معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

عقيدة العصمة بين الإمام والفقيه عند الشيعة الإمامية - محمد الخطيب ..
الكاتب : محمد الخطيب ..

عقيدة العصمة بين الإمام والفقيه عند الشيعة الإمامية
د. محمد أحمد الخطيب

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله على آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، وبعد،

فإن معظم تعاليم الشيعة الإمامية وعقائدها تدور حول موضوع الإمامة وما يتصل بها من قضايا مثل عصمة الأئمة ورجعتهم بعد الغيبة. واهتمامهم بهذا الموضوع يعود إلى سعيهم لإثبات إمامة علي t وخلافته لرسول الله r، وأنه مستحق للإمامة عن طريق النص بالاسم، وأن غيره ممن تولى الإمامة وتقدموا عليه قد اغتصبوا الإمامة منه. لذا فقد ذهبوا إلى أن النبي r عيّن علياً للإمامة، وأن الأئمة من بعده هم أبناؤه من فاطمة على التعيين واحداً بعد واحد إلى الإمام الثاني عشر.

وقد أكدوا معتقدهم عندما جعلوا الإمامة أصلاً من أصول الإيمان، وجزءاً هماما من العقيدة، ومحتجين لذلك بأنه ليس في الإسلام أمر أهم من تعيين الإمام، ولم يكن للنبي r يفارق الدنيا قبل أن يحسم هذا الأمر، ذلك أن الإمامة نص من الله تعالى، وهي ليس الاختيار والانتخاب من الناس.

وبناء على هذا التصور للإمامة، فقد ذهب الشيعة إلى أن الإمام شخص

غير عادي في تكوينه ومنزلته، وإن الأئمة معصومون في كل حياتهم لا يرتكبون صغيرة ولا كبيرة، ولا يصدر عنهم معصية، ولا يجوز عليهم خطأ ولا نسيان، ونتيجة لهذه المكانة أصبحت أوامر الأئمة ونواهيهم شرعاً، وصاروا حجة الله على الخلق تجب طاعتهم وجب اتباعهم ابتداء بالإمام الأول عندهم (علي بن أبي طالب t)، وانتهاء بالإمامة الثاني عشر عندهم (محمد بن الحسن العسكري).

ومنذ أكثر من ألف عام ينتظر الشيعة الإمامية ظهور إمامهم الأخير المهدي الغائب (محمد بن الحسن العسكري)، الذي يدعون إنه غاب في سرداب قبل بلوغه، ليعود من جديد قبل يوم الدين فيقيم العدل ويرجع الحق المغصوب إلى أهله.

والذي دعا الشيعة إلى تبني فكرة (المهدي) والتركيز عليها، هو ما آلت إليه أحوالهم بعد اختفاء الإمام الثاني عشر سنة 265 هـ تقريبا، وعدم وجود إمامن يخلفه من عقبه، إذ خشي الشيعة أن يدب اليأس إلى نفوس اتباعهم وتتلاشى حركتهم، فكان لا بد من ربط الأتباع بأمل يتطلعون إليه في كل زمان ومكان، وكان ذلك الأمل هو ظهور المهدي الغائب.

لذلك فقد ارتبط الأمل بعودة الغائب في قلب كل شيعي من الاثنى عشرية ارتباطه بعقيدته، فهم منذ ذلك الوقت يأتون إلى ذلك السرداب الذي اختفى فيه، ويتلون الدعاء قائلين (عجل الله فرجك، وسهل مخرجك، وقرّب زمانك).

لكن ظهور فكرة ولاية الفقيه على مسرح الأحداث داخل المجتمع الشيعي المعاصر، خاصة بعد أن تولى وصاحبها زمام الأمور في إيران، جعل الكثيرين من علماء الشيعة ينظرون إلى ولاية الفقيه، وكأنها تهدم الأمل

-4 -

الأمل الذي انتظروه منذ مئات السنين، وتزعزع الثقة في عنصر هام من عقيدة الإمامة، ظالما دافعوا عنه وهو بطلان حق الأمة في اختيار الإمام.

ولما كانت ولاية الفقيه تلغي وبكل بساطة أمل الشيعة في ظهور الإمام الغائب، وتنص على أن نائب الإمام يختار من قبل الأمة، وله من المكانة والمنزلة ما للإمام، خاصة في أوامره ونواهيه.

لكل هذا فإن فكرة ولاية الفقيه كانت حدثاً خطيراً ف المجتمع الشيعي لا يجوز الاستهانة بأهميته، فقد أسقطت اللبنة الرئيسية في بناء الشيعي العقائدي حول الإمامة.

ولما لعصمة الإمام من أهمية في عقيدة الشيعة، باعتبارها صفة أساسية لازمة في حق أئمتهم، وبسببها استحقوا الإمامة، فإن إعطاء صفة العصمة للفقهاء المجتهدين يعتبر خرقاً خطيراً لتلك العقيدة، إذ يعني إبطال كل ادعاءات الشيعة السابقة في حق أئمتهم بالإمامة.

وذلك أن ولاية الفقيه قد أنزلت عقيدة العصمة من الإمام إلى الفقيه مما يد خرقاً في مبادئهم قد يؤدي إلى تهاوي البناء العقائدي لمفهوم الإمامة الذي بناء الشيعة طيلة القرون الماضية.

ولما كان مثل هذا الأمر يحتاج إلى دراسة موضوعية تتناول الموضوع من مختلف جوانبه في محاولة لفهم الدوافع والأسباب التي أدت إلى فكرة ولاية الفقيه فقد رأيت كتابة هذا الكتاب وقد ضمنته النقاط التالية:

1 - لمحة موجزة عن الإمامة عند الشيعة

2 - تعريف العصمة.

3 - نشأة فكرة العصمة.

4 - أدلة الشيعة على عقيدة العصمة والردّ عليها.

5 - ولاية الفقيه في ولايته.

-5 -

6 - صلاحيات الفقيه في ولايته.

7 - اعتراضات علماء الشيعة على ولاية الفقيه.

8 - الخاتمة.

راجياً من الله أن أكون وفقت في دراسة هذا الموضوع من جميع جوانبه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-6 -

لمحة عن الإمامة عند الشيعة

إن حجر الزواية الذي قام عليه البناء العقائدي للشيعة كان موضوع الإمامة، في محاولة منهم لإثبات إمامة علي t بعد النبي r ، عيّن علياً للإمامة بالاسم والتعيين المباشر، وأن هذا لا يعتصر عليه بل يتسلسل في الأئمة الاثنى عشر من ولده.

واعتقد الشيعة أيضاً أن الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي r أو لسان الإمام الذي قبله، وأنها ليست بالاختيار أو الانتخاب من الناس، وبناء على هذا فقد ذهبوا إلى القول ببطلان إمامة أبي بكر وعمر وعثمان y .

وقد دافع الشيعة عن هذا المعتقد دفاعاً حاراً، فاعتبروا أن نصب الإمام واجب على الله، وهو من لطف الله بعباده، وكل لطف واجب على الله تعالى (1)، لأن وجود إمام عادل وحاكم كامل يمنعهم من المحظورات، ويحثهم على الطاعات، ويجعلهم أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية، لا يكون إلا باختيار الله عز وجل.

ولما كان نصب الإمام لا يكون إلا بالنص والتعيين، فقد أكثر علماء الشيعة في إثبات فكرة تعيين الله للإمام من جهة ونقد مبدأ الاختيار من جهة أخرى، مستندين في إثبات فكرتهم إلى أدلة تأولوها من القرآن الكريم (2).

ومما استدل به الشيعة قوله تعالى: ((وربك يخلق ما يشاء ويختار ما لهم الخيرة)) (3).

-7 -

فذهبوا إلى أن الآية تشير أنه ليس للناس الخبرة في أي شيء مما يرجع حكمه وأمره إلى الله فهو الذي يختار من يشاء للنبوة والإمامة. غير أن هذه الآية بظروف نزولها على اختيار الله للأنبياء دون الأئمة، وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن اختيار الأنبياء موكل إلى الله (4).

ومن الآيات التي احتج بها الشيعة قوله تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراُ أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا)) (5).

فذهبوا إلى أن الآية تشير إلى أنه إذا كانت الإمامة مما قضى الله ورسوله تركه، فهي كغيرها من الوظائف الدينية التي قضيا بها ولم يتركها، فليس للناس الخيرة في نفيها أو إثباتها (6). مع أن مناسبة نزول الآية كان عندما أتى رسول الله r زينب بنت جحش يخطبها لزيد بن حارثه فاستنكفت منه، فأنزل الله هذه الآية (7).

وكما يقول الدكتور أحمد صبحي: " فإن متكلمي الشيعة قد خلطوا في الاستدلال بهذه الآية بين ما تركه الله ورسوله r فلم يقضيا به، وبين ما نهيا عنه، فإن الإمامة إن لم يقض الله ورسوله فيها بالنص فلا يعني ذلك أنهما نهيا عن إقامتها أو اختيار الإمام " (8).

وإلى جانب ما استدل به الشيعة من آيات، فقد قدموا كذلك العديد من الحجج العقلية لإثبات أن الإمامة بالنص لا بالاختيار، وهذا الطوسي الملقب بشيخ الطائفة عندهم يصل إلى نتيجة مفادها أن وجود الإمام ضروري، لأن الشريعة مؤيدة، وعلى هذا فلا بد لها من حافظ، ثم يقول: " وليس يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة، لأن الأمة يجوز عليها السهو النسيان، وارتكاب الفساد العدول عما علمته، فإذاً لا بد لها من حافظ معصوم يؤمن من جهته

-8 -

التغيير والتبديل والسهو، ليتمكن المكلفون من المصير إلى قوله (9).

وقد استفادت الشيعة من فكرة المهدي المنتظر، وأسندوها إلى آخر أئمتهم (محمد بن الحسن العسكري)، الذي يقولون بأنه دخل السرداب بسامراء بعد موت أبيه ثم اختفى وغاب، ومما يذكر أن هذا الإمام لم يكن يتجاوز عمره الخمس سنوات على أكثر تقدير.

" وللمهدي الغائب عندهم غيبتان: الغيبة الصغرى، والغيبة الكبرى" (10)

أما الغيبة الصغرى، فقد استمرت مدة تزيد على السبعين عاماً، وكان على اتصال مع اتباعه عن طريق وكلائه ونوابه الأربعة الذين تولوا النيابة واحداً بعد الآخر - على حد زعم الشيعة -.

والشيعة أطلقوا على هؤلاء النواب (السفراء) فكانوا يحملون الأموال إليهم لإيصالها إلى صاحب الزمان، ويكتبون رسائل يستفتون فيها عن مسائل علمية ودينية اشكلت عليهم، وسفراء صاحب الزمان يدخلونها عليه وبعد أيا يحضر المستفتي فيجد الجواب قد خرج بتوقيع صاحب الزمان وخطه على تلك الأسئلة (11).

وقد أورد الكليني في باب الغيبة واحداً وثلاثين حديثا عن أئمتهم في موضوع الغيبة منها:

" عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه ".

وعنه أيضاً " للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه ".

وعن إسحاق بن عمار قال: أبو عبد الله " للقائم غيبتان "إحداهما قصيرة

-9 -

والأخرى طويلة، الغيبة الأولى مكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه (12).

ووقت اختفاء الإمام الغائب واضح فيما أورده الكليني عن أبي جعفر محمد بن علي عندما سئل عن تفسير قوله تعالى: ((فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس)) (13): الكوثر"، فقال:" إمام يخنس سنة ستين ومائتين، ثم يظهر كالشهاب يتوقد في الليلة الظلماء، فإن أدركت زمانه قرّت عينك " (14)

وقد أفرد شيخ الطائفة (الطوسي) كتاباً خاصاً في موضوع الغيبة، تحدث فهيا بإسهاب عن غيبة صاحب الزمان، وعن مدة غيبته الصغرى، وعن سفرائه فيها الذين هم الأبواب بينه وبين شيعته، كما تحدث عن وقوع الغيبة الكبرى، وقد كان ذلك بخروج توقيع القائم صاحب الزمان هذا، على يد أخر سفير من سفرائه وهو محمد بنعلي السمري (15).

وقد بقي الشيعة هذه المدة الطويلة بلا إمام معصوم، وإنما ينتظرون إمامهم الغائب، ويدعون الله له بتعجيل الفرج، ولكن غيبة المهدي المنتظر قد طالت، مما فتح الباب على مصراعيه للمدعين الذين كانوا يزعمون أنه الباب إلى الإمام أو الإمام الغائب نفسه أمثال أحمد الإحسائي، وكاظم الرشتي، وعلي الشيرازي وغيرهم.

وقد ظهر صاحب كتاب الحكومة الإسلامية لعيلن فكرة تحولت فيما بعد إلى حقيقة، حاول فيها أن يوفق عقيدة الشيعة القائلة بغيبة الإمام الثاني عشر، وأن الحكم لا يكون إلا لنبي، أو إمام، وبين القول بتشكيل حكومة إسلامية، والإمام الغائب لم يظهر بعد، وبذلك ظهرت فكرة ولاية الفقيه، التي سنتحدث عنها بالتفصيل إنشاء الله بعد موضوع العصمة.

-10 -

تعريف العصمة

العصمة في لغة العرب تعني المنع، يقال عصمه بعصمة عصماً أي منعه ووقاه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به أو بلطفه من المعصية، وقبل ملكة تكف بها النفس عن المعاصي والذنوب، أو خلق مانع من المعاصي (16)، يقول الرازي: " الاعتصام بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة (17).

وعرفها الشيعة: " بأنها قوة في العقل تمنع صاحبها من مخالفة التكليف مع قدرته على مخالفته (18).

نشأة فكرة العصمة

تبدو فكرة العصمة عند الشيعة ردة فعل تجاه مخالفيهم في قضية إمامة علي t وبقية الأئمة، فقد ظهرت هذه الفكرة كصفة ملازمة للإمام، ترد له اعتباره وتسمو به عن بقية الناس (19) ويعلل (دونالدسن) المستشرق وصاحب كتاب عقيدة الشيعة الأمر " بأن الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمة تجاه الخلفاء الذين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمة هداة " (20).

ويعتبر هشام بن الحكم (21) من الذين تكلموا بالنص على الإمامة، وعلى عصمة من يتولاها، ذلك أن الأئمة لا يوحى إليهم، فلا يجوز عليهم السهو والخطأ (22)؟! ويبرر عصمتهم بقوله: " إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه، الحرص والحسد والغضب والشهوة، وكلها منفيه عن الإمام، فلا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا، وهي تحت خاتمه لأنه خازن المسلمين،

-11 -

ولا يجوز أن يكون حسوداً والإنسان يحسد من فوقه وليس فوقه أحد، ولا يجوز أن يغضب غلا غضبه لله عز وجل ولا يجوز أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا والله حبب إليه الآخرة (23).

ومع أن عقيدة العصمة عند الشيعة تبدو في ظاهرها أمراً يتعلق بأبحاث العقائد والشرائع، لكنها في الحقيقة ذات صلة بالسياسة، ولم يكن ظهورها بين متكلمي الشيعة إلا لهذا الغرض المتعلق بأئمتهم وأحقيتهم بالخلافة.

ويدل على هذا، أن علماء الشيعة قد أثبتوا وجوب عصمة الأئمة قبل الكلام عن عصمة الأنبياء، فعقيدتهم في عصمة الأنبياء واجبة لأن ما يلزم للإمام يلزم للنبي من باب أولى (24)، فالنبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام، وليست عصمة الإمام بأقل أولوية من عصمة الرسول، لأن انتفاء العام أكثر شراً من انتفاء الخاص، إذ ضرر انتفاء العام لطوله ودوام زمنه أشد من ضرر انتفاء الخاص (25).

يضاف إلى ذلك أن عصمة الإمام كانت مبرراً للتدليل على t أحقية علي وأفضليته للإمامة من الصحابة الذين بايعهم المسلمون للخلافة، ولذلك اتجهوا إلى الدفاع عن عصمة الرسل بصفتهم أئمة كما جاء في وقوله تعالى: ((إني جاعلك للناس إماما)) (26).

ويعتبر الكليني في كتابه (الأصول من الكافي) من أوائل كتاب الشيعة الذي أسهبوا في بحث موضوع عصمة الأئمة واسبغوا عليهم صفات لم يصلها إلا الأنبياء، فالإمامة في نظره أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وامنع جانباً وابعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، لذا فقد خصّ الله عز وجل بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة، فهي مثل

-12 -

منزلة الأنبياء، ومن أجل هذا فالإمام مطهّر من الذنوب، مبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم، وموسوم بالحلم، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له نظير (27).

فالإمامة عند الشيعة كالنبوة من المناصب الإلهية التي تحتاج إلى النصب من الله تعالى، فكما أنه ليس للناس أن يختاروا نبياً لأنفسهم فكذلك ليس لهم ولا من حقهم إطلاقاً أن يختاروا لأنفسهم إماماً. حتى أن بعض علمائهم يرى أن الإمامة تابعة للنبوة بل أفضل منها، لأن إبراهيم عليه السلام لم ينل مرتبة الإمامة ولم يطلبها إلا بعد أن نال النبوة (28).

ومما يؤكد حقيقة صلة العصمة بالسياسة، ما ذكره الدكتور موسى الموسوي، وهو أحد من علماء الشيعة المعاصرين، من أن العصمة التي نسبت إلى الأئمة كان الغرض منها تثبيت تلك الروايات التي تتنافى مع العقل والمنطق، والتي نسبت إلى الإمام كي يسد بها النقاش ف محتواها على العقلاء والأذكياء، ويرغم الناس على قبولها لأنها من معصوم لا يخطئ. فهناك أمور نسبتها كتب الشيعة إلى الأئمة وامتلأت بها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل الكافي في الأصول، والوافي، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه وغيرها، وفيها الكثير من الغلو من أجل إثبات عقيدة العصمة (29).

وهكذا فإن اعتناق الشيعة لعقيدة العصمة كان أمراً لازماً لإثبات إمامة أئمتهم، خاصة عندما لم يجدوا مفراً من إثبات كل تلك الروايات التي تمتلئ بها كتب الشيعة عن علم الإمام وقدرته وأوصافه التي لم يصلها إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ومما يذكر في هذا المجال، أن الشيعة اختلفوا في مرجع العصمة، وهل من فعل الله أو من استعداد المكلف - أي الإمام -؟! وبالرغم من أن هشام

-13 -

بن الحكم قد استدل على أن الأئمة لا يوحى إليهم، إلا أن متكلمي الشيعة الذين جاؤوا من بعده رأوا أن الله عز وجل يرسل الوحي إلى الأئمة من أجل عصمتهم وعدم وقوعهم في الخطأ، فقد روى الشيخ المفيد في الاختصاص عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لولا إنا نزداد لأنفدنا (30)، فقلت تزدادون شيئا ليس عند رسول الله r ؟ فقال: إذا كان ذلك أتى رسول الله r فأخبره. ثم أتى علياً فأخبره، ثم إلى واحد بعد واحد حتى ينتهي إلى صاحب الأمر؟! وفي رواية فيأتي به الملك رسول الله r فيقول: يا محمد ربك يأمرك بكذا وكذا، فيقول انطلق إلى علي، فيأتي علياً فيقول: انطلق به إلى الحسن، فلا يزال هكذا ينطلق به إلى واحد بعد واحد حتى يخرج إلينا (31).

-14 -

أدلة الشيعة على عقيدة العصمة والردّ عليها

يأتي الشيعة بأدلة نقليه وعقلية لإثبات عقيدتهم في عصمة الأئمة، ومن جملة أدلتهم النقلية:

1) قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام ((إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال لعهدي الظالمين)) (32). فقالوا: هذه الآية تدل على ان الإمام لا يكون إلا معصوما عن القبائح، لأن الله سبحانه تعالى نفى أن ينال عهده - الذي هو الإمامة - ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالما أما لنفسه وأما لغيره … والله سبحانه عصم اثنين فلم يسجدا لصنم قط وهما: محمد r، وعلي بن أبي طالب t، فلأحدهما كانت الرسالة، وللآخر كانت الإمامة (33) فالإمام يجب أن يكون معصوماً، لأنه لو جاز عليه الخطأ لافتقر إلى إمام آخر يسدده، فلم تستقم هدايته، ولم تتضح حجته، وكان كغيره من العلماء (34).

وقد ردّ على استدلالهم، بأن الآية تدل على أن إبراهيم عليه السلام جعله الله رسولاً يقتدى به، وليس فيه دلالة على ما ذهب إليه الشيعة، لأن أهل الأديان مع اختلافهم يدينون به، ويقرّون بنبوته، فالإمامة تعني الاقتداء به عليه السلام. وأما العهد الذي ذكرته الآية الكريمة فتعني إنه لن ينال طاعة الله عدوّ له يعصيه، ولا يعطيها إلا لولي له يطيعه (35).

-15 -

أما قولهم بأن غير المعصوم لا بد أن يكون ظالماً … فهو غير مسلم به فبين العصمة وعدم الظلم فرق شاسع، فالمخطئ قبل التكليف ليس ظالماً ولا يحاسب الاتفاق، فمن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح، لا يصح أن يطلق عليه (كافر) أو (ظالم) في لغة أو عرف أو شرع، كما أن الظلم اسم ذم، ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله تعالى: ((ألا لعنه الله على الظالمين)) (36).

2) قوله تعالى: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)) (37)، حيث يرى الطبري في تفسيره: أن أهل البيت في الآية مقصورة على النبي r وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين t، ليصل بعد ذلك إلى أن الأئمة معصومون من جميع القبائح، فالآية تقتضي المدح والتعظيم وفي ثبوت عصمة أهل البيت ومنهم الأئمة من جميع القبائح (38).

وقد اعترض على استدلالهم، بأن المقصود بالآية هؤلاء الخمسة فقط، فالواضح من سياق الآيات السابقات لهذه الآية، والآية التي بعدها تشير إلى أنها نزلت في نساء النبي r ((يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)) (39)

وروى أن حصين بن سبرة سأل زيد بن أرقم عن أهل بيت النبي r ، فقال له: أهل بيته من حرّم الصدقة عليه، وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، فهم أصله وعصبته (40)، وآية التطهير في نساء النبي وغيرهن من أهل البيت كما دلّ حديث زيد بن الأرقم t هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس y. ولا قائل بعصمة هؤلاء، وتخصيص الخمسة يحتاج إلى دليل. وإذا تمت لهؤلاء فكيف تتم العصمة لأولادهم وأحفادهم؟!

يضاف إلى ذلك أن الأحاديث التي ذكرت واقعة الكساء بينت أن الرسول

-16 -

r جمع أهل الكساء، ودعا لهم بان يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، فإن كان إذهاب الرجس قد حصل والتطهير قد تم بالعصمة، فما الحاجة إلى الدعاء؟! ويزيد على ذلك أن آية التطهير واقعة بين آيات فيها الأمر والنهي، مما يؤكد أن فعل الطاعات، واجتناب المعاصي يؤدي إلى إذهاب الرجس وحدوث التطهير، ويؤيده أيضا ما روى: أن النبي r كان يمر ببيت فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة يقول: الصلاة أهل البيت ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت 00)) الآية (41)، وهنا يبدو الربط بين الأمر بالصلاة وحرض الرسول r على إذهاب الرجس عن أهل بيته بها (42).

بل إن أحوال أئمة الشيعة وأقوالهم تشهد على عدم عصمتهم، فعلي t - وهو الإمام الأول عندهم - اختلف معه ابنه الأكبر (الحسن) t- وهو الإمام الثاني عندهم - في مسألة أخذه البيعة من الناس بعد استشهاد عثمان t ، ويلزم من ذلك أن واحداً منهما كان مصيباً، والثاني كان مخطئاً 000 ولقد ثبت أن علياً t صوب رأي الحسن بعد وقعة الجمل وتأسف على عدم أخذه برأي الحسن (43).

وقد ورد أن الحسين t - وهو الإمام الثالث عندهم -، كان يظهر الكراهية لصلح أخيه الحسن مع معاوية رضي الله عنهما، بل أبدى لومه لأخيه على ذلك (44). ولو كان الحسين t يعلم بعصمة أخيه لم قال ذلك، لكن الحسن لم يلتفت إلى رأي الحسين وصالح معاوية.

وقد روي في الكافي أن أئمة الشيعة كانوا كثيراً ما يفتون في قضايا

-17 -

لخاصتهم خلاف ما أنزل الله وما بينه الرسول r ، وخلاف ما كانوا يرونه، وذلك صيانة لأنفسهم وحفاظاً على حياتهم (45). ومع فرض وجود المعصوم عند الشيعة فإننا نجد الاختلاف في الفروق عندهم، وهذا يدل على أن الأئمة عندهم كانوا يجتهدون، والعصمة تعني أن لا يكون من الإمام اجتهاد، لأن علمه إلهامي فانتفى معه الاجتهاد (46).

أما أدلتهم العقلية، فإنه تستند إلى أن العقل يقضي عدم ترك أمر اختيار الإمام للأمة لعدم عصمتها، ومن تلك الأدلة على سبيل المثال (47):

1) أن الخطأ من البشر ممكن، فإذا أردنا رفع الخطأ الممكن يجب أن نرجع إلى المجرد من الخطأ وهو المعصوم.

2) لو ثبتت عصمة الأمة، لما كانوا بحاجة إلى إمام، لأن الفكرة في وجوب وجود الإمام ترجع إلى صدور الخطأ من المكلفين.

3) لو أن الأمة توجهت منزهة عن كل غرض وهوى للنفس لاختيار الإمام، فإن الخطأ إذا كان جائزاً على كل فرد، فقد جاز الخطأ على المجموع، وبذلك تخطئ الأمة فلا تعطي المستحق وتختار غيره.

بيد أن أدلة الشيعة العقلية، قد أثارت عليهم أيضاً موجه من النقد، فدليلهم الأول القائم على أن رفع الخطأ لا يتم إلا بالرجوع إلى المعصوم، لا يسلم به لأن الحاجة إلى الإمام ليست بسبب جواز وقوع الخطأ على الأمة فالإجماع عند أهل السنة معصوم لاستحالة اجتماع الأمة على الخطأ، وإذا جاز الخطأ على بعض الأمة فإن هذا لا يفيد جواز الخطأ على المجوع، لأن الأمة ليست

-18 -

مجرد مجموع أفراد، فكما أن الواحد لا يقدر على قتال العدو فإذا اجتمع عدد قدّروا، كان ذلك دليلا على أن الكثرة تؤثر قوة وعلما، لهذا فإثبات العصمة للمجموع أولى من إثباتها للفرد (48).

فعلماء السنة يشترطون في الإمام العدالة الظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة منتظماً، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمة عياراً عليه في العدول به من خطأه إلى صواب (49).

وأما دليلهم الثاني القائم على أنه لو ثبتت عصمة الأمة لما كانوا في حاجة إلى إمام، ويرد الرازي على ذلك بقوله: لو كان المعصوم في غيرا حاجة إلى إمام، لما كان علي وأنتم تثبتون له العصمة مدى الحياة في حاجة إلى الرسول r، وهذا باطل لأنكم تسلمون أنه كان إليه محتاجا وبه مؤتماً (50).

وهكذا يحتج الشيعة لمعتقدهم الأئمة، بأن العلة التي لأجلها كانت الحاجة للإمام هي عدم عصمة الأمة، فلو يم يكن الإمام معصوماً لكانت الحاجة إلى إمام معصوم آخر (51)، والآيات التي يحتج بها الشيعة يرون فيها دليلا على أن تصيب الأئمة مرجعه إلى الله، ولم يعط صلاحية شيء من ذلك إلى غيره مطلقاً، فكما أنه ليس للناس أن يختاروا نبياً لأنفسهم فكذلك ليس لهم أن يختاروا لأنفسهم إماما، لذا لا بدّ أن يكون الإمام معصوماً عن الخطأ، ذلك أن غير المعصوم لا يرجع إليه، ولا يؤخذ برأيه في مسائل الخلاف، لأنه يخطئ ويصيب فصار كغيره من العلماء (52).

وبناء على هذا فلا يجوز - كما يرى الشيعة - توكيل الأمر بالإمامة إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم، فالعقل السليم يوجب أن يكون

-19 -

الإمام مكتنفاً بشرائط من النفسيات الخفية والملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر كالعصمة والقداسة الروحية (53).

ولكن البغدادي ناقش الشيعة في قضية هامة هي بيعة الحسن لمعاوية، فقال: " فإذا سئلوا عن بيعة الحسن لمعاوية لم يمكنهم أن يقولوا أنها كانت صوابا، لأن هذا القول يوجب تصحيح ولاية معاوية وهو عندهم ظالم كافر، ولم يمكنهم أن يقولوا أنها خطأ فيبطلوا عصمة الحسن " (54).

وهكذا فإن البغدادي يبين أن إدّعاء العصمة لأئمة الشيعة تفتقر إلى دليل، وبل أن أفعال الأئمة تدل على خطأهم واعترافهم بذلك، وهذا بلا شك مخالف لمذهبهم في العصمة.

-20 -

ولاية الفقيه وأدلّتها

واضح مما سبق، أن الفكر الشيعي في أدلّته أنكر على الأمة الحق في اختيار الإمام لأمرين، أولهما: أن الإمام لا بدّ أن يكون معصوماً، لأن تنصيبه راجع إلى الله عز وجل، وثانيها: أن الأمة ليست معصومة، فكيف لها أن تختار معصوما؟!

ومع أن الشيعة الإمامية في جميع كتبهم المعتبرة رأوا هذا الرأي، ومنعوا الأمة من اختيار الإمام لكل الأسباب والأدلة التي ذكرت فيما سبق، لكن نظرية ولاية الفقيه قلبت مفهوم الشيعة رأساً على عقب خاصة فيما يتعلق باختيار الأمة للإمام أو نائبه، وفيما يتعلق أيضا بالصلاحيات المطلقة المعطاة لنائب الإمام وكأنه المعصوم نفسه. إضافة إلى أن هذه النظرية تعني نسخ عقيدة الشيعة في انتظار المهدي الغائب.

ومن الواضح أن ظهور هذه الفكرة على يد الخميني كانت نتيجة الإحباط واليأس في نفوس الشيعة لطول المدة التي انتظروها لظهور صاحب الزمان، ولذلك جاء تبرير الخميني لفكرته تظهر هذا اليأس الي ملأ قلوب الشيعة، ومما قاله الخميني:

" قد مرّ على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون، القوانين التي صدع بها نبي الإسلام r وجهد في نشرها وبيانها

-21 -

وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ 000" (55).

لذا يتساءل بعد ذلك فيقول: فما هو الرأي وما هو الخروج؟! ويجيب بأن خصائص الحكم الشرعي يمكن توافرها في أي شخص مؤهل لحكم الناس، وهذه الخصائص هي العلم بالقانون، والعدالة، وهذه موجودة في معظم الفقهاء المجتهدين؟! 000 ومن خلال هذه المقدمة يصل صاحب كتاب الحكومة الإسلامية إلى نتيجة مفادها أن الفقيه العالم العادل يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي r ، وواجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، ويملك هذا الفقيه من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه عليه الصلاة والسلام وأمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) t (56) .

وقد افتضح الخميني في كتابه عن محاولة لنسخ عقيدة انتظار الإمام الغائب التي عاش عليها الشيعة أكثر من ألف عام ومحاولة الالتفات عليها، ولكن تبريرات الخميني لولاية الفقيه في هذا النص تظهر أموراً في غاية الأهمية وهي (57):

1) إن عصر الغيبة للمهدي المنتظر قد طال أمده، وربما يطول أحقاباً، فقد مضى عليه 1200 عام.

2) أن الشيعي قد أصابه اليأس، فلا يملك إلا أن يدعو الله له بتعجيل الفرج.

-22 -

3) إن عقيدة الشيعة قائمة على عدم وجود حكومة أو طلب تكاليف من الناس حتى يظهر الإمام.

4) يقرّر الخميني أن عقيدة انتظار ظهور الإمام فساد للمجتمع لأنه يترك الناس هملا يعملون ما يشتهون من دون راع لهم، لعدم وجود الحاكم الذي يقيم حكم الله بينهم.

5) يقرّر الخميني أيضا في هذه العقيدة نسخ للشريعة الإسلامية، لأنها تقرّر أن أحكام الشريعة جاءت محدودة بمدة قرنين من الزمان.

والإثبات صحة هذه النظرية من خلال الفكر الشيعي، يأتي آية الله الخميني بأدلة وحجج كثيرة يدعم بها نظريته منها:

1 - قوله تعالى: ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) (58) فقال: إن الخطاب موجّه إلى من يمسكون الأمور بأيديهم، وليس خطاباً لقضاة، لأن القضاة جزء من الحكومة (59).

2 - إن ولاية الفقيه على الأمة لا تختلف عن ولايته على الصغار، فكما يعتبر الشرع الفقيه أو القاضي قيما على الصغار، فالقيم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية كمية (60)، خاصة أن الفرص لمتسنح للأئمة للأخذ بزمام الأمور وكانوا بانتظارها حتى آخر لحظة من الحياة، فعلى الفقهاء العدول أن يتحيّنوا الفرص وينتهزوها من أجل تنظيم حكومة رشيدة وتشكيلها (61).

3 - حديث يأتي به الخميني ويرويه عن علي بن أبي طالب t، عن رسول الله t قال " اللهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنتي فيعملونها

-23 -

الناس من بعدي " فالحديث كما يرى الخميني يقصد به أولئك الذين يسعون في نشر علوم الإسلام وأحكامه، ويعلمونها الناس، ولا علاقة لها بنقلة الحديث ورواته المجرّدين عن الفقه، فالمقصود هم فقهاء الإسلام الذين يجمعون إلى فقههم وعلمه العدالة والاستقامة في الدين 000 ليصل في نهاية المطاف إلى نتيجة وهي أن دلالة الرواية واضحة في ولاية الفقيه وخلافته في جميع الشؤون (62).

4 - حديث يرويه عن الكافي في الأصول: أن رسول الله r قال: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا؟! قيل يا رسول الله: وما دخلوهم في الدنيا؟ قال::إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم 000 ربما أن حكومة الإسلام هي حكومة القانون فالفقيه هو المتصدي لأمر الحكومة لا غير، وهو ينهض بكل ما نهض به الرسول r لا يزيد ولا ينقص، فالفقهاء تهم أوصياء الرسول r ، من بعد الأئمة، وفي حال غيابهم، رقد كلفوا القيام بجميع ما كلف الأئمة بقيام به، لأنه وصي النبي، وفي عصر الغيبة يكون هو إمام المسلمين وقائدهم (63).

5 - توقيع صدر عن إمامهم الغائب الثاني عشر فيه " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " وحجة الله - كما يرى الخميني - تعني أن الإمام مرجع الناس في جميع الأمور، والله قد عيّنه 000 وكذلك الفقهاء فهم مراجع الأمة، فحجة الله هو الذي عيّنه الله للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين (64).

6 - وأخيراً ياتي الخميني بقول أحد متكلميهم وهم عمر بن حنظلة عن إمامهم الغائب وفيه " من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فمل يقبل منه فإنما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا رادّ على الله، وعلى حدّ الشرك بالله " (65).

-24 -

صلاحيات الفقيه في ولايته

يرى الخميني أن سلطة الفقيه أثناء ولايته سلطة مطلقة، لا تختلف أبداً عن السلطة المعطاة للإمام المعصوم، فلك ما يناط بالنبي r ، فقد أناطة الأئمة، بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات وإليهم فوّضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم والجباية والاتفاق، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن الله يؤاخذه، ويحاسبه على ذلك (66).

ويستند الخميني في ذلك إلى توقيع صدر من صاحب الزمان الغائب، ورد فيه " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " فيقول: " حجة الله تعني أن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عينه، وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم، وكذلك الفقهاء، فهم مراجع الأمة وقادتها، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين، يجب إنفاذها ولا يسمح بالتخلف عنها " (67).

إذاً الخميني يرى أن الفقيه حجة على أهل زمانه، لا فرق بينه وبي الحجة الغائب، وهذا يعني أن ظهور الحجة أو بقاءه غائباً لا يغيّر من الأمر شيئا.

وهكذا فإن الخميني يرى أن منصب ولاية الفقيه قد منحه الأئمة للفقهاء فيقول: " نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء لا يزال محفوظاً

لهم، لأن الأئمة لا تتصوّر فهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما في مصلحة المسلمين (68).

-26 -

وقد توقف الخميني طويلا عند رواية سمّاها (صحيح قداح) فيها قوله r (العلماء ورثة الأنبياء) ليثبت من خلالها أن المقصود بالعلماء هم الفقهاء وليسوا الأئمة، وأن منزلة العلماء مثل منزلة الأنبياء من حيث الطاعة.

ومما قاله: " إن المقياس في فهمالروايات أخذ بظواهر ألفاظها، هو العرف والفهم المتعارف 000 وإذا رجعنا إلى العرف في فهم عبارة (العلماء ورثة الأنبياء) وسألنا العرف: هل أن هذه العبارة تعني أن الفقيه بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام؟ لأجاب: نعم!؟ لأن هذه الرواية تجعل العلماء بمنزلة الأنبياء، وبما أن موسى وعيسى عليهما السلام من الأنبياء، فالعلماء بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام. وإذا سألنا العرف:: هل ان الفقيه وارث رسول الله r ؟ لأجاب: نعم 000 فورود كملة الأنبياء بصيغة الجمع، إنما يقصد به كل الأنبياء 000 حتى لو نزلنا العلماء منزلة الأنبياء بوصفهم أنبياء فإنه ينبغي إعطاء جميع أحكام المشبه بهم للمشبه (69).

ويعود الخميني فيؤكد ويقول: إن جميع شؤون الرسول r، قابلة للانتقال والوراثة، ومن جملتها الإمامة على الناس، وتولي أمورهم، من كل ما نثب للأئمة من بعده وللفقهاء من بعد الأئمة 000" (70). ومن أجل أن يؤيد ما ذهب إليه، فإنه يأتي برواية نقلها عن أحد علماء الشيعة وهو (التراقي) الذي يقول " منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل" (71).

وهكذا فإن الخميني ينتهي إلى نتيجة فيقول: " وتبين لنا أن ما ثبت للرسول r والأئمة فهو ثابت للفقيه (73)، وتبعا لذلك فإن الراد على الفقيه

الحاكم يعد راداً على الإمام والردّ على الإمام ردّ على الله، والردّ على الله يقع في حدّ الشرك بالله " (73).

-27 -

ويمكن القول بعد كل ما نقلناه عن صاحب النظرية حول حدود ولاية الفقيه، أن الرأي المأخوذ به هو القائل " بأن ولاية الفقيه العادل الجامع للشرائط هي على حدّ ولاية المعصوم، وكل ما كان للنبي r، والإمام 000 فللفقيه أيضا، لأن ترجيحات النائب في عصر الغيبة، لا محالة لازمة بمقتضى النيابة الثابتة له " (74).

والسؤال المطروح بعد ذلك، ما هي الضمانات التي وضعت لعدم استبداد الفقيه أثناء ولايته، وقد أعطي كل هذه الصلاحيات التي أعطيت في الأصل للمعصوم - حسب معتقد الشيعة -؟ وقد أجاب عن ذلك أحد علمائهم فذكر هذه الضمانات ومنها التربية، ورقابة الأمة ومجلس الشورى، وأخيراً التسديد الإلهي؟! ومما قاله " وهذا الضمان الإلهي إما أن يكون بشكل مباشر من خلال التسديد الغيبي للإمام وهدايته للحول الأفضل، والمواقف الأفضل، وإما بشكل غير مباشر من خلال حضور الإمام المنتظر المعصوم عجل الله تعالى فرجه الشريف وتوجيهه للمرجعية الدينية وتسديده لها، وهذا عنصر مهم في التسديد والتحصين من ألوان الانحراف والضياع 000" (75).

وعليه، فإن الفقيه - استنادا إلى ما قاله الخميني - يتمتع بولاية عامة وسلطة مطلقة، باعتباره الوصي على شؤون العباد في غيبة الإمام الغائب.

وهذا هو مفاد المادتين الأولى والثانية من الدستور الإيراني " تكون ولاية الأمر والأمة في غيبة المهدي - عجل الله فرجه - للفقيه العادل ".

وهذا يعني أن الفقيه حجة مطلقة ومصدر السلطات ونائب الله وناطق باسمه فآراؤه واجتهاداته معصومة عن الخطأ (76).

ولكن بالرغم من أن الأمة هي مصدر الولاية باختيارها للفقيه المجتهد، إلا أنها لا تملك من الأمر شيئا، فلا يحق لها ولا لأحد من أفرادها أن يعترض على سلطة الفقيه لأنها سلطة ثابتة له من الله تبارك وتعالى، وليس للناس إلا الطاعة والتسليم 000 فولايتهم لا حدّ بها من السلطة، لأنها سلطة مطلقة لا تختلف عن سلطة المعصوم؟ (77).

-28 -

اعتراضات علماء الشيعة على ولاية الفقيه

لقد واجهت فكرة ولاية الفقيه على الأمة موجة شديدة من الاعتراضات حول الصلاحيات المطلقة للفقيه من قبل كثير من علماء الشيعة المعاصرين، الذين أنكروا ولاية بالمعنى الذي وصل إليه الخميني، وقالوا إن الولاية خاصة بالرسول r والأئمة الإثنى عشر من بعده، ولا تنتقل إلى نوّاب الإمام، وإن ولاية الفقيه لا تعني أكثر من ولاية الفقيه الذي يستطيع تعيين أمين على وقف لا متول له، أو نصب قيم على مجنون أو قاصر (78).

وبناء على ما أورده الخميني من أدلة على ولاية الفقيه، فالمفروض أن حكم الفقيه هو حكم رسول الله r، وحكم الأئمة، مع فارق المنزلة، وهذا هو الفرق الوحيد بين الإمام والفقيه العادل مما استأثر الله بعلمه - كما ذكر الخميني - (79).

وهذه المنزلة سببها كما ذكر الخميني: " لأن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل، وأيضاً بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون (80).

" ولكن عصمة الإمام - عند الشيعة - ليست فكرة تجريدية، وإنما هي - فضلا عن ذلك - واقع علمي يتجسد في قول المعصوم وفعله أثناء ولايته وحكمه، والتسليم للفقيه العادل بالنتائج العملية (للعصمة) في القول والعمل

أثناء ولايته على المسلمين يستدعي التسليم له بالمنزلة لا محالة (81).

-30 -

لقد أورد الخميني عددا من الأدلة العقلية والنقلية على صحة ولاية الفقهاء للأئمة المعصومين - عند الشيعة-: " وإذا أردنا أن نسلم له بصحة تلك الأدلة جدلا، فإننا ما نزال نفتقر إلى دليل واحد مهما كان ضعيفا يقدمه لنا على صحة انفراد فقيه واحد دون عشرة فقهاء من معاصريه مثلا في تلك الولاية (82).

وهناك قضية مهمة أوردها الخميني ضمن أدلته على ولاية الفقيه في زمن الغيبة حيث يقول: " الرواية الثالثة توقيع صدر عن الإمام الثاني عشر القائم المهدي 000 وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما محمد ابن عثمان العمري، فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه وكتابي (83).

وتأتي أهمية هذا الدليل م كونه مستمداً من ظروف الغيبة، ويمنكن اتخاذ الغيبة نقطة البداية لأي نقاش حقيقي يدور حول الولاية العامة للفقيه. فقبل الغيبة كان الإمام يلي أمور الناس مباشرة وله الأمر النهائي في كل ما يعرض من شؤون الدين والدنيا لا يشاركه فهي أحد، ولا يخل بما تقدم حقيقة أن الإمام الثاني عشر القائم المهدي قد اتخذ الأبواب بينه وبين الناس بحكم الغيبة الصغرى، لأن هؤلاء الأبواب يتصرفون بموجب الصلاحيات نفسها التي يريدها الخميني من وراء فكرة الولاية العامة للفقيه - وظيفة المعصوم دون منزلته - في أثناء الغيبة الكبرى. ولكن الفرق بين الغيبتين الصغرى والكبرى، أنه كان باستطاعة الباب الاتصال بالإمام في الغيبة الصغرى والخروج بتوقيعاته - كما يدعي الشيعة -، في حين لا يستطيع أحد - وهو ما قرّره الشيعة - الزعم ببابية لصاحب الزمان والاتصال به بواسطتها بعد الغيبة الكبرى (84).

-31 -

وثمة حقيقة لا يمكن إهمالها بهذا العدد، وهي أن الخميني لا يدّعي بابية الإمام الغائب، ولكنه من الناحية الأخرى يريد كل وظائف المعصوم، مما يؤدي إلى عدم الحاجة إلى ظهوره، وهو الأمل الذي انتظره الشيعة من مئات السنين.

وهنا لا بد من سؤال مهم يتعلق بالملابسات التاريخية التي أدت إلى الغيبة الصغرى ثم بعد ذلك الغيبة الكبرى، وهذا السؤال هو: لماذا لم يغتنم الشيعة الفرصة؟ واستولوا على السلطة بعد سيطرى آل بويه الشيعة على الخلافة العباسية؟ خاصة أن استيلاء الأسرة البويهية على الحكم جاء بعد إعلان الغيبة الكبرى بسنوات قليلة؟!

وكما يقول عبد الجبار العمر " فلماذا لم يجمع الفقهاء بعد تلك السنوات القليلة أمرهم على فقيه منهم لتكون له الولاية العامة في الدولة التي أرادها البويهيون؟ ويجيب: ولكن الفقهاء الشيعة الذين عاصروا الغيبة وأدركوا حكتها، لم يلتمسوا الوسيلة إلى السلطة بفكرة (الولاية العامة للفقيه)، ليس لأن هذه الفكرة يمكن أن تغيب على أذهانهم، ولكن لأن العقيدة في الغيبة - عند الشيعة - توجب عليهم التوقف عن إمامة الدولة الشرعية، لأن إقامة مثل هذه الدولة وإدارتها للإمام القائم وحده دون سواء " (85).

ومن المعترضين على فكرة ولاية الفقيه أحد مراجع الشيعة الكبار (السيد الخوئي) الذي انتقد الولاية المطلقة للفقيه وسجل ذلك في كتابه (أساس الحكومة الإسلامية) (86). وقد وصل الأمر إلى تأسيس جمعية في إيران سميت - جماعة الحجتية) أي جماعة الإمام الحجة أو حجة الزمان، ترفض

الولاية من حيث المبدأ، وتطالب بالالتزام بمبدأ الانتظار حتى يظهر الإمام الغائب (87).

-32 -

إلا أن الدكتور محمد جواد مغنية، الفقيه الشيعي اللبناني المعاصر انتقد بوضوح هذه الفكرة في كتاب واسع كان بعنوان (الخميني والدولة الإسلامية)، واشتمل رأيه على مسألتين هما:

الأولى: أن ولاية الفقيه من ولاية المعصوم.

الثانية: أن الصدقة والزكاة للفقراء والمساكين، وليس لنفقات الدولة.

وتهمنا المسألة الأولى التي هي موضوع البحث، وفيها يقول مغنية: أن ولاية المعصوم تعم وتشمل أمور الدين والدنيا بما فيه رئاسة الدولة وتنفيذ الأحكام 000 ثم يفرّق بين المعصوم والفقيه، فيرى بأن قول المعصوم وأمره تماما كالتنزيل من الله العزيز، ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل 000 ويتساءل: أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته الكامل إلى الفقيه، فحكم المعصوم - كما يرى مغنية- منزه عن الشك والشبهات لأنه دليل لا مدلول، وواقعي لا ظاهري 000 وأما حقوق المجتهد العادل فيرى أنها ولاية الفتوى والقضاء على الأوقاف العامة وأموال الغائب وفاقد الأهلية مع عدم الولاية الشخصية (88).

ويردّ على الخميني في أن وظيفة الإمام والفقيه واحدة في السلطة والإمارة فيقول: إن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة، ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذاك إلا لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماما كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل (89).

لذا يصل إلى نتيجة مفادها: أنه لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام، رغم ورود أخبار في شأن العلماء أنهم كالأئمة، مثل القول بأن العلماء ورثة الأنبياء، و أمناء الرسل 000 فالإنصاف يقتضي الجزم بأنها في مقام البيان لوظيفة الفقهاء، من حيث نشر الأحكام الشرعية، لا كون الفقهاء كالنبي والأئمة (90).

-33 -

الخاتمة

وخلاصة الأمر، ومن خلال ما تقدم نصل إلى نتائج عدة هي:

1 - واضح من أدلة الخميني أنه يرى أن تولي الفقيه لأمور الناس إنما هو تنفيذ للأمر الإلهي، وأداء للوظيفة الشرعية الواجبة، ذلك أن الإمام - عند الشيعة - هو وصي النبي r، وفي أثناء غيبته يكون الفقيه هو إمام المسلمين وقائدهم 000 فالفقهاء هم الحجة على الناس، وما كان يناط بالنبي r قد أنيط بالإمام، ثم بالفقيه 000 فالفقيه هو المرجع في جميع الأمور، إليه فوّضت الحكومة والولاية، وله من المنزلة ما للنبي r والإمام، هذا ويمكن ترتيب هذه الفكرة وفق المعادلة التالية (الله، النبي، الإمام، الفقيه)، وبثبات الطرف الأول (الله، ورحيل الطرف الثاني (النبي r) ، وغيبة الطرف الثالث (الإمام) ووجود الطرف الرابع (الفقيه). يبقى من أطراف المعادلة طرفان فقط (الله-الفقيه)، وهذا يعني أن الفقيه في ولايته هو مستودع العلم الإلهي، ونور النبوة، ووارث الإمامة 000 ومن ثم يكون الفقيه نائب الله في الأرض وحجته على عباده، له الأمر وعلى الناس السمع والطاعة، والراد عليه، راد على الله، وعلى حدّ الشرك أقرب (91).

2 - إن فكرة ولاية الفقيه قريبة الشبه بعقيدة (البابية) عند الشيعة، والتي أقفلت عندهم بعد موت الباب الرابع للإمام الغائب وبداية الغيب، ة الكبرى، بحيث لا يقبل خلالها من يدّعي البابية في المجتمع الشيعي، وهذا يفسّر لنا تجنب الخميني ذكر موضوع (البابية)، كي لا يعيد إلى الأذهان سيرة من ادعى البابية في تاريخ الشيعة الماضي والحاضر.

3 - إنه لا يوجد عند الشيعة من آثار أئمتهم ما يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة عامة مطلقة، وهذا ينقض الأركان الهامة لأدلة ولاية الفقيه، وهو ما بينه الدكتور محمد جواد مغنية.

2) انظر د. محمد العقيلي / الشيعة ص 290.

3) سورة القصص آية 68.

4) انظر د. أحمد صبحي / نظرية الإمامة ص 79 - 80.

5) سورة الأحزاب آية 36.

6) انظر الحلّي / الألفين ص 15.

7) انظر تفسير ابن كثير - طبعة دار الشعب، 1/ 417.

8) انظر د. أحمد صبحي / نظرية الإمامة ص 80.

9) الطوسي / تلخيص الشافي 1/ 133 - 134.

10) إحسان إلهي ظهير، الشيعة فرق وتاريخ ص 351.

11) انظر تعليق د. علي الفقيهي على كتاب الإمامة للأصبهاني ص 73.

12) انظر الكليني / الكافي 1/ 337 - 338،340.

13) سورة الكوثر آية 16 - 17.

14) انظر الكليني / الكافي 341.

15) انظر الطوسي / الغيبة ص 209، 243.

16) انظر ابن منظور/ لسان العرب والغيروز آبادي / القاموس المحيط، وأحمد رضا/ معجم متن اللغة مادة عصم.

17) الفخر الرازي / التفسير الكبير 8/ 171، تفسير قوله تعالى ((ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط المستقيم)) آل عمران آية: 101.

18) أمير محمد الكاظمي القزويني/ الشيعة في عقائدهم وأحكامهم ص 322.

19) انظر د. أحمد صبحي / نظرية الإمامة ص 140.

20) المصدر السابق ص 134.

21) من متكلمي الشيعة، وصاحب المقالة في التشبيه، وهو من الذين فتقوا في  الإمامة، ولهذا فإن غير الشيعة يؤرخون للتشيع كفرقة بعد جعفر الصادق، وهشام بن الحكم. انظر الشهرستاني، الملل والنحل 1/ 184، ومحمد البنداري، الشيعة ص 20.

22) انظر ما ذكره أبو الحسن الأشعري، بمقالات الإسلامية 1/ 121، وعبد الرحمن الزرعي، رجال الشيعة في الميزان ص 70 - 71، ومما يذكر أن نزول الوحي على أئمتهم لم يتفق فيه الشيعة على رأي لأن الكثير من متكلميهم يرون نزول الوحي إلى أئمتهم حتى لا يقعوا في الخطأ، انظر الشيخ المفيد/ الاختصاص ص 307.

23) محمد البنداري، الشيعة ص 167، نقلا عن ابن بابويه.

24) انظر د. أحمد صبحي، نظرية الإمامة ص 116،135.

25) الحلّي / الألفين ص 84.

26) سورة البقرة: الآية 124.

27) الكليني / الكافي 1/ 119 - 201.

28) د. محمد العقيلي، الشيعة ص 287.

29) انظر د. موسى الموسوي، الشيعة التصحيح ص 82 - 83.

30) أي لولا كلام الوحي معهم وأخذ الأئمة منه لنفذ ما عندهم من علوم؟!

31) الشيخ المفيد/ الاختصاص ص 307.

32) سورة البقرة: الآية 124.

33) انظر الطوسي / تلخيص الشافي جـ 1/ قسم 2/ 253، والتبيان 1/ 449، والطبرسي/ مجمع البيان 1/ 202، وعلي السالوس/ عقيدة الإمامة ص 80.

34) د. محمد العقيلي، الشيعة ص 342، ومحمد أبو زهرة/ الإمام الصادق 70.

35) انظر تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر 3/ 18، وتفسير ابن كثير/ ط، دار الشعب 6/ 242.

36) علي السالوس/ عقيدة الإمامة ص 81،83، 85.

37) سورة الأحزاب الآية:33.

38) انظر الطبرسي، مجمع البيان 1/ 50، ومحمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون 2/ 110.

39) سورة الأحزاب الآيات: 28 - 34.

40) مسلم بشرح النووي 5/ 180، فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

41) انظر تفسير ابن كثير، ط، دار الشعب 6/ 407.

42) علي السالوس/ عقيدة الإمامة ص 76، 78.

43) إحسان إلهي ظهير، الشيعة والتشيع، ص 300.

44) د. أحمد الجلي / دراسة عن الفرق ص 147. 

45) الكليني / الكافي 1/ 66.

46) محمد أبو زهرة، الإمام الصادق ص 72 - 73.

47) انظر تلخيصاً لأدلتهم العقلية في كتاب د. أحمد صبحي / نظرية الإمامة ص 111،119.

48) انظر المصدر السابق ص 117 - 118.

49) البغدادي، أصول الدين ص 278.

50) د. أحمد صبحي / نظرية الإمامة ص 124.

51) الطوسي للغيبة ص 15.

52) انظر د. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون 2/ 189، وما نقله عن تفسير السيد عبد الله العلوي.

53) عبد الحسين النجفي، الغدير 7/ 133.

54) البغدادي، أصول الدين ص 78.

55) الخميني / الحكومة الإسلامية ص 23 - 24.

56) المصدر السابق، ص 34.

57) انظر ما ذكره د. علي الفقيهي في تحقيقه لكتاب الإمامة للأصبهاني ص 65.

58) سورة النساء آية: 58.

59) الخميني / الحكومة الإسلامية ص 74.

60) المصدر السابق، ص 45.

61) المصدر السابق، ص 49.

62) المصدر السابق، ص 51 - 56.

63) المصدر السابق، ص 60، 63، 69.

64) المصدر السابق، ص 70 - 71.

65) الخميني / كشف الأسرار ص 207.

66) الخميني / الحكومة الإسلامية ص 72.

67) انظر المصدر السابق، ص 70 - 71.

68) المصدر السابق، ص 81.

69) المصدر السابق، ص 84 - 85.

70) المصدر السابق، ص 86.

71) المصدر السابق، ص 88.

72) المصدر السابق، ص 99.

73) الخميني / كشف الأسرار ص 207.

74) انظر محمد عطا المتوكل/ المذهب السياسي في الإسلام، ص 206 - 206.

75) المصدر السابق، ص 231 - 132.

76) انظر مبحث د. رشدي عليان في/ ولاية الفقيه، الواقع والأبعاد ص 9.

77) محمد عطا المتوكل، المذهب السياسي في الإسلام، ص 206،226.

78)) انظر د. موسى الموسوي، الشيعة التصحيح ص 70.

79) الخميني / الحكومة الإسلامية ص 48.

80) المصدر السابق، ص 47.

81) عبد الجبار العمر، الخميني بين الدين والدولة ص 81.

82) المصدر السابق، ص 84.

83) الخميني / الحكومة الإسلامية ص 70.

84) انظر عبد الجبار العمر، الخميني بين الدين والدولة ص 101 - 102.

85) المصدر السابق، ص 111، 113.

86) فهمي هويدي، إيران من الداخل ص 105.

87) المصدر السابق، ص 143.

88) انظر محمد جواد مغنية، الخميني والدولة الإسلامية ص 59 - 61.

89) المصدر السابق، ص 61 - 62.

90) المصدر السابق، ص 63.

91) انظر مقالة د. رشدي عليان في/ ولاية الفقيه، الواقع والأبعاد ص 15.

92) انظر حوا هذا الموضوع مقالة د. قحطان الدوري، ولاية الفقيه، الواقع والأبعاد ص 10، وعبد الجبار العمر، الخميني والدولة الإسلامية ص 85.

الفهرس

المقدمة ... ... ... ... ... ... ... ...00 ص 3

لمحة موجزة عن الإمامة عند الشيعة ... ... ... ...0 ص 7

تعريف العصمة ... ... ... ... ... ... ...0 ص 11

نشأة فكرة العصمة ... ... ... ... ... ...000 ص 11

أدلة الشيعة على عقيدة العصمة والردّ عليها ... ... ... ص 15

ولاية الفقيه في ولايته ... ... ... ... ... ...0 ص 21

صلاحيات الفقيه في ولايته ... ... ... ... ...00 ص 26

اعتراضات علماء الشيعة على ولايته الفقيه ... ... ... ص 30

الخاتمة ... ... ... ... ... ... ... ...00 ص 35


عدد مرات القراءة:
3016
إرسال لصديق طباعة
الخميس 7 شوال 1447هـ الموافق:26 مارس 2026م 10:03:32 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}"
إن آية التطهير هذه ليست آية مستقلة بل جزء من الآية 33 من سورة الأحزاب، حيث جاءت هذه الآية وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فبدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي قال فيه الآلوسي في "تفسيره" (180/11): "تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا" انتهى، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34].
فكما نرى، فإن سياق الكلام في الآيات 30 - 34 من سورة الأحزاب - مع نساء النبي (ص)، فإن قيل: لماذا جاء إذن في آخر الآية 33 من سورة الأحزاب ضمير "كم" المذكر؟ قلنا: إن كلمة "أَهْل" مُذَكَّرة، لذا جاء ضمير الخطاب مذكَّراً أيضاً، وإن قيل: إن المقصود هنا مصاديق كلمة "أَهْل" لا الكلمة ذاتها، ومصاديق كلمة "أَهْل" في هذه الآيات هنّ نساء النبي (ص)، فلماذا لم يأتِ الضمير مؤنثاً؟ قلنا: لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 614/2).
وهذا الكلام تؤيده آيتان قرآنيتان أخريان كالآتي:
- قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، ولما كان إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآية من مصاديق "أهل البيت"، استُخْدِم ضمير المذكَّر "كُمْ" في الآية رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم).
- قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص/29]، والمخاطب هنا - انظر: "جامع البيان" للطبري (570/19 - 571)، "تفسير البغوي" (205/6) - زوجة موسى (عليه السلام)، ومع ذلك قد جاء فعل "امْكُثُوا" مذكراً إما بسبب تذكير كلمة "أهل" أو باعتبار مصاديق الكلمة التي يدخل فيها زوجها موسى (عليه السلام) نفسه.
بناء على ذلك، فمراعاةً لوجود رسول الله (ص) بين نسائه (ص) من أهل بيته (ص) جاء الخطاب في آخر آية التطهير بصيغة التذكير.
وعليه، فإن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه.
كما أنه لا ريب إن صحَّ شمول آية التطهير للنبيّ (ص) فيكون معناها في حقه: مواصلة اجتناب كل رجس والثبات على طهارة النفس، لا أنه كان هناك رجس وغير طهارة وعليه أن يزيلها، والعياذ بالله. وهذا كقوله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب/1] والتي معناها - كما جاء في التفسير الميسر (418/1) - هو: "يا أيها النبي دُم على تقوى الله بالعمل بأوامره واجتناب محارمه"، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.
وقد وردت أحاديث تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، وهذه الأحاديث هي حديث الكساء وحديث أنس بن مالك (رض) وحديث أبي الحمراء (رض) وحديث الحسن بن علي (رض) وحديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، وقد احتج الشيعة الأثنا عشرية بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وقبل الرد على هذا، يجب أن نخرج هذه الأحاديث كالآتي:
• حديث الكساء:
هو الحديث الذي تحدَّث به النبي (ص) في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً).
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي في عدد من كتب التفسير والحديث والسنن والتاريخ والعقيدة والسيرة من حديث أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وواثلة بن الأسقع وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والبراء بن عازب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
أولاً: حديث أم سلمة (رض):
أخرج الطبري في "جامع البيان" (265/20) عن أم سلمة (رض) أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»". قالت أم سلمة: "ألست منهم؟ قال: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23) عن أم سلمة (رض): "فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَهْلِي»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2)، عن أم سلمة (رض): "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبَهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي»".
وقد ورد حديث أم سلمة (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الاول: شهر بن حوشب، عن أم سلمة (رض)…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وأحمد في "المسند" (173/44 - 174) (327/44 - 328) (217/44)، والترمذي في "سننه" (رقم/3871)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2665) (53/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (139/14) (142/14)، والآجري في "الشريعة" (2208/5) (2209/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (239/2) (241/2) (242/2)، وأبو يعلى في "المسند" (344/12) (451/12) (456/12)، وابن الأعرابي في "المعجم" (964/3)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (ص/107)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (719/2).
وهذا الطريق ضعيف، فيه شهر بن حوشب، وهو مولى أسماء بنت يزيد بْن السكن الأَنْصارِيّة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (579/12)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (64/5): "ليس بالقوي في الحديث، وَهو ممن لا يحتج بحديثه، ولاَ يتدين به" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (361/1): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات المعضلات وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات" انتهى، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (191/2) وقال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثِ شَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْأَمِيرِ قَالَ: فَخَرَجَ الْآذِنُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ: لَا تَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّهُ سَبَئِيٌّ" انتهى، كما أن شهر بن حوشب كثير الارسال والاوهام، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/269): "صدوق كثير الإرسال والأوهام" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة (رض) قد روي بألفاظ مختلفة، وهذه الألفاظ بدورها قد جاءت على أوجه مختلفة كما سيأتي بيان ذلك لاحقاً، ويبدو أن سبب اختلاف الألفاظ ومجيئها على أوجه مختلفة هو اضطراب شهر بن حوشب في حفظه وأدائه.
ونلاحظ أن شهر بن حوشب يروي حديث الكساء تارةً عن أم سلمة (رض) مباشرة كما هو مبين في هذا الطريق، وتارةً عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري (رض)، عن أم سلمة (رض) كما جاء في "جامع البيان" للطبري (265/20)، وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- فضيل بن مرزوق، وهو مولى بني عنزة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (306/23)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (209/2) وقال: "فُضَيْل بن مَرْزُوق: من أهل الْكُوفَة، يروي عَن عَطِيَّة وَذَوِيهِ، روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ، مُنكر الحَدِيث جدا، كَانَ مِمَّن يخطىء على الثِّقَات ويروي عَن عَطِيَّة الموضوعات وَعَن الثِّقَات الْأَشْيَاء المستقيمة فَاشْتَبَهَ أمره، وَالَّذِي عِنْدِي أَن كل مَا روى عَن عَطِيَّة من الْمَنَاكِير يلزق ذَلِك كُله بعطية وَيبرأ فُضَيْل مِنْهَا، وَفِيمَا وَافق الثِّقَات من الرِّوَايَات عَن الْأَثْبَات يكون محتجا بِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/448): "صدوق يهم، ورمي بالتشيع" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "صالح الحديث، ولكنه شديد التشيع" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (307/23)، وقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي: "يُقَال فُضَيْل بن مَرْزُوق ضَعِيف" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدارمي" (رقم/698).
2- عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الطريق الثاني: رواه عبد الملك بن أبي سليمان:
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه أحمد في "المسند" (118/44 - 119) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…
والطريق الثاني بهذا الوجه علته إبهام شيخ عطاء بن أبي رباح.
الوجه الثاني: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب (مر ذكره سابقاً)، عن أم سلمة…
الوجه الثالث: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…
وأبو ليلى الكندي الكوفي الذي يقال أنه مولى كندة - اختلف فيه قول يحيى بن معين، فمرة يوثقه، وأخرى يضعفه. (انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي 239/34 - 240).
وهناك ملاحظة على عبد الملك بن أبي سليمان الفزاري العرزمي الكوفي الذي هو مولى بني فزازة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12)، حيث ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12) وقال: "أَخْبَرَنَا البرقاني، قال: أَخْبَرَنَا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه، قال: أَخْبَرَنَا الحسين بن إدريس، قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ فقال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" انتهى، كما قال فيه أحمد بن حنبل: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جريج أثبت منه عندنا" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/5).

الطريق الثالث: رواه عمار بن معاوية الدهني (أبو معاوية الكوفي):
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2095/4) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرَةُ، فَلَوْ قَالَ: «نَعَمْ» كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وأبو الصهباء البكري قال فيه النسائي: "أبو الصهباء صهيب، ضعيف، بصري" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (242/13)، كما أننا لا نعلم لأبي الصهباء البكري سماعاً من عمرة الهمدانية (الكوفية)، حيث قال ابن عبد البر الأندلسي في "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" (781/2): "أبو الصهباء البكرى. سمع عليًا وابن مسعود وابن عباس. اسمه صهيب" انتهى، وبالتالي رواية أبي الصهباء البكري عن عمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة.
الوجه الثاني: أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (244/2) من طريق ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا»، فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَالَ: «نَعَمْ»، فَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وابن لهيعة قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).
الوجه الثالث: أخرجه ابن الأعرابي في "المعجم" (742/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى (لم أجد لها جرحاً ولا تعديلاً)، قالت: سمعت أم سلمة… بلفظ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وكذلك أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (238/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة… نفسه، ولكن بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ »، وَمَا قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وعبد الجبار بن عباس الشِّبَامي الكوفي قال فيه العقيلي "الضعفاء الكبير" (88/3): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَتَشَيَّع" انتهى، وقال فيه أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: "لم يكن بِالْكُوفَةِ أكذب مِنْه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (82/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (159/2): "كَانَ مِمَّن ينْفَرد بالمقلوبات عَن الثِّقَات وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع" انتهى.
وهناك ملاحظة على عمار بن معاوية الدهني الكوفي الذي هو مولى الحكم بن نفيل كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (208/21)، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/408): "صدوق يتشيع" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (268/5)، فقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، ومن الجدير بالذكر أن البخاري ترجم له في "التاريخ الكبير" (28/7) وقال: "عمار بْن مُعَاوِيَة أَبُو مُعَاوِيَة الدهني، ودهن قبيلة من بجيلة الكوفِي سَمِعَ أَبَا الطفِيل وسَعِيد بْن جُبَيْر روى عَنْهُ ابْن عُيَيْنَةَ" انتهى، وهذه الترجمة فيها نظر بخصوص سماع عمار بن معاوية الدهني الكوفي من سعيد بن جبير الكوفي؛ وذلك لأن أبا بكر بن عياش يقول: "مر بِي عمار الدهني، فدعوته، فَقلت لَهُ: يَا عمار تعال، فجَاء، فَقلت لَهُ: سَمِعت من سعيد بن جُبَير شَيْئا؟ قَالَ: لَا، قلت: اذْهَبْ" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/3033)، وهذا يعني أن رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن سعيد بن جبير الكوفي منقطعة، كما أننا لم نجد لعمار بن معاوية الدهني الكوفي سماعاً من عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية)، وبالتالي رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة أيضاً.

الطريق الرابع: محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/8295) (25/9)، والترمذي في "سننه" (رقم/3205) وقال: "غريب من هذا الوجه"، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (243/2).
وعلته:
1- محمد بن سليمان بن الأصبهاني (أبو علي الكوفي)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (464/7): "مضطرب الحديث" انتهى، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "لا يحتج به" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (268/7).
2- يحيى بن عبيد (الراوي عن عطاء)، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/594): "مجهول" انتهى.

الطريق الخامس: ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (267/20).
وعلته:
1- عبد الله بن عبد القدوس، ترجم له الذهبي في "ميزان الأعتدال" (457/2) وقال: "كوفي رافضي. نزل الرى. روى عن الأعمش وغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال يحيى: ليس بشئ، رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، وكان خشبيا" انتهى.
2- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.

الطريق السادس: جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/750) (327/23)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (236/2).
وهذا الطريق فيه سليمان بن مهران الأعمش أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه جعفر بن عبد الرحمن شيخ الأعمش، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (196/2)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (483/2)، ومسلم في "الكنى والأسماء" (515/1) من غير جرح ولا تعديل.

الطريق السابع: عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي وآدابه" (147/2).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو حَفْصٍ الْأَعْشَى، وهو ضعيف، قال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (257/3): "كوفي ضعيف" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (79/2): "يروي عَن الثِّقَات الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنْهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار" انتهى.
2- أبهام شيخ محمد بن سوقة.

الطريق الثامن: مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (265/20).
وعلته:
1- مصعب بن المقدام الكوفي، وهو مولى الخثعميين كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (43/28)، قال فيه الساجي: "ضعيف الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (166/10)، وقال فيه علي بن المديني: "المصعب بن المقدام ضعيف" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (135/15).
2- سعيد بن زربي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "سعيد بن زربي ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (24/4)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (473/3): "صاحب عجائب" انتهى، وقال فيه الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (156/2): "متروك" انتهى.

الطريق التاسع: موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2).
وعلته: موسى بن يعقوب الزمعي، قال فيه علي بن المديني: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (172/29)، وقال فيه الأثرم: "سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (378/10 - 379).

الطريق العاشر: عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2667) (54/3)، وأحمد في "المسند" (161/44 - 162) (219/44)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (145/14) (203/13).
وهذا الطريق فيه علل:
1- عوف بن بندويه (عوف بن أبي جميلة الأعرابي)، وهو مولى لطيئ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (191/7)، وأصله فارسي، حيث قال فيه محمد بن سلام الجمحي: "كَانَ عَوْفٌ فِي بَنِي حِمَّانَ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَكُنْ أَعْرَابِيًّا كَانَ فَارِسِيًّا" انتهى من "تاريخ الإسلام" للذهبي (246/9 - 247)، كما أنه شيعي قدري، حيث قال فيه عبد اللَّهِ بن المبارك: "وَاللَّهِ مَا رَضِيَ عَوْفٌ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى كَانَتْ فِيهِ بِدْعَتَانِ: كَانَ قَدَرِيًّا وَكَانَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3)، وقال فيه بُنْدَار: "وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عَوْفٌ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا شَيْطَانًا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3).
2- عطية أبو المعذل الطفاوي، قال فيه الساجي: "ضعيف جداً" انتهى من "لسان الميزان" لابن حجر العسقلاني (176/4).
3- والد عطية الطفاوي، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الحادي عشر: القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/839) (357/23).
وهنا القاسم بن مسلم الهاشمي (القاسم بن مسلم الكوفي) - وهو مولى علي بن أبي طالب كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (168/7) - يروي عَن أم حبيبة بنت كيسان، ولم أجد لأم حبيبة بنت كيسان جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني عشر: شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23)، وأبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (223/2)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص/327).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله بن أبي نمر الذي وثقه أكثر العلماء، وله أخطاء في بعض مروياته، حيث ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (360/4) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، وقد قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (9/5): "وَحَدِيثُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِرِوَايَتِهِ إِلا أَنْ يروي عنه ضعيف" انتهى، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ثقة" انتهى من "ميزان الإعتدال" للذهبي (269/2)، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس به بأس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (364/4)، وقال فيه يحيى بن معين أيضاً: "ليس بالقوي" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (9/5).
2- عطاء بن يسار - وأصله فارسي بالإضافة إلى كونه مولى ميمونة زوج النبي (ص) كما جاء في ترجمته عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (440/40) -، ونحن لا نعلم له سماعاً من أم سلمة (رض)، حيث ترجم له أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (565/2 - 566) وقال: "عَطاء بن يسَار أَبُو مُحَمَّد مولَى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهِلَالِي الْمَدِينِيّ القَاضِي، أَخُو سُلَيْمَان، وَعبد الله، وَعبد الْملك. سمع زيد بن ثَابت، وَزيد بن خَالِد، وَأَبا سعيد، وَأَبا هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَابْن عَبَّاس" انتهى، وبالتالي رواية عطاء بن يسار عن أم سلمة (رض) منقطعة.

وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) قد جاء على أوجه مختلفة كالآتي:
الوجه الأول:
وفيه تصريح النبي (ص) أن أم سلمة (رض) من أهل البيت وتشملها آية التطهير.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عبد الحميد بن بهرام عند أحمد في "المسند" 173/44 - 174، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق الثالث (الحسين بن حميد بن الربيع أبو عبد الله عند ابن الأعرابي في "المعجم" 742/2، نا مخول بن إبراهيم أبو عبد الله، أرنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).
ج- الطريق التاسع (موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…).
د- الطريق العاشر (عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…).
هـ- الطريق الحادي عشر (القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…).
و- الطريق الثاني عشر (شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…).

الوجه الثاني:
لا يشتمل على نفي دخول زوجات النبي (ص) في آية التطهير ولا على إثبات ذلك.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عقبة بن عبد الله الرفاعي عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2665، 53/3، وزبيد عند الطبري في "جامع البيان" 263/20، كلاهما عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق السادس (جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…).
ج- الطريق السابع (عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…).
د- الطريق الثامن (مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…).

الوجه الثالث:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (عبد الله بن نمير عند أحمد في المسند 118/44 - 119، قال: حدثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…، وجَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2668، 54/3، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عند الآجري في الشريعة 2209/5، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «أنتِ على خيرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" 54/3، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…) والطريق الرابع (محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…) والطريق الخامس (ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة…).

الوجه الرابع:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي» كما ورد حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ…)، وفي لفظ آخر: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (الحسين بن الحكم الحبري الكوفي عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 238/2، حدثنا مخول بن مخول بن راشد الحناط، حدثنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).

ثانياً: حديث عائشة (رض):
عن عائشة أنها قالت: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2424) (1883/4)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (202/13)، من طريق زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، ثنا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رض)…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- زكريا بن أبي زائدة الْهَمدَانِي الْكُوفِي (خالد بن ميمون بن فيروز)، وهو مولى عَمْرو بْن عَبد الله الوادعي كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (359/9)، قال فيه أبو زرعة الرازي: "صويلح يدلس كثيرا عن الشعبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لين الحديث كان يدلس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3).
2- مصعب بن شيبة، وهو ضعيف مُنكَر الحديث، قال فيه أحمد بن حنبل: "روى أحاديث مناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لا يحمدونه وليس بقوي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (35/6): "كان قليل الحديث" انتهى، وقال فيه النسائي: "منكر الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (162/10)، وقال فيه الدارقطني: "لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا بِالْحَافِظِ" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (123/3). وكذلك قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (196/4): "أحاديثه مناكير" انتهى، ومثَّل لبعضها فذكر منها حديث الكساء، بل جعل هذا الحديث من منكراته التي انفرد بها فقال: "والمرط المرحل لا يعرف إلا به" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (197/4).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (260/42 - 261) من طريق ابن طاوس، نا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مخلد، نا محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، نا أبو سفيان، نا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عمير بن جميع، قال: "دخلت مع أمي على عائشة، قالت: أخبريني كيف كان حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعلي؟ فقالت عائشة: كان أحب الرجال إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقد رأيته وما أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسنا وحسينا ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»، قالت: فذهبت لأدخل رأسي فدفعني، فقلت: يا رسول الله! أو لست من أهلك؟ قال: «إنك على خير إنك على خير»".
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة لكنه يدلس، حيث ترجم له ابن المِبْرَد في "بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم" (ص/165) وقال: "وقال في رواية مهنا: سألت أبا عبد الله عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: أو التدليس عيب هو؟ قال: نعم" انتهى، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/574): "ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي" انتهى.
2- عمير بن جميع، حيث لم أجد ترجمة لراوٍ بهذا الأسم، ويحتمل أن يكون جميع بن عمير بن عفاق التيمي الكوفي، والله أعلم.
وجميع بن عمير روى عن ابن عمر وعائشة، وروى عنه الأعمش والعوام بن حوشب. (انظر: "الكاشف" للذهبي 296/1).
وقد ضعف أكثر العلماء جميع بن عمير، حيث قال فيه البخاري: "فيه نظر" انتهى من "الكاشف" للذهبي (296/1) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (218/1): "كَانَ رَافِضِيًّا يضع الْحَدِيث" انتهى، وقال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "هُوَ من أكذب النَّاس" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (174/1).
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن كثير قد أورد في "تفسيره" (368/6) حديث الكساء المروي عن عائشة (رض) من طريق آخر كالآتي:
"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ رضي الله عنه، عَنْ عَمٍّ لَهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ رضي الله عنها: تسألني عن رجل مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَتُهُ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وحسينا رضي الله عنهم، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ ثَوْبًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ: فدنوت منهم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بيتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تَنَحِّي فَإِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ»" انتهى.
ولم أجد لعم العوام بن حوشب ترجمة.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (206/13)، وابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (204/7).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]: "نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ".
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (384/3)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/3456) (380/3)، وفي "المعجم الصغير" (رقم/375) (231/1).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا بَعْدَ مَا دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/8127) (111/8)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (2121/4).
وهذا الحديث بجميع ألفاظه قد روي من طريق عطية العوفي، وقد سبق بيان حال عطية العوفي.

رابعاً: حديث ابن عباس (رض):
عن ابن عباس أنه قال: "وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (180/5)، وأبو عاصم في "السنة" (602/2)، والنسائي في "السنن الكبرى" (417/7)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/12593) (97/12)، الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (143/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (101/42)، من طريق أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَلْجٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
2- أبو بلج الفزاري الكوفي، حيث قَالَ فيه البُخَارِيّ: "فِيهِ نظر" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (80/9)، وَقَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "روى حَدِيثا مُنْكرا" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (196/3)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (113/3): "كَانَ مِمَّن يُخطئ" انتهى.

خامساً: حديث واثلة بن الأسقع (رض):
عن واثلة بن الأسقع أنه قال: "إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، وأحمد في "المسند" (195/28)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2670) (55/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (148/14)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (470/13)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (217/2)، من طريق الْأَوْزَاعِيِّ، ثنا أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادٌ، قَالَ: قَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ…
ونلاحظ في سند هذا الحديث أن أبا عمار شداد بن عبد الله - وهو مولى معاوية بن أبي سفيان كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (226/4) - يروي عنه الأوزاعي.
والأوزاعي هو شيخ الإسلام وعالم أهل الشام كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (107/7).
وقد أثنى الكثير من علماء وفقهاء المسلمين على الأوزاعي. (انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي 107/7 - 134).
إلا أن كتب التراجم لم تخل من بعض الانتقادات لشخص الأوزاعي، فقد أورد الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (113/7) قول أحمد بن حنبل في الأوزاعي كالآتي:
"قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي مَالِكٍ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالأَوْزَاعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: فَفُلاَنٌ؟ قَالَ: لاَ رَأْيٌ، وَلاَ حَدِيْثٌ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/159) (65/22)، من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ…
وهذا الطريق فيه عبد السلام بن حرب، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "كان عبد السلام يدلس" انتهى كما في "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (223/2)، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (69/3) وقال: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبِي: كُنَّا نُنْكِرُ مِنْ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْئًا، كَانَ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا" انتهى.
وفيه كلثوم بن زياد، وهو ضعيف، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (213/7): "سمعتُ ابن حماد يذكره عن أحمد بن شُعَيب النسائي أنه ضعيف" انتهى.
وأيضاً لهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/230) (95/22) من طريق أَحْمَدَ بْنِ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيِّ، ثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: "خَرَجْتُ أَنَا أُرِيدُ، عَلِيًّا فَقِيلَ لِي: هُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَمْتُ إِلَيْهِ فَأَجِدُهُمْ فِي حَظِيرَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ قَدْ جَمَعَهُمْ تَحْتَ ثَوْبٍ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَمَغْفِرَتَكَ ورِضْوَانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ»".
وهذا الطريق فيه يزيد بن ربيعة، وهو منكر الحديث، قال فيه أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (261/9).

سادساً: حديث سعد بن أبي وقاص (رض):
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، فَأَدْخَلَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا تَحْتَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، من طريق بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد…
وفي لفظ آخر: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا عَلَيْهِمُ السْلَامَ، فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»".
أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (410/7)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (235/2)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (548/1 - 549)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ…
وهذا الحديث بكلا لفظيه في سنده بكير بن مسمار، وهو مولى سعد بن أبي وقاص كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (251/4)، قال فيه الذهبي في "المغني في الضعفاء" (115/1): "صَدُوق لينه ابْن حبَان البستي وَابْن حزم" انتهى، وقال فيه الذهبي أيضاً في "الكاشف" (276/1): "فيه شئ" انتهى، وقَالَ فيه الْبُخَارِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّظَرِ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (150/1).

سابعاً: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رض):
عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال: "لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي»، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ»، فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبزار في "المسند" (210/6)، من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ…
وهذا الحديث في سنده علل:
1- عبد الرحمن بن شيبة، وقيل - انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (261/17) -: عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة الحزامي مولاهم أبو بكر المدني، قال فيه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (385/1): "ليس بالمتين عندهم" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (375/8) وقال: "رُبمَا خَالف" انتهى.
2- محمد بن إسماعيل بن مسلم بن دينار (محمد بن أبي فديك الديلي)، وهو مولى لبني الديل كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (503/5)، ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (42/9) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى.
3- عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف الحديث، قال فيه يحيى بْن مَعِين: "ضعيف الحديث" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (481/5)، وَقَال فيه أَبُو حاتم الرازي: "ليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (218/5)، وَقَال فيه النَّسَائي: "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (90/2)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (260/5): "منكر الحديث" انتهى.

ثامناً: حديث البراء بن عازب (رض):
عن البراء بن عازب أنه قال: "دَخَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالحُسَين إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ، فَخَرَجَ النبي فقال بِرِدَائِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ عِتْرَتِي»".
أخرجه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (435/7) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوْنُسَ، حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عُمَر الْكَلاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، قال فيه يحيى بن معِين: "كَذَّاب سَاقِط، لَو كَانَ لي فرس ورمح كنت أغزوه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (32/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/50): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه البُخَارِيّ: "فيه نظر وكان قد عمي، فتلقن ما ليس من حديثه" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (496/4)، وَقَالَ فيه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "كان صدوقاً، وكان يُدلِّس ويُكثر ذاك - يعني التدليس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (240/4)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (352/1): "يَأْتِي عَن الثِّقَات فِي المعضلات" انتهى.
2- محمد بن عمر بن صالح، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (432/7): "منكر الحديث عن ثقات الناس" انتهى.

• حديث أنس بن مالك (رض):
عن أنس بن مالك أنه قال: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (434/21)، والترمذي في "سننه" (رقم/3206)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/3)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (388/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2671) (56/3)، والطيالسي في "المسند" (539/3)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (59/7)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/367)، الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (337/6)، من طريق حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- حماد بن سلمة، وهو مولى لبني تميم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (208/7)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (3/8): "كَثِيرُ الرِّوَايَةِ خَاصَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْنَدُ وَالْمَقْطُوعُ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَيُحَدِّثُ، عَن أَبِي وَائِلٍ وَعَنْ غَيْرِهِمَا بِحَدِيثٍ صَالِحٍ وَيَقَعُ فِي أَحَادِيثِهِ إِفْرَادَاتٌ وَغَرَائِبُ، وَهو مُتَمَاسِكٌ فِي الْحَدِيثِ لا بأس به" انتهى، وقال فيه أبو بكر البيهقي: "أَما حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين، حَتَّى قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا رَأَيْت الرجل يغمز حَمَّاد بن سَلمَة فاتهمه فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع، إِلَّا أَنه لما طعن فِي السن سَاءَ حفظه وَلذَلِك ترك البُخَارِيّ الِاحْتِجَاج بحَديثه" انتهى من "مختصر خلافيات البيهقي" لابن فرح اللخمي الإشبيلي (463/1).
2- علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث، حيث قال فيه يحيى بن معين: "عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (229/3)، وقال فيه يزيد بن رزيع العيشي: "لقد رأيت علي بْن زيد ولم أحمل عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ رافضيا" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (335/6)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "علي بن زيد بن جدعان ليس هو بالقوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (186/6).

• حديث أبي الحمراء (رض):
وهو يشبه حديث أنس بن مالك (رض)، ونصه كالآتي:
عن أبي الحمراء أنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِيءُ كُلَّ صَلاةٍ فَيَضَعُ يَدَهُ بِجَنْبَتَيِ الْبَابِ، قَالَ: أَمَّا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَدْ حَفِظْنَا، وَأَنَا أَشُكُّ فِي شَهْرَيْنِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ» مِرَارًا، ثُمَّ يَقُولُ: «الصَّلاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/ 33]»، قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (130/3)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (25/9 - 26)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2870/5)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/173)، وابن بشران في "الأمالي" (285/1)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (137/42)، والطبري في "جامع البيان" (264/20)، من طريق أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ…
وهذا الحديث في سنده نفيع بن الحارث أبو داود الأعمي الكوفي، وهو ليس بشيء، حيث ترجم له ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (327/8) وقال: "نفيع بْن الحارث السبيعي مولى لهم كوفي، يُكَنَّى أَبَا داود الأعمي. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَد بْن أَبِي يَحْيى سَمِعْتُ يَحْيى بن مَعِين يقول أبو دَاوُد الأعمى نفيع ليس بشَيْءٍ" انتهى، وقال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (165/3): "كذبه قَتَادَة" انتهى، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/101): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى، وقال فيه الدَّارَقُطْنِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (272/4)، وَقَالَ فيه أَبُو زرْعَة الرازي: "لم يكن بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (490/8)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (55/3): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات الْأَشْيَاء الموضوعات توهما لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (306/4): "مِمَّنْ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (232/2) من طريق يَحْيَى بْنِ يَعْلَى الْأَعْشَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ…
وهذا الطريق فيه يونس بن خباب الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (224/3)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (140/3) وقال: "كان رجل سوءٍ، غاليًا في الرفض، كان يزعم أن عثمان بن عفان قتل ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تحل الرواية عنه، لأنه كان داعية إلى مذهبه، ثم مع ذلك ينفرد بالمناكير التي يرويها عن الثقات، والأحاديث الصحاح التي يسرقها عن الأثبات، فيرويها عنهم. أخبرنا الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثنا عن يونس بن خباب بشيء قط. سمعت محمد بن محمود، يقول: سمعت الدارمي، يقول: قلت ليحيى بن معين: يونس بن خباب؟ قال: ضعيف" انتهى.

• حديث الحسن بن علي (رض):
عن الحسن بن علي أنه قال: "وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا".
وقد ورد حديث الحسن بن علي (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَقِيقِيُّ الْحَسَنِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (188/3).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
2- الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (أبو عبدالله الكوفي)، قال فيه علي بن المديني: "كَانَ فِيهِ ضعف وَيكْتب حَدِيثه" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/129)، وقال فيه يحيى بن معين - انظر: "التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي" (ص/146) -: "ليس بثقة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/3): "وَأَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، إِلا أَنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِ حديثه النكرة" انتهى.

الطريق الثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي جميلة أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (رض)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2761) (93/3).
ونلاحظ في هذا الطريق أن حصين بن عبد الرحمن السلمي - والذي يُعرف أيضاً بأبي الهذلي الكوفي - يروي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي)، ونحن لا نعلم لحصين بن عبد الرحمن السلمي سماعاً من أبي جميلة، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (7/3 - 8): "حصين بْن عَبْد الرَّحْمَن السلمي أبو الهذيل الكوفى، سَمِعَ عمارة بْن رُوِيَبة والشَّعْبِيّ، سَمِعَ منه الثوري وشُعْبَة وأَبُو عوانة" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (205/1 - 206) :"حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْهُذيْل السّلمِيّ الْكُوفِي وَكَانَ فِي آخر عمره ينزل فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْمُبَارك وَهُوَ وَالِد فضَالة وَأَخُوهُ مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن. سمع زيد بن وهب وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبا وَائِل وَعِكْرِمَة وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير. رَوَى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وزائدة وَأَبُو عوَانَة وهشيم وخَالِد بن عبد الله فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع" انتهى، وبالتالي رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) منقطعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) لم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (427/5).

الطريق الثالث: أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/2155) (336/2).
وهذا الطريق فيه علل:
1- أسماعيل بن أبان الكوفي الوراق، قال فيه البزار: "وإنما كان عيبه شدة تشيعه لا على أنه عير عليه في السماع" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (269/1)، وقال فيه الدارقطني: "قد أثنى عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدِي" انتهى من "سؤالات الحاكم للدارقطني" (رقم/278) (ص/183).
2- سلام بن أبي عمرة الخراساني، قَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (7/2)، وَقَالَ فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (341/1): "يَرْوِي عَن الثِّقَات المقلوبات لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.
3- معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

• حديث زينب بنت أبي سلمة (رض):
عن زينب بنت أبي سلمة (رض) أنها قالت: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَفَاطِمَةَ، فَجَعَلَ الْحَسَنَ مِنْ شِقٍّ، وَالْحُسَيْنَ مِنْ شِقٍّ، وَفَاطِمَةَ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَأَنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ جَالِسَتَيْنِ، فَبَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَصَصْتَ هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتَنِي وابْنَتِي، فَقَالَ: «أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/713) (281/24)، وفي "المعجم الأوسط" (رقم/8141) (117/8)، من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ…
وهذا الحديث سنده ضعيف، فيه ابن لهيعة الذي سبق بيان حاله.

وهكذا بعد أن أخرجنا أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، يمكننا الآن أن نرد على احتجاج الشيعة الأثنا عشرية بأحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وذلك بقولنا أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، حيث قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، ويؤيد قولنا هذا آية التطهير نفسها التي قد وردت فيها مفردة "أهل البيت" والتي قد نزلت - كما بينا سابقاً - في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، حيث إن هذه الآية قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهن يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا السبب لم يرد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) في آية التطهير؛ لأنهم لا يسكنون في بيت النبي (ص)، كما أن هناك آية قرآنية أخرى تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" أيضاً، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وقد سبق البيان أن المخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام).
وبهذا اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم غير داخلين في آية التطهير، أي أن آية التطهير لم تنزل فيهم، وبالتالي فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) جميعها تخالف المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، ولهذا لا يمكن الاحتجاج بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص).

ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) المروية من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) جميعها في أسانيدها كلام يضعف الأحاديث نفسها كما بينا سابقاً، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن سند حديث زينب بنت أبي سلمة (رض) فيه كلام أيضاً، حيث سبق أن بينا ضعف هذا السند، وهذا يؤدي إلى تضعيف حديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، والله أعلم.

قال ابن كثير في "تفسيره" (370/6) حول آية التطهير بعد أن ذكر الروايات المختلفة للأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني قد حاول - انظر: "مفاهيم القرآن" لجعفر السبحاني (134/10 -135) - أن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، وذلك بقوله بأن اللام في "أهل البيت" للعهد، ولا يمكن حمل اللام في "أهل البيت" على الجنس أو الاستغراق، وأنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة "أهل البيت"، وأن المراد من البيت في الآية هو البيت المعهود، وأن الآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وأن الكلام يقع في تعيين هذا البيت المعهود، وأن البيت المعهود هو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) وليس بيت أزواجه، وأنه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، وأن الآية لاختصت بواحده من بيوتهن لو أُريد واحداً منهم.
ونحن قبل أن نرد على قول جعفر السبحاني هذا يجب أن نبين المقصود من أل العهدية، فنقول - انظر: "جامع الدروس العربية" لمصطفى الغلاييني (147/1 - 148) -: إن ألْ العهديةُ هي إما أن تكون للعهد الذِّكريّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ "جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ" أي الضيف المذكور. ومنه قولُه تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا 15 فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ…} [المزمل/15 - 16]. وإما أن تكون للعهد الحُضوريّ وهو ما يكونُ مصحوبُها حاضراً، مثل "جئتُ اليومَ"، أي اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه. وإما أَن تكون للعهد الذهنيّ وهي ما يكونُ مصحوبُها معهوداً ذهِناً، فينصرفُ الفكرُ إليه بمجرَّدِ النُّطقِ به، مثل "حضرَ الأميرُ"، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول حضرَ الرجلُ"، أي الرجلُ المعهودُ ذِهناً بينك وبين من تخاطبه.
وقد أخرج المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني زوجات النبي (ص) من بيته لأن لهن بيوت وليس بيت واحد، والرد على هذه الشبه من عدة جهات:
1- إن المعهود الذهني في آية التطهير ليس البيت، بل الأهل الذين يأهلون البيت، فالعرب لا تعدد البيوت إن ارتبطت بالأهل وكما هو معلوم فاللغة سمعية وليست عقلية فلا يقال أهل بيوت فلان عند الإشارة للأهل، أما عند الإشارة للبيت فيقال بيوت فلان.
2- ليس المقصود ببيوت النبي (ص) المعنى الذي يفهمه المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني وبقية الرافضة، بل هي حجرات في بيت النبي (ص) لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات/4].
وكل ما يبات فيه يسمى بيتاً حتى الغرف التي بالبيوت تسمى عند العرب بيتاً لانه يبات فيها.
و"الْحُجْرَةُ" حظيرة الإبل ومنه حجرة الدار تقول احتجر حجرة أي اتخذها، والجمع "حُجَرٌ" كغرفة وغرف و"حُجُرَاتٌ" بضم الجيم. (انظر: "مختار الصحاح" لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي 67/1).
و"الْبَيْتُ" اسم لمسقف واحد وأصله من بيت الشعر أو الصوف سمي به لأنه يبات فيه. (انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي 55/1).
3- المقصود بالبيت في مفردة "أهل البيت" التي وردت في آية التطهير هو بيت النبي (ص) باتفاق الشيعة، حيث يقول الفضل بن الحسن الطبرسي - وهو من علماء الشيعة الإمامية - في "مجمع البيان" (156/8): "وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم" انتهى.
إذن المقصود بيت النبي (ص) لا بيت علي (رض)، والمرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني - كما نرى - يحاول أن يحدد لفظ "البيت" ببيت علي (رض)، وهذا لا يصح؛ وذلك لأن النبي (ص) لا ينتمي لبيت علي (رض).
بالإضافة إلى ذلك، فإن بيوت نساء النبي (ص) هي بيوت النبي (ص)، مرة تضاف الى نساء النبي (ص) كقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن}، ومرة تضاف الى النبي (ص) كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي}، فأين نجد في كتاب الله أن بيت النبي (ص) هو بيت علي (رض)!!
وعليه، فإن محاولة المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني لأن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) - غير مجدية.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة الأثنا عشرية قد قالوا - انظر: "الميزان في تفسير القرآن" للعلامة الطباطبائي (312/16 - 313) - أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة، وقالوا - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/25 - 27) - أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية، وقالوا - انظر: "موسوعة الأسئلة العقائدية" لمركز الأبحاث العقائدية (424/2) - أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، والشيعة الأثنا عشرية قد قالوا هذه الأقوال بسبب أنهم يعتقدون أن آية التطهير قد نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، والصواب أن هذه الآية قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه ولم تنزل في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) كما بينا سابقاً، كما أن هذه الأقوال جميعها لا تصح، ونحن سوف نرد على هذه الأقوال كالآتي:
أولاً: الرد على القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة:
إن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة، والسبب هو: إن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] هو كقوله تعالى مخاطباً - انظر: "تفسير البغوي" (333/3 - 334) - الصحابة المؤمنين ممن شهد بدراً مع النبي (ص): {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال/11]، فإن إذهاب الرجس في آية التطهير وإذهاب رجز الشيطان في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما متشابهان؛ وذلك لأن "الرجس" و"الرجز" متقاربان في لغة العرب، حيث يقول محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في كتابه "مختار الصحاح" (ص/118): "«الرِّجْسُ» الْقَذَرُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس/100] إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ «الرِّجْزَ». قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا لُغَتَانِ أُبْدِلَتِ السِّينُ زَايًا كَمَا قِيلَ لِلْأَسَدِ الْأَزَدُ" انتهى، كما أن التطهير في آية التطهير والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما الشيء نفسه، ولذا فإذا كان إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير يدلان على العصمة كما قال الشيعة الأثنا عشرية فإن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال يدلان على العصمة أيضاً، والصواب أنه من المعروف أن الصحابة غير معصومين، وهذا يعني أن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال كلاهما لا يدلان على العصمة، وبهذا يكون إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن معنى "الرجس" في آية التطهير هو - انظر "تفسير البغوي" (350/6) - الأثم وعمل الشيطان والسوء والشك، ويؤيد قولنا هذا تفسير جعفر الصادق لكلمة "الرجس" في آية التطهير على أنها - انظر: "معاني الأخبار" للصدوق (ص/138) - الشك؛ وذلك لأن "الرجس" يأتي بمعنى الإثم، الذنْب، القذر، الشك، الشيطان، الشرك وما شابهها من المعاني، فهو في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة/90] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (564/10 - 565) - أثم ونتن وسخط وشر، وفي قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام/145] بمعنى - انظر: "تفسير السعدي" (ص/277) - الخبث والنجس والمضر، وفي قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة/95] بمعنى - أنظر: "تفسير السعدي" (ص/348) - قذر خبثاء، وفي قوله تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف/71] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (522/12) - السخط، وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام/125] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (111/12) - كل ما لا خير فيه والعذاب والشيطان والنجس، يقول الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" (ص/342): "الرِّجْسُ: الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أَرْجَاسٌ. قال تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة/90]، والرِّجْسُ يكون على أربعة أوجه: إمّا من حيث الطّبع، وإمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الشرع، وإمّا من كلّ ذلك كالميتة، فإنّ الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا، والرِّجْسُ من جهة الشّرع: الخمر والميسر، وقيل: إنّ ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبّه بقوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/219] ، لأنّ كلّ ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه، وجعل الكافرين رجسا من حيث إنّ الشّرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة/125]، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس/100]، قيل: الرِّجْسُ: النّتن، وقيل: العذاب، وذلك كقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/28]، وقال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام/145]، وذلك من حيث الشرع، وقيل: رِجْسٌ ورجز للصّوت الشديد، وبعير رَجَّاسٌ: شديد الهدير، وغمام رَاجِسٌ ورَجَّاسٌ: شديد الرّعد" انتهى، وفي ضوء هذا نقول - انظر: "آية التطهير وعلاقته بعصمه الأئمة" لعبد الهادي الحسيني (ص/5) -: إن إطلاق لفظ "الرجس" على الخطأ في الاجتهاد لا يعرف من لغة القرآن التي هي لباب لغة العرب، فلم يختلف الفقهاء في نجاسة الخمر وإنما اختلفوا في كون النجاسة هل هي معنوية أم حسية؟ لأنها وصفت في الآية 90 من سورة المائدة بالرجس وما ذاك إلا لأنهم فهموا من وصف الله تعالى لها وللأنصاب والأزلام والميسر بلفظ الرجس إنه القذر والنتن والنجاسة ومن قال بنجاستها المعنوية قال هي كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة/28]، والخطأ في الاجتهاد لايمكن أن يوصف بأنه قذر أو نجاسة أو نتن لذلك فهو ليس برجس، فمن قال بأن آية التطهير نص في التنزيه من الخطأ فقد جاء بما لايعرف من لغة العرب، وإذن فالآية لاتنهض حجة على العصمة من الخطأ، بل سقط الاحتجاج بها كلياً لأن العصمة لا تتجزأ فإذا لم يكن من وصف بالعصمة معصوماً من الخطأ فهو ليس معصوماً من الذنب لأنهما متلازمان.
كما أن معنى التطهير في آية التطهير هو التنزه عن الفواحش، وهو استخدام شائع في القرآن الكريم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة/103]، وما من أحد يقول بأنها قصدت بالتطهير هنا العصمة بل التنزه من الفواحش. (انظر: "أرشيف ملتقى أهل الحديث - 1" 133/120).
وعليه، فلا يمكن القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة.

ثانياً: الرد على القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية:
إن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية قدرية، وهي التي بمعنى المشيئة، وضابط هذا القسم أمران:
1- أنها لابد أن تقع.
2- أنها قد تكون مما يحبه الله تعالى، وقد تكون مما لا يحبه الله.
ومثال هذا القسم: قوله تعالى عن نوح (عليه السلام): {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود/34].
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي التي بمعنى المحبة. وضابط هذا القسم أمران أيضاً:
1- أنها قد تقع وقد لا تقع.
2- أنها لا تكون إلا مما يحبه الله تعالى ويرضاه.
ومثال هذا القسم قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء/27].
وانظر موقع "إسلام ويب" الذي في أحد فتاويه يتكلم عن أنواع إرادة الله والفرق بينهما، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/fatwa/18046/
وفي ضوء هذا نقول: إن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم إرادةٌ تشريعيةٌ وقانونيةٌ. وكمبدأ، منشأُ أوامر الله للبشر التي جاءت في القرآن إرادةُ الله التشريعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكلام في آيات سورة الأحزاب - بدءاً من الآية 28 فما بعد - هو عن التكليف المحض: كأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقرار في البيوت وعدم التبرُّج و… الخ، وهي أوامر ناشئة عن إرادة الله التشريعية لا إرادته التكوينية. كما أن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم التي ذكرها في قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] تماثِل إرادته تعالى التي ذكرها في الآية 6 من سورة المائدة عندما خاطب جميع المؤمنين - ومن جملتهم النبي وعلي وفاطمة - بقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ…} [المائدة/6]. فالآية الأخيرة نصها هو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ… مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ…} [المائدة/6]، أي أن الله تعالى يريد أن يطهركم بإرادتكم واختياركم. كما أن إرادة المكلف واختياره شرطان من شروط تحقق المُراد في الإرادة التشريعية، والأمر ذاته ينطبق على الآية 185 من سورة البقرة والآيات 26 و27 و28 من سورة النساء التي جاء الكلام فيها عن التكاليف وأوامر الله ونواهيه، فإرادة الله في هذه الآيات أيضاً ليست إرادة تكوينية تكون إرادة الحق فيها العلّة الوحيدة والتامّة لتحقّق المراد، ويتحقَّق مراد الله فيها حتماً، أي ليست كإرادته تعالى التكوينية التي أشار إليها بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس/82]. فلو كانت طهارة أهل البيت معلولة لإرادة الله التكوينية التي لا تتخلَّف فإنه لن يكون في مثل هذه الطهارة أي فضيلة، لأن كل شجر وحجر لا يملك تكوينياً القدرة على تخطي أمر الله والتخلف عنه يكون معصوماً ومطهَّراً أيضاً! وأساساً، لا يمكن للأشخاص المطهّرين والمبرَّئين من كلّ رجس وإثم بإرادة الله التكوينية أن يكونوا أسوةً للمؤمنين وقدوةً لهم. إذ عرفنا ذلك نقول بأن الله تعالى أراد أن يطهر جميع الناس وأراد منهم جميعاً أن يجتنبوا الرجس ولكنه أراد في سورة الأحزاب تطهير أهل بيت رسول الله (ص) وإذهاب الرجس عنهم بشكل خاص وذلك لأن لأهل بيتِ كلِّ إنسان ارتباط خاص به كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم/6]، وأهل بيت النبي (ص) مرتبطون به بالطبع، واعتبارهم وحيثيتهم وماء وجههم من اعتبار وحيثية رسول الله (ص)، وعيون الناس متَّجهة إليهم بشكل خاص ويتأثرون بسلوكهم أكثر من تأثرهم بسلوك الآخرين، ولذلك فإن ما يطلبه الله منهم، والتكاليف التي يريد منهم القيام بها أكثر تأكيداً، وذكرها أوجب وأهم، لذا نجد أنه تعالى خاطب أهل بيت النبي (ص) في الآيتين 30 و31 من سورة الأحزاب بقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب/30 - 31]. ومن الواضح أن الإرادة الإلهية في هذه الحالة ليست إرادةً تكوينيةً وأن عصمة أهل البيت ليست عصمة تكوينية، بل أراد الله من نساء النبيّ أن يَقُمْنَ هُنَّ أنفسُهنَّ بتطهير أنفسهنّ من خلال اجتناب الأعمال غير الطاهرة واكتساب الطهارة الجسمية والروحية والأخلاقية، ليكُنَّ أسوة لسائر الناس ويحافظنَ على حيثية النبي (ص) واعتباره بين الناس. وهذا لا يمنع أن الله أراد - بلا ريب - الطهارةَ الجسميةَ والروحيةَ لكل مكلف وأراد من كل مكلف أن يجتنب الرجس والآثام، مع فارق أن إرادة الله طهارةَ من كانت تُتلى آياتُ الوحي في بيوتهم أوَّلاً، أي أهل بيت الرسول (ص)، أوكَد وأشدّ. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 615/2 - 616).
بالإضافة إلى ذلك، فإن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل. ومع ذلك فقد أجاب الشيعة الأثنا عشرية عن هذا الإشكال بقولهم - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/27 - 28) - أن إرادة الله التكوينية في آية التطهير لا تعتبر جبراً ولا تفويضاً، بل هي أمر بين الامرين، وأن الله سبحانه وتعالى لما علم أن هؤلاء لا يفعلون إلا ما يؤمرون، وليست أفعالهم إلا مطابقةً للتشريعات الالهية من الافعال والتروك، جاز له سبحانه وتعالى أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم. والحال أن هذا الجواب إن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليف الأئمة (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعيّة، فلما علم الله أن أفعالهم وتروكهم ستكون مطابقةً للتشريعات الالهية، وأنّهم لا يريدون لأنفسهم إلا الطاعة والعبودية حوّلها تعالى من ولاية تشريعية إلى ولاية تكوينية، فتعلقت إرادته التكوينية بهم وطهّرهم من كلّ رجس - فإنه لا ينفي إشكالية الجبر بل يرسّخها ويظل الإشكال قائماً، وإن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليفهم (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعية، فلما علم الله منهم طاعتهم المطلقة عبّر عن هذه الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية تعبيراً مجازياً أو نسبها إلى نفسه بالإرادة التكوينية نسبةً مجازية - فإنه أيضاً لا ينفي إشكالية الجبر بل لا علاقة له بأصل الإشكال؛ وذلك لأن التعبير المجازي عن الشيء لا يُغيّر من حقيقته فإن كانت الولاية تشريعية بقيت كما هي والتعبير عنها بالتكوينية مجازاً لا يحولها إلى تكوينية حقيقة. وعليه، فإن جواب الشيعة الأثنا عشرية عن الإشكال في أن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل - يُعتبر جواباً خاطئاً.

ثالثاً: الرد على القول أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير:
إن "إِنَّمَا" رغم كونها من أدوات الحصر لكن المحصور بها ليسوا الأفراد، بل المقصود من "إِنَّمَا" انحصار الهدف من الأمر والنهي، في هدف واحد ونفي الأهداف والمقاصد الأخرى. في الحقيقة إن الآية تريد القول أنه ليس الهدف من هذه الأوامر والنواهي الإلـهية إلا إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم. وبعبارة أخرى فإن الله تعالى يقول لا أريد من أمركم ونهيكم إلا تطهيركم، لا أنه يريد أن يقول: إني أريد أن أطهركم أنتم فقط دون الآخرين؛ لأن الله تعالى صرح في آية أخرى (المائدة/6) أنه يريد طهارة جميع المكلفين! وأيضاً لو كانت طهارة شخص معلولة لإرادة الله التكوينية فإن مثل هذه الطهارة - كما ذكرنا - ليس فيها أي فضل لصاحبها، ولا يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون أسوةً للذين لم يُطَهِّرْهم الله تكوينياً. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 618/2).

الحاصل: إن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، وأما أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير - فجميعها فيها نظر؛ وذلك لأن هذه الأحاديث تخالف - كما بينا سابقاً - المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، حيث سبق أن بينا المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، وقلنا - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، كما أن هذه الأحاديث جميعها في أسانيدها - كما بينا سابقاً - كلام يضعف الأحاديث نفسها، ولهذا لا يمكن الاعتماد على أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير.

………………………………………………………
الخميس 18 ربيع الأول 1447هـ الموافق:11 سبتمبر 2025م 01:09:17 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}"
إن آية التطهير هذه ليست آية مستقلة بل جزء من الآية 33 من سورة الأحزاب، حيث جاءت هذه الآية وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فبدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي قال فيه الآلوسي في "تفسيره" (180/11): "تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا" انتهى، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34].
فكما نرى، فإن سياق الكلام في الآيات 30 - 34 من سورة الأحزاب - مع نساء النبي (ص)، فإن قيل: لماذا جاء إذن في آخر الآية 33 من سورة الأحزاب ضمير "كم" المذكر؟ قلنا: إن كلمة "أَهْل" مُذَكَّرة، لذا جاء ضمير الخطاب مذكَّراً أيضاً، وإن قيل: إن المقصود هنا مصاديق كلمة "أَهْل" لا الكلمة ذاتها، ومصاديق كلمة "أَهْل" في هذه الآيات هنّ نساء النبي (ص)، فلماذا لم يأتِ الضمير مؤنثاً؟ قلنا: لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 614/2).
وهذا الكلام تؤيده آيتان قرآنيتان أخريان كالآتي:
- قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، ولما كان إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآية من مصاديق "أهل البيت"، استُخْدِم ضمير المذكَّر "كُمْ" في الآية رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم).
- قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص/29]، والمخاطب هنا - انظر: "جامع البيان" للطبري (570/19 - 571)، "تفسير البغوي" (205/6) - زوجة موسى (عليه السلام)، ومع ذلك قد جاء فعل "امْكُثُوا" مذكراً إما بسبب تذكير كلمة "أهل" أو باعتبار مصاديق الكلمة التي يدخل فيها زوجها موسى (عليه السلام) نفسه.
بناء على ذلك، فمراعاةً لوجود رسول الله (ص) بين نسائه (ص) من أهل بيته (ص) جاء الخطاب في آخر آية التطهير بصيغة التذكير.
وعليه، فإن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه.
كما أنه لا ريب إن صحَّ شمول آية التطهير للنبيّ (ص) فيكون معناها في حقه: مواصلة اجتناب كل رجس والثبات على طهارة النفس، لا أنه كان هناك رجس وغير طهارة وعليه أن يزيلها، والعياذ بالله. وهذا كقوله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب/1] والتي معناها - كما جاء في التفسير الميسر (418/1) - هو: "يا أيها النبي دُم على تقوى الله بالعمل بأوامره واجتناب محارمه"، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.
وقد وردت أحاديث تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، وهذه الأحاديث هي حديث الكساء وحديث أنس بن مالك (رض) وحديث أبي الحمراء (رض) وحديث الحسن بن علي (رض) وحديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، وقد احتج الشيعة الأثنا عشرية بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وقبل الرد على هذا، يجب أن نخرج هذه الأحاديث كالآتي:
• حديث الكساء:
هو الحديث الذي تحدَّث به النبي (ص) في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً).
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي في عدد من كتب التفسير والحديث والسنن والتاريخ والعقيدة والسيرة من حديث أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وواثلة بن الأسقع وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والبراء بن عازب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
أولاً: حديث أم سلمة (رض):
أخرج الطبري في "جامع البيان" (265/20) عن أم سلمة (رض) أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»". قالت أم سلمة: "ألست منهم؟ قال: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23) عن أم سلمة (رض): "فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَهْلِي»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2)، عن أم سلمة (رض): "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبَهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي»".
وقد ورد حديث أم سلمة (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الاول: شهر بن حوشب، عن أم سلمة (رض)…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وأحمد في "المسند" (173/44 - 174) (327/44 - 328) (217/44)، والترمذي في "سننه" (رقم/3871)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2665) (53/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (139/14) (142/14)، والآجري في "الشريعة" (2208/5) (2209/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (239/2) (241/2) (242/2)، وأبو يعلى في "المسند" (344/12) (451/12) (456/12)، وابن الأعرابي في "المعجم" (964/3)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (ص/107)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (719/2).
وهذا الطريق ضعيف، فيه شهر بن حوشب، وهو مولى أسماء بنت يزيد بْن السكن الأَنْصارِيّة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (579/12)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (64/5): "ليس بالقوي في الحديث، وَهو ممن لا يحتج بحديثه، ولاَ يتدين به" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (361/1): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات المعضلات وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات" انتهى، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (191/2) وقال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثِ شَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْأَمِيرِ قَالَ: فَخَرَجَ الْآذِنُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ: لَا تَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّهُ سَبَئِيٌّ" انتهى، كما أن شهر بن حوشب كثير الارسال والاوهام، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/269): "صدوق كثير الإرسال والأوهام" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة (رض) قد روي بألفاظ مختلفة، وهذه الألفاظ بدورها قد جاءت على أوجه مختلفة كما سيأتي بيان ذلك لاحقاً، ويبدو أن سبب اختلاف الألفاظ ومجيئها على أوجه مختلفة هو اضطراب شهر بن حوشب في حفظه وأدائه.
ونلاحظ أن شهر بن حوشب يروي حديث الكساء تارةً عن أم سلمة (رض) مباشرة كما هو مبين في هذا الطريق، وتارةً عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري (رض)، عن أم سلمة (رض) كما جاء في "جامع البيان" للطبري (265/20)، وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- فضيل بن مرزوق، وهو مولى بني عنزة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (306/23)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (209/2) وقال: "فُضَيْل بن مَرْزُوق: من أهل الْكُوفَة، يروي عَن عَطِيَّة وَذَوِيهِ، روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ، مُنكر الحَدِيث جدا، كَانَ مِمَّن يخطىء على الثِّقَات ويروي عَن عَطِيَّة الموضوعات وَعَن الثِّقَات الْأَشْيَاء المستقيمة فَاشْتَبَهَ أمره، وَالَّذِي عِنْدِي أَن كل مَا روى عَن عَطِيَّة من الْمَنَاكِير يلزق ذَلِك كُله بعطية وَيبرأ فُضَيْل مِنْهَا، وَفِيمَا وَافق الثِّقَات من الرِّوَايَات عَن الْأَثْبَات يكون محتجا بِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/448): "صدوق يهم، ورمي بالتشيع" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "صالح الحديث، ولكنه شديد التشيع" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (307/23)، وقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي: "يُقَال فُضَيْل بن مَرْزُوق ضَعِيف" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدارمي" (رقم/698).
2- عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الطريق الثاني: رواه عبد الملك بن أبي سليمان:
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه أحمد في "المسند" (118/44 - 119) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…
والطريق الثاني بهذا الوجه علته إبهام شيخ عطاء بن أبي رباح.
الوجه الثاني: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب (مر ذكره سابقاً)، عن أم سلمة…
الوجه الثالث: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…
وأبو ليلى الكندي الكوفي الذي يقال أنه مولى كندة - اختلف فيه قول يحيى بن معين، فمرة يوثقه، وأخرى يضعفه. (انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي 239/34 - 240).
وهناك ملاحظة على عبد الملك بن أبي سليمان الفزاري العرزمي الكوفي الذي هو مولى بني فزازة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12)، حيث ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12) وقال: "أَخْبَرَنَا البرقاني، قال: أَخْبَرَنَا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه، قال: أَخْبَرَنَا الحسين بن إدريس، قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ فقال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" انتهى، كما قال فيه أحمد بن حنبل: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جريج أثبت منه عندنا" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/5).

الطريق الثالث: رواه عمار بن معاوية الدهني (أبو معاوية الكوفي):
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2095/4) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرَةُ، فَلَوْ قَالَ: «نَعَمْ» كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وأبو الصهباء البكري قال فيه النسائي: "أبو الصهباء صهيب، ضعيف، بصري" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (242/13)، كما أننا لا نعلم لأبي الصهباء البكري سماعاً من عمرة الهمدانية (الكوفية)، حيث قال ابن عبد البر الأندلسي في "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" (781/2): "أبو الصهباء البكرى. سمع عليًا وابن مسعود وابن عباس. اسمه صهيب" انتهى، وبالتالي رواية أبي الصهباء البكري عن عمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة.
الوجه الثاني: أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (244/2) من طريق ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا»، فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَالَ: «نَعَمْ»، فَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وابن لهيعة قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).
الوجه الثالث: أخرجه ابن الأعرابي في "المعجم" (742/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى (لم أجد لها جرحاً ولا تعديلاً)، قالت: سمعت أم سلمة… بلفظ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وكذلك أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (238/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة… نفسه، ولكن بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ »، وَمَا قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وعبد الجبار بن عباس الشِّبَامي الكوفي قال فيه العقيلي "الضعفاء الكبير" (88/3): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَتَشَيَّع" انتهى، وقال فيه أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: "لم يكن بِالْكُوفَةِ أكذب مِنْه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (82/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (159/2): "كَانَ مِمَّن ينْفَرد بالمقلوبات عَن الثِّقَات وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع" انتهى.
وهناك ملاحظة على عمار بن معاوية الدهني الكوفي الذي هو مولى الحكم بن نفيل كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (208/21)، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/408): "صدوق يتشيع" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (268/5)، فقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، ومن الجدير بالذكر أن البخاري ترجم له في "التاريخ الكبير" (28/7) وقال: "عمار بْن مُعَاوِيَة أَبُو مُعَاوِيَة الدهني، ودهن قبيلة من بجيلة الكوفِي سَمِعَ أَبَا الطفِيل وسَعِيد بْن جُبَيْر روى عَنْهُ ابْن عُيَيْنَةَ" انتهى، وهذه الترجمة فيها نظر بخصوص سماع عمار بن معاوية الدهني الكوفي من سعيد بن جبير الكوفي؛ وذلك لأن أبا بكر بن عياش يقول: "مر بِي عمار الدهني، فدعوته، فَقلت لَهُ: يَا عمار تعال، فجَاء، فَقلت لَهُ: سَمِعت من سعيد بن جُبَير شَيْئا؟ قَالَ: لَا، قلت: اذْهَبْ" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/3033)، وهذا يعني أن رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن سعيد بن جبير الكوفي منقطعة، كما أننا لم نجد لعمار بن معاوية الدهني الكوفي سماعاً من عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية)، وبالتالي رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة أيضاً.

الطريق الرابع: محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/8295) (25/9)، والترمذي في "سننه" (رقم/3205) وقال: "غريب من هذا الوجه"، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (243/2).
وعلته:
1- محمد بن سليمان بن الأصبهاني (أبو علي الكوفي)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (464/7): "مضطرب الحديث" انتهى، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "لا يحتج به" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (268/7).
2- يحيى بن عبيد (الراوي عن عطاء)، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/594): "مجهول" انتهى.

الطريق الخامس: ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (267/20).
وعلته:
1- عبد الله بن عبد القدوس، ترجم له الذهبي في "ميزان الأعتدال" (457/2) وقال: "كوفي رافضي. نزل الرى. روى عن الأعمش وغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال يحيى: ليس بشئ، رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، وكان خشبيا" انتهى.
2- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.

الطريق السادس: جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/750) (327/23)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (236/2).
وهذا الطريق فيه سليمان بن مهران الأعمش أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه جعفر بن عبد الرحمن شيخ الأعمش، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (196/2)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (483/2)، ومسلم في "الكنى والأسماء" (515/1) من غير جرح ولا تعديل.

الطريق السابع: عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي وآدابه" (147/2).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو حَفْصٍ الْأَعْشَى، وهو ضعيف، قال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (257/3): "كوفي ضعيف" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (79/2): "يروي عَن الثِّقَات الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنْهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار" انتهى.
2- أبهام شيخ محمد بن سوقة.

الطريق الثامن: مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (265/20).
وعلته:
1- مصعب بن المقدام الكوفي، وهو مولى الخثعميين كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (43/28)، قال فيه الساجي: "ضعيف الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (166/10)، وقال فيه علي بن المديني: "المصعب بن المقدام ضعيف" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (135/15).
2- سعيد بن زربي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "سعيد بن زربي ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (24/4)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (473/3): "صاحب عجائب" انتهى، وقال فيه الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (156/2): "متروك" انتهى.

الطريق التاسع: موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2).
وعلته: موسى بن يعقوب الزمعي، قال فيه علي بن المديني: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (172/29)، وقال فيه الأثرم: "سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (378/10 - 379).

الطريق العاشر: عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2667) (54/3)، وأحمد في "المسند" (161/44 - 162) (219/44)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (145/14) (203/13).
وهذا الطريق فيه علل:
1- عوف بن بندويه (عوف بن أبي جميلة الأعرابي)، وهو مولى لطيئ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (191/7)، وأصله فارسي، حيث قال فيه محمد بن سلام الجمحي: "كَانَ عَوْفٌ فِي بَنِي حِمَّانَ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَكُنْ أَعْرَابِيًّا كَانَ فَارِسِيًّا" انتهى من "تاريخ الإسلام" للذهبي (246/9 - 247)، كما أنه شيعي قدري، حيث قال فيه عبد اللَّهِ بن المبارك: "وَاللَّهِ مَا رَضِيَ عَوْفٌ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى كَانَتْ فِيهِ بِدْعَتَانِ: كَانَ قَدَرِيًّا وَكَانَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3)، وقال فيه بُنْدَار: "وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عَوْفٌ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا شَيْطَانًا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3).
2- عطية أبو المعذل الطفاوي، قال فيه الساجي: "ضعيف جداً" انتهى من "لسان الميزان" لابن حجر العسقلاني (176/4).
3- والد عطية الطفاوي، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الحادي عشر: القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/839) (357/23).
وهنا القاسم بن مسلم الهاشمي (القاسم بن مسلم الكوفي) - وهو مولى علي بن أبي طالب كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (168/7) - يروي عَن أم حبيبة بنت كيسان، ولم أجد لأم حبيبة بنت كيسان جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني عشر: شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23)، وأبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (223/2)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص/327).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله بن أبي نمر الذي وثقه أكثر العلماء، وله أخطاء في بعض مروياته، حيث ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (360/4) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، وقد قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (9/5): "وَحَدِيثُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِرِوَايَتِهِ إِلا أَنْ يروي عنه ضعيف" انتهى، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ثقة" انتهى من "ميزان الإعتدال" للذهبي (269/2)، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس به بأس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (364/4)، وقال فيه يحيى بن معين أيضاً: "ليس بالقوي" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (9/5).
2- عطاء بن يسار - وأصله فارسي بالأضافة إلى كونه مولى ميمونة زوج النبي (ص) كما جاء في ترجمته عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (440/40) -، ونحن لا نعلم له سماعاً من أم سلمة (رض)، حيث ترجم له أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (565/2 - 566) وقال: "عَطاء بن يسَار أَبُو مُحَمَّد مولَى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهِلَالِي الْمَدِينِيّ القَاضِي، أَخُو سُلَيْمَان، وَعبد الله، وَعبد الْملك. سمع زيد بن ثَابت، وَزيد بن خَالِد، وَأَبا سعيد، وَأَبا هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَابْن عَبَّاس" انتهى، وبالتالي رواية عطاء بن يسار عن أم سلمة (رض) منقطعة.

وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) قد جاء على أوجه مختلفة كالآتي:
الوجه الأول:
وفيه تصريح النبي (ص) أن أم سلمة (رض) من أهل البيت وتشملها آية التطهير.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عبد الحميد بن بهرام عند أحمد في "المسند" 173/44 - 174، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق الثالث (الحسين بن حميد بن الربيع أبو عبد الله عند ابن الأعرابي في "المعجم" 742/2، نا مخول بن إبراهيم أبو عبد الله، أرنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).
ج- الطريق التاسع (موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…).
د- الطريق العاشر (عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…).
هـ- الطريق الحادي عشر (القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…).
و- الطريق الثاني عشر (شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…).

الوجه الثاني:
لا يشتمل على نفي دخول زوجات النبي (ص) في آية التطهير ولا على إثبات ذلك.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عقبة بن عبد الله الرفاعي عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2665، 53/3، وزبيد عند الطبري في "جامع البيان" 263/20، كلاهما عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق السادس (جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…).
ج- الطريق السابع (عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…).
د- الطريق الثامن (مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…).

الوجه الثالث:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (عبد الله بن نمير عند أحمد في المسند 118/44 - 119، قال: حدثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…، وجَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2668، 54/3، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عند الآجري في الشريعة 2209/5، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «أنتِ على خيرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" 54/3، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…) والطريق الرابع (محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…) والطريق الخامس (ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة…).

الوجه الرابع:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي» كما ورد حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ…)، وفي لفظ آخر: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (الحسين بن الحكم الحبري الكوفي عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 238/2، حدثنا مخول بن مخول بن راشد الحناط، حدثنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).

ثانياً: حديث عائشة (رض):
عن عائشة أنها قالت: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2424) (1883/4)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (202/13)، من طريق زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، ثنا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رض)…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- زكريا بن أبي زائدة الْهَمدَانِي الْكُوفِي (خالد بن ميمون بن فيروز)، وهو مولى عَمْرو بْن عَبد الله الوادعي كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (359/9)، قال فيه أبو زرعة الرازي: "صويلح يدلس كثيرا عن الشعبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لين الحديث كان يدلس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3).
2- مصعب بن شيبة، وهو ضعيف مُنكَر الحديث، قال فيه أحمد بن حنبل: "روى أحاديث مناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لا يحمدونه وليس بقوي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (35/6): "كان قليل الحديث" انتهى، وقال فيه النسائي: "منكر الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (162/10)، وقال فيه الدارقطني: "لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا بِالْحَافِظِ" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (123/3). وكذلك قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (196/4): "أحاديثه مناكير" انتهى، ومثَّل لبعضها فذكر منها حديث الكساء، بل جعل هذا الحديث من منكراته التي انفرد بها فقال: "والمرط المرحل لا يعرف إلا به" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (197/4).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (260/42 - 261) من طريق ابن طاوس، نا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مخلد، نا محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، نا أبو سفيان، نا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عمير بن جميع، قال: "دخلت مع أمي على عائشة، قالت: أخبريني كيف كان حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعلي؟ فقالت عائشة: كان أحب الرجال إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقد رأيته وما أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسنا وحسينا ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»، قالت: فذهبت لأدخل رأسي فدفعني، فقلت: يا رسول الله! أو لست من أهلك؟ قال: «إنك على خير إنك على خير»".
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة لكنه يدلس، حيث ترجم له ابن المِبْرَد في "بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم" (ص/165) وقال: "وقال في رواية مهنا: سألت أبا عبد الله عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: أو التدليس عيب هو؟ قال: نعم" انتهى، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/574): "ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي" انتهى.
2- عمير بن جميع، حيث لم أجد ترجمة لراوٍ بهذا الأسم، ويحتمل أن يكون جميع بن عمير بن عفاق التيمي الكوفي، والله أعلم.
وجميع بن عمير روى عن ابن عمر وعائشة، وروى عنه الأعمش والعوام بن حوشب. (انظر: "الكاشف" للذهبي 296/1).
وقد ضعف أكثر العلماء جميع بن عمير، حيث قال فيه البخاري: "فيه نظر" انتهى من "الكاشف" للذهبي (296/1) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (218/1): "كَانَ رَافِضِيًّا يضع الْحَدِيث" انتهى، وقال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "هُوَ من أكذب النَّاس" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (174/1).
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن كثير قد أورد في "تفسيره" (368/6) حديث الكساء المروي عن عائشة (رض) من طريق آخر كالآتي:
"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ رضي الله عنه، عَنْ عَمٍّ لَهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ رضي الله عنها: تسألني عن رجل مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَتُهُ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وحسينا رضي الله عنهم، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ ثَوْبًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ: فدنوت منهم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بيتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تَنَحِّي فَإِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ»" انتهى.
ولم أجد لعم العوام بن حوشب ترجمة.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (206/13)، وابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (204/7).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]: "نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ".
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (384/3)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/3456) (380/3)، وفي "المعجم الصغير" (رقم/375) (231/1).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا بَعْدَ مَا دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/8127) (111/8)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (2121/4).
وهذا الحديث بجميع ألفاظه قد روي من طريق عطية العوفي، وقد سبق بيان حال عطية العوفي.

رابعاً: حديث ابن عباس (رض):
عن ابن عباس أنه قال: "وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (180/5)، وأبو عاصم في "السنة" (602/2)، والنسائي في "السنن الكبرى" (417/7)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/12593) (97/12)، الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (143/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (101/42)، من طريق أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَلْجٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
2- أبو بلج الفزاري الكوفي، حيث قَالَ فيه البُخَارِيّ: "فِيهِ نظر" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (80/9)، وَقَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "روى حَدِيثا مُنْكرا" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (196/3)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (113/3): "كَانَ مِمَّن يُخطئ" انتهى.

خامساً: حديث واثلة بن الأسقع (رض):
عن واثلة بن الأسقع أنه قال: "إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، وأحمد في "المسند" (195/28)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2670) (55/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (148/14)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (470/13)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (217/2)، من طريق الْأَوْزَاعِيِّ، ثنا أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادٌ، قَالَ: قَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ…
ونلاحظ في سند هذا الحديث أن أبا عمار شداد بن عبد الله - وهو مولى معاوية بن أبي سفيان كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (226/4) - يروي عنه الأوزاعي.
والأوزاعي هو شيخ الإسلام وعالم أهل الشام كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (107/7).
وقد أثنى الكثير من علماء وفقهاء المسلمين على الأوزاعي. (انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي 107/7 - 134).
إلا أن كتب التراجم لم تخل من بعض الانتقادات لشخص الأوزاعي، فقد أورد الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (113/7) قول أحمد بن حنبل في الأوزاعي كالآتي:
"قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي مَالِكٍ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالأَوْزَاعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: فَفُلاَنٌ؟ قَالَ: لاَ رَأْيٌ، وَلاَ حَدِيْثٌ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/159) (65/22)، من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ…
وهذا الطريق فيه عبد السلام بن حرب، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "كان عبد السلام يدلس" انتهى كما في "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (223/2)، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (69/3) وقال: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبِي: كُنَّا نُنْكِرُ مِنْ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْئًا، كَانَ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا" انتهى.
وفيه كلثوم بن زياد، وهو ضعيف، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (213/7): "سمعتُ ابن حماد يذكره عن أحمد بن شُعَيب النسائي أنه ضعيف" انتهى.
وأيضاً لهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/230) (95/22) من طريق أَحْمَدَ بْنِ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيِّ، ثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: "خَرَجْتُ أَنَا أُرِيدُ، عَلِيًّا فَقِيلَ لِي: هُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَمْتُ إِلَيْهِ فَأَجِدُهُمْ فِي حَظِيرَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ قَدْ جَمَعَهُمْ تَحْتَ ثَوْبٍ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَمَغْفِرَتَكَ ورِضْوَانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ»".
وهذا الطريق فيه يزيد بن ربيعة، وهو منكر الحديث، قال فيه أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (261/9).

سادساً: حديث سعد بن أبي وقاص (رض):
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، فَأَدْخَلَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا تَحْتَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، من طريق بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد…
وفي لفظ آخر: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا عَلَيْهِمُ السْلَامَ، فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»".
أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (410/7)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (235/2)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (548/1 - 549)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ…
وهذا الحديث بكلا لفظيه في سنده بكير بن مسمار، وهو مولى سعد بن أبي وقاص كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (251/4)، قال فيه الذهبي في "المغني في الضعفاء" (115/1): "صَدُوق لينه ابْن حبَان البستي وَابْن حزم" انتهى، وقال فيه الذهبي أيضاً في "الكاشف" (276/1): "فيه شئ" انتهى، وقَالَ فيه الْبُخَارِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّظَرِ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (150/1).

سابعاً: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رض):
عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال: "لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي»، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ»، فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبزار في "المسند" (210/6)، من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ…
وهذا الحديث في سنده علل:
1- عبد الرحمن بن شيبة، وقيل - انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (261/17) -: عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة الحزامي مولاهم أبو بكر المدني، قال فيه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (385/1): "ليس بالمتين عندهم" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (375/8) وقال: "رُبمَا خَالف" انتهى.
2- محمد بن إسماعيل بن مسلم بن دينار (محمد بن أبي فديك الديلي)، وهو مولى لبني الديل كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (503/5)، ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (42/9) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى.
3- عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف الحديث، قال فيه يحيى بْن مَعِين: "ضعيف الحديث" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (481/5)، وَقَال فيه أَبُو حاتم الرازي: "ليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (218/5)، وَقَال فيه النَّسَائي: "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (90/2)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (260/5): "منكر الحديث" انتهى.

ثامناً: حديث البراء بن عازب (رض):
عن البراء بن عازب أنه قال: "دَخَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالحُسَين إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ، فَخَرَجَ النبي فقال بِرِدَائِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ عِتْرَتِي»".
أخرجه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (435/7) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوْنُسَ، حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عُمَر الْكَلاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، قال فيه يحيى بن معِين: "كَذَّاب سَاقِط، لَو كَانَ لي فرس ورمح كنت أغزوه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (32/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/50): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه البُخَارِيّ: "فيه نظر وكان قد عمي، فتلقن ما ليس من حديثه" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (496/4)، وَقَالَ فيه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "كان صدوقاً، وكان يُدلِّس ويُكثر ذاك - يعني التدليس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (240/4)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (352/1): "يَأْتِي عَن الثِّقَات فِي المعضلات" انتهى.
2- محمد بن عمر بن صالح، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (432/7): "منكر الحديث عن ثقات الناس" انتهى.

• حديث أنس بن مالك (رض):
عن أنس بن مالك أنه قال: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (434/21)، والترمذي في "سننه" (رقم/3206)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/3)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (388/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2671) (56/3)، والطيالسي في "المسند" (539/3)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (59/7)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/367)، الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (337/6)، من طريق حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- حماد بن سلمة، وهو مولى لبني تميم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (208/7)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (3/8): "كَثِيرُ الرِّوَايَةِ خَاصَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْنَدُ وَالْمَقْطُوعُ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَيُحَدِّثُ، عَن أَبِي وَائِلٍ وَعَنْ غَيْرِهِمَا بِحَدِيثٍ صَالِحٍ وَيَقَعُ فِي أَحَادِيثِهِ إِفْرَادَاتٌ وَغَرَائِبُ، وَهو مُتَمَاسِكٌ فِي الْحَدِيثِ لا بأس به" انتهى، وقال فيه أبو بكر البيهقي: "أَما حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين، حَتَّى قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا رَأَيْت الرجل يغمز حَمَّاد بن سَلمَة فاتهمه فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع، إِلَّا أَنه لما طعن فِي السن سَاءَ حفظه وَلذَلِك ترك البُخَارِيّ الِاحْتِجَاج بحَديثه" انتهى من "مختصر خلافيات البيهقي" لابن فرح اللخمي الإشبيلي (463/1).
2- علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث، حيث قال فيه يحيى بن معين: "عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (229/3)، وقال فيه يزيد بن رزيع العيشي: "لقد رأيت علي بْن زيد ولم أحمل عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ رافضيا" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (335/6)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "علي بن زيد بن جدعان ليس هو بالقوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (186/6).

• حديث أبي الحمراء (رض):
وهو يشبه حديث أنس بن مالك (رض)، ونصه كالآتي:
عن أبي الحمراء أنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِيءُ كُلَّ صَلاةٍ فَيَضَعُ يَدَهُ بِجَنْبَتَيِ الْبَابِ، قَالَ: أَمَّا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَدْ حَفِظْنَا، وَأَنَا أَشُكُّ فِي شَهْرَيْنِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ» مِرَارًا، ثُمَّ يَقُولُ: «الصَّلاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/ 33]»، قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (130/3)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (25/9 - 26)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2870/5)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/173)، وابن بشران في "الأمالي" (285/1)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (137/42)، والطبري في "جامع البيان" (264/20)، من طريق أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ…
وهذا الحديث في سنده نفيع بن الحارث أبو داود الأعمي الكوفي، وهو ليس بشيء، حيث ترجم له ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (327/8) وقال: "نفيع بْن الحارث السبيعي مولى لهم كوفي، يُكَنَّى أَبَا داود الأعمي. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَد بْن أَبِي يَحْيى سَمِعْتُ يَحْيى بن مَعِين يقول أبو دَاوُد الأعمى نفيع ليس بشَيْءٍ" انتهى، وقال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (165/3): "كذبه قَتَادَة" انتهى، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/101): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى، وقال فيه الدَّارَقُطْنِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (272/4)، وَقَالَ فيه أَبُو زرْعَة الرازي: "لم يكن بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (490/8)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (55/3): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات الْأَشْيَاء الموضوعات توهما لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (306/4): "مِمَّنْ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (232/2) من طريق يَحْيَى بْنِ يَعْلَى الْأَعْشَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ…
وهذا الطريق فيه يونس بن خباب الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (224/3)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (140/3) وقال: "كان رجل سوءٍ، غاليًا في الرفض، كان يزعم أن عثمان بن عفان قتل ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تحل الرواية عنه، لأنه كان داعية إلى مذهبه، ثم مع ذلك ينفرد بالمناكير التي يرويها عن الثقات، والأحاديث الصحاح التي يسرقها عن الأثبات، فيرويها عنهم. أخبرنا الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثنا عن يونس بن خباب بشيء قط. سمعت محمد بن محمود، يقول: سمعت الدارمي، يقول: قلت ليحيى بن معين: يونس بن خباب؟ قال: ضعيف" انتهى.

• حديث الحسن بن علي (رض):
عن الحسن بن علي أنه قال: "وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا".
وقد ورد حديث الحسن بن علي (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَقِيقِيُّ الْحَسَنِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (188/3).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
2- الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (أبو عبدالله الكوفي)، قال فيه علي بن المديني: "كَانَ فِيهِ ضعف وَيكْتب حَدِيثه" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/129)، وقال فيه يحيى بن معين - انظر: "التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي" (ص/146) -: "ليس بثقة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/3): "وَأَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، إِلا أَنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِ حديثه النكرة" انتهى.

الطريق الثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي جميلة أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (رض)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2761) (93/3).
ونلاحظ في هذا الطريق أن حصين بن عبد الرحمن السلمي - والذي يُعرف أيضاً بأبي الهذلي الكوفي - يروي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي)، ونحن لا نعلم لحصين بن عبد الرحمن السلمي سماعاً من أبي جميلة، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (7/3 - 8): "حصين بْن عَبْد الرَّحْمَن السلمي أبو الهذيل الكوفى، سَمِعَ عمارة بْن رُوِيَبة والشَّعْبِيّ، سَمِعَ منه الثوري وشُعْبَة وأَبُو عوانة" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (205/1 - 206) :"حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْهُذيْل السّلمِيّ الْكُوفِي وَكَانَ فِي آخر عمره ينزل فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْمُبَارك وَهُوَ وَالِد فضَالة وَأَخُوهُ مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن. سمع زيد بن وهب وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبا وَائِل وَعِكْرِمَة وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير. رَوَى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وزائدة وَأَبُو عوَانَة وهشيم وخَالِد بن عبد الله فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع" انتهى، وبالتالي رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) منقطعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) لم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (427/5).

الطريق الثالث: أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/2155) (336/2).
وهذا الطريق فيه علل:
1- أسماعيل بن أبان الكوفي الوراق، قال فيه البزار: "وإنما كان عيبه شدة تشيعه لا على أنه عير عليه في السماع" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (269/1)، وقال فيه الدارقطني: "قد أثنى عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدِي" انتهى من "سؤالات الحاكم للدارقطني" (رقم/278) (ص/183).
2- سلام بن أبي عمرة الخراساني، قَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (7/2)، وَقَالَ فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (341/1): "يَرْوِي عَن الثِّقَات المقلوبات لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.
3- معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

• حديث زينب بنت أبي سلمة (رض):
عن زينب بنت أبي سلمة (رض) أنها قالت: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَفَاطِمَةَ، فَجَعَلَ الْحَسَنَ مِنْ شِقٍّ، وَالْحُسَيْنَ مِنْ شِقٍّ، وَفَاطِمَةَ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَأَنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ جَالِسَتَيْنِ، فَبَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَصَصْتَ هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتَنِي وابْنَتِي، فَقَالَ: «أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/713) (281/24)، وفي "المعجم الأوسط" (رقم/8141) (117/8)، من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ…
وهذا الحديث سنده ضعيف، فيه ابن لهيعة الذي سبق بيان حاله.

وهكذا بعد أن أخرجنا أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، يمكننا الآن أن نرد على احتجاج الشيعة الأثنا عشرية بأحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وذلك بقولنا أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، حيث قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، ويؤيد قولنا هذا آية التطهير نفسها التي قد وردت فيها مفردة "أهل البيت" والتي قد نزلت - كما بينا سابقاً - في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، حيث إن هذه الآية قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهن يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا السبب لم يرد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) في آية التطهير؛ لأنهم لا يسكنون في بيت النبي (ص)، كما أن هناك آية قرآنية أخرى تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" أيضاً، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وقد سبق البيان أن المخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام).
وبهذا اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم غير داخلين في آية التطهير، أي أن آية التطهير لم تنزل فيهم، وبالتالي فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) جميعها تخالف المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، ولهذا لا يمكن الاحتجاج بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص).

ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) المروية من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) جميعها في أسانيدها كلام يضعف الأحاديث نفسها كما بينا سابقاً، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن سند حديث زينب بنت أبي سلمة (رض) فيه كلام أيضاً، حيث سبق أن بينا ضعف هذا السند، وهذا يؤدي إلى تضعيف حديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، والله أعلم.

قال ابن كثير في "تفسيره" (370/6) حول آية التطهير بعد أن ذكر الروايات المختلفة للأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني قد حاول - انظر: "مفاهيم القرآن" لجعفر السبحاني (134/10 -135) - أن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، وذلك بقوله بأن اللام في "أهل البيت" للعهد، ولا يمكن حمل اللام في "أهل البيت" على الجنس أو الاستغراق، وأنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة "أهل البيت"، وأن المراد من البيت في الآية هو البيت المعهود، وأن الآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وأن الكلام يقع في تعيين هذا البيت المعهود، وأن البيت المعهود هو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) وليس بيت أزواجه، وأنه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، وأن الآية لاختصت بواحده من بيوتهن لو أُريد واحداً منهم.
ونحن قبل أن نرد على قول جعفر السبحاني هذا يجب أن نبين المقصود من أل العهدية، فنقول - انظر: "جامع الدروس العربية" لمصطفى الغلاييني (147/1 - 148) -: إن ألْ العهديةُ هي إما أن تكون للعهد الذِّكريّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ "جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ" أي الضيف المذكور. ومنه قولُه تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا 15 فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ…} [المزمل/15 - 16]. وإما أن تكون للعهد الحُضوريّ وهو ما يكونُ مصحوبُها حاضراً، مثل "جئتُ اليومَ"، أي اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه. وإما أَن تكون للعهد الذهنيّ وهي ما يكونُ مصحوبُها معهوداً ذهِناً، فينصرفُ الفكرُ إليه بمجرَّدِ النُّطقِ به، مثل "حضرَ الأميرُ"، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول حضرَ الرجلُ"، أي الرجلُ المعهودُ ذِهناً بينك وبين من تخاطبه.
وقد أخرج المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني زوجات النبي (ص) من بيته لأن لهن بيوت وليس بيت واحد، والرد على هذه الشبه من عدة جهات:
1- إن المعهود الذهني في آية التطهير ليس البيت، بل الأهل الذين يأهلون البيت، فالعرب لا تعدد البيوت إن ارتبطت بالأهل وكما هو معلوم فاللغة سمعية وليست عقلية فلا يقال أهل بيوت فلان عند الإشارة للأهل، أما عند الإشارة للبيت فيقال بيوت فلان.
2- ليس المقصود ببيوت النبي (ص) المعنى الذي يفهمه المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني وبقية الرافضة، بل هي حجرات في بيت النبي (ص) لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات/4].
وكل ما يبات فيه يسمى بيتاً حتى الغرف التي بالبيوت تسمى عند العرب بيتاً لانه يبات فيها.
و"الْحُجْرَةُ" حظيرة الإبل ومنه حجرة الدار تقول احتجر حجرة أي اتخذها، والجمع "حُجَرٌ" كغرفة وغرف و"حُجُرَاتٌ" بضم الجيم. (انظر: "مختار الصحاح" لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي 67/1).
و"الْبَيْتُ" اسم لمسقف واحد وأصله من بيت الشعر أو الصوف سمي به لأنه يبات فيه. (انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي 55/1).
3- المقصود بالبيت في مفردة "أهل البيت" التي وردت في آية التطهير هو بيت النبي (ص) باتفاق الشيعة، حيث يقول الفضل بن الحسن الطبرسي - وهو من علماء الشيعة الإمامية - في "مجمع البيان" (156/8): "وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم" انتهى.
إذن المقصود بيت النبي (ص) لا بيت علي (رض)، والمرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني - كما نرى - يحاول أن يحدد لفظ "البيت" ببيت علي (رض)، وهذا لا يصح؛ وذلك لأن النبي (ص) لا ينتمي لبيت علي (رض).
بالإضافة إلى ذلك، فإن بيوت نساء النبي (ص) هي بيوت النبي (ص)، مرة تضاف الى نساء النبي (ص) كقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن}، ومرة تضاف الى النبي (ص) كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي}، فأين نجد في كتاب الله أن بيت النبي (ص) هو بيت علي (رض)!!
وعليه، فإن محاولة المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني لأن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) - غير مجدية.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة الأثنا عشرية قد قالوا - انظر: "الميزان في تفسير القرآن" للعلامة الطباطبائي (312/16 - 313) - أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة، وقالوا - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/25 - 27) - أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية، وقالوا - انظر: "موسوعة الأسئلة العقائدية" لمركز الأبحاث العقائدية (424/2) - أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، والشيعة الأثنا عشرية قد قالوا هذه الأقوال بسبب أنهم يعتقدون أن آية التطهير قد نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، والصواب أن هذه الآية قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه ولم تنزل في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) كما بينا سابقاً، كما أن هذه الأقوال جميعها لا تصح، ونحن سوف نرد على هذه الأقوال كالآتي:
أولاً: الرد على القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة:
إن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة، والسبب هو: إن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] هو كقوله تعالى مخاطباً - انظر: "تفسير البغوي" (333/3 - 334) - الصحابة المؤمنين ممن شهد بدراً مع النبي (ص): {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال/11]، فإن إذهاب الرجس في آية التطهير وإذهاب رجز الشيطان في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما متشابهان؛ وذلك لأن "الرجس" و"الرجز" متقاربان في لغة العرب، حيث يقول محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في كتابه "مختار الصحاح" (ص/118): "«الرِّجْسُ» الْقَذَرُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس/100] إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ «الرِّجْزَ». قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا لُغَتَانِ أُبْدِلَتِ السِّينُ زَايًا كَمَا قِيلَ لِلْأَسَدِ الْأَزَدُ" انتهى، كما أن التطهير في آية التطهير والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما الشيء نفسه، ولذا فإذا كان إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير يدلان على العصمة كما قال الشيعة الأثنا عشرية فإن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال يدلان على العصمة أيضاً، والصواب أنه من المعروف أن الصحابة غير معصومين، وهذا يعني أن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال كلاهما لا يدلان على العصمة، وبهذا يكون إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن معنى "الرجس" في آية التطهير هو - انظر "تفسير البغوي" (350/6) - الأثم وعمل الشيطان والسوء والشك، ويؤيد قولنا هذا تفسير جعفر الصادق لكلمة "الرجس" في آية التطهير على أنها - انظر: "معاني الأخبار" للصدوق (ص/138) - الشك؛ وذلك لأن "الرجس" يأتي بمعنى الإثم، الذنْب، القذر، الشك، الشيطان، الشرك وما شابهها من المعاني، فهو في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة/90] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (564/10 - 565) - أثم ونتن وسخط وشر، وفي قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام/145] بمعنى - انظر: "تفسير السعدي" (ص/277) - الخبث والنجس والمضر، وفي قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة/95] بمعنى - أنظر: "تفسير السعدي" (ص/348) - قذر خبثاء، وفي قوله تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف/71] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (522/12) - السخط، وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام/125] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (111/12) - كل ما لا خير فيه والعذاب والشيطان والنجس، يقول الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" (ص/342): "الرِّجْسُ: الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أَرْجَاسٌ. قال تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة/90]، والرِّجْسُ يكون على أربعة أوجه: إمّا من حيث الطّبع، وإمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الشرع، وإمّا من كلّ ذلك كالميتة، فإنّ الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا، والرِّجْسُ من جهة الشّرع: الخمر والميسر، وقيل: إنّ ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبّه بقوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/219] ، لأنّ كلّ ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه، وجعل الكافرين رجسا من حيث إنّ الشّرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة/125]، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس/100]، قيل: الرِّجْسُ: النّتن، وقيل: العذاب، وذلك كقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/28]، وقال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام/145]، وذلك من حيث الشرع، وقيل: رِجْسٌ ورجز للصّوت الشديد، وبعير رَجَّاسٌ: شديد الهدير، وغمام رَاجِسٌ ورَجَّاسٌ: شديد الرّعد" انتهى، وفي ضوء هذا نقول - انظر: "آية التطهير وعلاقته بعصمه الأئمة" لعبد الهادي الحسيني (ص/5) -: إن إطلاق لفظ "الرجس" على الخطأ في الاجتهاد لا يعرف من لغة القرآن التي هي لباب لغة العرب، فلم يختلف الفقهاء في نجاسة الخمر وإنما اختلفوا في كون النجاسة هل هي معنوية أم حسية؟ لأنها وصفت في الآية 90 من سورة المائدة بالرجس وما ذاك إلا لأنهم فهموا من وصف الله تعالى لها وللأنصاب والأزلام والميسر بلفظ الرجس إنه القذر والنتن والنجاسة ومن قال بنجاستها المعنوية قال هي كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة/28]، والخطأ في الاجتهاد لايمكن أن يوصف بأنه قذر أو نجاسة أو نتن لذلك فهو ليس برجس، فمن قال بأن آية التطهير نص في التنزيه من الخطأ فقد جاء بما لايعرف من لغة العرب، وإذن فالآية لاتنهض حجة على العصمة من الخطأ، بل سقط الاحتجاج بها كلياً لأن العصمة لا تتجزأ فإذا لم يكن من وصف بالعصمة معصوماً من الخطأ فهو ليس معصوماً من الذنب لأنهما متلازمان.
كما أن معنى التطهير في آية التطهير هو التنزه عن الفواحش، وهو استخدام شائع في القرآن الكريم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة/103]، وما من أحد يقول بأنها قصدت بالتطهير هنا العصمة بل التنزه من الفواحش. (انظر: "أرشيف ملتقى أهل الحديث - 1" 133/120).
وعليه، فلا يمكن القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة.

ثانياً: الرد على القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية:
إن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية قدرية، وهي التي بمعنى المشيئة، وضابط هذا القسم أمران:
1- أنها لابد أن تقع.
2- أنها قد تكون مما يحبه الله تعالى، وقد تكون مما لا يحبه الله.
ومثال هذا القسم: قوله تعالى عن نوح (عليه السلام): {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود/34].
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي التي بمعنى المحبة. وضابط هذا القسم أمران أيضاً:
1- أنها قد تقع وقد لا تقع.
2- أنها لا تكون إلا مما يحبه الله تعالى ويرضاه.
ومثال هذا القسم قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء/27].
وانظر موقع "إسلام ويب" الذي في أحد فتاويه يتكلم عن أنواع إرادة الله والفرق بينهما، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/fatwa/18046/
وفي ضوء هذا نقول: إن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم إرادةٌ تشريعيةٌ وقانونيةٌ. وكمبدأ، منشأُ أوامر الله للبشر التي جاءت في القرآن إرادةُ الله التشريعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكلام في آيات سورة الأحزاب - بدءاً من الآية 28 فما بعد - هو عن التكليف المحض: كأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقرار في البيوت وعدم التبرُّج و… الخ، وهي أوامر ناشئة عن إرادة الله التشريعية لا إرادته التكوينية. كما أن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم التي ذكرها في قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] تماثِل إرادته تعالى التي ذكرها في الآية 6 من سورة المائدة عندما خاطب جميع المؤمنين - ومن جملتهم النبي وعلي وفاطمة - بقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ…} [المائدة/6]. فالآية الأخيرة نصها هو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ… مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ…} [المائدة/6]، أي أن الله تعالى يريد أن يطهركم بإرادتكم واختياركم. كما أن إرادة المكلف واختياره شرطان من شروط تحقق المُراد في الإرادة التشريعية، والأمر ذاته ينطبق على الآية 185 من سورة البقرة والآيات 26 و27 و28 من سورة النساء التي جاء الكلام فيها عن التكاليف وأوامر الله ونواهيه، فإرادة الله في هذه الآيات أيضاً ليست إرادة تكوينية تكون إرادة الحق فيها العلّة الوحيدة والتامّة لتحقّق المراد، ويتحقَّق مراد الله فيها حتماً، أي ليست كإرادته تعالى التكوينية التي أشار إليها بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس/82]. فلو كانت طهارة أهل البيت معلولة لإرادة الله التكوينية التي لا تتخلَّف فإنه لن يكون في مثل هذه الطهارة أي فضيلة، لأن كل شجر وحجر لا يملك تكوينياً القدرة على تخطي أمر الله والتخلف عنه يكون معصوماً ومطهَّراً أيضاً! وأساساً، لا يمكن للأشخاص المطهّرين والمبرَّئين من كلّ رجس وإثم بإرادة الله التكوينية أن يكونوا أسوةً للمؤمنين وقدوةً لهم. إذ عرفنا ذلك نقول بأن الله تعالى أراد أن يطهر جميع الناس وأراد منهم جميعاً أن يجتنبوا الرجس ولكنه أراد في سورة الأحزاب تطهير أهل بيت رسول الله (ص) وإذهاب الرجس عنهم بشكل خاص وذلك لأن لأهل بيتِ كلِّ إنسان ارتباط خاص به كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم/6]، وأهل بيت النبي (ص) مرتبطون به بالطبع، واعتبارهم وحيثيتهم وماء وجههم من اعتبار وحيثية رسول الله (ص)، وعيون الناس متَّجهة إليهم بشكل خاص ويتأثرون بسلوكهم أكثر من تأثرهم بسلوك الآخرين، ولذلك فإن ما يطلبه الله منهم، والتكاليف التي يريد منهم القيام بها أكثر تأكيداً، وذكرها أوجب وأهم، لذا نجد أنه تعالى خاطب أهل بيت النبي (ص) في الآيتين 30 و31 من سورة الأحزاب بقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب/30 - 31]. ومن الواضح أن الإرادة الإلهية في هذه الحالة ليست إرادةً تكوينيةً وأن عصمة أهل البيت ليست عصمة تكوينية، بل أراد الله من نساء النبيّ أن يَقُمْنَ هُنَّ أنفسُهنَّ بتطهير أنفسهنّ من خلال اجتناب الأعمال غير الطاهرة واكتساب الطهارة الجسمية والروحية والأخلاقية، ليكُنَّ أسوة لسائر الناس ويحافظنَ على حيثية النبي (ص) واعتباره بين الناس. وهذا لا يمنع أن الله أراد - بلا ريب - الطهارةَ الجسميةَ والروحيةَ لكل مكلف وأراد من كل مكلف أن يجتنب الرجس والآثام، مع فارق أن إرادة الله طهارةَ من كانت تُتلى آياتُ الوحي في بيوتهم أوَّلاً، أي أهل بيت الرسول (ص)، أوكَد وأشدّ. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 615/2 - 616).
بالإضافة إلى ذلك، فإن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل. ومع ذلك فقد أجاب الشيعة الأثنا عشرية عن هذا الإشكال بقولهم - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/27 - 28) - أن إرادة الله التكوينية في آية التطهير لا تعتبر جبراً ولا تفويضاً، بل هي أمر بين الامرين، وأن الله سبحانه وتعالى لما علم أن هؤلاء لا يفعلون إلا ما يؤمرون، وليست أفعالهم إلا مطابقةً للتشريعات الالهية من الافعال والتروك، جاز له سبحانه وتعالى أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم. والحال أن هذا الجواب إن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليف الأئمة (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعيّة، فلما علم الله أن أفعالهم وتروكهم ستكون مطابقةً للتشريعات الالهية، وأنّهم لا يريدون لأنفسهم إلا الطاعة والعبودية حوّلها تعالى من ولاية تشريعية إلى ولاية تكوينية، فتعلقت إرادته التكوينية بهم وطهّرهم من كلّ رجس - فإنه لا ينفي إشكالية الجبر بل يرسّخها ويظل الإشكال قائماً، وإن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليفهم (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعية، فلما علم الله منهم طاعتهم المطلقة عبّر عن هذه الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية تعبيراً مجازياً أو نسبها إلى نفسه بالإرادة التكوينية نسبةً مجازية - فإنه أيضاً لا ينفي إشكالية الجبر بل لا علاقة له بأصل الإشكال؛ وذلك لأن التعبير المجازي عن الشيء لا يُغيّر من حقيقته فإن كانت الولاية تشريعية بقيت كما هي والتعبير عنها بالتكوينية مجازاً لا يحولها إلى تكوينية حقيقة. وعليه، فإن جواب الشيعة الأثنا عشرية عن الإشكال في أن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل - يُعتبر جواباً خاطئاً.

ثالثاً: الرد على القول أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير:
إن "إِنَّمَا" رغم كونها من أدوات الحصر لكن المحصور بها ليسوا الأفراد، بل المقصود من "إِنَّمَا" انحصار الهدف من الأمر والنهي، في هدف واحد ونفي الأهداف والمقاصد الأخرى. في الحقيقة إن الآية تريد القول أنه ليس الهدف من هذه الأوامر والنواهي الإلـهية إلا إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم. وبعبارة أخرى فإن الله تعالى يقول لا أريد من أمركم ونهيكم إلا تطهيركم، لا أنه يريد أن يقول: إني أريد أن أطهركم أنتم فقط دون الآخرين؛ لأن الله تعالى صرح في آية أخرى (المائدة/6) أنه يريد طهارة جميع المكلفين! وأيضاً لو كانت طهارة شخص معلولة لإرادة الله التكوينية فإن مثل هذه الطهارة - كما ذكرنا - ليس فيها أي فضل لصاحبها، ولا يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون أسوةً للذين لم يُطَهِّرْهم الله تكوينياً. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 618/2).

الحاصل: إن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، وأما أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير - فجميعها فيها نظر؛ وذلك لأن هذه الأحاديث تخالف - كما بينا سابقاً - المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، حيث سبق أن بينا المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، وقلنا - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، كما أن هذه الأحاديث جميعها في أسانيدها - كما بينا سابقاً - كلام يضعف الأحاديث نفسها، ولهذا لا يمكن الاعتماد على أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير.

………………………………………………………
الجمعة 22 محرم 1447هـ الموافق:18 يوليو 2025م 03:07:17 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}"
إن آية التطهير هذه ليست آية مستقلة بل جزء من الآية 33 من سورة الأحزاب، حيث جاءت هذه الآية وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فبدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي قال فيه الآلوسي في "تفسيره" (180/11): "تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا" انتهى، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34].
فكما نرى، فإن سياق الكلام في الآيات 30 - 34 من سورة الأحزاب - مع نساء النبي (ص)، فإن قيل: لماذا جاء إذن في آخر الآية 33 من سورة الأحزاب ضمير "كم" المذكر؟ قلنا: إن كلمة "أَهْل" مُذَكَّرة، لذا جاء ضمير الخطاب مذكَّراً أيضاً، وإن قيل: إن المقصود هنا مصاديق كلمة "أَهْل" لا الكلمة ذاتها، ومصاديق كلمة "أَهْل" في هذه الآيات هنّ نساء النبي (ص)، فلماذا لم يأتِ الضمير مؤنثاً؟ قلنا: لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 614/2).
وهذا الكلام تؤيده آيتان قرآنيتان أخريان كالآتي:
- قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، ولما كان إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآية من مصاديق "أهل البيت"، استُخْدِم ضمير المذكَّر "كُمْ" في الآية رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم).
- قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص/29]، والمخاطب هنا - انظر: "جامع البيان" للطبري (570/19 - 571)، "تفسير البغوي" (205/6) - زوجة موسى (عليه السلام)، ومع ذلك قد جاء فعل "امْكُثُوا" مذكراً إما بسبب تذكير كلمة "أهل" أو باعتبار مصاديق الكلمة التي يدخل فيها زوجها موسى (عليه السلام) نفسه.
بناء على ذلك، فمراعاةً لوجود رسول الله (ص) بين نسائه (ص) من أهل بيته (ص) جاء الخطاب في آخر آية التطهير بصيغة التذكير.
وعليه، فإن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه.
كما أنه لا ريب إن صحَّ شمول آية التطهير للنبيّ (ص) فيكون معناها في حقه: مواصلة اجتناب كل رجس والثبات على طهارة النفس، لا أنه كان هناك رجس وغير طهارة وعليه أن يزيلها، والعياذ بالله. وهذا كقوله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب/1] والتي معناها - كما جاء في التفسير الميسر (418/1) - هو: "يا أيها النبي دُم على تقوى الله بالعمل بأوامره واجتناب محارمه"، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.
وقد وردت أحاديث تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، وهذه الأحاديث هي حديث الكساء وحديث أنس بن مالك (رض) وحديث أبي الحمراء (رض) وحديث الحسن بن علي (رض) وحديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، وقد احتج الشيعة الأثنا عشرية بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وقبل الرد على هذا، يجب أن نخرج هذه الأحاديث كالآتي:
• حديث الكساء:
هو الحديث الذي تحدَّث به النبي (ص) في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً).
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي في عدد من كتب التفسير والحديث والسنن والتاريخ والعقيدة والسيرة من حديث أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وواثلة بن الأسقع وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والبراء بن عازب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
أولاً: حديث أم سلمة (رض):
أخرج الطبري في "جامع البيان" (265/20) عن أم سلمة (رض) أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»". قالت أم سلمة: "ألست منهم؟ قال: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23) عن أم سلمة (رض): "فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَهْلِي»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2)، عن أم سلمة (رض): "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبَهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي»".
وقد ورد حديث أم سلمة (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الاول: شهر بن حوشب، عن أم سلمة (رض)…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وأحمد في "المسند" (173/44 - 174) (327/44 - 328) (217/44)، والترمذي في "سننه" (رقم/3871)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2665) (53/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (139/14) (142/14)، والآجري في "الشريعة" (2208/5) (2209/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (239/2) (241/2) (242/2)، وأبو يعلى في "المسند" (344/12) (451/12) (456/12)، وابن الأعرابي في "المعجم" (964/3)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (ص/107)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (719/2).
وهذا الطريق ضعيف، فيه شهر بن حوشب، وهو مولى أسماء بنت يزيد بْن السكن الأَنْصارِيّة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (579/12)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (64/5): "ليس بالقوي في الحديث، وَهو ممن لا يحتج بحديثه، ولاَ يتدين به" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (361/1): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات المعضلات وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات" انتهى، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (191/2) وقال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثِ شَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْأَمِيرِ قَالَ: فَخَرَجَ الْآذِنُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ: لَا تَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّهُ سَبَئِيٌّ" انتهى، كما أن شهر بن حوشب كثير الارسال والاوهام، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/269): "صدوق كثير الإرسال والأوهام" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة (رض) قد روي بألفاظ مختلفة، وهذه الألفاظ بدورها قد جاءت على أوجه مختلفة كما سيأتي بيان ذلك لاحقاً، ويبدو أن سبب اختلاف الألفاظ ومجيئها على أوجه مختلفة هو اضطراب شهر بن حوشب في حفظه وأدائه.
ونلاحظ أن شهر بن حوشب يروي حديث الكساء تارةً عن أم سلمة (رض) مباشرة كما هو مبين في هذا الطريق، وتارةً عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري (رض)، عن أم سلمة (رض) كما جاء في "جامع البيان" للطبري (265/20)، وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- فضيل بن مرزوق، وهو مولى بني عنزة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (306/23)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (209/2) وقال: "فُضَيْل بن مَرْزُوق: من أهل الْكُوفَة، يروي عَن عَطِيَّة وَذَوِيهِ، روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ، مُنكر الحَدِيث جدا، كَانَ مِمَّن يخطىء على الثِّقَات ويروي عَن عَطِيَّة الموضوعات وَعَن الثِّقَات الْأَشْيَاء المستقيمة فَاشْتَبَهَ أمره، وَالَّذِي عِنْدِي أَن كل مَا روى عَن عَطِيَّة من الْمَنَاكِير يلزق ذَلِك كُله بعطية وَيبرأ فُضَيْل مِنْهَا، وَفِيمَا وَافق الثِّقَات من الرِّوَايَات عَن الْأَثْبَات يكون محتجا بِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/448): "صدوق يهم، ورمي بالتشيع" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "صالح الحديث، ولكنه شديد التشيع" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (307/23)، وقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي: "يُقَال فُضَيْل بن مَرْزُوق ضَعِيف" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدارمي" (رقم/698).
2- عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الطريق الثاني: رواه عبد الملك بن أبي سليمان:
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه أحمد في "المسند" (118/44 - 119) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…
والطريق الثاني بهذا الوجه علته إبهام شيخ عطاء بن أبي رباح.
الوجه الثاني: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب (مر ذكره سابقاً)، عن أم سلمة…
الوجه الثالث: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…
وأبو ليلى الكندي الكوفي الذي يقال أنه مولى كندة - اختلف فيه قول يحيى بن معين، فمرة يوثقه، وأخرى يضعفه. (انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي 239/34 - 240).
وهناك ملاحظة على عبد الملك بن أبي سليمان الفزاري العرزمي الكوفي الذي هو مولى بني فزازة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12)، حيث ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12) وقال: "أَخْبَرَنَا البرقاني، قال: أَخْبَرَنَا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه، قال: أَخْبَرَنَا الحسين بن إدريس، قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ فقال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" انتهى، كما قال فيه أحمد بن حنبل: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جريج أثبت منه عندنا" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/5).

الطريق الثالث: رواه عمار بن معاوية الدهني (أبو معاوية الكوفي):
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2095/4) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرَةُ، فَلَوْ قَالَ: «نَعَمْ» كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وأبو الصهباء البكري قال فيه النسائي: "أبو الصهباء صهيب، ضعيف، بصري" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (242/13)، كما أننا لا نعلم لأبي الصهباء البكري سماعاً من عمرة الهمدانية (الكوفية)، حيث قال ابن عبد البر الأندلسي في "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" (781/2): "أبو الصهباء البكرى. سمع عليًا وابن مسعود وابن عباس. اسمه صهيب" انتهى، وبالتالي رواية أبي الصهباء البكري عن عمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة.
الوجه الثاني: أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (244/2) من طريق ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا»، فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَالَ: «نَعَمْ»، فَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وابن لهيعة قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).
الوجه الثالث: أخرجه ابن الأعرابي في "المعجم" (742/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى (لم أجد لها جرحاً ولا تعديلاً)، قالت: سمعت أم سلمة… بلفظ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وكذلك أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (238/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة… نفسه، ولكن بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ »، وَمَا قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وعبد الجبار بن عباس الشِّبَامي الكوفي قال فيه العقيلي "الضعفاء الكبير" (88/3): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَتَشَيَّع" انتهى، وقال فيه أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: "لم يكن بِالْكُوفَةِ أكذب مِنْه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (82/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (159/2): "كَانَ مِمَّن ينْفَرد بالمقلوبات عَن الثِّقَات وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع" انتهى.
وهناك ملاحظة على عمار بن معاوية الدهني الكوفي الذي هو مولى الحكم بن نفيل كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (208/21)، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/408): "صدوق يتشيع" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (268/5)، فقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، ومن الجدير بالذكر أن البخاري ترجم له في "التاريخ الكبير" (28/7) وقال: "عمار بْن مُعَاوِيَة أَبُو مُعَاوِيَة الدهني، ودهن قبيلة من بجيلة الكوفِي سَمِعَ أَبَا الطفِيل وسَعِيد بْن جُبَيْر روى عَنْهُ ابْن عُيَيْنَةَ" انتهى، وهذه الترجمة فيها نظر بخصوص سماع عمار بن معاوية الدهني الكوفي من سعيد بن جبير الكوفي؛ وذلك لأن أبا بكر بن عياش يقول: "مر بِي عمار الدهني، فدعوته، فَقلت لَهُ: يَا عمار تعال، فجَاء، فَقلت لَهُ: سَمِعت من سعيد بن جُبَير شَيْئا؟ قَالَ: لَا، قلت: اذْهَبْ" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/3033)، وهذا يعني أن رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن سعيد بن جبير الكوفي منقطعة، كما أننا لم نجد لعمار بن معاوية الدهني الكوفي سماعاً من عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية)، وبالتالي رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة أيضاً.

الطريق الرابع: محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/8295) (25/9)، والترمذي في "سننه" (رقم/3205) وقال: "غريب من هذا الوجه"، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (243/2).
وعلته:
1- محمد بن سليمان بن الأصبهاني (أبو علي الكوفي)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (464/7): "مضطرب الحديث" انتهى، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "لا يحتج به" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (268/7).
2- يحيى بن عبيد (الراوي عن عطاء)، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/594): "مجهول" انتهى.

الطريق الخامس: ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (267/20).
وعلته:
1- عبد الله بن عبد القدوس، ترجم له الذهبي في "ميزان الأعتدال" (457/2) وقال: "كوفي رافضي. نزل الرى. روى عن الأعمش وغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال يحيى: ليس بشئ، رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، وكان خشبيا" انتهى.
2- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.

الطريق السادس: جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/750) (327/23)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (236/2).
وهذا الطريق فيه سليمان بن مهران الأعمش أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه جعفر بن عبد الرحمن شيخ الأعمش، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (196/2)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (483/2)، ومسلم في "الكنى والأسماء" (515/1) من غير جرح ولا تعديل.

الطريق السابع: عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي وآدابه" (147/2).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو حَفْصٍ الْأَعْشَى، وهو ضعيف، قال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (257/3): "كوفي ضعيف" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (79/2): "يروي عَن الثِّقَات الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنْهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار" انتهى.
2- أبهام شيخ محمد بن سوقة.

الطريق الثامن: مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (265/20).
وعلته:
1- مصعب بن المقدام الكوفي، وهو مولى الخثعميين كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (43/28)، قال فيه الساجي: "ضعيف الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (166/10)، وقال فيه علي بن المديني: "المصعب بن المقدام ضعيف" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (135/15).
2- سعيد بن زربي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "سعيد بن زربي ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (24/4)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (473/3): "صاحب عجائب" انتهى، وقال فيه الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (156/2): "متروك" انتهى.

الطريق التاسع: موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2).
وعلته: موسى بن يعقوب الزمعي، قال فيه علي بن المديني: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (172/29)، وقال فيه الأثرم: "سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (378/10 - 379).

الطريق العاشر: عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2667) (54/3)، وأحمد في "المسند" (161/44 - 162) (219/44)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (145/14) (203/13).
وهذا الطريق فيه علل:
1- عوف بن بندويه (عوف بن أبي جميلة الأعرابي)، وهو مولى لطيئ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (191/7)، وأصله فارسي، حيث قال فيه محمد بن سلام الجمحي: "كَانَ عَوْفٌ فِي بَنِي حِمَّانَ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَكُنْ أَعْرَابِيًّا كَانَ فَارِسِيًّا" انتهى من "تاريخ الإسلام" للذهبي (246/9 - 247)، كما أنه شيعي قدري، حيث قال فيه عبد اللَّهِ بن المبارك: "وَاللَّهِ مَا رَضِيَ عَوْفٌ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى كَانَتْ فِيهِ بِدْعَتَانِ: كَانَ قَدَرِيًّا وَكَانَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3)، وقال فيه بُنْدَار: "وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عَوْفٌ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا شَيْطَانًا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3).
2- عطية أبو المعذل الطفاوي، قال فيه الساجي: "ضعيف جداً" انتهى من "لسان الميزان" لابن حجر العسقلاني (176/4).
3- والد عطية الطفاوي، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الحادي عشر: القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/839) (357/23).
وهنا القاسم بن مسلم الهاشمي (القاسم بن مسلم الكوفي) - وهو مولى علي بن أبي طالب كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (168/7) - يروي عَن أم حبيبة بنت كيسان، ولم أجد لأم حبيبة بنت كيسان جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني عشر: شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23)، وأبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (223/2)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص/327).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله بن أبي نمر الذي وثقه أكثر العلماء، وله أخطاء في بعض مروياته، حيث ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (360/4) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، وقد قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (9/5): "وَحَدِيثُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِرِوَايَتِهِ إِلا أَنْ يروي عنه ضعيف" انتهى، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ثقة" انتهى من "ميزان الإعتدال" للذهبي (269/2)، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس به بأس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (364/4)، وقال فيه يحيى بن معين أيضاً: "ليس بالقوي" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (9/5).
2- عطاء بن يسار - وأصله فارسي بالأضافة إلى كونه مولى ميمونة زوج النبي (ص) كما جاء في ترجمته عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (440/40) -، ونحن لا نعلم له سماعاً من أم سلمة (رض)، حيث ترجم له أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (565/2 - 566) وقال: "عَطاء بن يسَار أَبُو مُحَمَّد مولَى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهِلَالِي الْمَدِينِيّ القَاضِي، أَخُو سُلَيْمَان، وَعبد الله، وَعبد الْملك. سمع زيد بن ثَابت، وَزيد بن خَالِد، وَأَبا سعيد، وَأَبا هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَابْن عَبَّاس" انتهى، وبالتالي رواية عطاء بن يسار عن أم سلمة (رض) منقطعة.

وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) قد جاء على أوجه مختلفة كالآتي:
الوجه الأول:
وفيه تصريح النبي (ص) أن أم سلمة (رض) من أهل البيت وتشملها آية التطهير.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عبد الحميد بن بهرام عند أحمد في "المسند" 173/44 - 174، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق الثالث (الحسين بن حميد بن الربيع أبو عبد الله عند ابن الأعرابي في "المعجم" 742/2، نا مخول بن إبراهيم أبو عبد الله، أرنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).
ج- الطريق التاسع (موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…).
د- الطريق العاشر (عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…).
هـ- الطريق الحادي عشر (القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…).
و- الطريق الثاني عشر (شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…).

الوجه الثاني:
لا يشتمل على نفي دخول زوجات النبي (ص) في آية التطهير ولا على إثبات ذلك.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عقبة بن عبد الله الرفاعي عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2665، 53/3، وزبيد عند الطبري في "جامع البيان" 263/20، كلاهما عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق السادس (جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…).
ج- الطريق السابع (عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…).
د- الطريق الثامن (مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…).

الوجه الثالث:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (عبد الله بن نمير عند أحمد في المسند 118/44 - 119، قال: حدثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…، وجَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2668، 54/3، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عند الآجري في الشريعة 2209/5، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «أنتِ على خيرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" 54/3، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…) والطريق الرابع (محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…) والطريق الخامس (ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة…).

الوجه الرابع:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي» كما ورد حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ…)، وفي لفظ آخر: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (الحسين بن الحكم الحبري الكوفي عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 238/2، حدثنا مخول بن مخول بن راشد الحناط، حدثنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).

ثانياً: حديث عائشة (رض):
عن عائشة أنها قالت: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2424) (1883/4)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (202/13)، من طريق زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، ثنا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رض)…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- زكريا بن أبي زائدة الْهَمدَانِي الْكُوفِي (خالد بن ميمون بن فيروز)، وهو مولى عَمْرو بْن عَبد الله الوادعي كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (359/9)، قال فيه أبو زرعة الرازي: "صويلح يدلس كثيرا عن الشعبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لين الحديث كان يدلس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3).
2- مصعب بن شيبة، وهو ضعيف مُنكَر الحديث، قال فيه أحمد بن حنبل: "روى أحاديث مناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لا يحمدونه وليس بقوي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (35/6): "كان قليل الحديث" انتهى، وقال فيه النسائي: "منكر الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (162/10)، وقال فيه الدارقطني: "لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا بِالْحَافِظِ" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (123/3). وكذلك قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (196/4): "أحاديثه مناكير" انتهى، ومثَّل لبعضها فذكر منها حديث الكساء، بل جعل هذا الحديث من منكراته التي انفرد بها فقال: "والمرط المرحل لا يعرف إلا به" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (197/4).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (260/42 - 261) من طريق ابن طاوس، نا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مخلد، نا محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، نا أبو سفيان، نا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عمير بن جميع، قال: "دخلت مع أمي على عائشة، قالت: أخبريني كيف كان حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعلي؟ فقالت عائشة: كان أحب الرجال إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقد رأيته وما أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسنا وحسينا ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»، قالت: فذهبت لأدخل رأسي فدفعني، فقلت: يا رسول الله! أو لست من أهلك؟ قال: «إنك على خير إنك على خير»".
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة لكنه يدلس، حيث ترجم له ابن المِبْرَد في "بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم" (ص/165) وقال: "وقال في رواية مهنا: سألت أبا عبد الله عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: أو التدليس عيب هو؟ قال: نعم" انتهى، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/574): "ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي" انتهى.
2- عمير بن جميع، حيث لم أجد ترجمة لراوٍ بهذا الأسم، ويحتمل أن يكون جميع بن عمير بن عفاق التيمي الكوفي، والله أعلم.
وجميع بن عمير روى عن ابن عمر وعائشة، وروى عنه الأعمش والعوام بن حوشب. (انظر: "الكاشف" للذهبي 296/1).
وقد ضعف أكثر العلماء جميع بن عمير، حيث قال فيه البخاري: "فيه نظر" انتهى من "الكاشف" للذهبي (296/1) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (218/1): "كَانَ رَافِضِيًّا يضع الْحَدِيث" انتهى، وقال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "هُوَ من أكذب النَّاس" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (174/1).
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن كثير قد أورد في "تفسيره" (368/6) حديث الكساء المروي عن عائشة (رض) من طريق آخر كالآتي:
"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ رضي الله عنه، عَنْ عَمٍّ لَهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ رضي الله عنها: تسألني عن رجل مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَتُهُ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وحسينا رضي الله عنهم، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ ثَوْبًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ: فدنوت منهم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بيتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تَنَحِّي فَإِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ»" انتهى.
ولم أجد لعم العوام بن حوشب ترجمة.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (206/13)، وابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (204/7).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]: "نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ".
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (384/3)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/3456) (380/3)، وفي "المعجم الصغير" (رقم/375) (231/1).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا بَعْدَ مَا دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/8127) (111/8)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (2121/4).
وهذا الحديث بجميع ألفاظه قد روي من طريق عطية العوفي، وقد سبق بيان حال عطية العوفي.

رابعاً: حديث ابن عباس (رض):
عن ابن عباس أنه قال: "وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (180/5)، وأبو عاصم في "السنة" (602/2)، والنسائي في "السنن الكبرى" (417/7)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/12593) (97/12)، الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (143/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (101/42)، من طريق أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَلْجٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
2- أبو بلج الفزاري الكوفي، حيث قَالَ فيه البُخَارِيّ: "فِيهِ نظر" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (80/9)، وَقَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "روى حَدِيثا مُنْكرا" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (196/3)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (113/3): "كَانَ مِمَّن يُخطئ" انتهى.

خامساً: حديث واثلة بن الأسقع (رض):
عن واثلة بن الأسقع أنه قال: "إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، وأحمد في "المسند" (195/28)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2670) (55/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (148/14)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (470/13)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (217/2)، من طريق الْأَوْزَاعِيِّ، ثنا أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادٌ، قَالَ: قَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ…
ونلاحظ في سند هذا الحديث أن أبا عمار شداد بن عبد الله - وهو مولى معاوية بن أبي سفيان كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (226/4) - يروي عنه الأوزاعي.
والأوزاعي هو شيخ الإسلام وعالم أهل الشام كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (107/7).
وقد أثنى الكثير من علماء وفقهاء المسلمين على الأوزاعي. (انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي 107/7 - 134).
إلا أن كتب التراجم لم تخل من بعض الانتقادات لشخص الأوزاعي، فقد أورد الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (113/7) قول أحمد بن حنبل في الأوزاعي كالآتي:
"قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي مَالِكٍ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالأَوْزَاعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: فَفُلاَنٌ؟ قَالَ: لاَ رَأْيٌ، وَلاَ حَدِيْثٌ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/159) (65/22)، من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ…
وهذا الطريق فيه عبد السلام بن حرب، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "كان عبد السلام يدلس" انتهى كما في "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (223/2)، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (69/3) وقال: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبِي: كُنَّا نُنْكِرُ مِنْ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْئًا، كَانَ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا" انتهى.
وفيه كلثوم بن زياد، وهو ضعيف، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (213/7): "سمعتُ ابن حماد يذكره عن أحمد بن شُعَيب النسائي أنه ضعيف" انتهى.
وأيضاً لهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/230) (95/22) من طريق أَحْمَدَ بْنِ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيِّ، ثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: "خَرَجْتُ أَنَا أُرِيدُ، عَلِيًّا فَقِيلَ لِي: هُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَمْتُ إِلَيْهِ فَأَجِدُهُمْ فِي حَظِيرَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ قَدْ جَمَعَهُمْ تَحْتَ ثَوْبٍ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَمَغْفِرَتَكَ ورِضْوَانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ»".
وهذا الطريق فيه يزيد بن ربيعة، وهو منكر الحديث، قال فيه أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (261/9).

سادساً: حديث سعد بن أبي وقاص (رض):
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، فَأَدْخَلَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا تَحْتَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، من طريق بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد…
وفي لفظ آخر: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا عَلَيْهِمُ السْلَامَ، فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»".
أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (410/7)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (235/2)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (548/1 - 549)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ…
وهذا الحديث بكلا لفظيه في سنده بكير بن مسمار، وهو مولى سعد بن أبي وقاص كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (251/4)، قال فيه الذهبي في "المغني في الضعفاء" (115/1): "صَدُوق لينه ابْن حبَان البستي وَابْن حزم" انتهى، وقال فيه الذهبي أيضاً في "الكاشف" (276/1): "فيه شئ" انتهى، وقَالَ فيه الْبُخَارِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّظَرِ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (150/1).

سابعاً: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رض):
عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال: "لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي»، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ»، فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبزار في "المسند" (210/6)، من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ…
وهذا الحديث في سنده علل:
1- عبد الرحمن بن شيبة، وقيل - انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (261/17) -: عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة الحزامي مولاهم أبو بكر المدني، قال فيه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (385/1): "ليس بالمتين عندهم" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (375/8) وقال: "رُبمَا خَالف" انتهى.
2- محمد بن إسماعيل بن مسلم بن دينار (محمد بن أبي فديك الديلي)، وهو مولى لبني الديل كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (503/5)، ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (42/9) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى.
3- عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف الحديث، قال فيه يحيى بْن مَعِين: "ضعيف الحديث" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (481/5)، وَقَال فيه أَبُو حاتم الرازي: "ليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (218/5)، وَقَال فيه النَّسَائي: "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (90/2)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (260/5): "منكر الحديث" انتهى.

ثامناً: حديث البراء بن عازب (رض):
عن البراء بن عازب أنه قال: "دَخَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالحُسَين إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ، فَخَرَجَ النبي فقال بِرِدَائِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ عِتْرَتِي»".
أخرجه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (435/7) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوْنُسَ، حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عُمَر الْكَلاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، قال فيه يحيى بن معِين: "كَذَّاب سَاقِط، لَو كَانَ لي فرس ورمح كنت أغزوه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (32/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/50): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه البُخَارِيّ: "فيه نظر وكان قد عمي، فتلقن ما ليس من حديثه" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (496/4)، وَقَالَ فيه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "كان صدوقاً، وكان يُدلِّس ويُكثر ذاك - يعني التدليس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (240/4)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (352/1): "يَأْتِي عَن الثِّقَات فِي المعضلات" انتهى.
2- محمد بن عمر بن صالح، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (432/7): "منكر الحديث عن ثقات الناس" انتهى.

• حديث أنس بن مالك (رض):
عن أنس بن مالك أنه قال: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (434/21)، والترمذي في "سننه" (رقم/3206)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/3)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (388/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2671) (56/3)، والطيالسي في "المسند" (539/3)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (59/7)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/367)، الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (337/6)، من طريق حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- حماد بن سلمة، وهو مولى لبني تميم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (208/7)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (3/8): "كَثِيرُ الرِّوَايَةِ خَاصَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْنَدُ وَالْمَقْطُوعُ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَيُحَدِّثُ، عَن أَبِي وَائِلٍ وَعَنْ غَيْرِهِمَا بِحَدِيثٍ صَالِحٍ وَيَقَعُ فِي أَحَادِيثِهِ إِفْرَادَاتٌ وَغَرَائِبُ، وَهو مُتَمَاسِكٌ فِي الْحَدِيثِ لا بأس به" انتهى، وقال فيه أبو بكر البيهقي: "أَما حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين، حَتَّى قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا رَأَيْت الرجل يغمز حَمَّاد بن سَلمَة فاتهمه فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع، إِلَّا أَنه لما طعن فِي السن سَاءَ حفظه وَلذَلِك ترك البُخَارِيّ الِاحْتِجَاج بحَديثه" انتهى من "مختصر خلافيات البيهقي" لابن فرح اللخمي الإشبيلي (463/1).
2- علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث، حيث قال فيه يحيى بن معين: "عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (229/3)، وقال فيه يزيد بن رزيع العيشي: "لقد رأيت علي بْن زيد ولم أحمل عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ رافضيا" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (335/6)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "علي بن زيد بن جدعان ليس هو بالقوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (186/6).

• حديث أبي الحمراء (رض):
وهو يشبه حديث أنس بن مالك (رض)، ونصه كالآتي:
عن أبي الحمراء أنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِيءُ كُلَّ صَلاةٍ فَيَضَعُ يَدَهُ بِجَنْبَتَيِ الْبَابِ، قَالَ: أَمَّا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَدْ حَفِظْنَا، وَأَنَا أَشُكُّ فِي شَهْرَيْنِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ» مِرَارًا، ثُمَّ يَقُولُ: «الصَّلاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/ 33]»، قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (130/3)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (25/9 - 26)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2870/5)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/173)، وابن بشران في "الأمالي" (285/1)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (137/42)، والطبري في "جامع البيان" (264/20)، من طريق أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ…
وهذا الحديث في سنده نفيع بن الحارث أبو داود الأعمي الكوفي، وهو ليس بشيء، حيث ترجم له ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (327/8) وقال: "نفيع بْن الحارث السبيعي مولى لهم كوفي، يُكَنَّى أَبَا داود الأعمي. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَد بْن أَبِي يَحْيى سَمِعْتُ يَحْيى بن مَعِين يقول أبو دَاوُد الأعمى نفيع ليس بشَيْءٍ" انتهى، وقال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (165/3): "كذبه قَتَادَة" انتهى، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/101): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى، وقال فيه الدَّارَقُطْنِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (272/4)، وَقَالَ فيه أَبُو زرْعَة الرازي: "لم يكن بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (490/8)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (55/3): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات الْأَشْيَاء الموضوعات توهما لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (306/4): "مِمَّنْ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (232/2) من طريق يَحْيَى بْنِ يَعْلَى الْأَعْشَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ…
وهذا الطريق فيه يونس بن خباب الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (224/3)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (140/3) وقال: "كان رجل سوءٍ، غاليًا في الرفض، كان يزعم أن عثمان بن عفان قتل ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تحل الرواية عنه، لأنه كان داعية إلى مذهبه، ثم مع ذلك ينفرد بالمناكير التي يرويها عن الثقات، والأحاديث الصحاح التي يسرقها عن الأثبات، فيرويها عنهم. أخبرنا الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثنا عن يونس بن خباب بشيء قط. سمعت محمد بن محمود، يقول: سمعت الدارمي، يقول: قلت ليحيى بن معين: يونس بن خباب؟ قال: ضعيف" انتهى.

• حديث الحسن بن علي (رض):
عن الحسن بن علي أنه قال: "وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا".
وقد ورد حديث الحسن بن علي (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَقِيقِيُّ الْحَسَنِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (188/3).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
2- الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (أبو عبدالله الكوفي)، قال فيه علي بن المديني: "كَانَ فِيهِ ضعف وَيكْتب حَدِيثه" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/129)، وقال فيه يحيى بن معين - انظر: "التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي" (ص/146) -: "ليس بثقة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/3): "وَأَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، إِلا أَنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِ حديثه النكرة" انتهى.

الطريق الثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي جميلة أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (رض)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2761) (93/3).
ونلاحظ في هذا الطريق أن حصين بن عبد الرحمن السلمي - والذي يُعرف أيضاً بأبي الهذلي الكوفي - يروي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي)، ونحن لا نعلم لحصين بن عبد الرحمن السلمي سماعاً من أبي جميلة، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (7/3 - 8): "حصين بْن عَبْد الرَّحْمَن السلمي أبو الهذيل الكوفى، سَمِعَ عمارة بْن رُوِيَبة والشَّعْبِيّ، سَمِعَ منه الثوري وشُعْبَة وأَبُو عوانة" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (205/1 - 206) :"حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْهُذيْل السّلمِيّ الْكُوفِي وَكَانَ فِي آخر عمره ينزل فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْمُبَارك وَهُوَ وَالِد فضَالة وَأَخُوهُ مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن. سمع زيد بن وهب وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبا وَائِل وَعِكْرِمَة وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير. رَوَى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وزائدة وَأَبُو عوَانَة وهشيم وخَالِد بن عبد الله فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع" انتهى، وبالتالي رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) منقطعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) لم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (427/5).

الطريق الثالث: أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/2155) (336/2).
وهذا الطريق فيه علل:
1- أسماعيل بن أبان الكوفي الوراق، قال فيه البزار: "وإنما كان عيبه شدة تشيعه لا على أنه عير عليه في السماع" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (269/1)، وقال فيه الدارقطني: "قد أثنى عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدِي" انتهى من "سؤالات الحاكم للدارقطني" (رقم/278) (ص/183).
2- سلام بن أبي عمرة الخراساني، قَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (7/2)، وَقَالَ فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (341/1): "يَرْوِي عَن الثِّقَات المقلوبات لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.
3- معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

• حديث زينب بنت أبي سلمة (رض):
عن زينب بنت أبي سلمة (رض) أنها قالت: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَفَاطِمَةَ، فَجَعَلَ الْحَسَنَ مِنْ شِقٍّ، وَالْحُسَيْنَ مِنْ شِقٍّ، وَفَاطِمَةَ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَأَنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ جَالِسَتَيْنِ، فَبَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَصَصْتَ هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتَنِي وابْنَتِي، فَقَالَ: «أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/713) (281/24)، وفي "المعجم الأوسط" (رقم/8141) (117/8)، من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ…
وهذا الحديث سنده ضعيف، فيه ابن لهيعة الذي سبق بيان حاله.

وهكذا بعد أن أخرجنا أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، يمكننا الآن أن نرد على احتجاج الشيعة الأثنا عشرية بأحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وذلك بقولنا أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، حيث قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، ويؤيد قولنا هذا آية التطهير نفسها التي قد وردت فيها مفردة "أهل البيت" والتي قد نزلت - كما بينا سابقاً - في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، حيث إن هذه الآية قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهن يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا السبب لم يرد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) في آية التطهير؛ لأنهم لا يسكنون في بيت النبي (ص)، كما أن هناك آية قرآنية أخرى تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" أيضاً، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وقد سبق البيان أن المخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام).
وبهذا اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم غير داخلين في آية التطهير، أي أن آية التطهير لم تنزل فيهم، وبالتالي فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) جميعها تخالف المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، ولهذا لا يمكن الاحتجاج بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص).

ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) المروية من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) جميعها في أسانيدها كلام يضعف الأحاديث نفسها كما بينا سابقاً، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن سند حديث زينب بنت أبي سلمة (رض) فيه كلام أيضاً، حيث سبق أن بينا ضعف هذا السند، وهذا يؤدي إلى تضعيف حديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، والله أعلم.

قال ابن كثير في "تفسيره" (370/6) حول آية التطهير بعد أن ذكر الروايات المختلفة للأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني قد حاول - انظر: "مفاهيم القرآن" لجعفر السبحاني (134/10 -135) - أن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، وذلك بقوله بأن اللام في "أهل البيت" للعهد، ولا يمكن حمل اللام في "أهل البيت" على الجنس أو الاستغراق، وأنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة "أهل البيت"، وأن المراد من البيت في الآية هو البيت المعهود، وأن الآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وأن الكلام يقع في تعيين هذا البيت المعهود، وأن البيت المعهود هو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) وليس بيت أزواجه، وأنه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، وأن الآية لاختصت بواحده من بيوتهن لو أُريد واحداً منهم.
ونحن قبل أن نرد على قول جعفر السبحاني هذا يجب أن نبين المقصود من أل العهدية، فنقول - انظر: "جامع الدروس العربية" لمصطفى الغلاييني (147/1 - 148) -: إن ألْ العهديةُ هي إما أن تكون للعهد الذِّكريّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ "جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ" أي الضيف المذكور. ومنه قولُه تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا 15 فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ…} [المزمل/15 - 16]. وإما أن تكون للعهد الحُضوريّ وهو ما يكونُ مصحوبُها حاضراً، مثل "جئتُ اليومَ"، أي اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه. وإما أَن تكون للعهد الذهنيّ وهي ما يكونُ مصحوبُها معهوداً ذهِناً، فينصرفُ الفكرُ إليه بمجرَّدِ النُّطقِ به، مثل "حضرَ الأميرُ"، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول حضرَ الرجلُ"، أي الرجلُ المعهودُ ذِهناً بينك وبين من تخاطبه.
وقد أخرج المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني زوجات النبي (ص) من بيته لأن لهن بيوت وليس بيت واحد، والرد على هذه الشبه من عدة جهات:
1- أن المعهود الذهني في آية التطهير ليس البيت بل الأهل الذين يأهلون البيت، فالعرب لا تعدد البيوت ان ارتبطت بالأهل وكما هو معلوم فاللغة سمعية وليست عقلية فلا يقال أهل بيوت فلان عند الاشارة للأهل أما عند الاشارة للبيت فيقال بيوت فلان.
2- ليس المقصود ببيوت النبي (ص) المعنى الذي يفهمه المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني وبقية الرافضة، بل هي حجرات في بيت النبي (ص) لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات/4].
وكل ما يبات فيه يسمى بيتاً حتى الغرف التي بالبيوت تسمى عند العرب بيتاً لانه يبات فيها.
و"الْحُجْرَةُ" حظيرة الإبل ومنه حجرة الدار تقول احتجر حجرة أي اتخذها، والجمع "حُجَرٌ" كغرفة وغرف و"حُجُرَاتٌ" بضم الجيم. (انظر: "مختار الصحاح" لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي 67/1).
و"الْبَيْتُ" اسم لمسقف واحد وأصله من بيت الشعر أو الصوف سمي به لأنه يبات فيه. (انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي 55/1).
3- المقصود بالبيت في مفردة "أهل البيت" التي وردت في آية التطهير هو بيت النبي (ص) باتفاق الشيعة، حيث يقول الفضل بن الحسن الطبرسي - وهو من علماء الشيعة الإمامية - في "مجمع البيان" (156/8): "وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم" انتهى.
إذن المقصود بيت النبي (ص) لا بيت علي (رض)، والمرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني - كما نرى - يحاول أن يحدد لفظ "البيت" ببيت علي (رض)، وهذا لا يصح؛ وذلك لأن النبي (ص) لا ينتمي لبيت علي (رض).
بالإضافة إلى ذلك، فإن بيوت نساء النبي (ص) هي بيوت النبي (ص)، مرة تضاف الى نساء النبي (ص) كقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن}، ومرة تضاف الى النبي (ص) كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي}، فأين نجد في كتاب الله أن بيت النبي (ص) هو بيت علي (رض)!!
وعليه، فإن محاولة المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني لأن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) - غير مجدية.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة الأثنا عشرية قد قالوا - انظر: "الميزان في تفسير القرآن" للعلامة الطباطبائي (312/16 - 313) - أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة، وقالوا - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/25 - 27) - أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية، وقالوا - انظر: "موسوعة الأسئلة العقائدية" لمركز الأبحاث العقائدية (424/2) - أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، والشيعة الأثنا عشرية قد قالوا هذه الأقوال بسبب أنهم يعتقدون أن آية التطهير قد نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، والصواب أن هذه الآية قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه ولم تنزل في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) كما بينا سابقاً، كما أن هذه الأقوال جميعها لا تصح، ونحن سوف نرد على هذه الأقوال كالآتي:
أولاً: الرد على القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة:
إن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة، والسبب هو: إن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] هو كقوله تعالى مخاطباً - انظر: "تفسير البغوي" (333/3 - 334) - الصحابة المؤمنين ممن شهد بدراً مع النبي (ص): {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال/11]، فإن إذهاب الرجس في آية التطهير وإذهاب رجز الشيطان في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما متشابهان؛ وذلك لأن "الرجس" و"الرجز" متقاربان في لغة العرب، حيث يقول محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في كتابه "مختار الصحاح" (ص/118): "«الرِّجْسُ» الْقَذَرُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس/100] إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ «الرِّجْزَ». قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا لُغَتَانِ أُبْدِلَتِ السِّينُ زَايًا كَمَا قِيلَ لِلْأَسَدِ الْأَزَدُ" انتهى، كما أن التطهير في آية التطهير والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما الشيء نفسه، ولذا فإذا كان إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير يدلان على العصمة كما قال الشيعة الأثنا عشرية فإن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال يدلان على العصمة أيضاً، والصواب أنه من المعروف أن الصحابة غير معصومين، وهذا يعني أن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال كلاهما لا يدلان على العصمة، وبهذا يكون إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن معنى "الرجس" في آية التطهير هو - انظر "تفسير البغوي" (350/6) - الأثم وعمل الشيطان والسوء والشك، ويؤيد قولنا هذا تفسير جعفر الصادق لكلمة "الرجس" في آية التطهير على أنها - انظر: "معاني الأخبار" للصدوق (ص/138) - الشك؛ وذلك لأن "الرجس" يأتي بمعنى الإثم، الذنْب، القذر، الشك، الشيطان، الشرك وما شابهها من المعاني، فهو في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة/90] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (564/10 - 565) - أثم ونتن وسخط وشر، وفي قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام/145] بمعنى - انظر: "تفسير السعدي" (ص/277) - الخبث والنجس والمضر، وفي قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة/95] بمعنى - أنظر: "تفسير السعدي" (ص/348) - قذر خبثاء، وفي قوله تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف/71] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (522/12) - السخط، وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام/125] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (111/12) - كل ما لا خير فيه والعذاب والشيطان والنجس، يقول الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" (ص/342): "الرِّجْسُ: الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أَرْجَاسٌ. قال تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة/90]، والرِّجْسُ يكون على أربعة أوجه: إمّا من حيث الطّبع، وإمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الشرع، وإمّا من كلّ ذلك كالميتة، فإنّ الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا، والرِّجْسُ من جهة الشّرع: الخمر والميسر، وقيل: إنّ ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبّه بقوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/219] ، لأنّ كلّ ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه، وجعل الكافرين رجسا من حيث إنّ الشّرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة/125]، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس/100]، قيل: الرِّجْسُ: النّتن، وقيل: العذاب، وذلك كقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/28]، وقال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام/145]، وذلك من حيث الشرع، وقيل: رِجْسٌ ورجز للصّوت الشديد، وبعير رَجَّاسٌ: شديد الهدير، وغمام رَاجِسٌ ورَجَّاسٌ: شديد الرّعد" انتهى، وفي ضوء هذا نقول - انظر: "آية التطهير وعلاقته بعصمه الأئمة" لعبد الهادي الحسيني (ص/5) -: إن إطلاق لفظ "الرجس" على الخطأ في الاجتهاد لا يعرف من لغة القرآن التي هي لباب لغة العرب، فلم يختلف الفقهاء في نجاسة الخمر وإنما اختلفوا في كون النجاسة هل هي معنوية أم حسية؟ لأنها وصفت في الآية 90 من سورة المائدة بالرجس وما ذاك إلا لأنهم فهموا من وصف الله تعالى لها وللأنصاب والأزلام والميسر بلفظ الرجس إنه القذر والنتن والنجاسة ومن قال بنجاستها المعنوية قال هي كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة/28]، والخطأ في الاجتهاد لايمكن أن يوصف بأنه قذر أو نجاسة أو نتن لذلك فهو ليس برجس، فمن قال بأن آية التطهير نص في التنزيه من الخطأ فقد جاء بما لايعرف من لغة العرب، وإذن فالآية لاتنهض حجة على العصمة من الخطأ، بل سقط الاحتجاج بها كلياً لأن العصمة لا تتجزأ فإذا لم يكن من وصف بالعصمة معصوماً من الخطأ فهو ليس معصوماً من الذنب لأنهما متلازمان.
كما أن معنى التطهير في آية التطهير هو التنزه عن الفواحش، وهو استخدام شائع في القرآن الكريم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة/103]، وما من أحد يقول بأنها قصدت بالتطهير هنا العصمة بل التنزه من الفواحش. (انظر: "أرشيف ملتقى أهل الحديث - 1" 133/120).
وعليه، فلا يمكن القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة.

ثانياً: الرد على القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية:
إن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية قدرية، وهي التي بمعنى المشيئة، وضابط هذا القسم أمران:
1- أنها لابد أن تقع.
2- أنها قد تكون مما يحبه الله تعالى، وقد تكون مما لا يحبه الله.
ومثال هذا القسم: قوله تعالى عن نوح (عليه السلام): {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود/34].
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي التي بمعنى المحبة. وضابط هذا القسم أمران أيضاً:
1- أنها قد تقع وقد لا تقع.
2- أنها لا تكون إلا مما يحبه الله تعالى ويرضاه.
ومثال هذا القسم قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء/27].
وانظر موقع "إسلام ويب" الذي في أحد فتاويه يتكلم عن أنواع إرادة الله والفرق بينهما، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/fatwa/18046/
وفي ضوء هذا نقول: إن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم إرادةٌ تشريعيةٌ وقانونيةٌ. وكمبدأ، منشأُ أوامر الله للبشر التي جاءت في القرآن إرادةُ الله التشريعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكلام في آيات سورة الأحزاب - بدءاً من الآية 28 فما بعد - هو عن التكليف المحض: كأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقرار في البيوت وعدم التبرُّج و… الخ، وهي أوامر ناشئة عن إرادة الله التشريعية لا إرادته التكوينية. كما أن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم التي ذكرها في قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] تماثِل إرادته تعالى التي ذكرها في الآية 6 من سورة المائدة عندما خاطب جميع المؤمنين - ومن جملتهم النبي وعلي وفاطمة - بقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ…} [المائدة/6]. فالآية الأخيرة نصها هو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ… مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ…} [المائدة/6]، أي أن الله تعالى يريد أن يطهركم بإرادتكم واختياركم. كما أن إرادة المكلف واختياره شرطان من شروط تحقق المُراد في الإرادة التشريعية، والأمر ذاته ينطبق على الآية 185 من سورة البقرة والآيات 26 و27 و28 من سورة النساء التي جاء الكلام فيها عن التكاليف وأوامر الله ونواهيه، فإرادة الله في هذه الآيات أيضاً ليست إرادة تكوينية تكون إرادة الحق فيها العلّة الوحيدة والتامّة لتحقّق المراد، ويتحقَّق مراد الله فيها حتماً، أي ليست كإرادته تعالى التكوينية التي أشار إليها بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس/82]. فلو كانت طهارة أهل البيت معلولة لإرادة الله التكوينية التي لا تتخلَّف فإنه لن يكون في مثل هذه الطهارة أي فضيلة، لأن كل شجر وحجر لا يملك تكوينياً القدرة على تخطي أمر الله والتخلف عنه يكون معصوماً ومطهَّراً أيضاً! وأساساً، لا يمكن للأشخاص المطهّرين والمبرَّئين من كلّ رجس وإثم بإرادة الله التكوينية أن يكونوا أسوةً للمؤمنين وقدوةً لهم. إذ عرفنا ذلك نقول بأن الله تعالى أراد أن يطهر جميع الناس وأراد منهم جميعاً أن يجتنبوا الرجس ولكنه أراد في سورة الأحزاب تطهير أهل بيت رسول الله (ص) وإذهاب الرجس عنهم بشكل خاص وذلك لأن لأهل بيتِ كلِّ إنسان ارتباط خاص به كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم/6]، وأهل بيت النبي (ص) مرتبطون به بالطبع، واعتبارهم وحيثيتهم وماء وجههم من اعتبار وحيثية رسول الله (ص)، وعيون الناس متَّجهة إليهم بشكل خاص ويتأثرون بسلوكهم أكثر من تأثرهم بسلوك الآخرين، ولذلك فإن ما يطلبه الله منهم، والتكاليف التي يريد منهم القيام بها أكثر تأكيداً، وذكرها أوجب وأهم، لذا نجد أنه تعالى خاطب أهل بيت النبي (ص) في الآيتين 30 و31 من سورة الأحزاب بقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب/30 - 31]. ومن الواضح أن الإرادة الإلهية في هذه الحالة ليست إرادةً تكوينيةً وأن عصمة أهل البيت ليست عصمة تكوينية، بل أراد الله من نساء النبيّ أن يَقُمْنَ هُنَّ أنفسُهنَّ بتطهير أنفسهنّ من خلال اجتناب الأعمال غير الطاهرة واكتساب الطهارة الجسمية والروحية والأخلاقية، ليكُنَّ أسوة لسائر الناس ويحافظنَ على حيثية النبي (ص) واعتباره بين الناس. وهذا لا يمنع أن الله أراد - بلا ريب - الطهارةَ الجسميةَ والروحيةَ لكل مكلف وأراد من كل مكلف أن يجتنب الرجس والآثام، مع فارق أن إرادة الله طهارةَ من كانت تُتلى آياتُ الوحي في بيوتهم أوَّلاً، أي أهل بيت الرسول (ص)، أوكَد وأشدّ. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 615/2 - 616).
بالإضافة إلى ذلك، فإن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل. ومع ذلك فقد أجاب الشيعة الأثنا عشرية عن هذا الإشكال بقولهم - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/27 - 28) - أن إرادة الله التكوينية في آية التطهير لا تعتبر جبراً ولا تفويضاً، بل هي أمر بين الامرين، وأن الله سبحانه وتعالى لما علم أن هؤلاء لا يفعلون إلا ما يؤمرون، وليست أفعالهم إلا مطابقةً للتشريعات الالهية من الافعال والتروك، جاز له سبحانه وتعالى أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم. والحال أن هذا الجواب إن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليف الأئمة (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعيّة، فلما علم الله أن أفعالهم وتروكهم ستكون مطابقةً للتشريعات الالهية، وأنّهم لا يريدون لأنفسهم إلا الطاعة والعبودية حوّلها تعالى من ولاية تشريعية إلى ولاية تكوينية، فتعلقت إرادته التكوينية بهم وطهّرهم من كلّ رجس - فإنه لا ينفي إشكالية الجبر بل يرسّخها ويظل الإشكال قائماً، وإن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليفهم (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعية، فلما علم الله منهم طاعتهم المطلقة عبّر عن هذه الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية تعبيراً مجازياً أو نسبها إلى نفسه بالإرادة التكوينية نسبةً مجازية - فإنه أيضاً لا ينفي إشكالية الجبر بل لا علاقة له بأصل الإشكال؛ وذلك لأن التعبير المجازي عن الشيء لا يُغيّر من حقيقته فإن كانت الولاية تشريعية بقيت كما هي والتعبير عنها بالتكوينية مجازاً لا يحولها إلى تكوينية حقيقة. وعليه، فإن جواب الشيعة الأثنا عشرية عن الإشكال في أن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل - يُعتبر جواباً خاطئاً.

ثالثاً: الرد على القول أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير:
إن "إِنَّمَا" رغم كونها من أدوات الحصر لكن المحصور بها ليسوا الأفراد، بل المقصود من "إِنَّمَا" انحصار الهدف من الأمر والنهي، في هدف واحد ونفي الأهداف والمقاصد الأخرى. في الحقيقة إن الآية تريد القول أنه ليس الهدف من هذه الأوامر والنواهي الإلـهية إلا إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم. وبعبارة أخرى فإن الله تعالى يقول لا أريد من أمركم ونهيكم إلا تطهيركم، لا أنه يريد أن يقول: إني أريد أن أطهركم أنتم فقط دون الآخرين؛ لأن الله تعالى صرح في آية أخرى (المائدة/6) أنه يريد طهارة جميع المكلفين! وأيضاً لو كانت طهارة شخص معلولة لإرادة الله التكوينية فإن مثل هذه الطهارة - كما ذكرنا - ليس فيها أي فضل لصاحبها، ولا يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون أسوةً للذين لم يُطَهِّرْهم الله تكوينياً. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 618/2).

الحاصل: إن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، وأما أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير - فجميعها فيها نظر؛ وذلك لأن هذه الأحاديث تخالف - كما بينا سابقاً - المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، حيث سبق أن بينا المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، وقلنا - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، كما أن هذه الأحاديث جميعها في أسانيدها - كما بينا سابقاً - كلام يضعف الأحاديث نفسها، ولهذا لا يمكن الاعتماد على أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير.

………………………………………………………
الجمعة 15 شعبان 1446هـ الموافق:14 فبراير 2025م 12:02:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}"
إن آية التطهير هذه ليست آية مستقلة بل جزء من الآية 33 من سورة الأحزاب، حيث جاءت هذه الآية وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فبدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي قال فيه الآلوسي في "تفسيره" (180/11): "تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا" انتهى، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34].
فكما نرى، فإن سياق الكلام في الآيات 30 - 34 من سورة الأحزاب - مع نساء النبي (ص)، فإن قيل: لماذا جاء إذن في آخر الآية 33 من سورة الأحزاب ضمير "كم" المذكر؟ قلنا: إن كلمة "أَهْل" مُذَكَّرة، لذا جاء ضمير الخطاب مذكَّراً أيضاً، وإن قيل: إن المقصود هنا مصاديق كلمة "أَهْل" لا الكلمة ذاتها، ومصاديق كلمة "أَهْل" في هذه الآيات هنّ نساء النبي (ص)، فلماذا لم يأتِ الضمير مؤنثاً؟ قلنا: لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 614/2).
وهذا الكلام تؤيده آيتان قرآنيتان أخريان كالآتي:
- قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، ولما كان إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآية من مصاديق "أهل البيت"، استُخْدِم ضمير المذكَّر "كُمْ" في الآية رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم).
- قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص/29]، والمخاطب هنا - انظر: "جامع البيان" للطبري (570/19 - 571)، "تفسير البغوي" (205/6) - زوجة موسى (عليه السلام)، ومع ذلك قد جاء فعل "امْكُثُوا" مذكراً إما بسبب تذكير كلمة "أهل" أو باعتبار مصاديق الكلمة التي يدخل فيها زوجها موسى (ع) نفسه.
بناء على ذلك، فمراعاةً لوجود رسول الله (ص) بين نسائه (ص) من أهل بيته (ص) جاء الخطاب في آخر آية التطهير بصيغة التذكير.
وعليه، فإن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه.
كما أنه لا ريب إن صحَّ شمول آية التطهير للنبيّ (ص) فيكون معناها في حقه: مواصلة اجتناب كل رجس والثبات على طهارة النفس، لا أنه كان هناك رجس وغير طهارة وعليه أن يزيلها، والعياذ بالله. وهذا كقوله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب/1] والتي معناها - كما جاء في التفسير الميسر (418/1) - هو: "يا أيها النبي دُم على تقوى الله بالعمل بأوامره واجتناب محارمه"، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.
وقد وردت أحاديث تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، وهذه الأحاديث هي حديث الكساء وحديث أنس بن مالك (رض) وحديث أبي الحمراء (رض) وحديث الحسن بن علي (رض) وحديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، وقد احتج الشيعة الأثنا عشرية بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وقبل الرد على هذا، يجب أن نخرج هذه الأحاديث كالآتي:
• حديث الكساء:
هو الحديث الذي تحدَّث به النبي (ص) في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً).
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي في عدد من كتب التفسير والحديث والسنن والتاريخ والعقيدة والسيرة من حديث أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وواثلة بن الأسقع وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والبراء بن عازب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
أولاً: حديث أم سلمة (رض):
أخرج الطبري في "جامع البيان" (265/20) عن أم سلمة (رض) أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يَرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»". قالت أم سلمة: "ألست منهم؟ قال: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23) عن أم سلمة (رض): "فِي بَيْتِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَهْلِي»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»".
وفي لفظ آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2)، عن أم سلمة (رض): "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبَهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِي»".
وقد ورد حديث أم سلمة (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الاول: شهر بن حوشب، عن أم سلمة (رض)…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وأحمد في "المسند" (173/44 - 174) (327/44 - 328) (217/44)، والترمذي في "سننه" (رقم/3871)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2665) (53/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (139/14) (142/14)، والآجري في "الشريعة" (2208/5) (2209/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (239/2) (241/2) (242/2)، وأبو يعلى في "المسند" (344/12) (451/12) (456/12)، وابن الأعرابي في "المعجم" (964/3)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (ص/107)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (719/2).
وهذا الطريق ضعيف، فيه شهر بن حوشب، وهو مولى أسماء بنت يزيد بْن السكن الأَنْصارِيّة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (579/12)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (64/5): "ليس بالقوي في الحديث، وَهو ممن لا يحتج بحديثه، ولاَ يتدين به" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (361/1): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات المعضلات وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات" انتهى، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (191/2) وقال: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثِ شَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَقَالَ: إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْأَمِيرِ قَالَ: فَخَرَجَ الْآذِنُ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ: لَا تَأْذَنْ لَهُ فَإِنَّهُ سَبَئِيٌّ" انتهى، كما أن شهر بن حوشب كثير الارسال والاوهام، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/269): "صدوق كثير الإرسال والأوهام" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة (رض) قد روي بألفاظ مختلفة، وهذه الألفاظ بدورها قد جاءت على أوجه مختلفة كما سيأتي بيان ذلك لاحقاً، ويبدو أن سبب اختلاف الألفاظ ومجيئها على أوجه مختلفة هو اضطراب شهر بن حوشب في حفظه وأدائه.
ونلاحظ أن شهر بن حوشب يروي حديث الكساء تارةً عن أم سلمة (رض) مباشرة كما هو مبين في هذا الطريق، وتارةً عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أَبي سعيد الخدري (رض)، عن أم سلمة (رض) كما جاء في "جامع البيان" للطبري (265/20)، وهذا السند فيه أكثر من علة:
1- فضيل بن مرزوق، وهو مولى بني عنزة كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (306/23)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (209/2) وقال: "فُضَيْل بن مَرْزُوق: من أهل الْكُوفَة، يروي عَن عَطِيَّة وَذَوِيهِ، روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ، مُنكر الحَدِيث جدا، كَانَ مِمَّن يخطىء على الثِّقَات ويروي عَن عَطِيَّة الموضوعات وَعَن الثِّقَات الْأَشْيَاء المستقيمة فَاشْتَبَهَ أمره، وَالَّذِي عِنْدِي أَن كل مَا روى عَن عَطِيَّة من الْمَنَاكِير يلزق ذَلِك كُله بعطية وَيبرأ فُضَيْل مِنْهَا، وَفِيمَا وَافق الثِّقَات من الرِّوَايَات عَن الْأَثْبَات يكون محتجا بِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/448): "صدوق يهم، ورمي بالتشيع" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "صالح الحديث، ولكنه شديد التشيع" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (307/23)، وقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي: "يُقَال فُضَيْل بن مَرْزُوق ضَعِيف" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدارمي" (رقم/698).
2- عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الطريق الثاني: رواه عبد الملك بن أبي سليمان:
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه أحمد في "المسند" (118/44 - 119) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…
والطريق الثاني بهذا الوجه علته إبهام شيخ عطاء بن أبي رباح.
الوجه الثاني: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب (مر ذكره سابقاً)، عن أم سلمة…
الوجه الثالث: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2209/5) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…
وأبو ليلى الكندي الكوفي الذي يقال أنه مولى كندة - اختلف فيه قول يحيى بن معين، فمرة يوثقه، وأخرى يضعفه. (انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي 239/34 - 240).
وهناك ملاحظة على عبد الملك بن أبي سليمان الفزاري العرزمي الكوفي الذي هو مولى بني فزازة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12)، حيث ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (132/12) وقال: "أَخْبَرَنَا البرقاني، قال: أَخْبَرَنَا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه، قال: أَخْبَرَنَا الحسين بن إدريس، قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ فقال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" انتهى، كما قال فيه أحمد بن حنبل: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جريج أثبت منه عندنا" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/5).

الطريق الثالث: رواه عمار بن معاوية الدهني (أبو معاوية الكوفي):
واختُلف عنه فيه على ثلاثة أوجه كالآتي:
الوجه الأول: أخرجه الآجري في "الشريعة" (2095/4) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرَةُ، فَلَوْ قَالَ: «نَعَمْ» كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وأبو الصهباء البكري قال فيه النسائي: "أبو الصهباء صهيب، ضعيف، بصري" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (242/13)، كما أننا لا نعلم لأبي الصهباء البكري سماعاً من عمرة الهمدانية (الكوفية)، حيث قال ابن عبد البر الأندلسي في "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" (781/2): "أبو الصهباء البكرى. سمع عليًا وابن مسعود وابن عباس. اسمه صهيب" انتهى، وبالتالي رواية أبي الصهباء البكري عن عمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة.
الوجه الثاني: أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (244/2) من طريق ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة… بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا»، فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَالَ: «نَعَمْ»، فَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
وابن لهيعة قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).
الوجه الثالث: أخرجه ابن الأعرابي في "المعجم" (742/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى (لم أجد لها جرحاً ولا تعديلاً)، قالت: سمعت أم سلمة… بلفظ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وكذلك أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (238/2) من طريق عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة… نفسه، ولكن بلفظ: "فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ »، وَمَا قَالَ: «إنَّكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
وعبد الجبار بن عباس الشِّبَامي الكوفي قال فيه العقيلي "الضعفاء الكبير" (88/3): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَتَشَيَّع" انتهى، وقال فيه أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: "لم يكن بِالْكُوفَةِ أكذب مِنْه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (82/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (159/2): "كَانَ مِمَّن ينْفَرد بالمقلوبات عَن الثِّقَات وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع" انتهى.
وهناك ملاحظة على عمار بن معاوية الدهني الكوفي الذي هو مولى الحكم بن نفيل كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (208/21)، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/408): "صدوق يتشيع" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (268/5)، فقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، ومن الجدير بالذكر أن البخاري ترجم له في "التاريخ الكبير" (28/7) وقال: "عمار بْن مُعَاوِيَة أَبُو مُعَاوِيَة الدهني، ودهن قبيلة من بجيلة الكوفِي سَمِعَ أَبَا الطفِيل وسَعِيد بْن جُبَيْر روى عَنْهُ ابْن عُيَيْنَةَ" انتهى، وهذه الترجمة فيها نظر بخصوص سماع عمار بن معاوية الدهني الكوفي من سعيد بن جبير الكوفي؛ وذلك لأن أبا بكر بن عياش يقول: "مر بِي عمار الدهني، فدعوته، فَقلت لَهُ: يَا عمار تعال، فجَاء، فَقلت لَهُ: سَمِعت من سعيد بن جُبَير شَيْئا؟ قَالَ: لَا، قلت: اذْهَبْ" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/3033)، وهذا يعني أن رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن سعيد بن جبير الكوفي منقطعة، كما أننا لم نجد لعمار بن معاوية الدهني الكوفي سماعاً من عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية)، وبالتالي رواية عمار بن معاوية الدهني الكوفي عن عمرة بنت أفعى الكوفية وعمرة الهمدانية (الكوفية) منقطعة أيضاً.

الطريق الرابع: محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/8295) (25/9)، والترمذي في "سننه" (رقم/3205) وقال: "غريب من هذا الوجه"، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (243/2).
وعلته:
1- محمد بن سليمان بن الأصبهاني (أبو علي الكوفي)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (464/7): "مضطرب الحديث" انتهى، وَقَالَ فيه أبو حاتم الرَّازِيّ: "لا يحتج به" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (268/7).
2- يحيى بن عبيد (الراوي عن عطاء)، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/594): "مجهول" انتهى.

الطريق الخامس: ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب (رض) عند أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (267/20).
وعلته:
1- عبد الله بن عبد القدوس، ترجم له الذهبي في "ميزان الأعتدال" (457/2) وقال: "كوفي رافضي. نزل الرى. روى عن الأعمش وغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال يحيى: ليس بشئ، رافضي خبيث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، وكان خشبيا" انتهى.
2- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.

الطريق السادس: جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/750) (327/23)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (236/2).
وهذا الطريق فيه سليمان بن مهران الأعمش أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه جعفر بن عبد الرحمن شيخ الأعمش، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (196/2)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (483/2)، ومسلم في "الكنى والأسماء" (515/1) من غير جرح ولا تعديل.

الطريق السابع: عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "أخلاق النبي وآدابه" (147/2).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو حَفْصٍ الْأَعْشَى، وهو ضعيف، قال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (257/3): "كوفي ضعيف" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (79/2): "يروي عَن الثِّقَات الموضوعات لَا تحل الرِّوَايَة عَنْهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار" انتهى.
2- أبهام شيخ محمد بن سوقة.

الطريق الثامن: مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (265/20).
وعلته:
1- مصعب بن المقدام الكوفي، وهو مولى الخثعميين كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (43/28)، قال فيه الساجي: "ضعيف الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (166/10)، وقال فيه علي بن المديني: "المصعب بن المقدام ضعيف" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (135/15).
2- سعيد بن زربي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "سعيد بن زربي ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (24/4)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (473/3): "صاحب عجائب" انتهى، وقال فيه الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (156/2): "متروك" انتهى.

الطريق التاسع: موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2663) (53/3)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (237/2).
وعلته: موسى بن يعقوب الزمعي، قال فيه علي بن المديني: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (172/29)، وقال فيه الأثرم: "سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (378/10 - 379).

الطريق العاشر: عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2667) (54/3)، وأحمد في "المسند" (161/44 - 162) (219/44)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (145/14) (203/13).
وهذا الطريق فيه علل:
1- عوف بن بندويه (عوف بن أبي جميلة الأعرابي)، وهو مولى لطيئ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (191/7)، وأصله فارسي، حيث قال فيه محمد بن سلام الجمحي: "كَانَ عَوْفٌ فِي بَنِي حِمَّانَ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَكُنْ أَعْرَابِيًّا كَانَ فَارِسِيًّا" انتهى من "تاريخ الإسلام" للذهبي (246/9 - 247)، كما أنه شيعي قدري، حيث قال فيه عبد اللَّهِ بن المبارك: "وَاللَّهِ مَا رَضِيَ عَوْفٌ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى كَانَتْ فِيهِ بِدْعَتَانِ: كَانَ قَدَرِيًّا وَكَانَ شِيعِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3)، وقال فيه بُنْدَار: "وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عَوْفٌ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا شَيْطَانًا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (429/3).
2- عطية أبو المعذل الطفاوي، قال فيه الساجي: "ضعيف جداً" انتهى من "لسان الميزان" لابن حجر العسقلاني (176/4).
3- والد عطية الطفاوي، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الحادي عشر: القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/839) (357/23).
وهنا القاسم بن مسلم الهاشمي (القاسم بن مسلم الكوفي) - وهو مولى علي بن أبي طالب كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (168/7) - يروي عَن أم حبيبة بنت كيسان، ولم أجد لأم حبيبة بنت كيسان جرحاً ولا تعديلاً.

الطريق الثاني عشر: شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/627) (286/23)، وأبو نعيم الأصبهاني في "أخبار أصبهان" (223/2)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص/327).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله بن أبي نمر الذي وثقه أكثر العلماء، وله أخطاء في بعض مروياته، حيث ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (360/4) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى، وقد قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (9/5): "وَحَدِيثُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِرِوَايَتِهِ إِلا أَنْ يروي عنه ضعيف" انتهى، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ثقة" انتهى من "ميزان الإعتدال" للذهبي (269/2)، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس به بأس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (364/4)، وقال فيه يحيى بن معين أيضاً: "ليس بالقوي" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (9/5).
2- عطاء بن يسار - وأصله فارسي بالأضافة إلى كونه مولى ميمونة زوج النبي (ص) كما جاء في ترجمته عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (440/40) -، ونحن لا نعلم له سماعاً من أم سلمة (رض)، حيث ترجم له أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (565/2 - 566) وقال: "عَطاء بن يسَار أَبُو مُحَمَّد مولَى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهِلَالِي الْمَدِينِيّ القَاضِي، أَخُو سُلَيْمَان، وَعبد الله، وَعبد الْملك. سمع زيد بن ثَابت، وَزيد بن خَالِد، وَأَبا سعيد، وَأَبا هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَابْن عَبَّاس" انتهى، وبالتالي رواية عطاء بن يسار عن أم سلمة (رض) منقطعة.

وتجدر الإشارة إلى أن حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) قد جاء على أوجه مختلفة كالآتي:
الوجه الأول:
وفيه تصريح النبي (ص) أن أم سلمة (رض) من أهل البيت وتشملها آية التطهير.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عبد الحميد بن بهرام عند أحمد في "المسند" 173/44 - 174، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق الثالث (الحسين بن حميد بن الربيع أبو عبد الله عند ابن الأعرابي في "المعجم" 742/2، نا مخول بن إبراهيم أبو عبد الله، أرنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).
ج- الطريق التاسع (موسى بن يعقوب الزمعي، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة…).
د- الطريق العاشر (عوف، عن عطية أبي المعذل، عن أبيه، عن أم سلمة…).
هـ- الطريق الحادي عشر (القاسم بن مسلم الهاشمي، عن أم حبيبة بنت كيسان، عن أم سلمة…).
و- الطريق الثاني عشر (شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة…).

الوجه الثاني:
لا يشتمل على نفي دخول زوجات النبي (ص) في آية التطهير ولا على إثبات ذلك.
وهذا الوجه قد جاء في الطرق الآتية:
أ- الطريق الأول (عقبة بن عبد الله الرفاعي عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2665، 53/3، وزبيد عند الطبري في "جامع البيان" 263/20، كلاهما عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…).
ب- الطريق السادس (جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي، عن حكيم بن سعد، عن أم سلمة…).
ج- الطريق السابع (عيسى بن محمّد الوسقندي، حدّثنا محمّد بن عبيد النوا الكوفي، حدّثنا عُمَرُ بن خالد أبو حفص الأعشي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمّد بن سوقه، عمّن حدّثه، عن أمّ سلمة…).
د- الطريق الثامن (مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أَبي هريرة، عن أم سلمة…).

الوجه الثالث:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ إلَى خَيْرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (عبد الله بن نمير عند أحمد في المسند 118/44 - 119، قال: حدثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة…، وجَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" رقم/2668، 54/3، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عند الآجري في الشريعة 2209/5، كلاهما عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…، ويزيد بن هارون عند الآجري في الشريعة 2209/5، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي، عن أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «أنتِ على خيرٍ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الأول (عند أغلب المحدثين عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة…) والطريق الثاني (جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عند الطبراني في "المعجم الكبير" 54/3، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ…) والطريق الرابع (محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة…) والطريق الخامس (ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة…)، وفي لفظ آخر: «إنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن عمرة الهمدانية، قالت: أتيت أم سلمة…).

الوجه الرابع:
فيه أن أم سلمة (رض) تسأل النبي (ص) فيما إذا كانت من أهل بيته أم لا، وأن النبي (ص) يجيبها بعد ذلك قائلاً: «أَنْتِ مِنْ صَالِحِي نِسَائِي» كما ورد حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، عَنْ عَمْرَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ…)، وفي لفظ آخر: «إنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ» كما ورد في حديث الكساء المروي عن أم سلمة (رض) من الطريق الثالث (الحسين بن الحكم الحبري الكوفي عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 238/2، حدثنا مخول بن مخول بن راشد الحناط، حدثنا عبد الجبار بن عباس الشِّبَامي، عن عمار الدُّهني، عن عمرة بنت أفعى، قالت: سمعت أم سلمة…).

ثانياً: حديث عائشة (رض):
عن عائشة أنها قالت: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2424) (1883/4)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (202/13)، من طريق زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، ثنا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رض)…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- زكريا بن أبي زائدة الْهَمدَانِي الْكُوفِي (خالد بن ميمون بن فيروز)، وهو مولى عَمْرو بْن عَبد الله الوادعي كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (359/9)، قال فيه أبو زرعة الرازي: "صويلح يدلس كثيرا عن الشعبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لين الحديث كان يدلس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (594/3).
2- مصعب بن شيبة، وهو ضعيف مُنكَر الحديث، قال فيه أحمد بن حنبل: "روى أحاديث مناكير" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "لا يحمدونه وليس بقوي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (305/8)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (35/6): "كان قليل الحديث" انتهى، وقال فيه النسائي: "منكر الحديث" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (162/10)، وقال فيه الدارقطني: "لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا بِالْحَافِظِ" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (123/3). وكذلك قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (196/4): "أحاديثه مناكير" انتهى، ومثَّل لبعضها فذكر منها حديث الكساء، بل جعل هذا الحديث من منكراته التي انفرد بها فقال: "والمرط المرحل لا يعرف إلا به" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (197/4).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (260/42 - 261) من طريق ابن طاوس، نا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا محمد بن مخلد، نا محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، نا أبو سفيان، نا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عمير بن جميع، قال: "دخلت مع أمي على عائشة، قالت: أخبريني كيف كان حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعلي؟ فقالت عائشة: كان أحب الرجال إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقد رأيته وما أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسنا وحسينا ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»، قالت: فذهبت لأدخل رأسي فدفعني، فقلت: يا رسول الله! أو لست من أهلك؟ قال: «إنك على خير إنك على خير»".
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة لكنه يدلس، حيث ترجم له ابن المِبْرَد في "بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم" (ص/165) وقال: "وقال في رواية مهنا: سألت أبا عبد الله عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: أو التدليس عيب هو؟ قال: نعم" انتهى، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/574): "ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي" انتهى.
2- عمير بن جميع، حيث لم أجد ترجمة لراوٍ بهذا الأسم، ويحتمل أن يكون جميع بن عمير بن عفاق التيمي الكوفي، والله أعلم.
وجميع بن عمير روى عن ابن عمر وعائشة، وروى عنه الأعمش والعوام بن حوشب. (انظر: "الكاشف" للذهبي 296/1).
وقد ضعف أكثر العلماء جميع بن عمير، حيث قال فيه البخاري: "فيه نظر" انتهى من "الكاشف" للذهبي (296/1) ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (218/1): "كَانَ رَافِضِيًّا يضع الْحَدِيث" انتهى، وقال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "هُوَ من أكذب النَّاس" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (174/1).
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن كثير قد أورد في "تفسيره" (368/6) حديث الكساء المروي عن عائشة (رض) من طريق آخر كالآتي:
"قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ يَعْنِي ابْنَ حَوْشَبٍ رضي الله عنه، عَنْ عَمٍّ لَهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ رضي الله عنها: تسألني عن رجل مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَتُهُ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وحسينا رضي الله عنهم، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ ثَوْبًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ: فدنوت منهم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بيتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تَنَحِّي فَإِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ»" انتهى.
ولم أجد لعم العوام بن حوشب ترجمة.

ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «نزلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ وَفِي عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحَسَنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ الله عَنْهُ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنِهَا: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (263/20)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (206/13)، وابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (204/7).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33]: "نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ".
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (384/3)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/3456) (380/3)، وفي "المعجم الصغير" (رقم/375) (231/1).
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا بَعْدَ مَا دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/8127) (111/8)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (2121/4).
وهذا الحديث بجميع ألفاظه قد روي من طريق عطية العوفي، وقد سبق بيان حال عطية العوفي.

رابعاً: حديث ابن عباس (رض):
عن ابن عباس أنه قال: "وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، فَقَالَ: «{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (180/5)، وأبو عاصم في "السنة" (602/2)، والنسائي في "السنن الكبرى" (417/7)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/12593) (97/12)، الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (143/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (101/42)، من طريق أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَلْجٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
2- أبو بلج الفزاري الكوفي، حيث قَالَ فيه البُخَارِيّ: "فِيهِ نظر" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (80/9)، وَقَالَ فيه أَحْمد بن حَنْبَل: "روى حَدِيثا مُنْكرا" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (196/3)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (113/3): "كَانَ مِمَّن يُخطئ" انتهى.

خامساً: حديث واثلة بن الأسقع (رض):
عن واثلة بن الأسقع أنه قال: "إني عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ جاءه علي وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»".
أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، وأحمد في "المسند" (195/28)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2670) (55/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (148/14)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (370/6)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (470/13)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (217/2)، من طريق الْأَوْزَاعِيِّ، ثنا أَبُو عَمَّارٍ شَدَّادٌ، قَالَ: قَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ…
ونلاحظ في سند هذا الحديث أن أبا عمار شداد بن عبد الله - وهو مولى معاوية بن أبي سفيان كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (226/4) - يروي عنه الأوزاعي.
والأوزاعي هو شيخ الإسلام وعالم أهل الشام كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (107/7).
وقد أثنى الكثير من علماء وفقهاء المسلمين على الأوزاعي. (انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي 107/7 - 134).
إلا أن كتب التراجم لم تخل من بعض الانتقادات لشخص الأوزاعي، فقد أورد الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (113/7) قول أحمد بن حنبل في الأوزاعي كالآتي:
"قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ: مَا تَقُوْلُ فِي مَالِكٍ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالأَوْزَاعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، وَرَأْيٌ ضَعِيْفٌ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ؟ قَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ. قُلْتُ: فَفُلاَنٌ؟ قَالَ: لاَ رَأْيٌ، وَلاَ حَدِيْثٌ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبري في "جامع البيان" (264/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/159) (65/22)، من طريق عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ…
وهذا الطريق فيه عبد السلام بن حرب، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه محمد بن عبد الله بن نمير: "كان عبد السلام يدلس" انتهى كما في "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (223/2)، وترجم له العقيلي في "الضعفاء الكبير" (69/3) وقال: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبِي: كُنَّا نُنْكِرُ مِنْ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْئًا، كَانَ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا إِلَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا" انتهى.
وفيه كلثوم بن زياد، وهو ضعيف، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (213/7): "سمعتُ ابن حماد يذكره عن أحمد بن شُعَيب النسائي أنه ضعيف" انتهى.
وأيضاً لهذا الحديث طريق آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/230) (95/22) من طريق أَحْمَدَ بْنِ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيِّ، ثنا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: "خَرَجْتُ أَنَا أُرِيدُ، عَلِيًّا فَقِيلَ لِي: هُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَمْتُ إِلَيْهِ فَأَجِدُهُمْ فِي حَظِيرَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ قَدْ جَمَعَهُمْ تَحْتَ ثَوْبٍ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَمَغْفِرَتَكَ ورِضْوَانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ»".
وهذا الطريق فيه يزيد بن ربيعة، وهو منكر الحديث، قال فيه أبو حاتم الرازي: "ضعيف الحديث، منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (261/9).

سادساً: حديث سعد بن أبي وقاص (رض):
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، فَأَدْخَلَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا تَحْتَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْلُ بَيْتِي»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والطبري في "جامع البيان" (266/20)، من طريق بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد…
وفي لفظ آخر: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا عَلَيْهِمُ السْلَامَ، فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»".
أخرجه النسائي في"السنن الكبرى" (410/7)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (235/2)، والخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (548/1 - 549)، من طريق بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ…
وهذا الحديث بكلا لفظيه في سنده بكير بن مسمار، وهو مولى سعد بن أبي وقاص كما قال المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (251/4)، قال فيه الذهبي في "المغني في الضعفاء" (115/1): "صَدُوق لينه ابْن حبَان البستي وَابْن حزم" انتهى، وقال فيه الذهبي أيضاً في "الكاشف" (276/1): "فيه شئ" انتهى، وقَالَ فيه الْبُخَارِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ بَعْضُ النَّظَرِ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (150/1).

سابعاً: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رض):
عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال: "لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي»، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ»، فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (159/3)، والبزار في "المسند" (210/6)، من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ…
وهذا الحديث في سنده علل:
1- عبد الرحمن بن شيبة، وقيل - انظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (261/17) -: عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة الحزامي مولاهم أبو بكر المدني، قال فيه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (385/1): "ليس بالمتين عندهم" انتهى، وذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (375/8) وقال: "رُبمَا خَالف" انتهى.
2- محمد بن إسماعيل بن مسلم بن دينار (محمد بن أبي فديك الديلي)، وهو مولى لبني الديل كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (503/5)، ذكره ابن حبان البستي في "الثقات" (42/9) وقال: "رُبمَا أَخطَأ" انتهى.
3- عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف الحديث، قال فيه يحيى بْن مَعِين: "ضعيف الحديث" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (481/5)، وَقَال فيه أَبُو حاتم الرازي: "ليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (218/5)، وَقَال فيه النَّسَائي: "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (90/2)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (260/5): "منكر الحديث" انتهى.

ثامناً: حديث البراء بن عازب (رض):
عن البراء بن عازب أنه قال: "دَخَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالحُسَين إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ، فَخَرَجَ النبي فقال بِرِدَائِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ عِتْرَتِي»".
أخرجه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (435/7) من طريق إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوْنُسَ، حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ عُمَر الْكَلاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، قال فيه يحيى بن معِين: "كَذَّاب سَاقِط، لَو كَانَ لي فرس ورمح كنت أغزوه" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (32/2)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/50): "لَيْسَ بِثِقَة" انتهى، وَقَالَ فيه البُخَارِيّ: "فيه نظر وكان قد عمي، فتلقن ما ليس من حديثه" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (496/4)، وَقَالَ فيه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "كان صدوقاً، وكان يُدلِّس ويُكثر ذاك - يعني التدليس" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (240/4)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (352/1): "يَأْتِي عَن الثِّقَات فِي المعضلات" انتهى.
2- محمد بن عمر بن صالح، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (432/7): "منكر الحديث عن ثقات الناس" انتهى.

• حديث أنس بن مالك (رض):
عن أنس بن مالك أنه قال: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»".
أخرجه أحمد في "المسند" (434/21)، والترمذي في "سننه" (رقم/3206)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/3)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (388/6)، والطبري في "جامع البيان" (263/20)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2671) (56/3)، والطيالسي في "المسند" (539/3)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (59/7)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/367)، الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (337/6)، من طريق حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ…
وهذا الحديث في سنده أكثر من علة:
1- حماد بن سلمة، وهو مولى لبني تميم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (208/7)، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (3/8): "كَثِيرُ الرِّوَايَةِ خَاصَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْنَدُ وَالْمَقْطُوعُ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَيُحَدِّثُ، عَن أَبِي وَائِلٍ وَعَنْ غَيْرِهِمَا بِحَدِيثٍ صَالِحٍ وَيَقَعُ فِي أَحَادِيثِهِ إِفْرَادَاتٌ وَغَرَائِبُ، وَهو مُتَمَاسِكٌ فِي الْحَدِيثِ لا بأس به" انتهى، وقال فيه أبو بكر البيهقي: "أَما حَمَّاد بن سَلمَة فَإِنَّهُ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين، حَتَّى قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا رَأَيْت الرجل يغمز حَمَّاد بن سَلمَة فاتهمه فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع، إِلَّا أَنه لما طعن فِي السن سَاءَ حفظه وَلذَلِك ترك البُخَارِيّ الِاحْتِجَاج بحَديثه" انتهى من "مختصر خلافيات البيهقي" لابن فرح اللخمي الإشبيلي (463/1).
2- علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث، حيث قال فيه يحيى بن معين: "عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (229/3)، وقال فيه يزيد بن رزيع العيشي: "لقد رأيت علي بْن زيد ولم أحمل عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ رافضيا" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (335/6)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "علي بن زيد بن جدعان ليس هو بالقوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (186/6).

• حديث أبي الحمراء (رض):
وهو يشبه حديث أنس بن مالك (رض)، ونصه كالآتي:
عن أبي الحمراء أنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِيءُ كُلَّ صَلاةٍ فَيَضَعُ يَدَهُ بِجَنْبَتَيِ الْبَابِ، قَالَ: أَمَّا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَدْ حَفِظْنَا، وَأَنَا أَشُكُّ فِي شَهْرَيْنِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ» مِرَارًا، ثُمَّ يَقُولُ: «الصَّلاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/ 33]»، قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (130/3)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (25/9 - 26)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2870/5)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/173)، وابن بشران في "الأمالي" (285/1)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (248/2)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (137/42)، والطبري في "جامع البيان" (264/20)، من طريق أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ…
وهذا الحديث في سنده نفيع بن الحارث أبو داود الأعمي الكوفي، وهو ليس بشيء، حيث ترجم له ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (327/8) وقال: "نفيع بْن الحارث السبيعي مولى لهم كوفي، يُكَنَّى أَبَا داود الأعمي. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِصْمَةَ، حَدَّثَنا أَحْمَد بْن أَبِي يَحْيى سَمِعْتُ يَحْيى بن مَعِين يقول أبو دَاوُد الأعمى نفيع ليس بشَيْءٍ" انتهى، وقال فيه ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (165/3): "كذبه قَتَادَة" انتهى، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/101): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى، وقال فيه الدَّارَقُطْنِيّ: "متروك الحديث" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (272/4)، وَقَالَ فيه أَبُو زرْعَة الرازي: "لم يكن بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (490/8)، وَقَالَ فيه ابْن حبَان البستي في "المجروحين" (55/3): "كَانَ مِمَّن يَرْوِي عَن الثِّقَات الْأَشْيَاء الموضوعات توهما لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (306/4): "مِمَّنْ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ" انتهى.
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (232/2) من طريق يَحْيَى بْنِ يَعْلَى الْأَعْشَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ…
وهذا الطريق فيه يونس بن خباب الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (224/3)، ترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (140/3) وقال: "كان رجل سوءٍ، غاليًا في الرفض، كان يزعم أن عثمان بن عفان قتل ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تحل الرواية عنه، لأنه كان داعية إلى مذهبه، ثم مع ذلك ينفرد بالمناكير التي يرويها عن الثقات، والأحاديث الصحاح التي يسرقها عن الأثبات، فيرويها عنهم. أخبرنا الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثنا عن يونس بن خباب بشيء قط. سمعت محمد بن محمود، يقول: سمعت الدارمي، يقول: قلت ليحيى بن معين: يونس بن خباب؟ قال: ضعيف" انتهى.

• حديث الحسن بن علي (رض):
عن الحسن بن علي أنه قال: "وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا".
وقد ورد حديث الحسن بن علي (رض) من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَقِيقِيُّ الْحَسَنِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (188/3).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
2- الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (أبو عبدالله الكوفي)، قال فيه علي بن المديني: "كَانَ فِيهِ ضعف وَيكْتب حَدِيثه" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/129)، وقال فيه يحيى بن معين - انظر: "التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي" (ص/146) -: "ليس بثقة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/3): "وَأَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، إِلا أَنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِ حديثه النكرة" انتهى.

الطريق الثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي جميلة أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (رض)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2761) (93/3).
ونلاحظ في هذا الطريق أن حصين بن عبد الرحمن السلمي - والذي يُعرف أيضاً بأبي الهذلي الكوفي - يروي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي)، ونحن لا نعلم لحصين بن عبد الرحمن السلمي سماعاً من أبي جميلة، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (7/3 - 8): "حصين بْن عَبْد الرَّحْمَن السلمي أبو الهذيل الكوفى، سَمِعَ عمارة بْن رُوِيَبة والشَّعْبِيّ، سَمِعَ منه الثوري وشُعْبَة وأَبُو عوانة" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (205/1 - 206) :"حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْهُذيْل السّلمِيّ الْكُوفِي وَكَانَ فِي آخر عمره ينزل فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْمُبَارك وَهُوَ وَالِد فضَالة وَأَخُوهُ مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن. سمع زيد بن وهب وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبا وَائِل وَعِكْرِمَة وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير. رَوَى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وزائدة وَأَبُو عوَانَة وهشيم وخَالِد بن عبد الله فِي الصَّلَاة وَغير مَوضِع" انتهى، وبالتالي رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أبي جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) منقطعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا جميلة (ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي) لم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (427/5).

الطريق الثالث: أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ قَالَ: نا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/2155) (336/2).
وهذا الطريق فيه علل:
1- أسماعيل بن أبان الكوفي الوراق، قال فيه البزار: "وإنما كان عيبه شدة تشيعه لا على أنه عير عليه في السماع" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (269/1)، وقال فيه الدارقطني: "قد أثنى عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدِي" انتهى من "سؤالات الحاكم للدارقطني" (رقم/278) (ص/183).
2- سلام بن أبي عمرة الخراساني، قَالَ فيه يحيى بن معين: "لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (7/2)، وَقَالَ فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (341/1): "يَرْوِي عَن الثِّقَات المقلوبات لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ" انتهى.
3- معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

• حديث زينب بنت أبي سلمة (رض):
عن زينب بنت أبي سلمة (رض) أنها قالت: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَفَاطِمَةَ، فَجَعَلَ الْحَسَنَ مِنْ شِقٍّ، وَالْحُسَيْنَ مِنْ شِقٍّ، وَفَاطِمَةَ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، وَأَنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ جَالِسَتَيْنِ، فَبَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَصَصْتَ هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتَنِي وابْنَتِي، فَقَالَ: «أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/713) (281/24)، وفي "المعجم الأوسط" (رقم/8141) (117/8)، من طريق ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ…
وهذا الحديث سنده ضعيف، فيه ابن لهيعة الذي سبق بيان حاله.

وهكذا بعد أن أخرجنا أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير، يمكننا الآن أن نرد على احتجاج الشيعة الأثنا عشرية بأحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص)، وذلك بقولنا أن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، حيث قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، ويؤيد قولنا هذا آية التطهير نفسها التي قد وردت فيها مفردة "أهل البيت" والتي قد نزلت - كما بينا سابقاً - في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، حيث إن هذه الآية قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنهن يسكنّ في بيت زوجهن النبي (ص)، ولهذا السبب لم يرد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) في آية التطهير؛ لأنهم لا يسكنون في بيت النبي (ص)، كما أن هناك آية قرآنية أخرى تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت" أيضاً، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، وقد سبق البيان أن المخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، والمعروف أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) تسكن في بيت زوجها إبراهيم (عليه السلام)، ولذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) من أهل بيته (عليه السلام).
وبهذا اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، نقول بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم غير داخلين في آية التطهير، أي أن آية التطهير لم تنزل فيهم، وبالتالي فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) جميعها تخالف المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، ولهذا لا يمكن الاحتجاج بهذه الأحاديث في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم من أهل بيت النبي (ص).

ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) المروية من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) جميعها في أسانيدها كلام يضعف الأحاديث نفسها كما بينا سابقاً، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن سند حديث زينب بنت أبي سلمة (رض) فيه كلام أيضاً، حيث سبق أن بينا ضعف هذا السند، وهذا يؤدي إلى تضعيف حديث زينب بنت أبي سلمة (رض)، والله أعلم.

قال ابن كثير في "تفسيره" (370/6) حول آية التطهير بعد أن ذكر الروايات المختلفة للأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني قد حاول - انظر: "مفاهيم القرآن" لجعفر السبحاني (134/10 -135) - أن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، وذلك بقوله بأن اللام في "أهل البيت" للعهد، ولا يمكن حمل اللام في "أهل البيت" على الجنس أو الاستغراق، وأنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة "أهل البيت"، وأن المراد من البيت في الآية هو البيت المعهود، وأن الآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وأن الكلام يقع في تعيين هذا البيت المعهود، وأن البيت المعهود هو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) وليس بيت أزواجه، وأنه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، وأن الآية لاختصت بواحده من بيوتهن لو أُريد واحداً منهم.
ونحن قبل أن نرد على قول جعفر السبحاني هذا يجب أن نبين المقصود من أل العهدية، فنقول - انظر: "جامع الدروس العربية" لمصطفى الغلاييني (147/1 - 148) -: إن ألْ العهديةُ هي إما أن تكون للعهد الذِّكريّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ "جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ" أي الضيف المذكور. ومنه قولُه تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا 15 فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ…} [المزمل/15 - 16]. وإما أن تكون للعهد الحُضوريّ وهو ما يكونُ مصحوبُها حاضراً، مثل "جئتُ اليومَ"، أي اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه. وإما أَن تكون للعهد الذهنيّ وهي ما يكونُ مصحوبُها معهوداً ذهِناً، فينصرفُ الفكرُ إليه بمجرَّدِ النُّطقِ به، مثل "حضرَ الأميرُ"، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول حضرَ الرجلُ"، أي الرجلُ المعهودُ ذِهناً بينك وبين من تخاطبه.
وقد أخرج المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني زوجات النبي (ص) من بيته لأن لهن بيوت وليس بيت واحد، والرد على هذه الشبه من عدة جهات:
1- أن المعهود الذهني في آية التطهير ليس البيت بل الأهل الذين يأهلون البيت، فالعرب لا تعدد البيوت ان ارتبطت بالأهل وكما هو معلوم فاللغة سمعية وليست عقلية فلا يقال أهل بيوت فلان عند الاشارة للأهل أما عند الاشارة للبيت فيقال بيوت فلان.
2- ليس المقصود ببيوت النبي (ص) المعنى الذي يفهمه المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني وبقية الرافضة، بل هي حجرات في بيت النبي (ص) لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات/4].
وكل ما يبات فيه يسمى بيتاً حتى الغرف التي بالبيوت تسمى عند العرب بيتاً لانه يبات فيها.
و"الْحُجْرَةُ" حظيرة الإبل ومنه حجرة الدار تقول احتجر حجرة أي اتخذها، والجمع "حُجَرٌ" كغرفة وغرف و"حُجُرَاتٌ" بضم الجيم. (انظر: "مختار الصحاح" لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي 67/1).
و"الْبَيْتُ" اسم لمسقف واحد وأصله من بيت الشعر أو الصوف سمي به لأنه يبات فيه. (انظر: "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي 55/1).
3- المقصود بالبيت في مفردة "أهل البيت" التي وردت في آية التطهير هو بيت النبي (ص) باتفاق الشيعة، حيث يقول الفضل بن الحسن الطبرسي - وهو من علماء الشيعة الإمامية - في "مجمع البيان" (156/8): "وقد اتفقت الأمة بأجمعها على أن المراد بأهل البيت في الآية أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم" انتهى.
إذن المقصود بيت النبي (ص) لا بيت علي (رض)، والمرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني - كما نرى - يحاول أن يحدد لفظ "البيت" ببيت علي (رض)، وهذا لا يصح؛ وذلك لأن النبي (ص) لا ينتمي لبيت علي (رض).
بالإضافة إلى ذلك، فإن بيوت نساء النبي (ص) هي بيوت النبي (ص)، مرة تضاف الى نساء النبي (ص) كقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن}، ومرة تضاف الى النبي (ص) كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي}، فأين نجد في كتاب الله أن بيت النبي (ص) هو بيت علي (رض)!!
وعليه، فإن محاولة المرجع الشيعي الأثنا عشري جعفر السبحاني لأن يحصر "أهل البيت" في آية التطهير بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) - غير مجدية.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة الأثنا عشرية قد قالوا - انظر: "الميزان في تفسير القرآن" للعلامة الطباطبائي (312/16 - 313) - أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة، وقالوا - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/25 - 27) - أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية، وقالوا - انظر: "موسوعة الأسئلة العقائدية" لمركز الأبحاث العقائدية (424/2) - أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير، والشيعة الأثنا عشرية قد قالوا هذه الأقوال بسبب أنهم يعتقدون أن آية التطهير قد نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً)، والصواب أن هذه الآية قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه ولم تنزل في علي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) كما بينا سابقاً، كما أن هذه الأقوال جميعها لا تصح، ونحن سوف نرد على هذه الأقوال كالآتي:
أولاً: الرد على القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة:
إن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة، والسبب هو: إن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] هو كقوله تعالى مخاطباً - انظر: "تفسير البغوي" (333/3 - 334) - الصحابة المؤمنين ممن شهد بدراً مع النبي (ص): {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال/11]، فإن إذهاب الرجس في آية التطهير وإذهاب رجز الشيطان في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما متشابهان؛ وذلك لأن "الرجس" و"الرجز" متقاربان في لغة العرب، حيث يقول محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في كتابه "مختار الصحاح" (ص/118): "«الرِّجْسُ» الْقَذَرُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس/100] إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ «الرِّجْزَ». قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا لُغَتَانِ أُبْدِلَتِ السِّينُ زَايًا كَمَا قِيلَ لِلْأَسَدِ الْأَزَدُ" انتهى، كما أن التطهير في آية التطهير والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال - كلاهما الشيء نفسه، ولذا فإذا كان إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير يدلان على العصمة كما قال الشيعة الأثنا عشرية فإن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال يدلان على العصمة أيضاً، والصواب أنه من المعروف أن الصحابة غير معصومين، وهذا يعني أن إذهاب رجز الشيطان والتطهير في الآية 11 من سورة الأنفال كلاهما لا يدلان على العصمة، وبهذا يكون إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما لا يدلان على العصمة أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، فإن معنى "الرجس" في آية التطهير هو - انظر "تفسير البغوي" (350/6) - الأثم وعمل الشيطان والسوء والشك، ويؤيد قولنا هذا تفسير جعفر الصادق لكلمة "الرجس" في آية التطهير على أنها - انظر: "معاني الأخبار" للصدوق (ص/138) - الشك؛ وذلك لأن "الرجس" يأتي بمعنى الإثم، الذنْب، القذر، الشك، الشيطان، الشرك وما شابهها من المعاني، فهو في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة/90] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (564/10 - 565) - أثم ونتن وسخط وشر، وفي قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام/145] بمعنى - انظر: "تفسير السعدي" (ص/277) - الخبث والنجس والمضر، وفي قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة/95] بمعنى - أنظر: "تفسير السعدي" (ص/348) - قذر خبثاء، وفي قوله تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف/71] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (522/12) - السخط، وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام/125] بمعنى - انظر: "جامع البيان" للطبري (111/12) - كل ما لا خير فيه والعذاب والشيطان والنجس، يقول الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" (ص/342): "الرِّجْسُ: الشيء القذر، يقال: رجل رجس، ورجال أَرْجَاسٌ. قال تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة/90]، والرِّجْسُ يكون على أربعة أوجه: إمّا من حيث الطّبع، وإمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الشرع، وإمّا من كلّ ذلك كالميتة، فإنّ الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا، والرِّجْسُ من جهة الشّرع: الخمر والميسر، وقيل: إنّ ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبّه بقوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة/219] ، لأنّ كلّ ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه، وجعل الكافرين رجسا من حيث إنّ الشّرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة/125]، وقوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس/100]، قيل: الرِّجْسُ: النّتن، وقيل: العذاب، وذلك كقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة/28]، وقال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام/145]، وذلك من حيث الشرع، وقيل: رِجْسٌ ورجز للصّوت الشديد، وبعير رَجَّاسٌ: شديد الهدير، وغمام رَاجِسٌ ورَجَّاسٌ: شديد الرّعد" انتهى، وفي ضوء هذا نقول - انظر: "آية التطهير وعلاقته بعصمه الأئمة" لعبد الهادي الحسيني (ص/5) -: إن إطلاق لفظ "الرجس" على الخطأ في الاجتهاد لا يعرف من لغة القرآن التي هي لباب لغة العرب، فلم يختلف الفقهاء في نجاسة الخمر وإنما اختلفوا في كون النجاسة هل هي معنوية أم حسية؟ لأنها وصفت في الآية 90 من سورة المائدة بالرجس وما ذاك إلا لأنهم فهموا من وصف الله تعالى لها وللأنصاب والأزلام والميسر بلفظ الرجس إنه القذر والنتن والنجاسة ومن قال بنجاستها المعنوية قال هي كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة/28]، والخطأ في الاجتهاد لايمكن أن يوصف بأنه قذر أو نجاسة أو نتن لذلك فهو ليس برجس، فمن قال بأن آية التطهير نص في التنزيه من الخطأ فقد جاء بما لايعرف من لغة العرب، وإذن فالآية لاتنهض حجة على العصمة من الخطأ، بل سقط الاحتجاج بها كلياً لأن العصمة لا تتجزأ فإذا لم يكن من وصف بالعصمة معصوماً من الخطأ فهو ليس معصوماً من الذنب لأنهما متلازمان.
كما أن معنى التطهير في آية التطهير هو التنزه عن الفواحش، وهو استخدام شائع في القرآن الكريم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة/103]، وما من أحد يقول بأنها قصدت بالتطهير هنا العصمة بل التنزه من الفواحش. (انظر: "أرشيف ملتقى أهل الحديث - 1" 133/120).
وعليه، فلا يمكن القول أن إذهاب الرجس والتطهير في آية التطهير كلاهما يدلان على العصمة.

ثانياً: الرد على القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية وليست إرادة تشريعية:
إن إرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية قدرية، وهي التي بمعنى المشيئة، وضابط هذا القسم أمران:
1- أنها لابد أن تقع.
2- أنها قد تكون مما يحبه الله تعالى، وقد تكون مما لا يحبه الله.
ومثال هذا القسم: قوله تعالى عن نوح (عليه السلام): {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود/34].
القسم الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي التي بمعنى المحبة. وضابط هذا القسم أمران أيضاً:
1- أنها قد تقع وقد لا تقع.
2- أنها لا تكون إلا مما يحبه الله تعالى ويرضاه.
ومثال هذا القسم قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء/27].
وانظر موقع "إسلام ويب" الذي في أحد فتاويه يتكلم عن أنواع إرادة الله والفرق بينهما، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/fatwa/18046/
وفي ضوء هذا نقول: إن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم إرادةٌ تشريعيةٌ وقانونيةٌ. وكمبدأ، منشأُ أوامر الله للبشر التي جاءت في القرآن إرادةُ الله التشريعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكلام في آيات سورة الأحزاب - بدءاً من الآية 28 فما بعد - هو عن التكليف المحض: كأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقرار في البيوت وعدم التبرُّج و… الخ، وهي أوامر ناشئة عن إرادة الله التشريعية لا إرادته التكوينية. كما أن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم التي ذكرها في قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب/33] تماثِل إرادته تعالى التي ذكرها في الآية 6 من سورة المائدة عندما خاطب جميع المؤمنين - ومن جملتهم النبي وعلي وفاطمة - بقوله: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ…} [المائدة/6]. فالآية الأخيرة نصها هو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ… مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ…} [المائدة/6]، أي أن الله تعالى يريد أن يطهركم بإرادتكم واختياركم. كما أن إرادة المكلف واختياره شرطان من شروط تحقق المُراد في الإرادة التشريعية، والأمر ذاته ينطبق على الآية 185 من سورة البقرة والآيات 26 و27 و28 من سورة النساء التي جاء الكلام فيها عن التكاليف وأوامر الله ونواهيه، فإرادة الله في هذه الآيات أيضاً ليست إرادة تكوينية تكون إرادة الحق فيها العلّة الوحيدة والتامّة لتحقّق المراد، ويتحقَّق مراد الله فيها حتماً، أي ليست كإرادته تعالى التكوينية التي أشار إليها بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس/82]. فلو كانت طهارة أهل البيت معلولة لإرادة الله التكوينية التي لا تتخلَّف فإنه لن يكون في مثل هذه الطهارة أي فضيلة، لأن كل شجر وحجر لا يملك تكوينياً القدرة على تخطي أمر الله والتخلف عنه يكون معصوماً ومطهَّراً أيضاً! وأساساً، لا يمكن للأشخاص المطهّرين والمبرَّئين من كلّ رجس وإثم بإرادة الله التكوينية أن يكونوا أسوةً للمؤمنين وقدوةً لهم. إذ عرفنا ذلك نقول بأن الله تعالى أراد أن يطهر جميع الناس وأراد منهم جميعاً أن يجتنبوا الرجس ولكنه أراد في سورة الأحزاب تطهير أهل بيت رسول الله (ص) وإذهاب الرجس عنهم بشكل خاص وذلك لأن لأهل بيتِ كلِّ إنسان ارتباط خاص به كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم/6]، وأهل بيت النبي (ص) مرتبطون به بالطبع، واعتبارهم وحيثيتهم وماء وجههم من اعتبار وحيثية رسول الله (ص)، وعيون الناس متَّجهة إليهم بشكل خاص ويتأثرون بسلوكهم أكثر من تأثرهم بسلوك الآخرين، ولذلك فإن ما يطلبه الله منهم، والتكاليف التي يريد منهم القيام بها أكثر تأكيداً، وذكرها أوجب وأهم، لذا نجد أنه تعالى خاطب أهل بيت النبي (ص) في الآيتين 30 و31 من سورة الأحزاب بقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب/30 - 31]. ومن الواضح أن الإرادة الإلهية في هذه الحالة ليست إرادةً تكوينيةً وأن عصمة أهل البيت ليست عصمة تكوينية، بل أراد الله من نساء النبيّ أن يَقُمْنَ هُنَّ أنفسُهنَّ بتطهير أنفسهنّ من خلال اجتناب الأعمال غير الطاهرة واكتساب الطهارة الجسمية والروحية والأخلاقية، ليكُنَّ أسوة لسائر الناس ويحافظنَ على حيثية النبي (ص) واعتباره بين الناس. وهذا لا يمنع أن الله أراد - بلا ريب - الطهارةَ الجسميةَ والروحيةَ لكل مكلف وأراد من كل مكلف أن يجتنب الرجس والآثام، مع فارق أن إرادة الله طهارةَ من كانت تُتلى آياتُ الوحي في بيوتهم أوَّلاً، أي أهل بيت الرسول (ص)، أوكَد وأشدّ. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 615/2 - 616).
بالإضافة إلى ذلك، فإن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل. ومع ذلك فقد أجاب الشيعة الأثنا عشرية عن هذا الإشكال بقولهم - انظر: "آية التطهير" للسيد علي الحسيني الميلاني (ص/27 - 28) - أن إرادة الله التكوينية في آية التطهير لا تعتبر جبراً ولا تفويضاً، بل هي أمر بين الامرين، وأن الله سبحانه وتعالى لما علم أن هؤلاء لا يفعلون إلا ما يؤمرون، وليست أفعالهم إلا مطابقةً للتشريعات الالهية من الافعال والتروك، جاز له سبحانه وتعالى أن ينسب إلى نفسه إرادة إذهاب الرجس عنهم. والحال أن هذا الجواب إن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليف الأئمة (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعيّة، فلما علم الله أن أفعالهم وتروكهم ستكون مطابقةً للتشريعات الالهية، وأنّهم لا يريدون لأنفسهم إلا الطاعة والعبودية حوّلها تعالى من ولاية تشريعية إلى ولاية تكوينية، فتعلقت إرادته التكوينية بهم وطهّرهم من كلّ رجس - فإنه لا ينفي إشكالية الجبر بل يرسّخها ويظل الإشكال قائماً، وإن كان المراد منه هو: إن الولاية المرتبطة بتكليفهم (رضي الله عنهم جميعاً) هي ولاية تشريعية، فلما علم الله منهم طاعتهم المطلقة عبّر عن هذه الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية تعبيراً مجازياً أو نسبها إلى نفسه بالإرادة التكوينية نسبةً مجازية - فإنه أيضاً لا ينفي إشكالية الجبر بل لا علاقة له بأصل الإشكال؛ وذلك لأن التعبير المجازي عن الشيء لا يُغيّر من حقيقته فإن كانت الولاية تشريعية بقيت كما هي والتعبير عنها بالتكوينية مجازاً لا يحولها إلى تكوينية حقيقة. وعليه، فإن جواب الشيعة الأثنا عشرية عن الإشكال في أن القول أن إرادة الله في آية التطهير هي إرادة تكوينية يعني الالتزام بمنطق الجبر الباطل - يُعتبر جواباً خاطئاً.

ثالثاً: الرد على القول أن أداة الحصر "إِنَّمَا" في آية التطهير تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير:
إن "إِنَّمَا" رغم كونها من أدوات الحصر لكن المحصور بها ليسوا الأفراد، بل المقصود من "إِنَّمَا" انحصار الهدف من الأمر والنهي، في هدف واحد ونفي الأهداف والمقاصد الأخرى. في الحقيقة إن الآية تريد القول أنه ليس الهدف من هذه الأوامر والنواهي الإلـهية إلا إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم. وبعبارة أخرى فإن الله تعالى يقول لا أريد من أمركم ونهيكم إلا تطهيركم، لا أنه يريد أن يقول: إني أريد أن أطهركم أنتم فقط دون الآخرين؛ لأن الله تعالى صرح في آية أخرى (المائدة/6) أنه يريد طهارة جميع المكلفين! وأيضاً لو كانت طهارة شخص معلولة لإرادة الله التكوينية فإن مثل هذه الطهارة - كما ذكرنا - ليس فيها أي فضل لصاحبها، ولا يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون أسوةً للذين لم يُطَهِّرْهم الله تكوينياً. (انظر: "عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول" لآية الله العظمى السيد أبي الفضل البرقعي القمي 618/2).

الحاصل: إن آية التطهير قد نزلت في زوجات النبي (ص) بالإضافة إلى النبي (ص) نفسه، وأما أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) التي تدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير - فجميعها فيها نظر؛ وذلك لأن هذه الأحاديث تخالف - كما بينا سابقاً - المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، حيث سبق أن بينا المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت"، وقلنا - اعتماداً على المفهوم اللغوي والقرآني لمفردة "أهل البيت" - بأن أهل بيت النبي (ص) هم النبي (ص) نفسه وزوجاته (ص) ولا يشمل أقرباءه (ص)، كما أن هذه الأحاديث جميعها في أسانيدها - كما بينا سابقاً - كلام يضعف الأحاديث نفسها، ولهذا لا يمكن الاعتماد على أحاديث الكساء وأنس بن مالك (رض) وأبي الحمراء (رض) والحسن بن علي (رض) وزينب بنت أبي سلمة (رض) في القول أن علياً وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم جميعاً) هم داخلون في آية التطهير.

………………………………………………………
 
اسمك :  
نص التعليق :