t اللين الحيي الكريم الرحيم ماذا نفعه لينه يوم شغب عليه الشاغبون ( العرنيون ) ؟
ما ضر عثمان – غفر الله له ورضي عنه - يومها لو وضع  سيفه على متنه ، وجز ( رؤوساً قد أينعت وحان قطافها ) ؟!! إذن لجنب الأمة أنهاراً من الدماء ، وفتناً عصفت حتى كادت تأتي عليها ، لا زلنا نلعق جراحها ونعاني آثارها ، ولساد الأمن وعمت الرحمة.
 
الفرقـان
ولقد فرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يدعو الناس - بين الحق والباطل تفريقاً ما عليه مزيد . أليس الكتاب الذي انزل عليه هو (الفرقان) ؟! وصرح بفساد ما عليه المشركون تصريحاً ليس معه تأويل أو إبهام. وكذلك فعل مع اليهود والنصارى حتى قال لهم: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ( (المائدة:86).
وفضح أحبارهم ورهبانهم فقال: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ( (التوبة/34).
وواجه جمهورهم بالحقيقة المرة وهي أنهم )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ( (التوبة/31) . بل كفرهم صراحة ، وشهد لهم بالنار مع أنهم يعيشون معه في مدينة واحدة ، وبينه وبينهم وثيقة تعايش ومعاهدة ! لكن ذلك لم يحمله على أن يجامل أو يكتم عنهم الحق والحقيقة. )وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ( (الطارق/11-14) .
 إن اللين وحده ميوعة لا تليق بالجادين ، ولا تنبغي لحَمَلَة قضية صدقوا في حملها وجدوا في تبليغها ونقلها. إنما ذلك شأن الأدعياء الذين نذروا الدين لأنفسهم وليس أنفسهم للدين.. كما يدعون.
وإن الشدة وحدها غلظة وفظاظة تعبر عن عوج في النفس ، وضيق في الأفق لا يليق بمن سمت غايته ، ولا ينبغي لمن عظمت قضيته ، و( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ) . وإن طريقه لطويل ، وغايته وراء الأفق - أو قل هي عنده - فمن انبت واشتد على طول الطريق تعب وانقطع ، فلا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع.
 
ما هو الحق؟
ببيان الحق يزول الباطل. هكذا يقولون. أي دع الخلق للخالق ولا تتعرض لباطلهم بسوء. ولكننا نعلم أن لوجه الحق جانبين أو له جناحين لا يطير إلا بهما مجتمعين. أو قل: له عينان إحداهما تنظر إلى المعروف فتمدحه وتدعو إليه، والأخرى تنظر إلى المنكر فتذمه وتنكره و..تدعو عليه.
فالحق لا يُعرف ولا يبصر ولا يَستقيم إلا بأن يبين وجهه بجانبيه ،وينظر بعينيه، ويطير بجناحيه .وإلا كان مبهما أعور كسيرا وهو الواضح المبصر المستقيم.
من أجل هذا جاء في التنـزيل : )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا( (البقرة/256) ، فكان الكفر بالطاغوت قرين الإيمان بالله بل.. مقدما عليه!
 
القرآن مرجعنا.. وسنة رسول الله e
مهما بدت لنا المناهج والأفكار جذابة قوية، فان شرط قبولها لدينا نحن المسلمين أن لا تصطدم مع كتاب الله أو سنة رسوله  صلى الله عليه وآله وسلم. فان كان في مسألة معينة رأي وللقران قول فان من شروط إيمان المرء أن لا يقدم بين يدي الله ورسوله . فالقول ما قال الله ورسوله والحكم حكمهما.
بيان الحق كفيل بزوال الباطل.. رأي.
إياك وتنفير الناس.. رأي.
لا تذكر أباطيل الرافضة ولا ترد عليها.. رأي
اذكر لهم من الحق ما لا ينكرون، ودع ما سواه مما لا يقبلون.. رأي.
ينبغي أن تكون الدعوة لينة وهادئة دائما.. رأي.
الشدة مرفوضة على طول الخط.. رأي.
بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة..  رأي.
وتسمية هذا كله (حكمة).. رأي كذلك.
فما هو حكم الله تعالى وحكم رسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟
أو ما هو المنهج الإلهي النبوي في الدعوة إلى الحق وتغيير الباطل وإصلاح الفرد والمجتمع ؟
 
 
الباب الأول
 
المنهج القرآني
في الدعوة وإحداث التغيير الاجتماعي

من مزايا المنهج
 

  1. الوضوح والثبوت القطعي

ليس المنهج القرآني في الدعوة والتغيير من الموضوعات الظنية التي يسوغ فيها الاختلاف وتعدد الآراء، أو الخفية التي تحتاج إلى بحث وتنقير. بل هو واضح ظاهر للعيان كظهور الماء في البحر المحيط لا تحجز رؤيته الشطآن ولا ينبغي ان يختلف فيه مسلمان، لكثرة أدلته من جهة ووضوحها وصراحتها من جهة أخرى.
والحقيقة التي لمستها أني لم أبحث موضوعاً- بعد مسائل الإيمان والعقيدة- في القرآن فوجدت عليه من الأدلة الكثيرة الصريحة كهذا الموضوع حتى كدت أغرق فيها من كثرتها وصعوبة احتوائها وتصنيفها!
 

  1. الثبات أو القدم والخلود

ومن مزايا هذا المنهج قدمه وخلوده. فهو منهج الأنبياء عليهم السلام والدعاة الذين قص الله تعالى علينا نبأهم جميعا، على اختلاف أممهم وظروفهم وأزمنتهم وأمكنتهم. إنه منهج واحد لم يتغير بتغير هذه العوامل وغيرها من المتغيرات! مما يدل على ثباته ووحدانيته حتى يمكن ان نقول فيه: إنه يغير ولا يتغير!
 

  1. العموم!

لقد واجه الأنبياء عليهم السلام بهذا المنهج أديانا مختلفة.
وواجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أديانا ثلاثة اليهودية والنصرانية والشرك ومعها النفاق الذي يمكن تصنيفه على أنه دين رابع.
إن بين هذه الأديان اختلافات جذرية وبين أهلها بعضهم مع بعض كذلك، لكننا حين نتابع المنهج في سور القرآن وآياته التي اختصت بعلاج أي دين من هذه الأديان نجده واحداً رغم تلك الاختلافات بين الأديان وبين الأعيان. وإذن فحين نعرض للمنهج في تعامله مع اليهود والنصارى والمشركين وكذلك المنافقين كلاً على حدة من خلال السور الأربع (البقرة وآل عمران والأنعام والتوبة) التي تعتبر مختصة بالتعامل مع هذه الأديان على التوالي- فإنما نستخلص منهجاً عاماً للتعامل مع جميع الأديان والفرق التي جانبت الصواب وضلت الطريق، وليس منهجاً خاصاً مقتصراً على من سبق ذكرهم فإذا خرجنا مثلا إلى المجوسية أو الزندقة أو البوذية كان علينا أن نبحث لها عن منهج ملائم غير المنهج القرآني الذي نجده هو هو مع جميع الأديان التي واجهها الأنبياء على مر التاريخ.
إن هذا الثبات مع هذا التنوع  والاختلاف دليل واضح على العمومية. كما أن القاعدة الفقهية الأصولية التي تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب صالحة التطبيق هنا.
ولهذا نجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحرك بالمنهج نفسه في مكة المكرمة حيث المشركون، وفي المدينة المنورة حيث اليهود وكذلك المشركون ومعهم المنافقون، واستعمله مع النصارى كذلك . وأرى أن السبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين:
أولهما: أن الباطل مهما اختلف في ظاهره وفروعه وتفصيلاته وحتى أصوله المميزة من قوم إلى قوم ودين إلى دين فهو واحد في حقيقته وجذوره ومرتكزاته !
وثانيهما: أن البشر- مهما اختلفوا في أجناسهم وألوانهم وظروفهم ومواقعهم وأزمنتهم فهم- متشابهون في التركيبة الأساسية للنفوس والعقول )فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ{ (الروم/30) .
 
 
الفصل الأول
المنهج
من خلال الخطاب القرآني
للأديان الباطلة الكبرى
 

  1. المنهج من خلال سورة (البقرة) وخطابها لليهود

 
خاطبت سورة (البقرة) في جزئها الأول اليهود. ولليهود مع البقر والعجول مواقف وقصص، فجاء هذا الاسم ليعبر عن تعلق السورة الكريمة بهم. كما أن (آل عمران) هم عائلة عيسى u فسميت السورة باسمهم لتعلقها بالنصارى ونبيهم المسيح. كذلك سورة (الأنعام) سميت بهذا الاسم لاختصاصها بخطاب مشركي العرب وقريش الذين اشتهروا دينيا واجتماعياً بذبح القرابين من الأنعام وتقديمها للأصنام. أما سورة ( التوبة ) فلها اسم آخر هو ( براءة ) يلخص حقيقة خطاب الله تعالى للمنافقين في شيء واحد هو البراءة منهم ومن أعمالهم ـ وكذلك المشركين ـ حتى يتوبوا .
 
الدعوة إلى الحق
ابتدأت السورة بدعوة اليهود إلى الدين الحق وفاء بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم مع الله عز وجل: )يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ( ثم علت نبرة الخطاب بعد هذه البداية (الهادئة) شيئاً قليلاً في الآية الثانية: )وَآمِنوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ( ثم علت أكثر في الآية الثالثة: )وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون{ وظلت النبرة في علوها المتصاعد آية آية حتى دمغتهم بتذكيرهم بأجدادهم الذين خالفوا الأمر وارتكبوا ما نهوا عنه فغضب الله عليهم فقال لهم: )كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين( .
 
التحذير من الباطل
ومع الدعوة إلى الحق، والإيمان بالإسلام، والأمر بالصبر والصلاة والزكاة، تجد التحذير من أباطيلهم وانحرافاتهم متشابكا متداخلا . فليس هناك من تورية ولا مجاملة بل وضوح وصراحة كاملة ، في ذكر حقائق مرة عن دينهم المبدل وما هم عليه من أخلاق وتلبيس وكتم للحق عن علم، وازدواجية لا تتناسب مع حملة كتاب وأمة رسالة.
ولم تكتف ببيان الحق البعيد عن الإثارة بل أمرتهم بالحق المعطل الذي ينفرون من ذكره وأمرِهم به، وزادت فذكرت تفاصيل باطلهم وذكرتهم بمخازيهم وكشفت عن سوءاتهم ما مضى منها وما حضر، إلى أن جردتهم من الانتساب الحقيقي لركب الأنبياء عليهم السلام إبراهيم وموسى وإسحاق ويعقوب والأسباط في الوقت الذي أعلنت أن هؤلاء (مسلمون) ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مشركين، وأن الوريث الوحيد لهم الذي يستحق تلك النسبة هم (المسلمون) حملة المنهج الحق الذي كان يحمله أولئك الأنبياء الكرام عليهم السلام الذي تنصل عن حمله اليهود فكان مثلهم كمثل الحمير تحمل أسفارا!
 
اليهود- التاريخ المخزي
بعد الشوط الأول الذي انتهى بأمرهم بالصبر والصلاة يبتدئ شوط آخر طويل يتعلق بتاريخهم، وملخصه نعم وغفران يقابله جحود وكفران! وتفلت وعصيان !! بل تكبر وتبجح وطغيان!!!
وفيه سلسلة طويلة من المخازي وسوء الأفعال والأخلاق غالبها في صيغة الخطاب المباشر كأن الذين ارتكبوا تلك المخازي والآثام ليسوا جيلاً أو أجيالا مضت وانقضت وانما هو هذا الجيل الحاضر المخاطب: )وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)َ)وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)… وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ …(61) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ…(6) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ… (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65) …ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً …(74)(.
ذلك ليلفت الأنظار إلى أن النفوس واحدة فلو تكررت التجربة لتكرر الفعل!
 
الانحرافات الحاضرة
استغرق الشوط السابق خمساً وعشرين آية قبل أن تنتقل السورة من استعراض مخازي الماضي إلى مخازي الواقع. ولا شك أن هذا أدعى للنفرة وأشد إيلاما للنفس. وكان يمكن لليهود أن يقولوا: إن محمداً يردد مآسي الماضي، بل يُحمِّلنا تبعاتها، وينكأ جراحاً قد اندملت ، بدلاً من أن ينشغل بعلاج الجروح التي تجددت ! أليس الأولى به - إن كان جادا في ادعائه ودعوته، ومخلصا في مد أيدي اللقاء والتعاون بيننا - أن يسكت عن مساوئنا أو - على الأقل - يتناسى ما مضى منها ؟ أليس كتابه يقضي بـ )أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( (النجم:38) ؟ فما لنا ولمن مات فكان من سكان القبور؟ بل ما لمحمد ولهم؟ ألا يتركهم يرتاحون في قبورهم حتى يخرجهم منها ليجلدهم وهم موتى لا يقدرون على الرد ولا عن أنفسهم يدفعون!
كل هذا ممكن ولعلهم قالوه وسخروا من هذا ( التناقض ) بين الدعوى والسلوك!
ولكن القرآن ومنهجه له شأن آخر! أليست هذه النفوس المخاطبة كالنفوس الميتة سواءاً بسواء ؟ ثم إن هؤلاء لم يتنصلوا من أفعال أسلافهم ومقترفات أيديهم، ولم يشعروا تجاهها بالخجل. بل على العكس فإنهم يتبجحون بتلك الأفعال وذلك التاريـخ ، وزادوا فادّعوا أنهم شعب الله المختار! وانهم }أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ{ (المائدة:18)!!
إن في هذه لذكرى ودرساً قرآنياً عظيماً ! درساً يعلم الأمة أن من كان له مثل هذا التاريخ المخزي ثم هو يشمخ بأنفه ويفخر به بدلاً من أن يتنصل عنه ويعتذر منه ينبغي أن يدمغ بذلك التاريخ ويعيـّر به ليعرف حقيقة نفسه ويشعر بأن الناس يعرفونه على حقيقته علّ ذلك يردعه ويجعله يشعر بالنقص إزاء ذلك. ولعه يرعوي أو – على الأقل - يتأدب وهو يتعامل مع الأتقياء الأطهار!
قارن هذا بموقف العرب آنذاك من اليهود واحترامهم لهم ومجاملتهم بل الرجوع إليهم في بعض المسائل الدينية! ورد الفعل اليهودي إزاء هذا الموقف المجامل!!
ولقد تعذُرُ العرب الأوائل في هذا لافتقادهم الكتاب المقرر والمنهج المحرر ، فما عذر الأواخر إذا انتكسوا إلى تلك الجاهلية مع وجود الكتاب المنـزل والمنهج المفصل مع اليهود واخوتهم وأشباههم ومن هو أخطر منهم وأخزى؟!
وتأمل موقف اليهود اليوم مع الفاتيكان وكيف يتهمون بابواته دائماً بأنهم يضطهدون اليهود كيف فعل فعله في نفوس النصارى حتى باتوا يشعرون بعقدة الذنب  فصاروا يحاولون عبثاً أن يبرؤوا أنفسهم ويداووا نقصهم. ولأول مرة في تاريخ الكنيسة البابوية يعلن البابا براءة اليهود من دم المسيح. ولكن هل اكتفى اليهود بهذا؟! كلا! فإن المريض بعقدة الاضطهاد لا يكف عن الشكوى والعويل ولو كان في وسط النعيم!
 ولا زال اللوبي اليهودي مستمراً في شكواه وتهمه والفاتيكان في اعتذاراته وتنازلاته دون جدوى! وها هو اليوم يعلن على لسان البابا يوحنا بولص السادس عن سابقة أخرى لم تحدث له من قبل وهي الموافقة على فتح ملفات الفاتيكان الخاصة بالبابا يبوس الثاني عشر من الفترة المحصورة بين عام 1922-1939 لمراجعتها من أجل تبرئته من علاقته بالنازية الألمانية ومعاداته للسامية!
يقول البابا الأخير مبرراً  ذلك: أنه يريد أن يضع حداً لاتهام يهودي غير عادل ضد البابا المذكور! ولن يستطيع أن يضع حدا لمسلسل الاتهام! إنه يطرق الباب الموصود بل جداراً ليس له من باب ولا.. جواب !
قارن هذا مع طريقة القرآن ومنهجه في علاج أولئك المصابين بعقدة الاضطهاد تجد الطريقتين مختلفتين والمنهجين كلاً في طريق.
ولعلك إذا سألت البابا لأجابك: إنها ( الحكمة )!
وإذا كان البابا يضطر إلى الجنوح تجاه الضغط والإرهاب الفكري إلى عقله وهواه لأنه بلا كتاب منـزل ولا منهج واضح مفصل ، فلماذا يجنح الجانحون من الذين يدعون حمل الكتاب ومعرفة المنهج الصواب إلى ما يجنح إليه النصارى الضالون شبرا بشبر وذراعاً بذراع ؟! أم.. ( إنها السنن؟ حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم ) ! (ولو كان فيهم من يأتي أمه عيانا لكان في هذه الأمة من يفعله) ! بلى ورب الكعبة ! وصدق رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم؟!
 
أشواط من ذكر الباطل أخرى
ويبتدئ شوط آخر يتناول تفاصيل أخرى لباطلهم وانحرافاتهم الواقعة يبتدئ بقوله تعالى: )أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ…(76)( )وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (78)  فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً…(80)(
واستمرت الآيات وتوالت الأشواط تعدد مساوئ اليهود المعاصرين في حوالي خمسين آية، من نقض المواثيق والتكبر عن الحق والكفر بما انزل الله على الغير وإنكار ما يعرفون من الحق، والتعصب للطائفة ودعوى عدم الفهم، والحرص على الحياة أي حياة، وعداوة جبريل u والسحر والحسد، ولي الألسنة بالطعن واللمز ، وقتل دعاة الحق من الأنبياء وتكذيبهم : }أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون (87) ( .
 
ثم الإعلان عن فشل المنهج الترضوي
بعد كل هذا تصل الأشواط إلى حقيقة في غاية الأهمية ألا وهي: فشل المنهج المبني على محاولة إرضاء أمثال هؤلاء ، والإعلان عن أن إرضاءهم غاية لا تدرك إلا بشيء واحد هو اتباع ملتهم وتلبية رغباتهم وأهوائهم فتكون مثلهم !
نجد هذه الحقيقة العظيمة في قوله تعالى :) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120)( .
ألا ترى أيها المسلم القارئ للقرآن المتدبر له كيف جعل الله تعالى هداه ومنهاجه في جانب، والمنهج القائم على الترضية في الجانب الآخر المقابل! ويسمي هذا هوى وذاك هدى.. هدى الله الذي مالكم من دونه من ولي ولا نصير من هؤلاء الذين تحاولون عبثا ترضيتهم ، حتى تكونوا مثلهم!
إن اليهود- وكذلك النصارى - صنعوا لهم دينا يوافق أهواءهم ويحقق أغراضهم وأهدافهم نسبوه زورا إلى الله. فما لم تتبع أنت هذه الأهواء - والخطاب لخيرة الدعاة وأحكمهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- أي هذا الدين المزور والملة المعوجة فلن يرضوا عنك، رغم انك تدعو صادقا إلى اتباع ما جاء به إبراهيم وموسى وبقية أنبيائهم :)قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ (136)( فلو كانوا صادقين في تدينهم ومتبعين حقاً لنبيهم موسى وغيره من الأنبياء لكان هذا كافياً في رضاهم عنك واتباعهم ملتك لأنها ملة أولئك الأنبياء عليهم السلام. لكنهم لا يرون إلا اتباع ما اخترعوه هم بأهوائهم فهم لن يرضوا عنك أبدا لأنك تريد الاجتماع على دين الأنبياء وهم يأبون إلا اتباع الملة التي اخترعوها بالأهواء.
إذن الرضا الذي تطلبونه لن يتحقق إلا بإحدى وسيلتين : إما أن تتبعوا ملتهم فما لكم من الله من ولي ولا نصير ، وإما ان يتبعوا ملتكم وما هم بفاعلين . فاستمسكوا بما انتم عليه من الحق غير مداهنين ولا مجاملين . وادعوهم بثقة إلى الحق المبين . )فَإِنْ
آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)( .
ولا يفوتنك أن تستشعر هذه العزة الإيمانية التي افتقدناها من زمان في ظل المناهج الترضوية الهوائية.
إن هذه الآيات تضع أهلها أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن نحترم أنفسنا ونكف عن المداهنات الباطلة ، والمحاولات الآيسة الفاشلة ، طمعاً في إرضاء خصوم لا يرضون . وإما أن نقطع الشوط إلى نهايته ؛ فنكون مثلهم ، ونرتاح من هذا العناء )مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ (143)( النساء .
 
قطع صلة اليهود بأنبيائهم
ومن معالم المنهج البارزة التأكيد على انه لا علاقة بين ابراهيم عليه السلام ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل كيعقوب وموسى عليهم السلام وبين أولئك اليهود المتبجحين زورا بالانتساب إلى أولئك الأنبياء الكرام، مع بيان أن الانتساب الأجوف المجرد عن الإيمان والعمل بما جاءوا به لا قيمة له الميزان. انه أهواء سفهاء ودعاوى أغبياء:) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)… أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)(.
ويعيد الله تعالى المعنى نفسه في سورة ( آل عمران ) بقوله : ) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ
يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)( فليس لإبراهيم المسلم الحنيف علاقة باليهود والنصارى ولا بالمشركين لأنه ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولا كان من المشركين. فقطع صلة هذه الطوائف به قطعا صريحاً باتاً وأبطل ادعاءهم بالانتساب إليه لأنهم اتبعوا أهواءهم ومللهم ورغبوا عن ملة إبراهيم :) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130)(.
 
نبرة الاستعلاء الإيمانية
وتأمل نبرة الاستعلاء في هذه الآيات! تلك التي تغرس الثقة في نفوس المؤمنين وتجعلهم في منأى عن التردي في حمأة الشعور بالنقص المؤدي بهم إلى الجنوح إلى محاولات الترضية المخجلة المتمثلة في كيل المدائح المجردة للرموز المتبعة كذبا عسى أن يلين أولئك المتبعون فيصدقوا أننا نحب رموزهم ونتبعهم حقاً، فيرضوا عنا ونكون منهم ويكونوا منا.
كلا. بل القرآن لا يعترف بانتسابهم هذا من الأساس. إنه يسحب البساط من تحتهم ويجعله تحت المنتسبين الحقيقيين . فعلى اليهود وأمثالهم أن يثبتوا لهم صدق دعواهم ويأتوا إليهم ليرضوهم ويفوزوا بمنحهم صك التوثيق والاعتراف، وذلك بالإيمان بمثل ما آمن به المؤمنون المتبعون حقيقة لمنهج الأنبياء عليهم السلام: )فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (137)( فالإيمان الحق إيمانكم وهو المقياس، وهو النموذج الذي يقاس عليه ويحتذى حذوه. فانتم الأصل وانتم المرجع وعلى اليهود ان يأتوا إليكم صاغرين تابعين، وإلا فـ )إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (137)( فالكافي هو الله فارجع إليه واتبع منهجه تفز بنصره ورضاه ، وتكن على يقين من أنك على هداه. وأما من خالف وأبى فلا تأبه لهم ولا تنشغل برضاهم أو سخطهم فان الله سيكفيك ويغنيك ويحميك.
 
عدم الاكتفاء بمدح المتبوع دون الدعوة إلى اتباعه
وجملة القول أن القرآن الكريم حين يذكر المتبوع لا يكتفي بمدحه دون أن يقرنه بالدعوة إلى الغاية العليا منه إلا وهو الالتزام بمنهجه مع التصريح بأن الاتباع هؤلاء كاذبون في ادعائهم التبعية بالدليل القائم على ذكر تفاصـيل ما يكذب دعواهـم مـن
انحرافاتهم المخالفة لمنهجه ودينه ودعوته.
هذا هو منهج القرآن وهذه هي ملة إبراهيم u : )وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130)(.
 
الأركان أو العناصر الخمسة للمنهج القرآني
يتبين من خلال التتبع الدقيق لآيات القرآن الكريم أن المنهج القراني المرسوم للدعوة والتغيير يقوم على أركان خمسة هي:

  1. ذكر الباطل بتفاصيله . وإنكاره بحذافيره . ولعن ظلامه والتنديد به وبأصحابه وإن كرهوا ! وإن نفروا.

  2. الدعوة إلى الالتزام بالحق.

  3. مدح المتبوع بما فيه دون إفراط أو تفريط .

  4. الدعوة إلى اتباع منهجه دون الاكتفاء بمدحه، أو الاعتراف بالحب والانتساب المجرد عن الاتّـباع .

  5. قطع الصلة بين التابع والمتبوع ، وتجريد التابع من كل دعاواه التي تربطه بالمتبوع.

ويلاحظ على المنهج انه لا يعير أدنى اهتمام لمسالة نفرة أصحاب الباطل من هذا الأسلوب وانزعاجهم من مواجهتهم بأباطيلهم . بل إن إنكار منكرهم وإبطال باطلهم هو أول ركن من أركان هذا المنهج القرآني العظيم .
 
2المنهــــج من خلال سورة (آل عمران) وخطابها للنصارى
 
وعلى النهج نفسه سارت سورة (آل عمران) في خطابها للنصارى خصوصاً وأهل الكتاب عموماً. ولم تختلف عنها إلا في حدة لهجتها إذ اختلفت فخفّت بعض الشيء لاختلاف النصارى عن اليهود في وقاحتهم وسوء أخلاقهم.
 
أركان المنهج
 
 

  1. إنكار تفاصيل الباطل ولعن ظلامه

 

  1. اتباع المتشابهات وترك المحكمات .

ابتدأت السورة بتعظيم الكتب المنـزلة على أهل الكتاب (التوراة والإنجيل) يتقدمها ذكر الكتاب المنـزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبيان أنها أنزلت هدى للناس لو التزموا بها. أما غير الملتزمين بها فهم قسمان :
1. قسم يكفر بها صراحة : ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(4)( .
2. وقسم يتظاهر باتباعها. لكنه يسلك في هذا الاتباع منهجاً منحرفاً يؤدي به إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها الكافرون صراحةً، ملخصه اتخاذ المتشابهات منها أصلاً معتمداً بمعزل عن المحكمات التي هي الأصل الذي ينبغي أن يعتمد ويتبع وتفهم على ضوئه المتشابهات ويرجع في فهمها إليه.
لقد ترك النصارى محكم قول عيسى u : )َإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)( واتبعوا شبهة ما أنزل الله بها من سلطان هي كون عيسى قد ولد من دون أب ليستنبطوا منها أنه ابن الله وانه اله مع الله بل هو الله نفسه تجسد فرأيناه ،تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
هذا المنهج الفاسد هو الذي عبرت عنه السورة في بدايتها فقالت:) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ(7)(
إنه المنهج الذي ما ضل قوم إلا اتبعوه. وما اتبعه قوم إلا ضلّوا !
 

  1. تكفيرهم وكشف زيفهم

)إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)(
)أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)(
)لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)(
)قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(32)(
)إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)… فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)(
)قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) (
وجاء في سياق هذه الآيات الأمر بإيجاد الأمة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر وأن هذا هو سر خيريتها: ) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)(
)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ (110)
( فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس بالمداهنات والمجاملات وكتمان الحقائق يكون الفلاح ووحدة المجتمع . وبعكسه يكون التفرق والاختلاف والخسارة مهما حاولنا التجمع والحفاظ على الوحدة ؛ لأن التجمع على غير الحق ممحوق البركة لا يكون . وإن كان فلا يدوم . ولذلك جاء النهي بقوله: ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)( بعد الأمر بتكوين الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر. فتأمل كيف جعل هذا مقابل هذا! أي ان الوحدة والجماعة في شرعنا لا ينبغي أن تبنى على مداراة الباطل وكتمان الحق حفاظاً على المشاعر، فيكون التسالم على ترك المعروف وإقرار المنكر. بل على العكس فان هذا هو أساس الفرقة مهما بدا أصحابه في ظاهرهم مجتمعين موحدين !
 
ج. نقض الميثاق وخيانة الأمانة
)وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)(
 
ليسوا سواءا
وفي وسط هذا يتبدى الإنصاف بذكر أن في هؤلاء صنفاً آخر إذا عرف الحق اتبعه.
إذن علينا دعوتهم وبيان الحق لهم. يقول تعالى:) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ ءَانَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)(
)وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ( 75)(
)وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)(
إن هذا الصنف لا يضره ولا (ينفره) في المحصلة النهائية ذكر المساوئ التي تلطخ بها أهل ملته، ولا تزعجه الحقائق مهما تكن مرة بدليل أن السورة تكلمت عن هذه الحقائق بصراحة تامة.
بل ذلك أدعى لاتباع الحق وترك الباطل، لأن من كان الحق بغيته اتبعه من أي جهة كان. أما من كان الهوى سائقه وغايته فلن تنفع معه المجاملات بل ولا المداهنات!
 
2. الدعوة إلى الالتزام بالحق
نستطيع أن نقول : إن الأمر بالمعروف والدعوة إلى الالتزام بالحق في اغلب آيات السورة لا يظهر إلا من خلال النهي عن المنكر والتنديد بالباطل والتحذير منه. ولم أجد فيها إلا القليل من الآيات الخالصة في دعوتها إلى المعروف المحض. من ذلك: )إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (19) وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ
اهْتَدَوْا (20)
(
)أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ
 يُرْجَعُونَ (83)
(
)وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)(
)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَينَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)(
 
3. مدح المتبوع
)إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)… فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا…(37)… وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين َ(42)… إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)(.. الخ الآيات التي جاءت في مولده ودعوته إلى أن تنتهي بوفاته u ورفعه إلى السماء .
 
4.الدعوة إلى اتباع ما كان عليه المسيح u والأنبياء الآخرون
)إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)(
)إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعوهُ(68)(
)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا  وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ(64)(
)مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)
(
 
5. قطع الصلة بين النصارى ورموزهم
)مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ (67)
(
)فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52)(
فالحواريون تلاميذ عيسى u مسلمون وليسوا نصارى فأولئك على دين وهؤلاء على دين آخر.
 
القصص الحق
انتهت قصة ميلاد المسيح u بإبطال عقيدة النصارى في كونه ابناً لله احتجاجاً بولادته العجيبة من غير أب وغيرها من العقائد . ثم كان التعليقُ على القصة بقوله تعالى:) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ (62)
( فالقصص الحق ما كان غايته إحقاق الحق وإبطال الباطل لا إلهاء الناس بما يشغلهم عما ينفعهم ولا يحذرهم مما يضرهم، أو ما كان مسوقاً لغرض المدح المجرد.) فَإِنْ تَوَلَّوْا( أنجاملهم كي لا نخدش مشاعرهم؟)  فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)(.
الصبر على دعوتهم
وتنتهي السورة بالأمر بالصبر على أذاهم بسبب الابتلاء بدعوتهم ومجاهدتهم على ذلك كما قال سبحانه:) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ منَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ(186)(
وفي آخر آية يقول الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)(
ولا يفوتنك أن تلاحظ هنا أن لعن الظلام وإنكار الباطل وتعريته جاء مفصلاً على عكس بيان الحق والدعوة إليه فقد جاء في غالبه من خلال الأمر الأول .
 
سورة (النساء) و(المائدة)
ما سورة (النساء) و(المائدة) إلا استمرار في الحديث عن اليهود والنصارى وتعريتهم إلى حد الجلد طبقاً لهذا المنهج الذي فصل في ذمهم أكثر مؤكداً بوضوح على ضرورة مفاصلتهم والبراءة منهم وعدم موالاتهم، مبيناً أن هذا شأن المنافقين الذين يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة تحت شتى الذرائع والحجج.
 
3- المنهج من خلال سورة (الأنعام) وخطابها للمشركين
سورة (الأنعام) اختصت بدعوة مشركي العرب والرد على أباطيلهم. وقد سارت السورة الكريمة على المنهج نفسه دون أدنى تغيـير. ونستطيع معاً متابعة فقرات المنهج بأركانه الخمسة من خلال السورة ببساطة تامة ، فتعال معي:
 
أركان المنهج
 

  1. إنكار الباطل ولعن ظلامه تفصيلاً

لقد أنكرت السورة ما عليه المشركون من انحرافات في العقيدة والسلوك والشعائر والعبادة، وبالتفصيل دون اعتبار لرضاهم وغضبهم، مبينة أن هذا التفصيل مقصود لذاته لأنه ضروري من أجل غاية عظيمة هي كشف حقيقة المجرمين وتبيـين سبيلهم حتى لا يقع أحد فيه:
)وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55)(
من هذه الانحرافات :

  1. الإعراض عن الحق

)وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ…(6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)…(

  1. الشرك

)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(14)(
)أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا
تُشْرِكُونَ(19) … وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(22)ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)(
)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْترى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)(

  1. الكفر باليوم الآخر

)وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29)وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ(31)(

  1. جحود الحق

)قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)(

  1. دعاء غير الرب

)قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(40)بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ(41)(
)قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(56)(
)قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(63)قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)(
)قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا(71)(

  1. اتخاذ الدين لعباً ولهواً

)وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا(70)(
وهو يشبه ما جاء في قوله تعالى في سورة الأنفال عن صلاتهم:
)وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً(35)(

  1. إنكار النبوة

)وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ(91)(

  1. إضافة الزوجة والولد إلى الله جل وعلا

)وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(101)(

  1. وصف الكبراء بأنهم مجرمون ماكرون

)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا
 يَمْكُرُونَ (124)
(

  1. الشعائر والذبائح الشركية وقتل الأولاد والتحليل والتحريم بالهوى

)وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون َ(136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون َ(137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)(

  1. الاحتجاج بالقدر

)سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا ءَابَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)(
ل. الوصايا العشر أغلبها محرمات جاء النهي عنها
)قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ (153)
(.
 
إنكار الباطل مقدم على تبيان الحق
وردت في السورة كثير من مفردات الباطل المنكرة التي أدين بها المشركون وسفهت بها أحلامهم يصعب إحصاؤها، حتى يمكن أن نقول مقارنة بما دعت إليه السورة من مفردات الحق: إن القاعدة في المنهج القرآني معاكسة لما عليه المنهج الترضوي القائم على ذكر بعض مفردات الحق دون التعرض للباطل. ذلك أن المنهج القرآني يقوم على التنديد بالباطل وإنكاره تفصيلاً اكثر مما يقوم على ذكر مفردات الحق بتفاصيلها.
وهذا هو الذي يتماشى مع المنطق. فإن الانتقال من مذهب أو دين إلى آخر لا يكون أو يصح إلا بترك جميع ما عليه ذلك الدين من مخالفات للدين الجديد، ثم بعد ذلك يكون الالتزام بما عليه هذا الدين من خصائص تمثل الحق. والترك مقدم على الفعل تقدم التخلية على التحلية. ولهذا كانت شهادة الدخول إلى الإسلام قائمة على النفي أولاً قبل الإثبات: (لا إله.. إلا الله) ، ويصدقه قوله تعالى : ) فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(256)( البقرة وقوله : ) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ(11)( التوبة.  فقدم التوبة من الشرك وهي مفتوحة مطلقة على الالتزام بالحق وهو محدد بالصلاة والزكاة.
ويلاحظ ان القرآن يدعو إلى أصول الحق وأساسياته ويترك كثيراً من تفاصيله إلى السنة، بينما يضيف إلى إنكار أصول الباطل كثيراً من تفاصيله.
كذلك يمكن أن نقول: إن الدعوة إلى الحق في المنهج القرآني كثيراً ما تكون من خلال إنكار المنكر على اعتبار أن ما نفي أو أنكر فالحق في خلافه .
 

  1. الدعوة إلى الحق وهو الإسلام وأساسه التوحيد

)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ(2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(3)(
)قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ  يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18){
)وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)(
)قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)(
) إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الأصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)(.
)فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ(118)(
 

  1. مدح المتبوع بما فيه دون غلو

أثنت السورة على خليل الله إبراهيم  u دون غلو أو تقصير . وإبراهيم هو أبو العرب إليه ينتسبون وبه يفخرون وبدينه يدعون أنهم يدينون. من ذلك إيرادها لقصة محاججته لأبيه وقومه في قوله تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(74) -إلى قوله- نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)(.
ويلاحظ هنا أن إبراهيم u واجه أباه بقوله: ) إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ( وألقاها بوجهه صراحة دون تردد أو مجاملة بعد أن أنكر عليه اتخاذه الأصنام آلهة! وتكمل الآيات وهي تذكر مجموعة من الأنبياء الكرام جاء عنهم قوله تعالى: )ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(88)( فالأنبياء عليه السلام - إبراهيم فمن دون- يحاسبون ولو أشركوا لما تقبل الله تعالى أعمالهم. وهذا فيه علاج للغلو فيهم ولنا فيه درس عظيم ونحن نتعامل مع الغلاة.
 

  1. الدعوة إلى اتباع الممدوح

ذكرت السورة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأنبياء آخرين أثنت عليهم ابتداءاً وانتهت بالدعوة إلى اتباعهم والإقتداء بهم وذلك في قوله تعالى:) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ الْمُحْسِنِينَ (84) -إلى قوله- أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ(90)(

  1. قطع الصلة بين المشركين وإبراهيم  u

وبلغ المنهج ذروته في نهاية السورة حين أعلنت أنه لا علاقة بين المشركين وبين إبراهيم u لأن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وهؤلاء مشركون. وصرحت أن المنتسب الحقيقي لهذا النبي العظيم هو محمدصلى الله عليه وآله وسلم  وأتباعه ، لأنهم اتبعوا ملته ، ونصروا دينه وحملوا فكرته: )قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)( .
هذا هو المنهج الإلهي وهذه هي ملة إبراهيم. )وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130)( البقرة.

4- المنهج من خلال سورة (التوبة) وخطابها للمنافقين
المنهج نفسه نجده مطبقاً مع مبطلين من نوع آخر هم المنافقون.
سوى أن المنافقين ليس لهم سلف من الصالحين ينتسبون إليهم يمكن مدحهم ودعوتهم إلى اتباعهم والتأسي بهم، أو التصريح بقطع الصلة فيما بينهم ما داموا على باطلهم ونفاقهم فهذه الفقرات الثلاث محذوفة من المنهج لهذا السبب الموضوعي .
 
النفاق أخطر.. ولهجة الإنكار أغلظ  
ونلاحظ فرقاً يعزز المنهج. ذلك أن القرآن العظيم يعطي للمنافقين من الاهتمام أكبر من اهتمامه بالكفار الصرحاء من اليهود والنصارى والمشركين! فالتركيز على أباطيلهم وصفاتهم وكشف سوءاتهم وأساليبهم أشد مما هو عليه مع الكفار! وكذلك لهجة الخطاب نجدها أعنف وأغلظ!
نلاحظ هذا في القرآن من أوله حين تحدث عن الكافرين الواضحين في آيتين فقط، بينما حجز للكافرين المبطنين (المنافقين) مساحة بلغت ثلاث عشرة آية ([4])!
وما ذلك إلا لأن دور المنافق في النكاية بالأمة أنكى وأخطر وأكثر استمرارية  إذ هو يعمل بلا انقطاع في السلم والحرب. وخطره هذا راجع إلى خفائه وتستره.
عكس الكافر المعلن الذي يحفز الأمة للاستعداد والحذر. بينما لا يكون مثله مع المنافق لخفائه. فلا بد من أن تأتي جرعة التحفيز القرآني ضده أكبر، ليتم التوازن.
(إن نكبة الأمة بالمنافقين - كما تثبت الوقائع يوماً بعد يوم- تسبق كل النكبات وأن نكايتهم فيها وجنايتهم عليها تزيد على كل النكايات والجنايات فالكفر الظاهر على خطره وضرره -يعجز في كل مرة يواجه فيها أمة الإسلام أن ينفرد بإحراز انتصار شامل عليها، ما لم يكن مسنوداً بطابور خامس من داخل أوطان المسلمين ويتسمى بأسماء المسلمين، يمد الأعداء بالعون ويخلص لهم في النصيحة ويزيل أمامهم العقبات ويفتح البوابات)([5]).
وفي أول تعرض للقرآن لأول معركة خسرها المسلمون في تاريخهم (أحد) لا تتحدث سورة (آل عمران) عن المعركة بكلمة قبل أن تقدم لها بثلاث آيات طوال عن دور البطانة المنافقة والإشارة إلى علاقتها بوقوع الخسارة . وكما أن الحديث عن دور المنافقين هنا جاء كالمقدمة عن الحديث عن المعركة مع الكافرين فإن دورهم التآمري على الأمة يجيء دائماً كالمقدمة والتوطئة لدور الكافرين!!!.
وكذلك فعل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول حين تمكن أن يتسلل بكيده إلى ثلث الجيش المتوجه للقاء الكافرين في (أحد) فيؤثر على معنوياتهم ويقنعهم بعدم جدوى القتال مع.. مع من؟ مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم !
يقول تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)(
وتقع غزوة تبوك مع الروم ليكون للمنافقين فيها دورهم كما هو شأنهم دائماً فتنزل سورة (التوبة) التي سميت بـ(الفاضحة) أيضاً لفضحها المنافقين و(البحوث) لأنها تبحث عن أسرارهم وتكشفها للمسلمين حتى يكونوا منهم على حذر وترقب و(براءة) لتلخص العلاقة مع المنافقين بإظهار البراءة.
وهذه بعض الوقفات مع هذه السورة العظيمة ومنهجها في التعامل مع المنافقين.
 
منهج السورة مع المنافقين
بعد أن تحدثت السورة عن معركة الإسلام مع خصومه من المشركين واليهود والنصارى أي الكفار الواضحين انتقلت إلى فضح دور المنافقين في هذه المعركة في حديث مسهب عن صفاتهم وتصرفاتهم وأساليبهم ونواياهم المريضة التي يحاولون إخفاءها جاهدين وتلميعها وابتغاء التبريرات الظاهرة لتسويغها وتمريرها. لكن القرآن يكشفها ويفضحها رافضاً أي تعليل واعتذار أو محاولة التقاء وهمي في وسط الطريق. وفي ذلك إرشاد لنا إلى ضرورة هتك الأستار وتمزيق اللافتات التي يرفعها هؤلاء المفترون وعدم الاعتراف بأي شعار أو عنوان لهم حتى لا نعطي لهم فرصة التستر بها والعمل من ورائها أو خلالها.
 
المنهج ملخص في الفضح والإنكار فقط
لم أجد في السورة سوى شيء واحد هو (البراءة) من المنافقين، والنكير الشديد عليهم، وفضح جميع ما يتعلق بدورهم من تفاصيل. أما دعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى الحق فلم أجد لها أثرا سوى إشارات خفيفة قليلة هي إلى اليأس من توبتهم أقرب منها إلى الطمع فيها. وهو فرق أصيل ومهم في تفاصيل المنهج يعززه ويبرزه، ويبطل أساس المنهج الترضوي.
هذه الإشارات جاءت في قوله تعالى: )وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ(59)( و(لو) حرف امتناع لامتناع، يشير إلى اليأس والعدم أكثر من الوجود والطمع.
وفي قوله: )وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)(
وقوله: )يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسلامهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(74)( )لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(66)(
وليس في هذه الآيات الأربع من دعوة أو ترغيب في (توبتهم). إنما جاءت الإشارات من باب الافتراض أن ذلك قد يقع أو يكون مع خشونة في الأسلوب ! وما عداها فليس فيه إلا الفضح والإنكار والشتم إلى حد الجلد والرجم كأن الله يريد ان يقول: إن هؤلاء قوم لا أمل في شفائهم، فليس من علاج إلا التحذير منهم ومن أمراضهم حتى لا يعدوا الأصحاء. فكان التركيز على أعراض مرضهم الداخلية والخارجية وعلاماته حتى يتم التشخيص والفرز لا من أجل العلاج ،ولكن من أجل الحذر. اقرأ هذه الآيات:
)قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ(52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)…إلى قوله…فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(55)(
)فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ(77)(
)اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(80)(
)وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ(87)(
)وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(93)(
)الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (97)(
)لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(110)(
)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(125)أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ(126)وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(127)(
والسبب في هذا -  والله أعلم - (أن المنافقين ومرضى النفوس لا يتيسر علاج أدوائهم من داخل أنفسهم- في غالب الأحيان - لفقدان الوازع وغياب الضمير. ولما كانت عللهم متعدية في الضرر إلى غيرهم، لزم توجيه علاجهم من خارج ذواتهم لا طلباً لبرئهم هم بقدر ما هو لأجل حفظ الناس من شرور أمراضهم)([6]).
ولنأتِ الآن إلى بعض الأمور التي أنكرتها السورة عليهم وأغلظت في لهجة الإنكار:

  1. التخلف عن الجهاد مع التحجج بشتى الأعذار

)لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُون (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)(
)وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ  لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)(
)فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)( ..
وآيات كثيرة غير هذه.

  1. التربص بالمؤمنين والكيد لهم

)لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) )لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) (48)(
 )قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ(52)(
)وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(98)(
3. الفرح بمصيبة المؤمنين والحزن بفرحهم
)إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ
فَرِحُونَ(50)(
4. الكسل عن الصلاة وكراهية الإنفاق
)وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ(54)(
)وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ(75)فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(76)فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(77)أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ(78)(
5. لمز المؤمنين والسخرية منهم سخطاً لأنفسهم وأنانية
)وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ(58)(
)وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ(61)(
)الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(79)(
6. ادعاؤهم أنهم من المؤمنين
)وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ(56)لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ(57)(
وهذا ينسف المنهج الترضوي من الأساس .
)الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ(67)(
7. المنهج التقريبي الترضوي
)يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ(62)(
)يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(96)(
8. حذرهم من الفضيحة
)يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)(
لاحظ أن القرآن يصر على فضحهم وعدم سترهم.
)وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ(127)(
)أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ(78)(
9. الاستهزاء بالله ورسوله وآياته
)يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64)وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)(
10. اتخاذ الأوكار التخريبية التآمرية باسم المساجد
)وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)(   

المعالم الرئيسة للمنهج القرآني مع المنافقين

  1. التركيز الشديد على ذكر فضائحهم وأباطيلهم ولعن ظلامهم حتى يكاد أن يكون هو العنصر الوحيد من عناصر المنهج!

  2. الغلظة الشديدة في الخطاب ومواجهة القوم بأباطيلهم أكثر مما هي عليه مع الكفار الصرحاء.

  3. عدم إعطائهم الفرصة للقيام بما يؤدي مستقبلاً إلى استقلاليتهم وانحيازهم ليظهروا كطرف له كيانه الخاص ومعالمه الدالة عليه. بل ضرب بيد من حديد أول بادرة لذلك متمثلة بمسجد (ضرار). بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسع الأمر الإلهي إلى أبعد حدوده، فقام بهدم المسجد وحرقه وإزالة معالمه مع أن ظاهر الأمر ليس فيه اكثر من النهي عن الصلاة فيه:) لا تقم فيه أبدا(108)(

  4. كبت المنافقين وجعلهم يعيشون حالة من الخوف والشعور بالنقص، تعبر عن نفسها بمحاولات الترضية وادعاء أنهم من المؤمنين ،والقسم بالله على صدق ما يدعون، والمجيء إلى الصلاة ولو كسالى، والإنفاق ولو كارهين. إنهم )يحسبون كل صيحة عليهم(4)( المنافقون. وفي الوقت نفسه واجه القرآن كل تلك المحاولات بالرفض الواضح والاستنكاف من قبولهم أو اعتبارهم من المؤمنين أو الالتقاء معهم في وسط الطريق.

ويستحيل على نفس مؤمنة تقرأ آيات سورة (التوبة) بإمعان وتدبر، وتفكر وتأثر إلا وتخرج منها مشبعة بالثقة العالية بعيدا عن السقوط في مهاوي المعاناة من الشعور بمركب النقص الذي يزرعه في النفس المنهج الترضوي ذلك المنهج الخائب!                                                                      
إن سورة (التوبة) تعلمنا الرفض الإيماني المستعلي على كل محاولة للترضية وإن جاءت محمولة على طبق من ذهب فوق منديل من حرير! بل تعلمنا أن نكفأ ذلك الطبق في وجه من جاء به!! فكيف يرضى مسلم لنفسه أن يعمل حمالاً لتلك الأطباق الخائبة يدور بها خلف ظهور الزنادقة المنافقين؟!
 
الفصل الثاني
منهج الأنبياء جميعاً
 
جاء في صريح آي القرآن ما يلخص منهج الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم أقوامهم بغض النظر عن اختلاف أجناسهم أو عقائدهم أو ظروفهم زمانا ومكانا، أو أحوالهم قوة وضعفاً. ويأمر المؤمنين جميعاً- متى وأينما كانوا- بالتأسي بهم في هذا المنهج.
من ذلك ما جاء في سورة (الممتحنة) من قوله تعالى:) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ( أي منهج عام دائم صالح للتأسي والاقتداء )في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ( على منهجه من الأنبياء والدعاة)إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ( هذا تفصيل المنهج ومحل الاقتداء )إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ( وهذه أول فقرة من فقراته (البراءة)من أهل الباطل والرمي بها في وجوههم قبل البراءة من الباطل نفسه: ) وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ( والكفر بهم بأشخاصهم وأعيانهم وعدم الاعتراف بهم:) كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا( أي ظهر واستعلن من غير خفاء ) وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ ( والعداوة بالأبدان والأفعال مقدمة على البغضاء في القلوب )أَبَداً ( ودائماً)حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ( وتنتهوا عما انتم فيه من باطل وعبادة لغير الله وعداوة لدينه وأوليائه.) إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{ إلا هذه الخصلة فلا تفعلوها. ولعل ذلك – والواقع شاهد - لعلم الله تعالى بالنفوس وضعفها وجنوحها إلى التهرب من تحمل أعباء المواجهة وتبعاتها من تشويه السمعة إلى فقدان المصالح والمركز الاجتماعي إلى الأذى الذي قد يصل إلى القتل؛ فتتعلق بـ(ما تشابه منه) رغم الأمر ووضوح القول! ويكون احتجاجها بالمواقف الجزئية الاستثنائية المرتبطة بظرفها وسببها لتتخذ منها منهجاً معتمداً ثابتاً! مثل استغفار إبراهيم u لأبيه واستغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن سلول وترفقه بِهِ . فتجعل من مهادنة المبطلين ومجاملتهم أو مداهنتهم الأساس والمنهج دون أن توضع موضعها وتنـزل على مواردها. فجاء النهي عن هذه الخصلة صراحة. وبيـّن الله تعالى - حيث نهى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه عن مثلها مع المنافقين - أن ما فعله إبراهيم كان له سبب فهو خاص به فقال: )وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ(114) (التوبة بعد أن قال: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)(
ولثقل هذا المنهج أرشد الله تعالى حملته ومتبعيه إلى الاستعانة عليه بالتوكل على الله والإنابة إليه والإيمان العميق بالمصير إليه ذاكراً أن سالكيه يدعون قائلين:
)رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(4) (فمن توكل على الله لم يخضع لضغوط الترهيب ولا دواعي الترغيب.
أما الترهيب فقد جاء ذكره في قوله: )رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا( أي لا تسلطهم علينا بذنوبنا فيفتنونا ويمنعونا من الإيمان )وَاغْفِرْ لَنَا رَبّنَا( ما اقترفنا من ذنوب قد توقعنا في الفتنة )إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(5)(
وأما الترغيب فجاء في قوله: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ( فمن قصر رجاءه على ربه، واحتسب اجره وثوابه لديه هانت في عينه الدنيا وما فيها، فلم يرغب أحدا سواه.
(ومن يتول) فيعرض عن هذا المنهج رهبة أو رغبة أو ضعف يقين )فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ( لا يحتاج أحدا )الْحَمِيد(6)( لا يريد كثرة على دغل، ولا يفعل ولا يأمر إلا بما يحمد عليه. فمنهجه خير المناهج ودينه خير الأديان مهما بدا للعقول لضعف النفوس أن الغير خير!
ومن صدق رجاء العبد وتوكله عليه أن يؤمن بان الهداية بيد الله لا بيده فمهما اجتهد في جذب القلوب- إلى الله أو إلى نفسه - بغير سبب الله ومنهجه فلن يكون ما يريد. أما إذا اطمأن إلى صحة منهج الله ووثق به وان كان في غير ما يهوى ويرى فصدع بالحق ونصح الخلق فإن الله تعالى سيهدي – إن شاء - من بين لهم الحق من الباطل وقام بالإنكار عليهم وإن أدى ذلك إلى العداوة والبغضاء ابتداء فان الله قدير على هداية من يراه أهلا لهدايته وإضلال من يشاء ممن يستحق الضلالة.
إن هذا المنهج لن يؤدي - في النهاية - إلى نفرة الناس الذين لا ينبغي تنفيرهم
- كما يتصور الكثيرون - كيف! والمنهج منهجه! والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء!

ولذلك قال تعالى: )عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(7)(
وتأمل بين من ومن يجعل الله المودة؟! )بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ(! أي هؤلاء الذين قلتم لهم: )إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ( وما دام أن الذي (يجعل) هو الله (والله قدير) فكِل أمرك إليه واطمئن إلى منهجه وهداه.
لقد نفذ الصحابة الذين نزلت عليهم هذه الآيات ما جاء فيها إلى حد أنهم صاروا يتحرجون من البر العادي بمن لا يعادي الدين من أقاربهم وذوي أرحامهم، ولم يحاولوا أن يتفلتوا منها أو يبطلوا مفعولها بالتأويل يقولون : هذا ينفر الناس ويمنعهم من الاهتداء كما نفعل اليوم فأنزل الله: )لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)( مفرقاً بين نوعين من أهل الباطل: مسالم أجاز بره، ومحارب حرم مودته وهو المقصود بإعلان البراءة والعداوة.
 
 
مع ركب الأنبياء عليهم السلام
 
إبراهيم عليه السلام
تأمل كيف يخاطب أباه الكافر: ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)(
)وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)( ما هذا الرشد الذي أوتيه إبراهيم؟! )إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)( فبدأ بالإنكار أولاً ثم ثنى بان صرح لهم قائلاً: ) لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(54)( .
ولم يكتف حتى هددهم بالكيد لأصنامهم، ونفذ ما هدد به فعلاً فحطمها وسخر منهم بان ترك كبيرها وعلق الفأس برقبته وأشار إليه وهو يقول: ) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)( ثم أنكر عليهم وهو يتأفف: )قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67)( الأنبياء.
أفنحن أرشد ممن شهد الله له بالحلم والعلم والرشاد!
 
نوح عليه السلام
)وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38)فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ(39)( هود. إنه يلعن ظلامهم ويقابل سخريتهم بمثلها ويزيد فيهددهم بالخزي والعذاب المقيم.
 
موسى عليه السلام
وكذلك فعل موسى u النبي الذي أوصاه الله تعالى باللين في الخطاب فقال له ولأخيه هارون u وقد أرسلهما إلى فرعون: )فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)( .
وحين نقرأ الآيات كلها في سورة (طه) يتبين لنا بوضوح أنه ليس من شرط القول اللين أن لا يتضمن حقا يدعى إليه أو باطلا ينكر عليه وإن أزعجه ذلك.  يقول تعالى: )فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ(47)( وفرعون لا يعترف برب فلو قالا: رسولا الله أو رسولا الرب لكان أخف وقعا وألين من هذه الإضافة التي تشير صراحة إلى أن فرعون مربوب لا رب، مع ما فيها من لمز بما يعتقد من ربوبية نفسه.                                                               ليس هذا فحسب! وإنما معه: )فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ(47)( وهما مطلبان يثيران حفيظة كل طاغية بل كل حاكم: المطالبة بالانفصال بجزء من شعبه، واتهامه بظلمه من قبل واحد من الرعية مطلوب للعدالة بتهمة قتل سابقة! ثم يتبعه بقوله: )قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ(47)( مرة أخرى (ربك) ثم ) وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ..( على من؟ : )عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى(47)( وليس على فرعون! ثم ينهي خطابه بقوله: )إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(48)( وهو تهديد ووعيد وشتم ووسم بالتكذيب والتولي عن اتباع الهدى فلا سلام اذن بين الفريقين!
وتذكر لنا سورة (الإسراء) أن موسى حين قال له فرعون: )إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا(101)( غضب وردها عليه قائلاً: )وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا(102)( واحدة بواحدة والبادئ اظلم!
وحين جاء السحرة)قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى(61)( طه. ولم يسرها في نفسه خشية نفرتهم. ولم يمنع ذلك السحرة من
قبول الحق حين رأوا الآيات فأيقنوا بها.
بل آمنوا على الفور }وألْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70)( رغم أنه صرح لهم بأنهم كذابون مفترون خائبون!
 بل قد يكون هذا هو الذي أيقظ أحاسيسهم وولد عندهم انتباهة الصحو باتجاه الإيمان!
من يدري! فليس شيء اشد وقعاً على نفوس المفترين من صاحب حق يصدع بحقه.
 
المسيح عليه السلام
وعلى المنهج نفسه سار المسيح u رسول الحب والسلام: )وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(72)( المائدة.
 
خاتم الأنبياء وقدوتهم محمد e
وعلى الخطى نفسها سار خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما مر بنا ونحن نستعرض المنهج من خلال السور الأربع (البقرة وآل عمران والأنعام والتوبة) ومن أول يوم وفي أول سورة نزلت سورة (العلق) يأتي قوله تعالى:) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)( وهو أبو جهل الذي وصمته الآيات بالطغيان :) كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى(6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(7)( ثم تتابعت آيات السورة تشهر به وتوعده وتعريه)أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(13)(.
)كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)  كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)( هذا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول دعوته قليل مستضعف!
وتنـزل السورة الثانية (القلم) وفيها سب مقذع لبعض عتاة المشركين: ) وَلا
تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ(10)هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13)(. ثم كرت السورة على قريش تنكر عليهم وتسخر منهم.
وهكذا السورة الثالثة (المزمل) وكذلك الرابعة (المدثر) التي اختتمت بعد أن جاء في أولها سب ووعيد للوليد بن المغيرة بالإنكار على المشركين ووصفهم بالمجرمين وتشبيههم في أعراضهم عن الحق بالحمير حين تفر من الأسد أو الصياد )فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)(
وتتوالى السور المكية تنادي بالويل والثبور على رؤوس الكفار وتندد وتسب وتشتم:
)تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1) -إلى قوله - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5)(
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى)وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ( خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا فهتف ينادي: (يا صباحاه) فاجتمعت إليه قريش فقال: (أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟) قالوا: بلى قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا فانزل الله:)  تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ( إلى آخرها.
وأبو لهب عم النبيصلى الله عليه وآله وسلم. والعم بمنزلة الأب فهو أولى بالبر والرفق من غيره والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة إلى مداراته وحمايته. وارعد لها أنف أبي لهب وكذلك امرأته وثارت ثائرتها حتى جاءت بحجر تريد ان ترمي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصرف الله بصرها عنه فانصرفت وهي تسبه وتهجوه. أما كان النبي ودعوته في غنى عن هذه المشاكل وفي حاجة إلى (الهدوء) والموادعة ؟!
 
أسلوبٌ أذلّ الطغاة
إن رؤوس الكفر لا يرغم معاطسهم ويذل رؤوسهم ويجعلهم يشعرون بالصغار إلا كلام شديد يوازي ما هم عليه من طغيان وفساد ومنزلة في قيادة الكفر والخطيئة.
إن هذا الأسلوب هو الذي أذل تلك الرؤوس، وهزم تلك النفوس حتى جاءوا يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  - وهو ضعيف لا يملك شيئاً سوى الكلمة القوية المدوية - أن يسمح لهم بالاقتراب منه ليعبدوا إلهه مرة ويعبد آلهتهم مرة بعد أن عرضوا عليه المال والنساء والسيادة والملك فأبى!
ما الذي يحمل قريش وهي صاحبة القوة والسلطان على أن تتنازل إلى هذا المدى؟!
إنها الكلمة القوية الواثقة والموقف الشجاع والمنهج اللاعن للظلام والأصنام.
ولو اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسلوب (الهادئ) المجامل لما ربح هذا الربح الذي لا يعتبره صلى الله عليه وآله وسلم ربحاً مقبولاً دون أن يتم التنازل من قبلهم كاملاً غير منقوص فينبذوا آلهتهم وينحازوا تماماً إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وتنـزل سورة (الكافرون) رداً عليهم فيغدو بها صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الحرام ليصكهم بها في وجوههم:
) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)…( إلى خاتمتها. حزم وصراحة ووضوح!
)قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ( هكذا انتم كافرون ولا تستحقون أن تنادوا بغير هذا الوصف أو الاسم. وفيه ما فيه من ازدراء وفوقية واستعلاء. إن دينكم باطل وانتم كافرون)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ( ولا لقاء بيننا أبداً !
يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: (لن يصلح آخر هذا الأمة إلا بما صلح عليه أولها) وإذا كان ذلك كذلك فان من أهم أسباب عدم صلاح الحال شيوع ذلك المنهج الأرضي الترضوي المخالف للمنهج السماوي النبوي الذي صلح به أول الأمة .
لقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم  من مكة براكين تتفجر وزلازل ترتج وزوابع تدوي ! ما نزل منزلاً ولا طرق نادياً أو مجتمعاً إلا وصرخ فيه مندداً بالمشركين وآلهتهم منكراً عليهم ما هم فيه من باطل وفساد:) أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى(20)أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى(21)تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى(22)إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى(23)( النجم.
)أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى(33)وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى(34)( النجم.
)وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41)فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ(42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43)
لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ(52)…( الواقعة.
 
بحر متلاطم من الآيات
لو أردت كتابة جميع الآيات الخاصة بالموضوع لاقتضى ذلك مني كتابة أكثر القرآن ! وهذا لا يمكن ولا داعي له فإن العاقل تكفيه آية صريحة أو آيتان . وان كان ولا بد فتجمع له أطراف الموضوع في بضع آيات بينات ، وإلا غرقنا في بحر متلاطم من الآيات لا يمكن قطعه أبدا !

الفصل الثالث
مفاهيم وحقائق قرآنية
 
1. إنكار الأوضاع الجاهلية بالتفصيل
من الحقائق القرآنية أن آيات القرآن ما تركت شيئاً من أوضاع الجاهلية إلا وأنكرته، ودعت إلى تركه وإزالته، سواء منها ما تعلق بالدين أو الدنيا. من الصلاة: )وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً(35)( الأنفال. إلى وأد البنات:) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)( التكوير. وتضمنت سورة (الإسراء) جملة من المنكرات ابتدأت بالشرك وانتهت به مروراً بالتبذير والتقتير وقتل الولد والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم والتطفيف في الميزان والمكيال، وعدم التثبت في القول والتكبر والاختيال.
وسفه القرآن أحلام آبائهم وحرم التقليد الأعمى:) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(170)(البقرة
وأنكر المظاهر البدعية والشعائر الشركية كالذبائح للأوثان والنذور وما أهل به لغير الله. ونهى عن أكل الميتة ولحم الخنزير. وتدخل في أنظمة الجاهلية الاجتماعية فابطل التبني وحرم بعض أنواع الأنكحة. وهكذا… 
وهذا كله مما أثار عليه المجتمع فصار يحاربه ويكيد له ويزدريه ويتهمه ويشوه سمعته، في الوقت الذي كان ينعم أصحاب (الدعوة الهادئة) (الحكيمة) من(الموحدين) بالأمن والدعة والسلام والتكريم والاحترام من المجتمع الذي يخالفونه في عقائده وشعائره ويعرفون ما عليه من باطل لكنهم اختاروا (طريق السلامة أولاً) تجنباً لحدوث أي اصطدام.
ترى! لو ظل أولئك الأحناف الموحدون مئات من السنين ولو كثروا فصاروا بالمئات أو الآلاف هل يتغير بهم المجتمع؟!
إن هؤلاء جميعاً وعلى امتداد الزمان لا يساوون واحداً من الموحدين عرف المنهج الإلهي التغييري (الثوري) حق معرفته وطبقه في حياته ومسيرته!
2. النفي والإنكار مقدم على الإثبات والإقرار
أساس الدين شهادة التوحيد وقد بدأت بالنفي (لا اله) قبل الإثبات (إلا الله). ومن المعلوم أن الله لا يقبل إيمان عبد أثبت لغيره ألوهية مع ألوهيته فان هذا والجاحد سواء. يقول تعالى: )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا (256)( البقرة. فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لان هذا لا يستقيم ولا يصح مع ذاك، كما قال سبحانه: ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين( الزمر. والملاحظ أن القرآن يسهب في إنكار المنكر ويفصل فيه أكثر من الدعوة إلى الحق خصوصاً مع المنافقين فانه لا يكاد يدعوهم إلى شيء سوى انه يسلط الضوء على سوءاتهم، ويكشف مخازيهم وعوراتهم، ويغلظ لهم في ذلك كأشد ما يكون الإغلاظ.
إن تغيير الدين أو المذهب الفكري من أصعب الأمور على نفس المخلوق البشري،حتى إن الإنسان - في كثير من الأحيان - ليتشبث بدينه وطائفته ومذهبه الفكري- وإن تبين له بطلانه - إلى حد الموت في سبيله!
 لهذا فإن بيان مزايا الدين الجديد لا يكفي للانتقال إليه وترك الدين القديم ما لم يتبين للإنسان بطلان ما كان عليه من دين.هذا إذا كان ذلك الإنسان طالباً للحق. أما النفوس الخربة النافرة من الحق المتشبثة بما هي عليه - و إن كان باطلاً - فلا علاج لها في الحالتين. فالناس قسمان: 
قسم إذا عرف الحق اتبعه. وهؤلاء لا بد- حتى ينتقلوا من الباطل إلى الحق - أن يعرفوا أولاً أنهم على باطل.و هذا يستلزم تعريفهم بتفاصيل باطلهم.
وقسم في الظلمات ليس بخارج منها سواء عليه أذكرنا باطله أم لم نذكره .فترك بيان الباطل و عدم إنكاره من أجل هؤلاء الذين لا أمل في هدايتهم يتسبب في خسارة القسم الأول الذين يحتاجون ضرورة إلى معرفة ما هم عليه من باطل ليتحقق انتقالهم منه إلى الحق المبين. يقول تعالى: ]إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ{ (الأنعام:36).
ويقول: ]فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) { (الروم:52).
 
3. فضح الباطل -كبيان الحق- أصلٌ مستقل وهدفٌ أصيلٌ من أهداف الدعوة
يقول تعالى: }وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ{ (الأنعام:55)
ويقول: }لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{ (الأنفال:37)
فتفصيل الآيات وإقامة الدلائل الواضحة من أجل تشخيص الباطل، وكشف طرقه وأساليبه وأهدافه أمر مقصود شرعاً قصداً أولياً مستقلاً عن موضوع بيان الحق. بل لا يتم بيان الحق إلا بكمال بيان الباطل. فهو يدخل في باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)
ولذلك أسباب جوهرية لا يصح التفريط بها منها:
أ- إن بيان الحق وحده دون تشخيص الباطل وتفصيله لا يكفي عند أغلب الناس للتمييز بينهما ولا لمعرفة الباطل وصولاً إلى واجب تجنبه وعدم الوقوع في بعض مفرداته التي قد تكون مهلكة. إلا القلة من الأذكياء والموهوبين الذين يمتلكون القدرة على المقارنة والمقابلة والربط والتحليل والاستنتاج. وحتى هؤلاء لا يمكن أن يصلوا تماماً إلى الغاية المطلوبة، وإلا لما قال حذيفة بن اليمان t: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)[7] أي أن معرفة الخير وحده لا تكفي في تجنب الشر ، وذلك كتحصيل حاصل عن العجز عن معرفته أولاً بمجرد معرفة الخير.
والدين لم ينـزل خاصاً للأذكياء والموهوبين، وإنما جاء عاماً للخلق أجمعين. ولذلك جاءت الآيات والأحاديث شاملة مفصلة لهذا وهذا.
واستمع لما جاء في تفسير (الظلال) :
(أما ختام هذه الآية القصيرة :
"ولتستبين سبيل المجرمين" فهو شأن عجيب ! .. إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة ! إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب . إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً ..إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين . وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق !
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية .. ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر، والتأكد من أن هذا باطل ممحض وشر خالص، وأن ذلك حق ممحض وخير خالص ..
ب- (كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنَّهُ على الحق ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحادده ويحاربه إنما هو على الباطل .. وأنه يسلك سبيل المجرمين، الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدواً منهم ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين)) ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون عن ثقة، وفي وضوح، وعن يقين.
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح .
واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات .
ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم . فهما صفحتان متقابلتان وطريقان مفترقان .. ولا بد من وضوح الألوان والخطوط.
ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلاماتهم، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلاماتهم بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين … وهذا التحديد كان قائماً وهذا الوضوح كان كاملاً يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين ..
ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من
هذا .. إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين …تهجر الإسلام حقيقة وتعلنه اسماً وتتنكر لمقومات الإسلام اعتقاداً … وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام !
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين ، والتباس الأسماء والصفات، والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق !
يعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة فيعكفون عليها توسيعاً وتمييعاً وتلبيساً وتخليطاً حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!
هذه هي المشقة الكبرى .. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل !
يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين .. ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة . ولا تأخذهم فيها خشية ولا خوف ولا تقعدهم عنها لومة لائم ولا صيحة صائح …
إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون !... "وكذلك نفصل  الآيات ، ولتستبين سبيل المجرمين" ..
أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة ؛ وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة ؛ كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة ، ولا يعوقها غبش ، ولا يميعها لبس . فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم ((المسلمون )) وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم (( المجرمون )) … "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" ([8]).
ج- إقامة الحجة على المعاند: وهي إحدى المقاصد العظمى من وراء بعثة الله للرسل كما قال سبحانه: } لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ{ (النساء: 165) وقال: }وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى{ (طـه:134) ، وقال : }لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ{ (الأنفال:42)، والبينة –كما هي متعلقة بالحق- متعلقة بالباطل كذلك.
إن البعض يغفل عن استحضار مقاصد الدعوة وهي متعددة، ليتوهم أن للدعوة غاية واحدة هي استجابة الناس واتباعهم للحق. ويتخذ من ذلك مقياساً وحيداً لصحة الدعوات ونجاحها أو خطئها وفشلها. فيبتعد عن كل ما يتصوره يؤدي إلى نفرتهم، ويسعى إلى تجميعهم ولو على حساب الحق والحقيقة. إنه ينسى أن هناك صنفاً من الناس - وهم كثير - يكرهون الحق لذاته ويعادون أهله، ويحبون الباطل لذاته ويوالون أهله  }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ{ (البقرة:6) . ومع ذلك فالواجب الشرعي يلزمنا بالقيام تجاههم بأمر الدعوة والبيان إقامةً للحجة . لقد قال سبحانه عن اليهود: }أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُم{ (البقرة: 75) وفي الوقت نفسه لم يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوتهم } مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{ (الأعراف: 164).
 
4. خيرية الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثلاثة عناصر صارت بها أمة الإسلام خير الأمم (القديمة والحديثة واللاحقة) جمعها قوله تعالى: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ( (آل عمران: 110). هي:
1- الأمر بالمعروف 2- والنهي عن المنكر 3- والإيمان بالله .
فإنكار المنكر ولعن الظلام أحد أركان الخيرية الثلاثة التي لا تتحقق هذه الخيرية إلا بها مجتمعة.
واعتقد أن تأخير الإيمان بالذكر يشير إلى أنه لاوجود للإيمان إذا ترك الأمران الأولان أو أحدهما. فهما كالسياج الحامي للبستان إذا هدم تسلطت عليه الحيوانات واللصوص والعابثون. فلا خير في أمة تركت النهي عن المنكر أو أحد هذه الأركان بل ولا إيمان!
يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان). رواه مسلم.
إن ترك إنكار المنكر هو السبب الذي من أجله خذل الله أمة بني إسرائيل ولعنها على لسان الأنبياء: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78)كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)( المائدة.
 
5. الجدال بالتي هي أحسن إنما هو مع من التزم حدود الأدب
لكل ارض بذر ولكل داء دواء وإلا مات الزرع وأزمَنَ الداء. يقول تعالى: )وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( ولم يترك هذا بلا قيد إنما ألحقه بقوله: )إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ(46)( العنكبوت.
فمن تجاوز الأدب فليس له عندنا إلا ما يرغمه جزاءا وفاقاً.
وفي القرآن مواقف لأحسن الناس أخلاقاً- الأنبياء تترجم هذا المبدأ الأخلاقي الواقعي: فهذا هود u حين قال له قومه: ) إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ( غضب و) قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55) )إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)(هود.
وحين قالوا له: )إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(66)( و}قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{ (لأعراف:70) ماذا كان رده؟ هل بلعها وانصرف حتى لا ينفروا؟! أم )قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ(71)( الأعراف؟!
 
6. اللين ليس قاعدة ثابتة وليس من لوازمه عدم إنكار المنكر
اللين كأسلوبِ - وإن كان مطلوباً ابتداءً وأصلاً إلا أنه - ليس قاعدة ثابتة لا تغيرها مقتضيات تستدعي عكسها من الشدة والإغلاظ في القول وإلا لما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: )  أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ(66)أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(67)( الأنبياء. ولما قال لوط u  لقومه: )أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ(165)وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ(166)قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167)قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ(168)( الشعراء. هل كان يخاطب قومه بهذا وهو يشرب كوباً من العصير! أم كان يصرخ بها في وجوههم صراخاً؟!
ولا شك في أن الأنبياء u أمروا بالرفق واللين ،  ولكن مع هذا كانوا ينكرون ما عليه أقوامهم من باطل فلا تلازم بين هذا وعدم ذاك أو العكس.
وألين دعوةِ دعوة المؤمن الذي ورد ذكره في سورة (يس)! ومع لينها أنكرت ما عليه المجتمع من باطل وإن اختلف الأسلوب: )وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(22)ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةً…وَلا يُنْقِذُونِ(23)إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(24)إِنِّي ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ(25)(! وكذلك فعل مؤمن آل فرعون. انظر الآيات 28-44 من سورة غافر.
 
7. الحوار يقوم على إبطال الباطل وإحقاق الحق
تأمل ما جاء في سورة (الكهف) من حوار بين الرجل المؤمن والرجل الكافر الذي اغتر بما عنده من مال ومتاع! فيقول: ) لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ…(                                                                 (أكفرت؟) هذه أول كلمة في (الحوار) وهي إنكار وعيب وتهمة ينـزعج لها كل سامع، ومع ذلك فان المؤمن لم يتلاعب بالألفاظ ولم يصور الحقيقة على غير صورتها ولم يزور في تسميتها بغير اسمها )أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً  (41)(!
نعم لم يستجب صاحبه لنذيره وتحذيره، ولكن هذا ليس من شأن المؤمن ولا مسؤوليته. إنما شأنه أن يقول له الحق ويبين الحقيقة ثم: )فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(29)( . ومما ينبغي ملاحظته أن قصة هذين الرجلين جاءت مباشرة بعد قوله تعالى: )وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ( فكأنها تطبيق وتفصيل.
وفي سورة (يوسف) حوار رائع بين نبي الله يوسف u وبين صاحبي السجن كله لطف ولين ورقة ومع ذلك فقد قال لهم: )مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ(40)( وقبلها قال: )يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39)(.
 
8. الموعظة أمر ونهي
قد يتصور البعض أن (الموعظة) ليست إلا كلاما ليناً يجمع القلوب ولو على حساب الحق والحقيقة. لكن القرآن يعلمنا غير ذلك:
يقول تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)( النحل. فجعل الموعظة (أمراً) و(نهياً).
ويقول: )وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ( فكان أول الموعظة نهياً عن منكر الشرك: )يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)( وأخرها: )وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)( /لقمان ، وما بينهما نهي كذلك وأمر.
وحين قال قوم هود u له: ) سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ(136)( أي موعظة قصدوا؟ إنها : )أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ(128)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ(129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135){ الشعراء .
بل سمى الله تعالى عقوبته لأصحاب السبت بأن جعلهم قردة وخنازير موعظة فقال: )وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(66)( البقرة.
ومن ذلك عقوبة عمر بن الخطاب t لصبيغ بن عسل ذلك الرجل المفتون الذي كان يثيـر الشبهات ويسأل عن المتشابهات، فضربه عمر بالجريد والعصي حتى جعل الدم يسيل على قدميه وأمر الناس باعتزاله عاماً. وحين خرج الخوارج أرادوه ليخرج معهم فردهم قائلاً: لا والله لقد نفعتني (موعظة) العبد الصالح!
 
9.  والنصيحة أمر ونهي
يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (الدين النصيحة) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)[9]. فاجتمع الدين كله في النصيحة .
وفي سورة (الأعراف) ذكر لعدة أنبياء منهم نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام. اشترك هؤلاء الأربعة في وصف دعوتهم لأقوامهم بـ(النصيحة) فلننظر في مضامين هذه النصيحة:
أما نوح u : )فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) )قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)(
وهود u : )قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) (
وكذلك صالح u : ) قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)(
وشعيب u : )قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ {.
 
10. لا دعوة ولا رسالة إلا بإحقاق الحق وإبطال الباطل
لكل دعوة مبادئ تدعو إليها وأوضاع اجتماعية خاطئة تنشد تصحيحها وتغييرها وإلا لم تكن دعوة، وفقدت مبررات وجودها وتعطلت رسالتها.
وهكذا كانت دعوة الرسل عليهم السلام جميعا. والقرآن شاهد حي على ذلك. لقد كانت دعوة كل نبي متضمنة للأمرين معا .
يقول تعالى : )شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)   ( الشورى . لاحظ عبارة (مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) و(فَلِذَلِكَ فَادْعُ) تجد معناها ما سبق ذكره من قوله: )أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه( وهو أمر ونهي ثقيل على نفوسهم لا يتحملون سماعه: (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه)!
وقال على لسان مؤمن آل فرعون:)وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41)( غافر. فما هي بنود دعوته؟ راجع الآيات في موضعها تجدها مزيجاً من إنكار الباطل والتذكير بالحق.
هذا هو دين الله وهذه دعوته ورسالته فمن شاء فليحملها على قدر استطاعته، وإلا فلينصرف بسلام فان دين الله اكرم من أن نتعامل معه كما يتعامل اللصوص حين يدخلون بيوتاً غير بيوتهم يأخذون منها ما يشتهون ويدعون ما لا يرغبون، على قاعدة ما خف حمله وغلا ثمنه!
 
11. عدم التسوية بين رؤوس الباطل وجمهوره في المعاملة
للباطل رؤوس وأكابر.. ولهؤلاء اتباع وجمهور.
أما الرؤوس من الأمراء والعلماء والمترفين والوجهاء فقد شن القرآن عليهم حرباً لا هوادة فيها! فهاجمهم وعراهم وشخصهم بأسمائهم أو بصفاتهم بل شتمهم وطعن فيهم وكفر بأشخاصهم كما فعل مع أبي لهب وأبي جهل والوليد ووجوه المجتمع المكي والمدني.
وهاجم كذلك علماء أهل الكتاب، حتى شبههم بالحمير والكلاب:
)مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)( الجمعة.
)وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتنا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)( الأعراف. والمثل لأحد علماء بني إسرائيل السابقين.
)اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ(31)( التوبة
)إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(34)( التوبة.
إن علماء السوء هم أساس البلاء، ومصدر الفتنة والصد عن الحق والاهتداء، فهم أولى بالطعن. وعلى أهل الحق أن يبينوا للناس أنّ هؤلاء هم شر الخلق.
وأما الجمهور فقد قسمهم القرآن قسمين:

  1. قسم يعادي الدين وأهله فهؤلاء يلحقون بالرؤوس بلا فرق .

  2. وقسم مسالم أجاز بره والإحسان إليه.

قال تعالى:)  لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ (9)
( الممتحنة. وهؤلاء هم المعنيون بقوله قبلها بقليل: )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  (4)( وقوله في أول السورة: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ{ (الممتحنة:1)
مع الانتباه إلى أن القرآن كفّر الجميع المسالم والمحارب ولم يعترف لهم بدين: )قُلْ يَا أَهلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (68)( المائدة.
بل شدد حتى وصفهم بأنهم (نجس): )إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ(28)( التوبة.
وشبه تلك الجماهير السائمة الهائمة خلف علماء السوء - الكلاب والحمير بالقردة  والأنعام والخنازير: )وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)( البقرة.
 
12. السب والشتم في موضعه أحد فقرات المنهج
لا يكتفي القرآن بفضح الباطل وإنكاره، وتسميته بما يستحقه من أسماء وصفات شركاً كان أم كفراً أم نفاقاً أم إجراماً دون مواربة أو مجاملة، حتى يوصل إلى أصحابه حقهم ومستحقهم من السب والشتم كاملاً غير منقوص! فيسميهم كفاراً ومشركين ونجساً ومنافقين ومجرمين ومبطلين. وفيما سبق من آيات في سورة (المسد) و(القلم) و (المدثر) و(الجمعة) وغيرها شاهد عدلٍ لا يرد.
 ليس هذا فحسب بل يسمي البعض منهم بأسمائهم أو يشخصهم عيناً بصفاتهم!
إن رؤوس الكفر وقيادات الباطل وحاملي رايات الظلم والناعقين من ورائهم لا ينفع معهم سلوك سبيل المنطق والحوار أو الجدال بالتي هي أحسن! إن ذلك لا يزيدهم إلا عتواً وضلالاً عن سواء السبيل.
وليس من طريقة تردعهم، وتصل بهم وبأحلامهم إلى طريق مسدود، وتعلمهم أن تماديهم في الباطل ولجاجتهم في الدفاع عنه أو الدعوة إليه لا تعود عليه إلا بالخسارة والأذى، ولا تزيد أهل الحق إلا إصراراً على التمسك بحقهم كالطريقة التي تعامل الخصم بالمثل وتكيل له الصاع بالصاع، فيصاب في النهاية بالإحباط وتتحطم نفسيته ويزهق باطله ويعلم أنَّهُ يسلك الطريق المسدود.
وفي قوله تعالى: )قَدْ كَانتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) ( الممتحنة. دليل على أن البراءة لا تكون من الباطل فحسب، بل يجب أن تكون من أهله أيضاً حتى يتبرأوا منه ، وإلا فان الفصل بين العمل وصاحبه غير ممكن غالباً وان الكفر ينبغي أن يتوجه إلى الأشخاص وليس إلى الأعمال فحسب.
فالقول بان الكره للعمل وليس للشخص يحتاج إلى إعادة نظر وجواز مرور شرعي. وفي أحسن الأحوال يمكن اعتباره فكرة جميلة تصلح في بعض الأحيان مع بعض الأعيان، وليس هو قاعدة ثابتة.
 
13. التسامح شعارنا ولكن .. ليس على حساب الحق
الإسلام دين التسامح والتعايش السلمي بين الأديان المختلفة.
ولكن لم نجد على مر تاريخه من لدن بعثة نوح u إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم - ولو مرة واحدة - أن هذا التسامح استلزم إخفاء  الحق أو الحقيقة.
لقد كان الإسلام مع تسامحه ودعوته إلى اللقاء والحوار صريحاً كل الصراحة في التفريق بين الحق والباطل، وتبيان الحقيقة مهما كانت مرة أو ثقيلة!
إن تسامحه مع اليهود والنصارى والمجوس لم يحمله على الاعتراف بأديانهم ولم يمنعه من الإعلان ببطلانها حتى قال: )لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ(73)( المائدة. وقال: )وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ (96)( البقرة. وقال: )وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ( (التوبة:31)
 وقال.. وقال.. مما يصعب إحصاؤه من الحقائق المرة الثقيلة!
هذا وهو يدعو إلى الحوار واللقاء ولكن على الحق قائلاً: ) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)( آل عمران.
 
14. نتعاون على مصلحة الوطن.. لا على حساب الدين
تغيب عن أذهان الكثيرين معادلة لا بد من الحفاظ على التوازن بين طرفيها . ويحل محلها التصور المختل الآتي :
إن الاختلاف في الدين أو الفكر أو الطائفة يستلزم الصراع بين المختلفين حلاً شرعياً وحيداً لهذا الاختلاف، وعدم جواز الالتقاء شرعاً على مصلحة الوطن الذي يضم الجميع .
ثم إن أصحاب هذا التصور ينقسمون فريقين :

  1. فريق ينظر إلى طرف الحق والحقيقة والدين فيحرم الالتقاء أو يتحرج منه بل قد يجيز أو يستبيح حرمة المخالف دون اعتبار للمصلحة الوطنية الجامعة .

  2. وفريق ينظر إلى الطرف الآخر من المعادلة المتعلق بالمصلحة الوطنية فيرى أنه مضطر إلى القول بعدم وجود اختلاف أو يهون منه يقول: الدين واحد. أو لا اختلاف في الأصول وإنما هي مسائل فرعية! حتى رأيت وسمعت من يشهد للصابئة بصحة الدين! فيميع القضية دون اعتبار للحق وحرمة الدين. إنه يتطير من الاعتراف بوجود اختلاف حقيقي أو جوهري لأنه يتصور أن هذا يهدر الالتقاء والتعاون على تحقيق المصلحة الوطنية .

وكلا الفريقين على خطأ ومعه صواب .
والخلاص من الخطأ للوصول إلى الصواب الخالص يفرض علينا النظر إلى كلا طرفي المعادلة.
الدين والعقل يفرض هذا وهو ما طبقه رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم عملياً.
فحين قدم صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وجد فيها طوائف ثلاثاً: المسلمين والمشركين واليهود. لم ينظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى طرف الحق والدين فقط ليجعل من الاختلاف الديني بين المسلمين والطائفتين الأخريين داعياً لأن ينعزل بـ (طائفته) عن المجتمع ليشن بعدها حرباً معلنة أو يمارس كيداً خفياً وتآمراً باطنياً - مستعملاً التقية- ضد الآخرين.
ولم ينظر إلى طرف المصلحة الوطنية العامة فقط، ليدع الصدع بالدين وبيان الحق من الباطل.
كلا.. لقد نظر إلى طرفي المعادلة كليهما فوضع ميثاقاً مشتركاً بين الطوائف الثلاث أساسه المصلحة الوطنية المشتركة - حسب التعبير المعاصر- والدفاع عن الوطن المشترك (المدينة المنورة). وفي الوقت نفسه كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلن أن الدين الحق هو الإسلام وما عداه فكفر وضلال . لكنه لم يحارب أحداً من مواطنيه يختلف معه في الدين أو الرأي، ولم يغدر أو يتآمر  في السر. وما حارب اليهود إلا لأنهم أخلّوا ببنود الاتفاق وفقرات الميثاق فخانوا الوطن وصاروا (عملاء) للعدو (الأجنبي) يراسلونه ويتآمرون معه على وطنهم. لقد حصروا نظرهم في زاوية واحدة وانتصروا لطائفتهم دون اعتبار للمصلحة الوطنية المشتركة، أو لما يفرضه وجود الآخرين من حقوق والتزام.
لقد علمنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن اللقاء بين أبناء المجتمع الواحد يقوم على قاعدتين اثنتين لا قاعدة واحدة هما:

  1. الدين أو المعتقد الواحد: بين أصحاب الدين الواحد.

  2. المصلحة الوطنية المشتركة: بين عموم المواطنين على اختلاف أديانهم وطوائفهم.

إن ابن وطنك إن لم يكن أخاك في الدين أو الطائفة فهو أخوك في المواطنة. وانحل
بذلك الإشكال وحل الاتزان بين طرفي المعادلة فلا داعي للتزمت أو التميع.
يقول تعالى: )لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) )إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)( الممتحنة.
)وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)( المائدة.
)وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(46)( العنكبوت.
)قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  (64)( آل عمران
فلم يجعل القرآن من الاختلاف في الرأي أو الدين، أساساً أو مبرراً للتفرق أو عدم التعاون بين المختلفين. وفي الوقت نفسه لم يعتمد المجاملة وكتمان الحق وعدم إنكار الباطل أساساً أو وسيلة للحفاظ على هذا الاتفاق، بل صرح قائلاً: )إن الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام(19)( آل عمران. )وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)( آل عمران.
)وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (153)( الأنعام. وأن ما عدا الإسلام من اليهودية والنصرانية والشرك والمجوسية كفر وباطل. وجعل أساس التغيير الاجتماعي الحوار بالكلمة الحكيمة الواضحة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم.
15. المناورة حكمة.. ولكنها استثناء وليست قاعدة ثابتة
إن التلازم بين إحقاق الحق وإبطال الباطل هو القاعدة العريضة التي استندت إليها دعوة الإسلام ورسختها آيات القرآن وانطلق منها الأنبياء والدعاة والمصلحون جميعاً.
لكن هذا لا يعني أن الداعي لا يمكن أن تضطره ظروف خاصة تقدر بقدرها إلى أن يناور فيأخذ بالرخصة ويؤخر أو يؤجل إنكار الباطل أو بعض منه. ويفعل مع الحق وجزئياته بياناً وكتماناً مثل ذلك.
إن هذا مشروع ومطلوب ولا إشكال فيه. إنما الإشكال- بل الخطر- حين يجعل منه قاعدة ثابتة وطريقة دائمة مع أنه (رخصة) واستثناء وهما كالملح للطعام إذا كثر أفسده. فكيف إذا صار الطعام لا يستساغ لكثرة الملح والبهارات التي أضيفت إليه و(المقبلات) التي وضعت بين يديه! فكيف إذا حذف الطعام ولم يعد على المائدة إلا (المقبلات) والمجاملات أو المداهنات، إلى درجة أمسى فيها الأصل والقاعدة والأساس أمراً مستنكراً مستغرباً مستهجنا يشار إلى أصحابه بالبنان! وليس لهم حق الادعاء ولو على سبيل الاستثناء!
إن الميتة لا تباح إلا عند الاضطرار فالتحريم هو القانون والقاعدة ، والرخصة في أكلها استثناء من هذا القانون. إن قلب المعادلة بحيث يكون هذا مكان هذا فساد واعتداء لا نقرّه وإن فسد المزاج وحصل الاعوجاج.
 
16. الدعوة أسلوب ومضمون
المضمون هو مادة الدعوة المقدمة للمدعوين. والأسلوب هو الوسيلة التي تنقل بها المادة الدعوية وتبلغ إليهم. والعلاقة الدعوية بين الأسلوب والمضمون كعلاقة الطبق بالطعام . فالطبق هو الوسيلة والأسلوب الذي به تنقل المادة الغذائية أو الطعام.
نعم. لا بد أن يكون الطبق نظيفاً وملائماً ويفضل أن يراعى فيه الذوق والجمال. ولكن في النهاية لا بد أن يوضع فيه الطعام ليقدم للآكلين.
 أما إذا قدم فارغاً أو ليس فيه الطعام المطلوب فالطبق لا قيمة له مهما كان حائزاً على مواصفات الذوق والنظافة والجمال .
كذلك الدعوة وعلاقتها بالمضمون والأسلوب، سوى أن الأسلوب لا ينبغي أن يكون واحداً في جميع الأحوال ومع جميع الأعيان شدة وخشونة أو رقة وليونة.
إن اللين ينفع في حالة لا تنفع فيها الشدة وإلا جاءت النتائج عكسية، والعكس صحيح. فمن جنح إلى الشدة والخشونة دائماً، أو إلى الرفق والليونة دون مراعاة للأحوال والأعيان لم يصل إلى المطلوب) فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً(129)( النساء.
 
17. لا أساس للمنهج الترضوي في شرعنا
إن هذا الذي قدمناه يدل دلالة قاطعة على أن المنهج الالهي التغييري يقوم على قاعدتين أو ركنين لا بد منهما جميعا مقترنين هما : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الدعوة إلى الخير والتحذير من الشر جنباً إلى جنب.
أما القول بان بيان الحق كفيل بزوال الباطل، أو لا تلعن الظلام بل أشعل شمعة فكلام هو أشبه بالتهويمات الشعرية منه بالحقائق الشرعية أو الأحكام الجدية الواقعية.
ولم نجد لأصحاب هذا المنهج الترضوي من دليل معتبر سوى شبهات و نصوص مبتورة عن سياقها أو حيثياتها وظروفها مثل قوله تعالى: )وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( دون تلاوة لاحقتها:) إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم(46)( العنكبوت. ولا اعتبار بكون المقام مقام جدل وللجدل خصوصيات يختلف بها عن عموم الدعوة وهو مظهر واحد من مظاهرها، وهو شيء والإعلان بالحق والصدع بالأمر شيء آخر. ثم إن هذا متعلق بالأسلوب وما نحن فيه متعلق بالمضمون.
ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه)[10]. وهذا لا ينبغي أن يفهم بعيداً عن القواعد والأصول والنصوص الأخرى. فهو من الكلام الذي يخرج مخرج العموم ومراده الخصوص.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشتد أحياناً حتى يخرج إلى السب كما جاء في كتب السيرة أنه خاطب يهود قريضة فقال: (يا إخوة القردة والخنازير)!. وقال الصديق  t لعروة بن مسعود يوم الحديبية : (امصُص ببَظر اللات) ! وذلك في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ينكر
عليه![11].
ومما استدلوا به ما جاء في السيرة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن عبد الله بن أُبَي بن سلول مخاطباً ابنه عبد الله : (بل نترفق به)، ولم يقتله رغم ارتكابه ما يستحق القتل.
ويقال في هذا ما قيل في الذي قبله .
بل إن الله تعالى انزل بعده قوله: ) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا (61)( الأحزاب، القاضي بقتل المنافقين المجاهرين، ذاكراً أن هذا هو حكم الله الثابت الذي لا يتبدل ولا يتحول، أنزله في الشرائع القديمة، وأكده في الشريعة الإسلامية الخاتمة. وهو معنى قوله سبحانه بعدها مباشرة }سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً{ (الأحزاب:62)
وبالجملة فإن هذه النصوص يجب أن تفهم في ضوء القواعد والأصول والأدلة الأخرى . وفي ضوء ظروفها وملابساتها وقيودها . ولا يصح بحال أن تتخذ ذريعة لإلغاء مئات النصوص القرآنية ومثلها من سيرة النبي  صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وأقواله.
 
18. ثبات المنهج القرآني وعمومه
أشرت إلى هذين المعنيين في أول الكتاب. وذكرت أنهما من مزايا المنهج. وأرى أن الأمر يحتاج إلى تفصيل فأقول:
إن النظر في المنهج الإلهي - وهو يواجه أصناف الباطل قديماً، وعند نزول القرآن، وعلى يد جميع الأنبياء والمصلحين - يقودنا إلى القول - ونحن نرى ثباته رغم تنوع الزمان والمكان والأعيان وأصناف الباطل واختلاف الأديان- بأن هذا المنهج الذي أراده الله طريقاً ومسلكاً لتغيير الباطل واحد غير قابل للاختلاف ، ثابت في الزمان والمكان ، عام لا يقبل التخصيص مع جميع الأديان والأعيان، مع الاحتفاظ بحق المناورة وجواز الاستثناء حسب القدرة دون أن يكون هذا هو القاعدة.
إن هذا المنهج ليس خاصاً باليهود دون النصارى ولا بالمشركين دون المنافقين، ولا بهؤلاء دون غيرهم من المبطلين، بل هو متوجه إلى الباطل حيث كان وفيمن تمثل كائناً من كان. إن مناط تعليقه وتطبيقه الباطل بغض النظر عن اسمه وصفته التي يظهر فيها شركاً أم يهودية أم نصرانية أم نفاقاً وزندقة وشعوبية أم أي مظهر آخر. فالصورة والعنوان ليس هو العلة، إنما العلة هي الباطل على اختلاف عناوينه ومضامينه.
اقرأ هذه الآيات:
)وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8)( الأنفال.
) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55)( الأنعام.
) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(37)( الأنفال.
فالله تعالى يريد أن يبطل الباطل - أي باطل - بغض النظر عن هويته وجنسيته )وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ( مهما كان إجرامهم كفراً أم شركاً أم زندقة . هذه العناوين لا تضر. وهذه الأسماء كلها لمسمى واحد هو الإجرام أو الباطل أو الخبيث لا فرق.
 ونحن نود أن غير ذات الشوكة تكون هي المنهج والوسيلة المتبعة للوصول إلى الهدف. وأي إنسان يود أن يسلك طريق الشوك والمشاكل؟! ولكنها إرادة الله أبت إلا أن يكون الطريق الموصل إليه محفوفاً بالمكاره وليس مفروشاً بالورود) وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ( أو كرهنا نحن طالبين سبيل السلامة أو غير ذات الشوكة .
إن الله تعالى يريد أن ينكشف الإجرام انكشافاً لا مرية فيه حتى يعرف المجرمون من هم؟ ويشخَّصوا ) لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42)( الأنفال. وليأخذ المجرمون جزاءهم من الاحتقار والنبذ والسب واللعن. وهذا لن يكون من دون أشواك.
ولو سألنا من هم المجرمون؟ أهم اليهود أم النصارى أم المجوس أم المنافقون أم الزنادقة؟ والجواب: إن كل من ارتكب جريمة منهم فهو مجرم بغض النظر عن نوع الجريمة . فإذا كان الشرك جريمة فالمشرك مجرم وإذا كانت الزندقة جريمة فكذلك الزنديق.
هؤلاء جميعاً يريد الله تعالى كشفهم وفضحهم ويريد تمييزهم عن الصف المؤمن، عن الطيب لأنهم خبثاء. والخبثاء لا يعبأ الله تعالى بأصنافهم وأسمائهم. إنهم أهون من ذلك. إنهم خبثاء وكفى. يركمون بعضهم فوق بعض دون قيمة لأحد دون أحد ولا تمييز. إنهم ركام فمن جاء ليميز بعضه عن بعض فقد أعطاه قيمة.                                                      أرأيت حاوية القمامة كيف يجعل العاملون الأزبال فيها ركاماً دون تفريق! هل سمعت أو رأيت أحداً منهم يصنفها يقول : هذا خرء آدمي وهذا ذرق دجاجة وهذه روثة حمار!
ولا أرى أحداً بلغت به السفاهة والتفاهة والسخف إلى هذا المستوى. أو عنده فضل وقت ليعبث هذا العبث! إنه يركمه جميعاً بعضه فوق بعض فيجعله في تلك الحاوية التي تنقله إلى حيث الحرق أو التخلص منه بأي وسيلة أخرى.
يقول تعالى:) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ(110)( آل عمران . والمنكر هنا معرَّف بألف ولام الاستغراق ، فالأمة تنهى عن المنكر أي منكر بغض النظر عن وصفه وصنفه . وفي هذا تكمن خيريتها وقيمتها وعزتها .
حتى إذا انحدرت فصارت وظيفتها البحث في أصناف القذر والخبث وتصنيفه وتقديره فقدت هيبتها واحترامها.
أن الشرك باطل ومنكر وخبث وإجرام ، وكذلك اليهودية والنصرانية ، وكذلك النفاق والزندقة والمجوسية . وكذلك الرفض والشعوبية . والأمة المحترمة تركم هذا كله بعضه فوق بعض فتجعله ركاماً منبوذاً في مزبلة الواقع والتاريخ ، ولا تشتغل بعبث العابثين.
إن الثوب الأبيض لا يليق بصاحبه أن يمتهن وظيفة تصنيف النجاسات و(تفليسها) بحثاً عن حبة بطيخ ضائعة!
قد يقول قائل: إن الرافضة والشعوبيين محسوبون على المسلمين؟
ونقول: إن هذا أدعى لتطبيق المنهج أو القانون. فإن الباطل إذا لبس شارة الحق صار خفياً يحتاج إلى مزيد جهد لكشفه . فالتركيز عليه أولى ، والتحذير منه أشد . أرأيت سمّاً مخلوطاً في طعام وآخر معزولاً في قنينة أيهما أخطر؟ وأولى بالتحذير ؟                                                 ولذلك كان تركيز القرآن وتحذيره من المنافقين ولهجة خطابه أشد منها مع الكفار الصرحاء، مع أن المنافقين لهم حكم المسلمين.
إن الرفض والشعوبية والزندقة والنفاق جنس واحد مظهره الإسلام والطهر وحقيقته الخبث والكفر .
وإذا تساوى المسلم والكافر في فعلٍ هل نعطي المسلم صك براءة من تبعة الفعل؟. إن أفعالاً متساوية لا بد أن تنتج ردود أفعالٍ متساويةٍ وإلا حدث خرق للناموس. وناموس (الفعل وردّ الفعل) لا يَفهم كثيراً ولا قليلاً في مسألة جنسية الفاعل وأحواله المدنية.
وإذا قتل عدو لك صديقاً ولبس ثيابه ثم طرق عليك الباب أتفتح له ذراعيك على مصراعيها وتأخذه بالأحضان تقول له : تفضل شرفتم!
لقد قتلت المجوسية الإسلام في أرضها وتبرقعت بثوبه ثم صارت تنوح عليه! فهل تريد مني أن ألغي عقلي لأصدق هذه المهزلة! أو أفقد اتزاني فأخلع ثيابي أو أمزقها لألطم معه تملقاً وتزلفا وأنا أعلم أنه أكذب الكاذبين أقول : أريد تقريبه وكسبه؟!
وإذا كنا نعذر عوام الرافضة وجهّالهم فنحكم لهم - بحسب الظاهر- بالإسلام لاستحكام الشبهة وعدم قيام علمائهم – ولا علمائنا - بواجب البيان والتعريف بدين الإسلام كما هو، فهل يعفينا هذا من السؤال عن حقيقة ما هم عليه من دين: ما علاقته بالإسلام؟ وكم نسبة الشبه بينهما؟ أم هو إلى الكفر والزندقة أقرب ، وأضل عن سواء السبيل ؟.
 
 الباب الثاني
 
التشيع العربي والتشيع الفارسي
ومعالم المنهج القرآني المطلوب

 الفصل الأول
التشيع المقبول والتشيع المرفوض
 
التشيع تشيعان:
تشيع هو حب وتقدير لسيدنا علي t وأهل بيته والصالحين من ذريته مع حب بقية أهل بيت رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم من أزواجه وأقربائه دون تفريق بينهم وبين أصحابه عزوجل.
يؤمن بالكتاب والسنة كما جاءت عن طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان .
ينتمي لأمته ودينه وعروبته ووطنه ولا يشعر بالولاء لإيران.
يعرف أن التشيع جزء من السنة وفقرة من فقراتها الكثيرة. فهما شيء واحد وفرقة واحدة لا فرقتان. فهذا هو التشيع الذي نطلق عليه اسم التشيع العربي وهو ما نحرص عليه ونتبناه بغض النظر عن الاسم والعنوان.
علماً أن هذا التشيع لا وجود له في الواقع عند غير أهل السنة. وهو يعبر عن نفسه في ميلهم إلى علي أكثر من ميلهم إلى معاوية رضي الله عنهما. على أن بعضهم قد غلا فيه حتى خرج عن خط الاعتدال والاتزان. وهو - أي هذا الغلو- نوع من الرفض الذي سرى إليهم نرفضه ولا نقره.
وتشيع آخر أنتجته قريحة العجم، ونفايات عقول الأمم، يتخذ من الإسلام دثارا وحب أهل البيت شعاراً ليحقق أغراضه ومآربه، ويربط بإيران صاحبه، ولاءه وروحه وقلبه وقالبه. ويخلعه من أمته ووطنه بل يقلبه عدواً لهما، عدواً لا أصل له ولا عنوان.
وهو ما نطلق عليه اسم التشيع الفارسي أو الرفض أو الشعوبية وهو التشيع الذي نرفضه ونحاربه مهما بعدت المسافة وطال الزمان.
 
وبئس (الرفض) المرفوض
وإذا أردت التفصيل أقول:
هو التشيع الذي جعل من (حب أهل البيت) قضية. صارت هي الدين البديل عن الدين الثابت بالتنـزيل.
هو التشيع الذي فرق بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه (رضي الله عنهم ) .
ثم فرق بين الأصحاب فجعلهم قسمين: قسماً كفَّره ونبذه هم (الصحابة)، وقسماً قدسه وعبده هم (أهل البيت).
ثم فرق بين (أهل البيت) أنفسهم! فشطب على أزواجه  صلى الله عليه وآله وسلمبالجملة حتى إذا أخرجهن من بيتهن واستراح من ضجيجهن كرّ على الباقين فشطرهم نصفين: علويين وعباسين!
 وبعد أن كفر بالعباسيين رجع ليتفرغ للعلويين ويجعلهم فاطميين وحنفيين وبدويين وآخرين!
 ثم لم يكتف بهذا حتى فرق بين الفاطميين فصيرهم حسنيين وحسينيين .
ثم لم تزل عملية التقسيم والتهشيم - لعباً بالدين وتنفيساً عن حقد دفين- حتى كفر بالحسينيين جميعاً سوى تسعة رهط واحد منهم موهوم معدوم!
ترى! هل اكتفى؟ أم اشتفى؟
كلا! فقد سل خنجر حقده ليمزق ثلاث بنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاهرات نيرات وهو ينفث ويقول: لسن بناته إنهن ربائبه من زوجته الأولى! أخرجوهن مأزورات غير مأجورات!
فماذا بقي من (أهل البيت)!
التشيع الذي يرد أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً، ويكفر بها جملة وتفصيلاً بحجة أنها جاءت عن طريق أصحابه وهم –في عرفه- مرتدون ناكثون مارقون!
ويستبدل بها روايات منحولة، وأقاويل وتهاويل مخبولة، منسوبة زوراً إلى سيدنا جعفر بن محمد رحمه الله وهو منها بريء! إنه تشيع بلا كتاب ولا سنة ولا أصحاب.
التشيع الذي يكفّر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول عنهم: إنهم زمرة طامعين لا هم لهم إلا البطن والفرج والكرسي.
التشيع الذي يكره العرب وينسب إليهم كل نقيصة ورذيلة! ولا يشعر بالانتماء إلى أمة العرب العظيمة التي اختارها الله تعالى لحمل دينه وإيصال رسالته إلى العالم أجمعين.
التشيع الذي يكفر بالوطن والوطنية ويربي أجيالاً لا جذور لها ولا شعور يدفعها إلى أحضان وطنها ويجعلها تضحي من أجله تقرباً إلى الله، بل تتقرب إليه بالكيد له و(الغدر والخيانة) . ألم تقرأ (صفحتها)؟!
التشيع الذي يطعن بتاريخنا القديم والحديث ويلقبه بـ(التاريخ الأسود) ويشوه رموزنا.
التشيع الذي يقول: إن عمر الفاروق الذي أذل كسرى وكسر أنف كبريائه مأبون (ينكح في دبره) وإن أمه هي صهاك الزانية، وإن علياً زنى بأخته في بيته وقد بات عنده تحت ذريعة (المتعة) ولذلك حرمها.
وإن خال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن أبي وقاص مبيد الأكاسرة وفاتح العراق نغل ابن سفاح! بل بنو زهرة أخوال النبي جميعاً كذلك!! وإن أبا سعد رجل من بني عذرة.
وإن عمرو بن العاص فاتح فلسطين ومحرر مصر ابن زنا كذلك. وعبد الله بن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين وبطلة الهجرة أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ابن (متعة).
التشيع الذي يجعل من الصديق والفاروق مغتصبين لمنصب الخلافة، ومن علي رجلاً ساكتاً عن الحق راضياً بالاغتصاب. بل لا يغار - وحاشاه- على دينه وعرضه وماله!!!
 فالخلافة - وهي كالنبوة كما يقولون- اغتصبت منه وهو ساكت!
واغتصبت منه ابنته وضربت زوجته وهو ينظر إلى سيفه ذي الفقار، ولا يُغير ولا يغار!!
واغتصبت منه فدك - ما أدراك ما فدك أو فتك!!- فلم يفعل شيئاً!!!
التشيع الذي يطعن بزوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويلمزهن بالكفر والفاحشة ويرميهن بالبهتان.
التشيع الذي يشيع الإباحية والزنا تحت ستار (المتعة).
تشيع اللواطة والشذوذ وزنا المحارم الذي ينتشر كالسرطان ليلتهم البقية الباقية من الحياء والخلق الكريم.
التشيع الذي لا يعترف بعلمائنا وفقهائنا العظام ويطعن في الأئمة الأربعة وغيرهم من الشيوخ والأكابر كسيدنا الشيخ عبد القادر والإمام الغزالي وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية وبقية أئمة الدين والعلماء العاملين المجاهدين. ويطعن في أهل البيت طعناً ظاهره الرحمة وباطنه العذاب!.
التشيع الذي يجعل من أتباعه - أينما حلّوا- جالية إيرانية مرتبطة فكراً وسلوكاً، وشعاراً وشعوراً بإيران لا يصومون ولا يفطرون ولا يعيدون إلا معها ولا يوقتون إلا بتوقيتها. ومسخاً منخلعاً من وطنه وأبناء جلدته لا يشعر بشعورهم ولا يحس بضرورة التعاون أو التعايش معهم، فهم كاليهود - أينما حلوا- خربوا وأفسدوا! لأنهم لا ينتمون حقيقة إلى شيء اسمه الوطن.
التشيع الذي خرّج أجيالا تدين بالعبث بالممتلكات العامة تحت ذريعة استحلال أموال الدولة. وتنهب وتسلب وتفجّـر وتقتل وتخرب على قاعدة: ( ليس علينا في الأميين "أبناء العامة" سبيل) .
التشيع الذي لا يستقيم عنده ولاء إلا ببراء. أي ما لم تتبرأ من عمر فلست من أحباب علي، ولو أقسمت له برب السبع الطباق، وأشفعته بالطلاق والعتاق على أنك تحب علياً فإنك مجرم تستحق القتل ويباح مالك ! ألست تحب عمر ؟!!
التشيع الذي لا يعرف التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد ولا يعرف التسامح مع الرأي الآخر. القاعدة عنده : (إما أن أبدأ بك فآكلك وإما أكلتني لا محالة) ولو أقسمت له بالمصحف ألف مرة أنك لست متخلفاً إلى هذا الحد!
التشيع الذي يقدس الأحجار والأشجار والأستار والنار باسم أهل البيت
التشيع الذي يكره تاريخه بـ (الفطرة) ويمتعض من ذكر أيامه الخالية الخالدة.
التشيع الذي يستقبل سنة المسلمين بالسواد والحزن والعويل . بينما يهش ويبش ليوم نوروز مفتتح سنة الفرس المجوس!
التشيع الذي اتخذ من أحباره ورهبانه، وسدنة قبابه وقضبانه أرباباً من دون الله.
التشيع الذي جعل من مراقد الأولياء ومشاهد الأصفياء ومواسم زياراتهم فرصاً لا تعوض من أجل اصطياد الأموال والعبث بالعقول والأعراض، ونشر الأمراض.
التشيع الذي يوجب الكذب ويدين بالنفاق والخداع تحت لافتة (التقية) يقول لك بلسانه: ليس بيننا من فرق إنما هي فروع فقهية واختلافات مذهبية وقلبه يسبح بلعنك وينبض قائلاً : متى تحين الفرصة؟!
وإذا خلا وأمن قال: نحن لا نلتقي لا على إله ولا نبي ولا كتاب .
التشيع الذي يجعل من (قم) المدنسة، مهوى لأفئدة المسلمين ويسميها مقدسة!
ويستهين بالكعبة أشرف البقاع وأقدسها ويجدف عليها .
التشيع الذي يعطل المساجد ويعمر المراقد والمشاهد ويجعل منها ومن بيوت عبادته مساجد ضرار وتفريق بين المؤمنين وزوايا إرصاد ، وأوكاراً للتجمع بلا جمعة ولا جماعة.
تشيع الشعارات البراقة والوعود الخداعة.
التشيع الذي يبيح ظلم الأسير وسلبه إنسانيته وتعذيبه و………… نكحه دون نكير!
التشيع الذي لو بعث الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مرة أخرى لما قر له قرار ولا هجع مطمئناً في دار قبل محاربته، واستئصال شأفته.
التشيع الذي لو قام علي t من قبره، ورآه كيف يشاع وينشر باسمه لصعق من ساعته، أو سل سيفه لمنازلته.
فإذا ذكرنا التشيع المذموم فهو هذا الذي نسميه أيضاً بالرفض أو الشعوبية. ولا نعذر أحدا بمجاملته أو مداهنته  بل من فعل ذلك معه فهو شريكه في الجريمة قصد أم لم يقصد.
 

إنْ كنتَ لا تدري فتلكَ مصيبةٌ
 

 

أو كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ

 
ونحارب الميوعة
ونؤمن بأن المائعين ليسوا سوى طابور خامس، أو (مبشرين) يمهدون الطريق ويعبدونه أمام الغزو الفكري والاستعمار الشرقي. إنهم أدلاء أذلاء يجوسون الديار بين يدي أولئك الغزاة البغاة، يدلونهم على المسارب والأنفاق ويرفعون فوق رؤوسهم لافتات الجواز والمرور، يختمون لهم هوياتهم المزورة ويوقعونها لهم بلا جزاء ولا شكور، ليمروا بلا عوائق ولا بوارق.
 
التركة ثقيلة
وإنا لنعلم أن التركة ثقيلة والمهمة صعبة . ذلك أن الحق ثقيل والنطق به مر. ولكننا نعلم كذلك أنه بذلك تثقل الموازين وتكثر النياشين يوم القيامة. كما قال الصديق للفاروق رضي الله عنهما: (واعلم أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً).
 
أسوأ ما وجدتم
قد يقول قائل: لقد ذكرتم أسوأ ما وجدتم وهذا يتناقض مع الإنصاف ! هلا ذكرتم المحاسن لتتزن المعادلة؟!
ونقول: ولنفترض صحة ما تقول - على أنا تركنا كثيراً مما هو أدهى وأمر - فما الضير في ذلك؟!
هل يحسن مع بعض الذي ذكرناه من هذا السوء صحيح! وهل يستقيم مع اعوجاجه عدل!
إن واحدة من هذه الخبائث تفسد كل طيب، وقطرة من السم تفسد قنينة من العسل. فيكون مدح العسل ـ بعدُ ـ نوعاً من الإجرام .
إن ديناً حوى هذه المنكرات الموبقات لا اعتبار لما فيه من معروف. والإسلام حين سفه دين قريش وأبطل بقية الأديان، لم يفعل ذلك لأنها صارت شراً محضاً ليس فيه من خير. كلا بل إن فيها الكثير من الخير والطيب والمعروف، ولكن ما فيها من شر وخبث ومنكر لا يسلم معه ما فيها مما يضادده، ولا يستقيم.
وأي خير يصح مع الشرك واتخاذ الأصنام والأحبار والرهبان أربابا من دون الله؟!
وما فعلناه إنما هو على طريقة القرآن. فإن القرآن لم يعدد مزايا الشرك واليهودية والنصرانية إنما وصمها بأسوأ ما فيها وإلا فما كل النصارى يقولون بألوهية المسيح، ولا اليهود جميعاً يقرّون كل ما عليه اليهود من أباطيل ولا المشركون. ولا أن هذه الأديان خلت من كل خير.
والآن أعد قراءة ما كتبته لك آنفا عن التشيع الفارسي أو الرفض أو الشعوبية، أو استحضر صورته ثم قل لي: أي خير هذا الذي يمكن اعتباره ويصح حشره مع هذه الخزايا والبلايا؟!
 
وباء متوطن وليس حالات طارئة
ونحن – ولله الحمد - لم نتصيد شواذ الفتاوي وغرائب الأقوال، أو نوادر السلوك والأفعال، وطوارئ الأحوال. بل إن ما في هذه الصحائف يمثل صورة الواقع الذي عشناه ولمسناه وهو ما تغص به كتب القوم قديماً وحديثا.
وهذه شهادة نقدمها للأجيال الآتية كتبناها وسنسأل عنها يوم يقوم الأشهاد.  شهادة قائمة على الدليل ،ونقسم عليها قسما لا رجعة فيه ولا بداء.
على أن القرآن ذكر لأهل الباطل أقوالاً يمكن اعتبارها شاذة أو نادرة أو قيلت في حالة نفسية معينة ودمغهم بها وحملهم مسئوليتها. وقد يكون قائلها فرداً واحداً أو بضعة أفراد!
إن من الشاذ والنادر ما يهتز له العرش !أفيترك يمر بسلام وتلتمس له المعاذير؟!
خذ مثلاً قوله تعالى عن اليهود: ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ينفق كيف يشاء وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64)( المائدة. أتأملت كيف كان الرد! أفكل اليهود ردد هذا؟ أم إنه مقيد عندهم في كتبهم؟ كلا..
 فكيف إذا كان الأمر مقيداً مردداً ؟!!
الفصل الثاني
من عقائد التشيع الفارسي
وأهدافه وأحكامه وفتاويه
 
 اعتقاد تحريف القرآن
وهي عقيدة جميع علماء التشيع الفارسي بلا استثناء! على ان بعضهم يستعمل (التقية) في موضع، فينفي تلبسه بها ليثبتها في مواضع أخرى لا تخفى على المتتبع، كالطوسي شيخ الطائفة([12]) والطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان) وابن بابويه القمي صاحب (من لا يحضره الفقيه). ومن المتأخرين الخوئي مرجع الطائفة وكبير الحوزة الذين انخدع البعض بمعسول كلامهم ، الخارج من مخرج (التقية) ؛ فصار يقول: إن
هؤلاء لا يعتقدون بالتحريف.
والحقيقة أن عقيدة التحريف – عندهم - من ضرورات (المذهب) ([13]).
ويكفي أن تعرف أنهم يوثقون جميع العلماء الذين صرحوا علانية بتحريف القرآن! ولم نجد لأي أحد من علمائهم طعناً أو تكفيراً لأي واحد من أولئك الذين يقولون بالتحريف صراحة! ولا تسقيطاً لأي كتاب أو مصدر جاءت فيه هذه العقيدة الكفرية أو ألف من أجلها!
وهذا دليل واضح على رضاهم عن هذه العقيدة وإيمانهم بها رغم شناعتها وكفر قائلها بلا شك ولا تردد.
فهذا حسين محمد تقي النوري الطبرسي المتوفى عام 1320 هـ يؤلف كتاباً ضخماً يسميه: (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) يقول في مقدمته: (هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان)
ورغم أن كفر هذا اللعين صراح بواح لا يشك فيه إلا كافر مثله، فإن علماء الطائفة جميعاً تسالموا على مدحه وتعظيمه واتخذوا من كتابه (مستدرك الوسائل) أماً ومرجعاً، إذ هو أحد ثمانية مراجع روائية معتبرة عندهم، قالوا عنه: (لا يمكن أن يصل العالم إلى درجة الاجتهاد حتى يقرأ كتاب المستدرك للنوري الطبرسي) .
وقد أطرته كتب الرجال لديهم إطراءاً لا يليق إلا بمن كان له من الإنجازات ما تفرد بها عن غيره.ويظهر أن هذا الذي تفرد به جرأته في تأليف كتابه المذكور عن تحريف القرآن.
يقول عنه عباس القمي في (الكنى والألقاب): الشيخ الأجل ثقة الإسلام والمسلمين مروّج علوم الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين الثقة الجليل العالم الكامل.. الباهر بالرواية والرافع لخميس المكارم أعظم راية…الخ من هذا الترويث، من خبيث يشهد لخبيث.
ولست في مقام تفصيل هذه العقيدة الكفرية وفي ما ذكرته كفاية للمتأمل ومن شاء فليرجع إلى المؤلفات الخاصة بالموضوع.
 
الغلو الكفري في الرجال
اقرأ هذا الباب في أصول الكافي للكليني([14]): (باب إن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) وفيه: عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: أني لأعلم ما في السموات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وما في النار وأعلم ما كان وما يكون.
وجاء في موضع آخر([15]): عن أبي عبد الله (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) إماماً ثم كان الحسن(ع) إماما…من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم !
وهذا يستلزم تكفير المسلمين جميعاً، وما يترتب عليه من مفاسد واقعة كاستحلال الدم والمال.
ويروي أيضاً يقول([16]): عن أبي عبد الله (ع) قال: الأئمة بمنزلة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إلا انهم ليسوا أنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي  صلى الله عليه وآله وسلم فأما ماخلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
 
الغلو في المراقد مع تحقير الكعبة (شرّفها الله) أو التهوين من شأنها
يروي الكليني عن أبي عبد الله أنه قال : إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين (ع) يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها- ولا اعلمه إلا قال- وغزوة ([17]).
أما المجلسي فيروي عن أبي عبد الله انه قال: (إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت ، فقرّي واستقري وكوني ذَنَبا متواضعاً ذليلاً مهينا غير مستنكف ولا مستكبر
لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم)([18]).
هل رأيت أحداً من الرافضة كفّر الكليني أو المجلسي أو طعن فيه أو تبرأ منه على هذا السخف وهذه الزندقة؟!
غاية ما يمكن ان يقولوه: ليس كل ما في (الكافي) للكليني أو (البحار) للمجلسي صحيح. وهو دفاع عنهم واستماتة في التمسك بهم رغم كفرهم وزندقتهم!                                                                     إن هذه الروايات الكفرية الموجودة في كتاب الكافي قال عنها الكليني في (مقدمته) لها أنها صحيحة. لأنه اشترط على نفسه أنهُ لا يروي إلا ما صح عنده. فهو يعتقد بكل ما يروي.
ثم هل هذا الذي يرويه مما يستسيغ مؤمن روايته حتى ولو على سبيل احتمالية صحته؟! لماذا يرويه لولا أنَّهُ يحتمل صحته؟ وهذا على الأقل ومن باب الجدل وإلا فإنه صرح بأنه صحيح عنده.
هل نبه مثلاً - كما يفعل محدثو أهل السنة - على وضعه وكذبه؟ بمعنى أنه رواه ليحذر منه. لماذا رواه إذن وبالسند هل تستحق هذه السخافات والنجاسات سنداً لفحصها؟ أم أنه وضع هذه الأسانيد ليوهم الجهّال بإمكانية الاعتماد عليها؟!
ومثله المجلسي صاحب اللسان السليط الذي كتب فصولاً كاملة بعشرات الصفحات في كفر أبي بكر وعمر، ومئات الصفحات في كفر الصحابة، ويعلن بذلك صراحة وينص عليه حرفياً([19])!
 
متأخرو الشيعة شر من أوائلهم
وإلى من يتصور مع كل هذا أن هذه العقائد الكفرية قديمة لم يعد لها وجود عند المعاصرين أنقل بعض الفتاوى المعاصرة مع التأكيد على حقيقةٍ من لم يعرفها فهو جاهل بحقيقة التشيع الفارسي. تلك هي أن متأخري الشيعة شر من أوائلهم. وأن التشيع يتطور إلى الوراء كلما تقدم به الزمن، وليس العكس :
سئل محمد صادق الصدر: لماذا الإمام علي (ع) أفضل من الكعبة؟
فأجاب: أوضح الأمثلة الموضحة لذلك: وردت رواية بتفضيل كربلاء على البيت
الحرام. ونحن نعلم أن علي (ع) خير من الحسين (ع) كما نطقت به الروايات أيضاً فيكون قبره خيراً من قبره فيكون أفضل من الكعبة أيضاً([20]).
وفي أول يوم جمعة قام بأدائها صرح بعد الصلاة -وهو يرد على بعض الأسئلة
الموجهة إليه- بأن مسجد أمير المؤمنين وبيته أفضل من بيت الله والكلام مسجل على الشريط الخاص بتلك الجمعة.
أما الخوئي - أكبر مرجع للرافضة في زمانه. وقد هلك في بداية التسعينات من القرن الماضي، أي قبل حوالي عشر سنوات - فيفتـي قائلاً:
(مسألة 561) الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعادل عشرة آلاف صلاة
(مسألة 562) الصلاة عند علي u بمئتي ألف صلاة
ويقول: إن الصلاة في مشاهد الأئمة عليهم السلام أفضل من المساجد([21])
وبعملية حسابية بسيطة : { 200000 (الصلاة عند علي ) ÷ 10000 (الصلاة في مسجد النبي ) = 20 } أي أن الصلاة عند علي أفضل من الصلاة عند النبي  صلى الله عليه وآله وسلم عشرين مرة !
ولا أدري هل يريد الخوئي أن يقول : إن علياً أفضل من النبي عشرين مرة!)قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(118)( آل عمران . والذي يقول هذا الكلام لا ينطوي صدره إلا على اعتقاد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا شيء، ولكنه لا يستطيع التصريح به علانية خشية أن يفتضح  أمره وينهتك ستره حتى لدى الحمقى من تلك القطعان الهائمة وراءه، فيضطر إلى الروغان وراء علي وادّعاء حبه. وإلا فإن ما يخفي صدره لا يخفى إلا على حمار أو مستحمر.
وأخيراً أسأل سؤالاً : هل أهان العرب في جاهليتهم كعبتهم هذه الإهانة؟!
أم أن (للعجم) دينهم وكعباتهم التي لا علاقة لها بديننا وكعبتنا نحن العرب ..نحن المسلمين!
 
الفساد والتحلل الخلقي
عذراً للقارئ وأنا أحمله على أن يتجشم عناء قراءة هذه السخافات، والبحث في هذه النجاسات، ولكني مضطر، والمضطر له حكمه ورخصته. على أني أحاول أن أمر به سريعاً بين هذه القاذورات بشرط أن يضع منديله على أنفه ويشمر ثيابه. وإلا فإن ما تحت الكعبين في النار:

  • يروي الكليني عن أبي عبد الله أنه قال: أكل الجزر يسخن الكليتين ويقيم الذكر. وعن أبي الحسن بلفظ: ينصب الذكر([22]).

- وعن أبي الحسن قال : العورة عورتان: القبل والدبر فأما الدبر فمستورٌ بالإليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة - وفي رواية- أما الدبر فقد سترته الإليتان وأما القبل فاستره بيدك([23]).
- وعن أبي عبد الله قال : النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة حمار([24]) . وفيه تجويز النظر إلى عورة الكافرة بالنسبة للرجل وعورة الكافر بالنسبة للمرأة! لأن لفظ (من ليس بمسلم) ينصرف إلى الذكر والأنثى. فتكون الأفلام الجنسية جائزة من باب أولى وأدهى! وصدق الله القائل:) وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً(27)( النساء.
- أما السيستاني فيذهب إلى أكثر من ذلك! إنه يقول: يجوز النظر إلى أجساد السافرات المتبذلات بشرط عدم التلذذ الشهوي، ولا فرق في ذلك بين نساء الكفار وغيرهن، كما لا فرق بين الوجه والكفين وبين سائر ما جرت عادتهن على عدم ستره من أعضاء البدن([25]).
أما قلت لكم : إن القوم يتطورون باستمرار!
- عن علي بن سويد قال : قلت لأبي الحسن (ع) : أني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها؟ فقال لي: يا علي لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق([26]).
- عن أبي جعفر (ع) قال: المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها إن تزويجها بغير ولي جائز([27]).
- عن ميسر، قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها: لك زوج؟ فتقول: لا أفأتزوجها؟ قال: نعم هي المصدقة على نفسها([28]).
- هذه هي منزلة المرأة عند القوم لعبة لا أكثر! وكذلك الزواج! بل جاء ذلك صراحة كما في الرواية الآتية:
- عن أبي عبد أنه قال: لا بأس أن ينام الرجل بين الأمتين والحرتين إنما نساؤكم بمنزلة اللعب([29]).
- عن أبي عبد الله أنه قال وقد سئل عن إتيان المرأة في دبرها: هي لعبتك لا تؤذها([30]).
أما شيخ الطائفة (الناعية) أبو جعفر الطوسي فيروي:
- عن أبي يعقوب قال: سألت أبا عبد الله  (ع) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال لا بأس إذا رضيت([31]).
- عن أبي الحسن الرضا وقد سئل عن إتيان الرجل المرأة من خلفها في دبرها؟ فقال: أحلتها آية من كتاب الله تعالى قول لوط u : )هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ( وقد علم أنهم لا يريدون إلا الدبر([32]).
ويعلق على روايتين وردتا بتحريم هذا الفعل قائلاً: الوجه في هذين الخبرين ضرب
من الكراهية لأن الأفضل تجنب ذلك وإن لم يكن محظورا…ويحتمل أن يكون الخبران
وردا مورد التقية([33]).
- مسألة (67) أما وطؤها في الدبر ففيه إشكال وإن كان الأظهر جوازه مطلقاً مع رضاها وأما مع عدمه فالأحوط تركه([34]).
- مسألة (157) : هل يجوز جماع الزوجة من الدبر في حالة الاختيار ، وإذا كان
مضطراً لمرض في زوجته يمنعه من مجامعتها قبُـُلاً أفتونا مأجورين .
الجواب: جاز مطلقاً إذا كان برضا الزوجة والله العالم([35]) !
- الوطء في دبر الخنثى موجب للجنابة على الأحوط لزوماً … ولو أدخلت الخنثى في الرجل أو الأنثى مع عدم الإنزال لا يجب الغسل على الواطئ ولا على الموطوء .
- وإذا أدخل الرجل بالخنثى وتلك الخنثى بالأنثى وجب الغسل على الخنثى دون الرجل والأنثى([36]).
- عن أبي عبد الله أنه قال: إذا زوج الرجل عبده ثم اشتهاها قال له: اعتزلها فإذا طمثت وطئها ثم يردها إليه إذا شاء([37]).
- ويفتري الكليني (ثقة الإسلام كما يلقبه الشيعة) على الله تعالى وينسب هذا الافتراء إلى أبي جعفر، أي محمد بن علي بن الحسين فيفسر قوله تعالى: )وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ (24)( بما يلي: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسكها فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغير نكاح([38]) أي بغير عقد شرعي.
هل تصدق أن هذه الحيوانية المقيتة هي عين ما يأمر الله به في كتابه!! ويجعله شرعاً لعباده!! تعالى الله عما يقولون علواً عظيماً!
- مسألة (989): لا تحرم الزوجة على زوجها بزناها وإن كانت مصرة على ذلك.
والأولى مع عدم التوبة أن يطلقها الزوج([39])(!!)
هل هذه الديانة - أو الدياثة - يمكن أن يقبلها عربي غيور أو مسلم يقرأ قوله تعالى:)وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(3)( النور؟! ماذا يريد هؤلاء من ديننا ومجتمعنا وأخلاقنا!!
ترى! بماذا يمكن أن نسمي دعاة الدياثة في لغة العرب؟!
- الجماع في قُبل المرأة ودبرها يوجب الجنابة للرجل والمرأة.ولا يترك الاحتياط في وطء غير المرأة في الواطئ والموطوء([40]) . و(غير المرأة) هو الرجل لا غير!!
- ومما تتحقق به الجنابة الجماع. ويتحقق بدخول الحشفة في القبل أو الدبر من المرأة.
وأما في غيرها فالأحوط لزوما الجمع بين الغسل والوضوء للواطئ والموطوء فيما إذا كانا محدثين بالحدث الأصغر. وإلا يكتفي بالغسل فقط([41])(!!!).
هل تصورت الأمر على حقيقته؟! لائط وملوط بِهِ! إنهما متوضئان!!                                                         لماذا؟! هل اللواطة عمل عبادي مقدس! أم ماذا؟! وبما أنهما متوضئان فيكتفي بعد اللواط بالغسل فقط! إذ لا حاجة للوضوء فإن اللواطة لا تفسده ولماذا تفسده؟!                               لكن.. إذا كانا محدثين الحدث الأصغر، أي لم يكونا قد توضآ قبل اللواطة!!! فعليهما أن يجمعا - أي بعد أن يتجامعا - بين الوضوء والغسل، من باب الاحتياط وإبراء الذمة!
- أما محمد الصدر فيجيز نكاح البهيمة قبلاً ودبراً دون أن يؤثر ذلك في صحة صومه بشرط عدم الإنزال! ويؤكد على أنه لا ضرر إذا كان الإدخال كاملاً.                         أما إذا أدخل الصائم ذكره في دبر رجل فصومه صحيح ما دامت الحشفة لم تدخل فيه بتمامها، وبشرط عدم الإنزال. وإلا فإن الفعل حلال زلال!! وهذا نص كلامه:
التصرف الأول: أن يدخل الرجل (ذكره) في (قبل أو دبر البهيمة).
وهنا يمكن تصحيح الصوم ، بالرغم من ذلك التصرف ، وإن كان الأفضل والمحبذ
شرعاً هو البناء على عدم صحة الصوم. هذا إذا لم يسبب الإنزال. أما إذا سببه فسيبطل الصوم من جهة الإنزال.
التصرف الثاني: أن يدخل الرجل (ذكره) في (دبر ذكر آخر).
وهنا إذا دخلت الحشفة بتمامها بطل الصوم . أما إذا لم تدخل بتمامها فلا يبطل الصوم ما لم يسبب الإنزال فيبطل الصوم حينئذ من جهة الإنزال.
التصرف الثالث: أن يدخل الرجل (ذكره) في (قبل أو دبر الصبية غير البالغة).
وهنا كما في التصرف الثاني.
التصرف الرابع: أن يدخل الرجل (ذكره) في (غير القبل أو الدبر من المرأة أو الصبية أو الرجل أو الصبي أو البهيمة).
وهذا لا يكون مؤثراً على صحة الصوم ما لم يسبب الإنزال فيبطل الصوم حينئذ من جهة الإنزال.
التصرف السابع: أن تدخل (المرأة) (غير ذكر الرجل أو الصبي) في (قبلها أو دبرها) سواء كان الشيء الذي تدخله من سائر أعضاء جسد الرجل أو الصبي أو جسدها أم كان نوعاً آخر. وهذا لا يؤثر على صحة الصوم([42]).
- مسألة (992): إذا تزوج امرأة ثم لاط بأبيها أو أخيها أو ابنها لم تحرم عليه([43])
- وللخميني في هذا المحفل الشيطاني نصيب. إنه يجيز التمتع بالرضيعة! هل تصدق؟! اقرأ ماذا خطت يده القذرة: لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين دواماً كان النكاح أو منقطعاً. وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة([44])(!).
ويخفف الخوئي وغيره من الفقهاء كعبد الأعلى السبزواري من وقع العبارة فيستعملون لفظ (الصغيرة) بدل (الرضيعة) ، مع الوصول إلى المعنى نفسه أو النتيجة
نفسها؛ إذ أن لفظ (الصغيرة) لغة يشمل (الرضيعة) فما فوق ما لم تدرك البلوغ.
- مسألة (71) : يجوز التمتع بالصغيرة وإن كانت المدة قليلة لإمكان الاستمتاع بها بغير الوطء وإنما لا يجوز الدخول بها قبل بلوغها([45]).
 ولك ، بعد ، أن تطلق لخيالك الخصب العنان طويلاً لتتصور مستقبل أخلاق طفلة صغيرة تتفرج على أعضاء الرجال التناسلية، وتلحظ حركاتهم الجنسية وهم  يقلبونها ظهراً لبطن وبطنا لظهر ، ويفعلون معها كل شيء إلا الجماع من القُبل! ثم يتركها الواحد منهم ليأتي الآخر ويفعل معها كما فعل السابق! هل تفهم الطفلة الفرق بين نكاح دائم ومنقطع وزنا؟!
هل يرضى إنسان كريم أو عنده ذرة من الكرامة والعفة مثل ذلك لابنته الصغيرة أو أخته أو قريبته أو أطفال العالمين أجمعين؟!
ما هو شعورك وأنت تتخيل وقوع ذلك لابنتك البريئة التي في عمر الزهور؟ مجرد تخيل!
إن فقيها يجيز مثل هذا ما هو إلا شيطان رجيم في ثياب بشر!
ولكن.. علام العجب؟ أليست هذه هي أخلاق مزدك وإباحية المجوس!                                                                ومن يشابه أَبَهُ فما ظلم.
- مسألة (289) هل يجوز التمتع بالفتاة الأوربية الغربية من دون إذن وليها؟
الجواب: إذا فرضنا أن الولي أرخى عنان البنت وأوكلها إلى نفسها في شؤونها فلا تحتاج إلى الاستئذان حتى في المسلمة([46])(!).
هل رأيت! السائل يسأل عن حكم المسألة في أوربا أو مع الأوربيات والفقيه (يقوده) لينقل هذا الإباحية الأوربية إلى مجتمعاتنا الشرقية ومع المسلمات!
- هل يجوز التمتع بالفتاة البكر المسلمة من دون إذن وليها إذا خافت على نفسها الوقوع في الحرام؟
الجواب: نعم لو منع وليها من التزويج بالكفو مع رغبتها إليه وكان المنع على خلاف
مصلحتها سقط اعتبار إذنه. ويجوز إذا كان العقد المنقطع بشرط عدم الدخول لا قبلاً ولا دبراً.
والسؤال الذي يفرض نفسه: وإذا اشترط الناكح الدخول دبراً، هل يجب استئذان وليها المحترم؟ كيف يكون الاشتراط؟ وماذا يقول له؟!
ترى! لو وجد رجل ابنته أو أخته البكر بين أحضان رجل دون علمه، ماذا سيفعل؟ هل ينكس رأسه ؟ أم يغمض عينيـه ؟ أم يرجع ليسألهما من وراء حجاب : أتزنيـان - استغفر الله – أم تتمتعان على بركة الله ؟! وماذا تتوقع أن يأتي الجواب إن شاء الله؟!
كيف نفرق بين الزنا وهذه الحالة؟!
وإذا حملت المرأة وأنكر الرجل علاقته بها ما هو الحل؟ أعند الطبيب العدلي؟!                                                          
أبهذا جاء دين محمد؟!
صدقوني أن لهذه الفتاوى المتحللة تطبيقات يشيب لها الرأس! ما المانع في الزيارات العائلية بين الأقارب والأصدقاء أن يتفق أي شاب مع أية شابة من عائلة الزائر أو المزور ليختليا في مكان قصي ثم يفعلا ما يريدان من الضم والتقبيل والتكشف والترشف ولا بأس بالتعسف أو الذهاب أكثر من ذلك ما دام الإيلاج غير حاصل! والوالد المحترم في تلك اللحظات الثمينة جالس في صالة الضيوف (معززاً) (مكرماً) يتجاذب مع مضيفيه أطراف الحديث و(يترشف) الشاي بأمان وهدوء!
هذا إذا كانت المرأة بكراً. أما إذا كانت المسكينة (مظلومة) و(مضطهدة) و(وليها لا يزوجها من الكفء)، أو كانت ثيباً كأن تكون أم الزائر أو أخته الأرملة أو ابنته المطلقة فإنها فرصة العمر! إذ يمسي كل شيء جائزاً، وتمارس العملية الجنسية بالكامل ويتم الإيلاج قبلا- إن شئت أو دبراً. نعم يجوز ذلك كما يقول المرجع. والقاعدة الفقهية الشعبية تقول: (ضعها في رقبة عالم واخرج منها سالم)!
ثقوا! إن فتوى (السيد) تذهب إلى أبعد من ذلك! إنها تعلم الفتاة أن تقول لأبيها أو ابنها أو أخيها لو اكتشف أمرها أو فتح الباب فوجدها أو رآها بين أحضان صاحبها: ارجع يا عديم الذوق! شيئاً من الحياء يا سيء الأدب!
- مسألة (290) هل يجوز التمتع بالفتاة البكر الرشيدة التي توفي والدها وبقيت أمها وقد بلغت سن رشدها من دون إذن أحد؟
الجواب: لا مانع من ذلك، إذا لم يكن لها جد من طرف الأب وإلا فالأحوط استحباباً الاستئذان منه([47]). وهنا يحق لنا أن نسأل: لو وجدت هذه الأرملة المسكينة يوماً ما رجالاً غرباء في بيتها ورأتهم يمارسون الجنس مع بناتها وعلى فراشها! ماذا ستفعل؟ وما هو شعورها إذا قلن لها- أو قالوا-:
إنهم يمارسون (المتعة)؟! والسؤال يطرح نفسه لو أنها لملمت حالها وذهبت إلى (السيد) فكان جوابه: بسمه تعالى يجوز ذلك؟!!
هل تصدقون أن هذه الفتاوى تُعلِّم الفتاة البكر كيف تمارس الجنس من دبرها (صوناً) لقبلها لتخدع فارس أحلامها الآتي من المجهول أنها مهر لم يسبق له الترويض
في الطرق الوعرة.
لا تتصوروا أن ما نقلته هو أسوأ أو كل ما موجود! هل ذهبت إلى طبيب الباطنية
وقال لك تحتاج إلى فحص لـ(الخروج)؟ في المختبر يأخذ المختبري عوداً خشبياً فيدخله فيه ثم يخرجه ليفرشه على زجاجة ثم يفحصه تحت المجهر. هذا كل ما فعلته أنا، مع لبس القفازات والأكمام.
ومع كل هذه الإباحية فإن الذنوب مغفورة ما دام فاعلها أمامياً يؤمن بولاية (الأئمة)! يروي الكليني  كاذباً هذه الروايات عن هؤلاء (الأئمة):
- إن الله تعهد للنبي محمد صلى الله عليه وآله أن لا يغادر لشيعة علي (ع) صغيرةً ولا كبيرة. ولهم تبدل السيئات حسنات([48]).
- إن الله يستحيي من تعذيب أمة دانت بولاية إمام عادل وإن كانت ظالمة سيئة([49]).
- إن سيئة الشيعي خير من حسنة غيره([50]).
- ما من مؤمن يقارف في يوميه وليلته أربعين كبيرة (هل تحتاج إلى أن أعيد لك العدد؟!.. أربعين!!) فيقول وهو نادم: (استغفر الله الذي لا اله إلا هو الحي القيوم بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام وأسأله أن يصلي على محمد وأن يتوب علي) إلا غفرها الله عز وجل. ولا خير فيمن يقارف في يوم أكثر من أربعين كبيرة([51]).
تكفير أهل السنة واستحلال دمائهم وأموالهم
وأولهم الصحابة والخلفاء الراشدون وأمراء المؤمنين على اعتبار أنهم غصبوا علياً الخلافة وأنكروا الإمامة وهي كالنبوة([52]) وأحد أصول الإيمان الخمسة عند الرافضة([53]).
يروي الكليني بسنده التالف عن أبي جعفر أنه قال: ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذر والمقداد ثم أناب الناس بعد. كان أول من أناب أبو ساسان وعمار وأبو عروة وشتيرة وكانوا سبعة. فلم يعرف حق أمير المؤمنين إلا هؤلاء السبعة([54]).
- وعن أبي الحسن أنه قال: نحن والله وشيعتنا ليس على ملة إبراهيم غيرنا وسائر الناس منها براء([55]).
- وعن أبي عبد الله انه قال: كان أمير المؤمنين (ع) إماماً ثم كان الحسن(ع)  إماماً (….الخ) من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله ([56]).
- وعنه أيضاً لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمناً ومن أنكرنا كان كافراً([57]).
- وصرح ابن المطهر الحلي قائلاً: الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص ([58]).
- ومن المتأخرين أو المعاصرين (آية الله العظمى) كاظم الحائري يقول: أن مقام الإمام فوق المقامات الأخرى - ما عدا مقام الربوبية قطعاً - التي يمكن أن يصل إليها الإنسان([59]).
ولا شك أن منكر النبوة عموماً أو منكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً كافر كفراً صريحاً؛
فإنكار (الإمامة) عند علماء الرافضة شر من إنكار النبوة أي أن منكرها كافر من باب أولى؛ فما يردده البعض منهم من أن (الإمامة) من أصول المذهب وليس من أصول الدين موضوع للاستهلاك المحلي والدعاية واصطياد المغفلين وهو خارج من مخرج (التقية) لا أكثر.
ولهذا فإن السني عندهم مباح دمه وماله يغتالونه أو يقتلونه ويسرقون ماله متى ما وجدوا فرصة أو سبيلاً. وهو نجس نجاسة أشد من نجاسة المشرك كما يروي الكليني عن أبي عبد الله وقد سئل:
ألقى الذمي ويصافحني؟ قال: امسحها بالتراب وبالحائط قلت: فالناصب؟ قال: أغسلها.([60]) ولذلك فإن كثيراً من الرافضة يغسلون الإناء أو يكسرونه إذا أكل فيه سني!

وهم لا يجيزون الصلاة خلفنا إلا حال التقية ولهم معابدهم الخاصة بهم. ولا يجيزون عقود زواجنا أو إنكاحنا نساءهم. سئل محمد صادق الصدر.

- (مسألة 254): هل يجري على الناصبي من أحكام الزواج ما يجري على الكافر من بطلان العقد ابتداء وانفصال زوجته عنه ولو طرء النصب بعد العقد؟
الجواب: نعم يجري عليه حكم الكافر كاملاً([61]).
أما الخوئي فيجيز الاستيلاء على مال السني بأي وسيلة فيقول: يجوز أخذ مال الناصب أينما وجد والأحوط وجوباً وجوب الخمس فيه من باب الغنيمة([62]).
والناصب كلمة مخففة للتعبير عن السني أي الذي يحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وإن أحب علياً t معهما([63]).
ويقول الخوئي أيضاً: [حرمة الغيبة مشروطة بالإيمان. قوله: (ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن). أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالأئمة الاثني عشر (ع) أولهم علي بن أبي طالب (ع) وآخرهم القائم الحجة المنتظر. ومن أنكر واحداً منهم جازت غيبته لوجوه:
الوجه الأول: أنَّهُ ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم أي غيبتهم لأنهم من أهل البدع والريب، بل لا شبهة في كفرهم. لأن إنكار الولاية والأئمة حتى الواحد منهم والاعتقاد بخلافة غيرهم يوجب الكفر والزندقة، وتدل عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة، وما يشبهها من الضلالات.
ويدل عليه أيضاً قوله (ع) في الزيارة الجامعة: (ومن جحدكم كافرٌ)، وقوله (ع) فيها أيضاً: (ومن وحَّده قَبِلَ عنكم) فإنه ينتج بعكس النقيض أن من لم يقبل عنكم لم يوحده بل هو مشرك بالله العظيم.
وفي بعض الأحاديث الواردة في عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر([64]): (إن الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة).
وفي جملة من الروايات: الناصب لنا أهل البيت شر من اليهود والنصارى، وأهون من الكلب، وأنه تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب، وأن الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه. ومن البديهي أن جواز غيبتهم أهون من الأمور المذكورة…
الوجه الثاني: أن المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق لبطلان عملهم رأساً كما في الروايات المتضافرة. بل التزموا بما هو أعظم من الفسق كما عرفت وسيجيء أن المتجاهر بالفسق تجوز غيبته.
الوجه الثالث: أن المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن. ومن البديهي أنَّهُ لا أخوَّة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين…
الوجه الرابع: قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم ولعنهم في جميع الأعصار والأمصار، بل في (الجواهر)([65]) أن جواز ذلك من الضروريات] ([66]).
وأما استحلال الدم فتفيض بها المصادر المعتمدة. يقول رافضي لعين هو الشيخ يوسف البحراني تحت عنوان: حل دم الناصب وماله: اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عنهم -سلام الله عليهم- بحل دماء أولئك المخالفين وحل أموالهم.. فروى الشيخ (أي الطوسي) في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع) قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس/تهذيب الأحكام4: 122.. وروى الصدوق في كتاب العلل الصحيح عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم([67]).
ومن تطبيقات هذه الفتاوي الحرب التي أشعلها الخميني ضدنا ثماني سنوات. ومنها عمليات الاغتيال والتفجيرات وسرقة الممتلكات العامة والمساجد وغيرها. ومنها اضطهاد أهل السنة في إيران واغتيال علمائهم وشخصياتهم المهمة وصب البانزين عليهم في الشوارع وإحراقهم. وهو ما استفاضت به الأخبار وتناقلته الكتب والصحف والنشرات([68]).
والحقيقة أن الاغتيال السياسي هو ديدن الفرس ودينهم منذ أن اغتالوا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وقتلوا عثمان بن عفان وحاولوا اغتيال معاوية بن أبي سفيان والحسن بن علي وعمرو بن العاص .. وإلى اليوم.

 
الفصل الثالث

الخطة السرية لآيات الشيعة في إيران

أو بروتوكولات حكماء (تهرون)

 
بين يديّ الرسالة التي نشرتها رابطة أهل السنة في إيران - مكتب لندن - وهي عبارة عن خطة سرية للغاية موجهة من شورى الثورة الثقافية الإيرانية إلى المحافظين في الولايات الإيرانية لتطبيقها في المناطق السنية في إيران ودول الجوار من أجل تشييعها، بعد أن اصطدمت تلك (الثورة البائسة) بجبل الصمود العراقي أثناء الحرب التي أوقدتها إيران، وعملت على إبقائها مستعرة ثمان سنين. فنشأ الاتجاه الأقل تطرفاً والداعي إلى الحوار والتهدئة مع المحافظة على الأهداف نفسها سوى أن الهدوء والمكر الخفي يؤدي إلى تحقيق الأهداف والوصول إليها بطريقة اسهل كما يقول نص الخطة: (ان إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد) ([69]).
وقبل أن أنقل مقتطفات من هذه الخطة أقول لمن يدفن رأسه في الرمال ذاهلاً عن واقعه ومشاكل بلده كأنه ليس منه ولا فيه ويقول: إن هذه الرسالة من وضع جهات لها أغراض من وراء وضعِها. أقول: لو كنت تعيش الواقع أو نظرت إليه نظرة واحدة متفحصة لعلمت وأدركت أن هناك خطة مدبرة تنفذ بإحكام من قبل إيران وأذرعها الأخطبوطية وما نراه ونلمسه خير دليل وشاهد. ولعلمت أيضاً أن المراحل الخمس للخطة قد قطعت منها في العراق إلى الآن - على الأقل- مرحلتان. وما هذه الرسالة أو الخطة المكتوبة إلا ترجمة حرفية لما يجري على الواقع، ويتوقع مستقبلاً تماماً على الذي وقع.
إن العراقي الأصيل والصميم لا يحتاج إلى قراءة خطة مكتوبة ليحس بما يخطط له ويدبر في الخفاء. إن كونه عراقياً يعيش في أرض العراق يكفي. فكيف إذا صار يقرأ المؤامرات مرسومة ومكتوبة ثم هو يكذِّب سمعه وبصره! أفقد عقله! أم هو مشغول بـ(قضايا الأمة الكبرى)!.
حين تقرأ الخطة يتأكد لك أن واضعيها أشبه بـ(حكماء صهيون)، وأن الخطة أشبه ببروتوكولاتهم. وأن الرافضة كاليهود لا يؤمنون بالتعايش السلمي بين الأديان والمذاهب والطوائف، ولا يعرفون لغة الحوار الشريف، وأنهم لا يؤمنون بخيار ثالث بين العدم والوجود؛ فإما أنت أو هم.. أو صراع مستمر حتى نهاية الشوط.
تبدأ الرسالة أو الخطة هكذا: (إذا لم نكن قادرين على تصدير ثورتنا إلى البلاد الإسلامية المجاورة فلا شك أن ثقافة تلك البلاد الممزوجة بثقافة الغرب سوف تهاجمنا وتنتصر علينا)([70]) ثم تكمل الرسالة:
(إننا خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعية من المشاركين وأعضاء واللجان وضعنا خطة خمسية تشمل خمس مراحل، ومدة كل مرحلة عشر سنوات لنقوم بتصدير الثورة الإسلامية إلى جميع الدول المجاورة ونوحد الإسلام أولاً، لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابيين وذوي الأصول السنية أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب)([71]).
(بناء على هذا: يجب علينا أن نزيد نفوذنا في المناطق السنية داخل إيران وبخاصة المدن الحدودية ونزيد من عدد مساجدنا و(الحسينيات) ونقيم الاحتفالات المذهبية أكثر من ذي قبل وبجدية أكثر. ويجب أن نهيئ الجو في المدن التي يسكنها 90 إلى 100% من السنة حتى يتم ترحيل أعداد كبيرة من الشيعة من المدن والقرى الداخلية إليها ويقيمون فيها إلى الأبد للسكنى والعمل والتجارة. ويجب على الدولة والدوائر الحكومية أن تجعل هؤلاء المستوطنين تحت حمايتها بشكل مباشر ليتم إخراج إدارات المدن والمراكز الثقافية والاجتماعية بمرور الزمن من يد المواطنين السابقين من السنة)([72]).

ضرب أسس القوة

(نحن نعلم أن تثبيت أركان كل دولة والحفاظ على كل أمة أو شعب ينبني على أسس ثلاثة:
الأول: القوة التي تملكها السلطة الحاكمة.
الثاني: العلم والمعرفة عند العلماء والباحثين.
الثالث: الاقتصاد المتمركز في أيدي أحاب رؤوس الأموال)

ضرب الدولة بالعلماء وتدمير الاقتصاد

(إذا استطعنا أن نزلزل تلك الحكومات بإيجاد الخلاف بين الحكام والعلماء([73]) وتشتيت أصحاب رؤوس الأموال في تلك البلاد ونجذبها إلى بلادنا أو إلى بلاد أخرى في العالم نكون بلا ريب قد حققنا نجاحا باهرا وملفتاً للنظر لأننا أفقدناهم تلك الأركان الثلاثة.
وأما بقية الشعوب التي تشكل 70 إلى 80% من سكان كل بلد فهم أتباع القوة والحكم ومنهمكون في أمور معيشتهم وتحصيل رزقهم من الخبز والمأوى ولذا فهم يدافعون عمن يملك القوة([74]).
(إن سيطرتنا على هذه الدول ([75]) تعني السيطرة على نصف العالم)([76]).

أسلوب تنفيذ الخطة

(يجب علينا بادئ ذي بدء أن نحسن علاقتنا مع دول الجوار ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسن علاقتنا مع العراق بعد الحرب وسقوط صدام حسين. ذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد.
وفي حال وجود علاقات ثقافية وسياسية واقتصادية بيننا وبينهم فسوف يهاجر بلا ريب عدد من الإيرانيين إلى هذه الدول، ويمكننا من خلالهم إرسال عدد من العملاء كمهاجرين ظاهراً، ويكونون في الحقيقة من العاملين في النظام، وسوف تحدد وظائفهم حين الخدمة والإرسال)([77]).

العداء الأبدي

(لا يكفي لأداء هذا الواجب المذهبي التضحية بالحياة والخبز والغالي والنفيس، بل يتوجب أن يكون هناك برنامج مدروس. ويجب إيجاد مخططات ولو كانت لخمسمائة عام مقبل فضلاً عن خمسين سنة. فنحن ورثة ملايين الشهداء([78]) الذين قتلوا بيد الشياطين المتأسلمين (السنة) وجرت دماؤهم منذ وفاة الرسول في مجرى التاريخ إلى يومنا هذا ولم تجف هذه الدماء ليعتقد كل من يسمى مسلماً بـ(علي وأهل بيت رسول الله) ويعترف بأخطاء أجداده ويعترف بالتشيع كوارث أصيل للإسلام) ([79])
والعبارة السابقة تبدأ هكذا: (صحيح أننا لم نكن في تلك الأيام لكن أجدادنا قد كانوا، وحياتنا اليوم ثمرة لأفكارهم وآرائهم ومساعيهم وربما لن نكون نحن أنفسنا في المستقبل لكن ثورتنا ومذهبنا باقيان) ([80]).
مراحل تنفيذ الخطة

المرحلة الأولى

(ليس لدينا مشكلة في ترويج المذهب في أفغانستان وباكستان وتركيا والعراق والبحرين، وسنجعل الخطة العشرية الثانية هي الأولى في هذه الدول الخمس وعلى ذلك فمن واجب مهاجرينا - العملاء – المكلفين في بقية الدول ثلاثة أشياء:

  1. شراء الأراضي والبيوت والشقق وإيجاد العمل ومتطلبات الحياة وإمكانياتها لأبناء مذهبهم ليعيشوا في تلك البلاد ويزيدوا عدد السكان.

  2. العلاقة والصداقة مع أصحاب رؤوس الأموال في السوق والموظفين الإداريين خصوصاً الرؤوس الكبار والمشاهير والأفراد الذين يتمتعون بنفوذ وافر في الدوائر الحكومية.

  3. هناك في بعض الدول قرى متفرقة في طور البناء وهناك خطط لبناء عشرات القرى والنواحي والمدن الصغيرة الأخرى. فيجب أن يشتري هؤلاء المهاجرون العملاء الذين أرسلناهم أكبر عدد من البيوت في تلك القرى ويبيعوا ذلك بسعر مناسب للأفراد والأشخاص الذين باعوا ممتلكاتهم في مراكز المدن. وبهذه الخطة تكون المدن ذات الكثافة السكانية قد أخرجت من أيديهم.

 
المرحلة الثانية:
وهي ذات شقين: يتلخص الشق الأول بحث الشيعة على الطاعة واحترام القانون من أجل الحصول على التراخيص الرسمية للاحتفالات المذهبية وبناء الحسينيات. وإيجاد الأعمال الحرة في الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية وترغيب الشباب بالعمل في الوظائف الحكومية والانخراط خاصة في سلك الجندية والحصول على جنسية البلاد بشتى الوسائل([81]) مثل استغلال الأصدقاء وتقديم الهدايا الثمينة.
والشق الثاني يتلخص في إثارة علماء الدين من أهل السنة والجماعة ضد الدولة بحجة الفساد الاجتماعي وتوزيع منشورات انتقادية باسم بعض السلطات الدينية والشخصيات المذهبية من البلاد الأخرى على غرار ما فعله عبد الله بن سبأ على عهد عثمانt تقول الرسالة: (وستقع أعمال مريبة وستؤدي إلى إيقاف عدد من المسؤولين السابقين أو تبديلهم وهذه الأعمال ستكون سبباً في سوء ظن الحكام بجميع المتدينين في بلادهم وهم لذلك سوف لن يعملوا على نشر الدين وبناء المساجد والأماكن الدينية وسوف يعتبرون كل الخطابات الدينية والاحتفالات المذهبية أعمالاً مناهضة لنظامهم، وفضلاً عن هذا سينمو الحقد والنفرة بين العلماء والحكام في تلك البلاد وحتى أهل السنة والوهابية سيفقدون حماية مراكزهم الداخلية ولن يكون لهم حماية خارجية إطلاقاً).
 
المرحلة الثالثة:
تتلخص في ترسيخ إقدامهم في كل المواقع الاجتماعية وفي الوقت الذي يكون الانشقاق فيه بين علماء أهل السنة والحكام على أشده يتوجب على بعض المشايخ الرافضة (المشهورين من أهل تلك البلاد أن يعلنوا ولاءهم ودفاعهم عن حكام هذه البلاد وخاصة في المواسم المذهبية ويبرزوا التشيع كمذهب لا خطر منه عليهم وإذا أمكنهم أن يعلنوا ذلك للناس عبر وسائل الإعلام فعليهم ألا يترددوا ليلفتوا نظر الحكام ويحوزوا على رضاهم فيقلدوهم الوظائف الحكومية دون خوف منهم أو وجل) جنباً إلى جنب مع ضرب الاقتصاد.
 
المرحلة الرابعة:
يقول نص الخطة: (وفي المرحلة الرابعة سيكون قد تهيأ أمامنا دول بين علمائها وحكامها مشاحنات، وتجار فيها على وشك الإفلاس والفرار، والناس مضطربون ومستعدون لبيع ممتلكاتهم بنصف قيمتها ليتمكنوا من السفر إلى أماكن آمنة.
وفي وسط هذه المعمعة فإن عملاءنا ومهاجرينا سيعتبرون وحدهم حماة السلطة والحكم، وإذا عمل هؤلاء العملاء بيقظة فسيمكنهم أن يتبوءوا كبرى الوظائف المدنية والعسكرية ويضيقوا المسافة بينهم وبين المؤسسات الحاكمة والحكام. ومن مواقع  كهذه يمكننا بسهولة بالغة أن نشي بالمخلصين لدى الحكام على أنهم خونة وهذا سيؤدي إلى توقيفهم أو طردهم أو استبدالهم بعناصرنا ولهذا العمل ذاته ثمرتان إيجابيتان.

أولاً: إن عناصرنا سيكسبون ثقة الحكام أكثر من ذي قبل.

ثانياً: إن سخط أهل السنة على الحكم يزداد بسبب قدرة الشيعة في الدوائر الحكومية وسيقوم أهل السنة من جراء هذا بأعمال مناوئة أكثر ضد الحكم. وفي هذه الفترة يتوجب على أفرادنا أن يقفوا إلى جانب الحكام ويدعو الناس إلى الصلح والهدوء ويشتروا في الوقت نفسه بيوت الذين هم على وشك الفرار وأملاكهم).
 
المرحلة الخامسة:
ونصها: (وفي العشرية الخامسة فإن الجو سيكون قد أصبح مهيأً للثورة لأننا أخذنا منهم العناصر الثلاثة التي اشتملت على: الأمن والهدوء والراحة. والهيئة الحاكمة ستبدو كسفينة وسط الطوفان مشرفة على الغرق تقبل كل اقتراح للنجاة بأرواحها .
وفي هذه الفترة سنقترح عبر شخصيات معتمدة ومشهورة تشكيل مجلس شعبي لتهدئة الأوضاع، وسنساعد الحكام في المراقبة على الدوائر وضبط البلد. ولا ريب أنهم سيقبلون ذلك، وسيحوز مرشحونا وبأكثرية مطلقة على معظم كراسي المجلس. وهذا الأمر سوف يسبب فرار التجار والعلماء حتى الخدمة المخلصين.
وبذلك سوف نستطيع تصدير ثورتنا الإسلامية إلى بلاد كثيرة دون حرب أو إراقة للدماء([82]) .
وعلى فرض أن هذه الخطة لم تثمر في المرحلة العشرية الأخيرة فإنه يمكننا أن نقيم ثورة شعبية ونسلب السلطة من الحكام)([83]).
هل نحن جادون؟!
هذا هو التشيع الفارسي! وهذا هو الرفض!!
وهذه هي الشعوبية!!!
فماذا أعددنا من عدة لمواجهة هذا الخطر الماحق؟
أرجو أن يسأل كل واحد منا نفسه: هل يستشعر المسؤولية أمام الله جل وعلا عن مقاومة هذا الخطر؟
وإذا كان يملك هذا الشعور فهل هو إنسان جاد: يحول الشعور إلى عمل إيجابي، ويبحث عن أنجح الوسائل في مقاومته؟ وهل عَمِل - ولو قليلاً- وأتعب نفسه في سبيل ذلك؟
وهل إن الأمة – في عراقنا الكبير أولاً وخارجه ثانياً - قد أدت ما عليها تجاهه ووضعت من الخطط والبرامج المدروسة الجادة وقد جعلت في حسابها هدف القضاء النهائي على هذا السرطان الذي يوشك أن ينفلت من عقاله ويفلت من قمقمه؟ أو إيقاف زحفه- على الأقل-؟ أم إنها رُوِّضَت فرضيت بأوهام التقريب والحلول الوسط مع قوم لا يؤمنون بالتعايش السلمي، ويكفرون به من الأساس؟
وليسأل بعد: هل هذا الذي نفعله مطابق للمنهج القرآني؟ أم هو خليط غير متجانس من إفرازات التاريخ، وضغط الواقع، وكلمة من هنا، وعبارة من هناك بعيداً عن منهج القرآن؟
استحضر الصورة الكاملة للتشيع الفارسي وخطره وغاياته ووسائله ثم أجب عن
هذه الأسئلة، وعن اعتقادك في المنهج الترضوي هل يمكن أن يكون هو الحل؟!!
 
ماذا بقي من شرك المشركين وانحراف أهل الكتاب وخداع المنافقين
إذا وضعت الصورة كاملة أمامك تستطيع ان تقول: ماذا بقي من الشرك واليهودية والنصرانية والنفاق خارج هذه الصورة البشعة!
فـ(الأئمة) جعلوا آلهة يعلمون الغيب وما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء.
يضرون وينفعون ويُمرضون ويَشفون تنذر لهم النذور ويستعان بهم ويستغاث، ويقسم بهم أشد مما يقسم بالله! بل يتوجه إليهم بالدعاء والنداء ويزارون من بعيد!
ليس هذا فحسب! انهم أداة لتعطيل الدين: فالقرآن عندهم مخبوء إلى ظهور (المهدي) الموهوم، والسنة النبوية الصحيحة مرفوضة بحجة أنها مروية عن غير طريق (الأئمة). والجمعة معطلة لعدم عدالة الحاكم، والجماعة كذلك بل والجهاد إلا الفتن فهذه- شهد الله- من أول واجبات الدين.
لا يصومون مع المسلمين. وحتى الحج لا يحجون معنا إلا اضطراراً بدليل أنهم لا يعترفون بيوم عرفة ولا يعيدون الأضحى إلا في اليوم الثاني، ومراسيم الحج تؤدى كاملة تقريباً عند الحسين والعباس في كربلاء.
وفصلت أماكن العبادة باسم (الأئمة)، واخترعت بدع وشعائر، وارتفعت قباب ومنائر ما أنزل الله بها من سلطان. وتحول الدين باسم الحسين إلى لطم ونياحة وعويل.
أما الفقهاء فقد اتخذوهم أرباباً من دون الله تعالى و(مراجع) يرجعون إليهم في الأصول والفروع دون تفريق، وفي الكبيرة والصغيرة بلا تحقيق، أو رجوع إلى
كتاب الله وسنة رسوله! بل يعتقدون أن فهم الكتاب والسنة حكر عليهم ولا يكون إلا بواسطتهم لا يستجيزون تخطئتهم وإنما يقلدونهم تقليدا أعمى حتى صرح كبار علمائهم أن الاعتراض على الفقيه بمنزلة الاعتراض على الله وهو شرك بالله! منهم محمد رضا المظفر وإبراهيم الزنجاني إذ يقول كلاهما بالنص الواحد:
(عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنه نائب عام للإمام (ع) في حال غيبته. وهو الحاكم والرئيس المطلق. له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى وهو علـى حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت (ع) ([84]).
وهذه - في قرآننا - هي عقيدة اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم ، كما أخبـر تعالى عنهم فقال: )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (31)( التوبة. ولا شك أن أهل الكتاب لم يقولوا عن علمائهم أنهم أربابهم أو خالقوهم، ولم يعبدوهم بأن ركعوا وسجدوا لهم، وإنما أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم واتبعوهم دون نقاش، وأنزلوا كلامهم وأوامرهم منزلة كلام الله وأمره. فتلك عبادتهم إياهم، واتخاذهم لهم أرباباً من دون الله .
وفي الوقت نفسه يستولون على أموالهم بحجة ما يسمونه بـ(الخمس) و(الحقوق الشرعية) و(ثلث الأموات) وغيرها من الأسماء والحيل، يتمتعون بها وبأعراضهم باسم (المتعة)، ويؤسسون الشركات المالية الضخمة في الدول الأجنبية كمؤسسة آل الخوئي في لندن.
إن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يستثمرونها في التآمر السياسي وإثارة الفتن والقلاقل وعدم الاستقرار. يقول تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(34)( التوبة.
ومن أخطر الموارد التي تصب في جيوبهم الأموال التي يستولى عليها من المخالفين في العقيدة، كما مر بنا في فتاواهم ورواياتهم كما قال تعالى عن اليهود حذو القذة بالقذة: )وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)( آل عمران. وأظن أن الأحبار والرهبان -واعتقد جازماً أن المشركين- لم يبلغوا الدرك الذي تردى إليه فقهاء التشيع الفارسي في الإباحية الجنسية والزنا العلني باسم الدين.
أما النفاق والشقاق ، بعد سوء الأخلاق ، فحدث ولا حرج عن (تقيتهم) التي استحلوا باسمها الكذب والتلون بشتى الألوان والوجوه ، حتى جعلوا ذلك تسعة أعشار
الدين([85])!
فالتشيع الفارسي قد جمع الشر من أطرافه، وحوى سيئات الأديان الباطلة والمذاهب المنحرفة وزاد عليها بإضافات لا تجدها في غيره من الطوائف والأديان.

الفصل الرابع
معالم المنهج المطلوب في خطاب التشيع الفارسي
 في ضوء المنهج القرآني
 
لا بد من تطبيق المنهج الإلهي القرآني
لم أجد للتشيع الفارسي خصوصية أو سببا يجعله في منأى عن تطبيق المنهج الإلهي القرآني عليه أسوة بأخويه: الشرك والنفاق، وأخواته: اليهودية والنصرانية والمجوسية. بل وجدت- بعد السياحة الطويلة في كتاب الله المنظور وكتابه المسطور- أنه أولى الأديان بأن يطبق هذا المنهج عليه.
إن التشيع الفارسي دين جمع سيئات الأديان الباطلة كلها من الشرك والمجوسية واليهودية والنصرانية موضوعة في قالب من النفاق. أو هو حركة من حركات النفاق بمضامين شركية ومجوسية ويهودية ونصرانية وحتى بوذية وما لا يعلمه إلا الله!.
والآن نأتي إلى المعالم التفصيلية للمنهج المطلوب تطبيقه من خلال المقابلة بين النقاط المشتركة بين الفريقين- فريق التشيع الفارسي وفريق الأديان والمذاهب الباطلة- وكيف واجهها القرآن كما سبق الحديث عنه خلال السور الأربع -البقرة وآل عمران والأنعام والتوبة- وبعض ما تعلق بها الآيات.
 
1. التاريخ سلاح فعال في المعركة
عند استعراض أول جولة من الآيات في سورة (البقرة) تلك التي اختصت باسترجاع تاريخ يهود قلت:
(في هذا درس قرآني عظيم هو أن من شمخ بأنف قائم على تاريخ مخزٍ فإن المجاملة لا تنفع معه بل ينبغي أن يدمغ بذلك التاريخ ليعرف حقيقة نفسه ويرى أن الناس يعرفونه على حقيقته، علّ ذلك يردعه ويجعله يشعر بالنقص والصغار إزاء انكشاف حاله. ولعله يرعوي أو- على الأقل- يتأدب وهو يتعامل مع الأتقياء الأطهار).
قارن هذا بتاريخ مساحته أربعة عشر قرناً من المخـازي والآثام ، يحمله الرافضة
الشعوبيون على ظهورهم ابتداءاً بقتل عمر وعثمان وعلي وظهور عبد الله بن سبأ والحركات الباطنية الهدامة على مر التاريخ، واستمر وهو يتضخم بالمخازي والآثام إلى يومنا هذا في عامنا هذا في بلدنا هذا الذي يلعنون فيه (خير أمة أخرجت للناس)  ويطعنون بأشرف نسوة كن في بيت ويدعون تحريف الكتاب والسنة. ناهيك عن أكل أموال الناس بالباطل واستحلال الكذب والدجل والعمل (بالتقية) أي النفاق وهتك ستر المحصنات تحت لافتة (المتعة) أي الزنا باسم الشرع. ثم هم مع كل هذه الخزايا والدنايا يشمخون بأنوف ترعد، ويطلقون على أهل السنة اسم (أبناء العامة) أي أنهم أبناء الخاصة ! تماماً كاليهود الذين مع خزاياهم ودناياهم يدعون أهم (شعب الله المختار) وأنهم (أبناء الله وأحباؤه).
ثم انظر بعينك لترى في الوقت نفسه كثرة المجاملين والمداهنين من الحالمين بكلمة رضا من تلك الأفواه النتنة المتلطخة بسب أبي بكر وعمر وأمهات المؤمنين!
إن المنهج القرآني يفرض علينا أن نعرض التاريخ ونستعمله كسلاح في ميدان الصراع مع الشعوبية ودينها الباطل التشيع الفارسي. على أنه من المفيد جداً والضروري أن نقرأ تاريخ الفرس قبل الإسلام وصراعهم الأبدي مع العراقيين لنتعرف على جذور الصراع ونجد كثيراً من أوجه الشبه بل المطابقة الكلية بين الغابرين والمعاصرين ليكتشف الناس أنه لا فرق بين المتأخرين والمتقدمين سوى الأسماء والعناوين.
 
2. إنكار أباطيلهم ومنكراتهم بتفاصيلها صراحة ومواجهة
هذه طائفة من الأباطيل التي أنكرها القرآن صراحة و مواجهة على أهلها من أصحاب الأديان الباطلة موجودة بعينها عند الرافضة:
تحريف الكتاب
 )أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)( البقرة. وهو نفسه موجود عند الرافضة إذ يدّعون تحريف القرآن.
(التقية) والتلون والنفاق
ثم قال: ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ(76)( البقرة هذا عن اليهود. وعن المنافقين قال الشيء نفسه في أول السورة :) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)(. وهذا عينه موجود عند الرافضة باسم (التقية).
عدم علم عامتهم بكتابهم
ثم قال:)  وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78)( البقرة. وهذا حال جمهور الرافضة وعوامهم لا يفقهون من القرآن شيئاً سوى التلاوة الفارغة من الفهم والتدبر بسبب صرف علمائهم لهم عن ذلك بحجة أن القرآن صعب لا يدركه إلا العلماء مستدلين بقوله تعالى:) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (7)(
آل عمران، أي الله والعلماء فقط. ويفتون لهم أن من أخطأ في قراءة حرف أو حركة من القرآن فهم آثم.
أكل أموال الناس بالباطل
ثم قال: )فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاٍ (79)( البقرة وهذا ما يفعله علماء الرافضة إذ يستولون على أموال اتباعهم بحجة (الخمس) و(الحقوق الشرعية) وغيرها من المسميات التي اخترعوها افتراءا على الله شانهم شأن اليهود الذين نزل فيهم قوله السابق وقوله:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)( التوبة وما فعله الرافضة أشد وأنكى!
ادعاء النجاة في الآخرة
) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً(80)( البقرة. والرافضة يدعون ما هو أشد من ذلك. إنهم يعتقدون أن من آمن بولاية علي فإن علياً سيسلمه يوم القيامة بطاقة نجاة من النار ودخول إلى الجنة ويسمون علياً (قسيم الجنة والنار) ويروون في ذلك الروايات الكاذبة وقد مر بعضها. وينشدون:
علي حبه جُنة             قسيم النار والجنة
ويكتبونه على واجهات المحال والسيارات. وعلماؤهم يقصون عليهم الأساطير في ترسيخ هذه العقيدة الفاسدة في محاضراتهم وأحاديثهم التي نسمعها ونراها على الأشرطة المسجلة. منها أنّ ناصبياً نذر إذا وهبه الله ولداً أن يقتل أحد الرافضة فكان له ما أراد. وبعد أن كبر ابنه أخذ خنجره وكمن لإحدى قوافل الزائرين لقبر أبي عبد الله الحسين عله يقتل واحداً منهم في غفلة من أصحابه لكن عينه غلبته فنام فرأى أن القيامة قد قامت وجيء به للحساب فأمر به إلى النار لكن أبا عبد الله يظهر له من بين الجموع ليخلصه قائلاً: لن تمس النار أحداً سقط على جسده غبار أقدام الماشين حفاة لزيارة قبري! وهنا تضج أفواه القطعان وهي تصيح: … أي (اللهم صل على محمد وآل محمد!) ليقول المتحدث الكذاب: فكيف إذن هي منزلة شيعة محمد وآله !!
التقليد الأعمى واتخاذ الفقهاء أرباباً من دون الله
)اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ(31)( التوبة. أي أنزلوهم منزلة الله تعالى في الأمر والنهي والتشريع. وهو عقيدة الرافضة عينها مع فقهائهم حتى صرحوا بأن الرد عليهم بمنزلة الشرك بالله- كما مر بنا- وهي الأساس الذي استند إليه الخميني الدجال في القول بـ(ولاية الفقيه)
قتل دعاة الحق
)أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87) (  البقرة
)إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)( آل عمران.
)قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(183)( آل عمران. وهو ديدن الرافضة أعداء الحق ودعاته منذ أن وجدوا يكيدون لهم ويخططون دائماً لاغتيالهم والوقيعة بهم إسكاتا لصوتهم الناطق بالحق منذ أن اغتالوا عمر بن الخطاب شهيد المحراب والمسلسل متواصل إلى عصرنا الحاضر فكان الشهيد الأستاذ أحمد الكسروي والشيخ محمد ضيائي وغيرهم في إيران، والشهيد الشيخ نوري خلف الدليمي والشيخ محمد طه السامرائي والسيد محمد سكندر الياسري في العراق.. وغيرهم وغيرهم!
استحلال أموال المخالفين ونقض عهودهم
) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ
إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)( آل عمران.
وهو ما يفتي به أحبار الرافضة وكتبهم طافحة به بل زادوا فأحلوا دماء مخالفيهم من أهل السنة والجماعة وغيرهم وقد مر بعض أقوالهم المتعلقة بذلك وسيأتي –إن شاء الله- مزيد بيان لخطورة هذا الأمر! وعدم الانتباه إليه مع خطورته!!
إن نقض العهود وعدم الإيفاء بالوعود صفة متأصلة عند الرافضة وما الاستيلاء على الطائرات العراقية المودعة عندهم إلا مثال بسيط على هذه الصفة الرذيلة عندهم. إن القرآن واضح في أمره بضرورة الإيفاء بالعهود والوعود والعقود كما قال سبحانه: )إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77)( آل عمران.
أما كونهم يحملون العراق مسؤولية خسائر الحرب وهذه الطائرات تعتبر جزءا من تعويضات تلك الخسائر فهذه دعوى وحكم صادر من جهة الخصم وهذا يتناقض مع أوليات القضاء الإسلامي والعالمي إذ لا يصح أن يكون الخصم هو الحكم في قضية واحدة. فالاستيلاء على الوديعة دون حكم صادر من جهة حيادية لا يكون إلا عند اللصوص. فإذا كانت اللصوصية مبرقعة باسم الدين فذلك هو الكفر بعينه! ثم ما قيمة مجموعة من الطائرات أمام تشويه سمعة دولة تدعي أنها تمثل الإسلام لو كانت فعلا كذلك؟!
إن (أبناء الأصول) حين يتصرفون تصرفاً معينا يحسبون ألف حساب لـ(أصولهم) وعوائلهم التي ينتمون إليها. أما الأدعياء ومن لا (أصول) لهم فلهم شأن آخر وحساب غير هذا الحساب!
هذه أمثلة من المنكرات والأباطيل المشتركة بين الفريقين أفينكرها الله تعالى في كتابه العظيم وعلى لسان رسوله الكريم على قوم ونقرها نحن عند قوم آخرين؟! كيف؟! ولماذا؟!
 
3. نبرة الاستعلاء الإيمانية
في خطاب القرآن العظيم لأهل الباطل نبرة استعلاء إيمانية واضحة تغرس الثقة في النفس وتجعل المؤمن في منأى عن حمأة الشعور بالنقص الذي هو السبب وراء محاولات الترضية المخجلة المتمثلة في كيل المدائح المجردة للرموز الصالحة عسى أن
يعتقد المنتسبون زورا اليهم أننا نحبهم فيرضون عنا أملَ إبليس في الجنة.
إن القرآن لا يعترف بتلك الانتسابات المزورة. انه يعلن بلا تردد أنها مزورة. وبهذا يسحب البساط من تحت أولئك المزورين المفترين ليجعله تحت المسلمين. وهنا يكون على اليهود وأمثالهم من النصارى والمشركين والمنافقين أن يأتوا ليرضوا المسلمين وعسى أن يقبلوهم. وذلك بالوقوف الحقيقي على هذا البساط الذي أزيح المبطلون من فوقه وصار تحت المسلمين. أي بالإيمان الصادق بمثل ما آمن به المسلمون:) فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا(137)( البقرة. فأنتم أيها المسلمون الأصل والمقياس والنموذج وهم - كائنا من يكونون- تبع. ]وإن تولوا{؟ فهذه مشكلتهم ولا قيمة لهم فلا تشغل نفسك بهم )وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(137)( البقرة.
إن هذا يفرض علينا منهجياً أن نصرح بعدم اعترافنا بصحة انتساب الرافضة إلى علي وأهل بيته، ونثبت أن ذلك دعوى مزورة بالأدلة المعتبرة، وأن لا نتردد في القول بأن علياً ما كان شيعياً ولا رافضياً ولا إمامياً ولا اثني عشرياً، بل كان حنيفاً مسلماً ملتزماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجماعة المسلمين.
نعم نمدحه بما فيه دون غلو أو تقصير. على أن لا يكون المدح مجرداً عن الدعوة إلى اتباعه أو عن التصريح بالمخالفات الشرعية التي ارتكبها الرافضة معه ولا  عن الإعلان بأن علياً على دين والرافضة على دين آخر. مدحاً لا يوحي بالضعف والهزيمة النفسية ولا الرغبة في استعطاف الرافضة لعلهم يعترفون بنا أحبابا لعلي. بل على العكس علينا أن نشعرهم بأنهم هم بحاجة إلى أن يثبتوا لنا حبهم الحقيقي له، واتباعهم الصحيح لما كان عليه. فإن فعلوا وكانوا مثلنا وآمنوا بمثل ما آمنا بِهِ فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفينا الله تعالى أمرهم وهم أهون في عين الله من أن نركض وراءهم نلهث عساهم يرضون. إن علينا أن نقول الحق من ربنا فإن آمنوا فهو الواجب عليهم وإن غضبوا فما هم بمعتبين.
 
مقارنة مع الواقع
قارن هذا مع المنهج الترضوي المتبع واقعاً مع الرافضة!
إن أصحابه - بدلاً من أن يصرحوا بقطع صلة الرافضة بسيدنا علي t وأهل بيته- راحوا يبذلون الجهود تلو الجهود في محاولات يائسة لترضيتهم عن طريق
مدحه t مدحاً يخرج أحياناً إلى الغلو أو مخالفة الحقائق التاريخية والمنطق العقلي عسى أن يقتنعوا أنا نحب علياً، مع ما يرافق ذلك من مجاملات على الباطل وعدم إنكاره.
إن في هذا شعوراً واعترافاً ضمنياً بأن الرافضة هم (أصحاب الامتياز) والحب الحقيقي والانتماء الحق لـ( أهل البيت)، وهم النموذج والأصل الذي يُتسابق إلى التشبه به والتقرب إليه. لقد سحب أصحاب المنهج الترضوي البساط من تحت أنفسهم وانحنوا بكل (أدب ولطف) ليضعوه تحت أقدام أولئك الأدعياء علهم يلقون إليهم بفتات كلمة أو نظرة عطف أو يربتون على رؤوسهم وهم يبتسمون ابتسامتهم الصفراء، وما هم بفاعلين حتى يلج الجمل في سم الخياط!
والأمر كله لا يعدو أن يكون تعبيراً عن الشعور بعقدة نقص يعانون منها تولدت لطول ما اتهموا بمناصبة (أهل البيت)، وإشارة لا تخطئ - يعرفها المخالف قبل المؤالف - إلى ما في نفوسهم من هزيمة وضعف تجاه من هو أولى أن يصاب بها!
ومع أن المشكلة ليست في بغض أهل البيت وإنما في بغض الصحابة وعداوتهم والبراءة منهم وسبهم وتكفير من يحبهم لكنك ترى هؤلاء الترضويين يوحون بقلب المعادلة وعكس المشكلة فإذا بهم مع حبهم لعلي وبغض الرافضة للصحابة يحاولون جاهدين أن يثبتوا لأولئك الغلاة الحاقدين أنهم يحبون علياً!
وحين يكتشفون أن ما فعلوه لم يثمر شيئاً يرجعون باللوم إلى أنفسهم أنهم هم المقصرون، والحل مزيد من المدح دون اعتبار للأصول أو الذوق أو العقل أو الحقيقة التاريخية أو حقوق الآخرين حتى خرجوا إلى الكذب بل الغلو! حتى صرح البعض بأن أهل البيت مخلوقون من نور ذات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا وهو كفر صريح. كل هذا يطرح مجرداً عن الدعوة إلى الاتباع الحقيقي لسيدنا علي ودون عرض موضوعي لحقيقة المشكلة.
لقد رأينا احتفالات يحضرها علماء مسؤولون يحبون الصحابة -ومنهم علي-  حباً صادقاً. وإذا قام أحدهم يلقي كلمته وذكر علياً ترضى عنه وأحياناً يقول (كرم الله وجهه) أو (عليه السلام) أو يلقبه بـ(الإمام) ويمدحه مدحاً قد يخرج عن المشروع. فإذا جلس وقام الشيخ الرافضي يتحدث وذكر أحد الصحابة لا يترضى عنه ولو على سبيل المجاملة أو التزلف أو (تقية)! وإذا استشهد بقول لكبار الصحابة الكرام فإنما يستشهد به في مقام المدح لعلي لا أكثر دون ترض عن الصحابي أو الاتيان بما يشير إلى احترامه.
لماذا انقلبت الأمور إلى هذا الحد؟!
نحن نعلم أن الرافضة قوم يؤمنون بـ(التقية) ويعملون بها. لكن (التقية) عند شعور الرافضي بالخوف أو رغبته بالوصول إلى هدف ما. فلماذا صار رافضتنا لا (يتقون)؟ بل يتبجحون ويهجمون وأصحابنا يجاملون ويتقون!
لقد أخذ المنهج الترضوي عنصرا واحداً من عناصر المنهج القرآني وأركانه الخمسة وترك العناصر الباقية. ثم راح يشوه في هذا العنصر الوحيد الذي لا قيمة له دون بقية العناصر بالزيادة الخارجة عن الذوق والعقل والشرع فزاد الطين بلة والداء علة.
 
4. غرس الهزيمة النفسية في داخل الخصم وإجباره على استجداء العطف
 تأمل هذه الهزيمة النفسية التي غرسها المنهج القرآني في داخل المنافقين فصاروا يحاولون بشتى الوسائل ومختلف الأساليب والحيل أن يثبتوا للمؤمنين ولاءهم ويقسمون أغلظ الأيمان على أنهم منهم وأنه لا فرق بينهم وبينهم! في الوقت الذي يعلم القرآن المؤمنين كيف يتعاملون مع هذه الظواهر النفاقية فيحتقرونها ويرفضون القبول بالحلول الوسط أو الالتقاء في وسط الطريق على حساب الحق ومصلحة الأمة. إن المنهج القرآني يغرس الثقة في نفوس المؤمنين ويعلمهم فن العزة الإيمانية والاستعلاء على كل دنيء. اقرأ هذه الآيات في سورة (التوبة) :
) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ(57)(
)يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ ليُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ(62)(
)يحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(96)(
)يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)(
)يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ(94)(
)وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ(127)(
وقال عن مسجدهم: ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ  (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)(
)فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)(
قارن هذه الصورة مع الصورة النفسية المهزوزة، والهزيمة التي يعاني منها أصحاب المنهج الترضوي. إنهم يعيشون وضعاً نفسياً مأساوياً مقلوباً كان عليهم أن يناضلوا ويجاهدوا ليجعلوا الخصم الشعوبي هو الذي يعيشه ويعاني منه فيأتي إليهم صاغراً يقدم إليهم مراسيم الولاء ويطبق (تقيته) حسب الأصول!
هل تأملت وضعهم البائس وهم يحاولون إرضاء هذا الخصم الذي استخفهم فأطاعوه فتفرعن عليهم، ويتملقونه بالقول إنه لا فرق بيننا ونحن معكم وبكم والدين واحد وليس بيننا من خلاف إلا في بعض الفرعيات البسيطة، وهو يمقتهم ويزدريهم ويصرح بأن لا لقاء ولا تعاون بل يكفرهم ويستحل حرماتهم ويتربص بهم الدوائر ويفرح إذا أصيبوا ويحزن إذا فرحوا ويلمزهم ويسخر منهم ولا يألوهم خبالاً ويستهزئ بكتابهم وسنة نبيهم ويطعن بأصحابه وأزواجه ويشتمهم ويلعنهم!
لماذا هذا الوضع المقلوب؟!
ومن المسؤول عن هذه المهزلة؟!
 
5. اعتماد أسلوب الهجوم
القرآن يستعمل أسلوب الهجوم على مرتكزات الخصم كخط ثابت معتمد،و لا يجنح إلى الدفاع إلا في حالات معينة.
و هذا هو الذي يهزم الخصم.
أما الدفاع فغايته أن يحافظ كل على موقعه، حتى في المعارك العسكرية،فما لم يحول القائد دفاعه إلى هجوم فلن يكسب المعركة.
ونصيحتي للمخلصين -وبكل قوة- أن يتخلصوا من حالة الدفاع التي هم عليها، فإنهم لن يكسبوا من ورائها إلا التعب، والمشغلة الفارغة.
يأتيني بعضهم بشبهات مثل أحاديث في صحيح البخاري ومسلم استشكلها عليهم الرافضة، فأنصحهم قائلاً: قولوا لهم لنفترض أن ما تقولون عن البخاري ومسلم هو كما تقولون، ما هو البديل الذي عندكم إذا تخلينا عن صحيح البخاري ومسلم وبقية كتب الحديث عندنا ؟ أغير كتاب الكافي وأمثاله؟!
فما جوابكم عن مئات بل آلاف الروايات الواضحة البطلان متناً، دون الحاجة إلى النظر في أسانيدها؟!
هنا سيحتار الرافضي وينهار أو ينهزم. وهذه النتيجة لن تحصل عليها ولو بقيت تدافع عن أحاديث أهل السنة عمرك كله.
وهكذا تقل الحاجة جداً إلى الدفاع عما عندنا، أو الجواب عن شبهاتهم ضدنا.
المطلوب إذن أن نهاجم مرتكزات الخصم، فإذا انهارت سهل علينا بعدها إقناعهم بالبديل. وإلا فإن الاستمرار على موقف الدفاع سيجعلنا في النهاية نخسر المعركة ونخرج منها منهزمين. وليس هو أكثر من تعبير عن الهزيمة النفسية التي يعاني منها المدافعون.
 
6.  اللهجة أشد والمعالجة أولى
اهتم القرآن بالمنافقين اهتماماً كبيراً رغم قلتهم مطلقاً ومقارنة مع الكفار. لقد خاطبهم القرآن وكان في لهجة خطابة شدة وغلظة أكثر مما هي عليه في خطابه للكافرين، حتى لقد جعلهم في منـزلة أحط من منـزلة إخوانهم الذين كفروا في النار فقال:)  إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ(145)( النساء.
وباطل الرافضة أشبه بباطل المنافقين منه بباطل الكافرين من حيث أنهم اتخذوا
مبدأ (التقية) قاعدة لسلوكهم وتعاملهم مع مخالفيهم. وهو مبدأ المنافقين الذي أخبر عنه تعالى في مثل قوله:) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)( البقرة. وتلك خصلة من خصال اليهود أيضاً كما قال تعالى :) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ …(76)( البقرة. وقال :) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72)( آل عمران .
باختصار فإن الرفض كفر في قالب نفاق. وهذا يلزمنا بالتحذير من خطرهم تحذيراً أشد، وإنكار باطلهم إنكاراً أغلظ مما هو عليه مع الكفار وأشباههم من الملل والنحل.
 
7. التحذير من اتخاذهم بطانة وتوظيفهم في مواقع القرار
يقول تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)( آل عمران.
إنها أخلاق المنافقين وأخلاق الروافض الشعوبيين سواء بسواء، لأن الرفض جنس من أجناس النفاق فهم:

  1. ) لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا( لا يقصرون في الكيد لنا والتآمر ضدنا وأبسط شيء يقومون به كتابة التقارير الصفراء الكاذبة التي لا تنقطع ليل نهار من أجل إلقاء بذور الشك وتمزيق الصف وضرب مصادر القوة ببعضها و(إيجاد الخلاف بين الحكام والعلماء) كما جاء في (الخطة السرية لآيات الشيعة في إيران) حتى يصل الكيد إلى التعاون مع الأجنبي كإيران وأمريكا والاستبشار بقدوم أمريكا. وأحداث عام 1991 شاهد. إنهم يشعلون الحروب ويمارسون الاغتيال السياسي ويثيرون الفتن.

  2. )وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ( يتمنون لنا كل ما يؤذينا ويرهقنا.

  3. )قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ( بلعن أسلافنا، والطعن في كتابنا، ورفض أحاديث نبينا، وإيعادنا بالويل والثبور حين تسنح الفرصة وتكفيرنا واستحلال دمائنا وأموالنا.

  4. )وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ(.

  5. )هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ( وهذه مشكلة. فالكثيرون يحبونهم ويهونون من شأنهم ويفضون بأسرارهم إليهم ويضعون في أيديهم أخطر المواقع الحساسة يقولون: لا فرق بيننا! مع إنهم يتخذون التفرقة دينا ويستعملون مواقعهم للكيد والتآمر ولا تنفع معهم جميع أسباب المودة والتقريب ومظاهر المساواة ينكرون ما يرون ويفسرونه تفسيراً عكسياً ملؤه الشك والريبة. يسقطون على الغير ما موجود في نفوسهم. فنحن وإياهم كما تصف الآية )هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ(.

  6. )وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ( وهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض تبعاً لأهوائهم وأغراضهم.

  7. )وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ( بحكم مبدأ (التقية) فهم متمرسون في إظهار الولاء في الوجه، ويتحينون الفرص في الخلوات للانقضاض والانتقام.

إن استعمال هؤلاء واتخاذهم بطانة من أكبر أسباب الهزيمة والخسارة في المعارك
العسكرية، ولذلك جاء ذكر هذه الآيات - التي تحذر من ذلك- مباشرة قبل الحديث عن معركة أحد التي خسرها المسلمون.
إن عبد الله بن سلول رجع بثلث الجيش في المرحلة الحرجة قبل وقوع المعركة. وسقطت بغداد بأيدي المغول بسبب البطانة المتمثلة بالوزير ابن العلقمي الفارسي. وهي حلقة من سلسلة طويلة من البطانات التي اتخذتها الخلافة العباسية. وفي عام 1991 عمل أحفاد ابن العلقمي بالعراق تمزيقاً وتقتيلاً وتدميراً وغدراً وخيانة ما عجز عنه الأمريكان وتحالفهم الشيطاني. وهاهم اليوم يستبشرون أملاً بان تكرر في عراقنا مأساة إخواننا الأفغان (تحالفاً جنوبياً) مع الأمريكان بدل (التحالف الشمالي) في أفغانستان الذي لولاه لما استطاع الأمريكان احتلال أفغانستان.
 
8. عدم الاعتراف بمساجدهم الضرارية واعتبارها  أوكار تجسس وتخريب
لقد حاول المنافقون - ومن وقت مبكر - أن يعزلوا أنفسهم في أوكار تجسسية تحت مسمى شرعي هو المسجد فاتخذ أبو عامر الفاسق هذا الوكر. وحتى يكتسب وكره هذا الصفة الشرعية طلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي ليصلي فيه و(يباركه)! وكان الله لهم بالمرصاد فأنزل على رسوله آيات بينات تفضحهم وتكشف نواياهم وتأمر باعتزال ذلك المكان الموبوء. يقول تعالى فيها:-
)وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ  (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)(. وذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تنفيذ الأمر الإلهي أبعد مذهب فهدم هذا الوكر النفاقي الشيطاني وأحرق مكانه بالنار! مع أن النص لا يأمر بأكثر من اعتزاله: )لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً(.
ويدور التاريخ دورته وينجح الرافضة في إنجاز ما عجز عنه المنافقون، فاتخذوا
لهم (مساجد ضرار) في طول البلاد وعرضها صورتها صورة مسجد وحقيقتها أوكار للتآمر والإضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين ومواضع رصد وتجسس([86]) وسراديب وأنفاق عبرت عن نفسها بوضوح في آذار عام 1991 على هامش الغزو الصليبي للخليج واعتدائه على العراق. وأقل ما فيها من شر وكفر أنها فرقت بين المسلمين فشطرتهم نصفين لا يلتقيان!

مقارنة بين (مسجد ضرار) القديم والجديد
وإذا جئنا لنعمل مقارنة بين (مسجد ضرار) القديم والحديث لوجدنا أن الأخير شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل!

(مسجد ضرار) الجديد

(مسجد ضرار) القديم

1- يؤذن فيه ثلاث مرات.

1- يؤذن فيه خمس مرات.

2-له توقيتاته الخاصة به المختلفة عن التوقيتات الشرعية والرسمية.

2- توقيت الأذان فيه لا يختلف عن التوقيت في المسجد النبوي.

3- ألفاظ الأذان تختلف عنها في مساجد المسلمين. فقد أضافوا إليه إضافات بقدر الأذان الأصلي أو أكثر تبدأ بقول المؤذن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ثم تلاوة قوله تعالى:)إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ…( الآية. ثم الصلاة على النبي وآله. ثم إضافة علي ولي الله وأولاده المعصومين حجج الله وحي على خير العمل. وتنتهي بزيادة لا اله إلا الله في آخر الأذان!  

3- ألفاظ الأذان واحدة في المسجدين.

4- يصلون فرادى عادة.

4- يصلى فيه جماعة.

5- لا يصلون الجمعة ولا يستحلون الصلاة في مساجدنا إلا تقية أو منعزلين.

5- يصلي رواده الجمعة في المسجد النبوي.

6- شعائر الصلاة وهيئاتها تكاد تختلف تماماً، مثل الإسبال وعدم قول آمين وعدم التسليم والاستعاضة عنه بتحريك اليد ثلاثاً إلى الأعلى والأسفل. والقنوت قبل الركوع في الركعة الثانية..الخ.

6- ليس للصلاة شعائر وهيئات خاصة تختلف بها عن صلاة المسلمين.

7- وهؤلاء يمسحون.

7- يغسلون أرجلهم في الوضوء.

8- يتخذ المصلي فيه حجراً مدوراً يضع جبهته عليه في الصلاة.

8- لم يتخذوا فيه حجراً يصلون عليه.

9- المسجد مهان بإقامة اللطميات والنياحة ومجالس العزاء ووضع الكراسي وحتى الأكل والشرب والتدخين!

9- المسجد نظيف ومحترم.

10- أمره - ولله الحمد - تام ومعترف به وهو يؤدي دوره كاملاً حسب الخطة المرسومة.

10- لم يتم أمره بل فضحه الله وكشف حقيقته.

 
فأي الفريقين أحق بالعلاج وتقويم الاعوجاج؟!
9. تبني العروبة
لا يشك مسلم سوي في فضل العرب، وأن الله اختارهم لأنهم أقدر الشعوب على حمل رسالته الخاتمة إلى الناس. فالاختيار مبني على أسباب ثابتة موجودة مسبقاً في داخل من اختارهم الله. وفي قوله تعالى: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه (110){ آل عمران. دليل من حيث أن جودة الثمر نتاج بذر جيد في تربة طيبة ولا بد. فالبذر الجيد هو الرسالة النازلة، والتربة الطيبة هم العرب. ولذلك يقول سبحانه: ]اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (124){ الأنعام.
والعروبة مادة الإسلام، والإسلام روح العروبة. فالطعن في أي واحد منهما طعن في الآخر. وفصل أحدهما عن الآخر كفصل الروح عن الجسد. وفي القرآن شواهد كثيرة على ما نقول، ولكننا لسنا في صدد إثبات هذه الحقيقة فالأمر مفروغ منه، وإنما في صدد ضرورة تبنيها، والانتباه إلى أهميتها في الخطاب.
والفرس -وخلافاً لكل الشعوب المسلمة- يكرهون العرب كما يكرهون الإسلام والمسلمين، ويطعنون فيهم جميعاً. فالفرس لا يعادوننا لأننا مسلمون فحسب، ولكن لأننا عرب أيضاً. فإدخال العروبة في معادلة الصراع ضرورة لكي يعتدل ميزان القوى المتصارعة المختل في غياب هذا العنصر الفعال.
لقد آن الأوان لكي نتخلص من ردود الفعل السلبية ضد من تطرف في تبني القومية فجعل العروبة بديلاً عن الإسلام، فكان الرد أن أخرجت العروبة من ساحة الصراع.
وإذا كان الإسلام هو الروح وهو الأصل والأساس، فلا يضيره -بل يشده ويقويه- أن تأخذ العروبة موقعها في سلم الخطاب دون إفراط أو تفريط .
 
10. قطع صلتهم بالرموز الصالحة
من أركان المنهج القرآني التي سبق ذكرها قطع الصلة بين أهل الباطل ومن يدّعون الانتساب إليهم من الأنبياء والرجال الصالحين. فالقرآن العظيم لا يعترف بهذه الصلة ويصرح لهم بأنهم في جهة، ومن تعلقوا بهم في جهة أخرى بعيدة لا علاقة لهم بها. إنهم أناس منقطعون منبترون. وأن هذه الصلة دعوى كاذبة مزورة أن التشيع الفارسي يعتمد في بقائه على ادعائه الانتساب إلى (أهل البيت)، ويستمد قوته وأسباب وجوده واستمراره من هذه الدعوى. فتجريده منها يسحب البساط من تحته ويظهر وجهه الكالح على حقيقته. وهو ما يلزمنا به المنهج القرآني. أما الاقتصار على مدح علي t فهو منهج المنهزمين البائسين.
11. التفريق بين الموقف المبدئي والموقف العملي
لقد كان القرآن واضحاً منذ البداية في موقفه المبدئي من المنافقين وحكمه الشرعي عليهم. لقد كشف أوراقهم وحكم عليهم بالكفر وفضح نواياهم وأوصافهم وأساليبهم حتى يتم التمييز بينهم وبين المؤمنين دون أن تختلط الأوراق ببعضها فتمر المؤامرة. وسورة (المنافقون) وغيرها واضحة الدلالة على ما نقول.
أما الموقف العملي فقد مر بمرحلتين: الأولى: مرحلة المداراة و(بل نترفق به) و(حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ويظهر أن هذه المرحلة استمرت حتى معركة (أحد) في السنة الثالثة أو بعدها بقليل حين ثبت للنبي  صلى الله عليه وآله وسلم أن مجاملة هؤلاء وتوثيقهم باعتبارهم ضمن الصف المسلم يعود على الأمة بأعظم الخسارة أحوج ما تكون بحاجة إلى الربح أو الحفاظ على رأس المال، وذلك عندما استطاع ابن سلول أن يفسد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلث جيشه المتوجه إلى المعركة. ولا شك أن هذه الخسارة في هذا الظرف لا تعادلها خسارة التفريط به من البداية حتى لو اتبعه مجموعة من عشيرته تعصباً وجاهلية. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يترفق به من أجل اتباعه حفاظاً عليهم وها قد ثبت له أن هذا الأسلوب لا يعود عليه إلا بالخسارة فبدأت المرحلة الثانية: حين نزل قوله تعالى في سورة (الأحزاب):) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا(60)مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا(61)سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا(62)(
وهذا يدل على أن قتل المنافقين وعدم الترفق بهم هو سنة قديمة ماضية وهو الحكم الأصلي معهم غير متعلق بالعوارض إلا إذا حال دون ذلك حائل كالذي ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه يخشى أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. ولكن هذا في البداية والدعوة المدنية في أولها أما وقد اشتد عودها وعركتها الأحداث وصار التمييز ممكنا فإن الحكم يعود إلى أصله.
 
12. لَيْسُوا سَوَاءاً
إن هذا لا يمنعنا من القول بأن الشيعة )لَيْسُوا سَوَاءً( . فإنك واجد في أوساطهم أناساً طيبين، صادقين في تدينهم باطنا وظاهراً، لا يعرفون النوايا الحقيقية لدعاة التشيع الفارسي يطلبون الحق ويأخذون به أينما وجدوه) خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا
أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(199)( آل عمران.
لكنهم جاهلون مطلوب منا تبصيرهم ودعوتهم وإنقاذهم من براثن الوحش الفارسي.
إن هؤلاء وسط قابل للتحول إلى أحد الطرفين فإما إلى الإسلام الصحيح إذا أحسنّا دعوتهم والتعامل معهم وإما إلى الرفض المقيت إذا تركناهم طعمة لأولئك الطامعين.
 
13. دعوتهم إلى تبني القرآن منهجاً للتعلم دون سواه
يقول تعالى:) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(79)( آل عمران.
فالربانية تلزم العالم بدراسة الكتاب واتخاذه منهجاً لتعليم اتباعه منه يصدر وإليه يعود. فماذا فعل اليهود والنصارى؟
لقد روضوا اتباعهم وعودوهم على طاعة أوامرهم والرجوع إلى أقوالهم دون اعتراض أو نقاش. وأوهموهم بأن الكتاب حكر عليهم وأنه لا يفهم من دونهم لقد أبعدوهم عنه ولم يعلموهم إياه بحجة أنَّهُ ما دام الكتاب لا يفهمه إلا العالم فلا داعي لإتعاب النفس في تدبره ومحاولة الاهتداء بِهِ مباشرة. والحل الرجوع إلى العالم بديلاً عنه وهذه هي العبادة لأن طاعة العلماء من دون نقاش، وإنزال أوامرهم منزلة أوامر الله تحليلاً وتحريماً عبادة لهم من دون الله.
وهذا ما فعله علماء التشيع الفارسي عن طريق مبدأ التقليد الأعمى. لقد ألغوا القرآن من واقع اتباعهم منهجا للاهتداء والتدبر وأبقوه كتاباً للقراءة المجردة والتبرك فحسب. أما الاهتداء فيكون بإطاعة أوامر العلماء وتقليدهم في كل شيء. ولذلك لا يهتمون بدراسته وتعليمه. وهذا عراقنا -والحمد لله- تعمه حملة لتعليم القرآن وتدريسه في المدارس والمساجد وغيرها إلا مساجد الرافضة وحسينياتهم وحوزاتهم لا تعرف شيئاً اسمه (دورة قرآنية) أو درس لتعليم القرآن. إلا ما ندر هنا وهناك، وفي السنتين أو ثلاث السنوات الأخيرة، وذلك من باب الغيرة من الآخر، ومنعاً لمزيد من تسرب نشئهم الجديد إلى مساجد أهل السنة بعد أن حصل ذلك كثيراً.
لقد انسلخ علماء الرافضة من صفة (الربانية) ليتسلقوا مرتبة (الربوبية) يضاهئون الأحبار والرهبان حذو القذة بالقذة!
 
14. الدعوة إلى اتباع المحكم دون المتشابه
من أعظم الحقائق القرآنية ما جاء في أول سورة (آل عمران) من أن ترك محكمات الكتاب وتأسيس الدين على متشابهاته أصل الشر وتكّون الأديان والمذاهب الباطلة. إنه يساوي الكفر بالآيات لأن كليهما يؤدي إلى نتيجة واحدة هي الضلال عن سواء السبيل.
يقول تعالى:) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ(7)( آل عمران.
وهذه علة الفرق الضالة جميعاً ومنهم الرافضة. لقد عطلت هذه الطائفة الانتفاع بالقرآن، وحولته إلى مصدر ضلال عن طريق اقتناص متشابه آياته والاعتماد عليها في تأسيس أصولها كـ(الإمامة) و(العصمة) والطعن في الصحابة وأكل أموال الناس بالباطل باسم (الخمس) وانتهاك أعراضهم باسم (المتعة)…الخ دون سند من آية محكمة صريحة!
إن التأكيد على هذه الحقيقة وبيانها وتفصيلها وترسيخها في أذهان الناس ضرورة من ضرورات المنهج، لأنها تحسم الخلاف علميا بين أصحاب الحق الذين أسسوا دينهم على محكمات الكتاب، وبين أصحاب الباطل الذين أسسوا دينهم على متشابهاته ومنهم الرافضة. وبذلك نشطب على ذلك الكم الهائل من الأدلة المتشابهة التي ضيعت الكثير الكثير من عوام الناس بل وخواصهم أيضاً سواء كانت روايات أو متشابه الآيات أو آراء وعقليات غير منضبطة بصريح الكتاب([87]).
 
15. القصص الحق
انتهت قصة ميلاد المسيح u في سورة (آل عمران) بإبطال عقيدة النصارى في بنوته لله احتجاجاً بولادته العجيبة من غير أب وذلك في قوله تعالى:) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) )فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إن هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ(63)( .
وفي قوله تعالى:)إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ( بيان أن من القصص ما هو حق وما هو باطل. فالقصص الحق ما كانت له غاية هي إحقاق الحق وإبطال الباطل وأخذ العبرة للالتفات منه إلى الواقع من أجل علاجه من أمراضه. أما إلهاء الناس وقتل أوقاتهم بإشغالهم عما ينفعهم ولا يحذرهم مما يضرهم، فهو من القصص الباطل. )فَإِنْ تَوَلَّوْا( فنفروا وانزعجوا من الحقيقة المخالفة لما هم عليه؟ أنجاملهم فنخفي عنهم الحق كي لا نخدش مشاعرهم؟! كلا )فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ( .
وجاء بعد هذه الآية قوله تعالى: ) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)( يعلمنا كيف نستغل القصص في دعوة من يدعون أنهم أتباع لمن نقص قصته ونذكر سيرته فندعوهم إلى الأصول المشتركة: )ِإلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا( وبينهم للانطلاق منها إلى بحث الأمور المختلفة: )َولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ( وإن كان ذكر هذه الأمور مزعجا أو منفرا لبعضهم أو لهم جميعاً وهو ما عبر الله عنه بقوله: ) فَإِنْ تَوَلَّوْا ( أي قد تكون النتيجة التولي جميعاً عن اتباع الحق )فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(.
ثم جاء بعد هذه الآية ما يقطع العلاقة بين أهل الكتاب وإبراهيم  u صراحة فإبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً فإن كنتم أتباعاً حقيقيين لإبراهيم فاتركوا ديانتكم واتبعوه بأن تكونوا مسلمين: )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(65) … مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)( آل عمران .
هذا هو القصص الحق وهذا هو منهج الله في عرض القصص، وعلينا – إن كنا مؤمنين - أن نتبعه. فإذا تطرقنا – مثلاً - إلى حادثة (مقتل) سيدنا الحسين t علينا أن ننـزلها منـزلتها دون زيادة أو نقصان. مع الانتباه إلى عدم الانسياق وراء الروايات السفيهة المُسِفَّة وان وردت في كتب التاريخ أو المصادر الحديثية التي تروي الصحيح والضعيف تلك التي رواها أبو مخنف الرافضي الشعوبي المحترق وأمثاله من الحاقدين أو غيرهم من الغافلين بادي الرأي. ولا يكفي في رواية هذه الحوادث- التي تتعلق بها ثوابت كثيرة من تاريخ الأمة وسمعة رجالها وعقيدتها وسياسة الدين الشرعية- أن نجد في الهامش أنها صحيحة السند فإن العواطف والمجاملات لها دور كبير في هذا التصحيح!
وهذا ما لمسناه: إنهم يأتون إلى عدة أسانيد ضعيفة أو تالفة فيجعلون من تعددها سبباً لتحسين السند من باب الحسن لغيره. وبما أن (الحسن) من أنواع (الصحيح) فالانزلاق إلى التصحيح عن طريق التورية والتلاعب بالألفاظ يسير. وهكذا صارت الرواية صحيحة!
ثم إن صحة السند لا تستلزم صحة المتن إلا بشروط منها السلامة من الشذوذ والعلة الخفية، وهما بابان واسعان يستلزمان معرفة غنية بالروايات والتاريخ وفلسفة وظروف الحدث والسياسة الشرعية، ومقدمات أخرى منها الخيوط الخفية للحدث أو جذور المؤامرة. وقبل هذا كله العلم بالقرآن وحقائقه الثابتة. وهذا كله يحتاج إلى نفوس سليمة من عقدة أصيبت بها الأمة -إلا من رحم- هي عقدة التقديس لـ(أهل البيت). وعند فقدان هذا كله أو بعضه تكون رؤيتنا للقصة ضربا من التحديق في جو مشحون بالضباب أو الغبار.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المنهج القرآني يلزمنا بان نستثمر القصة من أجل بيان مخالفة الروافض للحسين في عقائدهم وشرائعهم وشعائرهم، ودعوتهم إلى اتباعه الاتباع الشرعي السليم.
إن ما انزلق إليه البعض من المشايخ وغيرهم من الحديث عن (المقتل) في محرم ومن فوق منابر الجمعة أو في المحاضرات حديثاً مجرداً لا غاية له سوى استثارة العواطف واستدرار المدامع، تظاهراً بحبه يتعارض والمنهج الإلهي. بل إنه يجسم الحدث ويضخمه، ويصب في النتيجة النهائية في مجاري التشيع الفارسي.
إن المسيح u نبي من أنبيائنا. والنصارى يجسمون دعوى صلبه و(مقتله) ويتخذون لها موسماً خاصاً بمراسيم وطقوس خاصة. لكننا لم نشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
-وهو قدوتنا وأسوتنا- يعبر عن حبه للمسيح بمشاركتهم في مواسمهم ومراسيمهم
-ولو بطريقة شرعية- أملاً بكسبهم وتأليف قلوبهم. ولنفترض أن المسلمين اليوم انساقوا وراء النصارى بحجة دعوتهم وتأليفهم فصاروا يحتفلون على طريقتهم الخاصة بهذه المناسبة ويجسمون المأساة بإظهار شعائر الحزن والحديث عن الحدث بطريقة ترقق القلوب وتثير الدموع. ماذا سيكسبون من وراء ذلك؟! إن النصارى لن يرضوا عنا ولن يتحولوا مسلمين بل العكس هو الذي سيكون! إنهم يتمسكون أكثر بباطلهم لأن ما يرونه ويسمعونه سيكون دليلاً مضافاً إلى أدلتهم في ما يعتقدون. وهذا ما يحدث بالضبط للرافضة حين نجعل من (المقتل) قضية مع زيادة أن أهل السنة يضعف يقينهم بما هم عليه وشيئاً فشيئاً سيقتربون من جانب الباطل ويترسخ عندهم بمرور الزمن شعور- ولو غامض- بصحة دعوى أهل الرفض مما يؤدي مستقبلاً ولو على مدى عشرات السنين إلى دفعهم للوقوع في شرك التشيع الفارسي.
 
16. النسب والمصاهرة
يذكر الله تعالى أنه حين حضر يعقوب u الموتُ )قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَائِكَ( من آباء يعقوب ؟ )إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ…(133) ( البقرة. فإسماعيل u إذن هو أحد آباء يعقوب (الذي هو إسرائيل). وفي ذلك إشارة إلى أن اليهود والمسلمين يلتقون في نسب واحد وهم أبناء أب واحد هو إبراهيم. بل إن إسماعيل أبا العرب هو أحد آباء يعقوب أبي اليهود حسب اعتراف يعقوب صراحة لأنه عمه أخو أبيه إسحاق، مما يدعو إلى التقارب والدينونة بدين واحد دين أولئك الآباء الذين ينتسب إليهم الجميع.
وخاطب القرآن مشركي قريش وذكر لهم أن هذا الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو دين أبيهم إبراهيم u . ما يدل على مشروعية الحديث عن العلاقة الطيبة التي كانت تربط بين أصحاب النبي  صلى الله عليه وآله وسلم وأقربائه وأهل بيته وذرياتهم من بعدهم وبيان أنهم أمة واحدة بعضهم من بعض أي مشروعية ما اصطلح عليه من عنوان (النسب والمصاهرة) بين الصحابة وأهل البيت.
لكننا نجد فرقاً جوهرياً فاضحاً بين المنهج القرآني والمنهج الترضوي في طرح هذا الموضوع، ذلك أن القرآن لم يكتف بذكر هذه الحقيقة التاريخية دون أن يضيف إليها الدعوة إلى اتباع أولئك الأنبياء أو الرموز مع التصريح بقطع الصلة بينهم وبين المنتسبين اليهم من اليهود والنصارى والمشركين. ولذلك جاء بعد تلك الآية قوله تعالى:) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) ( وقوله:) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ  (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ  (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)( البقرة. ولم يكتف بهذا حتى صرح بسفاهتهم وقبائح أعمالهم فقال بعدها: )سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) (البقرة. وهو ما قصر فيه أصحاب المنهج الترضوي خوفاً من نفور الرافضة عنهم ومداراةً لهم تنفيساً عن الشعور بعقدة النقص والهزيمة النفسية.
 
17. خيرية الأمة وفلاحها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يقول تعالى:) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(110)( آل عمران.
)وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105) ( آل عمران.
)لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78)كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)( المائدة.
فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وليس بالمداهنة والمراوغة بدعوى (الحكمة) - يكون فلاح الأمة وتتحقق خيريتها وسيادتها على الأمم. وفي خلافه يكون التفرق والاختلاف والخسارة وتحل اللعنة مهما حاولنا أن نجمع ونحافظ على وحدتنا لأن التجمع على غير الحق ممحوق البركة لا يكون، وإن كان لا يدوم. ولذلك جاء قوله تعالى:)وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ( بعد قوله: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( هذا في مقابل ذاك.
فإما دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وإما تفرق واختلاف. أي أن الجماعة في شرعنا لا تبنى على التسالم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظا على المشاعر ومداراة لأهل الباطل، بل إن هذا أساس التفرق والاختلاف مهما بدا المجتمعون المداهنون في ظاهرهم مجتمعين موحَّدين.
وأي معروف أعظم من التوحيد؟ وأي منكر أنكر من الشرك بالله تعالى بواسطة الأنداد الذين ينسب إليهم علم الغيب المحيط والقدرة الخارقة. تنذر لهم النذور وتذبح لهم الذبائح ويُدعون مع الله ومن دونه ويحلل باسمهم الحرام ويحرم الحلال وتؤكل أموال الناس بالباطل وتستباح حرماتهم وأعراضهم ودماؤهم. وتكونت طبقات من العلماء والسادة والكبراء اتخذت أربابا من دون الله تفتي بالعظائم والمنكرات وتترك الجماعة والجماعات!
وأي خير في مجتمع أو أمة ترى كل هذا ولا تنكره! بل تقره ولا تكفره !! بل تتملق حاخاماته وسدنته ودعاته وحملته وزنادقته!!!
 
18. فشل المنهج الترضوي وبطلانه
لقد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود وأمثالهم بصدق وحرارة إلى اتباع ما جاء به أنبياؤهم وأعلن أنه يسير على منهاجهم ويتبع ملتهم كما اخبر تعالى فقال:)قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)  {آل عمران .
ورغم هذا فإنهم لم يؤمنوا بمحمدصلى الله عليه وآله وسلم  ولم يتبعوه لأنهم كاذبون في دعواهم لا يدينون إلا بما اخترعوه بأهوائهم. فان اتبع محمد  صلى الله عليه وآله وسلم -وحاشاه- هذه الأهواء فعند ذلك فقط يرضون به ويتبعونه كما قال تعالى:)وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120)( البقرة.
فالرضى إذن لا يحصل إلا بإحدى وسيلتين: فإما أن تتبع ملتهم وأهواءهم فـ)مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(، وأما أن يتبعوا ملتك ودينك وليس هناك من حل وسط فاستمسك بالذي أنت عليه واصبر على كيدهم وعداوتهم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ويظهر من إشارات القرآن ومن السيرة النبوية أن علاقة النبي  صلى الله عليه وآله وسلم بأهل الكتاب مرت بمرحلتين:
(المرحلة الأولى: مرحلة المجاملة لأهل الكتاب. وكان الهدف الأكبر من هذه المجاملة هو تأليف قلوبهم ودعوتهم إلى الإسلام. لا سيما وهم أهل الكتاب الأول وكانوا يستفتحون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  على أهل المدينة من الأوس والخزرج فكان يحرص عليه الصلاة والسلام على موافقتهم ومجاملتهم في كثير من الأمور مما لا يمس أمور العقيدة. وخاصة في قضية العادات الاجتماعية حتى في تسريح شعره وكان يحرص على موافقتهم في أمور العبادات كما نعلم حين أمر المسلمين بالصيام في عاشوراء قائلاً: (نحن أحق وأولى بموسى منكم)[88].
المرحلة الثانية: وذلك حين أعلن اليهود حربهم العنيفة المشبوبة على المسلمين. فأصبح يحرص على مخالفتهم في كل شيء ليكون للمسلمين تميزهم الكامل حتى في العادات واللباس وليس في العبادات فقط كي ينهي هذه القدسية التي كانت لهم في نفوس المسلمين حين انحرفوا عن الحق وكفروا به:
)فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89)( البقرة. وقد وضح هذا التمييز الإسلامي في أكثر من جانب. وكانت هذه النقاط قد تم معظمها قبيل غزوة بدر. وكان ذلك كله بأمر من الله تعالى واستجابة لرغبة نبيه الكريم في هذه المفاصلة… وكان رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم  لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهراً قبلة اليهود وكان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة وقال لجبريل في ذلك فقال إنما أنا عبد فادع ربك واسأله فجعل يقلب وجه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه: )قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (144)( البقرة.
لقد تمت المفاصلة بين المسلمين واليهود وأصبح للمسلمين قبلتهم الخاصة بهم نحو المسجد الحرام… ولم ينته الأمر في شعبان شهر التميز عند هذا الحد. فلقد جاء إضافة إلى التميز في قبلة الصلاة التميز في الصيام. لقد كان يوم عاشوراء هو يوم صوم المسلمين ولعلهم صاموه عاماً على الأقل وكان فريضة عليهم. وإذا بالآيات تترى لتؤكد تميز المسلمين في صومهم كذلك وإن كان الأصل في الصيام واحداً عند المؤمنين… فلقد أصبح رمضان منذ ذلك الوقت شهر الصيام الإسلامي وإن كان أصل الصيام قائماً بين المؤمنين. كما وإن أصل الصلاة قائم ومشترك بين المؤمنين لكن تميز القبلة يعني انفصالاً في الشعائر وتحديداً للهوية الإسلامية) ([89]).
وهذا يعني- والله أعلم - أنه لا بأس أن تبدأ الدعوة بالتماس الأمور المشتركة وإبرازها أملاً بتقريب الخصم- على أن هذا لا ينبغي أن يكون على طول الخط منهجاً ثابتاً وإنما إلى حين فإن آمنوا فبها وإلا تكون المقاطعة أو المفاصلة ولنا على هذا دليلان:
الأول: أن هذا السلوك كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤقتاً لم يدم أكثر من سنة وأربعة أشهر.
والثاني: أن هذا قد يكون اجتهادا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقره الله تعالى عليه إلى حين من أجل أن يقطع أمله من إيمانهم وذلك بالتجربة العلمية، وهي أبلغ في النفس من المعلومة الجاهزة. ولذلك لم يأت في القرآن توجيه بالتقارب والمجاملة إنما ورد العكس. ولا بد أن يكون هذا بعد مرور التجربة والتأكد من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فشلها فنزل مثل قوله تعالى:)أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)( البقرة.
وقوله:)وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ(120)( البقرة. وقوله:)وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ(145)( البقرة. وكأن هذه الآيات تقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا فائدة ترتجى من هؤلاء وقد ثبت لك ذلك عملياً فدع المجاملات وطريق المقاربات، حتى يمكن أن نقول: إن هذا من الأحكام المنسوخة وهو من باب نسخ السنة بالقرآن الذي هو أقوى أنواع النسخ. على أننا يمكن أن نقول: إن هذا متعلق بظرفه فيجوز أن يبدأ الداعية به حتى حين.
والذي ينبغي ملاحظته بقوة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين وجد أن خصومه لا يستجيبون رغم الملاينة والمقاربة غيّر الأسلوب وبدأ بمرحلة التميز والمفاصلة. عكس المنهج الترضوي فإنه حين عرض موضوع (النسب والمصاهرة) وحب أهل البيت…الخ ولم يجد استجابة من الرافضة صار يعطي المزيد من التنازلات. وحين تناقش أصحابه يقولون: نريد أن نثبت لهم أننا نحب علياً وأهل البيت! وحين تقول لهم: هل هناك أدنى دليل على أنكم لا تحبونهم؟ وهل دعوى بغض أهل البيت التي يدعيها الرافضة عليكم لها أدنى ما يبررها؟ وهل يمكن أن تثبتوا لقوم بهت ما تريدون إثباته من الحب مع أنه
واضح بيَّن وأدلة إثباته لا تحتاج إلى مزيد؟!
وإذا أثبتم – وهو ثابت أصلاً - لهم أنكم تحبون علياً هل تنتهي المشكلة مع قوم يقولون: لا ولاء إلا ببراء ويقولون: ما ودك من أحب ضدك؟!
ثم متى كان أهل السنة يبغضون علياً حتى يدعي عليهم الرافضة ما يدعون ويفترون؟! لا تجد من إخوانك جواباً معقولاً!
يا قوم! إن مشكلتنا مع الرافضة كمشكلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع يهود. فالمشكلة ليست في مخالفتنا لما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو ما كان عليه علي t أو بغضنا له وإلا لانحلت المشكلة منذ البداية لعدم وجود مشكلة كهذه من الأساس.
إننا نتمسك بالقرآن والسنة ونقيم ديننا على محكماتهما والقطعي منهما متسامحين
في الظنيات التي هي مجال الاجتهاد والترجيح ولا اعتراض في مسائل الاجتهاد ونحب محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبيناً وأهل بيته جميعاً لا نفرق بين أحد منهم كما يفعل الرافضة. إن مشكلتنا في مخالفتنا لملة الرفض التي صنعوها بأهوائهم وزخرفوها بأكاذيبهم تحقيقاً لأغراض موضوعة سلفا قد لا تنكشف لعوام الناس وجمهورهم ببساطة. ولن يرضوا عنا- مهما داهنا وتوسلنا- حتى نتبع ملتهم ولو أقسمنا لهم بين الركن والمقام أننا نحب أهل البيت مخلصين صادقين!
 
تركنا المنهج الإلهي فخسرنا
وبهذا يظهر أن أحد الأسباب الكبرى في تفاقم الخطر الشرقي الزاحف، مع تراجعنا وخسارتنا كل يوم موقعا من مواقعنا هو تركنا المنهج الإلهي تحت ضغط الواقع واستبدالنا به منهجا آخر يعتمد الترضية وسيلة وغاية. وهو منهج قديم بال لم نكسب من ورائه سوى الخسائر المستمرة. إن هذا يدعو كل مؤمن غيور على دينه وقومه ووطنه إلى أن يراجع الحساب ويقلب أوراق دفتره من جديد على ضوء كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم
 
 
الباب الثالث
 
قضيتنا
بين الغزو الشرقي والغزو الغربي

الفصل الأول
قضية شرقية لا غربية
 
عقدة شرقية قديمة
الخوف من الشرق هاجس قديم، تعاقبت عليه الدهور ورسخته الحوادث حتى وصل إلى حد العقدة المرضية الكامنة في اللاشعور أو العقل الباطن للإنسان العربي قبل مجيء الإسلام.
إن قسوة الفرس، وعنجهيتهم، وتكبرهم، وإصرارهم الذي لا مثيل له على الانتقام الذي لا تحده حدود، وغزوهم المتكرر المستديم للعراق وأرض العرب، وشدة تنكيلهم بخصومهم، وتمرسهم بأساليب المكر والغدر، واشتهارهم باعتماد الاغتيال في تصفية الخصوم. هذا وغيره مع طول فترة استعمارهم الوحشي وشدة وطأته إذ بلغ آخر استعمار لهم لأرض العراق قرابة اثني عشر قرنا (من 539ق. م-636م) وقد ذاق فيه العراقيون صنوف العذاب والمآسي طيلة هذه الأحقاب المتطاولة والمتراكمة دون بارقة أمل بالخلاص.
كل هذا سبب (رُهاباً)، وولد يأساً قاتلاً انتزع الأمل من النفوس في إمكانية طردهم فضلاً عن القضاء عليهم. ولقد جرب العرب مرارا وتكرارا أن يحررواً أنفسهم منهم فلم يحصلوا إلا على التنكيل والقتل الذريع والانتقام الذي طال حتى الآبار في الصحراء وكان من صوره ربط أيدي العربي بين فرسين وخلع أكتافه بهذه الطريقة الرعيبة الرهيبة والتي استعملها الخميني مع الأسرى العراقيين!
وشيئاً فشيئاً تولدت عند العرب عقدة خوف (أي رُهاب = phobia) استقرت في أعماق نفوسهم وصاروا يتناقلونها جيلاً بعد جيل!
وقد يفسر هذا لماذا ظل الخليفة عمر بن الخطاب t يخطب في الناس ثلاثة أيام يدعوهم للتوجه إلى القتال في جبهة العراق فلم يستجب منهم أحد فغضب غضباً شديداً وصار يعيرهم ويثير نخوتهم فكان أول مجيب أبا عبيد الثقفي فصرخ قائلاً: (أنا لها أنا لها) فقال عمر: قد وليتك. مع أنهم لم يكونوا يترددون في الذهاب إلى أي وجه آخر غير هذا الوجه. وهذا لا يتناقض مع شجاعة العربي وإقدامه، لأن العقدة مرض
- وليس طبيعة متأصلة - محله العقل الباطن أو اللاشعور. فحين يستحضر المصاب بها في وعيه أو عقله الواعي قواه ويحفزها بالاتجاه المعين يقاتل بضراوة رغم ما يشعر به من معاناة وكراهة مترسبة في ذلك المحل. لذلك كان العرب يقاتلون الفرس ويأبون التذلل لهم وفي والوقت نفسه يجدون في أنفسهم كراهة شديدة وعزوفاً عن هذا القتال لا يجدونه حين يقاتلون غيرهم كالروم مثلاً. إن إباءهم ورفضهم المقام على الذل وقتالهم لهم تفرضه عليهم طبيعتهم الشجاعة عندما تطفو لوازمها إلى مستوى الوعي وإن كراهتهم لقتالهم تفرضه عليهم العقدة المستقرة في اللاوعي.
وظل العرب بعد الإسلام يعانون من عداوة الفرس وغدرهم وعنجهيتهم وانتقامهم وأساليبهم الملتوية في تصفية الخصوم والى اليوم مما رسخ عقدة المرض هذه في نفوسهم أكثر فأكثر.
وتستطيع اليوم أن تلمس هذه العقدة المرضية في نفوس الكثيرين. إن الواحد منهم يرتعب حين يطلب منه العمل في مناطق يعتقد أن للذيول الفارسية وجوداً فيها! بل إن هذه العقدة تلازمهم في عقر دارهم فلا تدعهم يشعرون بالأمان أو الاطمئنان ما لم يجاملوا ويداهنوا ويمزقوا ويرقعوا !!
 
الغزو الشرقي والغزو الغربي
من الظواهر المنتشرة والتي تؤيد ما نقول: إن هؤلاء المعقدين فارسياً إذا تحدث أحدهم عن الغرب (الروم بالمصطلح القديم) والغزو الغربي والماسونية والصليبية والعولمة والعلمانية وأمريكا وأوربا واليهود ينطلق لسانه فصيحاً عالياً مدوياً يشتم ويلعن ويشخص بالأسماء ناسياً (هدوءه) و(حكمته)، وتغادر ذاكرته كل آيات اللين وأحاديث الرفق ووصايا (الحكمة) وتنقلب دعوته بقدرة قادر- من دعوة هادئة وادعة لينة (حكيمة) إلى دعوة هادرة ثائرة!!
 
شرقية لا غربية
هذا مع أن مشكلتنا نحن العراقيين شرقية أكثر منها غربية.
ومن درس التاريخ أو قرأه، وعاش الواقع عيشة معاناة ورصد وتحليل وربط بينه وبين الماضي أدرك هذه الحقيقة، وعجب كيف يغفل عنها أصحاب (القضية)!
إن نظرة فاحصة للتاريخ تنبئك أنه ما من حضارة قامت في بلاد الرافدين إلا وكانت نهايتها على يد الغزاة القادمين من الشرق، وتحدث عند الناظر اعتقاداً راسخاً بأن عداوة إيران للعراق عداوة أبدية، لم ينفع معها -ولن ينفع- إلا القوة قوة السلاح وقوة الفكر. وأن إيران حين اجتاحها الإسلام استطاعت أن تصنعه لصالحها ولقد ظلت تقاوم الدين الحق وتثور وتغتال وتتآمر على السلطة العربية المسلمة بغض النظر عن أدوارها ورموزها حتى إنها ثارت على علي نفسه ثلاث مرات رغم قصر مدة سلطته
ولم يستطع أن يضبطها إلا بعد أن استعمل زياد بن أبيه والياً على خراسان.
لقد حرفت إيران الدين وصنعت لها منه ديناً آخر يختلف عن دين العرب في أصوله وفروعه ومصادره ورموزه، دينا يحقق أغراضها، ثم صدرته إلينا فصار لها اتباع بالملايين يعيشون في بغداد والقادسية وذي قار وقلوبهم معلقة بقم ومشهد وطهران، ومعبأة بالحقد والنوايا السيئة ضد أرضها وشعبها.
إن الغزو الشرقي يغزو الدين نفسه يحرفه ويخربه من الداخل. أما الغزو الغربي فيدور ولا يدخل فيه. إنه يدعو إلى ترك الدين تارة بالتشكيك وتارة بالترغيب أو الترهيب. لكنه لم يصنع لنا دينا بديلاً كما فعل قادة الشرق أو الشر. لقد اكتفى بتجربته القديمة مع النصرانية حين حولها إلى صليبية وترك التجربة الأخرى لقرينه الشرقي فقام بها أتم قيام!
إن الغزو الغربي ينشر الملاهي والمسارح الداعرة وحانات الخمور والمواخير وصالونات الرقص. ويصدر الأفلام الجنسية وأسباب الرذيلة وكل ما يدخل في جنس (المعصية). أما الغزو الشرقي فما يفعله يدخل في جنس (البدعة) المغلظة المكفرة متسترين بحرب الخمور والسفور والتشدد في الحجاب ونشر المراقد والمساجد المزورة وقد ابتدعوا مئات البدع الاعتقادية والعبادية المعجونة بالحقد والمجوسية المقنعة، والمدهونة بالإباحية المبرقعة. والبدعة في شرعنا شر وأحب إلى إبليس من المعصية. وقد بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحرب البدع الدينية قبل المعاصي الدنيوية.
 
بين إيران واليهود
والخطر الإيراني يزيد في شره وضراوته وامتداده على الخطر اليهودي. إن إيران عدو ماكر شرس متمرس بالمكر والخديعة. يلبس لباس الدين فهو عدو منافق غير واضح. بينما اليهود -وإن كانوا لا يقلون مكراً وخديعة وحقداً عن إيران إلا إنهم- عدو واضح. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن اليهود لا يمتلكون مقومات البقاء والاستمرار أبداً إن أمامنا  فرصة أكيدة ومتحققة حتماً - بإذن الله - لإزالتهم والقضاء عليهم وكل الدلائل الدينية والسياسية والاقتصادية والجغرافية تشير إلى ذلك فهم عدو مهما فعل وقتي لا يدوم. على عكس إيران فإنها عدو يمتلك أسباب القوة والبقاء والاستمرار ولا يمكن أن نفكر يوماً في إمكانية إزالته أو ترويضه.
ثم إن الأمة جميعاً على وعي بالخطر اليهودي، وتعرف أن هناك قضية اسمها (القضية الفلسطينية) هي قضيتها المركزية. بينما القضية الشرقية ومصيبة الشعوبية لا بواكي لها حتى من أهلها إلا القلة الذين لا زال صوتهم مخنوقاً في جب. بل رفعت في وجهها رايات (التقريب) فميعت واختفت من أذهان الغالبية حتى في العراق!
 
الفصل الثاني
بين الثقافة المصرية والثقافة السعودية
 
تتنازع بيئتنا الدينية ثقافتان هما الثقافة المصرية والثقافة السعودية:
 

  1. الثقافة المصرية

تمتاز الثقافة المصرية بطروحاتها المعادية للصليبية واليهودية والماسونية والغزو الغربي عموما. وتكاد تخلو تماما من الإشارة إلى الغزو الشرقي. بل لا نكون مغالين إذا قلنا إن عموم المصريين يجهلون حقيقة هذه المشكلة، ويتخبطون حين يتناولونها بالحديث. والسبب موقعهم الجغرافي وبعدهم عن بؤرة جراثيمها.. أي إيران. إن معلومات الغالبية منهم عنها بدائية تجنح إلى التعميم، وتهدف إلى التوفيق للتفرغ إلى العدو الأكبر بالنسبة إليهم إلا وهو الصليبية واليهودية وما شابه أو تعلق بهما. لهذا - ولكون إخواننا المصريين ذوي طبيعة لينة متساهلة - صاروا صيداً سهلاً في طريق الشَّرَك الفارسي. لقد خدعتهم فروة الثعلب؛ فصاروا يتصورون ويصورون أن المشكلة لا تعدو بعض المسائل الفروعية التي يتعصب لها جهلة الناس وعوامهم! أما العلماء فيعتقدون فيهم البراءة من التعصب والطائفية!!! ويتعاطفون مع دموعهم التي يذرفونها كذباً حزناً على وحدة الأمة الضائعة، مع إن هؤلاء العلماء هم أصل كل شر وأساس كل بلية، وما العوام إلا مترجمون أمناء لما يتكلم به أولئك العلماء. إنهم مجرد مقلدين لهم يسيرون وراءهم معصوبي الأعين، ولا يخرجون عن آرائهم وفتاويهم التي لو كانت صالحة صادقة لا نصلح الحال منذ زمن بعيد. إن تأسيس (دار التقريب) في القاهرة دليل واضح على عدم إحاطة إخواننا المصريين بهذا الموضوع.

  1. الثقافة السعودية

رغم أن هذه الثقافة أقرب من الثقافة المصرية إلى فهم هذه المسألة ومعرفة جذورها، وموقفها منها أقرب إلى الصواب. لكن هناك مشكلة تكمن في أن طروحاتها - في بعض جوانبها - بعيدة عن واقعنا نحن العراقيين. إن الغزو الشرقي لا يشكل لديهم ظاهرة واضحة، أو مشكلة اجتماعية طاغية كما هو الحال عندنا في العراق حيث تكثر الرافضة - والتصدي له عندهم لم يرق إلى مستوى أن يكون هو (القضية). فهم مشغولون بشؤون أخرى كثيرة، منها ما صار على ذمة التاريخ، ولم يعد له وجود في الواقع.
وحين تنتقل الطروحات عن طريق (الاستنساخ) و(النقل) الحرفي المباشر دون النظر إلى جوانب الافتراق التي يفرضها طبيعياً اختلاف البيئتين تحدث مشكلة لا تحل إلا بإدراك أهمية ما يمكن أن نطلق عليه (عرقنة) الثقافة.
وبين هذه الثقافة وهذه الثقافة توزعت الأجيال المتدينة في بلادنا. والنتيجة أننا فقدنا (قضيتنا) وصارت طروحاتنا بعيدة عن واقعنا.
وإذا ساغ لنا أن نعذر المصري أو السعودي في موقفه من هذه القضية، وعدم انتباهه إلى خطورة الغزو الشرقي، فما هو عذر العراقي الذي يدس رأسه في القش ليبحث له عن نافذة ينظر من خلالها إلى الأفق البعيد عن دائرته وواقعه؟!
 
القضية خاصة وعامة
للأمة قضاياها، ولكل بلد ينتمي إلى الأمة خصوصيته.
ومطلوب منا في أي بلد نكون أن نتفاعل مع قضايا أمتنا وإلا فقدنا هويتنا وانتماءنا وقوتنا ووحدتنا. لكن أن نكون (أميين) إلى هذه الدرجة التي تركنا فيها (النار) تلتهم بيتنا ونحن نتفرج على ما يحدث بحجة أننا مشغولون بمصيبة (العشيرة) التي قد لا نستطيع عملياً أن نفعل لها أكثر من التفرج واجترار الأحاديث، فهذا لا يصح عقلاً، ولا يستقيم شرعا! بل هو تعطيل لطاقات الجمهور، وإلهاؤه عن أن يقوم بدوره على أرض الواقع أو في الميدان الذي يتحرك فيه.
حضرت مرة محاضرة لأحد المشايخ الكرام. وفي آخر المحاضرة وقد كانت قيمة من حيث موضوعها، توجه إلينا بالسؤال التالي:
ما هو العمل المطلوب منا القيام به؟ ثم أجاب على سؤاله قائلاً:
أولاً: حماية بيت المقدس من عمليات الهدم التي تجري تحته.. ثانياً: …إلخ..
لكنه بعد أن انتهى من حديثه وصلينا العشاء ركب سيارته وانطلق إلى بيته. فكان ذلك أول عمل قام به هو بعد الصلاة، والسلام على الحاضرين! وانفض الجمع كلاً إلى بيته كذلك! ولا زالت عمليات الحفر تجري تحت بيت المقدس.
ماذا يمكن لمصل في مسجد أن يفعل لبيت المقدس وبينه وبينه حدود وقيود؟ لا شيء سوى الحزن والدعاء! لقد فات شيخنا الكريم أن العمل الذي طلبه منا عمل حكومات وجماعات أو دول، وليس عمل أفراد؛ فكان الأولى به أن يوجه طلبه هذا إلى من ينبغي أن يوجه إليه، أو إلى الجهة القادرة عليه. أما هؤلاء المساكين الذين ينظرون إليه وهم لا (يبصرون) فكان عليه أن يطلب منهم عملاً يستطيعون القيام به في الزمان والمكان المعين حتى يقترن القول بالفعل، وتتعود الأمة على العمل. وإلا كنا أمة خطابات وشعارات وكفى.
وفات شيخنا- رغم علمه الجم- التفريق بين ما هو مطلوب أولاً من الناحية النظرية وما هو مطلوب أولاً من الناحية العملية وإلا وقعنا في متاهة لن نخرج منها. إن ما قاله مطلوب أولاً ولكن من الناحية القيمية النظرية. أما من الناحية الواقعية الممكنة فقد يموت الفرد المسلم المخاطب في ذلك المسجد ولا يفعل شيئاً؛ فالحديث عنه وعن أمثاله من المشاريع النظرية فردياً –إذا زاد عن حده أو وضع في غير موضعه- تضييع للوقت وتبذير للجهود وتعطيل لطاقات الجمهور. وكل ما نؤديه يكون شيخاً يتكلم وأستاذاً يحاضر وجمهوراً ساكناً يسمع ويبلع و… لا شيء بعدها.
 
الهروب المقنع من الواقع
إن الحديث المر عن الشيشان وكشمير والفلبين وأفغانستان وغيرها من البلدان الإسلامية المنكوبة، مع الذهول عن مشاكل البلد أو الواقع الذي نعيش فيه ما هو -في كثير من الأحيان- إلا تعبير عن الهروب من هذا الواقع، مع إيهام النفس بأن المتحدث (يهتم بأمر المسلمين).
 يخيل إلي أن كثيراً من هؤلاء الواهمين لو طارت الشيشان فحطت في بابل أو ذي قار لما أعطاها من الاهتمام معشار اهتمامه الحالي بها لأن ذلك يستلزم منه عملاً يؤديه وهو لا يريد أن يعمل. وإلا لعاش مشكلة أهله ووطنه الذي هو أقرب إليه وأولى بمعروفه.
إن الذي لا يثير عطفه منظر أطفاله الجائعين العراة، ولا يستدر دمعته حالهم وهم يتضورون جوعاً أو يتسولون، كيف تريد مني أن أصدق أنه مخلص في الحديث عن معاناة الجيران؟! وقديماً قيل: (الأقربون أولى بالمعروف).
ومع ألمي وشعوري بمعاناة أخوتي من العرب والمسلمين والمظلومين في كل مكان إلا أنني أجد نفسي منساقاً فطرياً لأن أتألم وأتعاطف مع معاناة أهلي ووطني أكثر من غيرهم، ) وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب الله (74)( الأنفال.
ومع احترامي لكل الثقافات المحترمة - سواء كانت سعودية أم مصرية أم غيرها - لكنني أؤمن أن لنا - نحن العراقيين - ثقافتنا وخصوصيتنا التي تتناسب مع واقعنا ومشاكلنا التي تتمحور حولها قضيتنا. واعتقد جازماً أن هذا لا يتناقض مع اهتمامنا بمشاكل وقضايا أمتنا. إن الصدق والواقعية يفرضان علينا أن نتبع هذا التسلسل في الاهتمام، والتفريق بين ما هو أول في النظر وما هو أول في العمل، والله يحب الصادقين، ويحب العاملين.
 
صمت القبور
علماء الدين عندنا ومشايخنا والناطقون باسمه - إلا القليل النادر - ساكتون تمام السكوت، يعرضون أشد الإعراض بل يتطيرون من الحديث عن خطر التشيع الفارسي! ولفت نظر الجماهير إليه!! بل بدأوا يتدحرجون من قمة العزة الإيمانية إلى سفح المجاملات والمداهنات والهزيمة النفسية.
ومع أن طروحات المؤسسات الثقافية الرسمية -خلا الدينية- في كثير من الأحيان جيدة وقيمة، إلا أنها تخاطب النخبة ولم تنـزل إلى مستوى فهم الجمهور أو الشارع- كما يحلو للبعض أن يسميه- ولم تنجح في كسب ثقته، أو حشد اهتمامه باتجاه القضية. لقد عقدت ندوات عديدة عن الشعوبية وخطرها نقلت تلفزيونياً ووثقت في كتب ونشريات، وألفت معها كتب جادة قيمة تناولت التآمر الإيراني والصراع العراقي الفارسي وتاريخه ووقائعه، ولكن بأسلوب نخبوي يخاطب الجمهور من وراء أبراج عاجية، ذلك الجمهور الذي نجح الجهلة و(الروزخونية) في كسبه وتجييره لصالحهم.
 
القضية بين قاعدة الانطلاق ومحور الحركة
لقد بعث الله – جل وعلا – النبيين عليهم السلام مصلحين اجتماعيين.
إن معنى كونهم (مصلحين) يستلزم وجود خلل يريدون إصلاحه. ومعنى كونهم (اجتماعيين) يستلزم أن يكون الخلل يعاني منه المجتمع حقيقة وواقعا، وهذا هو الفرق بين المصلحين الاجتماعيين وبين الفلاسفة وأمثالهم من المفكرين التجريديين أو الشعراء الحالمين.
المصلح الاجتماعي يرصد الخلل الواقع في مجتمعه، ثم يجتهد في وضع الحلول العملية المناسبة.
ولا بد قطعا لكل حل جاد من (قاعدة) فكرية يستند إليها وينطلق منها.
إن القاعدة التي انطلق منها النبيون جميعا هي توحيد الله تعالى كما أخبر سبحانه فقال: )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(36)(.
أما الخلل الاجتماعي الذي جاهد كل نبي في سبيل إصلاحه، وجعله محوراً لحركته  و(قضيته)  فاختلف  من  نبي  إلى  نبي  تبعاً  لاختلاف  مجتمعاتهم  وأنواع الخلل التي عانى منها كل مجتمع من تلك المجتمعات.
لقد انطلق نوح u من قاعدة التوحيد وهو يعالج عبادة الأصنام والشرك بالصالحين الخمسة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
 وإبراهيم u انطلق من القاعدة نفسها وهو يعالج عبادة الأصنام والشرك بالكواكب والنجوم.
وكذلك لوطu  وهو يعالج الشذوذ الجنسي الذي اجتاح قومه. وشعيب u انشغل بمعالجة الانحراف الاقتصادي في أسواق قريته مستندا إلى القاعدة نفسها.
وموسى u كان يناضل من أجل تخليص أمته من الاضطهاد السياسي متمثلاً بفرعون، والانحراف الاقتصادي متمثلاً بقارون. ثم خرج بقومه من أجل أن يقيم لهم دولة التوحيد في الأرض المقدسة ولكن كل ذلك كان على ضوء التوحيد.
وهكذا بقية الأنبياء عليهم السلام.
 
ثبوت القاعدة وتغير المحور
نستخلص مما سبق أن الأنبياء اختلفوا في المحاور التي دارت حولها قضاياهم مع اتفاقهم في قاعدة الانطلاق. لقد اجتمعوا في القاعدة أو المنطلق الذي هو التوحيد. وافترقوا في القضية أو المحور الذي هو المشكلة الاجتماعية التي حاولوا علاجها.
 
ضرورة التفريق بين التوحيد والردود على الشرك
هنا مسألة ينبغي أن نتوقف عندها لأن معرفتها صارت ضرورة. هي أن التوحيد الذي نؤمن به ونقصده في حديثنا ليس هو ذلك (التوحيد) الذي هو في حقيقته ردود أفعال فكرية إزاء المظاهر الشركية.
إن التوحيد أصل وفعل وليس رد فعل. والتوحيد ثابت والشرك متغير، فلكل قوم مظاهرهم الشركية: فقد تكون أحجارا وقد تكون كواكب ونجوماً، وقد تكون أشجاراً وقد تكون مراقد ومشاهد، وقد تكون تحاكماً إلى شرع غير شرع الله. كما إنها قد تكون شركاً اقتصادياً أو سياسياً. وتكون اتخاذاً للعلماء أرباباً من دون الله. وتكون إلحاداً في أسماء الله وصفاته. وتكون عبادة للبقر أو أي صنف من أصناف الحيوانات. وتكون إنكاراً لربوبية الله - وإن كان هذا كفراً خالصاً - وقد تكون مظاهر أخرى. أو تكون هذا كله مجتمعاً أو مقترنا بنسبة أو بأخرى.
وحين يعالج النبي أو المصلح نوعاً أو أكثر من هذه الأنواع أو المظاهر الشركية فإنما يعالجه طبقاً إلى قاعدة التوحيد الثابتة وهي: إفراد الله تعالى بالعبادة والخضوع لأمره ونهيه وشرعه، والحب الأعظم والخوف والرجاء غير متعلقين بالأسباب الظاهرة، مع إفراده بما يختص به من أسماء وصفات وأعظمها العلم المحيط والقدرة النافذة بلا حدود. إن هذا ثابت في نفسه أما معالجات المظاهر الشركية طبقاً إلى الأصل الذي هو التوحيد الثابت فتختلف حسب المظهر الشركي.
التوحيد كالنظرية الهندسية أو القاعدة الرياضية الثابتة. والشرك كالمسائل أو التمارين التي تحتاج حلاً طبقاً إلى النظرية أو القاعدة. ويمكن أن نحل عشرات المسائل الرياضية استناداً إلى قاعدة واحدة. إن حلول المسائل الرياضية أو الهندسية ليست هي القاعدة أو النظرية إنما هي اشتقاقات واستطالات استندت إلى تلك القاعدة.
وكذلك معالجات المظاهر الشركية. إن الردود الفكرية أو الاعتقادية المتعلقة بالشرك والتي نجدها في كتب (التوحيد) أو (الاعتقاد) أو (السنة) ليست هي التوحيد. التوحيد ثابت لا يتغير، وهذه الردود متغيرة حسب نوع الشرك الذي وضعت لعلاجه.
التوحيد غاية، والرد على الشرك لا يقصد ما لم يكن الشرك موجودا. والتوحيد حاجة دائمة بدوام الله إلى الأبد، والرد على الشرك نحتاجه على قدر وجود الشرك، فإذا زال يمسي الحديث عنه زيادة لا معنى لها، بخلاف التوحيد فإننا نحتاجه حتى لو كنا على سطح القمر حيث لا مظهر واحداً للشرك، أو كنا في جنات النعيم!
 وهكذا يتبين لنا أن من الخطأ الجسيم اعتماد كتاب معين على الدوام أو تعميمه في كل زمان ومكان، واعتبار الردود الاعتقادية في أي فترة من الفترات أو مكان من الأمكنة كانت تعاني من انحرافات في العقيدة جاءت تلك الردود لعلاجها –هي التوحيد الذي أراده الله تعالى أساساً وقاعدة لحلول مشاكلنا الدينية والدنيوية. لقد وجدت الكثيرين إذا ذكر التوحيد فإنما يعني به التوحيد الموجود في كتاب معين، أو الذي تمثله تلك الردود دون أن ينتبه إلى الفرق بين هذا وذاك، وإلى أن بعض ما يتصوره توحيداً مطلوباً قد استنفد غرضه لأن الظاهرة الشركية لم تعد موجودة، فيكون مثله كمثل هندي مسلم في العراق يؤلف الردود تلو الردود على ظاهرة الشرك في البقر الموجودة
في الهند وليس في العراق.
نعم يمكن الاستفادة مما كتب. ويمكن أن نتخذ كتاباً معيناً مرجعاً للتغيير إذا تشابه الخلل وصرنا نعاني من المظهر الشركي الذي ألف الكتاب من أجله، وإلا فإن في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما يكفي ويغني. فإن لم نفعل تحول (التوحيد) الذي نتصوره إلى فلسفة ميتة غير قابلة لتغيير أو إحياء المجتمع لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومما ينبغي معرفته أن القضية قد يكون محورها علاج الشرك أو مسألة شركية معينة وقد يكون المحور مسألة أخلاقية أو سياسية أو اقتصادية…الخ حسب حجمها وأثرها في المجتمع. وقد تجتمع عدة مسائل لتشكل قضايا تقترن ببعضها لتكون هي القضية.
وخلاصة القول أن هناك (قاعدة) انطلاق وأساس بناء هو التوحيد. وهناك مشكلة اجتماعية تحتاج إلى علاج هو (القضية). وقد تكون المشكلة هي الشرك، والرد عليه هو (القضية). ولكن لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الرد على الشرك هو القاعدة التي هي التوحيد.
الحاجة إلى إعادة النظر في الثقافة السعودية والثقافة المصرية
الثقافة السعودية: هناك معضلة تعاني منها الثقافة السعودية هي أنها كثيراً ما تخلط بين القاعدة والمحور: فتجعل من التوحيد الذي هو القاعدة محوراً تدور حوله قضاياها دون الالتفات إلى الفرق بين القاعدة والمحور من ناحية، وتغير المحور أو القضية وعدم ثباتها من ناحية أخرى؛ ما يؤدي إلى الجمود والعزلة عن الواقع، أي المشاكل الاجتماعية الواقعية التي ينبغي أن يتوجه إليها العلاج على ضوء القاعدة. وهذا يعني فقدان القضية، أو الانشغال بقضايا وهمية أو غير مهمة أو ليست هي الأهم. ويؤدي إلى الوقوع في مطب التجريد، حتى لقد انتهى (التوحيد) في كثير من جوانبه إلى ما يشبه الفلسفة: فإن الدين أو الفكر عموما إذا تجرد عن الواقع صار طروحات فلسفية مجردة.
واستمر الحال على ما هي عليه دون أن يكون هناك إدراك واضح لقضية محددة، حتى استفاقت الجموع مذهولة على زعيق الدبابات الأمريكية تطرق أبواب الخليج،  وهواجس الغول النووي الإيراني تقض مضاجع النائمين حول مياهه الدافئة.
إن هذا الخلط بين القاعدة والمحور ليس له إلا نتيجة واحدة هي الجمود والعزلة عن المعاناة الحقيقية للمجتمع، والمراوحة أو القفز العمودي فوق موضع واحد لا يتغير مما يؤدي بـ(الموحد) إلى أن يكون في واد ومجتمعه في واد آخر.
إن كثيراً من مضامين هذا (التوحيد) عبارة عن مجموعة ردود فكرية على مظاهر شركية متغيرة. وهي وإن كانت في نفسها صحيحة، ومطلوبة في كل مكان يعاني من تلك المظاهر، إلا أنه لم يعد لكثير منها وجود في بلاد صارت تعاني من أنواع جديدة من الشرك.
إن على إخواننا في الجزيرة أن يعيدوا النظر في دراسة (توحيدهم) لا من حيث صحة المضمون، وإنما من حيث ضرورة أن يفرقوا بوضوح بين التوحيد الذي جاء به الوحي من رب العالمين، وهذه الردود التي فرضتها الظروف والمظاهر الشركية المتغيرة. والتي نحتاج إليها عندما تظهر في المجتمع، وتنتفي الحاجة إليها حين تختفي منه. وليست هي – كالتوحيد - الذي لا يمكن الاستغناء عنه بحال.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى مهمة جداً هي أنه لا بد من النظر إلى المتغيرات الشركية المتجددة زماناً ومكاناً؛ ليكون لمعالجتها ضمن منظومة الردود المطلوبة حصة، أو نصيب يليق بحجمها.
أما الثقافة المصرية: فإنها تجعل العراقي يفكر في مشاكل مصر أكثر من مشاكل العراق، وينشغل بقضية غير (قضيته). وسينتهي به المطاف آخر الأمر إلى النهاية نفسها التي تنتهي به إليها الثقافة السعودية – حين تؤخذ بحذافيرها دون النظر إلى متغيرات الواقع - من حيث الجمود والعزلة عن المعاناة الحقيقية التي يعيشها مجتمعنا، والمراوحة أو القفز العمودي بغض النظر عن نوعية الجمود والعزل ودرجتها، ما لم نُجرِ عليها التحويرات المناسبة لواقعنا حذفاً وإضافة وتطويراً.
في غياب هذا التحوير الضروري صار أكثر الدعاة والوعاظ يطرحون موضوعات فكرية تجريدية استهلكت وقودها منذ عقود فجمدت عجلتها، وتوقفت مفاصلها حتى أكلها الصدأ، وهي اليوم تقتات على سمعتها ومجدها (أيام زمان) ليس إلا.
لقد فقدوا العطاء الحقيقي الفاعل. وغالب طروحاتهم تدور حول مسائل فكرية تجريدية أشبه بالفلسفة كذلك. إنها تعبر عن ترف فكري إلى حد الترهل، وإعياء إلى حد العجز عن القدرة على التفاعل الإيجابي مع قضايا الواقع- وليس العصر - وإن كانت في نفسها قيمة من حيث الموضوع، وقد تكون متجاوبة مع واقع آخر على امتداد الأفق العريض.
إنهم يتحدثون عن العولمة والماسونية والغزو الفكري الغربي، في حين أن الملايين من مجتمعهم الذي يعيشون فيه - حاضرين غائبين - يزدحمون حول المراقد يلطمون الصدور، ويشحنونها ترقبا ليوم الانتقام في محيط لا تجد كلمة التوحيد أو الحق لها فيه سبيلاً غير مصبوغ بالخوف والتضييق بل.. الدم! دون أن يهز هذا الوضع المأساوي وتراً واحداً من أوتار قلوبهم، أو يشغل ولو سنتيما واحداً من مساحة عقولهم.
ملخص القول: إن الاعتماد الحرفي على الثقافتين، دون اعتبار لاختلاف الواقع هو الذي أدى بالفكر الدعوي العراقي إلى أن يكون فكراً ترفياً جامداً يراوح في مكانه، محنطاً لا يتفاعل مع الحياة.
إن الشرك والبدعة وما تعلق بهما، وعلاقة التشيع الفارسي بالغرب، وصلته بالماسونية والعولمة والمؤامرة العالمية وما شابهها من عناوين، حين ننظر إليها من منظور عراقي نجدها أجزاء في المنظومة الأكبر لمشكلة أو قضية التشيع. فينبغي أن نتناول تلك الانحرافات ضمن تلك المنظومة، ونطرحها تحت ذلك العنوان الكبير. وليس بمعزل عنه، أو نركز عليها مع تغييب المشكلة الرئيسة التي هي المشكلة الكبرى، والمحور الأكبر في العراق. وهذا ما نعنيه بـ(عرقنة) الثقافة، التي من دونها سيظل الفكر الإسلامي لدينا –و كل عمل ينبني عليه - مشلولاً بطيء الحركة في بلاد الرافدين.
ومن هنا فإن اعتراضنا لا ينبغي أن يفهم منه أنه منصبّ على مضمون الفكرين أو الثقافتين، بقدر انصبابه على التوظيف العملي والواقعي لذلك المضمون: فالطروحات المصرية المعادية للغزو الغربي أو الصليبي واليهودي نتفق معهم فيه كل الاتفاق. والعقيدة السلفية التي كان عليها الصحابة ومن اتبعهم بإحسان هي الحق الصريح الذي أُمِرنا باتِّباعه دخولاً تحت قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100). ونرى أن خير من عرض هذه العقيدة ونافح عنها - بعد سلفنا الصالح في القرون الثلاثة الأولى كالأئمة الأربعة - هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. ونجد تلخيص ذلك في كتاب (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي. هذا ما ندين الله تعالى به في العموم، وليس لدينا اعتراض عليه. إنما الاعتراض على ما ذكرت من توظيف عملي في واقع ليس بالضرورة محتاجاً إلى كثير مما يتصور أنه محتاج إليه من تفاصيل لا تدخل في صميم التوحيد الذي جاءت به الرسل جميعاً عن الله عزوجل.
 
الفصل الثالث

ما الذي يحدد القضية

 
أمران اثنان مقترنان يجب أن يؤخذا بنظر الاعتبار من أجل تحديد القضية هما:

  1. حجم المشكلة في نفسها.

  2. الواقعية: وهي تتعلق بالمكان والإمكان. بمعنى أن تكون المشكلة موجودة في الواقع أو المكان، وعلاجها ممكنا وليس مستحيلاً في الإمكان. وبتعبير آخر أن تكون المشكلة موجودة وجديرة بالاهتمام في المكان المعين وممكنة الحل فيه. وإلا لم تكن هي القضية. بل موضوعاً نظريا أو فكريا مجردا.

إن الموازنة بين حجم المشكلة أو المسألة وواقعيتها في معادلة (القضية) تفرض أن تكون (القضية) هي أكبر مشكلة ممكنة الحل أو مسألة ممكنة التحقيق في الظرف المعين، وليست هي الأكبر من حيث الإطلاق والتجريد (عن المكان والإمكان).
فإذا كانت المشكلة أو المسألة في ذاتها كبيرة، لكن إما أن المجتمع لا يعاني منها، أو ليست ممكنة التحقيق فيه، فلا يصح أن تكون هي (القضية). إنما (القضية) هي المشكلة التي يعاني منها المجتمع حقيقة، وإن كانت أقل حجماً في ذاتها. وقد يعاني المجتمع من مشاكل متعددة فأكبرها يتوجه إليه الاهتمام، وتكون هي (القضية) التي تحتل المركز أو المحور، وتتوزع بقية المشاكل حول المحور قريبا أو بعيدا حسب حجمها وإمكانية تحقيقها ضمن المدى المنظور. ولهذا اختلف الأنبياء عليهم السلام في قضاياهم.
بل نجد ما هو أبلغ حين ننظر إلى واقعين أو مكانين مختلفين في زمن واحد لنرى أن القضية تختلف في دعوة واحدة لنبي واحد تبعاً لاختلاف المكان والإمكان! وهذا ما حصل لمهاجري الحبشة، إذ اختلفت دعوة النجاشي في الحبشة - ومعه المهاجرون - في محورها عن محور اهتمام دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة: ففي الوقت الذي كان اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم منصباً فيه على الأعداء والجهاد من أجل نشر الإسلام، كان اهتمام النجاشي منصباً على كيفية الحفاظ على سلامة المهاجرين في بلده الذي لم يكن من واجبهم الدعوة إلى الإسلام في ذلك البلد، فضلاً عن القتال أو الجهاد في سبيل هذه القضية. ولو جعلوا من ذلك قضية لهم – كما هو شأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بلده - لقضي عليهم أجمعين.
هل هناك اعظم من قضية يحملها رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ؟ كلا ، ولكن اختلاف المكان والإمكان - رغم وحدة الزمان - جعل الفريقين يختلفان في (القضية). وإن من المسائل ما هي كبيرة أو عظيمة في ذاتها، ولكنها غير ممكنة التحقيق في المكان المعين فهذه لا تصلح أن تكون محور الاهتمام والحركة أي لا تصلح أن تكون هي (القضية).
مثلاً: تحكيم الشريعة الإسلامية مسألة عظيمة لكنها غير ممكنة التحقيق – في المدى المنظور - في أمريكا أو فرنسا مثلاً فلا ينبغي أن تكون هي (القضية) في مثل هذين البلدين. ولذلك لم يكن في حساب النجاشي t يومذاك أن يحكم الشريعة الإسلامية أو يكون في الحبشة حكم إسلامي، ولا أراد منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك. ولقد بلغ نبي الله يوسف u رتبة الوزير في دولة مصر لكنه لم يسع إلى تحقيق مثل هذا الهدف.
ومنها ما يمكن أن نسميه بالقضايا الجماعية. وهي القضايا التي تحتاج إلى جماعة أو دولة من اجل إنجازها. فلا ينبغي أن يطالب الأفراد بتبنيها عملياً. وإلا فإن الأمر لا يعدو أن يكون نوعاً من العبث أو الخيال الجميل غير المستند إلى ارض الواقع. وأهل النظر يقولون: (يسع الفرد ما لا يسع الجماعة، ويسع الجماعة ما لا يسع الفرد).
إن هذا يلزمنا بالتفريق بين القضايا الفردية والقضايا الجماعية: فنشغل الأفراد بما يناسبهم من قضايا ممكنة التحقيق بالنسبة للأفراد، ونترك القضايا الأخرى التي لا يمكن تحقيقها من قبلهم كأفراد؛ لأنها ذات طبيعة جماعية. وأقصد بالإشغال والترك الناحية العملية فقط . أما الناحية النظرية والتثقيفية فلها شأن آخر. أي مطلوب منا أن نثقف الأفراد – بالمقدار المناسب - بما يتعلق بالقضايا الجماعية، على أن نكون واعين بالفرق بين ما هو عملي من القضايا وما هو نظري فكري تثقيفي. ومن دون هذا التفريق تصاب الدعوات بالترف والترهل الفكري، وتنتهي إلى العجز والجمود والانعزال عن الواقع، وعدم تحسس الآلام الحقيقية للجمهور. والسبب أنها قد تسرف في الحديث عن مسائل جماعية مع أنها تخاطب أفراداً عاجزين عن التفاعل عملياً معها. كما فعل صاحبنا المحاضر حين خاطبنا في نهاية المحاضرة ونحن في المسجد فقال: إن أول عمل مطلوب منا أن نحمي بيت المقدس من عمليات الهدم والحفر التي تجري تحته. ثم ركب سيارته وانطلق إلى بيته فكان ذلك أول عمل قام هو به! وقد مر ذكرها. فإشغال الجمهور بالحديث عن العولمة – مثلاً - والماسونية والغزو الغربي ومآسي المسلمين في الشيشان وكشمير…الخ من المسائل المشابهة نوع من الترف الفكري المخالف للمنهج الإسلامي الواقعي. ونوع من الهروب المقنع من الواقع أو الذهول اليائس عنه. وهو ليس أكثر من حركة في فراغ أو قفز عمودي فوق نقطة واحدة وهدر للطاقات وقتل للوقت أو تبذيره فيما يتصور أنه مجد ومطلوب. وحين أقول: (إشغال الجمهور بالحديث) لا أقصد مجرد الحديث الذي به يحصل العلم، وتتكون الثقافة، ويعبر به المسلم عن مشاعره وإسلامه تجاه قضايا أمته، فإن هذا واجب. ولكن أقصد كثرة التركيز في الحديث بحيث تتحول هذه المسائل إلى (قضايا) في واقع غير واقعها.
إن القوى المنظمة القادرة على علاج هذه المسائل – كالدولة - من حقها أن تجعل لها من الاهتمام ما يوازيها؛ لأن هذا الاهتمام ممكن بالنسبة للدولة أن يتحول إلى فعل إيجابي وواقع متحرك.
أما الآخرون فمن الأجدى لهم أن ينصرفوا إلى الاهتمام بما يمكن تحقيقه بالنسبة إليهم وإلا فإن من العبث أن يشغل الإنسان نفسه بعمل زائد عن الحاجة. إلا إذا كان يعاني من البطالة فهو يبحث له عن عمل يقتل به فراغه! ودعاة الحق أسمى من أن يكونوا كذلك.
إن اهتمام الدولة بالتثقيف ضد أمريكا والصليبية واليهودية والعولمة والغزو العربي ينبغي أن يكون حافراً للآخرين إلى أن يوفروا جهودهم لقضايا أخرى عملية أجدى وأنفع على المستوى العملي لأن هذه الموضوعات تدخل ضمن باب القضايا الجماعية، وتحويل الحديث عنها إلى فعل إيجابي غير ممكن مع الفردية. ومن شروط (القضية) أن تكون عملية واقعية ممكنة الحل أو التحقيق.
لا بأس أن تأخذ هذه المسائل حيزاً من اهتمامنا بالقدر المناسب. على أن لا نعتقد إن اهتمامنا هذا يجعلنا أصحاب (قضية) لا سيما إذا استحضرنا أن الإسلام دين العمل والواقعية وليس دين الفكر المجرد.
إن واقعنا وواقعيتنا أو (نجاشيتنا) تفرض علينا أن يكون محور قضيتنا غير هذه المسائل التي قد تكون قريباً من ذلك المحور أو تبتعد قليلاً أو كثيراً. وقد يأتي يوم أو ظرف تزحف إحداها حتى تحتل المركز وتكون هي (القضية) في اللحظة والموقع المعين. فما صلح في مكان وزمان معينين قد لا يصلح حين يفترق المكان وإن حصل الاتحاد في الزمان. والعكس صحيح أي حين يتحد المكان ويفترق الزمان.
 

الواقع يحدد (القضية).. والوحي يضع أسس الحل

إن تحديد أي قضية لها علاقة أساسية بالواقع. فالواقع لا غيره هو الذي يحدد (القضية). أما القرآن والسنة -وبقية المصادر التشريعية- فتضع أسس الحل ولا تحدد (القضية).
لقد كان القرآن الكريم تنزل آياته تبعاً لأسباب واقعية تستدعي نزولها. أي أن الواقع سابق أو متقدم على النزول. فإذا عكسنا المعادلة تحول الدين إلى موضوعات فكرية مجردة منعزلة عن الواقع ميتة لا حياة فيها.
إن القرآن هو الروح، والواقع هو الجسد الذي تتمثل فيه هذه الروح فإذا انفصلت الروح عن الجسد أو افترقا كان الموت لأن الموت افتراق الروح عن الجسد وليس عدمها .فإذا فصلنا القرآن عن الواقع توقف تأثيره الفاعل ودوره القيادي في توجيه الحياة.
إن المهام أو القضايا لا يصح أن تحدد ذهنياً أو قرآنياً بل واقعياً وإلا كان الواقعيون من أصحاب التوجه غير الديني أقرب إلى الناس ومعاناتهم من أصحاب التوجه الديني لأنهم يعيشون واقعهم ويشاركونهم معاناتهم.
صحيح أن لهم حلولهم ولنا حلولنا المنطلقة من الكتاب والسنة. ولكن إذا لم ننطلق أساساً من الواقع كنا كمن يضع علاجاً مثالياً لمرض غير موجود، في الوقت الذي يترك المرضى يعانون فيه مما يعانون من أمراض تنهك صحتهم وتنغص عيشتهم. وفي هذه الحال يكون المعاون الطبي أو المضمد أو (العشاب) أو حتى المشعوذ و(العراف) أقرب إلى المريض لأنه يشاركه همومه ومعاناته ويحاول علاجها له وإن أخطأ في التشخيص أو العلاج أو كان علاجه غير متكامل. وحينذاك سينعزل الطبيب المثالي ويضيع في مثاليته، ولن يجد من يستمع إلى نصائحه، ولا من يستعمل (وصفته) البعيدة عن واقع الناس ومعاناتهم مهما كان عالما حاذقا.
إن الواقع يرسم لنا معالم (القضية)، والقرآن الكريم يرسم لنا معالم الحل. هذه هي القسمة العادلة بينهما.
وإن عدم الانطلاق من الواقع في تحديد (القضية) لا يقل خطراً عن عدم الانطلاق من القرآن والسنة في علاجها وتقديم أسس الحل والخطوات الأساسية في سبيل ذلك العلاج.
والحقيقة المرة أن كثيرا من الدعاة والخطباء والوعاظ والكتاب والمحاضرين والأساتذة لا ينطلقون من الواقع، بل يطرحون- وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- مفاهيم الإسلام وقضايا المسلمين مجردة عن الواقع الذي نعيشه، ولا يدرون أنهم بصنيعهم هذا يسيئون إلى الإسلام إساءة لا تقل عن إساءة الذين لا يرجعون إلى الدين في حلول مشاكل مجتمعاتهم! بل قد تزيد عليها من بعض الجوانب حين يهتم هؤلاء بالواقع ومشاكله ويحاولون تقديم الحلول المناسبة لها!!

أولوية (القضية) بين النظرية والتطبيق

يخلط البعض بين كون المسألة أولى في ذاتها أي من الناحية النظرية، وبين هذه الأولوية إذا اقترنت بالزمان والمكان المعينين أي من الناحية العملية. والسبب في هذا الخلط عدم إدراك علاقة الزمان والمكان بالموضوع وأثرهما في تغيير الأولوية مما يؤدي إلى الوهم بأن ما كان أولاً في المرتبة نظرياً هو كذلك دوماً عملياً وتطبيقياً.
إن هذا خلل كبير في منهج التفكير وخطأ قاتل. لأن الحقيقة غير ذلك تماماً، فقد تكون مسألة ما أولى من الناحية النظرية لكنها يجب أن تحتل المرتبة العاشرة في سلم الأولويات العملية. والعكس صحيح كل الصحة!.
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أرسل معاذاً t إلى اليمن أمره بالدعوة إلى التوحيد أولاً ثم الصلاة ثم الزكاة آخراً فقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. فإن هم أجابوك لذلك فاخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).

وهذا معناه أن المجتمع الموحد تكون الأولوية العملية فيه للصلاة. والمجتمع الموحد المصلي تكون الأولوية فيه للزكاة… وهكذا. أي أننا لو افترضنا أن معاذاً دعا أهل اليمن إلى التوحيد فاستجابوا وفي هذه المرحلة توفي أو سافر فجاء داع آخر فإن الأولوية –بالنسبة إليه بسبب التغير الذي حصل في الواقع- لن تكون للتوحيد، وإنما للصلاة وإن كانت الصلاة دون التوحيد من ناحية المرتبة النظرية لكن الواقع جعلها تحتل المرتبة الأولى من الاهتمام عملياً.

إن حمل السلاح والجهاد به في سبيل الله أعلى في المرتبة من الحفاظ على سلامة مجموعة من الأفراد. لكن الواقع جعل الأولوية بالنسبة للنجاشي للأدنى دون الأعلى.
هكذا ينبغي أن ننظر إلى جميع المسائل دون استثناء: القضية الفلسطينية، الماسونية، العلمانية، العولمة الغزو الغربي، الغزو الشرقي …الخ.
 

علاقة الزمان والمكان بـ(القضية)

إن لكل واقع أو مكان أولوياته التي يختلف بها عن واقع أو مكان آخر وإن اتحدا في الزمان. إن القفز فوق المكان وتجاوزه على أجنحة الزمان حركة في فراغ تجعلنا نستهلك طاقاتنا في أعمال لن تزحزحنا شبراً عن نقطة القفز أو الشروع مهما بذلنا من جهد وحرقنا من وقود!
ويؤسفني أن أقول: إن الغالبية يجيدون هذا النوع من القفز – ولا يجيدون غيره -
إجادة تامة هي كل ما عندهم من مؤهلات. والخلل يكمن في أنهم يعيشون الزمان دون المكان. وهذا يؤدي إلى تعطيل طاقات الجمهور وحرقها في غير مكانها الصحيح. لأنهم يشغلونهم أو يلهونهم بالقضايا النظرية دون العملية. وغالبية الناس لا تمتلك القدرة وليس عندها قوة إبصار تفرق بها بين الأولوية الزمانية والأولوية المكانية ولا بين الأولوية من حيث النظرية وبينها من حيث التطبيق.

الفصل الرابع
ما هي قضيتنا نحن أهل العراق؟
 
قلنا - فيما سبق- إن محور الاهتمام والحركة يجب أن يكون المشكلة الكبرى التي يعاني منها المجتمع حقيقة وواقعاً. بشرط أن تكون قابلة للحل والمعالجة ضمن الإمكانات والمدى المنظور. وبعبارة أخرى، إنَّهُ أعظم مشكلة واقعية قابلة للحل عملياً وليس المشكلة الأعظم أو الأخطر مطلقاً وتجريداً.
أي أننا إذا وجدنا المشكلة الكبرى لا يمكن حلها أو ليست في واقعنا فإننا ننتقل إلى التي بعدها حتى يتوفر شرط الواقعية مكانا وإمكانا.
إن يوسف u جعل محور اهتمامه إنقاذ شعب مصر من المجاعة وليس ذلك أعظم في المرتبة من التوحيد أو تحكيم شرع الله وإقامة دولة الإسلام لكن هذا مطلوب غير عملي. وما فعله يوسف u يشبه ما فعله النجاشي t على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما عليه المسلمون اليوم المتواجدون في أمريكا وفرنسا وأوربا عموما.
أما إذا اجتمعت الشروط الثلاثة في مشكلة ما بحيث كانت هي الأخطر نظريا وموجودة واقعياً وقابلة للحل عملياً، فإن هذا يرشحها لأن تكون هي (القضية) بلا منافس. فالذهول عنها أو نسيانها أو تغليفها ووضعها على الرف والانشغال بسواها ترف فكري لا يليق بالمصلحين، وهروب من الواقع أو تول عن الزحف يزري بمن يحسب نفسه على المؤمنين المجاهدين.
إننا في العراق نواجه – ومنذ فجر التاريخ - خطراً هو أكبر الأخطار بل هو مجمع الشر وأم الخبائث من الشرك والنفاق واستباحة الدماء والأموال والأعراض والطائفية والفرقة والتآمر والكيد والدس والاغتيال الفكري والجسدي والولاء للأجنبي والطعن في الكتاب والسنة والتاريخ والرموز…الخ. وقد استطاع أن يجند لصالحه الملايين.
هذا الخطر هو الشعوبية أو المجوسية المقنعة. إنه التشيع الفارسي أو الغزو الشرقي. فالوقوف بوجه هذا الخطر هو (قضيتنا) الأولى. وهي القضية التي نستطيع توجيه كل الجهود نظريا وعملياً علماء وعامة قادة وجماهير باتجاهها، وحشدها لحلها وعلاجها.

أهمية تبني (القضية)

ينظر البعض إلى مسائل الحياة ومشاكلها - أو مسائل الدين نفسه - نظرة جزئية مفككة؛ فينشغل بمسألة ما يجعلها محط نظره ومحور اهتمامه وحركته ليهمل بقية المسائل. وهكذا يفعل كل فريق. وفي النهاية ينقسم المسلمون في البلد الواحد أقساما غير متجانسة تتنافر فيما بينها وتختلف تبعاً لاختلاف المسائل التي تبناها كل فريق على حدة دون اتفاق أو تنسيق. وهذا ما نهى الله عنه وذمه بقوله: ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)( المؤمنون. إن هذا يقطع المقتسمين أنفسهم ويحيلهم شيعاً وأحزاباً متنافرة كما قال تعالى: ) فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ… (14)( المائدة. فأخذ بعض الدين ونسيان بعضه يؤدي إلى هذه النتيجة المأساوية.
وللخروج من هذا المأزق – لا سيما وان الإنسان لا يمكن له عملياً تطبيق جميع المطالب والاهتمام بجميع المسائل جملة واحدة - لا بد من اللجوء إلى نظرية (القضية). حيث ستحل لنا هذه النظرية جميع الإشكالات وتعطي جميع المسائل الممكنة ما يناسبها من اهتمام.
إن نظرية (القضية) تعلمنا أن للدعوة محوراً هو المشكلة أو المسألة الكبرى في الواقع المعين تدور حوله (القضية) استناداً إلى قاعدة التوحيد.
إن محورية الدعوة لا تعني أبدا إهمال المسائل الأخرى غير المحورية، وهي تقترب أو تبتعد عن المركز الذي تستقر فيه المسألة الكبرى وتتحرك لتكون هي محور الاهتمام أو (القضية). بل إن الأمر على العكس تماماً. فإن وضع اليد على المحور وتشخيص (القضية) يعطي لبقية المسائل أهميتها وحيويتها كلاً بحسبها، ويحركها ليجعلها تدور في فلكها الخاص بها وهي تنشدُّ إلى المحور بدل أن تظل جامدة ميتة أو مغلفة لا حراك فيها.
إن (القضية) هي النظام أو السلك الذي يشد حبات العقد ليصنع منها تركيباً جميلاً مترابطاً. وبفقدان ذلك النظام أو انقطاع السلك تنفرط الحبات أو الخرز فلا يبقى هناك عقد. إن لكل دعوة قضية تنبع من واقعها تشد المسائل المطروحة كما يشد النظام حبات العقد فإذا انفقدت (القضية) انفرط عقد هذه المسائل وفقدت حيويتها وصارت بلا
هدف يمكن تحقيقه من ورائها.
وبهذا يتبخر الاعتراض القائل بأن الدعوة لا يصح أن تحصر في علاج التشيع الفارسي وتهمل بقية القضايا. لأنه سيصبح واضحاً أن تبني هذه القضية لا يلغي أياً من القضايا المطلوبة، بل يمنحها الحيوية والحياة ويجعلها تتحرك وتدور حول محور يمور بالفاعلية والحركة والنشاط :
فمن جعل التوحيد وتصحيح العقيدة غايته نقول له: إن هذا المطلب أول خطوة في طريق (القضية).
ومن جعل التقوى والتزكية القلبية شاغله نقول له: إن هذا هو لب التوحيد وعماد العقيدة.
ومن جعل العبادة هدفه ووجهته نقول له: إن (قضيتنا) لا يصلح لحملها إلا جيل عابد.
ومن جعل الجهاد طريقه ووسيلته قلنا له: لا (قضية) بلا جهاد ولا جهاد بلا (قضية) . وجهادنا أعظم الجهاد في الواقع الذي نعيشه لأنه يجاهد المنكر الأكبر والأصعب فيه.
ومن أراد حشد الناس وتأليفهم درءاً للفرقة وحفاظا على الجماعة قلنا له: إن الحشد لا بد أن يكون من أجل (قضية)؛ فالقضية الحقيقية أعظم وسيلة لتحقيق هذه الغاية. فتبني هذه القضية تحل مشاكل العراق دينياً واجتماعيا وسياسياً.
ثم.. إن (قضيتنا) لا تنجح دون وعي بالسياسة والواقع وما يدور في العالم. وتحتاج إلى معرفة عميقة بالنفس البشرية وصيغ التعامل معها والسنن الكونية في التغيير، والى معرفة بالكتاب والسنة والسيرة والتاريخ والجغرافية كذلك واللغة والعقائد والفرق، والتعرف على الدسائس والمؤامرات وعلاقات الفرس باليهودية والصليبية. ولا يحملها إلا وطني صادق وعروبي غيور. وهكذا ما من مسألة ولا علم مهم أو ضروري إلا وتجد القضية في حاجة إليه، وتعطيه من الاهتمام ما يناسبه. فرق جوهري هو أن هذه المسائل والعلوم تكون حية متوهجة متحركة حين تكون في خدمة (القضية)، وميتة خامدة جامدة حين تنعزل منفردة على قارعة الطريق.

الدعوة إلى العبادة؟ أم إلى تبني (القضية)

لقد جاء الإسلام ليصنع مجتمعاً يحمل (قضية) أي له رسالة، لا مجتمعاً عابداً مجرداً ليس له رسالة في الحياة.

لقد صنع الإسلام اتباعاً كل واحد منهم يشعر أنه صاحب (قضية). أما العبادة فهي وقود (القضية)، وزادها الذي لا بد منه لمواصلة المسير. وهي بمعناها الأشمل تتضمن (القضية) لأن العبادة التي أرادها الإسلام ذروة سنامها الجهاد، والجهاد لا يكون بلا قضية . والمجتمع الفاقد لـ(القضية) فاقد للجهاد مهما بدا مسلماً عابداً ملتزماً بشرع الله.

وحين تتبنى الدعوات العبادة بمعناها الضيق وليس (القضية) تكون قد أخطأت خطأً فادحاً وأسلمت للغير زمام الأمور يقول تعالى :) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين َ(19)( التوبة .
فالمجتمع الإسلامي مجتمع جهاد لا مجتمع عبادة بالمعنى المحدود للعبادة حين تخلو من مضامين (القضية) والجهاد. ولذلك قطع الله تعالى الولاية والنصرة الكاملة بين المسلمين الذين أرادوا الإسلام مجرد عبادة دون تحمل تكاليف (القضية) فلم يهاجروا وبين المهاجرين والأنصار أصحاب (القضية) فقال:) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(72)( الأنفال.
 

كافر ينصر (القضية) خير لنا من مسلم يعيش لنفسه

وفي هذه الآية مفارقة عجيبة هي أنه إذا حصل قتال بين مؤمنين لا يحملون (القضية) وبين كافرين لكن بينهم وبين أصحاب (القضية) ميثاقاً وعهداً فلا يحل الوقوف مع المؤمنين ضد هؤلاء الكافرين المرتبطين مع المؤمنين الصادقين بميثاق يلزم نصر بعضهم بعضاً، لأن هذا الميثاق يجعل الكافر حاملاً لـ(القضية) بصورة أو بأخرى. فالقرآن من هذه الناحية يعطي قيمة لمن نصر (القضية) بأي صورة وإن كان كافراً ويفضله على من تنصل عن حملها ونكل عن تكاليفها وإن كان مؤمناً!
بل أن فتح مكة -الحدث السياسي الأعظم في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- كان سببه الوفاء بميثاق النصرة بينه وبين قبيلة خزاعة الكافرة التي اعتدت عليها قريش فنقضت ميثاق الهدنة.
إذن كم أعطى الله جل وعلا لـ(لقضية) من تعظيم ومنزلة!
وتأمل! كيف نزلت سورة المدثر التي تأمر النبي بالقيام بأمر الدعوة والإنذار (القضية) بعد سورة المزمل التي تأمر النبي بقيام الليل (العبادة).
والملاحظ أن الله تعالى خفف في موضوع (العبادة) في آخر السورة، بينما اشتدت (القضية) وظلت تشتد وتتطور إلى آخر يوم في حياة النبي  صلى الله عليه وآله وسلم .
وإذا نظرت إلى الواقع تجد الرافضة اهتموا بـ (القضية) على حساب العبادة بينما انصرف اهتمام أهل السنة إلى العبادة على حساب (القضية)! فكيف سيعتدل الميزان وتتزن المعادلة ويكون الغلب لأهل الحق إذا استمرت الحال على ما هي عليه خمسين عاماً أخرى ؟!
من هذا وغيره - وهو كثير - يتضح لك الخطأ الفادح الذي يقع فيه من جعل همه ودعوته العبادة وليس (القضية).
 
الباب الرابع
 
التشيع الفارسي
بين الأمراض والعقد النفسية والانحرافات الفكرية والسلوكية

الفصل الأول
التشخيص أساس العلاج
 
إن التعامل مع أي شخص لا يستقيم دون معرفة تامة بعقليته ونفسيته وأخلاقه وما الذي يثيره ويجذبه أو يزعجه وينفره؟ وهل هناك فرصة أو مجال لكسبه؟ أم على قلوب أقفالها؟ و ولهذا يقول الأطباء: التشخيص أساس العلاج.
أن بعض الدعاة والمتحدثين يقع في تعميمات ساذجة ويطلق الأحكام ويعتمد القياس دون النظر إلى نواحي الاختلاف أو الفارق بين هذا وذاك، أو دراسة شاملة عميقة من أجل الوصول إلى تلك المعرفة أو ذلك التشخيص كي يكون تعامله أو علاجه قائماً على أساس علمي صالح للاعتماد. مثلهم كمثل طبيب يريد علاج مرض مستعص دون تركيز ودراسة معمقة لتأريخ (Histoصلى الله عليه وآله وسلمعزوجل The) المرض. فتفوته أمور في غاية الأهمية لا بد منها للوصول إلى التشخيص الصحيح.
إن بعض الأمراض التي تبدو (عضوية) المنشأ إنما هي في حقيقتها نفسية الأسباب، كأن تكون (هستيرية) أي ليست حقيقية وإنما هي أعراض لمرض نفسي يتستر بتلك الأعراض لخوف المريض من الإفصاح عن السبب الحقيقي، وإن كان هذا الخوف مترسباً في اللاوعي أي كامناً في الأعماق بحيث لا يشعر به المريض نفسه.
مثلاً: شخص يتهرب من مسؤولية عائلته. هو يخاف من الإفصاح عن هذه الرغبة أو مواجهتها. فكيف يوفق بين تنفيذ رغبته في التهرب من المسؤولية وبين عدم الإفصاح عنها؟ هنا يكون المرض الهستيري هو الحل أو الحيلة النفسية التي تحقق لهذا الشخص التوفيق المطلوب وتوجد له العذر المقبول للتنصل من المسؤولية العائلية فيغدو مريضاً يشكو من أعراض عضوية لكنها وهمية لا وجود لها.
إن هذا المريض لا يمكن أن يشفى من هذه الأعراض أو المرض الهستيري مهما بذل له الطبيب من مجهود أو وصف له من علاج. لأن العلاج يعمل في جهة غير جهة المرض بسبب الخطأ في التشخيص. فالمرض نفسي والعلاج عضوي. أي إن العلاج وجميع المحاولات الطبية لن تكون أكثر من قفز في فراغ.
وإن طبيباً لا ينظر إلى المريض نظرة شمولية لا يمكن أن ينجح في توصيف العلاج مهما بذل من محاولات.
إن الساحة الدعوية أو الدينية تعج بمثل هذا الطبيب ممن يجيد الكلام عـن كثير من الموضوعات الفكرية والفقهية والروحية لكنه لا يمتلك النظرة الشمولية وليس عنده معرفة بالنفسية الإنسانية أفرادا وجماعات وشعوباً وقبائل وطوائف ومذاهب. ولا قابلية على تحويل هذه المعرفة إلى فعل إيجابي مؤثر. ولا خبرة ميدانية تجعله قادراً على توظيف ما عنده من مفاهيم ومعرفة في محلها المناسب.
 
التشيع الفارسي خلاصة أخلاق الفرس ونفسيتهم المعقدة
إن الرفض أو التشيع الفارسي دين اخترعه الفرس من أجل التنفيس عن أحقادهم وعقدهم وتحقيق أغراضهم ومطامعهم لكنهم ستروا سوأته بستار (التشيع) ليروج على الناس ويجد له بينهم آذاناً صاغية.
ومن الطبيعي أن كل فكرة أو مبدأ ينتشر حين ينتشر وهو يحمل معه أخلاق أصحابه وعقليتهم ونفسيتهم ولا يمكن أن ينتشر مجرداً عن ذلك.
فالعرب حين خرجوا إلى العالم بدينهم حملوا معهم أخلاقهم وروحهم وطرائق تفكيرهم ولم يكن تأثر العالم بهم مقتصرا على دينهم فقط ، بل تجاوزه إلى لغتهم وأساليب معيشتهم وأزيائهم وآداب مائدتهم.
فانتشر الإسلام وانتشر معه الوفاء بالوعد والالتزام بالعهد والعفو والسماحة والصدق والعدل وحرية التعبير عن الرأي والعقلية المنضبطة بالدليل البعيدة عن الخرافة القائمة على العلم المؤسس على التجربة والمتحرر من الفلسفة.
والشيء نفسه حصل حين اندفع الفرس بدينهم المحرف (التشيع الفارسي) فإنهم نشروا معه أخلاقهم وأفكارهم أو عقائدهم المسبقة وعقليتهم الخرافية ونفسيتهم المعقدة بل وألسنتهم المعوجة وأزياءهم وطعامهم وعاداتهم وتقاليدهم وتواريخهم ومشاعرهم وطقوسهم وفلكلورهم فتجد جمهور المتدينين بدينهم مصابا بالعقد والأمراض ومتصفا بالأخلاق ومتمتعا بالعقلية الفارسية نفسها على تفاوت في درجات الإصابة وظهور الأعراض شدة وضعفا. حتى إنها قد تزيد في البعض عنها في (الفارسي) المصاب بها أصلا!
إن المسيحية حين خرجت من أرض العرب ووصلت إلى روما ارتدت إلينا صليبية تحمل أحقاد الرومانيين وعقدهم وخرافاتهم وعقائدهم وأخلاق الأوربيين ورذائلهم منسوبة زورا إلى المسيح و(العذراء). وهكذا تحول جمهور المسيحيين – شعروا أم لم
يشعروا - إلى صليبين وهم يحسبون أنهم لا زالوا على دين المسيح.
إن الأوربي حين صار مصدر الديانة وانتقلت عاصمة المسيحية إلـى (رومـا) و(القسطنطينية) صار يصدر إلينا أخلاقه وعقائده وعقليته ونفسيته هو باسم (المسيحية).
والشيء نفسه حصل للإسلام حين خرج من أرض العرب إلى بلاد فارس ثم صار يصدر إلينا من (قم) و(مشهد) باسم (التشيع لأهل البيت). فكل من أصيب به - إلا من رحم - ينبغي أن ننظر إليه على أنه مريض بالعقد، ومصاب بالأمراض الفارسية نفسها. فإذا أردنا أن نصف له علاجاً فمن خلال هذه النظرة لنصل إلى التشخيص السليم وهو أن الرفض أو التشيع الفارسي عبارة عن أمراض وعقد نفسية قبل أن يكون انحرافات عقدية أو فكرية وسلوكية، وأن التعامل الناجح مع المتشيعين فارسيا ينبغي أن ينبني على هذا الأساس مهما بدا سوداوياً أو تشاؤمياً -كما قد يحلو للبعض أن يسميه- لكنه الواقع والحقيقة التي يجب علينا أن نعترف بها ونواجهها بشجاعة مهما كانت مرة أو كريهة المنظر وإلا أخطأنا في توصيف العلاج.
إن الحقيقة التي نطق بها القرآن عن اليهود قائلاً:   )أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ…(75)( البقرة. مهما يمكن أن يقال عنها لكن ذلك لم يمنع من الاعتراف بها ومواجهتها وبهذا عرف المسلم يومها أين يضع قدمه.
 
 (الفارسية) عقدة وظاهرة عامة غير مختصة بالفارسي أصلاً
إن النفسية الفارسية المعقدة، والسلوك المنحرف المنعكس عنها ليس مختصا بالفرس وحدهم فلا يمكن أن يصاب بها غير الفارسي أصلاً. إنما هي عقدة مرضية تصيب كل من تأثر بها، وظاهرة اجتماعية توجد في كل مجتمع تقبَّل جراثيمها وإن لم يكن فارسياً في عنصره أو إيرانيا في منشئه.
إن (الفارسية) تشبه (الوباء) الذي لا تعرف جراثيمه لغة الأنساب فتصيب أجناساً أخرى عاشرت الفرس وتأثرت بهم لا سيما من وصل منهم إلى رأس السلطة في إيران لأنه يجد نفسه مضطراً إلى أن تتمثل فيه جميع الأمراض والعقد النفسية الفارسية وإلا لن يتمكن من ضم تلك الأشتات المختلفة من العناصر والشعوب التي تقطن الهضبة الإيرانية تحت جناحيه.
إن رغبة الفارسي في السيطرة على شعوب الهضبة الإيرانية ، التي تفوقـه عدداً
وتتفوق عليه حضارة وتسلط عليه ضغطا يفوق حجمه الحقيقي جعلته دوما يجنح إلـى
أساليب ملتوية وحيل غير مألوفة يوازن بها هذا التفوق ويصل بها إلى هدفه من السيطرة.
لقد ترسخت هذه الأساليب الملتوية والحيل الشاذة على مر الدهور وكر العصور حتى صارت جزءا من شخصيته وسمة أو طابعا يدمغ تلك الشخصية أي تحولت إلى عقد نفسية عميقة متأصلة.
أما من صار على رأس السلطة هناك فلا بد أن يتقمص تلك الشخصية ويصاب بتلك العقدة النفسية وإن لم يكن فارسياً في أصله وعنصره وإلا فقد زمام السيطرة على
دفة الحكم.
وكما أن رجلاً جاءت به الأقدار ليكون حاكماً أو شيخاً لقبيلة غير قبيلته لا يمكن له أن يقود القبيلة بتقاليد وأعراف غير تقاليدها وأعرافها. وإنما عليه -لكي يستمر في قيادتها- أن يتقمص روحها وشخصيتها ويتمثل سلوكها ويعبر عن أمالها وتطلعاتها وإلا رفضته وفقد القدرة على قيادها. بل إن هذا الحاكم أو الشيخ عادة ما يكون متطرفاً في كل ذلك إلى الحد الذي يتفوق فيه على ابن القبيلة الأصيل لأن عقدة الشعور بالغربة أو الدخالة كثيراً ما تدفع الدخلاء إلى هذا التطرف أو التصرف ليغطوا به على هذا الشعور الذي لن يشفوا منه مهما تطرفوا وكيف تصرفوا!
كذلك فعل كل حاكم إيراني من أصل غير فارسي. انه يحكم إيران بروحية الفرس ونفسيتهم وأعرافهم وتقاليدهم، وقد يتطرف في سلوكه وعدوانيته فيتفوق على مثيله الفارسي على قاعدة (ملكي أكثر من الملك) كما فعل الصفويون ومن لف لفهم. يقول الدكتور عماد عبد السلام رؤوف: (ومع أن سلالات غير فارسية حكمت إيران في بعض العهود إلا أن سياستها لم تكن لتختلف عن السياسة الفارسية التقليدية التي ذكرنا. فالافشاريون والزنديون والقاجاريون مثلا وهم ليسوا  فرساً  لم  يكونوا ليصبحوا (شاهات) لإيران لو لم يلتزموا (بالعقدة الفارسية) فيحذون حذو أسلافهم في معاداة الأمة العربية[90].
وعلى هذا الأساس فإن (الفارسية) قد تتمثل في شخص عربي الأصل فيكون بلاءاً
أكثر من الفارسي نفسه. وهنا يمسي التفريق بين عالم أو فقيه عربي وآخر فارسي يحمل كلاهما العقيدة والعقدة نفسها بلاهة وحمقا.
 
العجمي والمستعجم
إن هذا يجرنا إلى الحذر من العربي أو العراقي المصاب بـ(الفارسية) أكثر من الفارسي أو الإيراني نفسه! لأن الأول يزيد على الثاني بكونه يعاني من عقدة (الدخالة) التي تجعل من عدوانيته وحقده أكثر تطرفاً وحدة.
بل قد نجد فارسياً بريئاً من هذا المرض إلى الحد الذي نعتبره فيه عربيا في لغته وروحه وديانته فمن أحب العرب وتكلم بلسانهم فهو عربي.
وخلاصة القول: أن العجمي والمستعجم طينة واحدة. هذا إذا لم يكن المستعجم أكثر شراً وأضل عن سواء السبيل. ومن هنا جاءت المقولة: (إذا استعجم العربي فاقتلوه). لأن العربي المستعجم شر من العجمي نسباً وأصلاً!

الفصل الثاني
إجمـــاع الخبــــراء
 
ليس سرا هذا الذي أقول عن الشخصية (الفارسية).
إنه أمر تواطأ على معرفته وذكره العام والخاص ممن تعامل مع الإيرانيين وخبر حياتهم وأخلاقهم، وكيف تعدت هذه الأخلاق إلى المتأثرين بهم والمتشيعين لهم ، سوى أن العالِم يختلف عن غيره في عمق النظرة والقدرة على الرصد والتحليل، وربط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات.
وهذه طائفة من أقوال بعض العلماء أو الخبراء من الأجانب والعرب شاهداً لما أقول:
 

  1. الأمريكي جاك ميلوك و(الشخصية الإيرانية ومكوناتها)

جاك ميلوك باحث أقدم في جامعة (الدفاع الوطني الأمريكية) شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الوزير في الوزارة نفسها، ورئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في طهران. وهو اختصاصي في الشؤون السياسية والاقتصادية لمنطقة الشرق الأدنى الآسيوية.
كتب هذا الباحث الخبير فصلاً بعنوان (الشخصية الإيرانية ومكوناتها) ضمن كتاب (الثورة الإيرانية والتمدن الحديث). اقتطف منه هذه المقاطع باختصار وتلخيص، مع وضع عناوين توضيحية:
 
دراسة البوفيسور مارفن زونيس
يقول جاك ميلوك:
لقد كان أحد تلك الفحوصات التقييمية المليئة بالآراء لهذه المسألة المعقدة - مسألة الشخصية الوطنية الإيرانية - قد جرى بإشراف الأستاذ (البروفيسور) مارفن زونيس الذي كان يبحث عن دليل تجريبـي من أجل التأكيد على صحة بعض الانطباعات الخاصة وذلك بواسطة استبيانات أعدت بعناية لذلك الغرض.
لقد تمت دراسة وفحص (300) ثلاثمائة شخصية إيرانية كان الأستاذ زونيس يشعر بأنها كانت تمثل النخبة السياسية الممتازة في إيران بغض النظر عن كون تلك الشخصيات داخل الحكم أو خارجه في إيران.
 
الخصائص المميزة للشخصية الإيرانية
ولقد وجد الأستاذ زونيس أن هناك أربع خصائص متميزة تقف شامخة كعلامات خاصة دالة على الشخصية الإيرانية والسلوك الإيراني. وقد سمى الأستاذ زونيس تلك العلامات المميزة كالآتي:

  1. الإيمان بأن السلوك البشري تهيمن عليه المصالح الذاتية وحدها. وهذا الإيمان يتخذ صفتين السخرية والتهكم تعبيراً له.

  2. سوء الظن أو الارتياب.

  3. القلق وعدم الاستقرار.

  4. الاستغلال الشخصي للأفراد بعضهم البعض.

ونقل انطباع شاه إيران نفسه عن الشخصية الإيرانية بأنها مولعة بالنفاق والمراءاة ، وبعدم الرغبة في العمل الجماعي، وبعدم الإحساس بوجود الآخرين. وتتمتع بضعف المبادئ.
 
دراسة معهد الإيمان والدراسات الاجتماعية في جامعة طهران
وفي سنة 1964 عمل معهد الإيمان والدراسات الاجتماعية في جامعة طهران دراسة مفصلة جاء فيها:
 
الغدر
إن الفرس يشبهون رجلاً يعيش قبل فترة تكون المجتمع -أي انفرادياً- رجلا مدفوعاً في حياته بواسطة رغباته الطبيعية التي يتربع على قمتها الخوف وذلك من أجل الحفاظ على أنفسهم من أخطار الهجمات.
وبسبب شكوكهم وعدم ثقتهم بالآخرين فليس لديهم القدرة على الامتزاج. انهم يبحثون عن الأمان في الانعزالية عن الناس أو بواسطة توجيه ضربتهم الأولى[91].
إن هناك نظرة سلبية تجاه الطبيعة وتجاه الإنسان تدفع نفسها لتطور شعوراً يتحتم بموجبه على كل فرد أن يكون متيقظاً واعياً بصورة مستمرة لاقتناص الفرص لحماية نفسه وذاته ضد قوى الحقد والضغينة المتهيئة لتدميره لو لم يقم بحماية شخصه وذاته.
الشك
إن رفض الأجنبي لقبول رشوة ما (في إيران) أمر لا يظن فيه غالباً على أنه مبدأ نزاهة جديرة بالثناء والإطراء، ولكن ذلك الرفض يحمل على أنه دليل أو برهان على أن ذلك الأجنبي ممتنع عن أخذها أما طمعاً في رشوة أغلى ثمناً أو أن له رغبة في التعامل مع طرف ثالث.
 
الوقاحة
وفي قطعة أدبية مشهورة في الأدب الفارسي ينصح أحد الحكام الإيرانيين من ذوي العقل الراجح ابنه حول الكيفية التي يتوجب على الابن اتباعها من أجل أن يكسب حياته في إيران قائلاً:
(لا تتخوف من سوء استعمالك للحق أو السلطة ولا من الإذلال أو تشويه السمعة والافتراء… وعندما يجري طردك خارج أحد الأبواب تعال وادخل بابتسامة من باب آخر…
كن وقحاً ومتغطرسا وغبياً، لأنه من الضروري في بعض الأحيان التظاهر بالغباوة لأن في ذلك فائدة.
حاول أن تقيم علاقات مع أولئك الذين يتبوءون مناصب عالية. اتفق في الرأي مع أي شخص بغض النظر عن ماهية رأيه، وذلك من أجل أن تجتذب تأييد عطفه الأكبر).
ومن مظاهر الوقاحة ما يحدث في حالة قيام نزاع بين أجنبي في إيران وبين إيراني، وإحالة النزاع إلى سلطة إيرانية للفصل فيه. فهناك عادة عمومية بين الإيرانيين لوضع اللوم على الأجنبي لأي ضرر من الممكن أن يكون قد حصل، وعدم الاعتراف بأي مسؤولية ذاتية. ومن غير المحتمل أن يكون الأجنبي قادراً على استعمال نفوذ أو قوة أصدقاء له من الإيرانيين المتنفذين في الجهاز الإيراني كله. وإذا افترضنا جدلاً أنه جرى الظن بأن لدى بعض الأجانب في إيران بعض النفوذ في هذا القسم أو ذاك فان الإيرانيين يقومون بزيارتهم أو بالاتصال بهم بدون حياء أو خجل من أجل أن يقوم هؤلاء الأجانب باستخدام ذلك النفوذ المزعوم لمصلحة الإيرانيين!
 
النزعة الفردية
ويتحدث الباحث عن النزعة الفردية لدى الإيراني إلا أن هناك دوائر ضيقة للتجمع.
وهي عادة مجموعة صغيرة تتألف من حوالي (15) خمسة عشر عضواً منتظمين من أجل الوصول إلى هدف عام مشترك، كحلقات لعب الورق، وقراءة الأشعار، وإقامة الحفلات. وهناك حلقات لممارسة السياسة.
وإذا كان بعض أفراد المجموعة في داخل السلطة بينما الآخرون منهم خارجها فلا حاجة لأن يعاني أي واحد من هؤلاء الباقين خارجها من نقص ما على نحو غير ملائم. وعندما تجري ترقية أحد أعضاء هذه العصبة إلى مركز ذي أهمية أعلى فإنه من الممكن استدعاء أعضاء آخرين من نفس الزمرة لإشغال المناصب الأخرى.
إن أحد الأهداف الأساسية للانتماء إلى إحدى الحلقات المؤثرة هو الحصول على غطاء من الأمان والطمأنينة[92].
 
الارتياب وسوء الظن
إن الشعور بعدم الأمان مغروس عميقا عند الإيرانيين. وأكثر من ذلك فإنه لا يمكن الوثوق من الطبيعة ولا الاعتماد على المخلوق البشري. إن هناك توقعات بحصول التضليل والخداع في مكان ما. وهكذا يجد الفرد الإيراني نفسه داخل دائرة مليئة بالمرارة.
إن الناس في أثناء توقعاتهم بحصول التضليل وحلول الخديعة بهم يقومون بالبحث عن موازنة التحالفات بأخرى معاكسة لها. وبهذه الطريقة تتحقق نبوءة كل واحد فيهم بوقوع التضليل[93].
إن هذا الشعور بالارتياب يجعل الإيراني يعتقد بأنه ليس هناك شيء بنفس البساطة
والاستفادة ، التي ربما يظهر عليها ، وأنه لا يمكن قبول الأمور على أسـاس قيمتهـا
السطحية أو الظاهرية[94].
وهذا شيء واضح في قصة مشهورة جداً عن الفارسي الأصلي جداً: الملا ناصر الدين، وذلك عندما يطلب ناصر الدين من أحد الحمالين مساعدته في نقل حقيبة إلى داره:
الحمال: فديتك بنفسي يا مولاي وأين دارك؟
ناصر الدين: (باستغراب) يا لك من شخص متوحش وسيء الصيت وربما سارق يجب رفسه! هل تظنني ساذجاً حتى أخبرك موقع داري؟
ويقول الشخص الإيراني العادي: إذا ما كنت نزاعاً إلى الثقة بالآخرين فسوف يقوم البقية باستغلالي لذلك فإنه من السخف والحماقة أن يكون المرء واثقاً مما حوله.
وبسبب عدم الشعور بالاطمئنان يتواجد هناك شعور بعدم الرغبة في أن يصبح شخص ملتزما التزاماً عميقا جداً تجاه فرد ما مهما كان أو تجاه قضية ما.
إن لدى الإيرانيين مركب الخوف من كل ما هو أجنبي أو غريب، ويثير لديهم غلوا في التعصب لوطنهم وتفاخراً عميقاً بجميع الأشياء الفارسية.
 
الشعور بالاستثنائية
ويتنامى هناك شعور بالاستثنائية الفذة التي لا مثيل لها ويصبح الشعور مثل درع يحتمي وراءه الفرد ويخفي نفسه أثناء فترة التطور الثقافي السريع. وهذا يجعل الهوية الإيرانية قادرة على البقاء بالرغم من تعرضها لموجات مختلفة من الغزوات، وقادرة على امتصاص مؤثرات ثقافية كانت تواجهها بدون أن تغوص الهوية الإيرانية الذاتية إلى القعر.
وأهم الأمثلة البارزة المثيرة للنظر للامتصاص الثقافي كان الغزو (كذا) العربي لإيران وإدخال الإسلام فيها. وقد اختار الإيرانيون من الدين الإسلامي فرعا جديداً هو المذهب الشيعي أكثر من اختيارهم للعقيدة الإسلامية الكاملة التي قدمها لهم العرب الغزاة.
ويتبع ذلك الشعور بالاستثنائية الفذة أيضاً من كبرياء لها ما يبررها. إن هذا الغرور الإيراني يتطور إلى نفاد صبر أثناء تلقي العلم من الأجانب من غير الإيرانيين، وإلى رفض الاعتراف بارتكاب الأخطاء. إن الإيرانيين لكونهم ضيقي الصدور بالتعلم من غيرهم وقناعتهم بأنهم العارفون الأحسن بالأمور غالباً ما يهملون التفاصيل الدقيقة ويقومون بتوبيخ معلميهم الأجانب بعنف وقسوة. إنهم يرفضون الاعتراف بالجهل وعدم المعرفة بالشيء.
إن هذا الموقف بالذات هو الذي يجعل مسألة رؤية الفرد الإيراني لوجهات النظر الأخرى (المخالفة لوجهة نظره الذاتية) أمراً صعباً. ويجعل كذلك إقامة علاقات متبادلة بين نتائج أفعاله وأعمالـه وبين مجريات الأحداث أمراً شاقاً له صعوباته[95].
 
الكذب
إن الصفة الفارسية المميزة الأخرى التي نمت وترعرعت من التاريخ والديانة هي الميل إلى الكذب.
إن ما يدعى بالفارسية () ومعناها التخفي الديني تحت مظهر كاذب. إن هذا الإخفاء يسمح للفرد الفارسي أن يخفي دينه أو أن ينبذ ممارسات دينية معينة من أجل أن يتخلص من خطر محتمل أو محقق بالموت يتهدده من قبل أولئك المعارضين لمعتقداته الدينية.
حتى إن ممارسة استعمال ذلك التخفي أصبحت منتشرة في مناطق معروفة بارتباطاتها العلمانية والدنيوية. حتى إن المثل القائل: (احجب عن العيون ذهابك ومآبك وعقيدتك) هو واحد من عدد كبير من تحذيرات شرعية مماثلة موجودة في الجعبة التجارية الفارسية.
إن التدريب المبكر على الإخفاء قد ساهم كثيراً في كمية الشعور الأساسي بعدم الثقة والارتياب الموجود على نطاق واسع في جميع زوايا مجتمعهم.
إن المعنيين بدراسة إيران وشؤونها متفقون عموماً على الاستنتاج القائل بأن الارتياب وعدم الاطمئنان والتخفي الديني تحت مظهر كاذب هي مميزات الإيرانيين.
أما محمد رضا بهلوي فقد ذكر هذه المميزات بصورة فظة وذلك بقوله: (ان الفرس يكذبون). وقد اشتكى الشاه السابق أيضاً من أن الكذب ذاته يجري تمجيده على أساس أنه فضيلة مقتبساً في شكواه ما جاء في كتاب الشاعر الفارسي سعدي:
(إن الكلمات التي تخدعك وتضللك، ولكنها تسعد قلبك هي أغلى من الصدق. وتزيد في قيمتها عن الشيء الذي يجعلك حزينا ويعكر مزاجك).
 
الملق والمداهنة
إن الملق والمداهنة والغش يجب أن تكون جميعا الأدوات التي يحتاجها الفرد لأجل أن يتقدم ويصعد إلى أعلى.
لقد قال زعيم إيراني: إن الإيرانيين هم مثل الحرباء. إنهم يغيرون ألوانهم كل يوم وتتلون سياساتهم بما يتناسب مع ألوانهم المتغيرة.
إن استعمال تعبيرات مثل: (إنني عبدك المطيع) أو مثل (إنني التراب الذي تطؤه قدماك) أو (دعني أقبل رجليك ألف مرة) هي جميعها جزء صغير من مفردات قياسية للغة اليومية التحادثية.
إن التملق والمداهنة من الوسائل التي تبقي الشخص على قيد الحياة. في السوق يجري استخدام الخداع والحيلة وتثور الثائرات غضباً وبسبب كون الزمن عاملاً رخيصاً من وجهة النظر الإيرانية فإن إجراءات إتمام الصفقة التجارية يمكن أن تطول لفترة زمنية أطول، وأثناء ذلك يتم نسيان هذه الصفقة التجارية ذاتها تقريباً ويصبح الصراع بين ذاتين مفردتين هو الغاية الأساسية.
 
2. الفرنسي أدور سابيليه و(إيران من الجانب الآخر)
وهو باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط والقضايا الإسلامية والساحة الإيرانية. كان صديقاً للشاه والدكتور مصدق. في كتابه (إيران مستودع البارود) كتب فصلا بعنوان (إيران من الجانب الآخر) هذا ملخصه باختصار:
إن هضاب إيران المرتفعة طالما خضعت أراضيها إلى نير الاحتلال الأجنبي ولا تزال تتردد فوق أراضيها أصداء وقع حوافر الفرسان الطورانيين والمقدونيين والعرب والمغول والأتراك والأفغان، غير أن حضارتها لم تتوقف عن مواصلة سيرها. كانت إيران تشبه أشجار الحور البيضاء في تبريز تنحني أمام العواصف ولكنها لا تتحطم. وكان الغزاة يتأثرون بهذه القيم الحضارية للبلاد المحتلة ويحاولون الإفادة منها.
وفي حوالي القرن السابع انهارت الإمبراطورية الساسانية في الداخل عند الفتح العربي وأصبحت إيران ولاية تابعة للخلافة بعد فرض العقيدة الإسلامية في كل البلاد.
وبدا لأول وهلة بان الفكر الفارسي قد طمست آثاره ولم يعد له وجود أو استمرار في هذه المرة. ولكن الحقيقة لم تكن كذلك. وأخذت الثقافة الفارسية تتسلل إلى داخل البيئة الإسلامية حتى أصبحت هذه الثقافة وكأنها جزء من الفكر الإسلامي.
وعلى خلاف الشعوب الأخرى لم يمتزج الفرس بوشائج الصلة الوثيقة مع العرب حملة الراية الإسلامية، بل حافظ الفرس على شخصيتهم الذاتية حتى في ظل الإسلام. ففي مقابل المذهب السني الشائع بين العرب اخترعوا المذهب الشيعي. وعندما كان مجموع المسلمين يخضعون لسلطان الخليفة فان الإيرانيين اتخذوا من المذهب الشيعي ذريعة لمناهضة شرعية الخلافة باعتبار عدم جواز الإمامة إلا حصراً بسلالة علي. واستعان الفرس بالتكتل الشيعي لتحقيق مآربهم.
إن الفرس مسلمون، ولكنهم يختلفون عن المسلمين الآخرين. ومن هذا المنطلق استطاعوا الاستمرار على تحصين أنفسهم ضد الانصهار.
 لقد اتبع الإيرانيون التعاليم الدينية التي جاء بها العرب (الأجانب) الفاتحون، ولكنهم لم يلبثوا أن أجروا عليها التعديلات لكي يجعلوها ملائمة لأهوائهم وتقاليدهم. إن الفتح وفرض السيطرة لم يغير من الطبيعة الذاتية للشخصية الفارسية. إن الشعب الإيراني لا يتقبل بسهولة تغيير ما ألفه في حياته اليومية من تقاليد تمتد جذورها إلى ما قبل خمسة آلاف سنة.
 
المراوغة والخداع والباطنية
يرى الأجنبي في الفارسي مسلما يمارس شعائر الدين غير أنه لا يمكن له أن يجزم بأنه من المؤمنين. وقد تعلم الناس أن لا يظهروا معتقداتهم بصورة علنية. وكانوا عند الضرورة لا يترددون في التظاهر بإنكارها ويلجؤون إلى التحايل والمراوغات لخداع خصومهم. ولا يزال يوجد حتى الآن فئات يمكن اعتبارها مسلمة من الناحية الرسمية غير أن أفراد عوائلها يمارسون الطقوس الزرادشتية المتوارثة.
وكذلك بعض اليهود الذين اعتنقوا الإسلام ولكنهم لا يزالون يتمسكون بالشعائر اليهودية حيث أنهم يمتنعون مثلاً عن إشعال النار في يوم السبت. وفي منطقة كردستان الإيرانية يوجد بعض المسيحيين الذين يؤدون الصلاة ظاهرياً وفقا للشعائر الإسلامية، وقد أدت هذه السلوكية بالشعب الفارسي إلى التزام جانب الشك والحذر.
 
الازدواجية
الثنائية عند الفارسي هي صفته المميزة ففي أعماق نفسه حماس منقطع النظير، ومشاعر أشبه ما تكون بالأعراض المرضية، أما في الظاهر فهو متحلل من كل ارتباطاته بالقيم والأعراف والتقاليد. متصوف في قرارة نفسه، مخاتل وماكر في تصرفاته الظاهرية.
 
الطبيعة الإيحائية
وتتخذ تصرفات الفارسي في غالب الأحيان مظهراً مسرحياً سواء كان ذا طابع مأساوي أو هزلي حسب الظروف. إن الإفراط في تمثيل المآسي تجعل الإنسان يعيش فيها! فعند حلول أيام عاشوراء تنتشر حشود المؤمنين المتعصبين في شوارع المدن الإيرانية وهم يولولون وينتحبون ويلحقون الأذى بأنفسهم احتفاء بذكرى فاجعة مقتل الأمام الحسين وكأنهم كانوا شهودها!
في ليلة صافية الأديم وفي قرية صغيرة تقع جوار رضائية عرضت إحدى السينمات المتجولة فلماً غربياً على شاشة نصبت في الهواء الطلق. وعندها اختطف أحد أفراد العصابة بطلة الفلم بوحشية وأردفها على جواده سارع الحاضرون إلى امتطاء خيولهم واندفعوا لمطاردة الخاطف!
 
الغطرسة واحتقار الغير
إن الفارسي إنسان متغطرس، وأكثر ميلاً من غيره لاحتقار الغريب فيما إذا اعتقد بأنه يحاول إخضاعه وإذلاله، أو أنه يتحاشاه عند الاقتضاء. والفارسي بطبيعته المتغطرسة لا يتردد في إظهار إعجابه بنفسه. وعندما يحس الفارسي بالسعادة يتظاهر دائماً بالمرارة والألم!
 
3. الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف و(مقدمة كتاب الصراع العراقي الفارسي)
في المقدمة الرائعة التي كتبها الدكتور عماد عبد السلام رؤوف وهو أحد علماء التاريخ العراقيين المعروفين نجد تحليلاً عميقاً للأسباب والدوافع التي تختفي وراء النفسية الفارسية المعقدة وما ينضح عنها من سلوك وتصرفات.
إن الخبيرين السابقين وصف كل واحد منهما الحالة وأعراضها. أما الدكتور عماد عبد السلام فقد غاص وراء الأسباب الكامنة لها ووضع أيدينا على الجذور الضاربة في أعماق النفس (الفارسية).
إن السلوك (الفارسي) يجعل الناظر يسأل دائماً: لماذا يتصرف الفارسي ويسلك هكذا؟ ومن الصعوبة أن يجد جواباً شافيا لهذا السؤال المحير عن السلوك (الفارسي) الغريب!
إن الدكتور عماد عبد السلام قد أجاب عن هذا السؤال المحير جواباً شافياً كافياً حين قال وهو يحلل أسباب إصرار الحكومة الإيرانية على مواصلة عدوانها المسلح ضد العراق رغم كل الوساطات ومحاولات الصلح طيلة ثماني سنين من الحرب الدامية:
(إن موقفاً معانداً كهذا لم يكن ناتجا عن أسباب آنية قوامها ما يحدث بين الدول المتجاورة من خلافات ويحل بالوسائل السياسية عادة… إنما هو امتداد لموقف فارسي راسخ معاد للعراق والأمة العربية اتخذ فيه في كل مرحلة سماته المنسجمة مع طبيعتها. فمنذ العصور القديمة، وحتى ما قبل ظهور الإسلام اتخذ العداء الفارسي شكل الغزو العسكري السافر… واتخذ في العصور الإسلامية شكلا مستترا لكنه أكثر خبثا وخطورة تمثل بالحركات الشعوبية العلنية منها والباطنية المناهضة لقيم الإسلام والثقافة والقيم العربية…
 

وضع إيران الجيوبولوتيكي

فما هي إذن الأسباب الثابتة لهذا الصراع الطويل عبر المراحل التاريخية المتعاقبة؟
إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في وضع إيران الجغرافي- السياسي نفسه. فالخارطة القومية لإيران توضح بجلاء أنها كيان لا قومي بمعنى أنها لم تقم تحقيقا للروح
القومية الجمعية. فإيران كيان سياسي تتعدد فيه القوميات وتتباين حتى تصل إلى
نحو خمس أو ست قوميات رئيسة.
ومن المهم أن نلاحظ أن أحجام هذه القوميات متقاربة على نحو لا يجعل منه أكثرية ويجعل القوميات الأخرى أقلية، بل ليس من الممكن إطلاق لفظ (أقلية) على إحداها إلا إذا اعتبرنا سائر القوميات الأخرى كلاً على حدة…
يحق لنا أن نتساءل: إذا كان كيان إيران لا قومياً فلماذا هو كيان أصلا؟ ولم اتخذت حدودها شكلها المعروف الآن؟
وبعبارة أخرى: إذا كان هدف القوميات هو تحقيق إرادتها المستقلة المتمثلة بشكل دولة، ولم تكن في إيران قومية رئيسة فما هو مبرر وجود دولة إيران؟ عن أي هدف قومي تعبر؟ وأية إرادة تمثل؟…
إن لهذه القوميات جميعاً - باستثناء الفرس - امتدادات واسعة خارج حدود إيران نفسها فالعرب هم جزء من أمتهم العربية. والأكراد يتوزعون على منطقة ليس في إيران منها إلا جزء فحسب، وللأذربيجانيين امتداد كبير يشمل مساحات واسعة من تركيا والاتحاد السوفيتي، أما البلوج فهم جزء من شعب يقيم نصفه الأخر في باكستان وأفغانستان. وهكذا فان جميع هذه القوميات لها امتداداتها خارج الرقعة السياسية لإيران. فوجوهها- من ثم- إلى خارج إيران لا إلى داخلها، فهي لا تمثل الإرادة المكونة للدولة المركزية الإيرانية. ومن المؤكد ان هذه الدولة ليست هدفا لأي منها إذ لا مصلحة لهم فيها بحال.
 
الفرس أقل عدداً وأدنى حضارة
الفرس هم الوحيدون الذين ليست لهم إمتدادات قومية خارج إيران. فهم إذن عامل (الشد) الوحيد الذي يشد هذه القوميات المتباينة في نطاق دولة واحدة. ولكنهم من جهة أخرى كانوا أقل وأدنى حضارة من أن يستطيعوا ممارسة دورهم في شد هذه القوميات وتجميعها تحت سيطرتهم. لذا فقد كان الفعل السياسي والعسكري الفارسي على الدوام أكبر من حجمهم الحقيقي.
لقد كانوا فعليا مجرد قومية وسط قوميات متعددة لكل منها تراثها وحضارتها ووطنها. ولكن الفرس مارسوا دورهم بصفتهم القومية المركزية الوحيدة أو القومية العليا في جميع (أوطان) تلك القوميات إضافة إلى وطنهم نفسه، واتسم توسعهم على حساب قوميات الهضبة الإيرانية الأخرى بالسمة العسكرية البحتة. لذا فقد جاءت ثماره على شكل احتلال فعلي وليس نتيجة مد حضاري فارسي مثلاً أو حركة مركزية تستقطب تلك الشعوب نحو ثقافة واحدة…
إن استمرار سياسة شد القوميات في دولة واحدة كان يعني استمرار سيطرة الفرس على هذه القوميات. بمعنى أن عودة القوميات إلى ممارسة مصائرها المستقلة كان يساوي تفكك السيطرة الفارسية وانهيارها. وهو أمر وقف الحكام الفرس ضده على الدوام… ولم يكن الفرس على مستوى حضاري مكافئ للحضارات المتقدمة الموجودة إلى الغرب منهم، لذا فقد اخذوا موقعهم كـ(متلق) للحضارة لا صانع لها فالديانة الزرادشتية لم تكن فارسية وإنما ميدية… بل إن الفارسية لم تكتب قط بأحرف فارسية وإنما بالمسمارية العراقية فالآرامية والعربية. وامتد تأثير الحضارات العربية منذ قبل الإسلام وبعده إلى معظم مناحي الحياة الاجتماعية الفارسية وتركت آثارها واضحة في مجالات الفنون والعمارة فضلاً عن الإدارة والقوانين حتى عد الباحثون - ومنهم أكثر تعصبا للفرس - دولهم القديمة بأنها مجرد استمرار للدول الرافدينية…
 
العدوانية والتوجس والشك
لقد أدرك الفرس أن تحقيق سيطرتهم على عدد كبير من القوميات يفوقهم بعضها عددا وحضارة لا يكون إلا بإخضاعها إلى ضغط تحد خارجي وإثارة شعور التوجس لديها من خطر ما يأتي من الخارج. وعليه فقد وظف الفرس التحديات المختلفة في المنطقة لصالح تأكيد هيمنتهم على قوميات ما عرف بإيران.
وكان التحدي الحقيقي أمام الفرس هو ذلك التحدي القادم من غرب إيران أي من الوطن العربي. بيد أنَّهُ - على قوته - لم يكن عسكريا بقدر ما كان حضاريا…
 
مركب الشعور بالنقص
وكان إحساس الفرس بتخلفهم تجاه الفعل الحضاري الآتي من الغرب يتخذ وضعا حادا انعكس على شكل رد فعل غير حضاري نحوه استهدف تدمير الحضارة فيه، أو مكافأة تأثيره على الأقل، ولكن بالفعل العسكري وحده. وبذا فقد أصبح التوسع إلى الخارج وبخاصة  باتجاه  الوطن  العربي  الوجه  الآخر  لسياسة  فرض الهيمنة  السياسية والعسكرية
على شعوب الهضبة الإيرانية في الداخل… وكان التوسع الخارجي
بحد ذاته يقدم مبررا قوياً لسياسة التوسع الداخلي بضم القوميات غير الفارسية في إيران تحت قبضة حكومة مركزية قوية.
 
(الفارسية) عقدة وعقيدة توسعية
وهكذا تحولت (الفارسية) من كونها إحدى قوميات (إيران) إلى عقيدة توسعية تعبر عن جيوبولوتيكية لا تحقق أغراضها إلا بالتوسع المستمر أكثر من تعبيرها عن إرادة أمة قومية بذاتها. وهذا ما يفسر ظهور سلالات حاكمة في إيران من غير الفرس التزمت بسياسة الفرس نفسها… فالافشاريون والزنديون والقاجاريون مثلاً - وهم ليسوا فرساً - لم يكونوا ليصبحوا (شاهات) لإيران لو لم يلتزموا (بالعقدة الفارسية) فيحذون حذو أسلافهم في معاداة الأمة العربية وسلب أراضيها ومياهها سواء أكان ذلك في العراق، أم في الاحواز، وسواحل الخليج العربي…
 
عقيدة وعقدة عداء ضد العرب
لقد تحول مركب النقص الحضاري هذا على مر العصور إلى عقيدة راسخة معادية لكل الحضارات العربية أو التي وجدت في الأرض العربية. بل انه تحول في اللاوعي الفارسي إلى نزعة عدوانية مدمرة لكل فكرة بل قيمة تأتي من هذا الاتجاه. وظف الحكام الفرس هذه العقدة النفسية في صالح هيمنتهم على القوميات المحيطة بهم بأن أشعروها على الدوام بأن تصديهم لهذه المؤثرات رهين باستمرار الهيمنة المركزية عليها[96].
 
اللؤم ونكران الجميل
ولما لم يكن هذا الغرب يمثل إلا مصدر إشعاع للحضارة لا خطرا ماديا حقيقيا فإن العقلية الفارسية تعودت أن تنظر إلى هذه الحضارة بعين واحدة. إنها تتأثر بها لأنها مضطرة إلى ذلك لنقص في مستواها الحضاري، وتعاديها في الوقت نفسه لأنها تمثل خطراً يهدد سيطرتها على القوميات العديدة التي تحيط بها، فلقد اعتنق الفرس الإسلام كسائر شعوب المشرق لكنهم حاربوه من داخله، وتعلموا الآداب العربية لكنهم حاربوها بما تعلموه منها، وكتبوا بالحرف العربية لكنهم شنوا حرباً على اللغة العربية نفسها.
 
الخوف والحقد والملق
ومع أن العرب لم يكونوا عدوانيين تجاه الفرس أو غيرهم، وإنما هداة ورسل دين مساواة جديد فان هذه الحقيقة لم تكن تنفذ إلى اللاوعي الفارسي حيث تكمن عقدة الخوف والكره من كل ما هو عربي. فمن الثابت تاريخياً أن دهاقنة الفرس تملقوا العرب بعد زوال سلطانهم السياسي توسلا إلى الإبقاء على مركزهم الاجتماعي والاقتصادي بين الشعوب غير الفارسية. حتى إذا ما ضعف كيان العرب السياسي - وكان للفرس نصيبهم البارز في هذا الضعف - عادوا إلى ممارسة دورهم السابق في إحياء التقاليد السياسية القديمة بإنشاء الدولة التي توظف فيها عقدة الكره والخوف لصالح هيمنة الفرس عليها.
 
المسكنة والشعور بالاضطهاد
إن التاريخ لم يسجل أية أعمال عدائية قام بها العرب ضد إيران بل العكس دائماً. وعلى الرغم من ذلك فان الفرس كانوا يصورون أي عدوان يقومون هم به على الأمة العربية بأنه (دفاع عن النفس) حتى اصبح هذا قانوناً ثابتاً في السياسة الخارجية الفارسية في مختلف مراحل التاريخ. ومعنى هذا أنهم إن لم يجدوا خطرا حقيقياً يهدد بلادهم من الغرب فإن عليهم أن يوحوا إلى شعوبهم بمثل هذا الخطر. وهو ما يفسر بوضوح لم كانت إيران أكثر أطماعا بجيرانها الغربيين كلما تعرضت وحدتها السياسية إلى خطر التجزئة في الداخل، وطالبت شعوبها بحقوقها القومية التي بخسها الفرس عبر التاريخ.
وهكذا فإن أحياء مظاهر ومفاهيم متخلفة، وإسقاطها على الحاضر، وخلق جو من اللاعقلانية، وتأجيج النعرات البدائية والعصبيات القائمة على أسس بالية لا ظل لها في الواقع، قد أصبح إحدى الوسائل الثابتة في لمِّ شعث قوميات عديدة، لكل منها ثقافتها وتراثها المستقل.
ولما لم يكن كالنزعات العدائية اكثر بدائية وتخلفا، فقد أضحت إثارة هذه النزعات وإقناعها بين حين وآخر بمزيد من الأعمال العدوانية التوسعية يمثل علاجا مناسبا لأية حالة تفكك تتعرض لها (الوحدة الداخلية)[97].
 
الفصل الثالث
الأمراض والعقد النفسية في الشخصية الفارسية
 
من خلال هذه الأقوال والتحليلات العلمية. ومن خلال المعرفة الخاصة والخبرة الميدانية الطويلة الأمد (بالشخصية الفارسية) المتمثلة بكل شعوبي أو رافضي أو متشيع فارسيا وإن كان عربياً أو هاشمياً في أصله، يمكن استخلاص جملة من الأمراض والعقد النفسية المكونة لتلك الشخصية التي نطلق عليها اسم (الشخصية الفارسية) من أهمها:
 
1- عقدة الحقد
الحقد داء وعقدة متأصلة في نفسية الفارسي، بل هي عقدة مركبة لا يمكن لوجوده أن يستمر بعيداً عنها!
إنها القوة الضاغطة التي يستطيع بها تجميع عناصره المشتتة، ويسوقها باتجاه واحد.
أما الحب فهو غير قادر على جعله قاعدة لانطلاقه، وإلا فقد اجتماع هذه العناصر المشتتة في قبضته الواحدة؛ لأنها ستتجه إيجابيا إلى غير وجهته.
(لقد أدرك الفرس أن تحقيق سيطرتهم على عدد كبير من القوميات يفوقهم بعضها عددا وحضارة لا يكون إلا بإخضاعها إلى ضغط تحد خارجي، وإثارة شعور التوجس لديها من خلال خطر ما يأتي من الخارج)([98]).
إذن الحقد ضرورة لبقاء الفارسي على قمة الهرم في الهضبة الإيرانية التي لا يتربع عليها إلا من سلك السلوك نفسه واعتمد إثارة كل أمر يؤدي بشعوب الهضبة المتناثرة إلى أن تخاف وتحقد على الدوام حفاظاً على تماسكها تحت قاعدة الهرم. وما اللعن والطعن إلا تعبير عن هذه العقدة التي يغذونها برواية كل قبيح مخترع وإلصاقه بتاريخ الأمة ورموزها. ومن ذلك اختراع المآسي التي تعرض لها (أهل البيت) وتضخيمها وإقامة مجالس التعزية والنواح على أولئك (المظلومين) المقتَّلين بـ(بكربلَو).
تأمل التناسب بين نفسية الفارسي المدمرة الحاقدة وبين النار التي اشتهر بعبادتها من
دون بقية قوى الطبيعة!
من القصص التي يتداولها الناس عن الخميني أن جاراً له حين كان في مدينة النجف ضرب ابنٌ له ابناً للخميني، فظل الخميني مقاطعاً لجاره رغم الوساطات المتعددة للصلح بينهما حتى خرج من العراق إلى وكره في باريس!
وأبرز صور الحقد الفارسي ما فعلته إيران بأسرانا الذين أذاقتهم صنوف العذاب الخارجة عن كل معقول. ولا زالت تحتفظ ببعضهم منذ اثنين وعشرينا عاماً!
 
2- عقدة الشك والتوجس والارتياب
(الفارسي) شخص يقبع الخوف في داخله ، أو يقبع هو في داخل الخوف -لا فرق- يتوجس دوما من تصرفات الآخرين ويشك في نواياهم. إن شعوره الحقيقي بالضعف تجاه المحيطين به جعله يلتجئ إلى هذه الحيل النفسية عبر التاريخ من أجل حماية نفسه منهم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى -ولأجل السيطرة عليهم- فإنه يثير لديهم الخوف من كل ما هو أجنبي، وينمي هذه العقدة في نفوسهم ليحقق التفافهم حوله على أنه الملاذ الآمن الوحيد.
(لقد أدرك الفرس أن تحقيق سيطرتهم على عدد كبير من القوميات يفوقهم بعضها عددا وحضارة لا يكون إلا بإخضاعها إلى ضغط تحد خارجي وإثارة شعور التوجس لديها من خطر ما يأتي من الخارج) ([99]).
وبفعل تراكم الزمن وعوامله ترسخ هذا الشعور، حتى غدا عقدة بل صار سجية لا تفارق (الفارسي) أبداً، ومرضا معديا يصيب الآخرين الذين يثقون به ويتأثرون بفكره وديانته. فتجد أحدهم لا يطمئن أبداً إلى سلامة نية الآخرين تجاهه، ويفسر تصرفاتهم الطبيعية وأعمالهم الطيبة ويؤولها دائماً أو يحملها على غير ظاهرها. وهو ما لمسناه واضحا وفاشيا في أوساط المستعجمين أو المتشيعين فارسياً حتى من تغير منهم في فكره، ولكنه ظل مستعجماً في عقله ونفسه وشعوره وخلقه، ويمارس عملية (إسقاط) ما بداخله من عيوب على الآخرين.
(إن هذا الشعور بالارتياب يجعل الإيراني يعتقد بأنه ليس هناك شيء بنفس البساطة والاستفادة التي ربما يظهر عليها، وإنه لا يمكن قبول الأمور على أساس قيمتها السطحية أو الظاهرية)([100]). وفي قصة (الملا ناصر الدين والحمال) المار ذكرها تصوير دقيق لهذه النفسية المفعمة بالشك والتوجس والارتياب من الآخرين. (إن الشعور بعدم الأمان مغروس عميقا عند الإيراني. واكثر من ذلك فإنه لا يمكن الوثوق من الطبيعة ولا الاعتماد على المخلوق البشري. إن هناك توقعاً بحصول التضليل والخداع في مكان ما. وهكذا يجد الفرد الإيراني نفسه داخل دائرة مليئة بالمرارة)([101]). و(ان المعنيين بدراسة إيران وشؤونها متفقون عموما على الاستنتاج القائل بأن الارتياب وعدم الاطمئنان والتخفي الديني تحت مظهر كاذب هي مميزات الإيرانيين)([102]).
حتى الكتاب والسنة وأقوال الأئمة تعاملوا معها على هذا الأساس. فإن لكل آية أو حديث عندهم باطنا غير ظاهره. وكل قول أو تصرف لعالم أو إمام يمكن أن يفسر على قاعدة (التقية).
إن ظواهر النصوص والتصرفات ما هي - في تصورهم - إلا أغطية كثيفة لمقاصد بعيدة جداً بعدا يمكن أن يصل إلى حد الانقطاع بين الصلة الظاهرية والباطنية للفظ فلا يعود للغة وضوابطها عندهم أي اعتبار!
يروي الكليني عن موسى بن جعفر أنه سئل عن قوله تعالى: ) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ( الأعراف/33 فقال: إن هذا القرآن له ظهر وبطن فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور. وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق([103]).
ومن هذا الباب ادعاؤهم ان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إنما اصطحب أبا بكر في الهجرة حتى لا يشي به أو يدل عليه!
وهكذا تعاملوا مع أحداث التاريخ . إنهم لا ينظرون إلى الحدث بموضوعية ، بـل
يفسرونه طبقاً إلى هذه العقدة. بل يصنعونه ثم يروونه كما يحلو لهم ويتمنون أن يكون قد وقع، لا كما وقع بالفعل. فعلي زوّج ابنته أم كلثوم لعمر (تقية) وخوفا واغتصابا! وسمى أولاده باسم أبي بكر وعمر وعثمان ملقا و(تقية) كذلك. والحسن بايع معاوية (تقية) أيضاً.
ومن ذلك أنهم يكابرون منطق الأحداث مكابرة عجيبة فلا يصدقون – مثلا - أن أحدا ممن اتخذوهم (أئمة) مات ميتة طبيعية فهم بين مسموم ومقتول ومخنوق!
حتى (المهدي) ، المعدوم ، اختفى خوفاً على نفسه من القتل رغم إجماع المؤرخين على العلاقة الحسنة بين البيت العباسي والبيت العلوي آنذاك!
ويظهر أن (المهدي) نفسه أصيب –هو الآخر- بهذه العقدة المزمنة ،عقدة الشك وعدم الثقة بالآخرين. فرغم تغير الأحوال وظهور دول تنادي صباح مساء- حتى بحت أصواتها- بخروجه وفرجه العاجل، إلا أن المسكين لا يصدق كلامهم ولا يثق بأحد منهم! فمن يدري لعلهم نصبوا له كميناً وهذا النداء ما هو إلا خديعة ومكر.. أو فخ لاصطياده فهو مستمر بالاختفاء وعدم الظهور حتى يفاجأ بيوم النشور! وإلا لخرج منذ زمن بعيد.
ولهذا -وبسبب هذه العقدة- فإن الإحسان لا يجدي معهم نفعاً رغم أن المرء مجبول على حب من أحسن إليه. إلا (الفارسي) لشكه، وتوجسه، ووجود عقد أخرى تتساند فيما بينها -كالدونية وعقدة الشعور بالنقص- فهو لئيم يكره من يحسن إليه، يسيء به الظن ويعتقد أنه بذلك إنما يريد إذلاله! فهو كما قال الشاعر:
    إذا أنت أكرمت الكريم ملكته         وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فإذا لنت معهم بالكلام قالوا: ضعيف. وإن أحسنت إليهم قالوا: متملق. وإن أعلنت بالاخوة قالوا: ماكر مخادع. وإن تقربت منهم قالوا: كيد وخطة مدبرة! وهي أخلاقهم (يسقطونها) على الآخرين!
ومما ينسب إلى سيدنا علي t في هذا المجال قوله: عجبت لقوم إذا أكرمتهم احتقروك، وإذا احتقرتهم أكرموك!
وإذا استقرينا التاريخ فقد لا نجد أحدا أحسن إليهم كالخليفة العباسي المأمون بن الخليفة الرشيد حتى أفضى بولاية العهد إلى العلوي علي بن موسى ولقبه بـ(الرضا) حتى صار علماً عليه، وزوجه ابنته!
لقد كلف هذا الأمر وهو نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي تضحيات جسيمة وخسائر فادحة كادت أن تودي بملكه إذ ثار عليه العرب في بغداد وبايعوا بدله عمه إبراهيم خليفة للمسلمين الذي تلقب بـ(المبارك) واستمرت الحروب بينهما سنتين أزهقت فيها آلاف الأنفس!
لم يكن المأمون مضطرا إلى هذه المغامرة. فليس من قوة أجبرته على ذلك وجعلته يتحمل في سبيله ما تحمل. وقد كان في استطاعته أن يعزل علياً ويحبط محاولة عمه الذي ثار معه العرب في العراق جميعاً. لكنه ظل وفياً بعهده حتى تغلب عليه واستقرت له الأمور.
ويشاء الله تعالى أن يموت ولي العهد وصهر الخليفة وابن عمه علي بن موسى الرضا حتف أنفه. فكيف تعاملت العقلية (الفارسية) المعقدة مع الحدث؟ قالوا: لقد مات مسموماً، والذي سمه المأمون!
 واخترعوا قصة عنقود العنب المسموم الذي قدمه له المأمون بنفسه. ثم صاروا يجسدون هذه الأسطورة على شكل صورة تجمع بين المأمون وعلي هذا في قصر الخلافة الفاره والمأمون يقدم العنقود لعلي وعلي ماد يده إليه والصورة منتشرة جداً تعلق في البيوت والمقاهي والمطاعم والمحال العامة!
ولم يكسب المأمون من عنائه وجهوده التي حرقها في خدمتهم سوى اللعن والطعن وتشويه السمعة!
وهذا شأنهم مع كل حاكم من غير ملتهم مهما تقرب إليهم وتسامح معهم وخدم قضيتهم وعمر مزاراتهم ومشاهدهم وقام بعمارتها وزيارتها!
 
يفكر بنفسه.. لا بعقله !
إن هذه النفسية المعقدة المفعمة بالشك لا تستجيب لسياق المنطق. ورواياتهم مليئة بالتناقض لكنهم يتقبلونها رغم تناقضها لأنهم يفكرون بنفوسهم لا بعقولهم. وإذا كان الأمر كذلك فإن النفس المعقدة المعوجة تنتج فكراً معقداً معوجاً متناقضاً. ويمسي العقل في هذه الحال مجرد نقطة عبور خالية من الحرس!
تأمل كيف يعتقدون أن الحسن بن علي t قد مات مسموماً أيضاً وعلى يد زوجته!
إن امرأة تسم زوجها حتى الموت ليست صالحة، وليست أهلاً لأن يتزوجها الصالحون. فكيف تزوجها الحسن وهو – عندهم - معصوم من الخطأ!
لكن عقدة الشك والتعصب والحقد وعقداً أخرى تكفي لبلع هذا التناقض وزيادة دون أدنى شعور بِهِ! مع جنوحهم إلى الاحتجاج بالمتشابهات مثل اقتران نوح  u ولوطu  كذلك بامرأتين كافرتين مع عصمتهما. وهو نوع من الاحتجاج للخطيئة بالخطأ! فـ(العصمة) التي ألصقوها بالحسن لا تشبه عصمة الأنبياء الثابتة لهم عليهم السلام.(فعصمة الأئمة) مطلقة غير قابلة للخطأ وعصمة الأنبياء ليست كذلك.
ثم إن الزواج من امرأة تتآمر على زوجها بسبب شهوتها ورغبتها في رجل آخر إلى حد القيام بسمه يستلزم سوء الاختيار والخطأ الحتمي فيه من قبل الزوج. ولا شك أن سيدنا الحسنt  حين اختار هذه المرأة إنما اختارها لدينها وخلقها. ولا بد أنه سأل عنها وتثبت من ذلك ثم بعده أقدم على الزواج منها. فما فعلته بعد- مما يقوله الرافضة- يستلزم عدم التثبت، والخطأ في تصور صلاحها وهو يتناقض مع (العصمة) المطلقة أو نضطر إلى القول بأن الحسن تزوجها لغايات دنيوية فقط وهو ما لا يليق بصغار الصالحين فكيف بكبار المصلحين؟!
ثم أن الرافضة يعتقدون أن (الإمام) يعلم الغيب وما كان وما يكون([104]) فهلا علم الحسن بأن امرأته غير صالحة أو أنها ستسمه فلماذا أقدم على الاقتران بها؟ أفيعمل إنسان على جلب الشر والسوء لنفسه؟! يقول تعالى وهو يخاطب نبيه  صلى الله عليه وآله وسلم  ]قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء(188){ الأعراف.
لقد تزوج هذه المرأة (جعدة بنت الأشعث) بعد موت الحسن ابن عمه العباس بن عبد الله بن عباس، ثم تزوجت من يعقوب بن طلحة. أفيغيب عن أبناء عم الحسن أنها سمته، ويعلم ذلك الشذاذ المفترون؟! أم أنهم أمنوا على أنفسهم من امرأة تسم زوجها؟! أم ماذا؟!
ورغم كل هذا فالأسطورة باقية تقاوم جميع عوامل التعرية! ولك أن تجرب بنفسك وتناقش رافضياً حول هذا الموضوع لترى مكونات الحشوة الدماغية التي ترقد مستقرة في قحفه ! وتسمع أن الحسن صار يلفظ قطع كبده من فمه! وأنا لا ادري ما الذي جاء بالكبد إلى المعدة مع أن الكبد في يمين التجويف البطني والمعدة في شماله!  ما هذا الأنبوب المجوف الذي يصل بينهما؟ أم أن أحشاء (الأئمة) تختلف تشريحياً عن أحشاء بني آدم؟!
 
3- الدونية أو عقدة الشعور بالنقص
مر بنا أن الفرس أقلية منقطعة بالنسبة لمجموع شعوب الهضبة الإيرانية، وأن بعض هذه الشعوب يفوقهم في مستواه العلمي والحضاري بحيث أخذ الفرس موقعهم على الدوام كـ(متلق) للحضارة لا صانع لها. وهذا أصل كل العقد في النفسية (الفارسية).
إن الرغبة في السيطرة من قبل الفرس في قلتهم العددية وتدنيهم الحضاري على شعوب تفوقهم عددا وحضارة ولها امتدادات خارجية ولد عندهم شعورا بالنقص ترسخ بمرور الزمن وتراكم المعاناة حتى صار عقدة لا تفارقهم. مثلهم كمثل شخص جاءت به ظروف الحياة ليقود فريقاً من الرجال يفوقونه في تحضرهم وتحصيلهم العلمي وقوتهم ووجاهتهم، فإذا لم يكن متماسكاً نفسياً نشأ عنده –ولا بد- مركب الشعور بالنقص تجاههم.
إن الدونية أو عقدة الشعور بالنقص تجعل صاحبها يستجيب سلبياً أو عكسياً تجاه المؤثرات الخارجية الإيجابية، ويتعامل بلؤم مع من يحسن إليه لأنه يرى فيه شبحاً مزعجا يذكره بـ (دونيته) ونقصه.
إن (الدوني) شخص متناقض: فهو يقبل الإحسان لحاجته إليه، لكنه يشعر بالكراهية تجاه من يحسن إليه وينـزعج من رؤيته ويتمنى الخلاص منه بل يسعى في الكيد له وإزاحته من أمامه.
في إحدى المحافظات الجنوبية كان (المحافظ) كثيرا ما يحسن إلى (رجل دين) أو (سيد) ويحترمه ويقضي حوائجه ثم كان مصير (المحافظ) أيام (الغدر والخيانة عام 1991) القتل على يد ذلك (الديِّس) الدوني اللئيم!
إننا ما لم نفهم هذه العقدة عند العجمي والمستعجم فإن إحساننا يذهب هباء ولا يصل بنا إلى النتيجة الطبيعية المتوقعة لتلك المقدمة بل لا نجني من ورائه إلا المتاعب.
لقد كان هذا نصيب العرب على مر التاريخ ، جزاء إحسانهم إلى الفرس الذي تمثل
بدينهم ورسالتهم التي حملوها إليهم – وهو أعظم إحسان- وبحضارتهم العظيمة. لكن العقلية (الفارسية) تعودت أن تنظر إلى هذه الحضارة بعين واحدة. إنها تتأثر بها لاضطرارها إلى ذلك بسبب النقص الذي تعاني منه في مستواها الحضاري، وتعاديها في الوقت نفسه لأنها تمثل خطراً يهدد سيطرتها وكيانها.
إن كل الشعوب التي اعتنقت الإسلام تحتفظ بالجميل للعرب وتحترمهم وتقدمهم إلا العجم فمع ادعائهم الإسلام يشعرون بالحقد والكراهية تجاه من حمله إليهم لا سيما الصحابة وخصوصا الفاروق عمر t الذي كان أول ضحية لحقدهم ودونيتهم وغدرهم.
 
4- عقدة التحلل
اشتهرت شعوب بالفساد الخلقي والإباحية، لكن الشعب الوحيد -على ما يبدو- الذي أطّر فساده بالدين وأعطاه مشروعية دينية هو الشعب الإيراني. ومنذ أقدم عصور التاريخ.
فالزرادشتية تبيح زواج الابن لأمه والأب لابنته والأخ لأخته ! ([105]).
والمزدكية تقول باشتراك الناس في الأموال والنساء وأصبحت دين الدولة الرسمي في عهد الملك قباذ الاول عام 488م. يقول ابن النديم: (وصاحبهم القديم مزدك أمرهم بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات والأكل والشرب والاختلاط وترك الاستبداد بعضهم على بعض ولهم مشاركة في الحرم والأهل لا يمتنع الواحد منهم عن حرمة الآخر ولا يمنعه)([106]).
والخرمية -وهي ديانة متطورة عن المزدكية، وتعني بالعربية دين الفرح- تمتاز بالإباحية العامة ([107]) .
وتسللت هذه الرذائل متسترة بالدين الى جميع الفرق التي انتسبت للتشيع. مثل الواقفة الذين وقفوا بالإمامة على موسى بن جعفر. وهم اتباع محمد بن بشير وقد قالوا بإباحة المحارم والفروج والغلمان وترك الفرائض ([108]) .
والخطابية اتباع أبي الخطاب الأسدي بالولاء الذين يبيحون المحارم من الزنا واللواطة والسرقة وشرب الخمر وشهادة الزور وترك الفرائض ([109]) .
والمنصورية اتباع أبي منصور العجلي بالولاء وقد استحلوا المحارم ونكاح الأمهات والبنات ([110]) .
والنصيرية اتباع محمد بن نصير النميري بالولاء الذي قال بألوهية الحسن العسكري وادعى النبوة وحلل المحارم ونكاح الرجال. ويروي بعضهم أنه رآه وغلام على ظهره([111]) .
إن الرفض أو التشيع الفارسي ليس إلا حالة متطورة لهذه الفرق التي كان أحد أسباب اندثارها وعدم قدرتها على الصمود والاستمرار وضوحها وعلنيتها بسبب قلة خبرتها في ذلك الزمن وتخبطها في تجاربها.
ويخطئ من يتصور أن هذه الفرق بادت وانتهت حقيقة. كلا فإن كل الذي حصل هو أنها صارت تستفيد من التجارب والأخطاء لتكون أكثر باطنية. وتغلف مقاصدها لتظهر باسم التشيع لأهل البيت أو الأمامية أو الاثني عشرية. وهو ما نطلق عليه اسم الرفض أو التشيع أو التشيع الفارسي ، الذي يعتبر حالة متطورة جداً عن تلك الحالات
البدائية الأولية .
إن إباحية الجنس والمال في الديانة المزدكية والخرمية وغيرها من الديانات الفارسية القديمة ظهرت عند الإمامية بشكل مقبول مؤطر باسم شرعي، ويمكن ربطه ببعض الألفاظ القرآنية.
أما إباحية المال فظهرت باسم (الخمس) و(الحقوق الشرعية) وما شابه.
وأما الإباحية الجنسية فظهرت باسم (المتعة) التي تغني صاحبها وتعوضه عن أشد حالات التحلل والفساد الجنسي. والتي هي تقليد زرادشتي قديم. تقول د. شهلا حائري وهي حفيدة المرجع الديني الإيراني آية الله حائري :
(عند الزرادشتيين يحق للزوج أو رب العائلة إعطاء زوجته أو ابنته من خلال إجراءات رسمية رداً على طلب رسمي الى أي رجل من قومه يطلبها كزوجة مؤقتة لفترة محددة. وفي هذه الحالة تبقى المرأة زوجة دائمة لزوجها الأصلي وفي الوقت نفسه تصبح زوجة مؤقتة لرجل آخر. وأي طفل يولد خلال فترة الزواج المؤقت يعود الى الزوج الدائم أو لوالد المرأة وفقاً للحالة)([112]).
وتنقل اندهاش الدبلوماسيين والمسافرين والمبشرين الغربيين الذين زاروا إيران خلال القرنين الماضيين، ورعبهم أحياناً من الشهوانية التي يتضمنها زواج المتعة!
وقد وصف أحدهم (كورزون 1892) مدينة مشهد بأنها (المدينة الأكثر انحلالاً على الصعيد الأخلاقي في آسيا) ([113]).
ولك أن تتخيل حجم الفساد الذي يسببه نكاح المتعة في مجتمع بحيث أنه يثير عجب قوم منحدرين في مجتمعات متحللة حتى يصابوا بالدهشة أو الرعب من تحلل ذلك المجتمع وشهوانيته كما تعبر الكاتبة ! .
فلا غرو أن تجد الشخصية (الفارسية) تمتاز بالانسياق وراء الشهوات والرغبات، وعدم القدرة على الصمود أمام دواعيها.
إن تلبية رغبات الذات والاستجابة لنداء الحيوانية الكامنة فيها، والدوران حولها أساس كل شر. كما أن الصبر أساس كل خير. (إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد - كما ورد عن علي t - فإذا قطع الرأس مات الجسد ، ثم قـال : ألا لا
إيمان لمن لا صبر له).
إن عدم الصبر عند المصيبة والذي يعبر عن نفسه بالنياحة واللطم وإيذاء الجسد، يخرج هو والفساد الخلقي والشذوذ الجنسي من مخرج واحد هو عدم الصبر أو ضعفه؛ لأن الذي لا صبر له عند المصيبة لا صبر له أمام الشهوة، حتى لتستطيع أن تقول: إن النسبة بينهما طردية، وإن الفساد والشذوذ يكون على قدر النياحة والعويل، أو إن النياحة والعويل تكون على قدر الفساد والشذوذ .. لا فرق ! .
وأعتقد أن هذا هو السر الذي يجعل من أولئك الذين يتقدمون الصفوف ويحشدون الجماهير في المسيرات والتجمعات الحزينة أفسد خلق الله ! وهو ما يبدو في ظاهره متناقضاً وفي حقيقته متسقاً متفقاً.
والذي رأيناه ولمسناه أن هؤلاء الرؤوس ينحدرون عادة من عوائل متحللة خلقياً يصل بعضها إلى حد الشهرة ! . وأن أخبار سقوطهم وفسادهم معروفة منتشرة ومشتهرة يتندر بها في أوساط المحيط.
إن هذه النادرة ليست إلا قطرة من مستنقع عالم التشيع الفارسي الآسن .. في إحدى ليالي محرم المقمرة وفي بيت من البيوت الريفية القريبة من مركز المدينة، وبعد ساعات حافلة بالبكاء والعويل واللطم على (مصائب أهل البيت الأطهار) خرج (رأس النفيضة) يقضي حاجة. لكنه أبطأ الرجوع وأطال الغياب فخرج بعضهم وراءه يتحسسون خبره، فإذا بهم يجدونه يكمل مهمته وهو يلطم على ضوء القمر لطماً من نوع آخر حمارة كانت مربوطة على مقربة من البيت ! .
وأحس صاحبنا أنه قد انكشف أمره، فقطع نضاله من لحظته، وولى هارباً على وجهه، تاركاً أغراضه ولوازم عمله. فذهبوا بها إليه صباح اليوم التالي.
ترى !
هل انقطع هذا القذر عن وظيفته في النياحة والبكاء على (مصائب أهل البيت الأطهار) ؟ أو وجدت تلك القطعان الضالة في أخلاقه وما فعله ما يدعوهم إلى مقاطعته أو محاربته ؟ كلا ..لأنهم لو فعلوا ذلك لم يجدوا بديلاً خيراً منه !!.
فالكل (يلطمون). ويجيدون (اللطم) بجميع أنواعه وأشكاله!
أما أخبار المراجع فحدث ولا حرج ! وأن المرجع الفلاني أهديت إليه شابة لكنه لكبر
سنه وتقدم شيخوخته غير قادر على تلبية فطرتها، فتولى ابنه الشاب المهمة عنه فشيء عادي وعلى كل لسان ! ولا من مشكلة !.
الكل يعرف أن تحت البراقع ما تحتها ، ولكن الأمور تسير بانسيابية وهدوء، لا يعكر صفوها شيء. ودعك من البرقع أو (البوشية) المتناسبة مع الطبيعة النفاقية ومبدأ (التقية).
وللقوم ولع خاص بالشذوذ ونكاح الذكر أو الغلام. ولعل هذا هو السبب وراء انتشار اسم (غلام) بينهم.
وقد انسحب هذا الولع على علاقتهم الزوجية فتاوى أجمعوا بها على جواز ممارسة الأسلوب نفسه مع الزوجة. على أن بعضهم يغلف فتواه بالكراهة التي هي مجرد كلمة لا أثر لها عند الفعل.
وانتقل نكاح المحارم إلى جميع المجتمعات التي تدين بالتشيع الفارسي. إن أشد المجتمعات تديناً بالتشيع الفارسي، أشدها ابتلاءاً باللواط ونكاح المحارم والشذوذ الجنسي. وما كثرة الحديث عن هذه القاذورات في (الرسائل العملية) للفقهاء إلا انعكاس للواقع الاجتماعي الفاسد.
والعجيب أن الفقيه لا يهمه من جريمة مثل نكاح والد الزوجة وعمها وأخيها وأمها
سوى صحة العقد من فساده، والسؤال عما إذا كان الفعل وقع قبل العقد أم بعده!! مع أنه يلقب نفسه بـ (الحاكم الشرعي) اللقب الذي يخوله حق التصرف بالأموال والأنفس والأعراض !.
يقول الخوئي: إذا تزوج امرأة ثم لاط بأبيها أو أخيها أو ابنها لم تحرم عليه.([114])
وإن عملية جنسية شاذة مقرفة لا يفعلها إلا شياطين، ينفذها ثلاثة مع بعضهم في وقت واحد -ذكر وأنثى وخنثى لا تثير لدى الأخ الخوئي انتباهاً إلى شيء سوى التفكير في مسألة الغسل وعلى من يجب ؟.
يقول (قده): لو أدخلت الخنثى في الرجل أو الأنثى مع عدم الإنزال لا يجب الغسل على الواطئ ولا على الموطوء ! .
وإذا أدخل الرجل بالخنثى وتلك الخنثى بالأنثى وجب الغسل على الخنثى دون الرجل والأنثى !.([115])
هذا في كتاب اسمه (منهاج الصالحين) ! فكيف إذن هو منهاج الفاسدين عندهم؟! ترى !!! ماذا يتضمن كتاب أكثر من هذا حتى يمكن تسميته بـ (منهاج الفاسدين) ؟!
إن قوماً يجعلون شر أنواع الفساد وأكثره شذوذاً منهاجاً للصلاح وسبيلاً للصالحين هم أفسد خلق الله وأضلهم عن سواء السبيل .
في أحد الأعياد كنت أتجول بالسيارة في أحد هذه المجتمعات التي يخيم عليها ظلام التشيع الفارسي ويكثر فيها (الصالحون) من طراز صاحبنا، رأيت معمماً يسير بمحاذاة أحد الشوارع الفرعية، هممت بدافع طبيعي أن أسلم عليه لكنني استرجعت وعيي فاحتقرته في نفسي وقلت: هؤلاء أولى أن يحتقروا ولا يكرموا، وإذا بمضيفي يقول لي : أتعرف هذا ؟ قلت: لا. قال: هذا شيخ (جبار) تزوج (فلانة) أشهر امرأة بالزنا في المدينة! وحين اعترض عليه بعضهم قائلاً إنك شيخ وإمام حسينية ماذا تقول للناس إذا رأوك تسير مع زانية مشهورة بالزنا ؟ أجابهم : بسيطة أضع على وجهها (بوشية)!.
ولإدمان ذوات هؤلاء وتطبعها بهذه الرذائل والنجاسات حتى صارت جزءاً لا يتجزأ منها، ومفردات يومية يتعاملون بها دون أن تثير لديهم أدنى تحسس تجاهها تجدهم يتهمون - وبلا تردد - أشرف الخلق بمثلها. بدءاً بالصحابة الأخيار والذين تبوءوا
الدار والإيمان وشهد الله تعالى لهم بصدق النية وحسن الخلق !. حتى وصلوا بتهمهم إلى أطهر بيت على وجه الأرض - بيت النبي  صلى الله عليه وآله وسلم فاخترقوا حجابه ولاكوا بألسنتهم القذرة سمعة أزواجه أمهات المؤمنين وهم يعوون كالكلاب ويطوفون كالذباب.
إنهم (يسقطون) رذائلهم على غيرهم ولا يتصورون مدى وقع هذا الفعل على الطيبين الطاهرين حين تتهم رموزهم الطاهرة الزكية بهذه التهم الفارسية المزدكية التي لم يعرفها المجتمع العربي قبل ظهور التشيع الفارسي، حتى قال أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان رحمه الله: لولا ما قصه الله علينا من أمر قوم لوط لما خطر في بالي أن ذكراً ينزو على ذكر !.
ومن هذا الباب كثرة ذكر المسائل الجنسية وبأحط الألفاظ والأوصاف المرذولة في كتبهم ورسائلهم العملية. إن هذه الرسائل تذكر (أعمالاً شنيعة يهتز لها العرش لا لشيء إلا لذكر الحيل والمخارج (الشرعية) للتحلل من إثمها ! فتحس أن هذه الجرائم والرذائل ممارسات عادية قد أدمن الناس على فعلها ويمكن إتيانها أو ارتكابها بلا نكير
حتى من العلماء !.
كل الذي يشغل الفقيه من جريمة مثل اللواطة هو هل أن الاغتسال منها واجب أم على الأحوط !!.
وينفق الكلام -وبإفراط- في ذكر أمور يخجل حتى القلم من تسطيرها مثل: اللواط بوالد الزوجة أو أخيها أو عمها أو جدها أو إتيان أمها وخالتها ومصائب وبلاوي عمت وطمت وقال الغلام وحكى الأمرد وأدخل فأوقب ) ([116]).
ترى !
ما علاج هؤلاء ؟! .
وبأي أسلوب نحسم هذا الداء، ونخلص مجتمعاتنا من هذا البلاء ؟!.
 
5- الغـدر
وقف الفاروق عمر بن الخطاب t يوماً وهو يخاطب جموع العرب المتوجهين لتحرير العراق: (احذروا العجم فإنهم غَدَرة مَكَرة). فالغدر خلق أصيل عرف به العجم منذ القدم.
ومن أسبابه الشعور بعقدة النقص والدون أو الضعف. فإن الضعيف إذا سنحت له الفرصة لا يريدها تفلت من يده لخوفه من فواتها إلى الأبد، وانعدام الثقة بالنفس وقدرتها
على اصطناع الفرص عند الحاجة فهو لا يعفو عند المقدرة أبداً.
يحدثنا التاريخ أن (الهرمز) قائد الفرس في معركة (ذات السلاسل) لم يخجل أو يتردد من الخروج المخزي على تقاليد الفروسية حين بيت كمينا وطلب من خالد بن الوليد قائد العرب أن يبرز له حتى إذا التقيا خرج الكمين ليقتل خالد مع أن الشرف العسكري وأعراف العسكرية تستلزم أن تكون المبارزة واحدا لواحد أو اثنين لاثنين وهكذا.
ومن أسبابه عقدة اللؤم التي تجعلهم يتمردون على من يحسن إليهم، ويبغضونه ويتطيرون من رؤيته، لأنها تشعرهم بفضله ونقصهم. لكنهم لا يجدون مبررا لعداوته في العلن فيكيدون له في السر ويغدرون به. يشجعهم على ذلك عقدة التوجس والارتياب والشك في كل تصرف أو فعل فلا يأخذونه على ظاهره بل لا بد أن له تفسيرا سلبياً في الباطن عندهم. ولقد مر بنا سابقاً في الدراسات النفسية (إن الفرس يشبهون رجلاً مدفوعاً في حياته بواسطة رغباته الطبيعية التي يتربع على قمتها الخوف. وذلك من أجل الحفاظ على أنفسهم من أخطاء الهجمات. وبسبب شكوكهم وعدم ثقتهم بالآخرين فليس لديهم القدرة على الامتزاج. إنهم يبحثون عن الأمان في الانعزالية عن الناس أو بواسطة توجيه ضربتهم الأولى).
 
6- الكـذب
الكذب هو الشعار القومي لـ(لفرس)! إلا من صهرهم الإيمان، أو بقيت في نفوسهم عناصر الفطرة الأصيلة تقاوم عمليات التعرية.
أتدري أن اكبر دولتين في القدرة أو التفنن في تزوير العملة إيران والكيان الصهيوني! والتزوير أحد أنواع الكذب.
ويظل السبب الأساسي لهذه العقدة - وكل عقدة - لدى (الفارسي) رغبته في السيطرة على من يفوقه عددا ومعنى.
إن شد القوميات المختلفة باتجاه الداخل وعزلها عن امتداداتها الخارجية تحت القبضة الفارسية لا يتم إلا بالكذب والدعاوى التي تصور لهذه  القوميات أن خطراً ما يهددهم من الخارج! فإن لم يكن هناك من خطر حقيقي اختلقوا أسبابا للمشاكل والخصومات الخارجية يدعون فيها دائماً أنهم مظلومون معتدى عليهم فالكذب ضرورة من ضرورات الحياة كالطعام والشراب والهواء بالنسبة لـ(الفارسي) لا يستطيع المقاومة والبقاء بدونه.
وقد عشنا الواقع عيانا وسماعا، وقرأنا الكتب وتعاملنا مع الرافضة فما رأينا أكذب منهم! إن الكذب عند الرافضي مهنة!
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال: سبحان من خلق الكذب وجعل تسعة أعشاره في الرافضة.
ودخل الإسلام بلاد فارس فما تغير من كذبهم إلا الاسم وبقي المضمون كما هو! كما هو ديدنهم مع بقية أوامر الدين ونواهيه. يأخذون منها الاسم والمصطلح ليعطوا لكل اسم بعد تطويعه وتحويره ما يناسبه من مضامين فارسية مجوسية.
فالزنا والإباحة المجوسية: (متعة)
وأكل أموال الناس بالباطل: (خمس) و(حقوق شرعية)
وتأليه البشر وعبادة (رجال الدين): (إمامة)
والفتن وتحليل دم المسلم والاغتيال السياسي: (جهاد)…وهكذا!
أما الكذب - شعار الفرس القومي فأطلقوا عليه اسم: (التقية) وجعلوه تسعة أعشار الدين! وقالوا: جعفر الصادق يقول ذلك([117])!
ولا أدري كيف ينسب للصادق تقديس الكذب إلى هذا الحد!
وعن محمد بن علي أنه قال: (التقية من ديني ودين آبائي. ولا إيمان لمن لا تقية له)([118]).
ولا شك أن هذا هو دين العجم وإيمانهم الذي دفعهم للقيام بأكبر عملية تزوير للدين في التاريخ –كتابا وسنة وأحكاماً. وللتاريخ أيضاً!
ما بالك بقوم يشتكي الكذاب من كذبهم ؟! كما مر بنا عن الشاه المقبور محمد رضا بهلوي (الذي يقول: إن الكذب ذاته يجري تمجيده عند الفرس على أساس أنه فضيلة) مقتبسا في شكواه ما جاء في قصيدة الشاعر الفارسي المشهور سعدي من قوله: (إن الكلمات التي تخدعك وتضللك ولكنها تسعد قلبك هي أغلى من الصدق…الخ).
 
7- عقدة السيد
تتنازع (الفارسي) عقد تبدو في ظاهرها متناقضة، ولكنها في حقيقتها تنبع من مصدر واحد وتتفاعل فيما بينها بتناسق وتساند. فهو من ناحية يعاني من عقدة الشعور بالنقص ومن ناحية أخرى يحيط نفسه بمظاهر الفخفخة والكبرياء ويتصرف بغطرسة واستعلاء. والحقيقة أن هذه من تلك!
إن الاستعلاء والكبرياء ما هو إلا غلاف يحيط به نفسه لستر شعوره بالنقص إزاء الآخرين! كما فعل إبليس مع آدم u حين فضله الله تعالى عليه فـ(أبى واستكبر) و(قال أنا خير منه). وكما فعل اليهود من بعد حين ادعوا انهم (شعب الله المختار) و(قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه) .
ثلاثة حين عجزوا عن حيازة الأفضلية بالفعل وشعروا بالدون جنحوا إلى التبجح بالعنصر: (إبليس واليهود والفرس) حتى تحول ذلك فيهم إلى (عقدة)! بل.. عقيدة!!.
إنهم من ناحية أفسد خلق الله تعالى فعلاً، ومن ناحية أكثرهم تبجحاً واغترارا بالطين والعنصر؟ ولهذا قال الخبراء – كما مر بنا - (الفارسي إنسان متغطرس وأكثر ميلاً إلى احتقار الغريب فيما إذا اعتقد بأنه يحاول إخضاعه وإذلاله). وهو دائما يعتقد هذا في الغريب لإصابته بـ(عقدة الشك) (ومركب الخوف من كل ما هو أجنبي وغريب ويثير لديهم غلوا في التعصب لوطنهم وتفاخرا عميقا بجميع الأشياء الفارسية ويتنامى عندهم شعور بالاستثنائية الفذة التي لا مثيل لها).
تأمل اسم أول دولة لهم في التاريخ عيلام : (Hal-tampt) ! ان معناه (بلاد السيد) فـ(Hal) تعني(بلاد) و(tampt) (سيد)([119]) .
 بل أطلقوا على أنفسهم اسم (السادة) و(الأحرار) حتى صار هذا الاسم علما على الفرس! فإذا قيل (السادة) أو (الأحرار) فإنما يعني بِهِ القائل (الفرس) لا غير . وبهذا يظهر أن لقب (السيد) علماً على (رجال الدين) فارسي المصدر، لا سيما إذا استحضرت أنهم لا يفرقون بين (رجل الدين) ورجل المُلك، وعلمت أن الدين والملك عندهم محصور في بيت واحد.
وظل الفرس يسمون أنفسهم كذلك تعصباً لعنصرهم واحتقارا لغيرهم من الشعوب لا سيما العرب لأنهم يشعرون تجاههم بـ (عقدة الدون). ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أن أحد علماء السنة المعروفين في شيراز على عهد الشاه إسماعيل الصفوي وهو شمس الدين الخفري حين تقدم بين يدي الشاه من أجل امتحانه في سب الخلفاء الثلاثة انبرى يلعنهم لعناً شنيعا فنجى بذلك من الذبح، ولما خرج من عند الشاه عاتبه أصحابه وقالوا له: كيف ارتددت عن دينك ولعنت أئمتك الثلاثة ؟! فأجابهم: لأجل هؤلاء الأعراب الثلاثة أقتل أنا مع ما أنا عليه من الفضل والكمال!([120])
أنظر كيف عبر عذره عن (عقدته) الكامنة في نفسه- عقدة (السيد)!
والسيد لا يلتفت إلى إحسان العبد تجاهه لاعتقاده أن ذلك حق من حقوقه. وكل ما يقدمه (العبد) تجاه (السيد) يعتبر خدمة واجبة عليه لا يستحق عليها الشكر.
ولا يلتفت السيد إلى رأي العبد كذلك، ولا يسمع لكلامه بل قد لا يسمح له بالكلام في حضرته أصلاً لأنه عبد.
إن عقدة (السيد) عند العجمي والمستعجم تبطل مفعول أي إحسان تقدمه إليه من أجل تقريبه وكسبه. وتجعل آذانه في صمم عن سماع كلامك ورأيك ما لم يكن كلام سيد يمتاز بالقوة والجرأة والاستعلاء اللذين يمتاز به كلام السادة مع العبيد.
إن هذه العقدة تفرض على من يتعامل مع المصابين بها أحد خيارين: فإما أن يتعامل معهم كـ(سيد)، وإما أن يعاملوه كعبد! وليس من خيار ثالث.
إن اللين واللطف وجميع أساليب التقريب ليست أكثر من (مغذ) أو حقنة (فيتامينات) تغذي هذه العقدة عند (الفارسي) وتقويها! فيبتعد أكثر عن (اللينين) الوادعين. ويتصامم عن سماع كلامهم ويحتقرهم ولا يعاملهم باحترام؛ لأن (السيد) لا يحترم إلا سيداً مثله، ولا يعتبر إحسانه إليه. بل يفسر كل مجاملة أو تعامل لطيف على أن ضعف أو خداع! فإذا أردت منه أن يحترمك ويسمع لكلامك فكن سيداً مثله في خطابك وموقفك وكلمه بلغة السيد ولهجته. وإن علوت أكثر وأشعرته بأنك فوقه وأنه دونك فهذا أجدى. وإلا فإن الطريق الآخر مسدود.
والتاريخ - وكذلك الواقع- خير شاهد.
لقد ثبت تاريخياً أن (الفرس) لا يحترمون إلا القوي ولا يعترفون إلا به ولا ينصاعون إلا للقوة ولا يفهمون سوى خطابها ولغتها. وما من مرة تولى فيها الحكم في العراق حاكم ضعيف إلا وتحرك العجم باتجاهه يغزونه ويعتدون عليه. وما من حاكم قوي إلا وله معهم موقعة يلقنهم فيها أحكم الدروس وأبلغها. من أوتوحيكال وسرجون إلى حمورابي ونبوخذ نصر إلى آشور بانيبال وسميراميس إلى أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وصولاً إلى صدام حسين. عندها قد يسمعون له وهو يتكلم لهم عن (أسطورة) الجار وحقوقه أو الدين ولوازمه وآدابه.
كاليهود تماماً! أخذ الله عليهم الميثاق وهم تحت الطور الذي يكاد ينقض عليهم، ثم ما إن ذهب عنهم الخوف حتى تولوا فكانوا من المعرضين! وعلى هذا الأساس تعامل معهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنجح أيما نجاح.
ولقد أثبتت الوقائع، والأحداث والواقع، أن جميع محاولات التقريب لم تجد مع الرافضة شيئاً، وأن الأفكار التقريبية والدعوات اللينة أو (الهادئة) وكلمات المدح والتزلف تنقلب عندهم - لفساد مزاجهم - إلى سلاح متفجر يحاربوننا به ويفجرونه في وجوهنا كل حين. إن هذا لا يزيدهم إلا عتواً وخبالاً، ولا نكسب منه إلا مزيداً من الأدلة
أو الأسلحة التي تستعمل ضدنا بوقاحة وصلف!
هل أجدت معهم هذه المقولات الخانعة: (لولا علي لهلك عمر) (لولا السنتان لهلك النعمان) (إن جعفر الصادق هو إمام المذاهب)..الخ؟!
على العكس! لقد استعملوها بالمقلوب واعتبروها أدلة على جهل عمر وأبي حنيفة، وأن الأصل هو التشيع وما عداه ففرع وعالة.
إن السيد - أيها السادة ! - لا يحترم إلا سيداً مثله أو يزيد عليه.
 
8- العدوانية أو عقدة الاعتداء على الغير
(الفارسي) – كاليهودي - عدائي مخرب بطبعه!
إن الاعتداء على الغير هو الأساس الذي بنى عليه كيانه ووجوده، مع الادعاء أن الغير هو المعتدي. إن ذلك يهيء له حجة جاهزة يحشد بها شتات الشعوب المتنافرة تحت سيطرته ويوجه أنظارهم نحو الخارج، وإلا تفككت البنية السياسية للدولة وخرجت عن قبضته لأن تلك الشعوب ستتوجه أنظارها إليه وتنشغل به عن الآخرين، مما يؤدي إلى سقوطه حتما لوجود خلل حقيقي في ميزان القوى لديه هو غير قادر على تجنبه أو تلافيه.
(لقد أدرك الفرس أن تحقيق سيطرتهم على عدد كبير من القوميات يفوقهم بعضها عددا وحضارة لا يكون إلا بإخضاعها إلى ضغط تحد خارجي وإثارة شعور التوجس لديها من خطر ما يأتي من الخارج) كما تفعل أمريكا اليوم مع دول الخليج وهي تلوح لهم بالخطر القادم من العراق كي تضم هذه الدول تحت جناحها وتشغلهم عن العمل ضدها. إنها توجه أنظارهم إلى الخارج بدلاً من الداخل (وعليه فقد وظف الفرس التحديات المختلفة في المنطقة لصالح تأكيد هيمنتهم على قوميات ما عرف بإيران).
 
تلاقح العُقـد
إذن إثارة المشاكل الحدودية والاعتداء على الجيران ضرورة من ضرورات الوجود الفارسي والدولة الإيرانية.
فالفارسي لا يكون إلا عدائياً.
وهذه هي العقدة ، حين تترسخ الصفة وتمسي لازماً من لوازم وجود الموصوف ،
تسندها عقد أخرى تغذيها وتحافظ عليها وتنميها. مثل الكذب الذي يفيدهم في تصوير المعتدي بصورة المعتدى عليه وبالعكس، وعقدة الشعور بالاضطهاد التي لابد منها لإسناد الكذب نفسيا ومعنويا من أجل استحصال الحق المشروع في الرد على الاعتداء المفترض وتبريره. وعقدة الدون التي تجعلهم يحسون بتخلفهم الحضاري والمادي تجاه من يتفوق عليهم (ويتخذ ذلك وضعا حادا ينعكس على شكل رد فعل غير حضاري يستهدف تدمير الحضارة فيه).. وهكذا تتلاقح العقد فيما بينها وتتزاوج تزاوجا غير مشروع وتبيت محضنا لتفريخ عقد أخرى ]وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(40){ الشورى.
وبعد مجيء  الإسلام (تعرض العقل الفارسي القديم إلى إحباط عنيف أدى إلى إعادة تغيير منظومة الروابط والبنى العقلية لإنتاج سلوك خاص. ولم تكن هذه الاستجابات الإحباطية بموجبها لغرض امتصاص الحضارة العربية والعقيدة الإسلامية والانتماء الصادق إليها، بل لغرض الوقاية منها والابتعاد عن تأثيرها كلما أمكن ذلك…ومن الاستجابات الأولية أمام الإحباط هي العدائية. ولما كان العدوان المادي والحربي قد فشل بعد الفتوحات الإسلامية فإن العقل الإيراني راح يبحث عن وسائل الهدم والتحطيم والعنف لتهديد الكيان العربي – الإسلامي وقد وجد لذلك عدة طرق شعورية ولا شعورية. فالشعورية منها كانت مخططة مدبرة…واللاشعورية منها كانت انفعالية نزقة هوائية)([121]).
 
9- عقدة الشعور بالاضطهاد
إن عقدة الشعور بالاضطهاد مكملة لعقدة الاعتداء، وضرورة من ضرورات صمودها ودوامها فهي كالغذاء الذي لابد منه لبقائها، وكالوقود اللازم لاستمرارها.
فكما أن الاعتداء ضرورة من ضرورات البقاء عند (الفارسي)، فكذلك الادعاء بأن الغير هو المعتدي ضرورة لتبرير ذلك الاعتداء وإعطائه زخما من الفاعلية والتجدد.
ومن هنا نشأت عقدة الشعور بالاضطهاد والمظلومية. فهو مظلوم دائما بسبب أو بدون سبب، وقع عليه ظلم أم لم يقع، معتديا كان أم معتدى عليه. كأن الله سبحانه خلقه ليعتدي ويؤذي دون أن يكون للآخرين حق في رد اعتدائه وأذاه! فالاعتداء والأذى واجب من واجباته، وسكوت المعتدى عليه حق من حقوقه! فإن قام بالرد بالمثل جزاءا أو دفاعاً عن النفس فان (الفارسي) لا ينظر إلا بعين واحدة تلك التي ترى الفعل المرتد دون الفعل المسبب له.
ولهذا قال الخبراء: (ان الفرس كانوا يصورون أي عدوان يقومون هم به على الأمة العربية بأنه (دفاع عن النفس) حتى أصبح قانونا ثابتا في السياسة الخارجية في مختلف مراحل التاريخ).
إن عقدة الشعور بالاضطهاد وراء الشعائر والطقوس التي عزلت المتشيع فارسياً عن محيطه ومجتمعه، في شعوره وسلوكه وولائه وانتمائه. بل جعلته آلة تخريب بيد الأجنبي العجمي الذي يلوح له بأنه مضطهد مظلوم وانه يسعى لإنقاذه، ويبادله الشعور بالظلم والاضطهاد إلى حد النواح والبكاء ولطم الصدور والخدود، وشق الثياب السود، حزنا وأسى.
وهي التي تجعله يتلذذ بمجالس النياحة وحلقات اللطم والبكاء تحت ذريعة مظلمة (أهل البيت) دون ملل مهما تكرر الحديث أو كان أسطوريا أو خارجا عن الذوق أو منطق العقل والشرع والتاريخ! بل يتفاعل معه إلى حد البكاء والعويل بل لطم الخدود والصدور و(تطبير) الرؤوس وجلد الظهور بالسياط و(الزناجيل) وأذى الجسد بأنواع الأذى إلى حد فقدان الوعي أو الموت!
وهو تعبير وتنفيس عن عقدة أخرى هي عقدة الشعور بالذنب ذلك الشعور الذي تكون وتراكم بسبب خذلانهم المتكرر للخارجين من البيت العلوي على مر التاريخ.
ويصبح الحديث عن الحسين و (مقتله)، و(مصيبة أهل البيت) بسبب هذه العقدة كأنه حديث عن النفس ومصائبها. إنه (مظلوم) كما (ظلم الحسين)، و(مضطهد) كما (اضطهد). ويتحول الحسين إلى رمز لـ(المظلومين) و( المضطهدين). فمهما حاولت أن تستثير عقلة ليفكر تفكيراً منطقياً فيقتنع بأن الحسين  t لم يضطهده أحد. بل عاش عيشة الأمراء، ومات ميتة الكرماء. أما أنه قتل، فقد قتل في ميدان معركة سعى إليها بقدمه، كما قتل ويقتل الملايين. ومنهم من هو أشنع قِتلة واكثر عذابا وألما. أقول: مهما حاولت فربما لا تفلح معه لأن نداء عاطفته المعقدة أقوى من منبهات عقله المخدر المقيد بقيود لن يستطيع معها أن يكتشف حتى الموت أن (المقتل) أسطورة أصلها صفحة
واحدة كثّرها المتاجرون حتى صارت رواية تقرأ! و.. مسرحية تمثل!
اضطهـاد (الأئمة)
وبسبب هذه العقدة يعتقد الرافضي أن (أئمته) جميعا عاشوا مضطهدين، وماتوا جميعا ميتة ليست طبيعية ما بين مسموم ومقتول ومخنوق وهارب من وجه العدالة مختف في الكهوف والسراديب! مع أن الحقيقة الواقعة والمسيرة التاريخية غير ذلك!
لقد عاش علي t حياته وزيرا ومات خليفة وأميراً. وكذلك سيدنا الحسين t. ولطالما ذهب هو وأخوه سيدنا الحسين إلى دمشق معززين مكرمين ورجعا إلى المدينة بالهدايا والهبات. أما ان الحسين قتل فقد قتل –كما قلت- بسبب خروجه على خليفة المسلمين في معركة سعى إليها بنفسه. وتلك نهاية طبيعية لكل خارج لم يُعِدَّ للأمر عدته. وكل سلطان لا يرضى من أحد منازعته مهما كانت منزلته. وليس في ذلك اضطهاد، فما كل قتيل مضطهد.
وأما السبي فأسطورة مختلقة. وليس بين المسلمين سبي إنما ذلك للكافرين.
وعاش علي بن الحسين في المدينة بحرية تامة وكان أحد فقهائها الكبار الذين يتحلق حولهم طلبة العلم دون تضييق. وكذلك كان ابنه محمد وحفيده جعفر الذي لقبه الخليفة أبو جعفر المنصور بـ(الصادق) حين وشي به إليه فاستقدمه فأنكر فقال له: أنت (الصادق) وهم الكاذبون. ثم أكرمه ورده معززا مكرما.
وما يحصل من المتابعة والمساءلة والاستقدام أمر طبيعي لا ينكر وقوعه، لأنه يحصل بأسباب موضوعية ليست خاصة ولا مقصودة. إذ الزمان زمان فتنة وخروج متكرر بسبب العجم الذين يبحثون لهم عن رموز علوية أو هاشمية للتمرد والثورة وكثيراً ما يفلحون في استزلال هذه الرموز كما حصل مع زيد بن علي وابنه يحيى وعبد الله بن الحسن وأبنائه الأربعة. وغيرهم كثير.
ومن الطبيعي أن يثير هذا توجساً دائمياً لدى الخليفة لا سيما من الرموز العلوية التي كثر الخروج من أوساطها.
ويحدث أحيانا أن يرسل إلى من تحوم حوله الشبهة منهم وتكتب عنه التقارير ليحقق معه ثم يفرج عنه بعد أن تثبت براءته، أو يأخذ العهد عليه بعدم الخروج وإثارة الفتنة. وقد تكون التقارير مزورة أو مضخمة أو صحيحة. كما حصل لموسى بن جعفر وقد كاد له البرامكة منذ زمن المهدي والد الرشيد فلم يفلحوا، واكثروا من الوشاية به حتى إنهم استطاعوا أن يستعملوا ابن أخيه محمد بن إسماعيل – حسب رواية الأصفهاني - في التجسس عليه فكتب عنه تقريراً مفصلاً مفاده أن لموسى اتباعا يكاتبهم ويكاتبونه ويجبون إليه الأموال من الآفاق فاعتقله الرشيد تحوطاً ، وأوصى به إلى الفضل بن يحيى البرمكي وأوصاه بالإحسان إليه لكنه استغل غياب الرشيد وسفره إلى الشام فدس إليه الفارسي السندي بن شاهك فاغتاله([122]).
وليس في الأمر - كما ترى - اضطهاد مقصود. وما حدث لموسى يحدث لغيره كثيراً.
هذا هو الاستثناء الوحيد وهذه ملابساته!
وأما البقية فلم يحدث لهم ما يسوءُهم أو ينغص عليهم رغد عيشهم. لقد كان علي بن موسى – كما يحدثنا التاريخ - وأحفاده من بعده على وفاق تام مع البيت العباسي الحاكم. فلقد اسند إليه المأمون ولاية العهد، وزوجه ابنته، وعاش معه عيشه الوزراء حتى مات بقدر الله على فراشه فقال المعقدون: مات مسموما بيد المأمون!
وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون الأخرى فهو صهر الخليفة! هل هناك أنعم وأهدأ بالاً من صهر الخليفة؟! فأين هو الاضطهاد ! قوم يعيشون في قصور الخلفاء وينكحون بناتهم ويتقلبون في نعمتهم ظهرا لبطن، وبطنا لظهر قياما وقعودا وعلى جنوبهم!
اللهم ! (اضطهاداً) كهذا (الاضطهاد)!
واستمرت العلاقة حسنة بين البيتين حتى مات الحسن العسكري الذي عاش في سامراء مترفا تحوطه الجواري، وتطوف عليه السراري وتجبى إليه الأموال في احسن حال وأنعم بال وأوفر نوال. ولما كان الحسن عقيما فلم يخلف عقبا وورثه أمه وأخوه اخترع له المعقدون ولداً وللولد اسماً وقصة! تقول العصفورة: إن (محمد) بن الحسن الطفل الصغير اختفى في سرداب في سامراء خوفا على نفسه من الخليفة!
ولا بد لك من أن تصدق أن الخليفة قد خاف طفلا فهو يسعى في طلبه وقتله. بينما هو يترك أباه الرجل القوي الغني الرمز يسرح ويمرح لم يتعرض له بسوء قط! وإلا فإنك من (أعداء أهل البيت وظالميهم).
 
مقارنة مع الأئمة الأربعة
ولو أجرينا مقارنة سريعة بين (الأئمة الأحد عشر) والأئمة الأربعة لوجدنا الفارق
بينهما كبيرا من حيث التعرض للأذى والمضايقات، أو ما يمكن ان نطلق عليه اسم (الاضطهاد).
لقد تعرض الأئمة الأربعة لمضايقات كثيرة وحبس بعضهم وضرب واختفى وضربت  عليه  الإقامة  الجبرية.  كل  ذلك  لأسباب  موضوعية  لا  علاقة  لها  بالاضطهاد.
فالإمام أبو حنيفة حبس مرات حتى قيل: إنه مات في الحبس!
والإمام مالك ضرب حتى قيل: سقطت أو خلعت يداه!
والإمام الشافعي جيء به مكبلاً من اليمن إلى بغداد.
وأما الإمام ابن حنبل فمحنته أشهر من أن تذكر! ولقد ضيق عليه وحرم من الاتصال بالناس قرابة ثلاثين عاماً!
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية طورد وشرد ونفي وأوذي وسجن مرات حتى مات أخيراً في السجن!
فإذا كان الرافضة و(أئمتهم) مضطهدين، فماذا نقول نحن؟!
لا نقول شيئاً ! لأننا – ولله الحمد - رزقنا السلامة من أمراض الفرس وعقدهم.
 
الشيعي – إلا القليل - كاليهودي مخرب أينما حل
إن هذه العقدة وراء الشخصية العدائية والتخريبية أو الانتقامية لدى الشيعي. فهو يسرق ويؤذي ويخرج على القانون إلى حد القتل والاغتيال والتفجير. فإذا عوقب طبقا إلى القانون ضج بالعويل والصراخ: أنا مظلوم أنا مضطهد! ومهما خرب وآذى واعتدى فهو بذلك ينتقم لنفسه (المضطهدة) ويسترد بعض حقها المسلوب حتى صار الخروج على القانون حقا من حقوق الشعوبي أو الرافضي.
يدعم هذا ويسنده نفسيته المعقدة المريضة والمصابة بعقد أخرى مثل عقدة (السيد). فالسيد لا يشعر بظلمه أو اعتدائه على عبده لأنه مُلك له يفعل به ما يشاء. لهذا فمهما أحسنت الدولة أو الآخرون إليهم فلن يعتبروه إحسانا وإنما واجبا يؤدى تجاههم بلا جزاء ولا شكور.
وللأسباب نفسها يسبون رموزنا وصحابة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ويبغضونهم ثم يرمون بالتهمة علينا يقولون: إنكم تبغضون علياً وذريته! في الوقت الذي يشرّحون فيه أئمتنا وعلماءنا تشريحا منكراً دون أن يحسوا بأنهم يسيئون إلينا بذلك! وفي المقابل يتحسسون تحسساً شديداً من الإشارة إلى أن علياً – مثلاً - أخطأ في كذا وإن شفع القائل قوله بعبارة (رضي الله عنه) أو (كرم الله وجهه) أو حتى (عليه السلام). إن هذه اللواحق لن تحسب لقائلها ولا تصلح دليلاً على صدقه في حبه لعلي لأن عقدة الشك تصور مبعثها بصورة الملق والنقاق.
وعقدة الاستعلاء والسيد تجعلها واجباً لا شكر عليه.
وعقدة الاضطهاد والكراهية وبقية العقد ستمسح كل أثر لها ثم تكر على تلك الكلمة (أخطأ علي) فتضخمها لتجعل منها كفرا وجحودا وحقدا واضطهادا لأهل البيت
يجب أن يواجه بما يناسبه بل يزيد عليه من الاعتداء والانتقام!
كان أحد هؤلاء المعقدين يتحدثون في مجلس عن كرامات جذع نخلة في الحلة، وكيف أن الشفلات وآلات القطع والقلع عجزت عن اجتثاثه أو قطعه فتركوه على حاله وحولوا الطريق إلى جانبه! فقال له صديق لي: أجرة الشفل واللوري عليَّ والدلالة عليك وأنا أتعهد لك بقلعه من جذوره ومن هذه اللحظة!
يقول صديقي: فالتفت إلي مبهوتا ثم دقق النظر محدقاً في وجهي وبعد برهة قال باشمئزاز: إلا تخبروني ما هو سر عداوتكم لأهل البيت؟!!
 
10- عقدة التعصب
التعصب مرض اجتماعي خطير يعبر عن طفولية حضارية وبدائية فكرية وبدوية عنصرية، يؤدي بصاحبه إلى أن لا يستجيب لشواهد الحق مهما وضحت، ولا أسباب الرفق والإحسان مهما تنوعت وكثرت!
إنه ينظر إلى الأشياء والحقائق بمنظار واحد، هو منظار الطائفة التي ينتمي إليها فالحق ما وافق طائفته والباطل ما خالفها!
إن مثل المتعصب في النظر إلى طائفته –كما يقول الدكتور علي الوردي في أحد كتبه- كمثل البدوي في النظر إلى قبيلته. إن الحق لا يعنيه في أي جانب يكون بقدر ما يعنيه موقف القبيلة!
وهي صفة متأصلة في اليهود الذين )إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ(91)( البقرة. فالحق (ما أنزل عليهم) لا (ما أنزل) مطلقاً. فما نزل على غيرهم هو الباطل، لسبب بسيط هو أنه أنزل على غيرهم!
وهكذا وجدنا اتباع التشيع الفارسي متعصبين إلى حد العقدة، والعقدة الشائكة المركبة المتشابكة الأسباب والجذور.
إنها عقدة وعقيدة وولاء وتقليد وتاريخ وجغرافيا وعنصر وهوية! لا يرون الحق إلا في جانبهم مهما كانت أفكارهم باطلة وخارجة عن العقل أو العرف والمألوف. ويكفرون غيرهم طبقا إلى هذه الأفكار السمجة، ويلمزونهم بشتى الألقاب والنعوت مثل (أبناء العامة) و(الوهابية) و(النواصب). وكلها نعوت مكفرة عندهم. يغذي هذه العقدة حقد (مجوسي فارسي) عميق ضد الإسلام، وضد العرب أولئك القوم الذين أزاحوا الفارسي وأطفأوا ناره وكبتوا أهله ودمروا عرشه وحطموا تاجه.
 
11-  الوقاحة أو الصفاقة
الوقاحة: قلة الحياء ومثلها الصفاقة.
و(الفارسي) إنسان وقح صفيق، بسبب اعتياده على إتيان النواقص التي يندفع إليها مضطرا لحماية نفسه كالكذب والخداع والغدر والاعتداء وهو يحاول الوصول إلى غايات أكبر من حجمه. وبسبب كثرة هذه الرذائل أو النواقص التي يرتكبها فإنها كثيراً ما تنكشف، مما يزيده جرأة في تعاطيها حتى تصير مفردات يومية يتعامل بها في حياته الاجتماعية دون تردد أو خجل!
لهذا صار (الفارسي) ذا طبيعة وقحة لا يتأثر بإتيان الرذائل كما قيل:

من يَهُنْ يسهَلِ الهوانُ عليهِ

ما لجُرحٍ بميتٍ إيلامُ

يغذي ذلك شعوره بالنقص وعقدة الدون، والناقص لا يستنكف من النقائص لأنه كما قيل: الذي في الأسفل لا يخشى السقوط.
يطلق على الشخصية المصابة بمرض الوقاحة في علم الأمراض النفسية اسم (الشخصية السيكوباثية Psعزوجلchopathic Peصلى الله عليه وآله وسلمsonalatعزوجل).
يقول الدكتور علي الوردي: وقد يصح تعريبه بـ(داء الصفاقة) فالشخص المصاب بهذا الداء يتميز عن غيره بوجود ضعف في تناسق ذاته من الناحية الزمنية فهو لا يبالي بما فعل في الماضي أو ما سوف يفعل في المستقبل ولا يستحي منهما. إنَّهُ قد يستقرض منك مبلغاً من النقود على أن يرجعه إليك بعد ساعة. ثم تمضي عليه الساعة والساعتان وعشرات الساعات دون أن يشعر بأهمية وعده. وربما قابلك بعدئذ بوقاحة كأنه لم يستقرض منك شيئاً وهو قد يبتسم لك ابتسامة بلهاء ثم يكرر الوعد لك مرة بعد مرة بلا جدوى.
إن الشخص (الصفيق) قد يخونك أو يغشك أو يغتابك أو يهاجمك بصلافة ثم ينسى ذلك ويريد منك أن تنساه أيضاً.
ومما يجدر ذكره أن الشخص السوي قد يرتكب مثل هذه الأفعال ولكنه يخجل منها عادة ويحاول الاعتذار عنها أو تبريرها. أما الشخص (الصفيق) فهو يرتكب تلك الأفعال بلا اكتراث كأنه لم يفعل شيئاً يستحق اللوم …
لا ننكر أن الشخص (الصفيق) قد يستفيد في بعض الظروف فقلة الحياء فيه تجعله ناجحا في انتهاز الفرص أحيانا إنه يستطيع ان يتزعم كل مظاهرة ويقف في كل حفلة ويتزلف لدى كل متنفذ. والمعروف عن بعض المتنفذين أنهم يحتاجون إلى شخص من هذا الطراز ، لكي يقوم بخدمتهم في المهمات التي لا يرضى أن يقوم بهـا الأشخاص الأسوياء([123]).
ويقول فرويد عن الشخص السيكوباثي: (كثيراً ما نجده يندفع بقوة لاتباع نزعاته وأهوائه المكبوتة دون أدنى اعتبار للقيم والمعايير الأخلاقية أو لما يفرضه المجتمع من أنظمة وتقاليد).
ويقول عن هذه الفئة: (نجد من بينهم الكاذب الماهر ذا الخيال الخصب والخائن المراوغ والأرعن المتهور الأناني. ومنهم كذلك من لا يقبل أي نقد أو نصح أو إرشاد)([124]).
و(الوقاحة) عند الفرس سجية اجتماعية محمودة وليست رذيلة ممقوتة.
إن الأدب الفارسي بمجد (الوقاحة) كما يمجد (الكذب). ولا بأس بإعادة ما مر بنا سابقاً من قول الخبير الأمريكي جاك ميلوك عن هذه الصفة:
(في قطعة أدبية مشهورة في الأدب الفارسي ينصح أحد الحكماء الإيرانيين من ذوي
العقل الراجح ابنه ، حول الكيفية التي يتوجب على الابن اتباعها ، من أجل أن يكسب
حياته في إيران:
لا تتخوف من سوء استعمالك للحق أو للسلطة، ولا من الإذلال أو تشويه السمعة أو الافتراء… وعندما يجري طردك خارج أحد الأبواب تعال وادخل بابتسامة من باب أخرى…
كن وقحا ومتغطرسا وغبياً لأنه من الضروري في بعض الأحيان التظاهر بالغباوة لأن في ذلك فائدة).
و(الوقاحة) ظاهرة لمسناها في الوسط الرافضي المستعجم.
جاءني مرة واحد من هؤلاء يناقشني في مسائل تتعلق بالتشيع الفارسي قال لي: كيف تتهم علماءنا بأنهم يقولون عن (الإمام علي) إنه دابة الأرض؟
قلت له: هذه حقيقة وليست تهمة. وممن قالها محمد الصدر قال: مستحيل. قلت: علام هذا المستحيل؟ إن له رسالة اسمها (الرجعة) فيها هذا الكلام. قال هذا غير صحيح. قلت: هل اطلعت على الرسالة؟ قال: نعم وليس فيها ما تدعيه عنه.
كنت لحظتها أبحث بين الكتب. ولما أخرجت الرسالة وأخذت أقلبها لأقع على موضع الشاهد منها إذا به يقول: نعم موجود هذا الكلام وليس فيه من شيء فالدابة كل
ما دب على الأرض(!!)
وعجبت من (صفاقته)!!
لقد قالها دون تلعثم! ودون أن تتغير ملامح وجهه!
واستمر في حديثه وجدله كأنه لم يفعل شيئاً! مع أنَّهُ لو كان إنساناً سوياً لذاب خجلاً ولاذ بالصمت ليغادر الجلسة إلى أقرب حمام كي يغسل العرق الذي جلله!
ولكنها (الصفاقة)!
تلك السجية الفارسية التي من مظاهرها ما نراه أثناء الخصومة حين يتمادى البعض منهم إلى حد (الفجور) فلا يدع وسيلة لإيذاء خصمه وتشويه سمعته وبصورة علنية سافرة إلا استخدمها، حتى إذا انتهت أسباب الخصومة يعود هؤلاء المختصمون إلى حد (الفجور) أصدقاء يتحدثون كأن لم يكن بينهم شيء!
والمتدينون منهم يغلفون هذه (الصفاقة) بأسماء ومبادئ شرعية كالعفو والصفح والمغفرة و(عفا الله عما سلف)…الخ وما هي إلا وقاحة وصفاقة ورقاعة لأن أصحاب العفو والصفح والمغفرة لا يفجرون في الخصومة.
خاصمني بعض هؤلاء خصومة فاجرة شديدة لم تنفع معها كل محاولات الإصلاح والنصيحة. ومرت الأيام فإذا ببعضهم يقبل بعد صلاة الجمعة ليسلم عليَّ ويصافحني. ومددت يدي أرد عليهم السلام.
وبعد حين سمعت أنهم يشكون من عدم تقديري لهم لأن سلامي عليهم كان باردا! لعلهم كانوا يريدونه بالأحضان ومضخما بالقبلات! مع أن حقهم -الذي لا يستحقون غيره- الطرد بلا سلام ولا كلام!
إن داء (الصفاقة) هو الذي يجعل (الفارسي) لا يتردد من سب الصحابة في وجهك ببرودة أعصاب وجمودة وجه كأنه يترحم عليهم! دون أن يعير لشعورك أدنى اعتبار. حتى إذا أنكرت عليه قال لك متغيظاً: لماذا تكرهون (أهل البيت)؟
ولك مني جائزة مجزية إذا تمكنت من حل هذا اللغز الذي يجعل من الدفاع عن الصحابة هجوماً على (أهل البيت)!!
 
12- اللؤم ونكران الجميل
المتشيع فارسياً شخص لئيم.
لا سيما من تمكن هذا التشيع منه فقضى على جميع العناصر الفطرية الطيبة في داخله. فهو لا يعرف الوفاء والجزاء على الإحسان بالإحسان. إن له ذاكرةً لا تلتقط إلا إساءة من أساء إليه. وإذا ألجئ أحدهم إلى تذكيره بالإحسان بادر إلى إنكاره وجحوده.
واللئيم عادة ما يقصد بالإساءة من أحسن إليه.
وتاريخ إيران القديم والحديث مليء بالشواهد!
في عام 664ق.م حصل شقاق في البيت العيلامي المالك لجأ على إثره أبناء الملك السابق (اورتاكو) إلى البلاط الآشوري مع رماة سهامهم ومرافقيهم بسبب عداء الملك الجديد (تيومان) لهم.
ومنحهم الملك الآشوري (آشور بانيبال) حق اللجوء، ورفض كل طلبات الملك العيلامي بتسليمهم إليه.
بعد حوالي عشر سنوات - أي في عام 653 ق.م. - هاجم تيومان ملك عيلام بلاد بابل بجيش كبير، فتصدى له الآشوريون وأوقعوا به هزيمة منكرة وقبضوا على الملك العيلامي (تيومان) وقطعوا رأسه وأرسلوه إلى (آشور بانيبال) في نينوى. بعدها أعاد آشور بانيبال أولاد الملك السابق الذين لجؤوا إليه ونصبهم على عرش عيلام. فانظر كيف رد هؤلاء عليه؟ وكيف كان (إحسانهم) إليه؟!
بعد عام واحد أي في سنة 652 ق.م. قامت ثورة انفصالية في بابل بقيادة (شمش شموكين) شقيق (آشور بانيبال) فما كان من ملك عيلام- الذي كان لاجئاً في البلاط الآشوري أكثر من عشر سنين آمناً منعماً ثم تمكن بفضل آشور بانيبال من استرداد عرشه - إلا أن سارع لمساندة الثائر الانفصالي ضد أخيه وأرسل جيشا بقيادة ابن (تيومان) مع قواد آخرين لمساعدته. فكان هذا أول مكافأة قام بأدائها ملك عيلام تجاه ملك آشور رداً على إحسان الأخير إليه([125]).
تماما كما فعل ًحفيده وخلفه الخميني الدجال الذي آواه العراق وقدمت له حكومته أسباب العيش والحماية اكثر من عشر سنين فكان أول عمل قام به بعد تولي العرش سنة 1979م أن شن حرباً ضروساً على البلد الذي آواه بعد عام واحد من ذلك دامت ثماني سنين!
كذلك فعل كسرى (برويز) مع (النعمان بن المنذر) الذي احتضن والده (المنذر بن النعمان) جد كسرى المذكور (بهرام بن يزدجرد) فقام بتربيته ورعايته ولما مات أبوه (يزدجرد) أراد عظماء المملكة حجب الملك عنه فجهز (المنذر) عشرة آلاف (وقيل ثلاثين ألف) فارس من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة بقيادة ابنه (النعمان) ووجههم إلى (طيسفون) أو (المدائن) مما جعل الفرس يذعنون للأمر ويتوجون (بهرام)
ملكاً عليهم. فكان الجزاء أن قتل حفيده (برويز) (النعمان بن المنذر) وسلبه ملكه([126]).
وفي الوقت الذي يحاول الإيرانيون نكران فضل الحضارة العربية عليهم بشتى الطرق والأساليب ومنها اعتبار بعض الشخصيات العربية المفكرة ذات أصل فارسي نجد الشعب الأسباني – مثلا - لا يزال إلى اليوم يعترف بفضل الحضارة العربية عليه بصراحة وفخر([127]).
 
13- الخداع والتضليل
مر بنا قول الخبراء بـ(أن الشعور بعدم الأمان مغروس عميقا عند الإيرانيين) و(أن الناس في أثناء توقعاتهم بحصول التضليل وحلول الخديعة بهم يقومون بالبحث عن موازنة التحالفات بأخرى معاكسة لها وبهذه الطريقة تتحقق نبوءة كل واحد فيهم بوقوع التضليل).
أي أن الإيراني يتوقع عادة أن الغير يحاول خداعه وتضليله فيقوم هو من جانبه بخداعه وتضليله حماية لنفسه على قاعدة (أتغدى به قبل أن يتعشى بي) والنتيجة أن الجميع يخدع بعضهم بعضاً!ً بحيث تحول الخداع والتضليل و(التقية) إلى ظاهرة اجتماعية في كل مجتمع مستعجم فضلاً عن المجتمع الإيراني العجمي.
 
14- الملق والتذلل والمسكنة
تظهر على المتشيع فارسياً صفتان تبدوان - في ظاهرهما - متناقضتين.
فهو متكبر متغطرس ولكن مع من هو دونه أو مع من يقوم تجاهه بمراسيم الاحترام. وذلك بسبب عقدة (السيد). وهو متذلل متمسكن يتملق، ولكن مع من يذله أو هو أقوى منه بسبب عقدة الشعور بالنقص.
إن المثل القائل: (يتمسكن حتى يتمكن) ينطبق عليه تمام الانطباق. ولقد رأينا العجم في مجتمعنا يرتقون سلم الوجاهة والنفوذ من تحت سطح البحر خدماً في البيوت والدوائر وفراشين، ويمتهنون مهناً دنيئة و.. من هناك يرتقون!
يقول جاك ميلوك: (إن الملق والمداهنة والكذب والغش يجب أن تكون جميعا الأدوات التي يحتاجها الفرد لأجل أن يتقدم ويصعد إلى أعلى …إن استعمال تعبيرات مثل: (إنني عبدك المطيع) أو مثل (إنني التراب الذي تطؤه قدماك) أو (دعني اقبل رجليك ألف مرة) هي جميعها جزء صغير من مفردات قياسية للغة اليومية التحادثية). مثلهم كمثل إخوانهم اليهود الذين )ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ(61)( البقرة. وتجدهم )أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ(96)( البقرة. أي حياة! وفي الوقت نفسه يقولون: )نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (118)( المائدة.
ومن مظاهر الملق عند المستعجم تقديسهم للعلماء إلى حد التأليه واتخاذهم أربابا من دون الله يتذللون لهم ويقبلون أيديهم ويمارسون معهم جميع طقوس الخضوع الذليل التي لا تليق بعربي أو مسلم كريم.
 
15- تأليه الحاكم
يقول السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي:
(كانت الأكاسرة ملوك فارس يدَّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي. وكان الفرس ينظرون إليهم كآلهة، ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئا علويا مقدساً فكانوا يكفِّرون([128]) لهم وينشدون الأناشيد بألوهيتهم. ويرونهم فوق القانون، وفوق الانتقاد، وفوق البشر. لا يجري اسمهم على لسانهم ولا يجلس أحد في مجلسهم([129]). ويعتقدون أن لهم حقا على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم. وأن ما يرضخون لأحد من فضول أموالهم وفتات نعيمهم إنما هو صدقة وتكرم من غير استحقاق. وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة.
وخصصوا بيتا معينا وهو البيت الكياني فكانوا يعتقدون أن لأفراده وحدهم الحق أن يلبسوا التاج ويجبوا الخراج. وهذا الحق ينتقل فيهم كابرا عن كابر وأباً عن جد لا ينازعهم ذلك إلا ظالم، ولا ينافسهم إلا دعي نذل. فكانوا يدينون بالملك وبالوراثة في البيت المالك لا يبغون عنه بدلا ولا يريدون عنه محيصا)([130]).
بعد أن اكتسح الإسلام بلاد فارس أسقط الفرس صفات التأليه هذه على من أسموهم بـ(الائمة) من البيت العلوي، وحصروا الملك الوهمي في هذا البيت فاعتقدوا أن كل من نازعه الملك دعي ملعون. ومن هنا ولدت فكرة (الإمامة). إنها فكرة فارسية مجوسية ألبست ثوبا عربيا وعنوانا إسلاميا. ثم اسقطوا هذه الصفات بعد (الأئمة) على الفقيه الذي يلقبونه – ويلقب هو نفسه أيضاً – بـ(الحاكم الشرعي)!
إن هذه العقدة هي السبب الكامن وراء طاعة العلماء طاعة عمياء صماء مهما كانوا
منحرفين فاسدين!
إن الفقيه في حقيقته ملك من ملوك بلاد فارس القديمة مسلط على النفوس والأموال والأعراض يتصرف فيها مطلق اليد بلا رقيب ولا حسيب!.
 
16-  العقلية الخرافية

الفرس قوم مشهورون بأساطيرهم وخرافاتهم. ذوو عقلية خرافية شغوفة بالأساطير والقصص الغريبة، وقابلة لتصديقها ببساطة. وتواريخهم تعج بالأساطير عن ملوكهم وأوصافهم السوبرمانية. وقد انتقلت هذه الأساطير باسم الدين إلى تواليفهم الدينية وألصقت تلك الأوصاف الطرزانية بـ(الأئمة) و(المراجع) الذين يلتقون في سراديبهم بـ(صاحب الزمان) ذلك الرجل الأسطوري الذي تغيب في سرداب منذ اثني عشر قرنا وسيخرج يوما ليملأ الأرض – بلمسة ساحر - عدلا بعد ان ملئت جورا!.

حدثني أحد الأسرى العائدين من إيران أن ضابطاً إيرانيا برتبة نقيب من مسؤولي أقفاص الأسرى أظهر يوما دهشته من بعض (الأعمال) اليدوية التي صنعها الأسرى فقال له أحدهم ساخرا: إن هناك ما هو أعجب! إن بعض الأسرى يخطط ليصنع طيارة من (قزانات) الطعام ليهرب بها إلى العراق. وصدق الضابط ما قالت العصفورة فأصدر أمره فورا بعدم إبقاء (القزانات) لحظة واحدة بعد الانتهاء من توزيع (الطعام)!

يقول أدور سابيليه: (ولد الخميني سنة 1900 وبعد بضعة أشهر من ولادته مات والده مصطفى الذي غادر إلى زيارة النجف، غير انه اغتيل في الواقع على مسافة قريبة من قريته.
وبسبب ميل الإيرانيين دائما إلى الإيمان بالأساطير فإنهم أشاعوا رواية تقول بأن والد آية الله الخميني قد اغتيل من قبل رضا شاه والد العاهل الأخير. وهذا ما جعل الابن ينشأ على روح الكراهية نحو أسرة بهلوي. مع أن رضا بهلوي لم يكن معروفاً بعدُ في عام 1900 ، ولم يتسلم السلطة إلا في عام 1920 لكي يجلس على العرش عام 1925 أي بعد مرور ربع قرن على وفاة مصطفى!
والحقيقة أن هذا الأخير قد مات على أثر مشاجرة حدثت بين ملاك الأراضي. غير ان زوجته ( هاجر ساغافي ) عادت سيراً على الأقدام إلى المدينة ، وأدت شهادة بشأن
وفاة زوجها حيث قالت بأنه أدين وحكم عليه شنقاً) ([131]).
ولهذا يصدقون ما يقوله (الروزخونية) عن (مقتل) الحسين و(والسبايا) والقصص العجيبة عن رأسه الذي رفع على رمح يدل التائهين المتوجهين إلى الشام!
لقد كنت فيما مضى أعجب حين اقرأ في كتاب (الكافي) للكليني- مثلاً - لما أجد فيه من الأقاصيص الخرافية وأقول: كيف تجرأ المؤلف على تسطير هذه الخرافات دون أن يخشى من سقوط كتابه فإن العقلاء يمجون هذا وينبذونه !
ولكن بعد أن تعرفت على العقلية (الفارسية) زال العجب. بل صرت أعتقد أن خرافية الكتاب أحد أسباب نجاحه عندهم!
 

تركيبة متشابكة من العقد النفسية المركبة

نحن إذن أمام تركيبة غريبة من العقد النفسية المركبة المتشابكة، يقوم بعضها على بعض، ويغذي بعضها بعضاً، وتتساند فيما بينها لتنتج حقداً متأججاً تعبر عنه باستمرار (عدوانية) لا تهدأ إلا لتثور. فهدوءها كمون، وثورانها جنون!
أطلق الدكتور عماد عبد السلام رؤوف على هذه التركيبة النفسية مصطلح (العقدة الفارسية).
إن (العقدة الفارسية) جزء لا يتجزأ من النفسية (الفارسية) يلتجئ إليها صاحبها كضرب من الحيل النفسية من اجل حماية نفسه التي يشعر على الدوام بأنها مهددة لذلك هو لا يستطيع التخلي عن هذه العقدة- أو العقيدة أيضاً- لأنه سيجد نفسه المهددة بالخطر قد صارت بلا حماية وبتعبير آخر: إنه يرى أن التخلي عن هذه العقدة يساوي التخلي عن حياته!
لهذا فإن المصابين بـ(العقدة الفارسية) لا يجيدون الإصغاء إلى نداء العقل والحكمة أو الضمير والرحمة أو المبادئ والقيم أو الأعراف والقوانين.
لغة واحدة يفهمونها هي القوة!
إنهم يحترمون القوي ويستجيبون له استجابة غير طبيعية. إنهم يستخذون له ويتملقونه ويبوسون قدميه بل حذاءه، وينحنون إلى حد الافتراش! لكنهم ينقضّون على من يرونه أضعف وأدنى يذلونه ويجبرونه على الملق والاستكانة. لا يعرفون الوسطية؛
فهم بين ضعيف مستخذي وقوي مستضري! ومنهاجهم: تمسكن حتى تتمكن.
النار معبودهم. وبينهم وبين النار مشاعر وحوار، وصفات مشتركة: الهيجان والجنون والتدمير والتخريب والقوة العمياء والقسوة والحقد الأسود.
إنهم يرون أنفسهم ويجدونها فيها.
فعبادتهم لها تعبير عن أنانيتهم وعبادتهم لهذه النفوس الهائجة المخربة الحاقدة.
ومن النار خلق إبليس. وهذا هو سر العلاقة الرابطة بين (الفارسي) والشيطان.
 

بين (الفارسي) واليهودي

وبينهم وبين اليهود صلات مشتركة وصفات.
وهو ما يفسر لنا سر العلاقة التاريخية الجامعة بينهما. وقديما قيل: شبيه الشيء منجذب إليه، وقيل: على أشكالها تقع الطيور.
وقديماً – أيضاً - عبد اليهود العجل رمز القوة عند قدماء المصريين.
ولو كانت نفوسهم سوية أبية لكفروا به وحطموه، لأنه معبود أعدائهم الذين أذلوهم واضطهدوهم. لكنها نفوس خربة منحرفة لا تستجيب إلا لمنطق القوة التي تقدسها وتحترمها إلى حد العبادة. ولا تنقاد إلا لمن يذلها ويقهرها. ولأمرٍ ما كانت معجزتهم (العصا) - عَلامةَ الانصياع والإذلال. وقد أخذ الله تعالى عليهم الميثاق تحت الطور الذي رفعه فوقهم كالظلة. وكانت مواعظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاولاته السلمية تذهب دائما أدراج الرياح فكان صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة يلتجئ إلى القوة كحل أخير أو نهائي وحيد، لدفع ضرهم إن لم يفلح في كسب نفعهم حتى قال الرب جل وعلا: ) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ(76)( البقرة. وهي أخلاق المصابين بـ(عقدة الفارسية) يحرفون كلام الله وتسعة أعشار دينهم الكذب والتقية!
ولأمرٍ ما قرن سبحانه في سورة البقرة بين ذكر (تقية) المنافقين فقال: )وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)( وبين ذكر النار فقال: ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ(17)(.
 (الفارسية) وباء
تجد (الفارسية) في المجتمعات التي ترزح تحت وطأة التشيع الفارسي ظاهرةً منتشرةً كالوباء المتوطن. صحيح أن البعض قد أفلتوا منها كما هو شأن الوباء لا يصيب الجميع. إلا أن المحصلة النهائية للمجتمع أنه مجتمع مريض.
وكل مجتمع يسلط على أفراده ضغطا اجتماعيا لا يمكن مقاومته ببساطة يجعله يتبنى ما عليه المجتمع من أفكار وميول وعادات وأخلاق وسلوك، حسب قانون اجتماعي يسميه المختصون بـ(التنويم الاجتماعي).
يقول الدكتور علي الوردي: (إن الإنسان يخضع في حياته الاجتماعية لتنويم يشبه من بعض الوجوه التنويم المغناطيسي وهو ما يمكن أن نسميه بـ(التنويم الاجتماعي ). فالمجتمع يسلط على الإنسان منذ طفولته الباكرة إيحاءاً مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية. وهو بذلك يضع تفكير الإنسان في قوالب معينة يصعب الخروج منها. هذا هو الذي يجعل الإنسان الذي نشأ في بيئة معينة ينطبع تفكيره غالباً بما في تلك البيئة من عقائد دينية وميول سياسية واتجاهات عاطفية وما أشبه. فهو يظن أنَّهُ اتخذ تلك العقائد والميول بإرادته واختياره ولا يدري أنَّهُ في الحقيقة صنيعة بيئته الاجتماعية. ولو أنَّهُ نشأ في بيئة أخرى لكان تفكيره على نمط آخر)([132]).
إن المجتمع المتشيع فارسياً يسلط على أفراده طبقاً إلى هذا القانون ضغطا اجتماعيا يجعلهم يستسلمون في النهاية ويصابون بـ(العقدة الفارسية). ويتحول التشيع عندهم –شاؤوا أم أبوا- إلى تشيع فارسي بكل ما فيه من أفكار وميول وعادات وأخلاق وسلوك وعقد نفسية تصب في محصلتها النهائية في مجاري المصالح الفارسية.
ولقد لاحظنا ميدانيا أن هذه العقدة قد يتعدى ضررها إلى غير الرافضة من المستوطنين في تلك المجتمعات، فتجده رافضيا (فارسيا) في خلقه وسلوكه، وإن كان غيره في اعتقاده وفكره!
 

الباب الخامس

 
الحـل
بين المنهج الترضوي
و المنهج القرآني النبوي

الفصل الأول
المنهج الترضوي
حل؟ أم مشكلة تحتاج إلى حل؟!
 

ما هو الحل ؟

التشيع الفارسي مشكلة خطيرة، تعد من كبريات المشاكل الدينية والسياسية والاجتماعية، لاسيما في بلدنا (العراق).
وليس خطره قاصراً على الدين فقط . بل هو يجتاح الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد والوطنية، وكيان الأمة ومفاهيمها وقيمها وثوابتها. فالتصدي له ضرورة حتمية من أجل إنقاذ هذه القيم جميعاً.
 إن هذا الخطر المتعدد الجوانب يحتم على الجميع مواجهته، ووضع الخطط والبرامج لحله وعلاجه.
 وإذا كان ذلك كذلك فإن من الضروري على من تصدى لهذه المهمة الصعبة أن يضع نصب عينيه ذلك الخليط المتشابك من الأمراض والعقد النفسية، وان يكون جاداً كل الجد، ومقدراً موقعه فيدرك المسؤولية الدينية والوطنية والقومية، والمسؤولية التاريخية التي ينبغي أن يتحملها كل من وضع نفسه هذا الموضع.
كثيرون هم الذين رأيناهم يُدلون بدلائهم في هذا المخاض يقترحون الحلول ويصفون العلاج وهم يتقمصون (صدرية) الطبيب دون أن يتحلى أحدهم بأدنى ما يفرضه عليه هذا العنوان من جدية وعمل ومتابعة، ومعاناة وتجربة ميدانية باحثة فاحصة تمنح صاحبها الخبرة العملية اللازمة. فليس من تصور صحيح لماهية المشكلة، ولا معرفة بجذورها وامتداداتها ولا دراسة لأسبابها وبواعثها القريبة ولا البعيدة.
أما الخطط والبرامج وتحديد الأهداف المرحلية والنهائية فأبعد ما تكون عن البال فضلا عن العمل الصائب ومقارعة الباطل وبذل الجهد في الميدان المطلوب.
كل ما موجود كلمات هائمة ، و(حكم) نظرية مفعمة بالخوف، ومقيدة بـ(الحذر) إلى حد الجمود، ومجاملات إلى حد الميوعة، وتصورات بعيدة عن الواقع تراكمت أو عشعشت في الأذهان، دون نظام أو دراسة أو تنسيق، وتجمعت كما تتجمع الأوراق التالفة الممزقة إلى جانب جدار مهمل قديم! ثم… ينفض الجمع كلاً إلى وجهته أو .. بيته الهادئ القريب.

الهزيمة النفسية وحلول العقل الباطن الوهمية

 كثير من الناس- إذا وصلوا إلى مرحلة اليأس من تغيير ما يودون تغييره، أو انهزموا نفسياً أمام الخصم الذي يئسوا من دحره أو التغلب عليه- يعيشون أحلامهم وأمانيهم، ويحاولون تحقيقها بطريقة أخرى، تجمع بين اليأس الذي يجتاح نفوسهم والحركة المفروضة عليهم أن يقوموا بها في سبيل الوصول إلى الهدف المطلوب من التغيير والتغلب على الخصم.أي الهدف الميؤوس منه.
ملخص القول أن هناك ثلاثة أمور:

  1.  هدف ميؤوس منه.

2- عمل أو حركة لا بد من القيام بها في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف.
3- أناس مهزومون نفسياً ويائسون من الوصول إلى هدفهم، لا يريدون أن يسلموا أو يعترفوا بالهزيمة أمام أنفسهم، أو يقال عنهم: إنهم يائسون منهزمون.
فما العمل للتوفيق بين هذه الأمور المتناقضة؟
بين عقل واعٍ لا يريد أن يُسلِّم بالهزيمة، وعقل باطن يائس مهزوم ؟
هنا يأتي دور الحيل النفسية من أجل إنهاء هذا الصراع.
إن هؤلاء المنهزمين في قرارة أنفسهم، اليائسين من الوصول إلى أهدافهم، يعيشون نوعاً من الخيالات المضحكة و هم يطرحون أفكاراً تجريدية،وحلولاً نظرية غير واقعية! وتظل هذه الأفكار و(الحلول) تراود خيالاتهم دون أن ينتبهوا إلى الفجوة الحاصلة بين ما يحلمون به، والواقع الذي يبتعد -كلما طال الزمن- عن أحلامهم وأمانيهم.
وكلما ألقوا نظرة على هذا الواقع الذي لم يتغير رغم أحلامهم وخيالاتهم وأمانيهم، رجعوا بأبصارهم على أفكارهم يعدلون فيها، ويقلمون من استطالاتها متهمين هذه الاستطالات بأنها السبب في عدم تغير الحال، وسوء المآل!   
وهكذا… تستمر عملية التقليم والتأقلم حتى يأتي زمان تجد فيه أفكارهم المقلمة المتأقلمة قد اقتربت كثيراً من أفكار الخصم، التي تشتد وتبتعد عن نقطة الوسط كلما طال الزمن! بل صارت في خدمتها،ووسيلة من وسائل تثبيتها،وزيادة حدتها وفسادها!
ولعل التحليل النفسي يعيننا في تفسير هذه الظاهرة:
إن العقل الواعي يريد التغلب على الخصم، ولا يريد التسليم بالهزيمة.لكن العقل الباطن تكمن فيه عقدة الهزيمة، واليأس من الغلب، ويريد تجنب أي نوع من الصراع مع الخصم على أرض الواقع، حتى لا يحصل له أي ضرر أو أذى!
إن هذا يولد صراعاً في داخل النفس . ولأجل إنهاء هذا الصراع، لا بد من القيام بعملية خداع وتوفيق بين هذين الموقفين المتناقضين.
هنا يأتي دور العقل الباطن للقيام بهذه العملية من خلال تقديمه (حلاً) وهمياً يخدع به العقل الواعي،ويجعله يعتقد أن هذا حل يوصل إلى الهدف المطلوب،بينما ينعم العقل الباطن مطمئناً إلى أنه لن يواجه على الواقع أي حركة تجلب له ضرراً أو أذى! لأن هذا النوع من الحلول لا يثير الخصم في الاتجاه غير المرغوب.
إن هذه الحلول ذات وجهين، كل واحد منهما يرضي أحد العقلين: العقل الواعي يريد حلاً، وهذه (حلول). والعقل الباطن يائس لا يريد أن يعمل شيئاً،وهذه (الحلول) وهمية غير عملية!
وهكذا يخدع العقل الباطن العقل الواعي، وتنحل المشكلة، وينتهي الصراع بينهما!
تأمل وضع العرب اليوم! وكيف تفعل الهزيمة النفسية بأصحابها!
إنهم يطالبون بعقد مؤتمرات لتحديد معنى (الإرهاب)! ويصرخون بأعلى أصواتهم أن الإسلام لا علاقة له (بالإرهاب)!
ويتصورون أن هذا هو الحل، أو يخدعون الآخرين بما يقولون.
وخارج هذا الصراخ والضجيج، والتصورات والأوهام، وعمليات التضليل والخداع نجد الواقع يصول فيه المجرمون ويجولون، دون التفات إلى مصطلحات، أو المطالبة بعقد مؤتمرات، أو نفي أو إثبات!
إن الحل الصحيح ليس في عقد مؤتمر أو نفي تهمة،أو تحديد معنى مصطلح أو كلمة.إنه في إعداد ما يستطاع من قوة.لكن اليائسين المنهزمين لا يريدون أن يفعلوا. فماذا يفعلون؟  أيبقون مكتوفي الأيدي يتفرجون؟!
هذا غير مقبول!
فماذا يفعلون؟
لا بد من حركة مكتوفة! هذا هو (الحل).
إنها حركة في ظاهرها، ومكتوفة وهمية في حقيقتها. ولهذا هم يطالبون بعقد المؤتمرات لتحديد المصطلحات أو القيام بالمصالحات ليثبتوا لعالم المجرمين أنهم مسالمون لا يضمرون شراً لأحد!
ولو وعوا حالهم لعلموا أنهم يسيرون في عكس الاتجاه المفروض! وأنهم يبتعدون كلما طال الزمن عن أهدافهم التي أعلنوا على رؤوس الملأ أنها لهم أهداف.
إن هؤلاء يشبههم -أو يشبهون- تماماً أولئك المنهزمين اليائسين من دعاة المنهج الترضوي الذين يتصورون أو يصورون للآخرين أن حل معضلة التشيع الفارسي هو في تغيير كلمات أو استحداث مصطلحات و(نسب ومصاهرات)، أو عقد ندوات وأمسيات، أو المشاركة في احتفالات!

منهج تقريبي انهزامي

هذا المنهج هو صورة عملية من صور المنهج الترضوي. ملخصه عبارة عن كلمة واحدة هي البحث عن وسائل قربى تجمع بين أهل الحق وأهل الباطل ولو على حساب الحق.
وهو منهج فاشل جملة وتفصيلاً. لأسباب عديدة منها: فساد الغاية لأن الغاية يجب أن تكون إرضاء الله تعالى بينما هي هنا إرضاء أهل الباطل وكل عمل غير خالص لله ممحوق البركة محكوم عليه بالفشل من الخطوة الأولى. ثم أن هؤلاء لا يرضون مهما تقربت منهم وجاملت وداهنت!
فهذا التقرب هو من جانب واحد فقط. فهو خسارة بلا مقابل. وما مثلنا ومثلهم في هذا إلا كما قال تعالى: ]هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{ (آل عمران:119).
ودوافعه الحقيقية هزيمة نفسية يعاني منها صاحبها تعبر عن نفسها بهذا الأسلوب.
والمهزوم نفسياً لا ينتصر ولا يفلح أبدا.
بينما يعلمنا القرآن الإباء والعزة الإيمانية فلو كان التقرب من المقابل عليك أن ترفضه ما لم يكن حقيقياً صادقاً مبنياً على أسس سليمة.
فكيف إذا كان الأمر بالمقلوب؟! فالواقع أن أصحاب الحق يتقربون والروافض يرفضون ويتهربون!
والواقع يرينا ما هو أنكى! يرينا تقهقر أصحاب الحق ورجوعهم إلى الوراء عن طريق تقديم المزيد من التنازلات طمعا في الوهم، وأصحاب الباطل يتقدمون!
أين هذا من قول تلميذ من تلاميذ القرآن في مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الفضل بن العباس رضي الله عنهما:

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم

وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

الله يعلم أنّا لا نحبكم
ج

ولا نلومكم أن لا تحبونا

إن علماء النفس والاجتماع يقررون أن أول درجات الهزيمة التي يخطوها المغلوب تجاه الغالب تبدأ بالبحث عن نقاط التقاء ووسائل قربى وعلامات شبه بين فكر الغالب وفكر المغلوب. ثم تستمر سلسلة التداعيات والانهيارات التي بدأت من هذه النقطة.
فعندما تنتصر حضارة على حضارة (تتولد عند المغلوب إحدى قابليتين: قابلية الانتماء للمنتصر أو المتغلب كما يقول ابن خلدون. أو تتولد لديه حالات الرفض السلبي. فحالة قابلية الانتماء للمتغلب تبدأ بفكر (المقاربات) حيث تنـزع الأمة المغلوبة إلى البحث عن صلات قربى مع فكر الغالب. فتُقارَب الديمقراطية الغربية بالشورى الإسلامية مثلاً، متناسين بذلك فوارق النموذج المعرفي والحضاري وآثارها في الفرق بين الديموقراطية ذات الجذر الفردي الليبرالي والقائمة على تقنين الصراع، وبين الشورى الإسلامية القائمة على وحدة الجماعة ونبذ الصراع)([133]).
ويظهر أن المغلوب يصاب بشهوة عارمة نحو إرضاء الغالب تجعله لا يشعر بحجم التنازلات والخطى التي يقطعها إلى الوراء طمعا في ذلك الرضا الموهوم وأداء مراسيم (الحب من جانب واحد).
والدليل الواقعي على هذا التقرير هو أن أصحاب منهج (المقاربات) أو المنهج الترضوي بدلاً من أن يتقدموا - أو على الأقل يرابطوا في مواقعهم وينتظروا ردة الفعل المقابلة على خطوتهم الأولى - صاروا يتقهقرون ويقدمون المزيد من التنازلات أملاً في كسب رضاء المقابل الذي لا يرضى ولن يرضى حتى تتبع ملته كاملة غير منقوصة وأول فقرة من فقراتها البراءة من الصديق والفاروق. وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120).

منهج غبي لتشييع أهل السنة

حين تقيس المسافة بين نقطة البداية التي انطلق منها هؤلاء الترضويون، وبين ما وصلوا إليه ، وتستمر في النـزول لرؤية نقطة النهاية في مسلسل التراجع تتيقن أن هذا (المنهج) ما هو إلا برنامج أو منهج غير واع لتشييع أهل السنة.
والواقع خير شاهد لمن كان له عقل يفكر ويحلل، وعينان تبصران وترصدان.
لقد كانت البداية من طرح مسألة الأسماء المشتركة و(النسب والمصاهرات) وهي خطوة جيدة ومطلوبة ينبغي أن تتبع بخطوات إيجابية. مثل بيان العلاقة بين علماء الأمة وأئمة المذاهب أو الفقهاء الكبار كالشافعي وجعفر وزيد ممن يمت بصلة قرابة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين غيرهم كأبي حنيفة وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وأمثالهم. ثم فضح الجريمة التاريخية الكبرى حين دخل الفرس على خط (أهل البيت) بعد القرن الثالث الهجري وانتهاء عصر الأئمة الكبار. ويستمر المسلسل صعدا في بيان التشيع الفارسي وأصوله وقواعده وأهدافه ورموزه والتفريق بينه وبين التشيع العربي الذي هو حب واقتداء وليس دينا آخر أو حزبا سياسيا. لكن هذا لم يحصل كما يفرضه المنطق ولوازم العمل الإصلاحي الثابت الواثق والشجاع المستند على قواعد صحيحة وله أهدافه الواضحة ومنهجه المدروس.

فما الذي حصل؟

كأن أصحاب هذا (المنهج) كانوا يتوقعون أنهم بمجرد عرضهم لموضوع (النسب والمصاهرات) سيكسبون الجولة فيرضى عنهم الرافضة ويأتون إليهم أفواجا أفواجاً مهللين مكبرين!
إن هذا لم يحصل - ولن يحصل - لأن القضية أعقد بكثير مما يتصورون. والواقع يشهد بغير ما يحلمون .
فما الذي حصل إذن ؟ الذي حصل أن بعضهم صار يرضي نفسه المهزومة المهزوزة بخيالات ساذجة، ويحاول البرهنة على صحة منهجه بأوهام لا أساس لها !
قرأت لواحد من هؤلاء قبل بضع سنوات في جريدة أردنية هذه الواقعة الخيالية:
شكى لي أحد المشايخ في الجنوب من قلة المصلين في مسجده فنصحته بطرح موضوع العلاقة بين أهل البيت والصحابة والنسب والمصاهرة في خطب الجمعة. يقول: فجاءني الشيخ بعد بضعة أشهر يطلب معونتي من أجل توسيع المسجد الذي ضاق بكثرة المصلين!!.
ويشهد الله على أن هذا لا أصل له!
فإما أن الشيخ كذب عليه، وإما أن صاحبنا تكلم من نسج خياله !
وعندي من القصص المشابهة ما يكفي للتدليل على أن أصحاب هذا المنهج غير واقعيين ولا جادين.
وبعد أن أدرك هؤلاء أن الخطوة الأولى لم تأتهم بالنتيجة المطلوبة، خطوا خطوة أخرى بل خطوات ولكن إلى الوراء!
وكلما خطوا خطوة واكتشفوا أنها لم تأتهم بالنتيجة المطلوبة، اتبعوها بخطوة أخرى وإن كانت على حساب الحق والحقيقة، والدين والعقيدة، والمنطق والواقع والتاريخ!
من هذه الخطوات الورائية: (روى ابن عساكر بسنده عن علي (ع): النجف أرض السلام ومهبط أرواح المؤمنين ونعم المضجع للمؤمن هي)!
ما الذي نكسبه لديننا من هذا الكلام الساقط سنداً ومتناً؟ وأول العالمين بسقوطه  من خطه ونشره!
يكتب هذا ويعلق في أكثر من مكان أو زاوية من زوايا معرض فني مقام في جامع كبير لا يرتاده إلا أهل السنة، في منطقة سنية في بغداد!!
ومن عجائب المفارقات أن أصحابنا حين طرحوا مشروعهم الترضوي وجعلوا غايته كسب الرافضة وتغييرهم أو تقريبهم يفترض أن ينتقلوا بطروحاتهم إلى أوساط الرافضة ومساجدهم وقنوات الاتصال الأخرى بهم. لكنهم بدلاً من ذلك راحوا يخبون في نشر أفكارهم (التقريبية) هذه في أوساط السنة ومساجدهم وهو ما لا يحتاجونه أولاً. وسوف يؤدي إلى إضعاف مناعتهم ونقل المفاهيم المائعة إليهم ثانياً. وليس هو الميدان الصحيح ولا الهدف المرسوم لحركتهم ثالثا. ولم يجرؤوا على اختراق الوسط الرافضي أو التحرك خلاله فكان مثلهم كمثل رياضي يسابق نفسه خارج سياج الملعب أو ميدان السباق! أو مجنون يضاحك نفسه باجترار النكات الفارغة وحده! أو (طرشان) يتحاورون فيما بينهم.
يقال: إن (سيداً) جلس في الشمس يوماً وصار ينادي على الظل مدعياً أنه قادر على جعله يتحول إليه. ولما كثر النداء دون جدوى قام فتحول هو إلى الظل وهو يقول: من لم يأت معك تعال معه!
وجاءني يوما شاب يسألني قائلاً: لقد ذهبت إلى زيارة الحسين والعباس وطفت حول قبورهم وأنا أعلم أن الطواف حول القبور حرام وشرك فماذا أفعل؟
قلت له: ما حملك على ذلك؟
قال: إنهم يتهموننا بالتشدد فأردت أن أدفع التهمة عن نفسي.
قلت هل ذهب معك أحد من هؤلاء الذين يتهموك؟
قال: لا.
قلت : هل ذهب أحد غيرهم معك؟
قال: لا
قلت : ذهبت إذن وحدك؟
قال: نعم !
حدقت فيه بقوة لأكتشف هل هذا الذي يتكلم معي إنسان سوي أم مخبول؟!
وصدق الله القائل: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ (119)( آل عمران.
وفي مجلة محدودة الانتشار لا يقرؤها إلا فئة قليلة من أهل السنة فقط قرأت هذا الكلام!:
الإمام جعفر الصادق (ع): إمام الشيعة الجعفرية…وهو الإمام السادس من السلسلة الذهبية لأئمة أهل البيت الكرام…لقد أيد حركة زيد بن علي من أئمة المذهب كل من الإمام أبي حنيفة والإمام مالك أنس حباً وكرامة لأهل البيت ودفاعاً عنهم وعن حقهم …الخ([134]).
 لو كان المتكلم شيعياً إمامياً اثني عشرياً لقلنا: صاحب عقيدة يتكلم عن عقيدته الإمامة بما يشاء. أما وصاحب هذا الكلام رجل سني محترم فلا أدري ما معنى قوله: (إمام سادسu  في سلسلة ذهبية للأئمة) سوى أن المتكلم إمامي أثنى عشري أو
-في أحسن الأحوال- مجامل في أقصى درجات المجاملة.
يقول تعالى:) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ(8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)( القلم، وأنا لا أعلم كذباً كـ(التقية) ولا اكذب من قوم (اتقاهم) أكذبهم! ثم هم مهما دهنت لهم لا يدهنون!
في أحد احتفالات المولد العلوي في محافظة النجف تكلم اثنان من أهل السنة فما تركوا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا موضوعاً في فضائل علي إلا وقالوه. وكانوا يمرون بطلحة مثلاً فلا يترضون عنه وبعلي فيسبقونه بـ(الإمام) ويلحقونه بـ(عليه السلام) أو - على الأقل - (كرم الله وجه).
ثم قام معمم شيعي يتكلم وجاء على لسانه ذكر عائشة وأبي بكر في معرض الاستشهاد بكلامهما مدحاً لعلي دون أن يترضى على واحد منهما! وجاء بالرواية الموضوعة التي يهرف بها الجاهلون وملخصها أن أبا بكر وعلي وقفا يوما عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أحدهما لصاحبه: تفضل أدخل فيرد الآخر قائلاً: كيف أتقدم على رجل قال الله تعالى فيه كذا وقال رسوله كذا وله من الفضل كذا؟! تفضل أنت فادخل. فيجيبه: وكيف أدخل قبل رجل قال الله فيه كذا… وهكذا تستمر المسرحية حوالي ساعة والرواية في ثلاث صفحات كبار حتى نزل جبرائيل وميكائيل وخرج رسول الله… الخ ! تصور كيف رواها هذا المستعجم دون حياء أو قطرة ماء! قال : وقف الإمام علي (ع) وأبو بكر عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال علي (ع) تقدم يا أبا بكر فادخل فقال أبو بكر: وكيف أتقدم على رجل سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول فيه: إن منـزلة علي مني بمنـزلتي من ربي!... ونام الملك شهريار وانقطعت شهرزاد عن الكلام المباح إلى الصباح!
وكذلك لو قال شيعي إمامي: إن أبا حنيفة ومالكاً أيدا زيداً في خروجه (حباً وكرامة لأهل البيت ودفاعاً عنهم وعن حقهم) لما استغربت ولقلت: صاحب عقيدة يؤيد عقيدته
بكل وسيلة ولو بالكذب!
أما وقائل هذا الكلام كما وصفت فأنا لا ادري أي حق لأهل البيت في الخلافة دون بقية قريش؟! إذن علام تولى أبو بكر وعمر وعثمان الخلافة ولم يعطوها علياً (حباً وكرامة لأهل البيت ودفاعا عنهم وعن حقهم)!
إن حجر الزاوية وقطب الرحى في الخلاف المزمن بين الإمامية وغيرهم من المسلمين هو اعتقاد أحقية أهل البيت في خلافة المسلمين. فمن اعتقد ذلك فهو شيعي إمامي. فهل صار الأخ الكاتب –لا سمح الله- شيعياً إمامياً وهو لا يدري؟!
وهل هذا هو (التقريب) و(الوسطية) التي يريدونها لنا؟ أم إن (إخواننا) الرافضة استفادوا أو يستفيدون شيئاً من هذا الكلام سوى ثباتهم على اعتقادهم اكثر ؟
ثم ماذا تتوقعون الخطوة اللاحقة في هذا المسلسل الترضوي الطويل؟! (الأرض مقابل السلام)؟ أم ماذا ؟
ولا أريد أن أسترسل أكثر في مناقشة جميع ما ورد في ذلك المقال لأدخل في جدل حول صحة تسمية الشيعة المعاصرين (بالجعفرية) . وهل الشيعة مذهب فقهي فرعي لتصح تسميتهم بـ(الجعفرية)؟ وهل حقاً انهم يتبعون الإمام جعفر بن محمد في الفروع؟ أم يتبعون الخوئي والخميني والصدر والسيستاني ؟
فما دخلك أنت أيها السني بما يدعون ويكذبون؟!
لماذا تؤيد كلامهم وتوقع على ادعائهم ؟!
ولو كان هذا الكلام في مجلة ذائعة الشهرة واسعة الانتشار يمكن ان تقع في يد الشيعي قبل السني لأمكن أن يقال : ان هذا كلام موجه إلى الشيعي ترطيبا لقلبه وتقريباً له من الصف بغض النظر عما في هذا القول من مجازفة.
أما والمجلة لا يقرؤها إلا فئة محدودة من أهل السنة فلا معنى له ولا فائدة ترتجى منه سوى أنه فقرة من فقرات برنامج تمييع أهل السنة وتشييعهم فارسياً. ذلك البرنامج الذي صرنا نغرق في لجته شيئاً فشيئا دون أن ندري!
 
اكذب .. ثم اكذب.. حتى تُصدِّق كذبك
لقد كثرت المجاملات وأمست سنة ماضية يشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير إذا تركت قيل تركت السنة والحكمة. حتى لقد صارت دليلاً وعلامة على نجاح الداعي! فأكثرهم نجاحا هو أكثرهم مجاملة! أليس الجميع راضين عنه!
ولكثرتها وتكرارها صار أصحابها يصدقونها ويتعاملون بها على أنها حقيقة واقعة مع أنهم حين بدؤوا بها قالوا: لا بأس في الإصلاح بالكذب فنحن نريد أن نقرب القلوب ونداوي الجراح وإذا بهم في نهاية المطاف مثلهم كمثل بائع متجول يحمل طبقا من الطعام يطوف به حتى إذا تعب من كثرة الطواف دون أن يجد أحداً يشتريه قعد فأكله.
في الاحتفال الآنف الذكر بدأ المتكلم الأول - وهو وزير الأوقاف الذي يحمل شهادة دكتوراه في الشريعة - فافتتح كلامه بذكر الآية الكريمة: ]قلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (23)( الشورى.  قائلاً: إنها نزلت في حق علي وأهل البيت!
وقام بعده أحد المشايخ – ودعونا من ذكر اسمه؛ فمثله ، لا بارك الله فيهم ، كثير - ليقول: جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من (القربى) الذين أوجب الله علينا مودتهم يا رسول الله؟ فقال: (علي وفاطمة وابناهما)!
ولا أدري كيف خفي على (الشيخ) وهو (شيخ)! أن الآية مكية و(ابناهما) لم يولدا إلا في المدينة! فالرواية من صنع كذاب لا يعرف كيف يكذب.
ثم كيف خفي على (دكتور) في الشريعة أن الفرق بين (القربى) والأقارب كالفرق بين الصحبة والصاحب، فالقربى والصحبة معنى ذهني وليست شخصا إلا إذا أضيف إليها كلمة (ذو) فيقال: ذو قربى وذو صحبة!.
وفي كل الأحوال فإن الرافضة لا تستفيد من هذه المداهنات شيئاً ولن نستفيد نحن شيئاً أيضاً.
كل ما سنخرج به أنهم سيقولون: إذا كنت تقر بهذا فلماذا تناصب أمير المؤمنين العداء؟! ولا سبب سوى أنك توالي أبا بكر! وهذا وإن لم يكن سبباً كافياً عندك فإنه يكفي عندهم وزيادة! إنهم يفكرون بطريقة أخرى غير الطريقة التي نفكر بها ومن الضروري أن نفهم طرائق تفكيرهم.
إنك حين تقول: قال عمر: لولا علي لهلك عمر ويقول: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن. (وفي رواية) لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو حسن. وتتصور أنك سوف تقربهم منك فأنت واهم !
إنهم يفكرون هكذا.. يقولون: هذا دليل على جهل عمر. ويخرجون بنتيجة هي عدم صلاحيته للخلافة. فلولا علي الذي كانوا يفزعون إليه في كل معضلة لما استقرت خلافتهم. ولماذا علي لا غيره؟ لأنه معصوم لا يخطئ ولا يخفى عليه شيء فهو (الإمام) إذن دونهم!
وكتبهم مشحونة بهذا رغم أن الحقيقة التاريخية في خلاف ذلك.
فحين خلت الأرض من عمر كثرت المعضلات على علي وتعقدت فلم يحل واحدة منها قط! وتعقدت حتى غادر الوجود مخلفاً لمن جاء من بعده تركة ثقيلة .
وعمر لم تنحل معضلاته لأن علياً قام بحلها. فإن عثمان يوم كثرت عليه المعضلات لم يغن عنه علي شيئاً حتى قتل أشنع قِتلة!
ولو كان عمر حياً لما وجدت معضلة أصلاً. ثم تبين بعد حين أن فاقد الشيء لا يعطيه فكثرت المعضلات حول أبو الحسن وتعقدت وانفرطت الأمور ولا من حل.
إن عمر انحلت معضلاته لأنه عمر القائل الفاعل: إن الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف. هذا قانون عمر الذي كان يحل به المعضلات.
وجاء عثمان ليسوس الناس باللين على طول الخط، وجاء من بعده علي ليسوسهم بالعنف على طول الخط فتعقدت الأمور ولم تنحل المعضلات.
هذا هو حكم التاريخ بلا مجاملة! والله تعالى اعلم ببواطن الأمور وحقائقها ورضي الله تعالى عن قوم نتقرب إلى الله بحبهم والاستغفار لهم. ولكن الإنصاف واجب. والميزان حق.
لا ربح.. بل خسارة اجتاحت رأس المال
إن مثل أصحاب المنهج الترضوي كمثل شخص حضر مجلس خصومة عشائري. أحد أطرافه وقح صلف متعنت حاقد مسموم، يعتقد أن خصمه – وهو بريء - قتل أباه وذبح ابنه واستباح ماله وعرضه. فهو لا يرضى بغير الاعتراف الكامل بهذه الجرائم وإدانته رغم ضعف الأدلة ثم القصاص بأن يقتل المتهم وعشيرته وتحرق بيوتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم!
وهو في كل هذا يتصيد كلمة من هنا وعبارة من هناك ولو كانت تقال من أجل تقريب وجهات النظر وترطيب القلوب ليجعل منها دليلاً يدمغ بها خصمه! كأن يقال: افترض أن خصمك قد قتل حقا أباك وفعل ما تقول أليس لهذا من حل؟ فيقوم بحذف كلمة (افترض) ليجعل مما قيل اعترافاً صريحاً بصحة دعواه، ويبـتر (الهمزة) من عبارة (أليس لهذا من حل) من أجل أن يلغي جميع الحلول.
هل لهذا العتل الزنيم من حل سوى أن تقوم وتسحق أنفه، بعد أن تهزأ من كلامه وتعتبره لغوا لا قيمة له ما دام ليس عليه من دليل؟!
في هذا المجلس العشائري ومع هذه الحيثيات يقوم ذلك الشخص (الطيب) ليطلب من المتهم أن يقوم ويقبّل رأس خصمه ويعطيه بعض المال جبراً لخاطره!
إن هذا العرض لا يزيد المشكلة إلا تعقيداً. إن خصما وقحاً كهذا سيستغل الفرصة ليقول: لولا أن المتهم قد قام حقا بالجريمة لما وافق على هذا العرض!
إن هذا كل ما سيحصل عليه المتهم مهما بالغ في عروضه وتعويضاته. إنها ليست أكثر من أدلة اتهام تحتسب ضده. فالأولى مع خصم كهذا أن يحترم نفسه ويحافظ على وقاره واتزانه دون أن تهزه جميع الحركات البهلوانية والادعاءات العنترية التي أمامه!
وهذا كل ما حصل لنا ونحن نتبع خطوات المنهج الترضوي ونركض لاهثين منذ مئات السنين!
هل بقيت لنا كلمة لم نقلها؟! أو موقف بائس لم نقفه؟! فماذا كانت النتيجة؟!
أم يتصور اللاحقون أنهم اكتشفوا شيئاً غاب عن أنظار السابقين؟!
كلا. فلقد قتل في هذا الطريق من كل مئة تسعة وتسعون، ولا من معتبر! بل الكل يقول: لعلي أنا الناجي!
ولقد قالوا: إن جعفر الصادق (ع) إمام الأئمة وأستاذ المذاهب. وإن أئمة المذاهب الأربعة درسوا على يده وأولهم أبو حنيفة ناكر الجميل - على حد تعبيرهم - ووضعوا لهذه الكذبة توقيعاً باسم أبي حنيفة مذيلاً بقوله: (لولا السنتان لهلك النعمان) وما دروا أن صانع هذا وصانع (لولا علي لهلك عمر) واحد.
فماذا قال الخصم الوقح الحاقد؟
قال: نحن الأصل وكل المذاهب الأخرى باطلة. إن أصحابها تعلموا العلم من إمام الأئمة ثم خرجوا عليه وأنكروا جميله.
هذا ما قالوه و(هذا ما كنـزتم لا نفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون)!
ألم تعلموا أن جعفر والنعمان ولدا في سنة واحدة تقريباً.([135]) فمن درس على يد من؟ لا سيما وأن هذا الذي يقال لم يثبت تاريخياً.
وأن الشافعي ولد بعد موت جعفر بسنتين([136]). وأحمد بن حنبل ولد بعد ولادة الشافعي بأربع عشرة سنة!
أفتخدعون أنفسكم أم توهمون الآخرين؟!
 
عبد الحسين الأميني النجفي نموذج ومثال
ليس هذا الذي أقوله استنتاجاً. إنه شيء تطفح به كتب الرافضة وتغص به تواليفهم!
خذ مثالاً: عبد الحسين المفتري النجفي وتوليفه (الغدير في الكتاب والسنة والأدب).
تحت يدي منه المجلد السادس. إن غالب هذا المجلد محاولة لإثبات جهل عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه وعدم صلاحيته للخلافة، مستشهداً بعبارات وكلمات يرددها المغفلون وهم يحاولون ببلاهة أن يرضوا عبد الحسين هذا وأمثاله دون طائل، كما يفعل السائرون في مسيرة الذل والاستسلام المخزي أملاً بإرضاء يهود.
لقد ظلوا يتنازلون ويتراجعون حتى فقدوا كل شيء ولم يبق لهم ما يتنازلون عنه أو يتفاوضون عليه!
لقد سوّد هذا الرقيع مئتين وخمسين صفحة من هذا المجلد في الطعن بالإمام الفاروق وهو يحاول إثبات كونه جاهلاً بالكتاب والسنة والفقه تحت عنوان (نوادر الأثر في علم عمر)!
من ذلك ما جاء تحت عنوان: (جهل الخليفة بكتاب الله).
يقول هذا الدعي: إن عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة فهمّ برجمها فبلغ ذلك علياً فقال: ليس عليها رجم. وتستمر القصة حتى تنتهي بقول عمر لولا علي لهلك عمر، وفي لفظ سبط ابن الجوزي: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب.
وبعد عدة روايات مشابهة يعلق هذا الرقيع قائلا: أليس عارا أنً يشغل فراغ النبي الأعظم أناس هذا شانهم في القضاء؟ أمن العدل أن يسلط على الأنفس والأعراض والدماء رجال هذا مبلغهم من العلم؟ أمن الأنصاف أن تقوض النواميس الإسلامية([137]) وطقوس الأمة وربقة المسلمين إلى يد خلائف هذه سيرتهم؟ لاها الله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه الله وتعالى عما يشركون وما كنت لديهم إذ اجمعوا أمرهم وهم يمكرون فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب اليم([138]).
ومن ذلك أنه أورد عدة روايات يدور فيها نقاش بين عمر وبعض الرعية وحين يتبين لعمر أن الصواب مع غيره يقول: كل الناس أفقه من عمر. وهي كلمة ينبغي أن تكتب لهذا الإمام العظيم بأحرف من نور دلالة على تواضعه وكيف أن الرعية كانت تعيش في كنفه بكامل حريتها في التعبير عن رأيها دون خوف أو تحفظ ولو كان في هذا التعبير تخطيء لرأي أمير المؤمنين !
وفيها تظهر الثقة التامة بالنفس فإن الجاهل والناقص يستحيل أن يتفوه بهذه الكلمة خشية من انكشاف أمره خصوصاً إذا كان في منصب عمر. إن الجهل والنقص عند السلطان لا يحمله إلا على الاستبداد وظلم الرعية مع ادعاء الكمال والرشاد: ]مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29)( غافر.
ولكن انظر كيف تنقلب هذه الفضائل في أذهان هؤلاء الروافض المقلوبة المعكوسة!
يقول هذا الرقيع: وقد عد ابن الجوزي هذه الفضيحة المخزية من مناقب عمر. وتبعه شاعر النيل حافظ إبراهيم ونظمها في قصيدته العمرية فقال تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحق… وبعد أن أورد القصيدة ليكثر بها كتابه الفارغ قال: هكذا يعمي الحب ويصم ويجعل الموبقات مكرمات ويبدل السيئات حسنات([139]).
 
أعمى أصم
بل هكذا يعمي الحقد الفارسي ويصم ويجعل المكرمات موبقات ويبدل الحسنات سيئات! ويأبى الله تعالى إلا أن يفضح هؤلاء ويخزيهم ويدينهم من أفواههم!
تأمل كيف تورط هذا الأعمى الأصم فجاء بهذه الرواية التي لا يصدقها إلا أعمى أصم مثله لا يدري ما يقول، وجعلها تحت عنوان: (الخليفة لا يدري ما يقول): (أتي عمر بن الخطاب t برجل اسود ومعه امرأة سوداء فقال: يا أمير المؤمنين إني أغرس غرساً أسود وهذه سوداء على ما ترى فقد أتتني بولد أحمر فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته وإنه لولده. فبقي عمر لا يدري ما يقول. فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب t فقال للأسود: هل واقعت امرأتك وهي حائض؟ قال: قد كان ذلك. قال علي: الله اكبر إن النطفة إذا خلطت بالدم فخلق الله عز وجل منها خلقاً كان أحمر. فلا تنكر ولدك فأنت جنيت على نفسك –الطرق الحكمية ص47).
ومن المعلوم فسلجياً أو وظيفياً استحالة الحمل أثناء الحيض. وعلي t أسمى من أن يهرف بما لا يعرف.
فالقصة من وضع جاهل أراد أن يحطّ من شأن عمر ويرفع من شأن علي فلم يوفق!
وإذا كانت هذه الخرافات يمكن أن يصدقها الناس في العصور القديمة فما عذر هذا الرقيع وهو يعيش في عصر العلم وتقدم الطب لولا أنه أعمى أصم لا يدري ما يقول؟
وجاء بقصة عن امرأتين وضعت إحداهما ذكراً والأخرى أنثى وكلاهما تدعي الذكر وتنتفي من البنت. وكالعادة (بقي عمر لا يدري ما يقول)، وكالعادة أيضاً يظهر علي على المسرح بصورة دراماتيكية ليدعو بقدح ويقول لإحداهما: احلبي. فحلبت فوزنه ثم وزن حليب الأخرى فوجده على النصف من لبن الأولى فقال لها: خذي ابنتك. وهنا يتوجه إلى الجمهور ليقول: أما علمتم أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام وأن ميراثها نصف ميراثه وأن عقلها نصف عقله وأن شهادتها نصف شهادته وأن ديتها نصف ديته وهي على النصف في كل شيء. فأعجب بِهِ عمر إعجابا شديداً ثم قال: أبا
الحسن لا أبقاني الله لشدة لست لها ولا في بلد لست فيه([140]).
ولو كان هذا الرقيع حيا لنصحته أن يقدم هذه المعلومات الكارتونية في بحث إلى الجهات العلمية عله يحصل على (براءة اكتشاف) تعينه على مواصلة أبحاثه ؛ حتى لا
نحرم من نوادر علمه وآثاره!
وبعد لهاث طويل دلع لسانه ليقول:
(إن الأخذ بمجامع تلكم الأحاديث من النوادر المذكورة ومئات من أمثالها يعطينا خبرا بأن الخليفة لم يكن متحليا بما أوجبته أعلام الأمة في الإمامة من الاجتهاد. قال إمام الحرمين الجويني في (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) ص426: من شرائط الإمام أن يكون من أهل الاجتهاد بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث. وهذا متفق عليه أ. هـ. فأين يقع من هذا الشرط بعد إصفاق الأمة عليه رجل لم يعط بسطة من العلم ولم يكن ما كان يعلمه يغنيه عن الناس وإنما الأمة كانت في غنى عن ثرى علمه. وحديث استفتاء غيره ملأ كتب الحديث والسنن وشحن معاجم التاريخ والسنن فماذا بعد الحق إلا الضلال)([141]).
هكذا يفكر أساطين التشيع الفارسي! وهكذا علَّموا جمهورهم. وهكذا يفكر العجم في العموم إلا من رحم.
إن الطرائق التقليدية في الخطاب لا تنفع مع أمثال هؤلاء.
لا بد من خطاب آخر إن لم ينفع معهم- فعلى الأقل- لا يضر غيرهم .
إننا ومنذ ثلاثة عشر قرناً نخاطبهم خطاباً لا يفهمونه.
لقد آن لكل إنسان أن يدرك أن الجدران ليس لها من آذان!
 
يقدمون الورود لمن يبصقون في وجوههم
ومع هذا كله نجد من علماء السنة من يكيل المديح لهذا الرقيع وكتابه!
هذا الشيخ محمد سعيد العرفي وهو من علماء سوريا الذين يمتازون بالحرية والاستقلال الفكري والجرأة الأدبية. صاحب كتاب (سر انحلال الأمة العربية ووهن المسلمين). لكنه - ككثير من علمائنا - ليس عنده مناعة فكرية ضد التشيع الفارسي ولا
خبرة بأساليب علاجه . وهذا بعض ما جاء من تقريظ للكتاب وصاحبه:
(سماحة الحجة العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي المكرم…قد أسعدني الحظ بمطالعة أجزائكم الثلاثة: الأول والثاني والرابع من كتب (الغدير في الكتاب والسنة والأدب)… فلم استطع أن أكتم ما يختلج به ضميري من سرور متواصل وسعادة غير منقطعة لأني لا أنكر أن هذا الباب قد طرحه كثير من فطاحل الرجال إلا أنهم لم يوفوه حقه كما فعل الحجة الأميني فلقد دون آراء لم يستطع الأولون على أن يأتوا بمثلها… إذن لا لوم علي إذا قلت: إن المؤلف قد جمع في هذه الأجزاء الثلاثة من العلوم والآداب ما صير (الغدير) عيداً شاملاً لكل مؤمن… وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأطهار وسلم تسليما)
ولا تنس أن تلاحظ المجاملة الأخيرة بإضافة (الأطهار) إلى (آله)، وعدم شفعه بذكر (صحبه) حتى لا يجرح شعور المؤلف الرقيق الذي أبت صفاقة وجهه ووقاحته الفارسية عليه أن يجعل لصاحب هذا التقريظ فضلاً بل جعل الفضل لنفسه عليه لأنه سمح لمثله أن يقرظ كتابه كما جاء ذلك صريحاً بقوله الذي تقدم التقريظ: (كتاب كريم جاءنا من البحاثة المفضال… فنحن تقديرا لمقامه العلمي والأدبي الشامـخ، وإعجاباً بخلائقه الكريمة ننشر الكتاب بلفظه مشفوعاً بشكر غير مجذوذ)!
هل رأيتم رجلا يقول لضيوفه: (تشرفتم بزيارتي)!
 

منهج قديم لكنه بائس

قد يتصور أصحاب المنهج الترضوي أنهم وقعوا على اكتشاف جديد لم يعرفه الأولون. ووجدوا الدواء السحري الذي ظلت الأمة تتخبط قرونا وهي تحاول العثور عليه! إذن ما بقي إلا أن تجربه لتشفى بإذن الله!
والحقيقة أن هذا (الدواء) قديم وقديم جداً! ومن قِدمِه تحول إلى سم، لأن فترة صلاحية استعماله انتهت منذ زمن بعيد.. وبعيد جداً!
ولقد جربناه فما ازددنا به إلا خبالا ووبالا!
وإن لم تصدقوا فانظروا إلى الواقع! إنه لا يزداد إلا سوءا وترديا رغم امتلاء الكتب والمصادر بهذه (الوصفة) المشؤومة، ورغم أن الدعاة والخطباء والوعاظ والمتصدرين يلهجون بها صباح مساء.
إن التقرب إلى التشيع الفارسي زلفى قديمة قدم كتب الحديث والتفسير وأسباب النـزول والعقائد والتاريخ والسير والمواعظ والرقائق والأدب.
خذ المسند والمستدرك وتاريخ الخلفاء والعقد الفريد، تغنيك عما ألف من قبل ومن بعد، ويزيد! فماذا كانت النتيجة؟! معكوسة تماماً!
لقد تضررنا بهذا الركام الذي لم ينتفع به رافضي واحد! وصرنا في النهاية نصدق هذه المجاملات المائعة من طول ما تلقيناها بألسنتنا ورددناها بأفواهنا بحيث إذا خرج من بيننا من ينكرها صرنا نحن الذين نقول له: إنك تسيء إلى أهل البيت فانتقلت دائرة الصراع إلى ساحتنا!
هذا كل ما جنيناه بأيدينا! وإذا استمرت الحال على ما هي عليه من التدهور فالمستقبل لا يبشر بخير!
 

حصاد القرون

بين يدي كتاب بعنوان (الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب) مؤلفه - كما ورد في غلافه - الفقيه المحدث الشيخ يوسف بن الشيخ احمد بن إبراهيم البحراني 1107-1186 هـ.ق تحقيق السيد مهدي الرجائي. تاريخ طبع الكتاب 1419هـ.ق وعنوان الطبع: (قم… الجمهورية الإسلامية الإيرانية).
فالكتاب مطبوع قبل ثلاث سنوات فقط وبإشراف المسؤولين في (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) التي تبكي بدموع التماسيح على التقريب ووحدة المسلمين الضائعة!
موضوع الكتاب إثبات أن الناصب أو الناصبي هو من قدم أبا بكر وعمر على علي، أو أحبهما وإن لم يبغض علياً. أي إثبات أن أهل السنة جميعا نواصب يحل دمهم ومالهم!
يقول هذا الكافر الزنديق: (اعلم أنه قد ورد عنهم عليهم السلام إن مَظهَر هذه العداوة والدليل عليها أحد شيئين: إما تقديم الجبت والطاغوت([142]) والقول بإمامتهما أو بغض شيعتهم ومواليهم من حيث التشيع.
أما الأول فقد رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا أبى الحسن الهادي (ع) في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه أساله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بإمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب.
وهذا الحديث كما ترى صريح في ثبوت النصب والعداوة لكل مقدم للجبت والطاغوت…
وأما الثاني فقد رواه الصدوق طاب ثراه في كتاب العلل بسنده إلى عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت. لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد. ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا. ورواه في معاني الأخبار بسند معتبر.)([143])
(ولقد أجاد فيما أنشد وأفاد شيخنا أبو الحسن سليمان بن عبد الله البحراني طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه حيث قال:

لحى الله من ولى الصهاكي([144]) إمرة

 

وأجلسه في مجلس العقد والحل

ومن أطرف الأشياء عند أولي النهى

 

خلافة ذاك الفاجر الكافر النغل

زنيم دعي أمه هي أخته

 

وعمته فيما رواه ذوو الفضل

أبوه لعمري جده ثم خاله

 

فبخ له من لغية طيب الأصل

إلا أبلغ الأنصار مني أُلوكةً

 

قوارعها تنكي القرائح كالنبل

وقل لهم ضلت حلومكم كما

 

رضيتم بجلفيِّ العتاة ذوي الجهل

رضيتم عديا بعد تيم ونعثلا

 

وزفرا كما حدتم عن السيد الجزل([145])

أورد هذه الأبيات وهو يبصق في وجه الإمام الرازي (كرم الله وجهه) الذي قدم لهم باقة ورد!
يقول البحراني ناقلاً قول الشوشتري: (فأما قول عالمهم الحافظ البارع الطيبي في شرح المشكاة حيث قال: ونعم ما قال الإمام الرازي في تفسيره: نحن معاشر أهل السنة بحمد الله ركبنا سفينة([146]) محبة أهل البيت واهتدينا بنجم هدى أصحاب النبي   صلى الله عليه وآله وسلم . فمن باب تخمير النار بالهشيم وتغطئة لهبها بالحمم حذرا من نشوء الافتضاح ومخافة على المذهب من السخافة وهل هذه الدعوى إلا كما إذا حاول أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعاء أنهم الذين يحبون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ويتمسكون به دون أمة أجابته من المسلمين الذين يؤمنون بنبوته ويدينون بدينه انتهى كلامه زيد مقامه).
وفي موضع آخر يورد أبيات شعر لأحد المائعين من حملة أكاليل الورود ثم يبصق في وجهه ويلطمه بالحذاء! تقول هذه الأبيات الوردية المائعة الخانعة:
 

أهوى علياً أمير المؤمنين ولا

 

أرضى بسب أبي بكر ولا عمرا

ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا

 

بنت النبي رسول الله: قد كفرا

الله أعلم ماذا يأتيان بِهِ

 

يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا

 
هذه الأبيات المائعة يرسلها أحد مشايخ الملة الضائعة، واسمه صالح بن الحسن الجزائري إلى الشيخ البهائي قائلاً: هذه الأبيات لبعض النواصب - تبر الله أعمارهم وأخرب ديارهم - فالمأمول من أنفاسكم الطاهرة وألطافكم الظاهرة أن تشرفوا خادمكم بجواب منظوم عن هذه الأبيات نكسر به سورة هذا الناصب وأمثاله من الطغاة.
فيجيبه البهائي: الإجابة عما هدر به هذا المخذول([147]):

يا أيها المدعي حب الوصي ولم

 

تسمح بسب أبي بكر ولا عمرا

كذبت والله في دعوى محبته

 

تبت يداك ستصلى في غدٍ سقرا

وكيف تهوى أمير المؤمنين وقد

 

أراك في سب من عاداه مفتكرا

فإن تكن صادقا فيما نطقت بِهِ

 

فابرأ إلى الله ممن خان أو غدرا

وأنكر النص في خم وبيعته

 

وقال إن رسول الله قد هجرا

أتيت تبغي قيام العذر في فدك

 

أتحسب الأمر بالتمويه مستترا

إن كان في غصب حق الطهر فاطمة

 

سيقبل العذر ممن جاء معتذرا

فكل ذنب له عذر غداة غد

 

وكل ظلم يرى في الحشر مغتفرا

فلا تقولوا لمن أيامه صرفت

 

في سب شيخكم: قد ضل أو كفرا

لكن إبليس أغواكم وصيركم

 

عمياً وصماً فلا سمعاً ولا بصرا

ويعلق البحراني على هذه الأبيات بقوله: ولقد أجاد في هذا المجال من قال: لعمرك ما ودك من والى ضدك ولا أحبك من صوب غاصبك([148]).
فتأمل – واعجب - كيف يهدر المخذولون من أهل السنة بالتزلف إليهم، ثم انظر بم يرجع الهادرون!
والمشكلة أن اللاحق لا يعتبر بالسابق بل لسان حاله يقول: أنتم السابقون ونحن بكم إن شاء الله لاحقون. أنتم فرطنا ونحن بالأثر!.
فإذا ذكَّرته قال: إن هذا كلام المتعصبين من المتقدمين. ولقد تغير القوم وها هم يمدون أيديهم إلينا بالتقريب ونسيان الماضي، ونحن أبناء اليوم وعفا الله عما سلف! حتى رأيت أحد أفاضل الكتاب -ومن هو من خيرة المفكرين والمنظرين- من يسلك الخميني وخليفته خامنئي في سلك المقربين المعتدلين!! وهما هما في إجرامهم وحقدهم على الأمة والصحابة وتكفيرهم واستحلال دماء أهل السنة!
ولم يكتف بهذين الزنيمين بل سلك معهم عبد الحسين الموسوي الكذاب الأشر صاحب فرية (المراجعات)، ومحمد القمي الذي يقول عن الفاروق أنه مصاب بداء لا يشفيه منه إلا ماء الرجال! وآخرين لا يذكر واحداً منهم إلا ويقدم لاسمه بكلمة (الإمام) مثل محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة المفسد، الذي ملأ كتبه بسب الصحابة الكرام، ومحسن الحكيم الإيراني المدسوس!
انظر إليه كيف يقول: قد توالت دعوات الإمام الخميني للوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة. وطلب من الشيعة في الحج تجنب كل ما من شأنه تفرقة صفوف المسلمين… أما السيد علي خامنه ئي رئيس الجمهورية فيعتبر وحدة المسلمين في العالم اليوم إحدى المسائل الهامة الضرورية. أما الذي يقول باستحالة الوحدة بين السنة والشيعة فهو جاهل في الإسلام)([149])!
ومما جاء في كتاب ذلك الرافضي الخبيث يوسف البحراني تحت عنوان: (حل دم الناصب وماله): (اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عنهم- عليهم السلام- بحل دماء أولئك المخالفين وحل أموالهم مع أمن الفاعل على نفسه أو ماله وإخوانه من الضرر) واستشهد على فتواه الكافرة هذه بعدة روايات منسوبة إلى جعفر بن محمد وأبيه محمد بن علي وولده موسى بن جعفر رويت في كتاب (تهذيب الأحكام) لأبي جعفر الطوسي و(علل الشرائع) للقمي و(الكافي) للكليني و(الأنوار النعمانية) لنعمة الله الجزائري. ثم قال: (وحينئذ فبموجب ما دلت عليه هذه الأخبار وصرحت (كذا) به أولئك العلماء الأبرار لو أمكن لأحد اغتيال شيء من نفوس هؤلاء وأموالهم من غير استلزامه لضرر عليه أو على أحد من إخوانه جاز له فيما بينه وبين الله تعالى)([150]).
هذه حقيقة الخميني وخامنئي وثمار دولتهم (الإسلامية)!
وأما دعوتهم للتقريب وقولهم بوجوب الوحدة بين أهل السنة والشيعة فيتولون هم الجواب عنها. يقول يوسف البحراني هذا:
(قد ورد الأمر في الشريعة المحمدية أن احجبوا دينكم بالتقية. ولعل هذا هو السر في تصريح علمائنا المتأخرين بإسلام أولئك المخالفين كما قد نقل فضلاؤنا المتأخرين (كذا) عن الشيخ (أي الطوسي) من أنه أظهر تلك في بعض مصنفاته تقية لقوله بكفرهم كما نقله عنه غير واحد من الأصحاب)([151]).

المتأخرون شر من المتقدمين وأضل عن سواء السبيل

يخطئ من يظن أن الشيعة تغيروا – أو يمكن، وهم على حالهم هذه ، أن يتغيروا - إلى الأحسن، ويخطئ من لا يعتقد أن الرافضة يزدادون شراً كلما تقدم بهم الزمن!
حينما كنت اقرأ في كتاب (المراجعات) و(الفصول المهمة في تأليف الأمة) وأمثالهما من تواليف المفتري عبد الحسين الرافضي، كنت أعجب من جرأته على الكذب والتحايل والتلون! حتى إذا خرج علينا التيجاني السماوي بتواليفه تذكرت المثل القائل: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصاراً وقلت: ما على هذا مزيد. فإذا بنا نفاجأ بمن هو أكثر سما وحقدا، وأسلَط لساناً وأطوله وأشده انغماسا في المستنقعات القذرة!
بين يدي كتاب آخر – وقائمة الكتب لا يحيط بها البصر - عنوانه قريب من عنوان الكتاب السابق (الشهاب الثاقب المحتج بكتاب الله على الناصب) لمؤلف معاصر من الحلة اسمه عالم سبيط النيلي باسم مستعار هو الشيخ أبو علي السودائي.
من تتصور هذا (الناصب) الذي يريد أن يثقبه هذا النيلي بشهابه؟ إنَّهُ أحمد الكاتب الرجل الشيعي الذي لم يخرج عن الشيعة إلا في مسألة واحدة هي مسألة (المهدي المنتظر)، صاحب كتاب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)!
فإذا كان أحمد الكاتب من النواصب ففي أي خانة أم تحت أي عنوان يضعنا هؤلاء النواعب؟!
انظر لترى كيف ينفث هذا الحاقد المعقد حمم حقده ويصب جام غضبه على صاحبه وابن جلدته!:
(تباً لك أيها الكاتب الغبي الذي لم يحسن المدخل فأعيت عليه المخارج. أقسم بالله العظيم لولا الاقتداء بعلي بن أبي طالب (ع) في عدم تكليم الجهال والمنافقين لكلمتك بكلام آخر أجعلك فيه عبرة لكل معتبر. لكن هيهات يمر ذلك بسلام عليك فانتظر فادحة تحل بك وفاقرة تقصم عماد ظهرك تتبعها رادفة تنقلك إلى النار وقريباً وقريباً جداً([152]) فانتظر وتربص فإنه وعد حق على لسان الرسول المصدق  صلى الله عليه وآله وسلم واللعنة على عدوه
والراد عليه)([153]).
وكتابه هذا من أعجب ما اطلعت عليه من كتب تفوح قذارة وتموج بالنتن!
لقد شتم الصحابة شتما مقذعا أهونه التصريح بكفرهم ! وقذف أمهات المؤمنين قذفاً اخترق به حجاب الله الذي ضربه تعالى حولهن!
هذه نتف مما جاء فيه وأنا متردد بين تقييدها وتركها:
(حينما حكم الأشباه والنظائر من غير مشورة المؤمنين قامت المعارضة على السلطة القرشية المسندة من قبل اليهود والروم ([154]) بأحلاف سرية ومعاهدات خفية تستر عليها المجرمون وظهرت رائحتها فيما بعد من خلال فلتات السنة المؤرخين وعبر الأحداث. ولكن هذه الأمة([155]) لا زالت تزور وتكذب وتماري في الحق. فلماذا اتفقت كلمة العرب على محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختلفت بشأن أبي بكر؟
هل ارتدت العرب فعلا يا أبناء المكذبين أم كانوا معارضة([156]) سياسية على حكومة لا شرعية؟… لقد بلغ طغيان أبي بكر أنه أجبر أسرى المعارضة على الإقرار بأن (قتلاهم في النار وقتلى جيش أبي بكر في الجنة) فتصور!! وكأن هذا الطاغية له صلاحية بلغت الحدود حتى حل محل رضوان ومالك خازني الجنة والنار… لقد ارتدت حسب زعمهم العرب إلا قريش!
ولو لاحظنا أحداث الردة لوجدناها أكذوبة. بل الردة هي في قريش. وأما العرب فهي على الأمر الأول. ولكن بعض الكفرة استغل الأحداث والانقسام فادعى النبوة. وتوجد معلومات أخرى([157]) أن المدعين للنبوة أرسلوا من قبل القيادة الجديدة أصلاً باتفاق مع اليهود وذلك لإسناد محاربتهم لهم بسند شرعي وأن المتابعين لمسيلمة الكذاب وسجاح قد وقعوا بين فكين وأن القيادة الجديدة ضحكت عليهم حتى حرضتهم على الردة ودفعت لهم الأموال وغدرت بهم فأبادتهم… فافهموا التاريخ أولاً والقرآن ثانياً وكلام الأولياء ثالثاً قبل أن تؤلفوا الكتب يا أولاد الخنا والعار وشذاذ الأفاق وزبالة تاريخ
الأمم)([158]).
ويقول عن (الإمامة): (بلاء ومحنة لا كرسي يسيل اللعاب لرؤيته كما هو عند أبي بكر وعمر وعثمان صاحب القميص… وقد كان جده المعاهر المحكوم عليه بالنفي إلى الشام أقر رغم عهره بضرورة تنفيذ أمر النفي الذي حكمت به العرب. فكم ورث إذن من العهر حتى بلغ هذا الحد؟ وهل هناك من عاهر يموت ولده وزوجته جوعاً وعطشاً ويرفض تسليم السلطة إلا ذلك النوع من المعاهرين الذين يعبدون الكرسي؟!)([159]).
وقال وهو لا يزال يلف بين مراثه ومعتلفه: (اتباع اثنا (كذا) عشر متفقين في القول خير من اتباع ثلاثة مختلفين في كل شيء وأربعة فقهاء وثلاثة عشر (كذا) فرقة من المتكلمين وستة عشر من الصوفية. واتباع من تسري (كذا)! في أجسادهم شيء من رائحة صاحب الرسالة خير من اتباع عدي وتيم وهي منبوذة عند قريش… واتباع إمام عليم خير من اتباع إمام جاهل أقر أن ربات الحجال والعجائز أفقه منه. واتباع إمام أبي أئمة خير من اتباع إمام ابتر وإمام ابتر وإمام ثالث ابتر… واتباع إمام ذي حياء خير من اتباع جاسوس كان جاسوساً لقريش على النبي وبقيت الوظيفة وحبها في نفسه حتى كان يتسور على الدور ويهتك الستور. وقد أفحمه شارب الخمر حيث قال له: يا عدو الله أتشرب الخمر؟ فقال السكران: أنت يا عمر عدو الله. أنا فعلت واحدة وأنت فعلت ثلاثة: فقد تسورت وقد قال الله: (واتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) … يا للزمان الذي جعلنا نقارن بين اختيار علي الوصية وعمر الشورى! فان عمر الشورى لا يقارن أصلا بهذا (السكران الفقيه) لا والله ولا يساوي نعليه فانه أضر نفسه وحفظ أخلاقاً من كتاب ربه فكيف يقارن بمن أفسد العالم ومنع رحمة الله من الدوام؟)([160]).
وقال: (يكفي أن تعلم أن فضائل عمر المذكورة في التاريخ صحيحة كلها، ولكن على معناها الصحيح في اللغة لا بالمعنى الساذج لدى المفسرين وهذه أمثلة منها… اخرج الترمذي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر) وهذا غير معقول إلا إذا كان زعيمهم… ولا يفر الشيطان إلا من سيده ورئيسه كما يفر الناس من جبار من جنسهم… لو كان ثمة احتمال في إيمان أبى بكر وعمر لآمن الناس كلهم ولم يختلف من أمته رجلان لأنهما أكفر الخلق… وأخرج الحفاظ عن مجاهد قال: (كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر)… ولا معنى لهذا إلا أن يكونوا قد اكتفوا بعمله فبقوا لا شغل لهم)([161])..
 
كلام يهتز له العرش!
هذا الذي سأكتبه هو ما يمكن أن يكتب وينقل وقد لا يوافقني الكثيرون على كتابته لعظمته! مع أني اضطررت إلى الإعراض عن تقييد عبارات بل صفحات كثيرة جداً لا اجرؤ على تقييدها ولو على أساس أن ناقل الكفر ليس بكافر!
من ذلك الذي استطعت نقله: (لماذا أصر أبو بكر وعمر على تزويج ابنتيهما من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدما يئسا من التزوج بفاطمة؟
لقد كانت الخطة موضوعة سلفا. فهما جاسوستان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدربتان كأحسن ما يكون التدريب. وقامتا بالدور الموكول بهما بكل أمانة. وجاء تحريم الزواج بهن من بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضربة موجعة.
إن الخطة كانت ترمي إلى الانتهاء من موضوع النبي بسرعة، ومن ثم يأخذن حريتهن في الزواج من بعده أو بالطلاق خصوصاً وأنهن شابات دون سائر نسائه العجائز.
من هنا أصيبت عائشة بخيبة أمل وحصل عندها ما يسمى اليوم بازدواج الشخصية وأصيبت بمرض نفسي. وهذا المرض واضح جداً في كل سلوكها اللاحق وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة الجنسية ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يطأها قط فهي رجس. وكان شرطه للوطء هو أن تؤمن بالله ورسوله وتكفر بأبيها وتؤمن بوليها وكان صلى الله عليه وآله وسلم ينصحها ويرشدها لكن الكفر المتأصل فيها أبى عليها الإيمان) ([162]).
(قامت بحادثة تسمى عند المفسرين حادثة الإفك وهي حادثة ملفقة فإن تأخرها عن الركب لم يكن من الإفك وإنما حقيقة تاريخية نفذت فيها وصايا وأوامر خاصة من القيادة العليا فحاولت الإساءة إلى الرسول ولو على حساب سمعتها! وقد جعلها هذا -وبحسب دراستي لنفسيتها- جعلها تكره الطرفين في آن واحد: محمد الرسول وأعداءه على حد سواء. ولذلك قامت بالسلسلة الطويلة من الأعمال اللاحقة بعدما رجعت الفضيحة اليها) ([163]).
وقال هذا اللعين: (كانت عائشة أكبر متبرجة في التاريخ البشري لأننا لا نعلم أي واحدة من الملكات مثل ملكة سبأ أو تدمر أو غيرها خرجت بنفسها على رأس الجيش ووقفت بين الصفوف… عائشة هي أكبر متبرجة في تاريخ النساء ولها السبق في هذا المضمار. ومن هي؟ إنها ابنة أبيها (كلمة الذين كفروا) في الغار فلا تستهن بقدراتها الفائقة ومكرها وحيلها الغريبة فهي أبرع امرأة في التحريف والتزوير والتبرج ولا غرابة ما دام محمد أعظم الخلق فالضد إنما يظهر فضله الضد) ([164]). ثم اتهم هذا الخبيث أم المؤمنين بأمور لا استحل نقلها فالله حسيبه. والحمد لله الذي انتقم منه سريعا فلم يمهله حتى سلط عليه من أزهق روحه إلى جهنم وبئس المصير!
 
فأين أساطين التشيع وأدعياء التقريب؟!
لقد أهدر الخميني المقبور دم سليمان رشدي الرافضي الهندي دعاية وتطبيلا ورئاء الناس. أنا لم أقرأ كتابه ولكن قد لا يكون فيه ما هو أسوا مما كتب هذا الخبيث! فهل سمعت بواحد من أدعياء التشيع أنكر عليه أو تبرأ منه؟!
على العكس!
له كتيب اسمه (نجوم القرآن المبين في ولاية أمير المؤمنين) جاء في أوله تحت عنوان (تعريف) عدة كلمات لبعض الذيول والنكرات([165]) منقولة (عن مجموعة مقالات منشورة في الصحف العراقية) - هكذا جاء النص - هذه نماذج منها:
إن عالم سبيط كان جريئا في كتاباته قويا في حججه.
إن عالم سبيط هو هدية العصر لفكرنا المعاصر.
لعل رحيل عالم سبيط قطع سيرة حياة فكرية أثمرت خلال فترة وجيـزة عـن
مشروعات وتأسيسات هامة في فحص ونقد الكثير من جوانب الفكر اللغوي.
عالم سبيط الذي ضاعت علينا به فرصة تاريخية لتغيير المعرفة الإنسانية.
 إن هؤلاء ذرية بعضها من بعض. وما مثلهم جميعاً إلا (كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث).
ولا أريد أن أسود هذه الصفحات البيض بأمثلة مما سطره الآخرون كنعمة الله الجزائري ومحمد التيجاني السماوي ومحمد رضا الزنيم أو الحكيم وغيرهم ممن يقيئون قذارة ونجساً على تاريخ هذه الأمة ورجالها ورموزها الذين لا مثيل لهم في الأمم جميعا كما قال تعالى:)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(110)(آل عمران. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)[166].
إن أولئك الطاعنين الذين يقيئون حقداً ورجساً - وكل علماء الرافضة ودعاتهم كذلك – هل تزيدهم المجاملات ومحاولات التقريب إلا غروراً، وعتواً ونفوراً، وطغيانا وكفرا وتماديا وجرأة؟!
وما مثلهم ومثل أصحاب المنهج الترضوي ومثل أصحاب المنهج القرآني النبوي إلا كمثل رجل سوء استزل امرأة فقبلها فإذا بأخيها ينظر إليه! ودهش الرجل لموقف أخيها البارد الذي لقيه في اليوم الثاني فألقى التحية عليه وصافحه. وفي اليوم الثالث رآه ممسكا بذراعها يتأبطه وهما يمشيان على شاطئ النهر فلم يفعل شيئا! ثم رآه بعد ذلك مختليا بها في حديقة عامة! ترى ! ماذا سيفعل بها ذلك الرجل في المرة الخامسة أو ما بعدها؟!
وكان لذلك الديوث أخ غيور كان صغيراً فكبر وقد وقعت الواقعة بعد المرة السابعة فصاح يوماً بأعلى صوته: لا بد لهذا الخنا من نهاية فإذا بأخيه يرد عليه قائلاً: يا أخي خفض من صوتك فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه. والكلمة الطيبة صدقة. قولوا للناس حسنا. احذر أن يسمع صاحبنا صوتك فينخدش شعوره أو ينجرح  إحساسه أو ينفر فنخسره!
أيها السادة! إن الدين أغلى من العرض! فكيف إذا طعن في الدين والعرض؟! وأي عرض!! عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشرف الخلق و(أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)!!
وليس هذا الطعن شأن العلماء وحدهم بل إن جمهور العامة معهم يظاهرونهم ويناصرونهم ويتلذذون بمطاعنهم فينا وفي ديننا وإسلامنا! ولهم في طاعة علمائهم والسرعة في تمثل أقوالهم وتوجيهاتهم وتطبيقها وتحويلها إلى مفردات يتعاملون بها حالة عجيبة مهما بدت طائفية حاقدة أو خارجة عن المعقول !
إن قوما يفتخرون بالعار يجلل رؤوسهم ويشمخون بأنوفهم على من يكلل رأسَه تاجُ الإيمان والجهاد والسمو والطهر ليسوا من بني آدم في شيء.
إنهم أبالسة ! وإلا فإني لا أستطيع أن أتخيل مخلوقاً غير إبليس يمكن أن يرفع رأساً مضخما بالنتن على من يحيط رأسه إكليل الجواهر والذهب والياقوت.
هل رأيت إنسانا غاطساً في خزان للمياه الثقيلة يسب رجلاً خرج لتوه من حمام وقد عطر جسده بأطيب العطور يقول له: ابتعد عني أيها القذر!
أنا رأيت أمثال هذا ! إنهم دعاة التشيع الفارسي والسائرون في ركابهم!
كيف يعالج هؤلاء المرضى المخبولون الذين استحبوا العمى على الهدى؟! هل ينفع معهم أن نقول: لا فرق بيننا، ونحن وإياكم سواء، وإن عليا زوَج ابنته أم كلثوم بنت فاطمة من عمر، وأن له من الأولاد أبا بكر وعمر وعثمان، وأننا نحب أهل البيت؟ هذا إذا لم نصل إلى حد المداهنة والغلو في علي وذريته.
لقد قلنا هذا وأضعافه ومنذ مئات السنين فماذا كانت النتيجة!
إذا وصل التردي العقلي والفكري إلى هذه الدرجة فهل من علاج سوى الصدمة؟!!
نعم قد لا يستعيد الكثير منهم وعيه بهذه الطريقة، وليس من شأننا أن نحيي الموتى كما قال تعالى: )إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) الأنعام. إنما – على الأقل - نبعد الآخرين عن السقوط والتردي، وننقذ من يمكن إنقاذه ممن أصيبوا - أو يكادون أن يصابوا - بهذا الداء الوبيل.
وعلى أضعف الاحتمالات يؤدي الإنسان ما عليه ويقول الحقيقة ويقوم بدوره في إنكار المنكر. وإلا ضرب الله قلوب بعضنا ببعض وأحل علينا ما نستحق كما قال سبحانه:)لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)( المائدة.
عن ابن مسعود t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) ثم قال: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ( إلى قوله: )فَاسِقُونَ( ثم قال: (كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم). رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم :(لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) فجلس رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم وكان متكئاً فقال: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا)([167]).
وعن ابن مسعود t أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن .
وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)! رواه مسلم([168]).
وعن حذيفة t عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) رواه
الترمذي وقال: حديث حسن([169]).

منهج فاشـل

أمام هذه الهجمة الشاملة الشرسة لم يستطع المنهج الترضوي إثبات صلاحيته للمواجهة. لا في علاج الحالة ولا في إيقاف زحفها وانتشارها.
هذا على الصعيد العملي.
وأما على الصعيد النظري فإن المنهج الترضوي ما هو إلا مولود غير شرعي للتزاوج الحاصل بين نفس ضعيفة وواقع ضاغط. ولم يولد ولادة طبيعية شرعية من خلال كتاب الله وسنة رسوله.كل مستنده تعلل بالواقع أو فهم خاطئ، يقوم على اجتزاء النصوص وانتقاء الأدلة ليتمكن من تفسير (الحكمة) بالسكوت عن الباطل ومداهنته، و(الموعظة الحسنة) بالرقائق التي تداعب العواطف وتخدر العقول ولو بالقصص المختلقة والروايات الضعيفة الواهية بل الغالية أملاً في رضا قد ولى زمانه وانقضى!
نعم! (للضرورة أحكامها) وهي قاعدة فقهية أصولية عظيمة. لكن (الضرورات تقدر بقدرها)([170]) وهي قاعدة فقهية أصولية أيضاً تكمل الأولى وتوجهها (فما جاء لعذر يبطل بزوال العذر)([171]). علماً أنهذا القدر يختلف زماناً ومكاناً وأعيانا.
وهذه القواعد تتعلق (بالرخصة) وهي الأحكام الاستثنائية المتعلقة بالعوارض الطارئة وليست أحكاماً أصلية دائمية.
 
وفي كل الأحوال لا يصح أن نعطي للشذوذ والاستثناء و(الرخصة) حكم القاعدة
والأصل و(العزيمة). فالميتة حكمها الأصلي والدائم الحرمة. ولا يقال عنها: حلال أبداً إلا أنها تباح عند الاضطرار. وحتى لو دامت حالة الاضطرار فان هذا لا يحيل الحكم الشرعي ويجعله بالمقلوب.
أما أن نجعل من العوارض الآنية حالة مرْضية نتعايش معها ونرضى بدوامها، ومن الأحكام الاستثنائية أحكاما أصلية فذلك شذوذ خطير، علينا علاجه وتصحيحه.
 
شهادة الواقع
قد نختلف في تفاصيل طرق العلاج ونخطئ في توصيف دواء جديد فعال للحالة. إلا أنه لا ينبغي أن نختلف في شيء واحد هو أن المنهج الحالي الذي نسير عليه منهج فاشل فاشل. إن لم نكتشف فشله من حيث النظر والتأصيل، ففشله واضح
- وواضح جداً - من حيث الفعل والتحصيل. ونظرة بسيطة على الواقع تنبيك عن هذا الفشل الذريع!
إن أصحاب المنهج الترضوي يراهنون على الواقع ويجعلونه حجة على فشل أي منهج آخر! فهلا نظروا إلى الواقع ليستدلوا به على فشل منهجهم المطبق منذ قرون أم يحسبون أنهم جاؤوا بجديد أو اكتشفوا شيئاً لم يعرفه الأولون؟
دونكم هذا الواقع وما فعل فيه هذا المنهج البائس!
ألسنا نتراجع على مر الزمن أمام الزحف الشعوبي؟
انظروا إلى الواقع قبل مئة عام فقط ، ثم انظروا إليه اليوم واحكموا بأنفسكم على منهج هذه نتائجه!
تأملوا وجه بغداد قبل خمسين عاماً فقط. ثم تأملوه اليوم لتروا كم تجهم! وكم حصلت فيه من تجاعيد وأخاديد!
طف في أسواقها. وانظر إلى أصحابها. وتأمل ما رفع من شعاراتها. ثم انظر لحالك تجدها كما قال أبو الطيب المتنبي:

ولكن الفتى العربيَّ فيها

 

غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ

أيسركم أن تسلموها بعد خمسين عاماً هدية باردة على طبق من ذهب إلى أولئك الشعوبيين الحاقدين؟!ثم يمموا وجوهكم شطر نينوى والأنبار واحكموا بأنفسكم!
 
سر قوة الرافضة
ثم اسمحوا لي أن أوجه إلى حضراتكم هذا السؤال:
ما الذي تتصورونه وراء انتشار التشيع الفارسي وقوة الرافضة ؟ الهجوم أم الدفاع؟
هل رأيتم رافضياً يعرف الدفاع أو اللعب في منطقة الوسط؟ أم كلهم مهاجمون من الطراز الأول، يجاهرون بالسب واللعن والشتم والطعن . وفي الوقت نفسه يصرخون : نحن مظلومون مضطهدون؟! حتى كدنا نصدق الأسطورة! بل صرنا نردد ما يقولون! وهاهم أولاء خطباؤنا وشعراؤنا يخطبون في عاشوراء ويتحدثون عن (مظلمة) الحسين و(مقتله)!
صحيح إنهم لم ينـزلوا إلى ذلك المستوى، ولكن اصبروا قليلاً! وسترون! إن أول الغيث قطرة ثم ينهمر.
تقولون: نريد كسب العوام من الرافضة نستدرجهم شيئاً فشيئاً . ألا تدركون أنكم مهما فعلتم وخطبتم وبكيتم فإنكم ملعونون على لسان رستم ويزدجرد بن بوران، ما لم تكفروا بأبي بكر وعمر وعثمان! أم أن اكتشاف هذه الحقيقة يحتاج إلى ذكاء وتفكر وعناء!
أيها الأحبة! إن فعلكم هذا هزيمة في كل القياسات ولا ثمرة من ورائه سوى أضعاف مناعة أهل السنة وتمييعهم لتشييعهم فارسياً بهدوء، وتسليمهم هدية باردة بلا جزاء ولا شكور.
وإن منهجكم هذا لا يُصلح أسرة واحدة. ولا يصلح منهجاً أو قانوناً حتى في اللعب!
تخيلوا فريقاً كروياً انسحب إلى منطقة الدفاع، وصار لاعبوه يتجنبون التقرب  من خط الوسط بل أعلنوا ذلك واعتبروه من محرمات اللعبة وفرضوه على أنفسهم دون أن يلزموا الفريق المقابل بالمثل.
إن هذا سيسحب الخصم إلى الأمام، ويحول لاعبيه جميعاً إلى مهاجمين وعليك – بعد- تصور النتيجة!
هذا هو الذي جرأ علينا أولئك الأقزام القذرين وجعلنا نخرج – أو نكاد- من الساحة مهزومين!
لقد فرض الشيعة دينهم بأسلوب الهجوم الكاسح العنيف وكسبوا إلى صفوفهم الكثيرين وبلعن أبي بكر وعمر!([172])
ترى!
لو لجأ الشيعة إلى الأسلوب الترضوي، وجاملونا فجاهروا بالترضي عن الصحابة
ومدحهم. وفعلوا هذا في مساجدهم وحوزاتهم ومنابرهم، واقتصروا على عقائدهم وشعائرهم سراً فيما بينهم، ولم يجاهروا بها إلا على سبيل الدفاع - أتراهم ينجحـون
ويحققون هذا الذي حققوه؟ كلا والله!
فإن لم تستفيدوا من كتاب ربكم وسنة نبيكم ولا من تاريخكم وتراثكم فاستفيدوا من تجارب خصومكم!
 

تجارب الأمم

إن المنهج الترضوي فاشل بدليل الوحي، ودليل العقل والتحليل النفسي ودليل التاريخ وتجارب الأمم.
خذوا النهضة العلمية الأوربية مثلاً. أن هذه النهضة لم تظهر للوجود وتصبح واقعاً، ولم تنتصر على سلطان الكنيسة لولا النضال والدم والصراخ والهجوم والتنديد الشديد بباطل الكنيسة وخرافاتها!
ترى لو قعد العلماء في بيوتهم واقتصروا بعلمهم على أنفسهم، أو بلغوه سراً هنا وتلميحاً هناك، واستعملوا (الحكمة) فجاملوا الكنيسة ومدحوا أحبارها ورهبانها -كما نفعل اليوم مع حاخامات قم وطهران- هل كان للعلم أن ينتصر على الجهل، والعقل على الخرافة والشعوذة؟!
ونصيحتي لإخواننا الترضويين – وبحكم الواقع الذي ارتضوه حكماً بيننا – أن يرجعوا إلى منهجهم العزيز وشرعهم الحكيم، ويتبرأوا من منهجهم الترضوي السقيم. فمن أبى فنصيحتي له –أيضاً- أن يلملم أغراضه ويضع عصاه على متنه ويغادر الميدان قبل فوات الأوان وحلول غضب الرحمان (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
 

نجاح المنهج القرآني النبوي

وفي المقابل وجدنا المنهج القرآني النبوي سليماً من الناحية التأصيلية النظرية ، وناجحاً من الناحية العملية التجريبية.
أما من حيث التأصيل فهو يقوم على الأدلة القطعية من الكتاب والسنة. وأما من حيث التطبيق فقد حقق – بحمد الله - نجاحاً ملموسا على صعيد الأفراد وعلى صعيد المجتمع كذلك، في بعض المناطق التي وجد له فيها فرصة للتطبيق . ولن ينقضي جيل أو جيلان حتى تبرز نتائجهُ- بإذن الله - ظاهرة للعيان بشرط حصول التكامل الفكري والعملي، وأن يجد له ثلة تمشي به في الناس.
ومن مزاياه أن المهتدين به يهتدون عن قناعة تامة، وفهم شمولي لمواطن الخطأ والصواب، لا يحتاجون بعده منا إلى مداراة، ومجاملات أو مداهنات على حساب الحق والحقيقة تشعر معها كأنك تحمل أحدهم على رقبتك أو كأنه جاثم على صدرك. أو كأنه الرقيب الذي يلتقط عليك كل كلمة أو حركة أو همهمة ولا تدري متى يتعكر مزاجه فينفر أو يصعب عليك علاجه كما هو الشأن لدى المنهج الترضوي، الذي مع كل هذا العنت فان القادمين من خلاله ليسوا – في غالبهم- سوى أرقام فارغة أو سالبة تتضخم بها أرصدة الدعوات التي تستعجل الحصاد حتى إذا جيء بهم إلى موقع الاختبار لمعرفة القيمة الحقيقية تبخر ذلك الرصيد!
 

ربح وهمي على حساب رأس المال

أرأيت تاجراً يضيع رأسماله أو يغامر به في صفقة خطرة، من أجل ربح لا يساوي عُشُرَه؟! كلا. فإن التاجر الحقيقي هو الذي يفكر أولاً بالمحافظة على رأس المال ثم يفكر من بعد بما يمكن أن يجنيه من ربح وإلا كان ربحه وهما اجتزأه من رأسماله الضائع!
وهذا هو كل ما جنيناه من وراء لهاثنا خلف المنهج الترضوي.
إننا نتوهم أننا نربح شيئاً دون أن نلتفت إلى أن هذا الربح إنما حصل على حساب زعزعة الصف الداخلي وهزيمته النفسية.
وفي الوقت نفسه ترى الباطل يقوى ويشتد، لأنه يكسب في كل يوم توثيقاً من خصمه، ودفعاً نفسياً لأصحابه وأنصاره يزيدهم تمسكاً به.
والنتيجة الإجمالية - بغض النظر عن بعض التفصيلات التي لا تؤثر على تلك النتيجة -أن الباطل يقوى ويشتد وصفك يضعف ويتمزق ويرتد، ويلتحق كثير منه- وأحياناً بالجملة– ليكونوا في الصف الآخر!
 

خرق كبير في جدار التحصين الداخلي

إن مداهنة التشيع الفارسي وترديد مقولاته –ولو بعد تلميعها وإخراجها إخراجاً مناسباً– يجعل هذه المقولات تتغلغل شيئاً فشيئاً في صفوف أهل الحق، مع شعور مستمر بالضعف، يتراكم فيؤدي إلى هزيمة نفسية قاتلة تؤدي بأهلها إلى أن يكون همهم الهام وشغلهم الشاغل كيف ترضي المقابل وتثبت له أنك تحب (أهل البيت) بدلاً من أن تجعله هو الذي ينهزم نفسياً فيكون همه وشغله كيف يثبت لك أنه يحب الصحابة فيترك سبهم والمجاهرة بعداوتهم. وهذه هي المشكلة حقاً.
وهكذا تحدث الخروقات وتكثر وتتصل فيما بينها وتتسع في جدار التحصين الداخلي حتى ينهار دون أن تنتبه إليه! لأنك مهموم ومشغول عنه بمحاولاتك اللاهثة في تقريب أولئك النافرين.
وليس لذلك في حقيقته إلا معنى واحد هو إعطاؤهم جواز المرور من خلال الجدار المخترق مع الوهم بأن هذا كسب وهو في الواقع اختراق واحتلال، لأنك حين تعلن فتقول: (لا فرق بيننا) فإن أصحابك يصدقون ما تقول ويحملون القول محمل العموم لأنهم لا يعرفون (التقية) ولا يؤمنون بها. ولا حدود التورية التي تقصدها فيفسحون المجال واسعا لدعاة التشيع الفارسي يصولون ويجولون. في حين أن أصحابهم محصنون بعدة حصون! وعندهم مناعة فكرية ونفسية تجاهك. انهم يجيدون فهم ما يقصده مراجعهم ودعاتهم إذا قالوا: (لا فرق بيننا). إنهم يدركون أن أشياخهم لا يعنون ما يقولون. إنما هم (يتقون).
إن هذه المقولة وأمثالها لن تكون في الواقع أكثر من عقد توثيق موقع وبإمضائك ومعترف به من قبلك يمنح السارق حق الدخول آمنا مطمئنا إلى بيتك مع جميع مراسيم الاحترام. وستصحو يوما فلا تجد في بيتك شيئاً. هذا إذا لم يدّع السارق ملكية البيت ويطالبك بمغادرته فورا وإخلاء البيت لأهل البيت.
لقد صار السراق هم أهل البيت.
 أما أنت فحتى لو تسللت إلى بيوتهم بناءاً على عقد التوثيق فإنك ستدخلها مع الإيماء المسبق بأنك لص- شئت أم أبيت- فأهل البيت محصنون ضدك، يعاملونك بتوجس وريبة ومن وراء جدر وخطوط دفاعية متعددة منها (التقية)، ومنها العقد النفسية كعقدة الشك وعقدة التعصب وعقدة الكراهية…الخ.
 

المنهج القرآني .. أولاً تحصين، وثانياً ربح

لو سألتني: ما سر القوة التي يتمتع بها الرفض أو التشيع الفارسي؟ لأجبتك: ضعف أهل السنة والجماعة أو أهل التشيع العربي؛ لأن القاعدة الشرعية والاجتماعية تقول: إن قوة أهل الباطل نابعة من ضعف أهل الحق.
فالحق قوي بذاته أما الباطل فضعيف بهذه الذات لأن مصدره ضعف وليس قوة. وأعد قراءة العبارة السابقة: (قوة أهل الباطل نابعة من ضعف أهل الحق.) فالباطل ليس قويا إنما أهله يمكن أن يكونوا أقوياء مقارنة بضعف - وليس قوة- أهل الحق. والضعف مضاف إلى (أهل الحق) وليس إلى (الحق) نفسه. لأن الحق قوي على كل حال. وإذن قوة أهل الباطل نابعة من ضعف… والضعف لا ينتج إلا ضعفا فأهل الباطل ضعفاء دوماً . ولكن إذا هبطت قوة أهل الحق دون المستوى المقارن ظهر الباطل وأهله أقوياء. لكن هذه القوة وهمية نسبية وليست حقيقة ذاتية.
إن قلب المعادلة بسيط جداً. زد في قوة أهل الحق إلى المستوى المطلوب عندها يظهر الباطل وأهله على حقيقتهم أمام الحق وأهله ويتحقق قوله تعالى:) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) ( الإسراء.
إن هذا القانون الكوني الكلي يلزمنا بأن نبحث عن القوة والضعف في داخلنا، ولا نرمي على الغير بنواقصنا. فلولا ضعف الضعيف ما غُزيَ في عقر داره. وهكذا قال الله تعالى يخاطب الجيل الأول:) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)( آل عمران.
فإذا كنت تعتقد أنك على الحق، وأردت أن تنتصر على خصمك فانتصر أولاً على ضعفك وفكر بتقوية صفك وإعداده و إمداده.
إن هذه الحقيقة تكشف لنا بوضوح عن فشل المنهج الترضوي لأنه يريد اختراق الصف المقابل بطريقة لا تزيد صفه الداخلي إلا ضعفا وتمزقا وهزيمة!
أما المنهج القرآني النبوي فأول ما يحققه من ربح أنه يلتفت إلى صفه الداخلي فيقويه ويحصنه ليجعله قويا متماسكاً واثقا من نفسه قادرا على التحرك والتعرض واختراق التحصينات التي تعترضه.
وهذا إنجاز كبير جداً لا بد منه أولاً لأنه قاعدة الانطلاق، ولأنه يجعلك تدخل الميدان برأسمال قوي كبير من امتلكه طمع في الربح حقيقة لا أماني.
إن  هذه  الخطوة  هي  الخطوة  الأولى  التي  يتوجب  علينا  نقلها  من أجل  التقدم  إلى الأمام. وما دمنا نتجنبها - كما هو حالنا ومنذ قرون - فلن نتقدم أبداً بل سنستمر بالتراجع حتى نعود إلى منهجنا ونثوب إلى رشدنا.
إن تلك القاعدة الكونية الكلية تبين لنا أن هزيمة أهل الباطل تتحقق بمجرد حصول القوة لأهل الحق. فربح الصف الداخلي وتقويته أول ما ينبغي التفكير فيه قبل الزج به في صراع يعرضه للخسارة الفادحة المحققة.
أما أن نضيع أنفسنا وأجيالنا في توهم كسب الآخرين بداخل ممزق ضعيف، نشارك نحن بتمزيقه وتمييعه وزيادة ضعفه فليس من فعل الحكماء الجادين.
إن أقل ما نربحه باتباعنا المنهج القرآني- وهو ليس بقليل- صفنا الداخلي والاطمئنان على رأس المال. بعدها يمكن أن نسعى مطمئنين إلى هداية الآخرين وربحهم بكسبهم إلى جانب الحق وأهله.
بينما المنهج الترضوي أقل ما يعرضنا له من خسارة - وليس ذلك بقليل- المقامرة بجمهور الحق وقاعدة الانطلاق ورأس المال على طاولة لا يتقن أصحاب ذلك المنهج أو جمهورهم قواعد اللعبة عليها. على أمل كسب حفنة من أنصاف التابعين لا يزيدون الصف الداخلي إلا ضعفا وخبالا وسرعان ما تراهم يتبخرون حين تشرق عليهم شمس الحقيقة أو الحق الصريح.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار (واجب الوقت) وضرورة النظر في الواقع يمكنني أن أقول: إن من الخطأ في هذه المرحلة التفكير في الربح بقدر التفكير في تجنب الخسارة والاطمئنان على سلامة رأس المال وإيقاف النـزيف الداخلي والاختراق المستمر منذ قرون! على أني أرجو أن لا يفهم من كلامي القول بأن من الخطأ التفكير في الربح مطلقاً. كلا وإنما أقصد الأمر من الناحية النسبية. وسواء أخطأت في هذا أم كنت على صواب فإن واحداً من الأمرين -أو كليهما- لن يتحقق من دون اتباع المنهج القرآني.
انه المنهج الوحيد الذي به نتجنب الخسارة ونحقق الربح الوافر بإذن الله تعالى.
 

إلى الذات ندعو أم .. إلى الله؟

بعض الكتاب والخطباء والمحاضرين يضمن حديثه عبارات (ترضوية) (تقريبية) تصل إلى حد المداهنة، تقوم على تأويل بعض الآيات ودهنها ببعض ضعيف الروايات، أو حمل صحيحها –لأدنى شبهة- على غير محملها. وقد يدعي المتحدث أو الكاتب صحة الضعيف منها، أو يدلس في ذلك بنسبتها إلى مصدرها دون تحقيق علمي. مع علمه بأن المصادر فيها ما هو صحيح، وما هو ضعيف وموضوع. ويشفع ذلك كله بإطلاق أحكام فقهية ومعلومات تاريخية، أو أقوال أخرى جزافا بلا تثبت. مع سابقة (الإمام) ولاحقة (عليه السلام) ثم يجتمع عليه بعد المحاضرة بعض الروافض يمدحونه ويباركون كلامه مما يدفعه إلى المزيد من التنازلات المقبلة حتى يصل إلى حد السكوت عن كل كلمة يمكن أن تهدم ما (بناه) من ذلك المديح أو القبول. إنه يعرف جيداً أن (أهل الكوفة) متقلبو المزاج من الممكن أن يخسرهم جملة بكلمة مفردة ! فهو دائم التحفظ والحذر كأنه يمشي حافياً في أرض الشوك – عافاه الله -.
ويخرج من ذلك كله بدعوى أو وهم أنه تمكن -وبهذا الأسلوب- من كسبهم، وأن هذه هي (الحكمة)، وهي الطريقة الصحيحة الحكيمة لتغيير الرافضة. فإذا سألته عن أدلة إثبات صحة دعواه قال: (تجربتي) و(قلت) و(فعلت) مع مبالغات في تصوير مدى النجاح الذي تحقق على يديه في الميدان تصل إلى حد لا يليق. بينما الحقيقة المرة أن صاحبنا مكسوب لا كاسب. وعلى رأي المثل: من لم يأت معك فتعال معه.
ونحن لسنا ضد العبارات التلطيفية ولا الكلمات التي تؤلف القلوب و(تكيف) الجو. ولكن.. بالمعروف.
أما النزول إلى هذا المستوى من (اللطف) و(الكيف) فيجعلنا أن نسأل: أنت تدعو إلى من ؟ إلى الله أم إلى …نفسك؟
سلوا أنفسكم هذا السؤال ودعوها تجيب عنه بلا قيود. أم أنكم مثقلون بعناوين اجتماعية ووظيفية تريدون الاحتفاظ بها (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) العنكبوت.
اقرأوا هذه الآية:  ]قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108){ يوسف .
وأعيدوا قراءة الآية مرة أخرى مع التركيز على عبارة (إلى الله) تجدوها تقول : (إلى الله) لا..(إلى الذات).
ولو كانت الدعوة إلى الذات لاستراح الدعاة. ولكان ما مطلوب منا أن نفعله أيسر شيء وأهونه! لأن الأمر لا يعدو مدح المدعوين على ما هم عليه من حق وباطل. ويمكن التقدم خطوة وتطوير (الدعوة) بصنع الأطعمة والأشربة، وإقامة الدعوات والحفلات، وتوزيع الأموال والهدايا والهبات – وهو ما يفعله البعض - وأنا ضامن لكم التفاف الكثيرين حولكم. ولكنني في الوقت نفسه ضامن لكم أنكم ما غيرتم عقولهم ولا كسبتم قلوبهم لأن الله يقول: ) لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (63)( الأنفال. (الله) وليس غيره.
ولو كانت هذه هي الدعوة التي أمرنا الله تعالى بها لهان الخطب ولكان أهون شيء دعوة المشركين وأهل الكتاب والسيخ والمجوس إذ ليس من خصومة ولا خلاف ولا صراع ولا قتال!
إذن علام أتعب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه فيما أتعبها فيه؟!
كلا. يجب أن تكون الدعوة لله والى الله وعلى منهج الله وإن أرعدت أنوف المبطلين.

طريقة ذكية لتكميم أفواه الأغبياء

لقد بلغ دعاة التشيع الفارسي شأوا بعيداً في المكر والخديعة لا سيما مع أناس تغلب عليهم السلامة والظاهرية. من ذلك أنهم يوعزون إلى البعض منهم بمدح أولئك المجاملين والتقرب إليهم والتملق لهم.
إن هذا يولد ارتياحاً في النفوس لأنها مجبولة على حب المدح مما يدعوها إلى طلب المزيد. وهذا لا يكون إلا بمزيد من التنازلات. وشيئاً فشيئاً يتضخم الوهم بنجاح الدعوة والشعور بامتلاك شخصية الداعية الناجح المؤثر الذي استطاع أن يكسب إلى صفه هؤلاء (المداحين)! حتى ينتهي به المطاف إلى السكوت عن كل حق متروك وباطل مرتكب حذراً من نفرتهم وانفضاضهم، وخسارة تلك الألسنة العسلية اللطيفة . وهكذا يصل دعاة الرفض والشعوبية إلى أهدافهم ويكممون أفواها كان الأولى بها أن تتعطر بالدعوة الحقة إلى الحق المبين.
 

لست موكلاً بهداية الناس وإنما بدعوتهم

حين أمر الله تعالى عباده بالدعوة إليه لم يشترط لقبولها منهم إقبال الناس عليها واستجابتهم لها. إنما اشترط – جل وعلا - البيان بالوسائل والأساليب التي ذكرها في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .  والبيان لا يكون بياناً إلا إذا كان فيه الفرقان بين الحق والباطل. وإلا كان تلبيساً وتدليساً.
ومن بداية الكتاب يذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن الناس لا يمكن اجتماعهم على الحق. إنما ينقسمون إزاءه أقساماً أهمها ثلاثة: مؤمنون وكافرون ومنافقون، مهما أوتيت من حكمة وتوفيق واهتديت إليه من وسائل وأساليب:) ألم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)… إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(6)… وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8)( البقرة.
وقد لا يهتدي أحد بدعوتك ولو رزقت تأييد الأنبياء!
إن من الناس من يكره الحق لذاته كما قال سبحانه: )وَأَكثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70){ المؤمنون. وأعظم الحق التوحيد، وإن من القلوب قلوباً إذا ذكر الله وحده اشمأزت وأبت )وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45)( الزمر.
ويبقى واجبك على كل حال أن تقول الحق: )فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)( الكهف. فأنت غير موكل بهداية الناس. وإنما مكلف بدعوتهم إلى الحق وإن نفروا ونخروا. أما الهادي فهو الله: )إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)( القصص.
إن الهداية بضاعة الله وسلعته الغالية، لا يهبها إلا لمن يستحقها. والله غني عن أن يعرض هذه البضاعة الكريمة على السابلة يعلقها برقابهم تعليقاً أو يلصقها بأيديهم المرتخية إلصاقا. إن هؤلاء في حاجة إلى شيء واحد هو إقامة الحجة عليهم: )لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ(42)( الأنفال. وكتمان الحقائق المنفرة يتعارض من البينة ومع إرادة الله في إقامة الحجة على الهالكين.
أما أنت فلست تعلم ما في النفوس وليس ذلك من شأنك. إنما شأنك:)وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ( فلعلك تدعو من لا يريد الله هدايته ممن قال فيهم:) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)( النساء.

الصنمية الذاتية

إن التفلت عن منهج الله حذراً من نفرة الناس قد يعـبر عن جملة أمراض نفسية خفية. منها الصنمية الذاتية الكامنة في الأعماق والتي تجعل من صاحبها شخصاً يعتقد في نفسه أنه هو الصانع وهو الهادي. وقد يكون تعبيراً عن شك خفي في صلاحية المنهج القرآني لهداية الناس فهو يستبدل الذي هو خير- في اعتقاده- بالذي هو أدنى.
 

ضعف الإيمان بالقدر

وعلى كل حال فهو يعبر عن خلل في الإيمان بقدر الله القائل: ]عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ(7)( الممتحنة. فالعداوة السابقة بسبب الثبات على الحق الصريح والدعوة إليه بلسان واضح فصيح لم تقم حاجزاً أمام المودة اللاحقة، لأنها عداوة لله وفي الله وعلى منهجه وهداه. وبما أن الله هو الهادي وهو القادر فينبغي أن نكل أمورنا كلها إليه ونطمئن إلى اختياره وحكمته وقدرته )وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)( الممتحنة. فالله (غني) عن الكثرة، و(حميد) لا يقبل إلا طيباً خالصاً ولو كان قليلاً.
 

 هل كان النبي e هو السبب في نفرة اليهود؟

والله يضل من يشاء لعلمه بعدم استحقاقه الهداية. وقد يكون هذا فرداً أو جماعة صغيرة أو تكبر حتى تكون أمة يكتب الله عليها الشقاء كاليهود الذين قال الله عنهم:)أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)( البقرة. وقال: )وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (145)( البقرة. أفنقول إن سبب نفرتهم ما كان يواجههم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آيات القرآن التي فضحت مخازيهم وكشفت زيفهم ومساويهم وشتمتهم حتى وصفتهم باخس الصفات وأحط صنف من الحيوانات كالقردة والخنازير والكلاب والحمير!
فلو أن القرآن كان قد لان معهم في خطابه لكان ربما اهتدوا؟!
يمكن أن يقول هذا الكثيرون! ولكن من غير المسلمين.
فإذا خلف من بعدهم خلوف مثلهم أو أسوأ منهم، أفتنقلب السنة في حقنا ويكون واجباً علينا أن نواجههم بالورد والياسمين ومخالفة منهج رب العالمين؟!
لماذا؟ حتى لا ننفرهم؟! لأن تنفيرهم مخالف لـ(حكمة) الدعوة. إذن طبقوا (حكمتكم) هذه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه وانظروا ما حكمكم عليه؟ بل ما حكمه عليكم!
وعندها حكموا بالحكم نفسه على من اتبع سنته في دعوته وطبق منهجه في سيرته وحركته.
 

الابتلاء سنّة

وقد تكون نفرة الناس ابتلاءاً من الله يختبر فيه إيمان الصادقين وصحة عبوديتهم. فإن العبد لا يبلغ حقيقة العبودية حتى يطيع سيده فيما يرى وفيما لا يرى لكنه في الحالة الثانية يرضى ويسلم ويقول: سيدي أعلم وأحكم )وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ (7)( آل عمران.
ثم قد يكون الفتح من بعد ذلك:)عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ(7)( الممتحنة. والله حين كلفنا حمل دينه والتحرك بدعوته ما قال لنا: إن الناس - ومن أول صيحة- سيستجيبون لنا ويأتون أفواجاً إنما قال:)وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)( الأعراف. فضمن لنا العاقبة. فمن صحت بدايته صحت عاقبته ونهايته وقد تكون العاقبة في الآخرة وليس في الدنيا. وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويأتي النبي وليس معه أحد) عبرة وأي عبرة! وقياس صحة المنهج في صحة الاتّباع، وليس في كثرة الأتباع.
والعبد الحقيقي في كل ذلك مسلم أمره إلى الله، صابر على الابتلاء إلى خط النهاية، مهما كانت النتائج ما دام يسير على منهج الله يريد وجهه ولو قل الناصر وكثر الخاذل وكره المبطلون.
 

شرعنا أم آراؤنا

وخلاصة القول أن نسأل: هل الحكم في ديننا على أية مسألة إلى شرعنا أم إلى آرائنا وعقولنا؟
فإن كان إلى شرعنا – وليس من جواب غيره - فإن شرعنا واضح في منهجه وقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما من جنح إلى عقله ورأيه، وهواه وضعفه، وحملته الظروف وضغط الواقع على أن يجنح إلى ما يرى فليس يعدم آية من هنا وحديثاً من هناك، وحادثة مجتزأه، وقصة مزورة يدعم بها رأيه اتباعاً للمتشابهات. ولكن تبقى الحجة البالغة، والحقيقة الدامغة في شرع الله وحده وليست في الآراء والأهواء وإن زوقت وزخرفت.

الفصل الثاني
 
أسلوب الدعوة
بين كسب الفرد وتغيير المجتمع
 

قانون لتغيير الفرد.. وآخر لتغيير المجتمع

المنهج الترضوي لا يدرك الفرق بين القانون أو الأسلوب اللازم لتغيير الفرد أو مجموعة من الأفراد، وبين القانون أو الأسلوب اللازم لتغيير المجموع أو المجتمع. وهذا خلل كبير وخطير في المنهج يجعله مشلولاً وعاجزاً عن إحداث التغيير الاجتماعي.
نعم قد ينجح في استمالة بعض الأفراد ولكن على حساب خسارة المجتمع والتفريط به ككل.
إن السكوت وعدم الإعلان بالحقيقة الصريحة في وسط المجتمع خشية أن نفقد عدة أشخاص تربطنا معهم علاقة من أي نوع، أو جاءوا إلى المسجد القريب مثلاً يؤدي إلى أن يظل المجتمع سادراً في غيه، جاهلاً بحاله، مستمراً في ضلاله. لأنه لم يجد أو يسمع من يعرفه بالحق من الباطل.
 

بين الصدع المستمر بالحق للمجتمع.. والحوار الشخصي للأَفراد

قد يتغير الفرد بالحوار الشخصي والأساليب الفردية المحدودة. ولكن المجتمع سيظل في عزلة عن هذا التغيير. ولا يتأثر به إلى الحد الذي يمكن اعتباره كبيراً وشاملاً ما لم يحصل الصدع المستمر العلني بالحق، ويستغرق زمناً قد يطول جيلاً أو جيلين تبعاً لتوفر العوامل والظروف المطلوبة.
إن العقل الجمعي للمجتمع لا يتغير قط إلا بهذا الأسلوب الذي يجعله يتأثر ويستجيب -بلا وعي، وشيئاً فشيئاً- لدواعي الحق الذي تتغلغل فقراته على مدى الزمن المطلوب حتى يأتي يوم يكون فيه مهيأً للضربة الأخيرة فيسقط الجدار وقد يكون سقوطه فجأة لطول ما تفاعلت فيه عوامل التغيير مثله كمثل بحيرة ماء تضرب أمواجها جداراً من طين، أو تحفر في ذراته شيئاً فشيئاً. إنه يتصدع - ولو ببطء - حتى يأتي يوم فينهار.
وبهذا الأسلوب تمكن أهل الباطل من نشر باطلهم([173]).
صحيح أن هذا الأسلوب يتسبب في نفرة المجتمع في بداية الأمر، وإثارة المشاكل كما حصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولكن ذلك ليس دليلاً على عدم جدواه. وليس العلاج بالترك والنكوص. ومن قال بذلك فإنه لا يعرف مراحل العلاج أو محطات السير.
إن من العلاج ما يثير السخونة أو الشعور بالمرارة أولاً. وقد يسبب التقيؤ أو انقلاب المزاج. ولكن الطبيب يقول: اصبر على هذه الآثار الجانبية وإلا لن يحصل الشفاء.فالعلاج إذن بالصبر والمصابرة والمرابطة.
المشكلة أن الكثيرين لا يريدون أن يتسببوا في مشكلة، ولا يتحملوا الآثار الجانبية للعلاج. ويجعلون من أي حالة عارضة غير مرغوبة دليلاً على الفشل.
وهذه عقبة ما لم نقتحمها ونتجاوزها لنذوق حلاوة عاقبتها فلن نصل إلى الهدف أبدا.
 

إشكالية النصوص الشرعية

إن هذا يلزمنا بأن نفرق بوضوح بين أسلوب الإعلان بالدعوة خطاباً للمجتمع، وبين الحوار الفردي في الزوايا الضيقة أو اللقاءات الخاصة أو العلاقات الاجتماعية الفردية توصلاً إلى تغيير الفرد.
وعندها سننـزل النصوص الشرعية التي تبدو مختلفة أو متعارضة منازلها.
إن المنهج الترضوي لا يدرك الفرق بين النصوص الموجهة لدعوة الفرد والنصوص الموجهة لدعوة المجتمع. إنَّهُ يأتي إلى قوله تعالى – مثلاً- :)قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)( سبأ. فيجعل منه قاعدة متبعة في الحالتين ويغمض الطرف عن النصوص الأخرى مثل:) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)…{ الكافرون. بينما تقضي الأصول بأن نوفق بين النصوص جميعها. وذلك بأن نحدد موارد النصوص التي تختلف بها بعضها عن بعض، فيختلف إعمال النصوص باختلاف مواردها. وهنا يزول الأشكال. لا أن نُعمِل بعضاً ونعطل بعضاً.
إن آية (سبأ) المارة الذكر أسلوب جدلي رفيع المستوى بين الداعي وبين فرد أو مجموعة أفراد يضعهم فيه وجهاً لوجه أمام المشكلة مفترضاً افتراضاً جدلياً احتمالية وجود الخطأ في أي طرف من الطرفين وكذلك الصواب. ويمكن للداعي أن يستعمل هذا الأسلوب من فوق المنبر أو أي وسيلة إعلان عامة مفترضاً في ذهنه حواراً جدلياً قائماً بينه وبين المجتمع المدعو، بشرط أن يستمر في هذا الحوار إلى نهايته التي يظهر فيها من الذي هو على الهدى ومن الذي هو على ضلال.
إن هذا الأسلوب لا يصلح أن يكون قاعدة عامة مطردة، أو عنوانا للإعلان عن دعوة تغييرية عظيمة شاملة تعرض على الملأ، وإلا ضاع الحق من الباطل وماعت الدعوة، وفقدت مبرر وجودها. لأن الداعي إذا كان يحتمل حقيقة –لا جدلاً- وجود الخطأ في ما يدعو إليه والصواب في القضية التي يريد تغييرها فقد الحجة التي يستند إليها في دعوته وإلزام المجتمع بها وما عاد هناك أي داع للضجيج والإنكار وفتنة الناس وتفريقهم، لأن الإلزام لا يكون بما هو ظني ومحتمل، إنما يكون بما هو حق جزما وقطعاً، فعلاً أو تركاً.
ولو عدنا إلى الآية وقرأناها بإمعان لظهر ذلك لنا بوضوح وظهر لنا معه بطلان شعار: (لا فرق بيننا) الموضوع للمزايدة والاستهلاك فإن النص لم يقل: (وَإِنَّا و إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وإنما يقول:)وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مبين( فجاء بحرف (أو) الذي يفيد التخيير، ولم يأت بـ(الواو) الذي هو للاشتراك.
ومعنى هذا أن واحداً من الفريقين فقط على هدى. وأما الآخر فعلى ضلال قطعاً. أما ان يكون كلاهما على هدى أو كلاهما على ضلال فكلا.
إذن الآية واضحة منذ البداية في عدم قبول الحلول الوسطية الترضوية . فالافتراض موضوع للجدل لا أكثر من أجل إثارة الخصم باتجاه النقاش بأسلوب هادئ.
ومع هذا فالحوار ينتهي هكذا: ]قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)( سبأ. أي ببيان انهم مشركون وأنهم على ضلال ودعوتهم مرفوضة بأشد أساليب الإنكار والرفض: (كلا)!
وفي الآية دروس كثيرة منها: أنه لا بأس في الحوار أن نقول: إن ديننا واحد وقرآننا واحد ونبينا واحد وما شابه من الكلمات الهادئة اللينة على أن يكون ذلك مجرد نقطة عبور أو انطلاق مشتركة للوصول إلى نتيجة واحدة واضحة هي أن مفاهيم الخصم لا تستقيم مع هذه القواعد والمبادئ التي اتخذناها أساسا للرجوع والتفاهم.
 

ننطلق من المتفق عليه لنحسم المختلف فيه 

ولو رجعنا إلى القرآن فإننا نجده يعلمنا في نقاشاتنا وحواراتنا أن ننطلق من القواعد والمفاهيم المشتركة المتفق عليها لبحث المختلف فيه وصولاً للاتفاق عليه طبقا إلى تلك القضايا المشتركة كما قال تعالى:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64)(آل عمران. وكما تنص عليه آية سبأ نفسها قائلة:) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ (24)( فكون الله هو الرزاق أمر مشترك متفق عليه.
وما لم نستثمر المتفق عليه من اجل حسم المختلف فيه المتعلق به، فإننا نظل نراوح فوق تلك الأرضية المشتركة ونقفز لنرجع إلى النقطة نفسها حتى نتعب أو ننهار! خشية أن نفقد من لا فائدة من التوقف معه عند هذه المرحلة الميتة.
أما المنهج الإلهي فيعلمنا أن أسلوب تغيير المجتمع يختلف عن أسلوب تغيير الفرد. فلكل أسلوبه وقانونه. والخلط بينهما يضيع علينا هذا أو هذا. فلا يجوز استعمال أي من القانونين في غير محله.
 

قانون تغيير المجتمع طبقا للمنهج القرآني

دار بيني وبين صديق عزيز علي الحوار الآتي:
(( لقد شتمت الخميني في محاضرتك! وهذا غير صحيح لأنه سينفّر من يحبه. ولقد أثار هذا ضجة في المنطقة التي حول المسجد )).
(( لا بأس بما تقول. ولكن قل لي: إذا اختلفنا فالحكم إلى من؟ شرعنا أم آرائنا؟ )).
   (( بل شرعنا )).
(( أحسنت وأصبت فاسمع مني: إن في القرآن العظيم وكذلك السنة المطهرة وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم العطرة شتماً لرؤوس الكفر والباطل )).
   (( نعم ، ولكنها قليلة )).
(( بل هي كثيرة جداً بحيث يصعب حصرها. وهي تشتم وتلعن هذه الرؤوس وبالأسماء أو بالصفات الواضحة المشخصة عينا.
خذ مثلاً: أبا لهب وهو ليس شراً من الخميني ، بل هو أشرف منه نسباً. وخير خلقاً. وأخف كفراً وأقل شراً وضررا. لقد شتمه القرآن بقوله في سورة المسد:)  تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)…( الخ السورة. وخرج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فألقاها في وجهه وأمام الملأ وهو عمه. والعم في مقام الأب كما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إن عم الرجل صنو أبيه)[174]!
ولك أن تلاحظ أن السورة لم تكتف بشتم الرجل دون أن تقرن معه امرأته! وهذا أكثر إثارة لدى العربي ! إن أحداً يشتمك لا يسيء إليك كما يسيء حين يشتم زوجتك في وجهك.
والوليد بن المغيرة كم مرة شتمه القرآن! اقرأ – مثلاً - سورة (القلم) لتجد الأوصاف الشنيعة التي شتم بها:) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)(
ونزلت فيه آيات من سورة (المدثر) تلعنه وتتوعده:) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)( )).
وظللت أسرد عليه أمثال هذه النصوص القرآنية العظيمة وهو ينظر إليّ كأنه يسمعها لأول مرة. ثم قال:
(( نعم. ولكن هذا مع الكفار )).
قلت في نفسي: هذا هروب. وهو اعتراف غير مباشر بصحة الرد، فإن صرف الموضوع إلى جهة أخرى معناه اعتقاد صحته من حيث الأساس وانحصر الخلاف في التطبيق. ثم قلت:
(( من قال لك إن العلة هي الكفر؟ ولماذا لا يكون مناط الحكم الباطل عموماً، كفراً فما دونه فحيثما وجد أنكرته ولعنت رؤوسه؟
يقول تعالى:) وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8)( الأنفال. فقطع دابر الكافرين تفريع للقاعدة الكلية (إبطال الباطل) وتطبيق لها. وليس هو الصورة الوحيدة أو العلة التي أناط الله بها هذا الحكم.
والقرآن شتم المنافقين وفضحهم ولعن رؤوسهم كعبد الله بن أبي بن سلول. مع أن لهم حكم المسلمين، وظاهرهم مسلم يطالبون بما يطالب به المسلمون من أحكام، وتطبق عليهم الحدود الإسلامية، ويخاطبون بالخطاب نفسه الذي يخاطب به المسلمون: (يا آيها الذي آمنوا).
ثم من حكم للخميني بالإسلام وشهد له بالإيمان؟! إنَّهُ أقذر صورة للنفاق والزندقة. بل الكفر الصريح! هو وكل العلماء الذين على شاكلته )).
وعاد صديقي إلى نقطة البداية ليقول:
(( صحيح. ولكن هذا ينفر الناس. إن أحد هؤلاء كان في المسجد فخرج محتجا! )).
(( ليخرج إلى حيث.. ولكن، من قال لك إن نفرة النافرين حجة على صحة الدعوة ومقياس لخطئها من صوابها؟ ألم يقل الله تعالى:) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)( المدثر. فرد على نفرتهم بما يزيدهم عتواً ونفورا!
ماذا تريد أن نفعل للحمير إذا نفرت وضفنت([175]) ؟ أنقدم لها الحشيش ونمسح على ظهورها، ونرش العطور على وجوهها ؟!
إن الدعوة التي لا ينفر منها الحمير ليست بدعوة لأنها ستمسي يوماً - ولا بد - مجمعاً لهؤلاء الحمير أو المستحمرين! وستكون أنت مسؤولاً عن دفع تكاليف الشعير. وإلا ستخلو الحظيرة أخيراً من (أهلها)، وتحصل على لقب (أفشل داعية) بجدارة! فماذا ستفعل؟!
بل أقول لك سرا من أسرار الدعوة والتغيير الاجتماعي: أتدرى أن التغيير يبدأ من هنا؟! من الإثارة والنفرة وتحريك السواكن الجامدة والعقول الخامدة.
إنه ما من دعوة من الدعوات نجحت إلا وبدأت هذه البداية )).
(( كيف؟! )).
(( نعم ! سينفر المجتمع أولاً. وهذا لا ينبغي أن يجرك إلى أن تغير خطتك أو تنحرف عن خطك. بل استمر في سيرك ودعوتك وأعلِ من نبرتك وهذا سيؤدي إلى.. نفور أكثر!
فاستمر على ما أنت عليه وسترى!
سيأتي يوم فيه يصمتون. عندها أعلم أنهم أصيبوا بالذهول وأن الصدمة قد بدأ مفعولها وأنهم بعد حين تتحرك خلايا أدمغتهم الجامدة المتحجرة وتتشكل من جديد لتبدأ بالانتباه بشيء من الجدية إلى ما تدعو إليه والتفكر فيه. ستقول لهم أنفسهم: لولا أن ما يدعو إليه هذا الداعي حق لما تمسك به هذا التمسك. فهل نحن حقا على باطل؟!
وهذا أول علامات الوهن والانهيار في جدار الباطل. إنه الصمت والتأمل.
وهنا يتحول أهل الباطل من حالة الهجوم وإلقاء الشبهات والضجيج والمطالبة بعقد حلقات الجدل والنقاش إلى حالة أخرى تتمثل بالهروب وعدم المواجهة، والاكتفاء بحالة الدفاع عند الاضطرار.
فاعلم أنك قد قطعت شوطا كبيرا في سيرك بالاتجاه الصحيح.
لقد انتهت مرحلة وبدأت مرحلة أخرى.
انتهت مرحلة الهجوم وبدأت مرحلة الدفاع. عليك هنا أن تستثمر الحالة وتحول دفاعك إلى هجوم لتقضي على آخر سواتر المقاومة لخصم قد انهزم نفسيا وفقد الحماس في الدعوة إلى أفكاره المنحرفة التي بدأت تتزعزع ثقته بها حتى مع أبنائه وعائلته.
أي أن الجيل القادم سيكون ضعيف التعلق بباطله ويكون - هو والجيل الذي بعده - من حصة أهل الحق إن شاء الله.
إن الجيل الأول عموماً لا بد أن نقبل خسارته ونفرته - هذا على أسوأ الاحتمالات - ثمناً لربح الأجيال القادمة بشرط ان تتضافر الجهود للدعوة بهذا الأسلوب وأن لا يقف الترضويون حاجزاً أمامها يصدون ويوعدون مع أملنا بالمخلصين منهم أن يلتحقوا بالركب السائر في طريق الأنبياء.
على أن هذا لا يلزم منه أن لا تظل عصابة من الرافضة - لا سيما الرؤوس والمنتفعون والمغرضون - تثير الفتن وتحاول الكيد بشتى الوسائل والأساليب.
و هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وبغض النظر عن تفاصيل المراحل التي مرت بها دعوته - إذ لكل مرحلة ظرفها الذي يصنعها مما يؤدي إلى اختلاف أو تشابه المراحل بين الدعوات وقد تختلف في تفاصيلها تبعا لتشابه الظروف وتسلسلها – فإنه صلى الله عليه وآله وسلم صدع بالحق وجهر بالدعوة وسفه آراء المجتمع وضلل آباءهم وشتم كبراءهم وفضحهم وفضح أباطيلهم.
ولولا هذه الشدة وهذا الهجوم العنيف لما رضخ المشركون وجاءوا إليه صاغرين يتوسلون - للوصول إليه - بالملك والمال والنساء، مقابل شيء واحد هو أن يدعهم وشأنهم. بل كانوا يطلبون إليه أحيانا أن يسكت مجرد سكوت عن تضليل آبائهم. ولكنه يصر - في مقابل ذلك كله - على ما هو عليه ! فماذا كانت النتيجة ؟
تقربوا إليه أكثر فعرضوا عليه حلاً وسطاً أن يعبدوا إلهه وحده فترة ويعبد آلهتهم مثلها. لكنه يجيبهم بصراحة وغلظة ويرمي بها في وجوههم:) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)( الكافرون.
هذا هو المنهج. فمن وجد في نفسه القوة وعلو الهمة، فليمض على نوره وهداه وإلا فليدع الخلق وشأنهم.
هل رأيت كيف أذل هذا المنهج العزيز رؤوس الباطل فجعلهم يقدمون التنازلات تلو التنازلات؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثابت على موقفه لا يتزعزع ولا يتزحزح قويا صريحا. رغم أنه لم يكن يملك سلاحا، ولم يشهر في وجوههم قنبلة ولا وجه عليهم مدفعا لينهاروا هذا الانهيار!
أرأيت قوة هذا المنهج وفاعليته في هزيمة الخصوم!
هذا ما نحتاجه. وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم كي نعيد الثقة إلى النفوس. فإنك ترى الأمر بالمقلوب! 
أهل الباطل ثابتون على موقفهم لا يتزحزحون، معلنين بباطلهم لا يترددون، وأهل الحق يقدمون لهم التنازلات تلو التنازلات لعلهم يرضون أو يصفحون ثم هم لا يستجيبون!
ماذا تريد مني أن أفعل في زمان انهار الكثير من أهله أو كادوا في دينهم كما انهاروا في سياستهم - إلا من رحم - ؟!
ألا ترى الشبه واضحا بين التنازلات السياسية أمام اليهود طمعا في إرضائهم أو اتقاء شرهم، وبين التنازلات الدينية أمام الشعوبيين طمعا في إرضائهم أو اتقاء شرهم؟!
والنتيجة الملموسة أنَّهُ لا هؤلاء يرضون ولا هؤلاء يرضون!
أليس العكس هو الذي يجب أن يكون؟!
هل ترى في المنهج الترضوي قدرة على أداء هذا (الواجب) وإنجازه؟! قدرة على قلب هذه المعادلة الظالمة؟!
هذا هو المطلوب وهو واجب الوقت في بلدنا. فلنبحث عن منهج آخر )).
وصمت صديقي طويلا وراح في تفكير عميق ! ولم يرد علي. فقلت له:
(( أقول لك - وبكل تواضع - إن لنا تجربة ميدانية منضبطة بنور الوحي أرجو أن تنتبهوا إليها وتستفيدوا منها قبل فوات الأوان )).
 
الإسلام دعوة جماهيرية ذات منهج تغييري جماهيري جماعي
الإسلام دين جماعي أي جاء لتغيير الجماعة قبل الفرد. والإسلام ليس علاقة قاصرة بين الفرد وربه مجردة عن المجتمع ومنعزلة عنه. نعم هو علاقة بين العبد أو الفرد وربه، ولكن من خلال المجتمع.
إذن جاء الإسلام لتغيير المجتمع ككل، وليس لخطاب فرد أو مجموعة من الأفراد. فلا بد أن يكون له منهجه المناسب، وبرنامجه الخاص بهذا الهدف. أي منهج تغييري جماعي صالح لبلوغ الهدف المرسوم. لهذا اتجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بدعوته إلى مجتمعه ولم تشغله دعوته الفردية عن هذه المهمة الاجتماعية. بل سخر الأولى في خدمة الثانية. ملخص القول أن الإسلام دعوة تغييرية جماعية قبل أن يكون دعوة فردية موجهة لإصلاح فرد أو مجموعة من الأفراد بمعزل عن المجتمع.
إن منهجه التغييري الجماعي يقوم أول ما يقوم على الإعلان الواضح بالدعوة والصدع المستمر - وبلا انقطاع - بالحق، وإنكار ما عليه المجتمع من باطل، دون الاكتفاء بطرح الأفكار في الزوايا الضيقة. ولو كان بالإمكان - طبقا لطبيعة البشر والقوانين الاجتماعية التي وضعها الله تعالى في خلقه - إحداث تغيير شمولي في أفكار المجتمع وأوضاعه بغير هذا الأسلوب لما اختاره الإسلام وطبقه الرسول لأنه دين التسامح والحنفية السمحة. وما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وهو القائل: (ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، وما عزل عن شيء إلا شانه)[176].
إذن من غير الممكن بلوغ هذا الهدف العظيم ما لم يكن هناك وضوح في الفصل بين الحق والباطل، وصراحة في مواجهة المجتمع في إنكار هذا، والدعوة إلى ذاك.
أما مجاملة المجتمع علنا والاقتصار ببيان الحق من الباطل على الأفراد في المجالس الخاصة والأماكن المغلقة فلا يمكن – في يوم من الأيام ولم يحصل في التاريخ - أن يؤدي إلى التغيير الاجتماعي المطلوب الذي هو مهمة الإسلام الأولى، وينبغي أن يكون مهمة كل مسلم وداع إلى الإسلام بحق.
 

لا بد من (المشكلة) كمرحلة من مراحل التغيير

]قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(138)وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)( آل عمران.
كل دعوة نجحت على مر التاريخ شكلت في زمانها مشكلة اجتماعية كبيرة في مجتمعها في أول مرحلة من مراحلها!
خذ الثورة العلمية الأوربية مثلاً – كما نوهت فيما سبق - كم عانى العلماء من الاضطهاد والتشريد والقتل والتحريق على يد الكنيسة! لو لم يشكل أولئك العلماء الأفذاذ المناضلون مشكلة كبيرة هددت الوجود الباطل لدى (رجال الدين) هل كان يحدث هذا؟ ولو لم تمر تلك الدعوة أو الثورة بهذه المرحلة أو المشكلة أكان بالإمكان أن يكتب لها النجاح؟
تصور! لو أن كل عالم أسر بما عنده لمن يثق به فقط، واقتصر بدعوته على مجالسه الخاصة . أما في العلن والمحافل والمنتديات فيجري تمجيد الخرافة على حساب العقل ومجاملة الجهل على حساب العلم، ومداهنة الكنيسة تجنباً للمشاكل –هل كان قد حصل التغيير المطلوب؟! على العكس. ستذهب دعواتهم هواءاً في شبك وصيحة في واد!
سقراط مثل آخر ما الذي ميع دعوته التوحيدية؟
إنها مجاملة تلميذه إفلاطون - الذي رأى كيف أعدم أستاذه بالسم - التي أنتجت وثنية أرسطو تلميذ افلاطون!
والأحناف الموحدون كانوا موجودين في المجتمع العربي. ولقد كانوا يتمنون الإصلاح ويقومون ببعض ما عليهم من بيان للتوحيد وإنكار للشرك ولكن..بـ(هدوء) ودون إثارة وبالقدر الذي لا يسبب (مشكلة).
فهل استطاعوا إصلاح المجتمع وإحداث التغيير المطلوب؟ كلا.
لماذا؟
لأن الطبخة لم تنضج على نار (المشاكل) التي لا بد منها ليكون الطعام سائغ المذاق. لقد كانوا يدركون حجم ما يسببه لهم التغيير والإصلاح من مشاكل ما كان عندهم الاستعداد لمواجهتها وتحملها، فكانوا يتحاشونها لأنها كانت تمثل لديهم – كما لدينا اليوم - إشارة الخطر الحمراء التي لا بد عندها من تخفيف الضغط حتى ينزل السهم أو الإشارة دونها.
هذا ورقة بن نوفل t يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول يوم حين أتاه يستعلمه حقيقة ما رآه من أمر الوحي ويخبره قبل أن يعلم النبي نفسه بهذه الحقيقة الخطيرة والسنة التغيرية الاجتماعية أو العقبة التي لا بد من اقتحامها:
(يا ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك فأنصرك نصرا مؤزرا) فيسأله صلى الله عليه وآله وسلم مستغربا: (أوَمخرجيَّ هم؟!) فيجيبه: (ما جاء أحد قومه بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ وأوذي)[177].
إن كثيراً من المشايخ اليوم والدعاة والمفكرين والمسؤولين يمثلون دور ورقة بن نوفل ونحن بأمس الحاجة إلى دور محمد بن عبد الله.
ولعل بعضهم لا يريد أن يكون في واجهة المواجهة، فإذا تقدم الصفوف غيره كان من ورائه ينصره ويؤازره.
افترض أن الأحناف قد كثروا في تلك المجتمعات حتى صاروا يعدون بالمئات وظلوا عشرات السنين بل مئاتها يهمسون بدعوتهم هنا وهناك دون أن يرتقوا بها إلى مستوى (القضية)، ويبلغوا بها سطح الأحداث لتكون هي الأولى وهي (المشكلة)، هل كانوا يحققون هدفهم وأمنيتهم من التغيير المطلوب على مستوى المجتمع كله ما لم يخرج من بينهم (محمد)!
فما لنا نمجد محمدا بأقوالنا، ونصنع ما صنع ورقة بأفعالنا؟ في زمن هبت فيه الريح شديدة عاصفة لا يمكن أن يصمد في وجهها ورقة، ولو كثرت الأوراق وتجمعت وصارت بالآلاف.
 

سلعة الله غالية

جنوح الإنسان إلى المسالمة والدعة مغروس في فطرته، وتردده من تحمل التكاليف وارد وليس بمستغرب. ولكن سلعة الله غالية، والجنة لا تنال إلا بمخالفة دواعي الطبع ونوازع النفس التي لا تتلاءم مع الشرع. ومن هنا جاء الحث على الجهاد والترغيب فيه والترهيب من النكول عنه كما في قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)( المائدة. والقرآن يخبرنا أن التردد راود كل نفس ولم يسلم منه حتى الأنبياء الكرام عليهم السلام وليس في ذلك من عيب ما لم يستسلم له الإنسان:
]وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ…(37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا(38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) {الأحزاب.
وقبلها قال:) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا(36)( الأحزاب.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحاول- مندفعاً بطبيعته البشرية - تجربة وسائل أخرى أكثر سلاسة، والسير في طرق أقل وعورة لعلها تكسب إلى دعوته أولئك النافرين المعرضين الذين يؤذيه إعراضهم وصدودهم أشد الأذى.
أليس من وسيلة يتجنب بها هذا الإعراض والصدود والعداوة والبغضاء؟
إنهم يعدونه بالإيمان إن هو استجاب لمطالبهم في تحقيق بعض الخوارق مثل تفجير نهر في جزيرة العرب، أو إنزال كتاب من السماء.
ويظهر أنَّهُ كان يسأل الله ذلك وقد يكون ألح في هذا السؤال فأنزل الله تعالى: ]وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(35){ الأنعام.
وقبلها مباشرة قال سبحانه: ]قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34){ الأنعام.
ونحن نعلم ذلك من إخواننا ونعطيهم بعض العذر كبشر وحسابهم على الله تعالى. ولكن لا نعذرهم في تطويع النصوص وتقطيعها لتجعل في خدمة الضعف البشري. ونطمع في ان يتجاوزوا ضعفهم ويطوعوا أنفسهم لتكون في خدمة (القضية).
 

لا تعارض مع التغيير الفردي

إن تطبيق المنهج القرآني من أجل إحداث التغيير الاجتماعي لا يتعارض أبدا مع الدعوة الفردية أو الحوار الخاص وتكوين العلاقات وعقد اللقاءات كما يبدو لمن ينظر إلى الأمر من خارجه. فلكل أسلوبه ومجاله.
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين الأمرين بحيث لم يجعل من أحدهما سببا لإلغاء الآخر أو معارضته. ولم يقف إعلانه بالدعوة عائقا أمام تلك الحوارات واللقاءات.
 على العكس فإن الصدع بالحق يحرك السواكن ويثير العقول ويدفع النفوس باتجاه النقاش والجدل والحوار الذي ينبغي أن نستثمره ونجعله - كما أوصى ربنا - بالحسنى وحسب الضوابط الشرعية. ويؤدي كذلك – وبقوة - إلى مراجعة الأفكار وإثارة الحوارات الذاتية والمثنوية مما يعطي للأفراد فرصة اكبر للوصول إلى الحقيقة مستقبلاً وتنشيط الدعوة الفردية.
فالمنهج القرآني يكسب الفرد والمجتمع، عكس المنهج الترضوي الذي يخسر المجتمع على وهم ربح الفرد. ولكن لا بد من مرور فترة زمنية يأخذ فيها التغيير مستحقه من النضج.
إن هذا- حتى يتم - يحتاج إلى تكامل دعوي يقترن فيه الصدع بالحق من قبل ما يكفي من الدعاة والكتاب والخطباء والمفكرين والمحاضرين الذين يتقدمون الصفوف، بالحركة من قبل الجمهور الواعي الساند الحامل لـ(القضية) بعد أن يكون قد أدرك أبعادها مسبقاً بواسطة أولئك المتقدمين. فالصدع بالحق لا بد أن يقترن بالحركة من قبل ذلك الجمهور متمثلة بالحوار الشخصي وتقديم الوسائل البيانية من الكتاب الهادف والشريط المناسب. إن هذا كله ينشط التغيير الفردي ويكسب باستمرار مزيدا من الأنصار الحقيقيين وليسوا أرقاما فارغة لا قيمة لها. وفي الوقت نفسه نكون قد قمنا بواجبنا تجاه المجتمع الذي نأمل أن يتغير باتجاه الهدف إذا تكاملت فيه عناصر التغيير ضمن الزمن المعين.
ومع هذا كله نقول: لا بأس أن يخسر التاجر عشرة آلاف في زاوية لـ(يربح المليون) في الزاوية الأخرى. لقد حصلت الخسارة في زمن النبي  صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الربح تحقق من بعد وهو القائل: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)[178].
 

نزيد العدد أم نغير المجتمع؟

قد تؤدي المجاملة على حساب الحقائق المزعجة إلى كسب سريع لعدد من الأشخاص قلوا أم كثروا. هذا صحيح وواقع. وقد يغري هذا العدد البعض من (الدعاة) ويجعلهم يتوهمون النجاح دون أن ينتبهوا إلى أن الثمن المدفوع مقدما مقابل هذا النجاح الموهوم باهض جدا لا تعوضه كل الأرباح المتوهمة لأنه هو المجتمع نفسه! فنكون قد ضيعنا الكل مقابل جزء لا قيمة له لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية.
أما الكمية: فما قيمة عشرة أشخاص أو مائة أو حتى ألف في هذا المجتمع المتلاطم؟. ومن باب الطرفة غير البعيدة عن الواقع نقول: إن هذا العدد يمكن الحصول عليه بوسائل أخرى أكثر (هدوءاً) وأبعد عن حصول المشاكل مثل تشجيع الزواج المبكر وتعدد الزوجات دونما داع لهذه الجهود المضنية المزعجة.
وأما من حيث النوعية فإن أغلب هؤلاء الأفراد لم يتغيروا إلى المستوى المطلوب. بل لازالوا يعانون من رواسبهم القديمة التي يعجز المنهج الترضوي عن إزالتها. فهم معرضون للاهتزاز والارتكاس بمجرد أن يسمعوا كلمة الحق والحقيقة المزعجة. أفنظل نكتم عنهم هذه الكلمة؟! فما قيمة الاجتماع على الباطل؟!
 

نصف سني يساوي نصف شيعي

إن أنصاف المتغيرين هؤلاء يشكلون خطراً على الصف الداخلي. وذلك من عدة نواح: منها تسلل المدسوسين فيما بينهم الذين يوفر لهم المنهج الترضوي جميع أسباب الحماية ومظلات التستر والاختفاء ليعملوا عملهم في تخريب الصف وكسب ما يستطيعون كسبه إلى جانبهم عن الطريق العلاقات الشخصية وإثارة الشكوك وإلقاء الشبهات في أوساط أهل السنة والتأثير عليهم بشتى الوسائل والحيل.
وهناك ناحية أخرى خطرة جداً قد لا ينتبه إليها ألا وهي أن هؤلاء الأنصاف – إذا لم تتوفر لهم فرصة التغيير المطلوب ولا بد أن البعض منهم لن تتوفر له هذه الفرصة فيظل كما هو – سيحسبون مستقبلا على الصف الداخلي ويكون منهم الخطيب والأستاذ والمحاضر والكاتب والمتدين العادي. ولا شك أن ما سوف يطرحونه سيكون مخلوطا وليس صافياً. وعندها - وبعد اكتسابهم للهوية بتأثير الزمن - سيستقبل الوسط هذا الخليط على أنه هو الحق.
فمن الكاسب في هذه الحالة و(لله الدين الخالص)  والشيطان يقبل بأي تابع؟! ويمكن تصوير الخطر الناتج بالمثل التالي: افترض أن رافضياً استطاع أن يغير سنيا إلى النصف فصار نصفه رافضياً ونصفه سنياً، وأن هذا الصنف – النصف قد كثر بيننا وصار يتكلم بألسنتنا ويبث أفكاره المشوشة المخلوطة فيما بيننا أليس في هذا خطرٌ علينا؟
والآن قل لي: أليس السني الذي نصفه شيعي يساوي الشيعي الذي تغير فصار نصفه سنيا؟!
لماذا نرفض الأول ونرضى بالثاني؟! ما الفرق؟!
هذا ما أردت قوله لك.
إن الصنف - نصف سني = الصنف – نصف شيعي.
وإن هؤلاء الأصناف- الأنصاف ما لم نقطع معهم الشوط إلى نهايته طبقا إلى المنهج القرآني لنغيرهم التغيير المطلوب فانهم يشكلون خطر مستقبلياً علينا لا يقل عن خطر الفرس حين دخلوا في الإسلام جملة واحدة واكتسبوا الهوية على عجرهم وبجرهم، فقاموا بأخطر الأدوار في هدم دولة الإسلام.
إن هؤلاء الأصناف - الأنصاف سيمارسون دورهم - بقصد أو بغير قصد - في تنصيف أهل السنة حتى يتغير وجه السنة الحقيقية ويبدو غريبا على أهلها وهي مرحلة متقدمة باتجاه التشيع الفارسي.
إن المنهج الترضوي عاجز كل العجز عن إحداث التغيير المطلوب لهؤلاء الأصناف بل هو صالح جداً لإنتاج المزيد منهم. ولهذا أرى أن السير على هذا المنهج والاستمرار عليه ما هو إلا خطة غير واعية لتشييع أهل السنة فارسياً.
 

الاعتدال في وسط التطرف اعوجاج

وأخيراً أختم – بحمد الله - هذه الجولة الواسعة بكلام حكيم من حكماء الدعوة والتغيير في هذا العصر هو الدكتور حسن الترابي وهو يتحدث عن سنة من سنن التغيير الاجتماعي. قال تحت عنوان: الاعتدال أم الإقدام :
أن يكون الاتزان بين الثبات والتطور حكمة مطلوبة، فإن مخاطبة المجتمع المسلم الحاضر بمعاني المحافظة والحذر من التغيير بقدر مساو لمخاطبته بدواعي النهضة والحركة، إنما هو في مثل ظروفنا وضع للأمور في غير مواضعها وسبب لإضرار بالغ بالمجتمع ودينه. والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة أن نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة. وأن نصيح له أن تيقظ! جاهد! اجتهد! حتى إذا جاد بالحركة وتباركت نهضته لدرجة نخشى عليه فيها الجنوح والفوضى عندئذ يجوز أن ندعوه لما هو الأسلم والأحوط…. وهذه الروح في تربيتنا الدينية لا بد من أن نتجاوزها الآن ولا نتواصى اليوم بالمحافظة بل لا ينبغي إطلاق الدعوة إلى الاعتدال لأننا لو اعتدلنا نكون قد ظلمنا ولو اقتصدنا نكون قد فرطنا.
أما وقع التجديد الديني من حيث اللطف أو العنف فإنه يأتي تبعاً لظروف التحول الاجتماعي. فحين تكون عهود الفترة قد تطاولت وآثار الجمود تراكمت لا يولد العهد التجديدي إلا بعسر شديد، ولا يتم إلا بمجاهدات عظيمة. ويمكن أن يسمى الأمر عندئذ بعثاً أو ثورة لعظم النقلة بين الموات القديم إلى الحياة المنبعثة وفور الحركة الطارئة على السكون القديم.
ولما كانت حدة المفارقة وشدة وقعها تستفز القديم المستقر وتزلزل قواعده الجامدة فإن التجديد يغلب أن يستصحب شيئاً من الحدة والشدة فتأتي لغته لاذعة صافعة وتأتي تدابير تنفيذه كثيفة عنيفة. وتؤدي المدافعة الجهادية إلى مجابهة بينة تنصب القديم وحلفاءه في وجه القائمين بالجديد.
والأولى بالمسلمين بالطبع أن يرفقوا في الجدال فلا يقولوا إلا التي هي أحسن، وأن يتجنبوا الفتنة والقتال إلا إذا استحكم البغي وصار الجهر بالسوء والانتصار بالقوة ضرورة يقتضيها الواجب من الدين.
إن الجمود والثورة كليهما سبب فتنة في الدين. بل يغري أيهما بالآخر. ذلك أن الجمود يؤدي إلى أن يخلد الإنسان في مقامه بينما يقتضي الدين مقاماً جديداً فتزداد الشقة والغربة بينه وبين دينه، ويزداد بانسلابه من الدين تصلباً في أوهامه وأهوائه حتى لا يترك رجاء للإنابة الرفيقة، ويصبح الإصلاح العنيف لزاما ليكسر حدة المقاومة ويستدرك كل القصور المتراكم وتنبعث الثورة التي تقع عندئذ بقوة اندفاع هائل لتحقيق الإصلاح الشامل([179]).
إن هذا يذكرني بالرد الإلهي العنيف البعيد عن الوسطية على اليهود حين غلوا في شأن القبلة وجعلوا منها قضية ومشكلة اشغلوا بها المجتمع المدني حينا من الزمن، وأثاروا من ورائها غبارا كثيفا من التشكيك والبلبلة ملأ الجو كله. وكانت شبهات قوية كادت تزعزع الصف الداخلي حتى قال سبحانه:) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(114)وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115)( البقرة. لا سيما وقد جندوا إخوانهم المنافقين معهم في هذه المهمة الخطيرة والفتنة المستطيرة.
لقد ناقش القر