آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 06:01:38 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مصطفى بن محمد ..

أصول وتاريخ الفرق الإسـلامية
 
جمع وترتيب
مصطفى بن محمد بن مصطفى
1424 هـ - 2003 م
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 
         إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فى هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
        ]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[([1])، ]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً[([2])، ]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً[([3]).
         فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد e، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار.
         أما بعد ...
         فقد بعث الله تعالى محمداً e برسالته الخاتمة إلى العالمين، فختم به الرسل، وختم برسالته الرسالات، فبلّغ رسول الله الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجمع الكلمة، وبيّن للناس دين الله القويم، وصراطه المستقيم، فآمن به واتبعه من وفقهم الله تعالى فنالوا سعادة الدارين، وتنكب طريقه أهل الضلالة فباءوا بشقاوة الدارين، ولقى رسول الله e ربه، وأمة الإسلام متحدة الكلمة، مجتمعة الرأى، راسخة البناء، شرعها كتاب الله وسنة رسوله، وشعارها لا إله إلا الله محمد رسول الله.
         ولقد ظلت الأمة على عهد رسول الله e وقدر غير قليل من عهد أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين مجتمعة على كلمة سواء تعتصم بحبل الله من نوازع التفرق، ودواعى التشتت ملتزمة قول الله تعالى ]إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون[([4])، محققة قول الله سبحانه فى وصفها: ]كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون[([5]).
         ثم ما لبث المسلمون أن اتبعوا سنن من قبلهم، وساروا على درب الأمم التى مضت كما أخبر رسول الله e (لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم) رواه البخارى وغيره، فتفرقوا واختلفوا وأصبحوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون، وصدق فيهم قول النَّبى e (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة) رواه أبو داود من حديث أبى هريرة([6]).
         وكان هذا التفرق نتيجة عوامل كثيرة نبينها فى هذا الكتاب بحول الله تعالى، كما سنبين بعون الله سبحانه أهم الفرق ومبادئ كل فرقه، ونبين مواطن الخطأ والصواب([7]).
لماذا ندرس أصول وتاريخ الفرق الإسلامية ؟
        يقول محمد العبدة: "وقد يظن البعض أن الحديث عن فرقة بادت -أو كادت- ترف عقلى، أو رياضة فكرية، تنبئ عن ملء حيز من الفراغ فى الوقت والفكر جميعاً، وقد يذهب هذا البعض مذهباً أكثر إيغالاً فى العجب من أولئك الذين يجهدون أنفسهم فى نشر أفكار قد درست، وصحائف قد طويت، وسير قد انقضت، وخاصة والأمر يتعلق بأفكار هى فى الأصح الأغلب دخيلة على الإسلام، مقتاتة على منهجه، هدامة لأصوله ثم لفروعه".
         وإننا لنود أن نقف مع أولئك وقفة نستجلى فيها وجه الحق فيما يبدو إثارته، فإننا نرى أن فهم الدافع إلى كتابة بحث من الأبحاث وتبيينه شافياً معين للقارئ والكاتب معاً على الخوض فى الموضوع بقلم لا يتردد فى نشر ما طوى، أو إظهار ما خفى، وبعقل واع متفهم لما قد يجده من غرائب ينبو عنها الحس الإسلامى السليم، وبقلب عامر بالرغبة فى الوصول إلى الهدف وإحقاق الحق.
         إن إعادة الحديث عن مذاهب مضت، وبيان ما فيها من بطلان وإظهار عوارها هو منهج مستمد من كتاب الله تعالى، فلقد قص علينا القرآن الكريم نبأ قوم لوط وقوم صالح وقوم هود، وما كان من غرور بنى إسرائيل فى دينهم والتوائهم فى عقيدتهم، مقارعاً لهم الحجة بالحجة مفندًا أباطيلهم بعد ذكرها كما قالوها دون حذف أو تبديل، فالحكم فى هذا الصدد هو الغاية التى يهدف إليها من وراء البيان، إن كانت للاعتبار من أحداثها والحذر من أفكارها فإن فى ذلك الفضل كل الفضل، أما إن كانت الأخرى، فهو الفساد وإشاعة الفاحشة لهدم العقول وإماتة القلوب هذه واحدة.
         والأخرى: أن الأفكار لا تموت بموت أصحابها، فالفكر نتاج عقلى إنسانى أقرب فى مادته إلى الروح منه إلى الجسد، وحياته أطول أمداً من حياة أصحابه، وبقاؤه مرهون بقوة إشعاعه -حقاً كان أو باطلاً- ثم هى كالجرثومة التى تنتقل عدواها فتصيب الناس بمثل ما أصابت به صاحبها. تلك هى طبيعة الفكر ونتاج العقل، فلا بد من استيعاب تلك الخصيصة التى ثبتت بالاستقراء من خلال تاريخ الفكر الإنسانى عامة.
         ثم ثالثة ... وهى أنك إذا تأملت ما تحصل للبشر من أفكار على امتداد الزمان والمكان، فإنك واجدٌ تشابهاً كبيراً فيما بينهم وستعجب من هذا التشابه، وكأنه مستمد بعضه من بعض.
         ولا شك أن طوائف من تلك الأفكار قد استفادت من بعضها وما ذلك إلا نتيجة استعداد العقل وتوجهاته الأصلية وقوالبه الفكرية والنفسية والأولية التى ركبها الله فيه، فينتج له مع معطيات التفاعل الاجتماعى والنفسى أفكاراً تتشابه فى أصولها إلى حد كبير([8]). أهـ.
بيان العقائد الفاسدة من مطالب الدعوة إلى الله تعالى:
         يقول الدكتور ناصر العقل: واعلم أن حماية الدين والعقيدة والشريعة والدفاع عنها وبيان ما يخالفها من مطالب الدعوة إلى الله تعالى، فالدعوة إلى الله تعالى تتضمن غايتين لا تصح الدعوة إلا بهما وهما ركناها:
        الركن الأول: تقرير الدين والعقيدة والشريعة وتعلمها وتعليمها ونشرها والعمل بها.
         والركن الثانى: حماية الدين والعقيدة والشريعة والدفاع عنها وبيان ما يخالفها، وكل ذلك منهج القرآن وعليه عمل النبى e وأصحابه وأئمة السلف وهو سبيل المؤمنين.
         فإن التصدى لأهل البدع والأهواء والافتراق من سنن الهدى ومن مطالب الدين وغاياته، ومن أبواب الجهاد، وأعلى درجات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفق غايات الدعوة ومقاصدها.
         وكما قال الشيخ بكر أبو زيد -حفظه الله- فى "الرد على المخالف من أصول الإسلام" وهو عنوان كتاب له:
         أما إنه من أبواب الجهاد لحديث أنس أن النبى e قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)([9]).
         والجهاد بالقلم فرع من الجهاد باللسان، بل هو أبلغ وأعم فائدة.
         ومن هذا المنطلق، وبناء على هذا التصور شرعت مستعيناً بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله فى الكتابة عن الأهواء والافتراق والبدع، ونشأتها وأصولها ومصادرها ورؤوسها ومناهجها وسماتها ومواقف السلف منها، مع الوقوف عند مواطن العبر واستجلاء الفوائد والتركيز على جانب التحذير من مسالك أهل الأهواء عند العرض، وكشف فسادها وزيفها وعوارها، ومع الحرص على عدم التعمق فى تفاصيل المقالات والشبهات، إلا عند الضرورة، والاقتصار على الإجمال وبيان الأصول والمناهج والشواهد على جهة العموم، خوفاً من تلوث القارئ بشبهات القوم كما هو منهج السلف حيث كانوا يعرضون مقولات الأهواء إجمالاً ويردونها تفصيلاً([10]).
         ولا بد لدارس أحوال الماضين وأوضاع السابقين أن يلمّ إلماماً واسعاً بذلك الرصيد الذى جمع فأوعى، جمع مآثر الأولين وأخطاءهم، وتلك حصيلة ممتازة وعبرة مستفادة، جديرة بتصحيح مسار الحياة.
         ومما يجدر ذكره أن أهم شىء يحث عليه القرآن، ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل هو تصحيح العقائد وتغيير المجتمعات، فلهذا كان الإلحاح فى القرآن لينظر الناس إلى سنن الذين خلوا من قبل وهى التى على أساسها ترتفع وتنخفض المجتمعات، وعلى أساسها يكافئ الله ويعاقب، وعلى البشر أن يتفهموا هذه السنن حتى ينالوا رحمة الله ويبتعدوا عن انتقامه ... وفى هذا يقول تعالى ]وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين[([11])([12]).
 



أول شبهة وقعت فى الملة الإسلامية
         كانت شبهة إبليس لعنه الله- هى أول شبهة وقعت فى الخليقة، وكان مصدرها استبداده بالرأى فى مقابلة النص، واختياره الهوى فى معارضته الأمر، واستكباره بالمادة التى خلق منها وهى النار- على مادة آدم عليه السلام وهى الطين([13]).
         وقد انشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات وسرت فى الخليقة، وسرت فى أَذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة فى شرح الأناجيل الأَربعة، ومذكورة فى التوراة متفرقة على شكل مناظرات بين إِبليس وبين الملائكة، بعد الأَمر بالسجود والامتناع عنه. والمعلوم أن كل الشبهات الناشئة هى من شبهات اللعين إبليس.
         وجاءَ فى التنزيل فى قوله تعالى: ]وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ[([14]).
         وشبَّه النبى e كل فرقة ضالة من هذه الأُمة بأُمة ضالة من الأُمم السالفة فقال: (الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذِهِ الأُمَّةِ إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم)([15]). وقال: (والمشبهة يهود هذه الأمة والروافض نصاراها). وقال e جملة: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذَّةِ بالقذة -ريش السهم- حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)([16]).
         وهكذا يمكن أن نقرر فى زمان كل نبى، ودور صاحب كل ملّة وشريعة أن شبهات أمته فى آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفى علينا ذلك فى الأمم السابقة لتمادى الزمان، فلم يخف فى هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقى زمن النبى عليه الصلاة والسلام، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى. وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.
         اعتبر حديث ذى الخويصرة التميمى إذ قال: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل. حتى قال عليه الصلاة والسلام: "إن لم أعدل فمن يعدل؟!" فعاد اللعين وقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. وذلك خروج صريح على النبى عليه الصلاة والسلام. وقد صار من اعترض على الإمام المحق خارجياً، فمن اعترض على الرسول، أحق بأن يكون خارجياً، أو ليس ذلك قولاً بتحسين العقل وتقبيحه؟. وحكماً بالهوى فى مقابلة النص، واستكباراً على الأمر بقياس العقل؟. حتى قال عليه الصلاة والسلام: (سيخرج من ضئضىء هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)([17]).
         واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا: ]هل لنا من الأمر من شىء[([18]). وقولهم: ]لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ههنا[([19]) وقولهم: ]لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا[([20]).
         فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟. وقول طائفة من المشركين: ]لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء[([21]). وقول طائفة: ]أنطعم من لو يشاء الله أطعمه[([22]) فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟.
         واعتبر حال طائفة أخرى جادلوا فى ذات الله، تفكراً فى جلاله، وتصرفاً فى أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: ]ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون فى الله وهو شديد المحال[([23]).
         فهذا ما كان فى زمانه عليه الصلاة والسلام وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه، والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض فى كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور وظهرت منها الشبهات كالزروع.
         وأما الاختلافات الواقعة فى حال مرضه عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته بين الصحابة رضى الله عنهم، فهى اختلافات اجتهادية كما قال العلماء، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين ... وتعميماً للفائدة نذكر بعض الخلافات الاجتهادية التى وقعت بين أصحاب النبى e وهى خلافات ما كانت فى العقيدة ولا فى صلب الإسلام، إنما كانت خلافات سياسية أو إن شئت فقل إدارية.
فأول تنازع:
         وقع فى مرض الرسول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى بإسناده عن عبد الله بن عباس رضى الله عنه قال: لما اشتد بالنبى e مرضه الذى مات فيه قال: (إِئْتُونى بِدَوَاةٍ وقِرْطَاسٍ أكتبْ لكم كتاباً لا تضلوا بعدى)، فقال عمر رضى الله عنه: إن رسول الله e قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط، فقال النبى e: (قوموا عنِّى لا ينبغى عندى التنازع). قال ابن عباس: الرَّزيّة كل الرَّزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله e.
الخلاف الثانى:
         فى مرضه e أنه قال: (جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه)، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة-، وقال قوم: قد اشتد مرض النبى عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أى شىء يكون من أمره.
         وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة فى أمر الدين، وليس كذلك، وإنما كان الغرض كله إقامة مراسم الشرع فى حال تزلزل القلوب، وتسكين ثائرة الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور([24]).
الخلاف الثالث:
         فى موته عليه الصلاة والسلام، قال عمر بن الخطاب: من قال أن محمداً قد مات قتلته بسيفى هذا، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام. وقال أبو بكر بن أبى قحافة رضى الله عنه: من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لم يمت ولن يموت. وقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ]وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين[([25]).
         فرجع القوم إلى قوله، وقال عمر رضى الله عنه: كأنى ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر.
الخلاف الرابع:
         فى موضع دفنه عليه السلام، أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئُ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته، ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء، ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روى عنه عليه الصلاة والسلام: (الأنبياء يدفنون حيث يموتون)([26]).
الخلاف الخامس:
         فى الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلّ سيف فى الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة فى كل زمان، وقد سهل الله تعالى فى الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصارى، فاستدركه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما فى الحال، بأن حضرا سقيفة بنى ساعدة وقال عمر: كنت أُزوِّر([27]) فى نفسى كلاماً فى الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه([28]) يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره فى نفسى كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدى إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة، إلا أن بيعة أبى بكر كانت فلتة([29]) وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فإنها تغرةً([30]) يجب أن يقتلا.
         وإنما سكنت الأنصار عن دعواهم لرواية أبى بكر عن النبى عليه الصلاة والسلام: (الأئمة من قريش). وهذه البيعة هى التى جرت فى السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال([31]) الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بنى هاشم وأبى سفيان من بنى أمية، وأمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، كان مشغولاً بما أمره النبى e من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
الخلاف السادس:
         فى أمر فدك([32]) والتوارث عن النبى عليه الصلاة والسلام، ودعوى فاطمة عليها السلام وراثة تارة وتمليكاً أُخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبى عليه الصلاة والسلام (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة).
الخلاف السابع:
         فى قتال مانعى الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة. وقال قوم: بل نقاتلهم. حتى قال أبو بكر رضى الله عنه: لو منعونى عقالاً مما أعطوا رسول الله e لقاتلتهم عليه. ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر رضى الله عنه فى أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم وإطلاق المحبوسين منهم والإفراج عن أسرهم.
الخلاف الثامن:
         فى تخصيص([33]) أبى بكر عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظاً غليظاً. وارتفع الخلاف بقول أبى بكر: لو سألنى ربى يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم.
         وقد وقع فى زمانه اختلافات كثيرة فى مسائل ميراث الجد والأخوة والكلالة([34]) وفى عَقْلِ([35]) الأصابع وديات الأسنان، وحدود بعض الجرائم التى لم يرد فيها نص. وإنما أهم أمورهم: الاشتغال بقتال الروم، وغزو العجم، وفتح الله تعالى الفتوح على المسلمين، وكثرت السبايا والغنائم، وكانوا كلهم يصدرون عن رأى عمر رضى الله عنه، وانتشرت الدعوة وظهرت الكلمة، ودانت العرب، ولانت العجم.
الخلاف التاسع:
         فى أمر الشورى واختلاف الآراء فيها، واتفقوا كلهم على بيعة عثمان رضى الله عنه، وانتظم الأمر واستمرت الدعوة فى زمانه وكثرت الفتوح وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق وعاملهم بأبسط يد، غير أن أقاربه من بنى أمية قد ركبوا نُهابر([36]) فركبته، وجاروا فجير عليه ووقعت فى زمنه اختلافات كثيرة، وأخذوا عليه أحداثاً كلها محالة([37]) على بنى أمية. منها:
-   رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله e وكان يسمى طريد رسول الله، وبعد أن تشفع أبا بكر وعمر رضى الله عنهما أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً.
-   ومنها نفيه أبا ذر إلى الرَّبذة([38])، وتزويجه مروان بن الحكم بنته، وتسليمه خمس غنائم إفريقية له وقد بلغت مائتى ألف دينار.
-   ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبى سرح وكان رضيعه- بعد أن أهدر النبى عليه الصلاة والسلام دمه، وتوليته إياه مصر بأعمالها وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث، إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أُمراءُ جنوده: معاوية بن أبى سفيان عامل الشام. وسعد بن أبى وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبى السرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه وقُتِلَ مظلوماً فى داره، وثارت الفتنة من الظلم الذى جرى عليه ولم تسكن بعد.
الخلاف العاشر:
         فى زمان أمير المؤمنين على رضى الله عنه بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له.
         فأوله: خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة ثم نصب القتال معه. ويعرف ذلك بحرب الجمل، والحق أنهما رجعا وتابا، إذ ذكرهما أمراً فتذكراه. فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو فى النار لقول النبى e: (بشِّر قاتِلَ ابن صفيَّةَ بالنَّار)([39])، وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض([40]) فخر ميتاً.
         وأما عائشة رضى الله عنها فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت.
         والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومخالفةُ الخوارج، وحملُهُ على التحكيم، ومغادرةُ عمرو بن العاص أبا موسى الأشعرى، وبقاءُ الخلاف إلى وقت وفاته مشهور.
         وكذلك الخلاف بينه وبين الشُراة([41]) المارقين بالنهروان([42]) عقداً وقولاً ونصب القتال معه فعلاً ظاهراً معروفاً، وبالجملة كان على رضى الله عنه مع الحق والحق معه، وظهر فى زمانه الخوارج عليه مثل الأشعث بن قيس، ومسعود بن مذكى التميمى، وزيد بن حصين الطائى وغيرهم، وكذلك ظهر فى زمانه الغلاة فى حقه مثل عبد الله بن سبأٍ وجماعة معه، ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدق فيه قول النبى e: (يهلكُ فيه اثنان: مُحبٌّ غالٍ ومُبْغِضٌ قَالٍ)([43]).
 

تعريف الافتراق والأهواء والبدع([44])
أولا: الافتراق تعريفه:
الافتراق فى اللغــة: خلاف الاجتماع قال الله تعالى: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([45]).
         "والتَّفرُّق والافتراق سواء. ومنهم من يجعل التفرق للأبدان، والافتراق فى الكلام، يقال: فرقت بين الكلامين فافترقا، وفرَّقتُ بين الرجلين فتفرقا"([46]).
الافتراق فى الاصطلاح:
         الافتراق فى الشرع يطلق على أمور:
        1. التفرق فى الدين، والاختلاف فيه، ومن ذلك قوله تعالى: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[. وقوله، e: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو ثنتين وسبعين فرقة..) الحديث([47])، وهو الاختلاف فى الأصول، واختلاف التضاد المؤدى إلى التنازع فى الدين والخروج عن السنة.
         2. الافتراق عن جماعة المسلمين، فى أمر يقتضى الخروج عن أصولهم فى الاعتقاد أو الشذوذ عنهم فى المناهج، أو الخروج على أئمتهم، أو استحلال السيف فيهم، فهو مفارق. ومنه قوله e: (من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)([48]). ولفظ مسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية، ومن قُتِلَ تحت راية عمية، يغضب للعصبية، ويقاتل للعصبية فليس من أمتى، ومن خرج من أمتى على أمتى، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفى بذى عهدها فليس منى)([49]).
         وقد ذكر أصنافاً من المفارقين الخارجين وهم:
1.     المفارقون للجماعة.
2.     والخارجون من الطاعة.
3.     والخارجون على الأمة بالسيف.
4. والمقاتلون تحت راية عمية وهو الأمر الأعمى الذى لا يستبين وجهه، ومنه قتال العصبية، وقتال الفتنة، ومنه القوميات والشعارات والقبليات، والحزبيات ونحوها. كل ذلك داخل فى المفارقة والأهواء.
 
         وكل هذه الأصناف وجدت فى أهل الافتراق والأهواء والفرق المتفرقة المفارقة.
والتعريف الشامل للافتراق:
         هو الخروج عن السنة والجماعة فى أصل أو أكثر من أصول الدين الاعتقادية منها أو العملية أو المتعلقة بالمصالح العظمى للأمة، ومنه الخروج على أئمة المسلمين وجماعتهم بالسيف.
وأهل الافتراق:
         هم الفرقة المفترقة عن طريق السنة والجماعة المباينة لنهج السلف الصالح، وهم: أصحاب السيف، الخارجون على أئمة المسلمين، ومنهم أهل الجدل والخصومات فى الدين، وأهل الكلام، وأصحاب البدع والمحدثات فى الدين، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم.
         وفى العصور المتأخرة ظهرت أهواء حادثة، كأصحاب الاتجاهات الحديثة المنحرفة، كالقومية، والبعثية، والعلمانية، فهم كلهم فى سبيل الفرقة، بل غالبهم فى سبيل الردة والخروج من الملة.
         وأهل الافتراق والأهواء كلهم أصحاب بدع، اعتقادية كانت أو قولية أو عملية، أو أحدها أو كلها، فهى غالباً متلازمة.
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة"([50]).
         فالفُرْقَةُ: أعظم سمة من سمات أهل البدع والأهواء.
         ومن كان على السنة، وتلبس ببدعة غير مغلظة ولم يكن داعية لها فلا يخرجه ذلك عن السنة، كحال قتادة فى قوله بالقدر، وعبد الرزاق بن همام، والحاكم النيسابورى فى التشيع، وابن حجر والنووى فى تأويلاتهما.
ثانياً: الأهواء تعريفها:
الأهواء لغة: جمع، واحدها هوى([51]). وهوى يهوى بمعنى: سقط([52]).
         وفى الجملة فإن هذه المعانى للهوى تدور حول: الميل إلى رغبة النفس وشهواتها، ومحبة الشىء وغلبته على القلب، واستحواذ الشياطين، والحيرة والضلال والفجور والظلم.
والهوى شرعا: خلاف الهدى.
         فهو ميل النفس إلى ما ترغبه، وميل القلب إلى ما يحبه إذا خرج ذلك عن حد الشرع والاعتدال. ويكون ذلك فى الشهوات والعقائد والآراء والمذاهب.
وأهل الأهواء:
         هم كل من خالف السنة والجماعة.
 
وأهل البدع هم:
         كل من أحدث فى الدين ما ليس منه فى الاعتقادات، والأقوال، والأعمال، ولها عند عامة أهل العلم إطلاقان:
         الأول: عام حيث تطلق كلمة (أهل البدع) على كل أهل الأهواء والافتراق والمبتدعات الاعتقادية والقولية والعملية: كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، وغيرهم.
         الثانى: خاص حيث تطلق كلمة (أهل البدع) على أصحاب البدع العملية: كالمقابرية، وأصحاب التوسلات البدعية، والصوفية الطرقية، وبدع الأذكار، والمشاهد، والمزارات، ونحو ذلك.
         والإطلاقان لا يتعارضان بل يتداخلان، لكن قد يكون إطلاق (أهل البدع) على البدع العملية أكثر، لأنها أظهر وأعم، وأكثر فى الناس ويدركها العامة والخاصة (أهل العلم).
         أما البدع الاعتقادية فهى مما لا يدركه إلا أهل العلم، ويخفى أكثره على العامة، والبدع الاعتقادية ليست ظاهرة غالباً.
         هذا مع العلم أن البدع الاعتقادية والعملية تتلازمان على الأغلب.

الفرق بين الاختلاف والافتراق
         المتأمل للنصوص الشرعية التى ورد فيها ذكر الاختلاف والافتراق، وكذلك أقوال أهل العلم، وواقع الأمة يتحصل على ما يلى:

  1. أن الافتراق: أشد أنواع الاختلاف، وثمرة من ثماره.

  2. إن من الاختلاف ما لا يصل إلى حد الافتراق، وهو أكثر أنواع الخلاف بين الأمة، فالخلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء لم يصل إلى حد الافتراق ولا التنازع فى الدين.

  3. أن كل افتراق اختلاف، وليس كل اختلاف افتراق.

  4. أن الاختلاف سائغ شرعاً، والافتراق غير سائغ.

  5. أن الافتراق إنما يكون فى أصول الاعتقاد والقطعيات والإجماع، وما يؤدي إلى الشذوذ عن جماعة المسلمين والخروج على أئمتهم، والاختلاف دون ذلك.

  6. الافتراق مذموم كله، والاختلاف ليس كله مذموماً. فإن:

                 أ. الاختلاف يعذر صاحبه إذا كان مجتهداً، والافتراق لا يعذر صاحبه.
                 ب. الاختلاف عن اجتهاد يؤجر عليه المجتهد، والافتراق مأزور صاحبه.
                 جـ. الافتراق يكون عن هوى، أما الاختلاف فلا يلزم منه ذلك.
د. الاختلاف رحمة، وأهله ناجون إن شاء الله، والفرقة عذاب، وأهله هالكون ومتوعدون.
        وقال الشاطبى: "قال (يعنى بعض العلماء): كل مسألة حدثت فى الإسلام واختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة حدثت وطرأت، فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة- علمنا أنها ليست من أمر الدين فى شئ، وأنها التى عنى رسول الله e، بتفسير الآية، وهى قوله تعالى": ]إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا[.
الضابط فى الحكم بالافتراق:
         تعتبر المفارقة فى حالين:

  1. فيمن خالف أهل السنة والجماعة فى اصل كلى أو قاعدة من قواعد الشرع الكلية.

  2. فيمن خالف فى فروع كثيرة، وجزئيات كثيرة مخرجة عن سمة أهل السنة وهديهم، كبدع الشعائر والعبادات إذا كثرت.

حتمية وقوع الافتراق:
         ومما يدل على حتمية الافتراق وأن وقوعه حق وصدق لا محالة، وأن أهل الحق هم الأقلون، وأنهم طائفة من طوائف الأمة، وفرقة من فرقها الكثيرة أحاديث الغربة- كقوله، e، من حديث ابن عمر: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز([53]) بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها)([54]).
         وبين، e، أن الغرباء (أناس صالحون فى أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)([55]).
         والحديث نص قاطع فى أنه يكون أهل الأهواء والافتراق كثيرين، حتى يشعر أهل الحق والسنة بالغربة فى بعض الأزمان، والله المستعان.

قواعد عامة فى الأهواء والافتراق([56])
1. الرسول e وأصحابه هم القدوة فى الدين:
         قال شيخ الإسلام: "والواجب على كل مسلم يشهد؛ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله e يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً عاماً إلا لرسول الله، e، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عامة إلا للصحابة رضى الله عنهم أجمعين- فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ"([57]).
2. مصادر تلقى العقيدة:

  • مصادر تلقى العقيدة الحق، هى: الكتاب، والسنة، وإجماع السلف. وهذه هى مصادر الدين.

  • وإذا اختلفت فهوم الناس لنصوص الدين، فإن فهم السلف هو الحجة، وهو القول الفصل فى مسائل الاعتقاد.

  • ومنهج السلف فى تقرير العقيدة هو الأعلم والأسلم والأحكم. ويتمثل ذلك بآثارهم المبثوثة فى مصنفاتهم، وفى كتب السنة والآثار.

  • والعقيدة توقيفية لا يجوز تلقيها من غير الوحى.

  • والعقيدة غيبية فى تفصيلها، فلا تدركها العقول استقلالاً، ولا تحيط بها الأوهام.

  • وكل من حاول تقرير العقيدة من غير مصادرها الشرعية فقد افترى على الله كذباً، وقال على الله بغير علم.

  • كما أن العقيدة مبناها على التسليم والاتباع: التسليم لله تعالى، والاتباع لرسوله، e.

     قال الزهرى: "مِنَ اللهِ عز وجل- الرسالةُ، وعلى الرسولِ، e، البلاغُ، وعلينا التسليم"([58]).

  • والصحابة رضى الله عنهم- وأئمة التابعين وتابعيهم وأعلام السنة كانوا على هدى رسول الله، e، وسبيلهم هو سبيل المؤمنين، وآثارهم هى السنة والطريق المستقيم. قال الأوزاعى: "عليك بآثار من سلف، وإِنْ رَفَضَك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلى وأنت على طريق مستقيم"([59]).

         وبهذا يتبين الفارق بين أهل السنة وأهل الأهواء.
         - فأهل السنة يذعنون ويسلمون للوحى، وأهل الأهواء ينازعون فى ذلك.
         - وأهل السنة يتبعون السلف، وأهل الأهواء يجانبون آثار السلف.
     - وأهل السنة يعتقدون أن مبنى الدين على التصديق والإذعان والتسليم والطاعة لله تعالى ولرسوله e، ولسبيل المؤمنين، وأهل الأهواء يعتمدون على عقولهم وعلمهم ومعرفتهم وأهوائهم.
         فلذلك تعددت مصادر الدين عند أهل الأهواء، من الرأى، والعقل، والأوهام، والظنون، والذوق، وإيحاء الشياطين، وآراء الرجال، والفلسفات، والروايات الضعيفة والمكذوبة، وما لا أصل له كدعوى الكشف والعلم اللدنى، والتلقى عن مصادر وهمية ومجهولة، والتلقى عن الأمم الضالة والفرق الهالكة.
تنبيه:   إياك أخى الكريم أن تعتمد فى فهم عقيدة السلف الصالح ومناهجهم فى الدين على كتب المقالات والتاريخ والأدب والتفسير([60]) ونحوها، فإن أكثرها مما كتبه خصومهم (إلا القليل).
         فغالب كتب المقالات والنحل من تصنيف المعتزلة، أو الشيعة أو أهل الكلام الذين ينقلون عن هذه الطوائف، والذين يخالفون عقيدة السلف ومناهجهم.
         وأفضل من صنف فى عقائد الفرق من أهل المقالات (غير أئمة الحديث) أبو الحسن الأشعرى، ومع ذلك فهو ينقل كثيراً من كتب المعتزلة وعباراتهم([61]).
         فلا تعتمد فى نقل عقيدة السلف وفهمها والحكم عليها على أمثال:
                 النوبختى (شيعى)                                            والبغدادى (متكلم)
                 والقمى (شيعى)                                            والاسفرايينى (متكلم)
                 والكلبى وابنه (شيعيان)                            والشهرستانى (متكلم)
                 والمسعودى (شيعى معتزلى)                         والعراقى (متكلم)
                 والقاضى عبد الجبار (معتزلى)             والغزالى أبو حامد (متكلم صوفى)
                                                                                                        والرازى (متكلم) ونحوهم.
         إنما تتلقى عقيدة السلف من مصادرهم الخالصة وهى بعد كتاب الله تعالى:

  1. كتب السنة والحديث المعتمدة عند السلف، مثل الصحيحين والسنن الأربعة والموطأ ونحوهم.

  2. مصنفات أئمة الحديث فى العقيدة والرد على الخصوم، وكتب الآثار لهم، أمثال: الإمام أحمد ومالك والشافعى والبخارى والدارمى عثمان بن سعيد، والدارمى صاحب السنن، وابن قتيبة، والطبرى، وابن خزيمة، وابن بطة، واللالكائى، والملطى، والصابونى، والآجرى، والطحاوى، والهروى([62])، وابن عبد البر، وابن رجب، والذهبى.

  3. المصنفات الشاملة فى العقيدة والرد على خصومها لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.

  4. كتب الرجال التى صنفها أئمة السنة والحديث، كالإمام أحمد والبخارى وابن حجر والذهبى والخطيب البغدادى.. ومن سار على نهجهم.

3. السلف أهل السنة والجماعة لا يختلفون فى أصل من الأصول:
         من سمات أهل السنة والجماعة، "السلف الصالح"، أنهم  يختلفون ولم يختلفوا فى أصل من أصول الدين، وقواعد الاعتقاد، فقولهم فى مسائل الاعتقاد قول واحد بحمد الله، كما قال ابن قتيبة: "إن أهل السنة لم يختلفوا فى شئ من أقوالهم إلا فى مسألة اللفظ"([63]) يعنى بذلك اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق، أو غير مخلوق؟ ومع ذلك فإن خلافهم فى هذا كما عند البخارى والإمام أحمد-خلاف لفظى حيث يجمعون على الأصل وهو أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
         بخلاف أهل البدع، فإنهم لا يوافقون أهل السنة فى الأصول أو بعضها، كما أنهم لا يتفقون على أصولهم، بل كل حزب بما لديهم فرحون، وإن الفرقة الواحدة منهم لا يتفق أفرادها على أصل كل الاتفاق.
         أما عند أهل السنة (بحمد الله تعالى): فهم يتفقون جملة وتفصيلاً أئمتهم وعامتهم على أصول العقيدة.
         فقول أهل السنة فى صفات الله تعالى وأسمائه وأفعاله واحد. وقولهم فى الكلام والاستواء والعلو لا يختلف. وقولهم فى الرؤية وسائر السمعيات لا يختلف. وقولهم فى الإيمان وتعريفه ومسائله واحد. وكذلك أصول الإيمان. وقولهم فى القدر واحد. وقولهم فى الأسماء والأحكام لا يختلف.
         واختلاف أهل السنة إنما كان فى الاجتهاديات من أمور الأحكام، أو فرعيات المسائل الملحقة بالعقيدة مما لا يقطع به بنص قاطع، وذلك:
         كمسالة اللفظ بالقرآن، ومسألة رؤية النبى e لربه فى المعراج هل كانت يقظة أم مناماً، ومسألة رؤية الله تعالى فى المنام، ومسألة ابن صياد هل هو الدجال الذى يخرج فى آخر الزمان أو غيره، ونحو ذلك.
         وهذه الأمور ونحوها ليست من أصول الاعتقاد، والخلاف فيها دائر مع النصوص، لم يقل السلف برأيهم. والله أعلم.
4. اختلاف الصحابة لم يصل إلى التنازع والافتراق:
         اختلف الصحابة رضى الله عنهم- بعد رسول الله، e، فى مسائل مهمة وأمور خطيرة، لكن اختلافهم كان ينتهى إما بالإجماع أو العمل على ما يترجح، أو يفصل فى الأمور الخليفة أو أهل الحل والعقد، أو يبقى الخلاف سائغاً، وفى ذلك كله لم يصل الأمر عندهم إلى حد التنازع فى الدين، ولا الافتراق والخروج على الجماعة، ولم يبغ بعضهم على بعض.
         وقال شيخ الإسلام: "ولهذا لم تحدث فى خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قُتِلَ وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفرين لعلى، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته أو إلاهيته.
         ثم لما كان فى آخر عصر الصحابة، فى إمارة ابن الزبير وعبد الملك، حدثت بدعة المرجئة والقدرية. ثم لما كان فى أول عصر التابعين فى أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة. ولم يكن على عهد الصحابة شئ من ذلك"([64]).
5. وكذلك بدع التأويل للصفات لم تحدث فى عهد الصحابة ولا منهم:
         يقول ابن القيم: "وقد تنازع الصحابة رضى الله عنهم- فى كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الناس إيماناً، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا فى مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال"([65]).
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا فى آخر خلافة على، والمرجئة والقدرية حدثوا فى أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص، ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص.
         ولكن لما حدثت الجهمية فى أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين فى الأمة.
         وأولهم الجعد بن درهم، ضحى به خالد بن عبد الله القسرى"([66]).
6. احذر من ثلاث:
الأولى: احذر زلة العالم ولا تغمطه قدره:
         ليس معصوماً إلا الرسول، e، أما غيره فإنه معرض للخطأ والسهو والزلل والهوى والضعف والتقصير والقصور.
         وإن من أخطر ما تتعرض له الأمة فى دينها زلة العالم، لأن العالم قدوة ومحل ثقة الناس، فإذا زل فقد يتبعه الناس فى زلته دون بصيرة.
         فلذلك يجب على أهل العلم وطلابه بيان الزلة إذا حدثت من عالم دون الغض من قدره، ولا الحط من شأنه، بل يجب الاعتذار له، وغمر زلته فى بحر حسناته ومناقبه.
         فإنه لم يسلم من الخطأ أحد من العلماء، وكثير من مجتهدى السلف وقع من أفرادهم ما يخالف السنة، ولم يقدح ذلك فى إمامتهم.
         وأهل السنة إنما يتبعون الدليل، ويدورون معه حيث دار ، ويقتدون بأئمة الهدى، ويُجِلُّونهم، ويعذرون المخطئ، ولا يتبعونه فيما أخطأ فيه.
         قال شيخ الإسلام: "وكثير من مجتهدى السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأى رأوه وفى المسألة نصوص لم تبلغهم"([67]).
         وقد حدثت زلات عظام من أئمة أعلام، ولم يتابعهم السلف على زلاتهم، ولم يسكتوا عنها، ولم يغمطوهم حقهم وعلمهم وقدرهم.
         فقد قال ابن عباس رضى لله عنهما- بالمتعة، ثم رجع([68])، وكان له قدره قبل وبعد، وفسر مجاهد المقام المحمود بجلوس النبى e مع الله سبحانه على العرش([69])، وأنكر أكثر السلف هذا التفسير، ولم يقدح ذلك فى إمامة مجاهد وقدره عندهم، وتشيع عبد الرزاق بن همام([70])، ولم ينكر السلف له علمه وقدره، وقال أبو حنيفة بالإرجاء([71])، ولم يوافقه السلف على ذلك، ولم يقدح ذلك بفضله وقدره عند أكثرهم، وهو من هو فى إمامته وجلالة قدره، فانغمرت زلته فى بحار حسناته. وأسهم سعيد بن جبير فى الخروج مع ابن الأشعث على الولاة الظالمين([72]) ولم يقره كثير من السلف على فعله، لكنهم عذروه وعرفوا له قدره.
         واعلم أنه لا يتبع زلات العلماء ويتصيد عثراتهم إلا أحد ثلاثة:

  1. إما جاهل متعالم مغرور: يريد أن يظهر من خلال نقد الآخرين.

  2. وإما صاحب هوى: يسعى لانتقاص أئمة الهدى وأهل العلم والفضل، ويريد أن يحول بين الأمة وبين الإقتداء بعلمائها، فيلمزهم ويشوه سمعتهم.

  3. أو مبتدع: يتلمس أدلته وبراهينه على بدعته من أخطاء الأئمة والعلماء وزلاتهم، كمن يستدل على جواز التشيع بفعل عبد الرزاق، وعلى جواز الإرجاء بفعل أبى حنيفة، وعلى جواز الكلام بفعل المحاسبى أو الأشعرى، وعلى جواز التأويل بفعل البيهقى والنووى، وعلى جواز المتعة بقول ابن عباس، وعلى جواز الخروج بفعل سعيد بن جبير.

الثانية: اتق هفوة العابد ولا تُعادِه:
         كثير من بدع الصوفية وشطحاتها وضلالاتها، بدأت من هفوات بعض العباد والنسَّاك الأوائل، من غير سوء قصد منهم، وهكذا البدع أول ما تنشأ من تجاوزات، وهفوات، وزلات، وغفلات يُتَسَاهَل فيها حتى تُستساغ، ثم تنمو وتتطور حتى تكون بدعاً وأصولاً ومناهج فى سبيل الضلالة والغواية.
         وقد حذر النبى e أصحابه من بعده من هذا، حينما أرشد أولئك النفر من الصحابة، وحذر الأمة كلها مما هموا به حين هموا بأن يتعمقوا فى العبادة، فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى)"([73]).
         وهذا بيان عظيم من الرسول e لأمته لئلا تقع فيما وقع فيها رهبان النصارى وعباد الأمم الهالكة.
         وفى القرن الثانى وما بعده زادت البدع فى العبادات وغيرها لدى طائفة من العباد والنساك والجهلة، وأنكر عليهم السلف ذلك.
         ثم اتسع نطاق البدع عند جهلة العباد، والسلف ما فتؤوا يحذرون من هذه البدع وأهلها.
         فظهر بين بعض هؤلاء العباد والنساك العزوف عن طلب العلم الشرعى([74]) والحديث، كما فعل بشر الحافى وأبو سليمان الدارانى([75])، وتركُ الزواج كما فعل مالك بن دينار ت(131)([76]).
         والعزلةُ ومصاحبةُ الكلابِ كما فعل مالك بن دينار كذلك([77]).
         وتغليب جانب الخوف فى العبادة كما فعل عطاء السليمى ت (140)([78]).
         وتكلم عبد الواحد بن زيد بمصطلحات وأحوال لم يعرفها السلف، فبالغ فى الكلام فى المحبة والشوق والأنس([79]) على نحو لم ترد به السنة، واتكأت عليه الصوفية المنحرفة فيما بعد.
         وتكلمت رابعة العدوية ت (180هـ) بما يشبه الحلول([80]).
         ثم ظهرت المبالغة فى ترك الحديث وطلب العلم والعزوف عن الزواج وترك طلب المعاش من أمثال أبى سليمان الدارانى ت (205)([81]) وبشر الحافى ت (228)([82]).
         وخاض المحاسبى ت (243) فى علم الكلام وأخذه إياه عن ابن كلاَّب([83]).
         وتكلم السرى السَّقطى ت (253) فى مسألة (الحقائق والإشارات)([84]).
         وجاء الجنيد وهو أول من لقب بشيخ الطريقة فى تاريخ التصوف([85]) ت(297) وكان قليل الرواية للحديث، وطلب العلم أولاً ثم تركه، وأقبل على التأله والتعبد([86])، وظهر على لسانه شئ من التفسير الصوفى الإشارى([87]).
والخلاصة:
         أن ما سبق يمثل هفوات وزلات وشطحات من أناس صالحين فى الجملة، ولكنهم وقعوا فيها، إما عن جهل، أو تقليد، أو غفلة، أو اجتهاد غير صائب يغفر الله لنا ولهم- لكنا يجب أن نحذر هفواتهم هذه، ونحذر منها لأنها مبتدعة ومخالفة لسنة الرسول، e، وأصحابه وسلف الأمة، وقد أنكرها السلف وحذروا منها.
         كما أن الصوفية المنحرفة الضالة التى ظهرت بعد القرن الثالث اتكأت على هذه الهفوات والزلات والشطحات، واتخذتها ذريعة لبدعها وضلالاتها وطرقها الفاسدة، زاعمة أن لها فى ذلك قدوة من الصالحين، وهذا من تلبيس الشيطان وأتباعه.
الثالثة: وتنبه لغفلة الرجل الصالح ولا تلمزه:
         خلق الله البشر متفاوتين فى الخصال والمواهب والقدرات، فمنهم الذكى الفطن، ومنهم الغافل، ومنهم المغفَّل.
         وقد يتصف بالغفلة بعض الرجال الصالحين، من أهل العلم والفضل والاستقامة، فيحدث منهم ما لا يوافق السنة، فيأخذ الناس عنهم ذلك لمجرد صلاحهم مما يكون فتنة لهم.
         واعلم أن أئمة الهدى وعلماء الإسلام المقتدى بهم فى الدين قديماً وحديثاً كلهم من أهل العلم والفضل والذكاء، وليس فيهم من أهل الغفلة إلا النادر الذى لا حكم له، وإنما أهل الغفلة دون ذلك، فأكثر أهل الغفلة من الصالحين من العباد والنساك والمتصوفة والقصاص (الوعاظ) الذين هم أقل فقها فى الدين، وأبعد عن مجالس العلماء، فتنبه رعاك الله، فإن أكثر أهل البدع والفسق والفجور يرمون العلماء وأعلام الأمة وأهل الحديث بالتغفيل، يلمزونهم بذلك بهتاناً ومكراً وطعناً فى الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ظهور الفرق([88])
         وما أن استشهد عثمان رضى الله عنه، حتى ابتدأ ظهور الفرق، لأن حادث استشهاده أثار العديد من القضايا، فتلاحقت الأحداث وأخذ بعضها برقاب بعض، فبينما بايع الصحابة علياً رضى الله عنه، رأى معاوية الاقتصاص من قتلة عثمان، ثم اقتتل الفريقان، وظهر التحكيم كوسيلة لرأب الصدع، وألح أصحاب علىٍّ على التحكيم، بالرغم من معارضته، لأنه كان قاب قوسين أو أدنى من الظهور على الفريق الآخر.
         ولما أطاعهم كارهاً، عاد أتباعه فأعلنوا أنه لا حكم إلا لله. وخرجوا عليه وكفروه. واستتبع ذلك انقسام المسلمين إلى ثلاثة أقسام، فريق يؤيد علياً، وفريق يؤيد معاوية، وفريق ثالث أبى الخوض فى النزاع. ومن ثم ظهر التشيع فى بدايته لتأْييد علىّ، ثم تحول إلى عقائد كلامية عند مقتل الحسين بن على فى موقعة كربلاء([89]).
         وعن سعيد بن المسيب قال: وقعت الفتنة الأولى يعنى مقتل عثمان- فلم تُبْق من أصحاب بدر أحداً، ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم تُبْق من أصحاب الحديبية أحداً، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ([90]).
         فالخوارج والشيعة، حدثوا فى الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة فى الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء ]الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً[([91]). يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوْا  فى الوعد، حتى نفوا بعض الوعيد، أعنى المرجئة !!. أولئك غلوا فى التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا فى الإثبات حتى وقعوا فى التشبيه!!.
         وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويُعرضون عن الأوائل([92]) وينقلون عن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه فى مسائلهم ودلائلهم، وغيروه فى اللفظ تارة وفى المعنى أخرى، فلبَسوا الحق بالباطل، وكتموا حقاً جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا، وتكلموا حينئذ فى الجسم والعرض والتجسيم نفياً وإثباتاً.

السبب الذى لأجله افترقت فرق المبتدعة
عن جماعة المسلمين([93])
         فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم البدعة وكثيراً من الأحاديث: أشعرت بوصف لأهل البدعة، وهو الفرقة الحاصلة، حتى يكونوا بسببها شيعاً متفرقة، لا ينتظم شملهم الإسلام، وإن كانوا من أهله، وحكم لهم بحكمه.
         ألا ترى أن قوله تعالى: ]إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شىء[([94])، وقوله تعالى ]ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ...[ الآية([95])، وقوله ]وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[([96]) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرُّق ؟
         وفى الحديث: (وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة)([97]).
         والتفرق ناشئ عن الاختلاف فى المذاهب والآراء إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان، وهو الحقيقة، وإن جعلنا معنى التفرق فى المذاهب، فهو الاختلاف، كقوله: ]ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا[ الآية([98]).
         فلا بد من النظر فى هذا الاختلاف، ما سببه؟
         وله سببان:
         أحدهما: لا كسب للعباد فيه، وهو الراجع إلى سابق القدر.
         والآخر: هو الكسبى، وهو المقصود بالكلام عليه فى هذا الباب، إلا أن نجعل السبب الأول مقدمة، فإن فيها معنى أصيلاً يجب التثُّبت له على من أراد التفقه فى البدع.
         قال الله تعالى: ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم[([99])، فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبداً، مع أنه لو أراد أن يجعلهم متفقين، لكان على ذلك [قديراً]، لكن سبق العلم القديم أنه إنما خلقهم للاختلاف، وهو قول جماعة من المفسرين فى الآية، وأن قوله: ]ولذلك خلقهم[، معناه: وللاختلاف خلقهم، وهو مروى عن مالك بن أنس، ونحوه عن الحسن.
         وليس المراد ها هنا الاختلاف فى الصور، كالحسن والقبيح، ولا فى الألوان، كالأحمر والأسود، ولا فى أصل الخلقة، كالتام الخَلْقِ والناقص الخَلْقِ، ولا فى الخُلُق، كالشجاع والجبان، ولا فيما أشبه ذلك من الأوصاف التى هم مختلفون فيها.
         وإنما المراد اختلاف آخر، وهو الاختلاف الذى بعث الله النبيين ليحكموا فيه بين المختلفين، كما قال تعالى: ]كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ...[ الآية([100])، وذلك الاختلاف فى الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى فى الدنيا والآخرة.
         هذا هو المراد من الآيات التى ذكر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق: أن هذا الاختلاف الواقع بينهم على أوجه:
         أحدها: الاختلاف فى أصل النحلة: وهو قول جماعة من المفسرين، منهم عطاء، قال: ]ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم[([101])، قال: اليهود والنصارى والمجوس والحنفية، وهم الذين رحم ربك.
         وأصل هذا الاختلاف هو فى التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس فى عامة الأمر لم يختلفوا فى أن لهم مدبَّراً يدبَّرهم وخالقاً أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا فى تعيينه على آراء مختلفة، من قائل بالاثنين، وبالخمسة، أو بالطبيعة، أو بالدهر، أو بالكواكب ... إلى أن قالوا بالآدميين والشجر والحجارة وما ينحتونه بأيديهم، ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق، لكن على آراء مختلفة أيضاً.
         إلى أن بعث الله الأنبياء مبيِّنين لأممهم حقَّ ما اختلفوا (فيه) من باطله، فعرَّفوا بالحق على ما ينبغى، ونزَّهوا ربَّ الأرباب عما لا يليق بجلاله، من نسبة الشركاء والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقرَّ بذلك من أقرَّ به، وهم الداخلون تحت مقتضى قوله: ]إلا من رحم ربك[([102])، وأنكر من أنكر، فصار إلى مقتضى قوله: ]وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين[([103]).
         وإنما دخل الأولون تحت وصف الرحمة، لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق والألفة، وهو قوله: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([104])، وهو منقول عن جماعة من المفسرين.
         وبقى الآخرون على وصف الاختلاف، إذ خالفوا الحق الصريح، ونبذوا الدين الصحيح.
         والثانى: ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثانى لا بالقصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة فى إمكان الاختلاف، لكن فى الفروع دون الأصول، وفى الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.
         يعنى: أنه فى مسائل الاجتهاد التى لا نص فيها يقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، مع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يرجع إليه، وهو قول تعالى: ]فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول...[الآية([105])، فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يردَّ إلى الله، وذلك ردُّه إلى كتابه، وإلى رسول الله e، وذلك ردُّه إليه إذا كان حياً، وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضى الله عنهم.
         إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: ]ولا يزالون مختلفين[([106]) أم لا؟
         والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:
         أ: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة، لقوله: ]ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك[(1)، فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، ومرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، وإلا كان قسم الشئ قسيماً له، ولم يستقم معنى الاستثناء.
         ب: أنه قال فيها: ]ولا يزالون مختلفين[(1)، فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم، حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافى الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم فى مسألة، فإنما يخالف فيها تحرياً لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها، راجع نفسه، وتلافى أمره، فخلافه فى المسألة بالعَرَض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازماً ولا ثابتاً، فكان التعبير عنه بالفعل الذى يقتضى العلاج والانقطاع أليق فى الموضع.
         جـ: أنَّا نقطع بأن الخلاف فى مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضى الله عنهم، بحيث لا يصح إدخالهم فى قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم فى بعض المسائل معدوداً من أهل الاختلاف ولو بوجه ما-، لم يصح إطلاق القول فى حقه: إنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة.
         د: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة فى الفروع ضرباً من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجاً من قسم أهل الرحمة.
         فاختلافهم فى الفروع كاتفاقهم فيه.
         والثالث: وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهى أن يقع الاتفاق فى أصل الدين، ويقع الاختلاف فى بعض قواعده الكلية، وهو المؤدى إلى التفرُّق شيعاً.
         فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه e أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وشمل ذلك الاختلاف الواقع فى الأمم قبلنا.
         ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار، وذلك بعيد من تمام الرحمة.
         والرابع: وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين فى الآية أهل البدع، وأن ]من رحم ربك[ هم أهل السنة.
         ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقاً، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا مما لا بد من بسطه.
         فاعلموا أن الاختلاف فى بعض القواعد الكلية لا يقع فى العادة الجارية بين المتبحرين فى علم الشريعة، الخائضين فى لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها، والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثانى على ذلك، وإنما وقع اختلافهم فى القسم المفروغ منه آنفاً.
         بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك، فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق:
         أحدها: أن يعتقد الإنسان فى نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد فى الدين ولم يبلغ تلك الدرجة-، فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً، وخلافه خلافاً:
         ولكن تارة يكون ذلك (فى) جزئىٍّ وفرع من الفروع، وتارة يكون فى كلىٍّ وأصل من أصول الدين كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية-، فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة فى هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له بادئ رأيه، من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ فى فهم مقاصدها.
         وهذا هو المبتدع، وعليه نبَّه الحديث الصحيح: أنه e قال: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم، اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)([107]).
         قال بعض العلماء: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قِبَلِ أنه إذا مات علماؤهم، أفتى من ليس بعالم، فيُؤتَى الناس من قِبَلِهِ، وقد صرِّف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين، فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استُفْتِىَ من ليس بعالم، فضلَّ وأضلَّ.
         قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوماً بكاء شديداً، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا! ولكن استُفْتِىَ مَن لا علم عنده.
         والثانى من أسباب الخلاف: اتباع الهوى:
         ولذلك سُمِىَ أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم اتَّبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك.
         وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم، ويدخل فى غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلباً للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا حسبما ذكره العلماء ونقله الثقات من مصاحبى السلاطين.
         فالأولون ردُّوا كثيراً من الأحاديث الصحيحة بعقولهم، وأساؤوا الظن بما صح عن النبى e، وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردَّوا كثيراً من أمور الآخرة وأحوالها، من الصراط، والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم والعذاب الجسميين، وأنكروا رؤية البارى ... وأشباه ذلك، بل صيَّروا العقل شارعاً جاء الشرع أو لا، بل إن جاء، فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل ... إلى غير ذلك من الشناعات.
         والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيَّات، وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة، حرصاً على أن يغلب عدوَّه، أو يفيد وليَّه، أو يجرَّ إلى نفسه [نفعاً].
         والثالث من أسباب الخلاف: التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق.
         وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم، فإن الله ذمَّ ذلك فى كتابه، كقوله: ]بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة ...[ الآية([108])، ثم قال: ]قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون[([109]).
         وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة، وما أشبه ذلك، لأنه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن فيه.
         وهذا الوجه هو الذى مال بأكثر المتأخرين من عوام المبتدعة (إذا اتفق أن) ينضاف إلى شيخ جاهل أو لم يبلغ مبلغ العلماء، فيراه يعمل عملاً، فيظنه عبادة، فيقتدى به، كائناً ما كان ذلك العمل، موافقاً للشرع أو مخالفاً، ويحتج به على من يرشده، فيقول: كان الشيخ فلان من الأولياء، وكان يفعله، وهو أولى أن يُقْتدى به من علماء أهل الظاهر، فهو فى الحقيقة راجع إلى تقليد من حسن ظنه فيه، أخطأ أو أصاب، كالذين قلَّدوا آباءهم سواء، وإنما قصارى قول هؤلاء أن يقولوا: إن آباءنا أو شيوخنا لم يكونوا ينتحلون مثل هذه الأمور سدى، وما هى إلا مقصودة بالدلائل والبراهين، مع أنهم يرون أن لا دليل عليها، ولا برهان يقود إلى القول بها.
 
[فصل]
 
         هذه الأسباب الثلاثة راجعة فى التحصيل إلى وجه واحد، وهو: الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرُّص على معانيها بالظن من غير تثبُّت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ فى العلم.
         فإن قيل: فَرضتَ الاختلاف المتكلم فيه فى واسطة بين طرفين، فكان من الواجب أن تردد النظر فيه عليهما، فلم تفعل، بل رددته إلى الطرف الأول فى الذم والضلال، ولم تعتبره بجانب الاختلاف الذى لا يضير، وهو الاختلاف فى الفروع.
         فالجواب عن ذلك: أن كون ذلك القسم واسطة بين الطرفين لا يحتاج إلى بيانه إلا من الجهة التى ذكرنا، أما الجهة الأخرى، فإن ذكرهم فى هذه الأمة وإدخالهم فيها أوضح أن هذا الاختلاف لم يلحقهم بالقسم الأول، وإلا، فلو كان ملحقاً لهم به، لم يقع فى الأمة اختلاف ولا فرقة، ولا أخبر الشارع به، ولا نبَّه السلف الصالح عليه، فكما أنه لو فرضنا اتفاق الخلق على الملة بعد [أن] كانوا مفارقين لها، لم نقل: اتفقت الأمة بعد اختلافها، كذلك لا نقول: اختلفت الأمة أو افترقت الأمة بعد اتفاقها، أو خرج بعضهم إلى الكفر بعد الإسلام، وإنما يقال: افترقت وتفترق الأمة إذا كان الافتراق واقعاً فيها مع بقاء اسم الأمة هذا هو الحقيقة، ولذلك قال رسول الله e فى الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة) ثم قال: (وتتمارى فى الفوق- وفى رواية: فينظر الرامى إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى فى الفوقة-: هل علق بها من الدم شىء)([110])، والتمارى فى الفوق فيه، هل فيه فرث ودم أم لا؟ شك بحسب التمثيل: هل خرجوا من الإسلام حقيقة؟ وهذه العبارة لا يعبر بها عمن خرج من الإسلام بالارتداد مثلاً.
        وقد اختلفت الأمة فى تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذى يَقوى فى النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم:
-   ألا ترى إلى صنع على رضى الله عنه فى الخوارج؟ وكونه عاملهم فى قتالهم معاملة أهل الإسلام، على مقتضى قول الله تعالى: ]وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما...[ الآية([111])، فإنه لما اجتمعت الحرورية، وفارقت الجماعة، لم يهيجهم علىُّ، ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين، لم يتركهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)([112])، ولأن أبا بكر رضى الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين.
-   وأيضاً، فحين ظهر معبد الجهنى وغيره من أهل القدر، لم يكن لهم من السلف الصالح إلا الطرد والإبعاد والعدواة والهجران، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض، لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين.
-   وعمر بن عبد العزيز أيضاً لما خرج فى زمانه الحرورية بالموصل، أمر بالكف عنهم على حد ما أمر به علىّ رضى الله عنه، ولم يعاملهم معاملة المرتدين.
-   ومن جهة المعنى، إنا وإن قلنا: إنهم متبعون للهوى ولِمَا تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضنا أنهم كذلك، لكانوا كفاراً، إذ لا يتأتى ذلك من أحد فى الشريعة إلا مع رد محكماتها عناداً، وهو كفر، وأما من صدق بالشريعة ومن جاء بها وبلغ فيها مبلغاً يظن به أنه متبع للدليل بمثله، لا يقال فيه: إنه صاحب هوى بإطلاق، بل هو متبع للشرع فى نظره، لكن بحيث يمازجه الهوى فى مطالبه، من جهة إدخال الشبه فى المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات، فشارك أهل الهوى فى دخول الهوى فى نحلته، وشارك أهل الحق فى أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة.
-   وأيضاً، فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجملة فى مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة، ومن أشد مسائل الخلاف مثلاً- مسألة إثبات الصفات، حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين، وجدنا كل واحد منهما حائماً حول حمى التنزيه ونفى النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة، وإنما وقع اختلافهم فى الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد فى الطرفين معاً، فحصل فى هذا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف الواقع فى الفروع.
-   وأيضاً، فقد يعرض الدليل على المخالف منهم، فيرجع إلى الوفاق، لظهوره عنده، كما رجع من الحرورية الخارجين على علىٍّ رضى الله عنه ألفان، وإن كان الغالب عدم الرجوع، كما تقدم فى أن المبتدع ليس له توبة، لحديث (إن الله احتجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)([113]).

فصل فى الكلام على حديث الافتراق
الطعن فى حديث الافتراق أو التشكيك فيه وجوابه:
         كثر فى الآونة الأخيرة الطعن فى حديث الافتراق، أو التشكيك فيه بناء على ضعف أكثر أسانيده، وغالب الذين يشككون فى حديث الافتراق، قصدهم وصف الأمة كلها بالسلامة والنجاة والاستقامة، وإزالة الفوارق العقدية والمذهبية، مع العلم أن الإخبار القاطع عن وقوع الافتراق فى الأمة ليس مقصوراً على حديث الافتراق الذى ذكر فيه عدد الفرق الثلاث والسبعين رغم شهرته وصحته بمجموع طرقه وتلقيه بالقبول من الأمة. وهذا الإنكار أو الشك ناتج عن عدة أسباب ترجع إلى حال القائل بهذا القول.
         فالغالب ممن يذهبون هذا المذهب أنه ناتج عن الجهل: الجهل بسنن الله تعالى، والجهل بالشرع (نصوص القرآن والسنة) أو الجهل بالواقع، والجهل بآثار السلف.
        * أما الجهل بسنة الله تعالى: ]ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك[([114])، ومن رحم ربك هم أهل السنة.
         * وأما الجهل بالشرع: فإن النصوص متواترة فى الإخبار عن وقوع الافتراق فى الأمة، فى القرآن والسنة، وقد ذكر طائفة منها وإجماع السلف.
        * وأما الجهل بالواقع: فإن من تأمل حال الأمة اليوم يجد أنها: شيعاً، وأحزاباً، وطوائف مشتتة بين الفرق القديمة والاتجاهات الجديدة، وكل يغنى على ليلاه، فمن لم يدرك هذا الواقع، أو من يتجاهله فهو جاهل. ومن كان قصده جمع شمل الأمة على كلمة سواء وحسن الظن بها، فإن هذا حق لكنه مشروط باتباع الحق وسبيل المؤمنين. لا مجرد دعوى الإسلام.
         أما الجهل بآثار السلف: فإن السلف مُجْمِعُون على أن فى الأمة طوائف فارقت السنة والجماعة: كالخوارج، والشيعة، والقدرية، وأهل الكلام، وغيرهم.
         وقد يكون منكر حديث الافتراق (مرجئ) يرى أن من صدق فهو مؤمن، وأظن هذا الصنف ليس بقليل خاصة بين المفكرين والأساتذة والمشايخ الذين ينتمون للفرق الكلامية، وهم أكثرية فى العالم الإسلامى اليوم.
         وقد يكون من طائفة (الطلقاء) من بعض أصحاب الفكر الإسلامى الحديث، الذين لا يلتزمون العقيدة، ويعتمدون على مجرد العواطف، أو بعض الأدباء الذين يحلمون بجمع الأمة تحت أى شعار.
         أو من طائفة (الزنادقة) كالحداثيين والفلاسفة وغلاة الصوفية والدجاجلة.
         وطائفة منهم لا يستهان بعددها، عرفناهم من الرافضة والباطنية وأتباع الفرق الأخرى، فإنهم من أكثر الناس ترويجاً لدعوى إلغاء الفوارق العقدية، وضرورة التقريب والتقارب بين الفرق، ولا أعرف أحداً يدعو إلى الحق والاجتماع على السنة إلا أهل السنة، وهذا من أبرز سماتهم اليوم، وقبل اليوم، ودائماً بحمد الله. فهم يدعون إلى اجتماع الكلمة على الحق، ووحدة الصف تحت راية التوحيد، وجمع الشمل حول السنة، والاعتصام بحبل الله، لا الشعارات والأهواء.
         أما الآخرون فيقولون: نجتمع على ما نحن عليه، ونتقارب ونلغى الفوارق العقدية، وكل على ما هو عليه! وأحسنهم من يقول: "نجتمع ونتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، وهذا حق ومن أعظم غايات الدين، إذا قصد به الأحكام والاجتهادات، ولعل هذا مقصود أول من أطلقها فى العصر الحديث([115])، لكنها أريد بها الباطل حينما صارت شعاراً للتجميع العقدى دون تمييز بين الحق، والباطل ولا السنة والبدعة، ولا التوحيد والشرك، بل أرادوا منها التفاف الناس جميعاً تحت شعارات ورايات تقوم على الخلط ومداهنة أهل الأهواء والافتراق، والتنازل عن (السنة والجماعة) (السلف) لئلا نجرح شعور الآخرين! إن هذا هو التفريط فى الحق، والإفراط فى الإرجاء، ومصانعة أهل الأهواء. وقد نهانا الله عن ذلك فقال عز وجل: ]ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار[([116]).
         هؤلاء وأولئك فيهم المشككة أو الطاعنون فى حديث الافتراق، فافهم رعاك الله.
         صح من حديث أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله e قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتتفرق امتى على ثلاث وسبعين فرقة).
         وخرجه الترمذى هكذا.
         وفى رواية أبى داود، قال: (افترق اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة).
قال الألبانى([117]) رحمه الله تعالى:
         أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجة وابن حبان والآجرى فى "الشريعة" والحاكم وأحمد وأبو يعلى فى "مسنده" من طرق عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعاً به. وقال الترمذى: "حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي.([118])
         قلت (الألبانى): وفيه نظر فإن محمد بن عمرو، فيه كلام ولذلك لم يحتج به مسلم، وإنما روى له متابعة، وهو حسن الحديث، وأما قول الكوثرى فى مقدمة "التبصير فى الدين" (ص5) أنه لا يحتج به إذا لم يتابع، فمن مغالطاته، أو مخالفاته المعروفة، فإن الذى استقر عليه رأى المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال الأئمة المتقدمين فيه أنه حسن الحديث يحتج به، من هؤلاء النووى والذهبى والعسقلانى وغيره. على أن الكوثرى إنما حاول الطعن فى هذا الحديث لظنه أن فيه الزيادة المعروفة بلفظ: (كلها فى النار إلا واحدة) وهو ظن باطل، فإنها لم ترد فى شئ من المصادر التى وقفت عليها من حديث أبى هريرة رضى الله عنه من هذا الوجه عنه.
         وقد وردت الزيادة المشار إليها من حديث معاوية رضى الله عنه، وهذا لفظه:
         (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون فى النار، وواحدة فى الجنة، وهى الجماعة).
         أخرجه أبو داود والدارمى وأحمد وكذا الحاكم والآجرى وابن بطة واللالكائى من طريق صفوان قال: حدثنى أزهر بن عبد الله الهوزنى عن أبى عامر عبد الله بن لحى عن معاوية بن أبى سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله e قام فينا فقال فذكره. وقال الحاكم وقد ساقه عقب حديث أبى هريرة المتقدم:
         "هذه أسانيد تقام بها الحجة فى تصحيح هذا الحديث". ووافقه الذهبى وقال الحافظ فى "تخريج الكشاف" (ص63): "وإسناده حسن".
         والحديث أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره (1/390) من رواية أحمد، ولم يتكلم على سنده بشىء، ولكنه أشار إلى تقويته بقوله: "وقد ورد هذا الحديث من طرق".
         ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى "المسائل" (83/2)([119]).
         "وهو حديث صحيح مشهور". وصححه أيضاً الشاطبى فى "الاعتصام" (3/38).
         ومن طرق الحديث التى أشار إليها ابن كثير، وفيها الزيادة، ما ذكره الحافظ العراقى فى "تخريج الإحياء" (3/199) قال:
         "رواه الترمذى من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، وأبو داود من حديث معاوية، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك، وأسانيدها جياد".
         قال (الألبانى): قلت: ولحديث أنس طرق كثيرة جداً تَجَمَّعَ عندى منها سبعة، وفيها كلها الزيادة المشار إليها، مع زيادة أخرى يأتى التنبيه عليها.
         فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه، ولذلك تتابع العلماء خلفاً عن سلف على الاحتجاج به حتى قال الحاكم فى أول كتابه "المستدرك": (أنه حديث كبير([120]) فى الأصول) ولا أعلم أحداً قد طعن فيه، إلا بعض من لا يعتد بتفرده وشذوذه، أمثال الكوثرى الذى سبق أن أشرنا إلى شئ من تنطعه وتحامله على الطريق الأولى لهذا الحديث، التى ليس فيها الزيادة المتقدمة: "كلها فى النار"، جاهلاً بل متجاهلاً حديث معاوية وأنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت. وليته لم يقتصر على ذلك، إذن لما التفتنا إليه كثيراً، ولكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل، ألا وهو العلامة ابن الوزير اليمنى، وذكر أنه قال فى كتابه: "العواصم والقواصم" ما نصه:
         "إياك أن تغتر بزيادة" كلها فى النار إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة. وقد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح".
 
         وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات. ثم أوقفنى بعض الطلاب فى "الجامعة الإسلامية" على قول الشوكانى فى تفسيره "فتح القدير" (2/56):
         "قال ابن كثير فى تفسيره: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مروى من طرق عديدة، قد ذكرناها فى موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها فى النار إلا واحدة "فقد ضعفها جماعة من المحدثين" (!)، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة".
         ولا أدرى من الذين أشار إليهم بقوله: "جماعة ..." فإنى لا أعلم أحداً من المحدِّثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل أن الجماعة قد صححوها وقد سبق ذكر أسمائهم، وأما ابن حزم فلا أدرى أين ذكر ذلك، وأول ما يتبادر للذهن أنه فى كتابه "الفصل فى الملل والنحل" وقد رجعت إليه، وقلبت مظانه فلم أعثر عليه، ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: "لا يصح"، والشوكانى قال عنه: "إنها موضوعة"، وشتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم، فهو مردود من وجهين:
         الأول: أن النقد العلمى الحديثى قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.
        والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم، لا سيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده فى النقد، فلا ينبغى أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف؟!
 
         وأما ابن الوزير، فكلامه الذى نقله الكوثرى يشعر بأنه لم يطعن فى الزيادة من جهة إسنادها، بل من حيث معناها، وما كان كذلك فلا ينبغى الجزم بفساد المعنى لا مكان توجيهه وجهة صالحة ينتفى به الفساد الذى ادعاه. وكيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة والعلماء من مختلف الطبقات بالقبول وصرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلاً !
         وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرين:
         الأول: أن ابن الوزير فى كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا وهو كتابه القيم: "الروض الباسم فى الذب عن سنة أبى القاسم"([121]) فقد عقد فيه فصلا خاصاً فى الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردوا أحاديثهم، ومنهم معاوية رضى الله عنه، فسرد ما له من الأحاديث فى كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها !
         الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين من نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المقبلى، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير. وأنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند، وإنما من قِبَلِ استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى فى "العلم الشامخ فى إيثار الحق على الآباء والمشايخ" (ص414):
         "حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضاً بحيث لا يبقى ريبة فى حاصل معناها. (ثم ذكر حديث معاوية هذا، وحديث ابن عمرو ابن العاص الذى أشار إليه الحافظ العراقى وحسنه الترمذى) ثم قال: والإشكال فى قوله: "كلها فى النار إلا ملة"، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم فى سائر الأمم كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم فى ضعف هذه الجملة، وقال: هى زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أنه ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان فى فضلاء الصحابة. إنما الكلام فى مخالفة تصيِّر صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها. وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة فى مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معيناً من هذه الفرق التى قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة.
         ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته:
         إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة فى شىء، فلا شك فى براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.
         وأما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ فى تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلاً يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه فى الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقاً، وهو شئ كبير ]تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا[([122])، كنفى حكمة الله تعالى، ونفى إقداره المكلف، وككونه يكلف ما  يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن ! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعها عند الله تعالى، ولا ندرى بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة.
         ومن الناس([123]) من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس فى تلك الأبحاث نقوضها فى مواضع لكن على وجه خفى، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له فى عرضه، وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط فى تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحداً من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التى دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه، والله المستعان.
         ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيئ للهجوم على الحقائق، وقد تدرب فى كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيراً من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل. وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم فى النفوس. وهؤلاء هم الأكثرون عدداً، والأرذلون قدراً، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعاً. والثانى ظاهرهُ الابتداع، والثالث له حكم الابتداع.
         ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرهما، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف ما لا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوى لفظاً وحكماً. فهؤلاء هم السنية حقاً، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم.
         إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عدداً هم العامة قديماً وحديثاً، وكذلك الخاصة فى الأعصار المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة ربك من النظام فى سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقه، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءاً من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة".
         قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المقبلى رحمه الله، وهو كلام متين يدل على علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذى أظن أنه عمدة ابن الوزير رحمه الله فى إعلاله إياه. والحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه. وهو الموفق لا إله إلا هو.
         ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب فى العصر الحاضر ينكر فى كتابه "أدب الجاحظ" (ص90) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: "ولو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية، إذ يسجل على أغلبيتها الخلود فى الجحيم ولو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر فى وجه مانعى الزكاة معتبراً إياهم فى حالة ردة ..." إلى آخر كلامه الذى يغنى حكايته عن تكلف الرد عليه، لوضوح بطلانه لا سيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلى المتقدم. على أن قوله "الخلود فى الجحيم" ليس له أصل فى الحديث، وإنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن فى الحديث. وهو سالم من ذلك كله كما بينا والحمد لله على توفيقه.([124]) أهـ.
قال الشاطبى رحمه الله تعالى بعد أن تكلم عن حديث الافتراق:
         فإذا تقرر هذا، تصدى النظر فى الحديث فى مسائل:
 
إحداها: فى حقيقة هذا الافتراق
         وهو يحتمل أن يكون افتراقاً على ما يعطيه مقتضى اللفظ، ويحتمل أن يكون مع زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه، فلا يصح أن يراد مطلق الافتراق، لأنه يلزم أن يكون المختلفون فى مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع.
         وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن فى الحديث نص عليه، ففى الآيات ما يدل عليه: قوله تعالى: ]ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون[([125])، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على التفرق الذى صاروا به شيعاً، ومعنى "صاروا شيعاً"، أى: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد وتناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف.
         وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى، فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: ]وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[([126]).
         وإذا ثبت هذا، نزل عليه لفظ الحديث، واستقام معناه، والله أعلم.
المسألة الثانية
         أن هذه الفرق إن كانت افترقت بسبب موقع فى العداوة والبغضاء فإما أن يكون راجعاً إلى أمر هو معصية غير بدعة.
         وإما أن يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التى بنوا عليها فى الفرقة، وهذا هو الذى تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث.
         وإما أن يراد المعنيان معاً.
        فأما الأول، فلا أعلم قائلاً به وإن كان ممكناً فى نفسه- إذ لم أر أحداً خصَّ هذه بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر دنياوى لا بسبب بدعة، وليس ثم دليل على التخصيص، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من فارق الجماعة قيد شبر ...)([127]) الحديث، لا يدل على الحصر، وكذلك: (إذا بويع الخليفتان، فاقتلوا الآخر منهما)([128]).
        وأما الثانى، وهو أن يراد المعنيان معاً، فذلك أيضاً ممكن، إذ الفرقة المنبه عليها قد تحصل بسبب أمر دنياوى لا مدخل فيها للبدع، وإنما هى معاصى ومخالفات كسائر المعاصى.
         وإلى هذا المعنى يرشد قول الطبرى فى تفسير الجماعة حسبما يأتى بحول الله-.
         غير أن الأكثر فى نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة المذكورة إنما هى بسبب الابتداع فى الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديث من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصى التى ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله.
المسألة الثالثة
         أن هذه الفرق تحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا، فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا الكفر، إذ ليس بين المنزلتين منزلة ثالثة تتصور.
         ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة.
         ويحتمل أن (لا) يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن جملة من شرائعه وأصوله، ويدل على ذلك جميع ما تقدم فيما قبل هذا الفصل، فلا فائدة من الإعادة.
         ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون منهم ممن فارق الإسلام، ومقالته كفر، وتؤدى معنى الكفر الصريح، ومنهم من لا يفارقه، بل انسحب عليه حكم الإسلام، وإن عظم مقاله وشنع مذهبه، لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض والتبديل الصريح.
         ويدل على ذلك الدليل، بحسب كل نازلة وبحسب كل بدعة، إذ لا يشك فى أن البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر، كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله زُلفى، ومنها ما ليس بكفر، كالقول بالجهة عند جماعة، وإنكار الإجماع، وإنكار القياس... وما أشبه ذلك.
         وإذا تقرر نقل الخلاف، فلنرجع إلى ما يقتضيه الحديث الذى نحن بصدد شرحه من هذه المقالات.
         أما ما صحَّ منه، فلا دليل على شىء، لأنه ليس فيه إلا تعديد الفرق الخاصة.
         وأما على رواية من قال فى حديثه: "كلها فى النار إلا واحدة"، فإنما يقتضى إنفاذ الوعيد ظاهراً، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتاً عنه، فلا دليل فيه على شىء مما أردنا، إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة المؤمنين كما يتعلق بالكفار على الجملة، وإن تباينا فى التخليد وعدمه.
ليس كل الفرق الهالكة خارجة عن الملة ولا كافرة:
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات"([129]).
         وقال: "وأما من يقول ببعض التجهم: كالمعتزلة، ونحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام باطناً وظاهراً، فهؤلاء من أمة محمد، e، بلا ريب، وكذلك من هو خير منهم: كالكلابية والكرامية.
         وكذلك الشيعة المفضلين لعلى، ومن كان منهم يقول: بالنص والعصمة مع اعتقاده بنبوة محمد، e، باطناً وظاهراً، وظنه أن ما هو عليه هو دين الإسلام، فهؤلاء أهل ضلال وجهل، ليسوا خارجين عن أمة محمد، e، بل هم من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً"([130]).
         وقال: "وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفاراً، بل مؤمنين، فيهم ضلال وذنب، يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين، والنبى e لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون فى النار. فهذا أصل عظيم ينبغى مراعاته، فإن كثيراً من المنتسبين إلى السنة فيهم بدعة من جنس بدع الرافضة والخوارج، وأصحاب الرسول e على بن أبى طالب وغيره لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم"([131]).
         وقال: "فمن كفر من الثنتين والسبعين فرقة كلهم فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مع أن حديث الثنتين والسبعين فرقة ليس فى الصحيحين، وقد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره أو صححه، كما صححه الحاكم وغيره، وقد رواه أهل السنن، وروى من طرق وليس قوله: "اثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة بأعظم من قوله تعالى-: ]إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون فى بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً[. (سورة النساء، الآية:10). وقوله: ]ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً[. (سورة النساء، الآية:30). وأمثال ذلك من النصوص الصريحة بدخول من فعل ذلك النار"([132]).
المسألة الرابعة
         أن هذه الأقوال المذكورة آنفاً مبنية على أن الفرق المذكورة فى الحديث هى المبتدعة فى قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية، والقدرية، والمرجئة، وغيرها، وهو مما ينظر (فيه)، فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأى الطرطوشى.
         وفى حديث الخوارج ما يدل عليه أيضاً، فإنه ذمهم بعد أن ذكر أعمالهم، وقال فى جملة ما ذمهم به: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، فذمهم بترك التدبر والأخذ بظواهر المتشابهات، كما قالوا: حكم (الرجال) فى دين الله، والله يقول: ]إن الحكم إلا لله[([133]).
         وقال أيضاً فى الحديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، فذمهم لعكس ما عليه الشرع، لأن الشريعة جاءت بقتل الكفار والكف عن المسلمين، وكلا الأمرين غير مخصوص بالعقائد.
        وفى مسلم: قال مجاهد: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر مستند إلى حجرة عائشة، وإذا أناس فى المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة. 
         قال الطرطوشى: مُحملةٌ عندنا على أحد وجهين: إما أنهم يصلونها جماعة، وإما أفذاذاً على هيئة النوافل فى أعقاب الفرائض.
         وذكر أشياء من البدع القولية مما نصَّ العلماء على أنها بدع، فصح أن البدع لا تختص بالعقائد.
         وقد تقررت هذه المسألة فى كتاب "الموافقات" بنوع آخر من التقرير.
         نعم، ثمَّ معنى آخر ينبغى أن يذكر هنا، وهى:
المسألة الخامسة
         وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية فى معنى كلى فى الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا فى جزئى من الجزئيات، إذ الجزئى والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة فى الأمور الكلية، لأن الكليات نص من الجزئيات غير قليل، وشأنها فى الغالب أن لا تختص بمحل دون محل، ولا بباب دون باب.
         واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلى، فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافاً فى الفروع لا تنحصر، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال.
         ويجرى مجرى القاعدة لكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة، عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضاً.
         وأما الجزئى، فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له، كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين، حيث قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون). ولكن إذا قرب موقع الزلة، لم يحصل بسببها تفرُّق فى الغالب، ولا هدم للدين، بخلاف الكليات.
         فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو فى الدين إذا كان اتباعاً مخلاًّ بالواضحات -وهى أم الكتاب-، وكذلك عدم تفهم القرآن موقع فى الإخلال بكلياته وجزئياته.
المسألة السادسة
         أنَّنا إذا قلنا بأن هذه الفِرَق كفار –على قول من قال به-: أو ينقسمون إلى كافر وغيره، فكيف يعدون من الأمة؟
         وظاهر الحديث يقتضى أن ذلك الافتراق إنما هو مع كونهم من الأمة، وإلا، فلو خرجوا من الأمة إلى الكفر، لم يُعَدُّوا منها البتة، كما تبين.
         وكذلك الظاهر فى فرق اليهود والنصارى: أن التفرق فيهم حاصل مع كونهم هوداً ونصارى؟
         فيقال: فى الجواب عن هذا السؤال: إنه يحتمل أمرين:
         (أحدهما): أَنَّا نأخذ الحديث على ظاهره فى كون هذه الفرق من الأمة، ومن أهل القبلة.
         والاحتمال الثانى: أن نعدهم من الأمة على طريقة لعلها تتمشى فى الموضع، وذلك أن كل فرقة تدعى الشريعة، وأنها على صوابها، وأنها المتَّبعة للمتبعة لها، وتتمسك بأدلتها، وتعمل على ما ظهر لها من طريقها، وتناصب العداوة من نسبتها إلى الخروج عنها، وترمى بالجهل وعدم العلم من ناقضها، لأنها تدَّعى أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره، وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام، لأن المرتد، إذا نسبته إلى الارتداد، أقرَّ به، ورضيه، ولم يسخطه، ولم يعادك لتلك الشبهة، كسائر اليهود والنصارى وأرباب النحل المخالفة للإسلام، بخلاف هؤلاء الفرق، فإنهم مدَّعون الموافقة للشارع، والرسوخ فى اتباع شريعة محمد رسول الله e، فإنما وقعت العداوة بينهم وبين أهل السنة بسبب ادِّعاء بعضهم على بعض الخروج عن السنة، ولذلك تجدهم مبالغين قى العمل والعبادة. والشاهد لهذا كله مع اعتبار الواقع- حديث الخوارج.
         ثم قال e: (يقرؤون القرآن، يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم)، فقوله (عليه الصلاة والسلام): "يحسبون أنه لهم" واضح فيما قلنا.
         وفى معنى ذلك من قول ابن مسعود، قال: "وستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم، وإياكم والتبدُّع والتعمق، وعليكم بالعتيق"، فقوله: "يزعمون كذا"، دليل على أنهم على الشرع فيما يزعمون.
المسألة السابعة : فى تعيين هذه الفرق
         وهى مسألة كما قال الطرطوشى- طاشت فيها أحلام الخلق، فكثير ممن تقدم وتأخر من العلماء عينوها، لكن فى الطوائف التى خالفت فى مسائل العقائد:
         فمنهم من عد أصولها ثمانية، فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية: المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والنجارية، والجبرية، والمشبهة، والناجية.
         فإن كان رسول الله e أراد بتفرُّق أمته أصول [العقائد] التى تجرى مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع، لعلهم والعلم عند الله- ما بلغوا هذا العدد إلى الآن، غير أن الزمان باق والتكليف قائم والخطرات متوقعة، وهل قرن أو عصر يخلو إلا وتحدث فيه البدع؟!
         وإن كان أراد بالتفرق كل بدعة حدثت فى دين الإسلام مما لا يلائم أصول الإسلام ولا تقبلها قواعده، من غير التفات إلى التقسيم الذى ذكرنا، كانت البدع أنواعاً لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمبانى.
         فهذا هو الذى أراده عليه السلام والعلم عند الله-، فقد وجد من ذلك عدد كثير من اثنتين وسبعين.
         ووجه صحيح الحديث على هذا أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون من الأمة ولا فى أهل القبلة، كنفاة الأعراض من القدرية لأنه لا طريق إلى معرفة حدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض- وكالحلولية، والنصيرية، وأشباههم من الغلاة.
         هذا ما قال الطرطوشى رحمه الله تعالى، وهو حسن من التقرير، غير أنه يبقى للنظر فى كلامه مجالان:
         (أحدهما): أن ما اختار من أنه ليس المراد الأجناس، فإن كان مراده مجرد أعيان البدع، وقد ارتضى اعتبار البدع القولية والعملية، فمشكل، لأنا إذا اعتبرنا كل بدعة دقت أو جلت، فكل من ابتدع (بدعة) كيف كانت لزم أن يكون هو ومن تابعه عليها فرقة، فلا تقف فى مئة ولا مئتين، فضلاً عن وقوعها فى اثنتين وسبعين، فإن البدع كما قال- لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة.
         وقد مرَّ من النقل ما يشعر بهذا المعنى، وهو قول ابن عباس: ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن.
         وهذا موجود فى الواقع، فإن البدع قد نشأت إلى الآن، ولا تزال تكثر، وإن فرضنا إزالة بدع الزائغين فى العقائد كلها، لكان الذى يبقى أكثر من اثنتين وسبعين، فما قاله والله أعلم- غير مخلِّص.
        (والثانى): أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعيَّن بعد، بخلاف القول المتقدم، وهو أصح فى النظر، لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا يقتضيه.
         فالأولى ما قاله من عدم التعيين، وإن سلمنا (أن) الدليل قام له على ذلك، فلا ينبغى التعيين.
        أما أولاً: فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى أوصافهم من غير تصريح ليحذر منها، ويبقى الأمر فى تعيين الداخلين فى مقتضى الحديث مرجئ، وإنما ورد التعيين فى النادر، كما قال عليه الصلاة والسلام فى الخوارج: (إن من ضئضىء هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ..) الحديث، مع أنه عليه السلام لم يعرِّف أنهم ممن شملهم حديث الفرق.
        وأما الثانية: فلأن عدم التعيين هو الذى ينبغى أن يلتزم، ليكون ستراً على الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا فى الدنيا بها فى الغالب.
         وأمرنا بالستر على المذنبين ما لم تبد لنا صفحة الخلاف.
         وأيضاً، فللستر حكمة أخرى، وهى أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة، لكان فى ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التى أمر الله ورسوله بها، حيث قال: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([134])،وقال: ]فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم[([135])، وقال: ]ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات[([136]).
         فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم والفرقة، لزم من ذلك أن يكون منهياً عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جداً، كبدعة الخوارج، وذكرهم بعلامتهم، حتى يعرفوا، ويلحق بذلك ما هو مثله فى الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما عدا ذلك، فالسكون عنه أولى.
         فمن هنا لا ينبغى للراسخ فى العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو فلان وبنو فلان! وإن كان يعرِّف بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا فى موطنين:
         (أحدهما): حيث نبه الشرع على تعيينهم، كالخوارج، فإنه ظهر من استقرائه أنهم متمكنون تحت حديث الفرق، ويجرى مجراهم من سلك سبيلهم، فإن أقرب الناس إليهم شيعة المهدى المغربى، فإنه ظهر فيهم الأمران اللذان عرف النبى e بهما فى الخوارج، من أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.
         (والثانى): حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزيينها فى قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشواهد على أنهم منهم، كما اشتهر عن عمرو بن عبيد وغيره.
         فإذا فقد الأمران، فلا ينبغى أن يُذْكَرُوا ولا أن يُعَيَّنُوا وإن وُجِدُوا، لأن ذلك أول مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء، ومتى حصل باليد منهم أحد، ذاكره برفق، ولم ير أنه خارج من السنة، بل يريه أنه مخالف للدليل الشرعى، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا، فإن فعل ذلك من غير تعصب ولا إظهار غلبة، فهو أنجح وأنفع، وبهذه الطريقة دُعِى الخلق أولاً إلى الله تعالى، حتى [إذا] عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا الفرقة، قوبلوا بحسب ذلك.
         قال أبو حامد الغزالى فى بعض كتبه: أكثر الجهالات إنما رسخت فى قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق، أظهروا الحق فى معرض التحدى والإذلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعى المعاندة والمخالفة، ورسخت فى قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطِّفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التى نطقوا بها فى الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء، لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقراً فى قلب مجنون، فضلاً عن قلب عاقل.
         هذا ما قال، وهو الحق الذى تشهد له العوائد الجارية، فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك، والله أعلم.
 

وقفة حول الفرق وتحديدها وتعدادها([137])
         اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً فى الفرق الثنتين والسبعين الهالكة من هى؟ ومن يدخل فيها من الفرق التى ظهرت ومن يخرج؟ وهل يمكن تعيينها نوعياً وعددياً وإحصاؤها على سبيل الحصر والتحديد؟
         أما الفرقة الناجية فليست محل خلاف بين أهل العلم المعتبرين، لأن تعيينها بالوصف قاطع لا شك فيه، وبَيِّنٌ لا لبس فيه إلا لمن عميت بصيرته، فلا حيلة فيه. فالفرقة الناجية وصفها الرسول e بأنها: من كان على ما عليه الرسول e وأصحابه، وما كان عليه e وأصحابه، معلوم منقول مأثور مسطور، وهو السنة وسبيل المؤمنين، وقد تكفل الله تعالى ببقائه وحفظه وبقاء طائفة من الأمة عليه، ظاهرة بالحق، قائمة بالدين، والحمد لله.
         وقبل أن أعرض أقوال أهل العلم، وشبهات أهل الأهواء ومزاعمهم أشير إلى ما تقرر عند جمهور السلف وهو:

  • أن وقوع الافتراق فى الأمة أمر ثابت قطعاً فى القرآن والسنة، والواقع يشهد له.

  • أن الرسول e صح عنه أن عدد الفرق الهالكة: ثنتين وسبعين، والناجية واحدة.

  • أنه e، بين أن الفرقة الناجية هم أهل السنة حيث كانوا على ما وصف، أى على ما كان عليه هو e وأصحابه.

  • أن الفرق الهالكة من أهل النار لكن ليسوا كلهم من المخلدين فى النار.

  • أن من الفرق من يخرج عن مسمى جميع الفرق، لخروجهم من الملة أصلاً، وليسوا من عداد المسلمين كغلاة الجهمية، وغلاة الرافضة، والباطنية، والفلاسفة الخالصة، وأهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.

  • أن تحديد الفرق الثنتين والسبعين على سبيل التعيين، وتوزيع الأعداد تحديداً على أصول الفرق الكبرى أمر غيبى لا دليل عليه، وكذلك تسميتها من باب الأولى، لأن الافتراق يزداد، والأهواء والبدع تتجدد، وتنبعث فى كل عصر، وإلى قيام الساعة، والله أعلم.

أصول الفرق الهالكة عند بعض العلماء وإخراجهم الجهمية الخالصة من الثنتين والسبعين:
         لقد اجتهد بعض الأئمة فى تعيين أصول الفرق الهالكة، وتقسيم عددها على أصول الفرق الكبرى فى زمانهم.
         قال حفص بن حميد: "قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ فقال: الأصل أربع فرق: هم الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة، فافترقت الشيعة على اثنتين وعشرين فرقة، وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة، وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة. قال: قلت يا أبا عبد الرحمن لم أسمعك تذكر الجهمية، قال: إنما سألتنى عن فرق المسلمين"([138]).
         ويرى أكثر أهل العلم أن الجهمية الخالصة خارجة من عداد الفرق لأنها كفرت بالتعطيل، وكذلك الباطنية وملاحدة الفلاسفة.
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا قال عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما: أصول البدع أربعة: الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. قالوا: والجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة.
         وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد فى ذلك قولين، هذا أحدهما، وهذا أرادوا به التجهم المحض، الذى كان عليه جهم نفسه، ومتبعوه عليه، وهو نفى الأسماء مع نفى الصفات، بحيث لا يسمى الله بشىء من أسمائه الحسنى، ولا يسميه شيئاً ولا موجوداً ولا غير ذلك"([139]).
         وقال أيضاً: "وشر منه نفاة الأسماء والصفات، وهم الملاحدة من الفلاسفة والقرامطة، ولهذا كان هؤلاء عند الأئمة قاطبة ملاحدة منافقين، بل فيهم من الكفر الباطن ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى، وهؤلاء لا ريب أنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة، وإذا أظهروا الإسلام فغايتهم أن يكونوا منافقين: كالمنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله e وأولئك كانوا أقرب إلى الإسلام من هؤلاء، فإنهم كانوا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة، وهؤلاء قد يقولون برفعها فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة، لكن قد يقال: إن أولئك كانوا قد قامت عليهم الحجة بالرسالة أكثر من هؤلاء"([140]).
         وقال أيضاً: "والجهمية عند كثير من السلف، مثل: عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم، ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التى افترقت عليها هذه الأمة، بل أصول هذه عند هؤلاء هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، وهذا المأثور عن أحمد، وهو المأثور عن عامة أئمة السنة والحديث، أنهم كانوا يقولون: من قال القرآن مخلوق: فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى فى الآخرة: فهو كافر، ونحو ذلك"([141]).
تحديد الفرق الثنتين والسبعين الهالكة وتسميتها غير ممكن:
         لقد حاول بعض العلماء ومؤلفو كتب المقالات تسمية الفرق الثنتين والسبعين وتحديدها عددياً، وتوزيع ذلك على أصول الفرق الكبرى، وممن فعل ذلك الإمام عبد الله بن المبارك([142])، ويوسف بن أسباط، وأبو حاتم الرازى([143])، والملطى فى التنبيه، والبغدادى فى الفَرق بين الفِرق، وابن الجوزى فى تلبيس إبليس، والشهرستانى فى الملل والنحل([144])، والسكسكى فى الرهان([145])، والعراقى فى الفرق المفترقة "الفرق وأصناف الكفرة"([146])، وكل ذلك اجتهاد من هؤلاء لا يسنده دليل، لا سيما وأن المسألة غيبية، فإن النبى، e، حينما أخبر لم يتجاوز ذلك العدد، وقد أطلق المكان والزمان، فيبقى احتمال خروج الفرق إلى قيام الساعة، وعلى هذا فلا يستطيع أحد أن يحدد هذه الفرق على سبيل الجزم، لأن الأمر غيبى، والله أعلم.
دعوى كل فرقة أنها الناجية مردودة بالنصوص:
         أما ما تتنازعه الفرق من أن كل واحدة تدعى أنها الناجية، فإنه محسوم برده إلى كتاب الله وسنة رسوله، e، أما الكتاب فمثل قوله تعالى: ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله[([147]). فاتباع الرسول، e، هو الميزان، أما دعوى أهل الأهواء أنهم متبعون للرسول، e، فهى مردودة بعرض أصولهم على السنة ومنهج السلف، فمن كان على سبيل السلف ونهجهم فهو المحق، ومن خالف السنة وهدى السلف ونهجهم فهو صاحب هوى، ولا تسلم له دعواه، بل ترد.
 
 

 

1. الخوارج([148])
         الخوارج فرقة كبيرة من الفرق الاعتقادية، وتمثل حركة ثورية عنيفة فى تاريخ الإسلام شغلت الدولة الإسلامية فترة طويلة من الزمن بل ولا يزال لهم وجودهم القوى إلى اليوم.
         ولقد بسطوا نفوذهم السياسى على بقاع واسعة من الدولة الإسلامية فى المشرق وفى المغرب العربى، وفى عُمَان وحضرموت وزنجبار (تنزانيا الآن) وما جاورها من المناطق الأفريقية فى المغرب العربى، ولا تزال لهم ثقافتهم المتمثلة فى المذهب الإباضى المنتشر فى تلك المناطق.
         ولا يخفى كذلك أن بعض أفكار الخوارج المتعلقة بتكفير العصاة لا يزال لها أتباع حتى وقتنا الحاضر.
هل للخوارج مصنفات تحمل آراءهم ؟
         يقول الدكتور غالب بن على: وإذا استثنينا ما كتبه الإباضية –على قِلَّتِهِ- فإننا لا نجد مرجعاً لمعرفة آراء بقية الخوارج إلا ما حكاه عنهم المؤرخون وعلماء الفرق، وفى هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرَّامية والأشعرية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية، ونحو هؤلاء"([149]).
         ويقول الدكتور مصطفى حلمى فيما يعزوه إلى الخطيب على بن الحسين الهاشمى: "ومن العسير الوقوف على معتقدات الخوارج من واقع كتبهم نفسها لحرصهم الشديد عليها وهى نادرة إن وجدت، فالغالب أن مكتبات المسلمين عارية عن مؤلفاتهم"([150]).
         ويقول الدكتور محمود إسماعيل: "والواقع إن عديداً من المصاعب تعترض سبيل من يتصدى للتأريخ لهذا الموضوع، ففى بعض الأحيان تندر المادة التاريخية .. فعلى الرغم من كثرة ما دون عن تواريخ الخوارج لم يصل إلينا منها إلا القليل النادر"([151]).
         ويرجع قلة تأليف الخوارج وضياع ما ألفوه إلى طبيعة حياتهم الثورية حيث كانت الثورات والمعارك تأخذ منهم جهودهم وأوقاتهم، فيصعب عليهم وضع المؤلفات فى تاريخهم وتسجيل آرائهم.
         ومما لا شك فيه أن قلة مؤلفات الخوارج وضياعها وندرة ما بقى منها أو عدم إظهاره- مما لا شك فيه أن كل ذلك يضع الصعوبات أمام المؤرخ لهم ويجعله عالة على كتب التاريخ وعلماء الفرق والموسوعات الأدبية القديمة.
         وقد حاولت التغلب على هذه الصعوبة باذلاً فى ذلك غاية جهدى، فرحلت إلى مصر وعمان والكويت، واتصلت ببعض المشتغلين بدراسة الخوارج وكذلك بالمكتبات العامة.
التعريف بالخروج والخوارج:
         عرف الشهرستانى فى الملل والنحل الخوارج تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر فيه الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً فى أى زمن كان حيث يقول: "كل من خرج على الإمام الحق الذى اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج فى أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة فى كل زمان"([152]).
         وقد زاد ابن حزم على ذلك بأن اسم الخارجى يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام على وشاركهم فى آرائهم فقال: "ومن وافق الخوارج من إنكار التحكيم، وتكفير أصحاب الكبائر، والقول بالخروج على أئمة الجور، وأن أصحاب الكبائر مخلدون فى النار، وأن الإمامة جائزة فى غير قريش فهو خارجى"([153]).
أسماء الخوارج وألقابهم:
         للخوارج أسماء كثيرة أطلقها عليهم علماء الفرق والمؤرخون. والخوارج يرضون ببعضها وينكرون البعض الآخر. ومن هذه الأسماء ما يأتى:
1. الخوارج:
         وهو أشهر أسمائهم وأكثرها استعمالاً، وقد ورد على ألسنة كتَّاب المقالات والتاريخ وتكاد بقية أسمائهم الأخرى بالنسبة إلى هذا الاسم تختفى وهو الاسم الذى يشمل جميع فرقهم، وهو اسم يحتمل أن يكون مدحاً لهم أو ذماً.
         فإذا كانت التسمية- كما يريد الخوارج- مأخوذة من قوله تعالى: ]ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله[([154]) فهى تسمية مدح وتكون هذه التسمية منهم، وقد سموا أنفسهم بذلك اعتباراً لهذا المعنى كما ستأتى أقوالهم فى هذا قريباً.
         وأما إذا أخذت التسمية بمعنى الخروج على الأئمة أو على الناس أو عن الدين أو عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، فهى ولا شك تسمية ذم لهم ويكون مخالفوهم هم الذين سموهم بهذا الاسم باعتبار هذه المعانى، وهو ما سار عليه كثير ممن كتب عن هذه الفرقة من علماء الفرق وغيرهم([155])، على أن إنكار الخوارج لهذه المعانى إنما هى باعتبار أنهم مخطئون فيها، وإلا فإن الخروج على الأئمة أو على الناس أو عن على بن أبى طالب كانت حقاً فى نظرهم.
         وقد أجمع مؤرخو الفرق على تسميتهم بهذا الاسم (الخوارج)([156]).
         وقد وردت روايات عديدة فى فتح البارى معزوة إلى رسول الله e تشير إلى أن الرسول e قد أخبر عن الخوارج بهذا الاسم، فعند البزار من طريق الشعبى عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله e الخوارج: فقال: "هم شرار أمتى يقتلهم خيار أمتى". وسنده حسن. ثم أورد ابن حجر فى فتح البارى عدة روايات من هذا القبيل([157]).
         ويروى ابن الجوزى الحديث الآتى بعد أن جاء بسند ينتهى إلى عبد الله بن أوفى قال: سمعت رسول الله e يقول: (الخوارج كلاب أهل النار)([158]).
2. الحرورية:
         نسبة إلى الموضع الذى خرج فيه أسلافهم حينما انشقوا وخرجوا عن جيش الإمام على فاتجهوا إلى هذا الموضع، فنسبت هذه الطائفة إليه وهو موضع قريب من الكوفة يسمى حروراء.
         يقول الأشعرى مبيناً سبب تسميتهم بالحرورية: "والذى سموا له حرورية نزولهم بحروراء فى أول أمرهم"([159])، وهكذا عند البغدادى.
 
         وقال ابن عباس: "ليس الحرورية بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى وهم يضلون"([160]).
3. الشُّراة:
         ويقول الأشعرى فى سبب تسميتهم بالشُّراة: "والذى له سموا شراة: قولهم: شرينا أنفسنا فى طاعة الله أى بعناها بالجنة"([161]).
4. المارقة:
         بسبب خروجهم عن جيش الإمام على.
         وقال الشهرستانى: "وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان"([162]).
5. المُحَكِّمَةُ:
         من أسمائهم أيضاً وهو من أوائل أسمائهم التى أطلقت عليهم، وقد أطلق عليهم بسبب إنكارهم تحكيم الحكمين وقولهم: "لا حكم إلا لله"([163]).
         تلك أسماء الخوارج وألقابهم وهم يحبون هذه الأسماء كلها ولا ينكرون منها غير اسم واحد وهو تسميتهم بالمارقة.
 
         قال الأشعرى: "وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة، فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية"([164]).
نشأة الخوارج:
1. متى خرجوا؟
         يختلف المؤرخون فى تحديد بدء نشأة الخوارج على أقوال أهمها ما يلى:
القول الأول:
         أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذى الخويصرة التميمى الذى بدأ الخروج بالاعتراض على النبى e فى قسمة الفىء واتهامه إياه بعدم العدل، وقد ورد فى حديث البخارى تحت "باب من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه" عن أبى سعيد قال: (بينما النبى e يقسم جاء عبد الله ابن ذى الخويصرة التميمى فقال: اعدل يا رسول الله فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! قال عمر بن الخطاب: دعنى أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر فى قذذه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر فى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر فى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر فى نضيه فلا يوجد فيه شىء قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال: ثدييه- مثل ثدى المرآة- أو قال: مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبى e، وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه جئ بالرجل على النعت الذى نعته النبى e. قال: فنزلت فيه: ]ومنهم من يلمزك فى الصدقات[)([165]).
         فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث- يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج، وأن رسول الله e قد ترك قتله للتألف.
         وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث مع اختلاف فى الألفاظ.
        وفى بعض الروايات التى ذكرها الإمام مسلم عن أبى سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر أسمه كما فى قوله: "بعث على رضى الله عنه وهو باليمين بذهبة فى تربتها إلى رسول الله e، فقسمها الرسول e بين أربعة نفر، الأقرع بن حابس الحنظلى، وعيينة بن بدر الفزارى، وعلقمة بن علاثة العامرى، ثم أحد بنى كلاب، وزيد الخير الطائى، ثم أحد بنى نبهان.
         قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطى صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله e: "إنى إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله e: فمن يطع الله إن عصيته، أيأمننى على أهل الأرض ولا تؤمنونى؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم فى قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ([166]) هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
القول الثانى:
         وهو للقاضى على بن أبى العز الحنفى شارح الطحاوية، الذى يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضى الله عنه فى تلك الفتنة التى انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى يقول: "فالخوارج والشيعة حدثوا فى الفتنة الأولى"([167]).
القول الثالث:
         أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام على رضى الله عنه وخروجهم عليه، وهذا الرأى هو الذى عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علىّ بعد التحكيم، ومن هؤلاء الأشعرى فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام على وقال عنهم: "والسبب الذى سموا له خوارج خروجهم على علىّ بن أبى طالب"([168]).
         وقد أصبح إطلاق اسم الخوارج على الخارجين عن الإمام على أمراً مشتهراً بحيث لا يكاد ينصرف إلى غيرهم بمجرد ذكره.
         هذه هى الأقوال فى بدء نشأة الخوارج، وعلينا فى اختيار ما نراه صحيحاً منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذى تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
         والواقع أن نزعة الخروج أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج- قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله e باعتراض ذى الخويصرة عليه. لكن هل كان خروجاً حقيقياً أم كان مجرد حادثة فردية اعترض فيها واحد من المسلمين على طريقة تقسيم الفىء طمعاً فى أن يأخذ منه نصيباً أكبر؟ وهو الأمر الذى سنرجحه فيما بعد.
         وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان رضى الله عنه، فلا شك أن ما حدث كان خروجاً عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدى خاص لها آراء وأحكام فى الدين، غاية ما هنالك أن قوماً غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله، ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.
         وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجاً عن طاعة الإمام، وبين الخروج فى شكل طائفة لها اتجاهها السياسى وآراؤها الخاصة، كخروج الذين خرجوا على علىّ رضى الله عنه منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذى نختاره ونسير عليه فى هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.
         والواقع أن هذا هو ما يشهد له واقع تلك الحركة التى أحدثت دوياً هائلاً فى تاريخ هذه الأمة الإسلامية عدة قرون تميزت فيها بآراء ومعتقدات وأنظمة لفتت إليها أنظار علماء التاريخ والفرق الإسلامية، بخلاف ما سبقها من حركات فإنها لم يكن لها أثر فكرى أو عقائدى يذكر.
2. كيف خرجوا بعد قبول التحكيم فى موقعة صفين؟
         لقد تمت البيعة للإمام علىّ بعد مقتل عثمان رضى الله عنهما وقام معاوية بن أبى سفيان -وكان والياً على الشام- يطالب بدم عثمان ويطلب من على تسليم قتلته وبدون هذا فإنه ممتنع عن البيعة له، وكان من رأى على أن يتمكن أولاً من دخول جميع الأمصار فى طاعته، خصوصاً وأن الخارجين كانوا أهل شوكة قوية وقد اندسوا فى الأمصار وأصبح طلبهم إبان هذه الثورة العارمة زيادة فى إيقاد نار الفتنة، أضف إلى ذلك أنه لا بد من التعرف على القتلة الحقيقيين وإقامة الحجة الشرعية عليهم حتى يمكن القصاص منهم، وكان ذلك كله يحتاج إلى وقت لم يمهله معاوية فيه خوفاً أن تطول المدة ويتفرق قتلة عثمان دون عقاب ولكل واحد من على ومعاوية ما يبرر موقفه ليتم الله أمراً كان مقدراً.
         وبدون الدخول فى تفاصيل تاريخية ليس هذا موضعها تطور الخلاف بينهما إلى لقاء حربى فى موقعة صفين المشهورة، حيث كان الإمام علىٌّ على رأس جيشه من أهل العراق وكان معاوية على رأس أهل الشام.
         وقد كان لهذه المعركة نتائج حاسمة بالغة الأهمية، ففى أثناء المعركة –وحينما بدت بوادر هزيمة جيش معاوية ولاح النصر فى جانب جيش الإمام على- استشار معاوية عمرو ابن العاص فى المخرج من هذا الأمر فأشار عمرو بن العاص بأن ترفع المصاحف فوق أسنة الرماح فرفع خمسمائة مصحف كما يقول المسعودى([169]) وطالبوا أهل العراق بتحكيم كتاب الله فى هذه القضية التى سفكت فيها الدماء، فوافق هذا الطلب قبولاً من أهل العراق.
         أما موقف على بن أبى طالب رضى الله عنه من هذا الطلب، فإن أكثر المؤرخين يذكرون أنه وقف منه موقف الحذر الحازم ورأى من أول وهلة أن هذا الطلب إنما يقصد به إيقاع الفتنة والفرقة بين جيشه من جهة وإعطاء الفرصة لجيش معاوية ليأخذ فترة يستعيد فيها قواه من جهة أخرى، فقد حذر على أصحابه من مغبة قبول هذا الطلب.
         ولهذا أصر على مواصلة القتال وكان له أنصار يقطرون شجاعة وبسالة أمثال الأشتر النخعى الذى أشرف على إلحاق الهزيمة بجيش الشام، لولا منع على له عن مواصلة الحرب تحت تهديد تلك الفئة التى قبلت الدعوة إلى التحكيم.
         ولكن قسماً كبيراً من جيش على رضى الله عنه أبوا إلا إيقاف القتال فوراً والبدء فى مفاوضة التحكيم وأبوا عليه إلا إفساد خطته والرضى برأيهم فى إيقاف الحرب وحملوه على قبوله بالقوة([170]). بل أنهم أبدوا موافقتهم عليه فوراً دون أن يستشيروا علياً كما يقول فلهوزن([171])،ووصل بهم الأمر إلى أن هددوا علياً نفسه بأنهم سيفعلون معه إذا لم يوقف القتال ما فعلوا بعثمان أو سيدفعونه برمته إلى معاوية.
         وهم جماعة القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد- فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين قائلين له: يا على أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجب([172])، وكان أشدهم خروجاً عليه ومروقاً من الدين كما يقول الشهرستانى- الأشعث بن قيس الكندى، وزيد بن حصين الطائى، ومسعر بن فدكي التميمى"([173]).
         وقد اعتقد هؤلاء القراء أن الدين يأمر بذلك، ولهذا فما ينبغى لهم الإعراض عن قبوله واحتجوا بقوله تعالى: ]ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون[([174])، فأرسلوا إلى أهل الشام طالبين منهم أن يبعثوا حكماً من قبلهم وهم يبعثون حكماً من قبلهم، وأن لا يحضر معهما إلا من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه([175]).
         ولقد كان الأشعث ممن لعب دوراً مهماً فى هذا النزاع فكان ممن يحبذ قبول التحكيم وكان يطمئن علياً بأن الناس قد سرهم التحكيم، وقد وصف بأن له دوراً مشكوكاً فيه، فقد مر بنا أن الشهرستانى وصفه بأنه من أشد الخارجين على علىّ وأشدهم مروقاً من الدين، ووصفه المسعودى بأنه كان "بدأ هذا الأمر يعنى التحكيم- والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله"([176])، ويصفه علي يحيى معمر بأنه كان من أكبر صنائع معاوية([177]).
         ومن هنا نرى مدى الدور الذى سلكه القراء فى هذا المجال وأنهم كما وصفهم فلهوزن كانوا سريعى الإجابة إلى قبول تحكيم كتاب الله، وأن نداء أهل الشام أحدث "فى أهل العراق الأثر المطلوب خصوصاً فى القراء الأتقياء"([178]) كما ذكر.
         ولقد تبين مصداق وصفه e لهم بأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم وأنهم أهل عبادة، حيث كان المطالبون بقبول التحكيم من جيش على هم القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد.
3. إكراه الإمام علىّ على قبول التحكيم واختيار أبى موسى الأشعرى نائباً عنه([179]):
         والقول بقبول الإمام على للتحكيم مكرهاً هو المشهور فى روايات المؤرخين وعلماء الفرق كما أسلفنا.
         لقد أكره الخوارج الإمام علياً على قبول التحكيم كما ذكرنا آنفاً، وقد أراد أن يتلافى ما فى ذلك التحكيم من مخاطر وذلك بإرسال من يمثله للمفاوضة ممن يرتضيهم فى صدق نية ورجاحة الفكر، ولكن وقف الخوارج مرة أخرى فى طريقه فأبوا إلا إرسال من يرتضونه هم، ذلك أن علياً رضى الله عنه أراد أن يرسل الألمعى الذكى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، فما رضى الخوارج بذلك وقالوا: هو منك، وهم يريدون على حد زعمهم- رجلاً لم يكن قد انحاز إلى أى من الجانبين فأرادهم على الأشتر لما يعرف من إخلاصه له فأبوا أيضاً، فأكرهوه ثانياً على أن يكون المرسل من قبله رجلاً لم يختره بنفسه([180]).
         وأنا أستبعد حسب رأيى- أن يقع الحال على ما ذكر، وقد أخطأ بعض الكتاب حينما نبز الصحابى الجليل أبا موسى الأشعرى رضى الله عنه بأنه ما كان مخلصاً لعلىّ ولا كان على جانب من الذكاء والفطنة، وأنه لم يكن أهلاً للمفاوضة ولا كفأ لعمرو ابن العاص إلى آخر ذمهم له، بما يتنافى مع الأدب الواجب لصحابة رسول الله e، ولقد كان أبو موسى من خيرة الناس عقلاً وعدلاً ونصحاً للمسلمين، فليس هناك دليل على صحة وصفه بهذه الأوصاف القبيحة من عدم الذكاء والنصح، مع ما له من السبق فى الدين وشرف الصحبة والسفارة عن رسول الله e إلى أهل اليمن وتوليه أمر القضاء وولايته لعمر على العراق، وهى أمور تشهد بفضله ورجاحة عقله.
         ومن المؤسف أن كثيراً من كتاب المسلمين ومؤرخيهم قد انخدعوا بدس الرافضة فى رواياتهم التى تطعن فى فضلاء الصحابة فى تصريحاتهم أو تلميحاتهم، مما يتوجب على من أراد الخير والحق أن يتثبت من صحة تلك الروايات التى ملئت بها كتب الرافضة وسرت إلى كتب بعض أهل السنة عن حسن ظن منهم بصحة تلك الروايات.
         والواقع أن ما أوردته هنا من أن علياً قبل التحكيم مكرهاً إنما هو متابعة لما كتبه علماء الفرق وأهل التاريخ، وإلا فإن فى النفس شكاً كبيراً فى صحة ذلك، فإننى أستبعد أن تكره تلك الشرذمة علياً وجيشه على قبول أمر لم يكونوا مقتنعين به وأن يفرضوا عليه ما أرادوه.
         على أن ما يذكره أولئك الكتاب بعد ذلك عن صلابة أمير المؤمنين على فى الثبات على قبول التحكيم، إنما هو دليل واضح على اقتناعه به، كما أستبعد أيضاً أن يكون اختيار على لأبى موسى على كره منه له أيضاً، فهذا قول سخيف، إذا لا يقبل أى شخص أن يفاوض باسمه إلا من ارتضاه وإلا كان أحمق، وحاشا علىٌ من ذلك، خصوصاً وأن المفاوضة هى على أمر له ما بعده فى مجرى حياة الناس، فكيف يجبر الحاكم خصوصاً مثل على رضى الله عنه- على هذا الضيم؟!
4. وثيقة التحكيم:
         والوثيقة بنصها أوردها الطبرى وابن الأثير وابن أبى الحديد والمسعودى وغيرهم، وهى وثيقة مطولة تقرر فيها رضى الطرفين بالرجوع إلى كتاب الله حكماً بينهم، فإن لم يوجد فإلى سنة نبيه e، وأن كل طرف آمن من الآخر وأن الكل ضد المخالف لما يتفق عليه الحكمان، وأن أجل القضاء إلى رمضان، فإن أحبا تأخيره فلهما ذلك برضاهما، وإذا مات أحدهما فى هذه المدة فعلى الطرف الآخر أن ينظر من يمثله ممن يرى فيه الصلاح، ولكل واحد من الحكمين ما اختار من الشهود.
         ثم كتبت أسماء الشهود من جانب على عشرة من أصحابه ومن جانب معاوية مثلهم، وكتبوا فى آخرها "اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما فى هذه الصحيفة". ولقد تمت كتابة الوثيقة فى يوم الأربعاء (13/2/37هـ) لثلاث عشرة خلت من صفر أو لليلة بقيت كما يرى بعضهم- سنة سبع وثلاثين من الهجرة، وقد نصت هذه الوثيقة أيضاً على أن يكون التحكيم فى شهر رمضان أى بعد ثمانية أشهر بدومة الجندل، على أن يحضر من كل جانب أربعمائة([181]).
5. إنكار الخوارج للتحكيم بعد إكراه الإمام علىّ على قبوله:
         وقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة بين أهل العراق فحينما دار به الأشعث على الناس يقرأه عليهم فرحاً مسروراً كما وصفه المسعودى، ثارت ثائرتهم فقد غضب عروة بن أدية فضرب عجز دابة الأشعث، قال: أتُحكِّمون فى أمر الله عز وجل الرجال، لا حكم إلا الله.
         حقاً إنه لغريب أمر هؤلاء الخوارج فبعد أن اضطروا علياً إلى قبول التحكيم وكتب الكتاب وأعطيت العهود والمواثيق فى وفاء كل لصاحبه بما شرط، جاء زرعة بن البرج الطائى وحرقوص بن زهير السعدى إلى على يطلبان منه نقض ما عاهد عليه وشرط على نفسه بقولهما له: "تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال على: قد أردتكم على ذلك فعصيتمونى وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليهم عهوداً وقد قال تعالى: ]وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم["([182]).
         ولقد كان ثبات الإمام علىّ على التحكيم والوفاء بعهوده فيه دافعاً للخوارج إلى رفضه والخروج عليه، بل إلى تكفيره بهذا السبب، فقد اتفقوا بالإجماع على تكفيره كما ذكر ذلك كثير من كتاب المقالات([183])، بل وصل بهم الأمر إلى أنهم لا يصححون المناكحات إلا باعتقاد البراءة من على وعثمان، ويقدمون ذلك على كل طاعة([184]).
6. كيفية التحكيم:
         سبق أن ذكرنا أن وثيقة التحكيم كتبت فى الثالث عشر من شهر صفر سنة 37هـ، وحدد رمضان من نفس العام موعداً لتمام التحكيم، ولما انتهت المدة وجاء وقت الاجتماع بعث علىّ أربعمائة شخص ورئيسهم شريح بن هانئ الحارثى وعبد الله بن عباس إمامهم فى الصلاة ووالى أمورهم. وبعث معاوية عمرو بن العاص فى أربعمائة رجل ثم التقوا بدومة الجندل بأذرج([185]).
7. مدى صحة القول بوجود الخداع فى التحكيم:
         هذه هى الصورة التى يثبتها كثير من المؤرخين لكيفية التحكيم وهم بذلك يثبتون أنه قد كان هناك خداع فى التحكيم من جانب عمرو بن العاص، حيث أن الحكمين بعد أن اتفقا على خلع على ومعاوية سراً ثم جاء دور الإعلان أعلن أبو موسى خلع صاحبه علياً وثبت عمرو صاحبه معاوية فتسابا .. إلخ تلك القصة التى تشبه أن تكون هزلاً أكثر منها جداً.
         قال ابن العربى تعقيباً على ما روى فى قضية التحكيم من الخداع:
         "هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شئ أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصى الله والبدع"([186]).
         ويقول ابن كثير فى وصف الحكمين: "والحكمان كانا من خيار الصحابة .. وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم، وكذلك وقع ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج"([187]).
8. إمارة عبد الله بن وهب الراسبى على الخوارج:
         لقد تمت البيعة له فى الكوفة بعد خلافهم الأخير مع الإمام عليّ وقبل أن تنتهى عملية التحكيم نفسها وتظهر نتيجتها.
         فعندما أرسل علىّ أبا موسى للتحكيم اجتمع الخوارج فى منزل عبد الله بن وهب الراسبى فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم زهدهم فى الدنيا والرغبة فيما عند الله بإقامة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واحتساب ذلك لثواب الله، ثم قال لهم: "فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة"، فقام حرقوص ابن زهير وتكلم وزهد فى الدنيا والاغترار بها ثم قال لهم: "ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
         فقام حمزة بن سنان الأسدى وقال لهم: "يا قوم إن الرأى ما رأيتم فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها". وهنا وقعوا فى مشكلة من سيقبل الخلافة فقد صار كل واحد ممن يصلح لها يحيلها عنه إلى غيره، فقد عرضوها على زيد بن حصين الطائى فأبى، ثم على حرقوص ابن زهير فأبى أيضاً، ثم على حمزة بن سنان فأبى كذلك، ثم شريح بن أوفى العبسى فامتنع، ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فقال: "هاتوها أما والله لا آخذها رغبة فى الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت". وهكذا تمت بيعة ذى الثفنات([188]) كما كان يقال له من شدة عبادته فى شهر شوال لعشر خلون منه سنة سبع وثلاثين من الهجرة([189]).
 
محاورات الإمام عليّ للخوارج فى النهروان([190]):
         وقعت بين الإمام على وبين الخوارج –قبل نشوب المعركة- عدة محاورات، وحينما طلب منهم على رضى الله عنه بيان أسباب خروجهم عنه أجابوه بعدة أشياء، منها:

  1. لماذا لم يبح لهم فى معركة الجمل أخذ النساء والذرية كما أباح لهم أخذ المال؟

  2. لماذا محى لفظة أمير المؤمنين وأطاع معاوية فى ذلك عندما كتب كتاب الهدنة فى صفين، وأصر معه على عدم كتابة "عَلىُّ أمير المؤمنين"؟

  3. قوله للحكمين: إن كنتُ أهلاً للخلافة فأثبتانى. بأن هذا شك فى أحقيته للخلافة.

  4. لماذا رضى بالتحكيم فى حق كان له.

         هذه أهم الأمور التى نقموا عليه من أجلها كما يزعمون، وقد أجابهم عن كل تلك الشبه ودحضها جميعاً حيث أجابهم عن الشبهة الأولى والتى تدل على جهلهم بما يلى:

  1. أباح لهم المال بدل المال الذى أخذه طلحة والزبير من بيت مال البصرة، ثم هو مال قليل.

  2. النساء والذرية لم يشتركوا فى قتال وهم أيضاً مسلمون بحكم دار الإسلام ولم تكن منهم ردة تبيح استرقاقهم.

  3. قال لهم: لو أبحت لكم استرقاق النساء والذرية فأيكم يأخذ عائشة سهمه فخجل القوم من هذا ورجع معه كثير منهم كما قيل.

وأجابهم على الشبهة الثانية:

  1. بأنه فعل كما فعل رسول الله e يوم الحديبية، وذكر إن صحت الرواية- أنه قال: أخبرنى رسول الله e أن لى منهم يوماً مثل ذلك.

         والله أعلم بصحة هذه الرواية التى يتناقلها المؤرخون، ذلك أن معاوية رضى الله عنه ما كان يطالب بالخلافة حتى يحق له أن يطلب محو كلمة "أمير المؤمنين". ومعاوية كذلك يعرف أسبقية على وفضله، وإنما النزاع حول أمر آخر غير الخلافة، اللهم إلا أن يكون هذا الفعل من صنيع المفاوضين دون علم معاوية بذلك.
         وأجابهم عن الشبهة الثالثة على افتراض صحة الرواية عنه: بأنه أراد النصفة لمعاوية ولو قال: احكما لى، لم يكن تحكيماً، ثم استدل بقصة وفد نصارى نجران ودعوة الرسول e لهم إلى المباهلة لإنصافهم.
         وأجابهم عن الشبهة الرابعة: بأن رسول الله e حكَّم سعد بن معاذ فى بنى قريظة فى حق كان له.
         ثم نشبت المعركة مع من بقى منهم على عناده وهزم الخوارج شر هزيمة، وتذكرُ بعضُ كتب الفرق أنه لم ينجُ من الخوارج إلا تسعة، ولم يقتل من جيش على إلا تسعة([191])، وصار هؤلاء التسعة من الخوارج هم نواة الخوارج فى البلدان التى ذهبوا إليها، وفى هذا نظر([192])، وقتل زعيم الخوارج فى هذه المعركة وهو عبد الله بن وهب الراسبى سنة 37 أو 38هـ.
أسباب خروج الخوارج:
         الراجح أن أسبابا مجتمعة هى التى أدت بهم إلى الخروج، ونوجز أهم الأسباب فيما يلى:
1. النزاع حول الخلافة:
         وربما يكون هذا هو أقوى الأسباب فى خروجهم، فالخوارج لهم نظرة خاصة فى الإمام معقدة وشديدة، والحكام القائمون فى نظرهم لا يستحقون الخلافة، لعدم توفر شروط الخوارج القاسية فيهم، إضافة إلى أنهم فسروا الخلاف بين على ومعاوية رضى الله تعالى عنهما بأنه نزاع حول الخلافة. ومن هنا استسهلوا الخروج على علىّ ومعاوية من بعده.
2. قضية التحكيم:
         فقد أجبروا الإمام علياً على قبول التحكيم، وحينما تم ذلك طلبوا منه أن يرجع عنه بل ويعلن إسلامه، فرد عليهم رداً عنيفاً.
3. جور الحكام وظهور المنكرات:
         هكذا كان الخوارج يرددون فى خطبهم ومقالاتهم، أنَّ الحكّام ظلمة والمنكراتِ فاشيةٌ، والواقع أنهم حينما خرجوا فعلوا أضعاف ما كان موجوداً من المظالم والمنكرات.
         وهناك أسباب أخرى: عوامل اقتصادية، كقصة ذى الخويصرة مع الرسول e، وثورتهم الممقوته على عثمان رضى الله عنه، حيث نهبوا بيت المال بعد قتله مباشرة، ونقمتهم على عليّ فى معركة الجمل.
حركات الخوارج الثورية وفرقهم وعددهم:
         أ. أشرنا فيما مضى إلى أن الخوارج قد كونوا لهم دولة وصار لهم نفوذ، وإذا تتبعنا حركاتهم الثورية فإننا نجدها متصلة عنيفة، ابتداء من خروج المحكِّمة على الإمام عليّ ومن خرج بعدهم على الإمام عليّ فى شكل جماعات حربية تثور هنا وهناك عليه وعلى الحكام الأمويين من بعده حرب عصابات، إلى أن جاء نافع بن الأزرق سنة 64هـ، وبدأ الخوارج يظهرون كفرق كبيرة امتدت إلى عصر الدولة العباسية، لا يَقَرُّ للخوارج قرارٌ أو يستكينون إلا ريثما يتم عددهم وعدتهم يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث، وتلك الحركات مدونة فى كتب التاريخ والفرق مما لا نرى التطويل بذكره، لأنها أحداث تاريخية.
ب. فرق الخوارج:
         أما فرقهم، فإن من رحمة الله بالناس أن الخوارج تفرقوا فيما بينهم، ولو اتحدوا لكانوا كارثة على المسلمين المخالفين لهم، ويذكر العلماء أنَّ الخوارج كانوا يختلفون ويفترقون لأتفه الأسباب، وحينما جاء نافع بن الأزرق ببعض التفاصيل فى المذهب كحكم التقية والقعدة([193]) وأطفال المخالفين لهم فزاد الطين بله والنار اشتعالاً فتفرقوا فرقاً كثيرة قد لا يكون ضرورياً عدها هنا فإن بعض تلك الفرق انتهى فى وقته، وبعضها اندمج مع فرق أخرى، وبعضها رجع عن مقالاته كما فصلته كتب الفرق([194]).
جـ. عدد فرق الخوارج:
         إن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق على تقسيم فرقهم الرئيسة أو الفرعية على عدد معين، فنجد الأشعرى مثلاً يعد فرق الخوارج أربع فرق، وغيره يعدها خمساً، وبعضهم يعدها ثمانياً، وبعضهم سبعاً، وآخرون خمساً وعشرين، وقد تصل إلى أكثر من ثلاثين فرقة، والواقع أنه يصعب معرفة عدد فرق الخوارج(2)، والسبب فى ذلك يعود إلى:

  1. أن الخوارج فرق حربية متقلبة، فلم يتمكن العلماء من حصرهم حصراً دقيقاً.

  2. أن الخوارج كانوا يتفرقون باستمرار لأقل الأسباب، كما أنهم يختلفون أيضاً لأقلها.

  3. أن الخوارج أخفوا كتبهم إما خوفاً عليها من الناس أو ضناً بها عنهم، مما يجعل دراستهم من خلال كتبهم فى غاية الصعوبة.

دراسة أهم فرق الخوارج: وهم الإباضية:
         ولا بد من وقفة يسيرة عند هذه الفرقة من الخوارج، نذكر عنهم على سبيل الإيجاز بعض ما قيل عنهم، سواء ما جاء عن المخالفين أو الموافقين لهم، أو ما ذكروه فى كتبهم، ولكون هذه الطائفة لا يزال لها أتباع وأنصار فى أماكن كثيرة من العالم، ولكونهم كانت لهم صولة وقوة، ولكثرة ما جاء من أخبارهم السياسية والعقدية والاجتماعية. فإنها تحتاج إلى دراسة خاصة قد تأخذ حجماً كبيراً لمن أراد أن يتتبع أخبارهم ويقف على مبادئهم.
زعيم الإباضية:
         أما بالنسبة لزعيم الإباضية فإنهم ينتسبون فى مذهبهم حسبما تذكر مصادرهم- إلى جابر بن زيد الأزدى الذى يقدمونه على كل أحد ويروون عنه مذهبهم، وهو من تلاميذ ابن عباس رضى الله عنه([195]).
         وقد نُسِبوا إلى عبد الله بن إباض لشهرة مواقفه مع الحكام([196])، واسمه عبد الله بن يحيى بن إباض المري من بنى مرة بن عبيد، وينسب إلى بنى تميم، وهو تابعى، عاصر معاوية وابن الزبير وكانت له آراء واجه بها الحكام. وهذا هو اسمه المشهور عند الجمهور.
دولة الإباضية:
         قامت للإباضية دولتان، إحداهما فى المغرب والأخرى فى المشرق عُمَان- تمتع المذهب الإباضى فيهما بالنفوذ والقوة.
         وساعد انتشار المذهب الإباضى فى عُمَان بُعْدُها عن مقر الخلافة، ثم مسالكها الوعرة.
         ويرجع دخول المذهب الإباضى عُمَان إلى فرار بعض الخوارج بعد معركة النهروان إلى هذا البلد، كما يرى بعض العلماء.
موقف الإباضية من المخالفين لهم:
أ. موقفهم من سائر المخالفين:
         تتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات من مخالفيهم.
         وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، إضافة إلى أنَّ العلماء يذكرون عنهم كذلك أن الإباضية تعتبر المخالفين لهم من أهل القبلة كفارُ نعمةٍ غير كاملي الإيمان ولا يحكمون بخروجهم من الملة، إلا أن المدح ليس بالاتفاق بين العلماء، فهناك من يذكر عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم محاربون لله ولرسوله وأنهم يعاملون المخالفين لهم أسوأ المعاملة.
         والحقيقة أن القارئ لكتب علماء الفرق يجد أنهم متعارضون فى النقل عنهم إلا أن يقال: إن طائفة من الإباضية معتدلون وآخرون متشددون.
ب. موقف الإباضية من الصحابة:
موقف الإباضية من الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم:
         من الأمور المتفق عليها عند سائر الخوارج الترضى التام والولاء والاحترام للخليفتين الراشدين أبى بكر وعمر رضوان الله عليهما، لم تخرج فرقة منهم عن ذلك.
         أما بالنسبة للخليفتين الراشدين الآخرين عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب رضى الله عنهما فقد هلك الخوارج فيهما وذموهما مما برأهما الله عنه.
         ونفس الموقف الذى وقفه الخوارج عموماً والإباضية أيضاً -من الصحابة السابقينوقفوه أيضاً من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأوجب لهما الورجلانى -أحد علمائهم- النار([197])، وقد بشرهما الرسول e بالجنة، وهؤلاء يوجبون عليهما النار، فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول e وهو راض عنهم!!
         قال النبى e (لا تسبوا أصحابى، فوالذي نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه)([198])، وإنه لمما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله e، فإذا كان أخص أصحاب محمد e غير مرضيين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضى بعد ذلك؟
عقائد الإباضية:
         من الأمور الطبيعية أن تخرج هذه الفرقة وغيرُها من الفرق عن المعتقد السليم فى بعض القضايا ما دامت قد خرجت عن أهل السنة والجماعة وارتكبت التأويل، ولا بد كذلك أن توجد لها أقوال فقهية تخالف فيها الحق إلى جانب أقوالهم فى العقيدة.
         والذى نود الإشارة إليه هنا أن للإباضية أفكاراً عقدية وافقوا فيها أهل الحق، وعقائد أخرى جانبوا فيها الصواب.
         1. أما ما يتعلق بصفات الله تعالى: فإن مذهب الإباضية فيها أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نفى الصفات نفياً تاماً خوفاً من التشبيه بزعمهم، وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلى آخر الصفات، فالصفات عندهم عين الذات، فلا يثبتون وجهًا ولا عينًا ولا غير ذلك مما هو ثابت، ويؤولون ذلك بالذات.
         وهذا فى حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق، وقد شنع الورجلانى منهم على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو حسب زعمه- تأويل الصفات، فاليد النعمة والقدرة، والوجه الذات ومجىء الله مجىء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه، كما يزعم.
         ومعلوم لطلاب العلم أن هذا ليس هو مذهب السلف الذين يثبتون الصفات لله كما وصف نفسه فى كتابه الكريم ووصفه به رسول الله e من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. قال ابن تيمية فى بيان مذهب السلف: "إنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله e من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل".
         ويقول ابن القيم: "لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويغضب ويسخط ويجىء ويأتى وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، وأن له يدين وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك([199]).
         فهل يعتبر هذا الوصف تشبيه لله بخلقه؟ ]قل ءأنتم أعلم أم الله[([200]).
         وطريقة السلف فى إثبات كلِّ صفة لله، أنهم يقولون فيها: إنها معلومة والكيف مجهول والسؤال عنها بدعة، وأن الله ]ليس كمثله شئ وهو السميع البصير[([201]) وهذه الآية أساس واضح فى إثبات الصفات لله.
         ولم ير أهل السنة أنَّ إثبات الصفات يؤدى إلى التشبيه لمعرفتهم أن الاتفاق فى التسمية لا يستلزم الاتفاق فى الذات، فالله سميع وبصير والإنسان سميع بصير، وبين الذاتين ما يعرفه كل عاقل من الفرق، ومن تصور التشبيه فقد جمع بين التشبيه والتعطيل.
         والحاصل أن الإباضية هنا وافقوا المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الفرق فى باب الصفات، معتمدين على عقولهم وعلى شبهات وتأويلات باطلة.
         2. وأما عقيدة الإباضية فى استواء الله وعلوِّه، فإنهم يزعمون أنَّ الله يستحيل أن يكون مختصاً بجهة ما، بل هو فى كل مكان. وهذا قول بالحلول وقول الغلاة الجهمية، ولهذا فقد فسر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، أو استواء ملك ومقدرة وغلبة، وإذا قيل لهم: لم خص العرش بالاستيلاء والغلبة؟ أجابوا بجواب واه قالوا: لعظمته، وقد خرجوا بهذه التأويلات عن المنهج الشرعى إلى إعمال العقل واللغة بتكلف ظاهر مخالف للاعتقاد السليم والمنطق والفطرة.
         3. وذهبت الإباضية فى باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها، لأن العقل كما يزعمون- يحيل ذلك ويستبعده، واستدلوا بقوله تعالى: ]لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار[([202])، وأولوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة.
         ومن أدلتهم قوله تعالى: ]قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى[([203]).
         واستدلوا من السنة بحديث عائشة حين سئلت عن الرسول e: هل رأى ربه ليلة الإسراء؟ فأجابت بالنفى كما رواه صاحب وفاء الضمانة([204])، وقد أورد الربيع بن حبيب صاحب كتاب الجامع الصحيح أو مسند الربيع -الذى هو عندهم بمنزلة صحيح البخارى ومسلم عن أهل السنة، ويعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن الكريم كما يزعمون أورد عدة روايات عن بعض الصحابة تدل على إنكارهم رؤية الله تعالى بزعمه([205]).
         والواقع أن كل استدلالاتهم التى شابهوا فيها المعتزلة، إما استدلالات غير صحيحة الثبوت، أو صحيحة ولكن أوَّلوها على حسب هواهم فى نفى الرؤية.
         فإن الآية الأولى ليس فيها نفى الرؤية، وإنما نفى الإحاطة والشمول، فالله يُرَى ولكن من غير إحاطة به عز وجل.
         وقوله لموسى: ]لن ترانى[ أى فى الدنيا، وقد علق الله إمكان رؤيته تعالى بممكن، وهو استقرار الجبل.
         وحديث عائشة إنما أرادت نفى أن يكون الرسول e رأى ربه فى ليلة الإسراء، وليس المقصود نفى الرؤية مطلقاً، فهذا لم ترده أم المؤمنين، ومن فهم النفى مطلقاً فهو سيئ الفهم جاهل بالنصوص.
         وخلاصة القول فى هذه المسالة، أن رؤية الله تعالى تعتبر عند السلف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لا يماري فيها أحد منهم بعد ثبوتها فى كتاب الله تعالى وفى سنة نبيه e، وفى أقوال الصحابة رضى الله عنهم وفى أقوال علماء السلف قاطبة رحمهم الله تعالى.
         4. ومن عقائد بعض الإباضية فى كلام الله تعالى القول بخلق القرآن، بل حكم بعض علمائهم كابن جميع والورجلانى أن من لم يقل بخلق القرآن فليس منهم([206]).
         وقد عرف المسلمون أن القول بخلقه من أبطل الباطل، إلا من بقى على القول بخلقه منهم وهم قلة شاذة بالنسبة لعامة المسلمين، وموقف السلف واضح فيها وهو موقف إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو القول بأن القرآن كلام الله تعالى، منه بدأ وإليه يعود، ولا يتسع المقام هنا لبسط شبه القائلين بخلقه وأدلة من يقول بعدم خلقه وردهم على أولئك المخطئين.
         ومن قذف الله الإيمان والنور فى قلبه يعلم أن الله تعالى تكلم بالقرآن، وبَلَّغَةُ جبريل إلى النبى e والكلام صفة لله تعالى، ومما ينبغى الإشارة إليه هنا أن بعض الإباضية قد خرج عن القول بخلق القرآن، كصاحب كتاب الأديان([207]) وكذا أبو النضر العمانى([208])، وردا على من يقول بخلقه، وبسطا الأدلة فى ذلك وبهذا يتضح أن الإباضية قد انقسموا فى هذه القضية إلى فريقين.
         5. وقد اعتدل الإباضية فى مسألة القدر ووافقوا أهل السنة.
         6. وقد اختلف الإباضيون فى إثبات عذاب القبر. فذهب قسم منهم إلى إنكاره موافقين بذلك سائر فرق الخوارج. وذهب قسم آخر إلى إثباته.
         ومعتقد السلف جميعاً هو القول بثبوت عذاب القبر ونعيمه، كما صحت بذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، ومن أنكره فليس له دليل إلا مجرد الاستبعاد ومجرد الاستبعاد ليس بدليل.
         7. ويثبت الإباضيون وجود الجنة والنار الآن ويثبتون الحوض ويؤمنون بالملائكة والكتب المنزلة.
 
         8. وأما بالنسبة للشفاعة: فإن الإباضيون يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقى فى نظرهم أحوج إلى الشفاعة من المؤمن العاصى.
         ومذهب أهل السنة أن الرسول e يشفع فى عصاة المؤمنين أن لا يدخلوا النار، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها بعد إذن الله ورضاه، وثبت أن الله يقبل شفاعته فى ذلك وشفاعة الصالحين من عباده بعضهم فى بعض.
        9. وأما الميزان الذى جاءت به النصوص وثبت أن له كفتين حسيتين مشاهدتين توزن فيه أعمال العباد كما يوزن العامل نفسه – فإن الإباضية تنكر هذا الوصف، ويثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ، وأن الله يفصل بين الناس فى أمورهم، ويقفون عند هذا الحد غير مثبتين ما جاءت به النصوص من وجود الموازين الحقيقية فى يوم القيامة([209]) وعلى الصفات التى جاءت فى السنة النبوية.
        10. وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط، وقالوا: إنه ليس بجسر على ظهر جهنم([210]) وذهب بعضهم –وهم قلة- إلى إثبات الصراط بأنه جسر ممدود على متن جهنم. والسلف على اعتقاد أن الصراط جسر على متن جهنم، وأن العباد يمرون عليه سرعة وبطئاً حسب أعمالهم ومنهم من تخطفه كلاليب النار فيهوى فيها.
        11. ووافق معظم الإباضية- السلف فى حقيقة الإيمان من أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية([211])، وقد خالف بعضهم فذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص وقد نقل الدكتور صابر طعيمة بعض الأدلة من كتبهم على هذا الرأى([212]).
        12. وزيادة الإيمان ونقصه مسألة خالف فيها الإباضية سائر الخوارج الذين يرون أن الإيمان جملة واحدة لا يتبعض، وأن العبد يكفر ويذهب إيمانه بمجرد مواقعته للذنب ويسمونه كافراً ومخلداً فى النار فى الآخرة، إلا أن الإباضية مع موافقتهم للسلف فى الحكم، لكنهم يسمون المذنب كافراً كفر نعمة ومنافقاً.
         وفى الآخرة مخلد فى النار إذا مات من غير توبة([213])، وكان الحال يقتضى أنهم لا يطلقون عليه كلمة الكفر ولا النفاق، ولا يحكمون عليه بالخلود فى النار بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ونجد هنا الإباضية وافقوا أيضا سائر الخوارج فى الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود فى النار إذا مات قبل التوبة، بناء على اعتقاد إنفاذ الوعيد لا محالة.
         واستدلوا بسائر أدلة الخوارج على كفر مرتكب الكبيرة وخلوده فى النار، وأهل السنة لا يرون ذلك، بل يقولون: إذا مات المذنب قبل التوبة فأمره إلى الله وهو تحت المشيئة، ويقولون أيضاً: إن إخلاف الوعد مذموم وإخلاف الوعيد كرم وتجاوز.
        13. وأما مسألة الإمامة والخلافة فقد ذكر بعض العلماء عن الإباضية فى مسألة الإمامة والخلافة، أن الإباضية يزعمون أنه قد يستغنى عن نصب الخليفة ولا تعود إليه حاجة إذا عرف كل واحد الحق الذى عليه للآخر، وهذا القول أكثر ما شهر عن المُحكِّمة والنجدات. وبالرجوع إلى كتب الإباضية نجد أنهم ينفون هذا القول عنهم ويعتبرونه من مزاعم خصومهم عنهم وأن مذهبهم هو القول بوجوب نصب حاكم للناس.
         وموقفهم هذا يتفق مع مذهب أهل السنة في أنهم يرون وجوب نصب الحاكم حتى وإن كانوا جماعة قليلة، فلو كانوا ثلاثة فى سفر لوجب تأمير أحدهم، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، وأن من قال بالاستغناء عن نصب الحاكم فقد كابر عقله وكذب نفسه ورد عليه الواقع من حال البشر، وصار ما يقوله من نسج الخيال، وأدلته على الاستغناء مردودة واهية.
         والخوارج كافة ينظرون إلى الإمام نظرة صارمة هى إلى الريبة منه أقرب، ولهم شروط قاسية جداً قد لا تتوفر إلا فى القليل النادر من الرجال، وإذا صدر منه أقل ذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل.
         وقد جوَّز الإباضية كأهل السنة صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا تمت للمفضول، خلافاً لسائر الخوارج([214]) -كما سيأتي-.
        14. وجوَّز الإباضية التقية خلافاً لأكثر الخوارج([215]).
إيضاحات لبعض الآراء الاعتقادية للخوارج([216]):
         وتشمل المسائل الآتية:
         خاض الخوارج كغيرهم من الفرق- فى مسائل اعتقادية إلا أن الخوارج بصفة خاصة لم تصل إلينا أكثر آرائهم من كتبهم، وإنما وصلت إلينا من كتب أهل السنة، وقد صح نقل أهل السنة وغيرهم من علماء الفرق الآخرين، وقد ذكرنا فيما مضى السبب فى قبولنا لتلك النقول عن الخوارج، وفيما يلى نذكر أهم المسائل التى كان للخوارج فيها دور بارز:
1. هل الخوارج يقولون بالتأويل أم بظاهر النص فقط؟
تعريف التأويل فى اللغة:
         يطلق التأويل فى اللغة على عدة معانى، منها التفسير والمرجع والمصير والعاقبة، وتلك المعانى موجودة فى القرآن والسنة: قال الله تعالى: ]هل ينظرون إلا تأويله[([217]) وقال الرسول e فى دعائه لابن عباس: (اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل)([218]).
 
 
تعريفه فى الاصطلاح:
        عند السلف له معنيان:
         1. يطلق بمعنى التفسير والبيان وإيضاح المعانى المقصودة من الكلام، فيقال: تأويل الآية كذا، أى معناها.
        2. ويطلق بمعنى المآل والمرجع والعاقبة فيقال هذه الآية مضى تأويلها، وهذه لم يأت تأوليها.
         والفرق بينهما: أنه لا يلزم من معرفة التأويل بمعنى التفسير معرفة التأويل الذى هو بمعنى المصير والعاقبة، فقد يعرف معنى النص ولكن لا تعرف حقيقته كأسماء الله وصفاته فحقيقتها وكيفيتها كما هى غير معلومة لأحد بخلاف معانيها.
        3. وعند الخلف من علماء الكلام والأصول والفقه هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
         وهذا التأويل مرفوض عند السلف واعتبروه تحريفاً باطلاً فى باب الصفات الإلهية([219])، وقد ظهر هذا المعنى للتأويل متأخراً عن عصر الرسول e وعصر الصحابة، بل ظهر مع ظهور الفرق ودخلوا منه إلى تحريف النصوص، وكانت له نتائج خطيرة، إذ كلما توغلوا فى تأويل المعانى وتحريفها بعدوا عن المعنى الحق الذى تهدف إليه النصوص، وبالنسبة لموقف الخوارج فإن العلماء اختلفوا فى الحكم على الخوارج بأنهم نصيون أو مؤولون.
        1. فذهب بعضهم إلى أن الخوارج نصيون يجمدون على المعنى الظاهر من النص دون بحث عن معناه الذى يهدف إليه، وهذا رأى أحمد أمين([220]) وأبى زهرة([221]).
        2. وذهب آخرون إلى أن الخوارج يؤولون النصوص تأويلاً يوافق أهواءهم، وقد غلطوا حين ظنوا أن تأويلهم هو ما تهدف إليه النصوص، وعلى هذا الرأى ابن عباس وشيخ الإسلام ابن تيمية([222]) وابن القيم([223]).
        3. ومن العلماء من ذهب إلى القول بأن الخوارج ليسوا على رأى واحد فى هذه القضية، بل منهم نصيون ومنهم مؤولون، كما ذهب إلى هذا الأشعرى فى مقالاته([224]).
         وهذا هو الراجح فيما يبدو من آراء الخوارج، ولا يقتصر الأمر على ما ذكره من اعتبار بعض الفرق نصيين وبعضهم مؤولين مجتهدين، وإنما يتردد أمر الخوارج بين هذين الموقفين داخل الفرقة الواحدة، والواقع أن لكل من المواقف الثلاثة ما يبرر حكمهم على الخوارج، كما يتضح ذلك جلياً فى مواقف الخوارج المختلفة.
         ويبدو لى أن التأويل الذى نفاه الأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة رحمهما الله إنما هو التأويل الصحيح الذى يفهم صاحبه النص على ضوء مقاصد الشريعة.

         وأما التأويل الذى يثبته للخوارج أصحاب الاتجاه الثانى ويذمونهم به فهو حمل الكلام على غير محامله الصحيحة وتفسيره تفسيراً غير دقيق.
2. موقف الخوارج من صفات الله عز وجل:
         هذه المسألة لم أجد فيما تيسر لى الإطلاع عليه من كتب علماء الفرق بياناً لرأى الخوارج فيها بصفة عامة.
         وقد ذكر الشهرستانى عن فرقة الشيبانية قولاً لأبى خالد زياد بن عبد الرحمن الشيبانى فى صفة العلم لله أنه قال: (إن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علماً، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها)([225]).
         وأما بالنسبة لفرقة الإباضية بخصوصهم فقد تبين من أقوال علمائهم أنهم يقفون منها موقف النفى أو التأويل، بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبه فيها كما تقدم.
         وموضوع الصفات والبحث فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة، وبالرجوع إلى أى كتاب من كتب السلف يتضح الحق فيها بكل يسر وسهولة.
         وأما بالنسبة لما ذكر عن رأى زياد بن عبد الرحمن أو الإباضية، فلاشك أنه لا يتفق مع المذهب الحق مذهب السلف- ولو كان الأمر يخص زياد بن عبد الرحمن وحده لما كان له أدنى أهمية، ولكن الأمر أخطر من ذلك، فقد اعتقدت الجهمية ذلك أيضاً. وبطلان هذا القول ظاهر والتناقض فيه واضح.
         فإن صفات الله عز وجل قديمة بقدمه غير مخلوقة، وما يخلق الله من الموجودات فإنما يخلقه عن علم وإرادة، إذ يستحيل التوجه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟ هذا تناقض ظاهر.
3. حكم مرتكبي الذنوب عند الخوارج:
         اختلف حكم الخوارج على أهل الذنوب بعد اتفاقهم بصفة عامة على القول بتكفيرهم كفر ملة. وحاصل الخلاف نوجزه فيما يلى:
        1. الحكم بتكفير العصاة كفر ملة، وأنهم خارجون عن الإسلام ومخلدون فى النار مع سائر الكفار. وهذا رأى أكثرية الخوارج.
         وعلى هذا الرأى من فرق الخوارج: المحكِّمة والأزارقة والمكرمية والشبيبة من البيهسية واليزيدية والنجدات، إلا أنهم مختلفون فى سبب كفره:
         فعند المكرمية أن سبب كفره ليس لتركه الواجبات أو انتهاك المحرمات، وإنما لأجل جهله بحق الله إذ لم يقدره حق قدره.
         وأما النجدات فقد فصلوا القول بحسب حال المذنب، فإن كان مصراً فهو كافر، ولو كان إصراره على صغائر الذنوب، وإن كان غير مصر فهو مسلم، حتى وإن كانت تلك الذنوب من الكبائر، وهو تفصيل بمحض الهوى والأمانى الباطلة.
        2. أنهم كفار نعمة وليس كفار ملة: وعلى هذا المعتقد فرقة الإباضية كما تقدم. ومع هذا فإنهم يحكمون على صاحب المعصية بالنار إذا مات عليها، ويحكمون عليه فى الدنيا بأنه منافق، ويجعلون النفاق مرادفاً لكفر النعمة ويسمونه بمنزلة بين المنزلتين أى بين الشرك والإيمان وأن النفاق لا يكون إلا فى الأفعال لا فى الاعتقاد([226]).
         وهذا قلب لحقيقة النفاق، إذ المعروف أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله كان نفاقهم فى الاعتقاد لا فى الأفعال، فإن أفعالهم كانت فى الظاهر كأفعال المؤمنين.
أدلتهم:
         تَلَمَّسَ الخوارج لما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب بعض الآيات والأحاديث، وتكلفوا فى رد معانيها إلى ما زعموه من تأييدها لمذاهبهم، وهى نصوص تقسم الناس إلى فريقين: مؤمن وكافر، قالوا: وليس وراء ذلك الحصر من شىء.
       ونأخذ من تلك الأدلة قوله تعالى:

  1. ]هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن[([227]).

  2. ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[([228]).

  3. ]ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نُجازى إلا الكفور[([229]).

         إلى غير ذلك من الآيات.
­ ووجه استدلالهم بالآية الأولى:
         أن الله تعالى حصر الناس فى قسمين: قسم ممدوح وهم المؤمنون، وقسم مذموم وهم الكفار، والفساق ليسوا من المؤمنين، فإذًا هم كفار لكونهم مع القسم المذموم واستدلالهم هذا لا يسلم لهم، أن الناس ينحصرون فقط فى الإيمان أو الكفر.
         فهناك قسم ثالث وهم العصاة لم يذكروا هنا، وذكر فريقين لا يدل على نفى ما عداهما، والآية كذلك واردة على سبيل التبعيض بمن، أى بعضكم كافر وبعضكم مؤمن. وهذا لا شك فى وقوعه، ولم تدل الآية على مدعى الخوارج أن أهل الذنوب داخلون فى الكفر.
­ وأما وجه استدلالهم بالآية الثانية:
         فقد زعموا أنها شاملة لكل أهل الذنوب، لأن كل مرتكب للذنب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله. وقد شملت الفساق، لأن الذى لم يحكم بما أنزل الله يجب أن يكون كافراً، والفاسق لم يحكم بما أنزل الله حين فعل الذنب.
         وهذا الاستدلال مردود كذلك، لأن الآية قد تكون واردة على من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أما أن يدعى الشخص إيمانه بالله ويعترف بأن الحق هو حكم الله فليس بكافر، وإنما هو من أصحاب المعاصى حتى تقام عليه الحجة([230]).
 
 
­ وأما وجه استدلالهم بالآية الثالثة:
         فهو أن صاحب الكبيرة لابد وأن يجازى على مذهبهم- وقد أخبر الله فى القرآن الكريم أنه لا يجازى إلا الكفور، والفاسق ثبتت مجازاته عندهم فيكون كافراً.
         وهذا الدليل مردود عليهم، وينقضه أن الله يجازى الأنبياء والمؤمنين وهم ليسوا كفاراً، وبأن الآية كانت تعقيبا لبيان ذلك العقاب الذى حل بأهل سبأ، وهو عقاب الاستئصال، وهذا ثابت للكفار لا لأصحاب المعاصى([231]).
         وأما ما استدلوا به من السنة على بدعتهم فى تكفير العصاة من المسلمين فقد أساءوا فهم الأحاديث وحملوها المعانى التى يريدونها، ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله e أنه قال:
         (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)([232]).
         ولهم أدلة أخرى نكتفى منها بهذا الحديث.
         فقد فهموا من هذا الحديث نفى الإيمان بالكلية عن من فعل شيئاً مما ذكر فى الحديث، وهذا لا حجة لهم فيه، فإن الحديث كما يذكر العلماء- إما أن يكون وارداً فيمن فعل شيئاً مما ذكر مستحلاً لتلك الذنوب، أو أن المراد به نفى كمال الإيمان عنهم، أو أن نفى الإيمان عنهم مقيد بحال مواقعتهم لتلك الذنوب.
         ولو كانت تلك الكبائر تخرج الشخص عن الإيمان لما اكتفى بإقامة الحد فيها، ولهذا فقد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاء، ولا يخاض فى معناها.
         وقال الزهرى فى مثل هذه الأحاديث: "أَمِرُّوها كما أَمَرَّهَا مَنْ قبلكم"([233]).
         وقد جاء فى حديث أبى ذر رضى الله عنه أنه قال: (ما من عبد قال: لا إله إلا اله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال فى الرابعة: على رغم أنف أبى ذر، قال: "فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبى ذر"([234]).
         والكلام فى أهل الكبائر مبسوط فى موضعه من كتب التوحيد وكتب الفرق، والمقصود هنا هو التنبيه على خطأ الخوارج فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب من المسلمين، مخالفين ما تضافرت النصوص عليه من عدم كفر مرتكبى الذنوب كفر ملة إلا بتفصيلات مقررة فى مذهب السلف.
4. الإمامة العظمى:
         هذه هى مشكلة الخوارج الكبرى منذ نشأوا، وطوال عهد الدولة الأموية وزمن متقدم من عهد الدولة العباسية، شغلتهم قضية الإمامة عملياً، فجردوا السيوف ضد الحكام المخالفين لهم، ناقمين عليهم سياستهم فى الرعية من عدم تمكينهم من اختيار إمامهم بأنفسهم، ثم سياستهم الداخلية فى الناس، وشغلتهم فكرياً بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره فى المجتمع، وكانوا يظهروا بمظهر الزاهد عن تولى الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم وحرباً لا هوادة فيها ضد المخالفين لهم.
­ حكم الإمامة عند الخوارج:
         الإمامة منصب خطير وضرورة اجتماعية، إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالأمن وتستقر الحياة إلا بحاكم يكون هو المرجع الأخير لحل الخلافات وحماية الأمة، وقد أطبق على هذا جميع العقلاء.
         أما بالنسبة للخوارج فقد انقسموا فيها إلى فريقين:
        الفريق الأول: وهم عامة الخوارج. وهؤلاء يوجبون نصب الإمام والانضواء تحت رايته والقتال معه ما دام على الطريق الأمثل الذى ارتأوه له.
         الفريق الثانى: وهم المحكِّمة والنجدات والإباضية فيما قيل عنهم. وهؤلاء يرون أنه قد يستغنى عن الإمام إذا تناصف الناس فيما بينهم، وإذا احتيج فمن أى جنس كان مادام كفئاً لتولى الإمامة([235]).
 
 
­ ومن مبرراتهم:

  1. استنادهم إلى المبدأ القائل: لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفى لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقاً.

  2. أن الحكم ليس من اختصاص البشر بل تهيمن عليه قوة علوية.

  3. إن الضرورى هو تطبيق أحكام الشريعة، فإذا تمكن الناس من تطبيقها بأنفسهم فلا حاجة إلى نصب خليفة.

  4. ربما ينحصر وجود الإمام فى بطانة قليلة وينعزل عن الأغلبية فيكون بعيداً عن تفهم مشاكل المسلمين فلا يبقى لوجوده فائدة.

  5. أن النبى e لم يشر صراحة ولا وضع شروطاً لوجود الخلفاء من بعده.

  6. أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام، وإنما أبان وأمرهم شورى بينهم([236]).

         هذه مبرراتهم، فهل بقى القائلون بالاستغناء عن نصب الإمام على مبدأهم؟ والجواب بالنفى، فإن المحكِّمة حينما انفصلوا ولوا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى، والنجدات حينما انفصلوا تزعمهم نجدة بن عامر، وأما ما قيل عن الإباضية من أنهم يقولون بالاستغناء عن نصب الإمام([237]) فإن مصادرهم التى تيسر لى قراءتها تذكر أن هذا القول إنما نسبه إليهم خصومهم، بقصد الإشاعة الباطلة عنهم([238]).
         وأما تلك المبررات التى نسبت إلى من ذكرناهم فلا شك أنها مبررات واهية ولا تكفى للقول بالاستغناء عن نصب الخليفة، أما القول بعدم وجود الإنسان الكامل، فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار أفضل الموجودين.
         ومن التصور الساذج القول بتناصف الناس فيما بينهم. وأما انعزال الإمام فإن مدار الأمر على التزامه بواجباته الشرعية وعدم إيجاد الحجب بينه وبين رعيته، وذلك مناط الحكم بضرورة وجود الإمام شرعاً وعقلاً.
         وقد ذهبت الخلفية من الخوارج الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها إمامها، فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين([239]) ويكون لهذه المناطق أئمة بعدد تلك المناطق وهذا باطل ولا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه، لأن ذلك يؤدى إلى المشاحنات والعداوة وتفريق كلمة المسلمين، وحينما قرروا أن كل إقليم ينبغى أن يكون مستقلاً عن الآخر لا يخضع إقليم ولا منطقة لمنطقة أخرى تجاهلوا دعوة المسلمين إلى الاتحاد الذى يكمن فيه عزهم وقوتهم.
­ شروط الإمام:
         وضع الخوارج شروطاً قاسية لمن يتولى الإمامة ومنها:

  1. أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية، مخلصاً فى عبادته وتقواه حسب مفهومهم.

  2. أن يكون قوياً فى نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم.

  3. أن لا يكون فيه ما يُخلُّ بإيمانه من حب المعاصى واللهو.

  4. أن لا يكون قد حُدَّ فى كبيرة حتى ولو تاب.

  5. أن يتم انتخابه برضى الجميع، لا يغنى بعضهم عن بعض.

         ولا عبرة بالنسب أو الجنس كما يقولونه ظاهراً دعاية لمذهبهم وفى باطنهم يملأهم التعصب، وكون الإمام ينتخب برضى أهل الحل والعقد، وهذا مبدأ إسلامى لم يأت به الخوارج، كما يقول بعض المستشرقين دعاية للخوارج.
         ولم يلتفت الخوارج إلى ما صح من الأحاديث فى اشتراط القرشية لتولى الخلافة وتقديم قريش فيها عند صلاحية أحدهم لها.
         لم يشترط الشرع فى الإمام أن يكون ليله قائماً ونهاره صائماً، أو أنه لا يلم بأى معصية، أو أن يكون انتخابه برضى كل المسلمين من أقصاهم إلى أدناهم، لا يغنى بعضهم عن بعض فى مبايعتهم له كما يزعمه الخوارج([240]).
­ محاسبة الإمام والخروج عليه:
         يعيش الإمام عند الخوارج بين فكى الأسد –عكس الشيعة- فالخوارج ينظرون إلى الإمام على أنه المثل الأعلى وينبغى أن يتصف بذلك قولاً وفعلاً، وبمجرد أقل خطأ ينبغى عليهم القيام فى وجهه ومحاسبته، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل.
         ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة البيهسية منهم والعوفية، فقد اعتبر هؤلاء كفر الإمام سبباً فى كفر رعيته، فإذا تركه رعيته دون إنكار فإنهم يكفرون أيضاً([241])، ولا شك أن هذا جهل بالشريعة الإسلامية، وعلى هذا فما تراه من كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة.
         وقد حث الإسلام على طاعة أولى الأمر والاجتماع تحت رايتهم إلا أن يظهروا كفراً بواحاً، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وينبغى معالجة ذلك بأخف الضرر، ولا يجوز الخروج عليهم ماداموا ملتزمين بالشريعة بأى حال.
­ إمامة المفضول:
         اختلف الخوارج فى صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين:

  1. ذهب فريق منهم إلى عدم الجواز، وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل.

  2. وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك، وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، كما هو الصحيح([242]).

­ إمامة المرأة:
         الإمامة مسئولية عظمى وعبء ثقيل يتطلب سعة الفكر وقوة البصيرة، ويتطلب مزايا عديدة جعل الله معظمها فى الرجال دون النساء، ولا أدل على هذا من اختيار الله عز وجل لتبليغ رسالته من جنس الرجال، وقد أطبق جميع أهل الحق على أن الخلافة لا يصلح لها النساء.
         ولكنا نجد فرقة من فرق الخوارج وهى الشبيبية تذهب إلى جواز تولى المرأة الإمامة العظمى، مستدلين بفعل شبيب حينما تولت غزالة زوجته وقيل أمه- بعده([243]).
­ موقف الخوارج من عامة المسلمين المخالفين لهم:
         انقسم الخوارج فى نظرتهم إلى المخالفين لهم إلى فريقين:

  1. فريق منهم غلاة.

  2. وفريق آخر أبدى نوعاً من الاعتدال.

         ويذكر الأشعرى رحمه الله فى مقالاته أن الخوارج مجموعون على أن مخالفيهم يستحقون السيف، ودماؤهم حلال، إلا فرقة الإباضية فإنها لا ترى ذلك إلا مع السلطان([244]).
         واختلف علماء الفرق فى أول من حكم بكفر المخالفين هل هم المحكِّمة الأولى أم هم الأزارقة ومن سار على طريقتهم من فرق الخوارج فيما بعد.
         وبتتبع حركة المحكِّمة الأولى نجد أنهم سبقوا إلى تكفير المخالفين لهم واستحلال دمائهم، والشواهد فى كتب الفرق كثيرة كقتلهم عبد الله بن خباب ابن صاحب رسول الله e وغيره فى حوادث كثيرة، إلا أن أشد من بالغ فى تكفير المخالفين لهم وأعمل فيهم السيف هم الأزارقة وفرقة منهم تسمى البيهسية، وكذلك أتباع حمزة بن أكرك.
         أما المعتدلون منهم- وهو اعتدال لا يكاد يذكر - فنجد مثلاً الأخنسية منهم يحرمون الغدر بالمخالفين أو قتلهم قبل الدعوة، وجوزوا تزويج المسلمات منهم لمخالفيهم الذين يعتبرونهم مشركين، وكذلك بعض البيهسية.
         ومن أكثر المعتدلين والمتسامحين مع المخالفين هو تلك الشخصية المرموقة عند كافة الخوارج أبو بلال مرداس بن أدية، فقد خرج وهو يقول لمن يلقاه: إنا لا نخيف آمناً ولا نجرد سيفاً، وكان مما أثاره للخروج على الدولة أن زياداً ذات يوم خطب على المنبر وكان مرداس يسمعه فكان من قوله: "والله لآخذن المحسن منكم بالمسىء، والحاضر منكم بالغائب والصحيح بالسقيم.
         وهذا بالطبع لا يحتمله الخوارج فقام إليه مرداس فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام، إذ يقول: ]وإبراهيم الذى وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى[([245]) وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصى، ثم خرج عقب هذا اليوم.
         وينبغى أن يعلم أن كل فرقة لابد فيها من غلاة يخرجون على جمهورهم، إلا أن السمة الغالبة على الخوارج الشدة على المخالفين لهم.
         وقد تعود هذه الشدة، إلى ما يراه الخوارج من وجهة نظرهم من خروج مخالفيهم عن النهج الإسلامى وبعدهم عنه، وبالتالى الرغبة فى إرجاع الأمة إلى ما كانت عليه فى أيام الرسول e وأيام أبى بكر وعمر رضى الله عنهما كما يدعى الخوارج.
­ حكم الخوارج فى أطفال مخالفيهم:
لابد وأن يكون فى حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذى لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف. والخوارج لم يتفقوا على حكم واحد فى الأطفال، سواء كان ذلك فى الدنيا أو فى الآخرة، ونوجز أهم آرائهم فى هذه القضية فيما يلى:

  1. منهم من اعتبرهم فى حكم آبائهم المخالفين فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون لا عصمة لدمائهم ولا لدماء آبائهم.

  2. ومنهم من جعلهم من أهل الجنة ولم يجوز قتلهم.

  3. واعتبرهم بعضهم خدماً لأهل الجنة.

  4. ومنهم من توقف فيهم إلى أن يبلغوا سن التكليف ويتبين حالهم.

  5. والإباضية تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا فى أطفال المشركين، ومنهم من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين.

         أما القول الأول: فهو للأزارقة، واستدلوا بقول الله تعالى: ]إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا[([246]). وتبعهم فى هذا بعض فرق الخوارج كالعجاردة والحمزية والخلفية.
         وأما القول الثانى: فهو للنجدات والصفرية والميمونية، واستدلوا بقول الرسول e: (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)([247])، والذين توقفوا فى الحكم عليهم قالوا: لم نجد فى الأطفال ما يوجب ولا يتهم ولا عداوتهم إلى أن يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه.
         هذه خلاصة أهم آراء الخوارج فى هذه القضية، والواقع أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء.
         فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا على الإيمان فإن الله تعالى يدخلهم الجنة مع آبائهم وإن نقصت أعمالهم عنهم لتقر أعين آبائهم بهم، فيكونون مع آبائهم فى الجنة، تفضلا من الله تعالى، على ضوء قوله عز وجل: ]والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم[([248]).
         ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال بأنهم فى الجنة دون خلاف.
         وبعضهم ذهب إلى أنهم تحت المشيئة.
         وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم الخوارج أطفال مشركين.
         وأما أطفال المشركين الذين هم عبده الأوثان ومن فى حكمهم فإن العلماء اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً.

  1. فذهب بعضهم إلى التوقف فلا يحكم لهم بجنة ولا نار وأمرهم إلى الله.

  2. أنهم فى النار.

  3. أنهم فى الجنة.

  4. أنهم فى منزلة بين المنزلتين، أى الجنة والنار.

  5. أن حكمهم حكم آبائهم فى الدنيا والآخرة، تبعاً لآبائهم حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهم لم يحكم لأطفالهما بالنار.

  6. أنهم يمتحنون فى عرصات القيامة بطاعة رسول يرسله الله إليهم، فمن أطاعه منهم دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.

         وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء وانتهى إلى نصرة الرأى الأخير ثم قال: "وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذى أحال عليه النبى e حيث قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين)".
         وأيَّد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين فى الجنة، وكذا النووى، وقد توقف شيخ الإسلام فى الحكم عليهم.
         وأما استباحة قتل النساء والذرية كما يرى الخوارج- فقد أخطأوا حين جوزوا ذلك سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين، فقد صحت الأحاديث بالمنع من قتلهم، إلا أن يكون ذلك فى بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء فلا بأس من قتلهم إذا وقع دون عمد([249]).

الخوارج فى الميزان([250])
         وهذا الباب يتعلق بما لهم وما عليهم فى نقاط يسيرة.
الغلو فى الدين:
         مما لا شك فيه أن الخوارج أهل طاعة وعبادة، فقد كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بأهداب الدين وتطبيق أحكامه كاملة، والابتعاد الشديد عن جميع ما نهى عنه الإسلام، وكذلك التحرز التام عن الوقوع فى أى معصية أو خطيئة تخالف الإسلام، حتى أصبح ذلك سمة بارزة فى هذه الطائفة، لا يدانيهم فى ذلك أحد، ولا أدل على ذلك من قول الرسول e (يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء)([251]) الحديث.
         وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما- يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: "دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن([252]) الإبل، وعليهم قمص مرحضة([253]) مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر"([254]).
         وعن جندب الأزدى: قال: "لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع على ابن أبى طالب كرم الله وجهه فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوى كدوى النحل من قراءة القرآن"([255]).
         هذا حال الخوارج: فقد كانوا أهل صوم وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال إلى درجة الغلو والتشدد([256]) حيث قادهم هذا التشدد إلى مخالفة قواعد الإسلام بما تمليه عليهم عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة([257]) مثلاً وقد مر معنا بيان ذلك.
         ومنهم من بالغ فى ذلك حتى على كل من ارتكب ذنباً من الذنوب ولو كان صغيراً فإنه كافر مشرك مخلد فى النار([258]) وكذلك أيضا ما سبق بيانه من رأيهم فى الخروج على الأئمة حيث رأوا الخروج على الإمام ولو لأتفه الأسباب ورأوا أن ذلك من إقامة الدين([259]).
         كان من نتيجة هذا التشدد الذى خرج بهم عن حدود الدين وأهدافه السامية، أن كفروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموهم بالكفر أو النفاق، حتى أنهم استباحوا دماء مخالفيهم([260]) ومنهم من استباح قتل النساء والأطفال من مخالفيه كالأزارقة مثلاً([261]).
         لا شك أن الخوارج بما اتصفوا به من الجهل والتشدد والجفاء قد شوهوا محاسن الدين الإسلامى تشويهاً غريباً، وهم فى تعمقهم قد سلكوا طريقاً ما قال به محمد e ولا دعا إليه القرآن، ولذلك حذر النبى e عن التعمق والتشدد فى الدين لأنه مخالفة للاعتدال وسماحة الإسلام وأخبر أن المتنطع مستحق للهلاك والخسران، فقد صح عنه e أنه قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً([262]).
         بهذا يتبين لنا شذوذ الخوارج، وكذلك من سار على منهجهم المبنى على التعسف والتشدد المخالف لسماحة الإسلام ويسره، فإن الإسلام دين اليسر والسماحة، ويبين هذا قوله عليه الصلاة والسلام فى الحديث الصحيح الذى يرويه أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا)([263]) الحديث.
         إن الجهل بالدين بلية عظمى، وهو صفة ذم لا صفة مدح، والجهل ضد العلم وأشد درجات الجهل هبوطاً إذا كان الجاهل لا يعلم أنه جاهل، فهذا هو الجهل المركب، فكيف إذا اعتقد الجاهل أنه أعلم من غيره، فلا شك أن هذا هو منتهى الجهل والحماقة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف بمن يقف أمام رسول الله e ويقول له: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل) والذى قال هذا هو أصل الخوارج وهو: (ذو الخويصرة التميمى) فمن أين كان يريد العدل وقد نسب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجور؟ ومن الذى يعدل إذا لم يكن رسول الله e يعدل؟ وماذا يرجى لهذه الأمة من الخير إذا لم يكن نبيها يعدل؟ وهذا هو ما أجاب به رسول اله e ذا الخويصرة حينما قال مقالته، فقال النبى e: (ويلك ومن يعدل إن لم أكن أعدل لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أكن أعدل)([264]) وقد رُوِيَت (خبتَ وخسرتَ) بفتح التاء ورُوِيَت بضمها.
         فعلى رواية فتح التاء نسبة الخيبة والخسارة إلى المخاطب ويشمل بقية الأمة إذا لم يكن نبيها يعدل، وبضمها تكون نسبة الخيبة والخسارة إلى المتكلم نفسه وهو النبى -e- لأنه والحالة هذه جائر وحاشاه عن ذلك.
         ومن جهالاتهم الشنيعة موقفهم من أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه- إذ طلبوا منه أن يقر على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة([265]) فهل يليق بمسلم قد آمن بالله ودخل فى الإسلام طائعا مختارًا لم يخالط إيمانه شك ولا ريب أن يعترف بالكفر عند أمر لا يستوجبه.
         ومن جهالاتهم الشنيعة أيضا، أنهم وجدوا عبد الله بن خباب رضى الله عنه- ومعه أم ولد له حبلى([266]) فناقشوه فى أمور، ثم سألوه رأيه فى عثمان وعليّ رضى الله عنهما- فأثنى عليهما خيرا، فنقموا عليه، وتوعدوه بأن يقتلوه شر قتلة فقتلوه وبقروا بطن المرأة([267]).
         ومر بهم خنزير لأهل الذمة فقتله أحدهم، فتحرجوا من ذلك وبحثوا عن صاحب الخنزير وأرضوه فى خنزيره.
         فيا للعجب! أتكون الخنازير، أشد حرمة من المسلمين عند أحد يدعى الإسلام([268]) !! لكنها عبادة الجهال، التى أملاها عليهم الهوى والشيطان، نسأل الله السلامة والعافية.
         قال ابن حجر رحمه الله-: "إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة فقالوا نفى لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله e أمره ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة"([269]).
         وبهذا يتبين لنا أن الجهل كان من الصفات البارزة فى تلك الطائفة التى هى إحدى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، فالجهل مرض عضال يُهلك صاحبه من حيث لا يشعر، بل قد يريد الخير فيقع فى ضده([270]) كما قال تعالى: ]قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا[([271]).
شق عصا الطاعة واستباحة دماء المسلمين وأموالهم:
         لما فارق الخوارج جماعة المسلمين تميزوا بآراء خاصة فارقوا بها جماعة المسلمين، ورأوها من الدين الذى لا يقبل الله غيره، ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين فى زعمهم فأوجبوا البراءة منه. بل إن منهم من غلا فى ذلك، فأوجبوا قتال من خالفهم واستحلوا دماءهم([272]).
         قال ابن تيمية رحمه الله-: "وظهرت الخوارج بمفارقة أهل الجماعة واستحلال دمائهم وأموالهم"([273]).
         فمن ذلك أنهم قتلوا عبد الله بن خباب بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم([274]).
         وقال ابن كثير رحمه الله-: "فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم"([275]).
         هذا موقفهم من عامة المسلمين. وأما موقفهم من الولاة، فقد شقوا عصا الطاعة وسعوا فى تفريق كلمة المسلمين يوضح هذا مواقفهم مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه- حيث تخلوا عنه وخالفوه فى أحرج المواقف، وعصوا أمره، وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل طالبوه بوقف القتال بعدما شارف جيشه على الانتصار على أهل الشام، بل إنهم ربما هددوه بالقتل إذا لم يوقف القتال، فبعث إلى قائده يأمره بوقف القتال([276]).
صلابتهم وحماستهم لمبدئهم:
         لقد امتازت الخوارج بصفات طيبة وخصال حميدة، غير أنها لم تكتف فى تلك الصفات عند الحد المعقول، بل تجاوزته إلى درجة التهور، ومجاوزة الحد توقع فى الضد.
         فمن تلك الصفات، حماستهم لمبدئهم وتعصبهم لعقيدتهم فقد كانوا من أخلص الناس لعقيدتهم، ومن أبسل الناس فى الدفاع عنها([277])، غير أن ذلك الإخلاص كان يصاحبه الانحياز لناحية معينة فلم يسلم من التعصب ولا من التعمق، ولذلك كانت هذه الفرقة من أشد الفرق دفاعا عن مذهبها، وحماسة لآرائها([278])، مما جعلهم يندفعون وراء فكرتهم غير مبالين بما ينالهم فى سبيلها([279])، من قتال أو طرد أو اضطهاد، ولذلك صار الخوارج رجالاً ونساء مثلا فى الشجاعة والجرأة، والمتتبع لتاريخهم يجد ألوانا من البطولة والتضحيات فقد كانت الفئة القليلة منهم تتصدى للجيوش العظيمة فلا ينالون منها إلا بعد عناء وزحوف ومعارك كثيرة دامية([280]).
         وهذا كله نابع من اعتقادهم أن مذهبهم هو الحق الذى لا يجوز غيره، ولا يقبل الله دينًا سواه، ومن أخل بشىء من تعاليمه، فلا حظ له من الدين. الأمر الذى جعل من المستحيل أن يلتقوا مع أحد من المسلمين فى فكرة أو رأى، ولذا كان قبول الأعذار من مخالفيهم شيئاً غريبا عن منهجهم وطبعهم([281]).
         ولهذا كانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان([282]) كما أخبر بذلك النبى e فى الحديث الآتى قريبا إن شاء الله.
 
 
حكمهم فى نظر علماء الإسلام:
         عرفنا فيما تقدم من هذا البحث شيئاً من صفات الخوارج وشيئا مما يمكن أن يقال عنهم من مدح أو ذم، ومن ذلك أنهم كانوا أهل عبادة، نعم، فقد كانوا مداومين على الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقد شهد لهم النبى e بذلك حيث قال: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)([283]) الحديث.
         وشهد لهم التاريخ بذلك، فمن قرأ تاريخهم وسيرهم عرف ذلك عنهم، ولكنهم مع هذا كله يحملون قلوبا عميًا وآذانا صمًا، ونفوسًا شريرة، أبعدتهم عن الحق وصدتهم عن الهدى حتى أصبحوا فى معزل عن الإيمان وأهله، وظنوا أن ما معهم هو الحق، وتأولوا القرآن على ما تمليه عليهم نفوسهم([284]) حتى عمدوا إلى آيات نزلت فى الكفار فجعلوها فى المؤمنين.
         ولذلك (كان ابن عمر رضى الله عنهما- يراهم شرار خلق الله، وقال: (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت فى الكفار فجعلوها فى المؤمنين)([285]).
         لهذا حذرنا منهم النبى e وإن ظهر منهم ما ظهر من العبادة، كما حذرنا منهم صحابته رضوان الله عليهم- بل حذرنا الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز ممن تكون فيه تلك الصفات([286]): فقال تعالى: ]قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً[([287]).
         ولهذا اتفقت الأمة قديما وحديث على ذم الخوارج وتضليلهم وأنهم قوم سوء وعصاة لله عز وجل، ولرسوله e وإن صلوا وصاموا واجتهدوا فى العبادة([288]) لأنهم كانوا فى هذا كله يعملون بما يرضى أنفسهم لا بما يرضى الله ورسوله.
         فقد أخرجهم الشيطان من الدين عن طريق التعمق والزيادة لا عن طريق التفريط والتقصير، وذلك أنهم لم يلتزموا حدود الشريعة فيما أتوه من العبادة، بل تجاوزوا ذلك حتى خرجوا من الدين، وهذا هو المروق الذى وصفهم به النبى([289]) e حيث قال: (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)([290]).
         وقال عليه الصلاة والسلام فى ذى الخويصرة حينما طلب عمر ابن الخطاب منه أن يأذن له فى قتله. فقال: (دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)([291]).
         وقد ثبت هذا عند عامة علماء المسلمين، فأجمعوا على الحكم بفسق الخوارج وضلالتهم.
         وفيما يلى سوف أذكر إن شاء الله حكمهم عند علماء المسلمين، وذلك من ناحيتين:
الأولى: حكم قتالهم.
الثانية: حكم تكفيرهم.
حكم قتال الخوارج:
         لقد تقدم فى هذا البحث ذكر الخوارج وصفاتهم وما ورد فيهم عن رسول الله e وعرفنا شيئا مما أحدثوه فى الإسلام. فهؤلاء لا شك فى وجوب قتالهم وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
         فمن كتاب الله قوله تعالى: ]وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله[([292]) الآية.
         فهذا أمر واضح يدل على وجوب قتال الفئة الباغية حتى تفىء وترجع إلى جماعة المسلمين، والخوارج حينما ظهروا فارقوا جماعة المسلمين وبغوا عليهم وناصبوهم العداء فوجب قتالهم.
 
         وهكذا كلما خرجوا فى أى فترة من التاريخ فقتالهم واجب بكتاب الله. وقد دلت السنة على وجوب قتال الخوارج، وقد استفاضت عن النبى e الأحاديث فى ذم الخوارج والأمر بقتالهم، وهى أحاديث ثابتة فى الصحيحين وغيرهما:
         من ذلك ما رواه على ابن أبى طالب رضى الله عنه- قال: سمعت النبى e يقول: (يأتى فى آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)[293]).
         بهذا الحديث ونحوه استدل من يرى جواز قتلهم ابتداء وإن لم يبدءوا بحرب، وهذا إذا أظهروا بدعتهم، وكذلك استدل به على جواز قتل المقدور عليه منهم.
         قال ابن تيمية رحمه الله-: "فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم، فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم"([294]).
         وقال ابن قدامة رحمه الله-: (والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء والإجهاز على جريحهم لأمر النبى e بقتلهم ووعده بالثواب لمن قتلهم[([295]).
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها)([296]).
         وإنما وجب قتال الخوارج لإفسادهم أمر المسلمين، وتفريق كلمتهم وإضعافهم أمام عدوهم، قال ابن هبيرة "إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن فى قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفى قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى"([297]).
حكم تكفير الخوارج:
         لقد اتفقت الأمة على ذم الخوارج وتضليلهم، وعلى وجوب قتالهم، وأما التكفير فإن مسألته صعبة جدا، ما لم يكن سببه ظاهرًا صريحًا أما إذا لم يكن الأمر كذلك فإن مسالة التكفير أو عدمه مسألة من أشد المسائل إشكالا: إذ أن إخراج أحد من الإيمان بغير يقين أمر عظيم، وكذا إدخال أحد من الكفار فى الإسلام وعده من المؤمنين والحال أن حقيقته الكفر هو أيضا أمر عظيم وخطير، ومن أجل هذا وقع الخلاف فى تكفير الخوارج وغيرهم من أهل البدع المظهرين للإسلام.
         والمشهور فى ذلك قولان للعلماء: فمنهم من جعلهم بغاة حكمهم حكم أهل البغى، ومنهم من ألحقهم بالمرتدين وحكم بكفرهم([298]).
­ أدلة القول الأول:
         وقد احتج من ذهب إلى القول الأول وهو عدم تكفيرهم بحجج منها ما يلى:
         أولا: أنهم قد نطقوا بالشهادتين ودخلوا فى الإسلام([299]).
         ثانياً: أنهم لم يصرحوا بالكفر، وإن قالوا أقوالا تؤدى إليه، لكن الحكم بالكفر لابد من قيام المقتضى له، وانتفاء موانعه([300]).
         ثالثاً: مواظبتهم على أركان الإسلام ومحافظتهم عليها وعدم تفريطهم فى شىء منها([301]).
         رابعاً: إجماع علماء المسلمين على أن الخوارج فرقة من فرق المسلمين، لم يخرجهم أحد من تلك الفرق بصفة العموم. وإن أخرجت بعض طوائف منهم للقطع بكفرهم كاليزيدية والميمونية([302])، وقد سبق الكلام عنهم وبيان سبب كفرهم.
         خامساً: أن عليا رضى الله عنه- حينما سئل عن أهل النهر أكفار هم؟ قال من الكفر فروا. وأنهم ليسوا مشركين ولا منافقين([303]) فلم يكفرهم، بل بين فرارهم من الكفر.
         سادساً: أنه لم يكفرهم أحد من الصحابة فيما أعلم- لا علىّ ولا غيره دليل ذلك أنهم  لم يعاملوهم معاملة الكفار فإنهم فى الحرب لم يجهزوا على جريحهم ولم يسبوا نساءهم وذراريهم ولم يغنموا أموالهم([304])، ولو كفروهم لعاملوهم معاملة المرتدين.
­ أدلة الفريق الثانى:
         أما أصحاب القول الثانى الذين قالوا بتكفير الخوارج فقد استدلوا بما يلى:
         أولاً: استدلوا بما روى عن أبى سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدرى فسألاه عن الحرورية أسمعت النبى e؟ قال لا أدرى ما الحرورية سمعت النبى e يقول: يخرج فى هذه الأمة ولم يقل منها -.
         ثانياً: استدلوا بقول الرسول e فى ذى الخويصرة (إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)([305]).
         وفى رواية ثانية (يمرقون من الإسلام)([306]) وفى أخرى (يمرقون من الدين)([307]).
         ووجه استدلالهم فى الحديث حيث شبه خروج الخوارج من الدين بمروق السهم من الرمية سابقاً للفرث والدم حتى لا يعلق به شىء من ذلك فكذلك الخوارج ليس فى قلوبهم شىء من الدين.
         ثالثاً: واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام فى الخوارج (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفى رواية (لأقتلنهم قتل ثمود)([308])، وكل منهم إنما هلك بالكفر وعلى هذا فالخوارج كفار مثلهم.
         رابعاً: كفرهم بعض العلماء لتكفيرهم أصحاب رسول الله e وكما حكموا بالكفر على كل من خالف معتقدهم فكانوا هم أحق بالاسم منهم، ولأن تكفير أصحاب رسول الله e يتضمن تكذيبه فى شهادته لهم بالجنة ومن كذب الرسول فهو كافر([309]).
         خامساً: استدلوا بقوله e فى الخوارج (هم شر الخلق أو من أشر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)([310])، فدل هذا على أنهم كفار إذ لا يمكن أن يكون أشر الخلق من المسلمين([311]).
­ القول المختار:
         والمختار هو القول الأول وهو عدم الحكم بكفرهم، لأن التكفير باب خطير والتساهل به يوقع المسلمين فى مصائب وأمور عظيمة والمتساهل به قد يقع فى مثل ما وقع به الخوارج حيث كفروا المسلمين.
         ولذا ينبغى الاحتراز منه ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل([312]) فمن لم يأت بمكفر ظاهر نشهد به عليه فلا نكفره من أى فرقة من فرق المسلمين كان.
         لقوله تعالى: ]والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم[([313])، ولا تخلو فرقة من الثنتين والسبعين، من المؤمنين وإن كان فيهم ضلال ولهم ذنوب([314]).
         وفرقة الخوارج ولا شك هى إحدى تلك الفرق ولا شك أن من بدعهم ما هو كفر، ولكن لا يخلو أن يوجد فيهم من لا يعتقد تلك البدع المكفرة ولا يقول بها، كما أنه قد يوجد فيهم المتأول وإن كان تأويله فاسداً([315]). وهذا مثل تكفيرهم للمسلمين سواء من الصحابة أو من دونهم، فهم قد بنوا أقوالهم على مقدمات باطلة، حيث بالغوا فى التشدد فحكموا على مرتكب المعصية بالكفر وربما اتهموا بالذنب من لم يفعله حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من استباحة دماء المسلمين ورميهم بالكفر([316]).
         وعدم القول بتكفير الخوارج لا ينافى الحديث: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) والخوارج قد كفروا بعض المسلمين ونحن لا نقول إن من كفر المسلم فإنه لا يكفر لكننا قد لا نستطيع الجزم بأن فلانا كافر لعدم ظهور ما نتيقن به كفره وإن كان هو عند الله كافرا.
         وأما قول الرسول e (هم شر الخلق) فقد حمله من لم يكفرهم على أن المقصود بذلك شر الخلق أى من المسلمين([317]) أو أن المقصود بقوله (هم شر الخلق) أى أنهم شر على المسلمين من غيرهم فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم لا اليهود ولا النصارى فإنهم كانوا مجتهدين فى قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة ومع هذا فالصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكفروهم ولا جعلوهم مرتدين ولا اعتدوا عليهم بقول ولا فعل بل اتقوا الله فيهم وساروا فيهم السيرة العادلة([318]).
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: "ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج، أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر رضى الله عنه- وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف نجدة الحرورى، وكانوا أيضا يحدثوهم ويفتونهم ويخاطبونهم، كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجده الحرورى لما أرسل إليه يسأله عن مسائل وحديثه فى البخارى وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة وكان نافع يناظره فى أشياء بالقرآن، كما يتناظر المسلمان ومازالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق رضى الله عنه-"([319]) وقال ابن حجر: "ذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وأن حكم الإسلام يجرى عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام"([320]).
         وقال أيضا: "والذى ينبغى؛ الاحتراز عن التكفير ما وُجِدَ إليه سبيلا"([321]).
         وقال ابن قدامة رحمه الله-: "وأكثر الفقهاء على أنهم بغاة ولا يرون تكفيرهم".
         قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين. وقال ابن عبد البر فى الحديث الذى رويناه: قوله: (يتمارى فى الفوق) يدل على أنه لم يكفرهم لأنهم علقوا من الإسلام بشىء بحيث يشك فى خروجهم منه.
         وروى عن على (أنه لما قاتل أهل النهروان قال لأصحابه لا تبدءوهم بالقتال وبعث إليهم أقيدونا([322]) بعبد الله بن خباب، قالوا: كلنا قتله). فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم.
         وذكر ابن عبد البر عن علىّ رضى الله عنه-: (أنه سئل عن أهل النهروان أكفار هم؟ قال من الكفر فروا. قيل فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل فما هم؟ قال: هم قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم)([323]).
 
 


2. الشيعة
مقدمة:
يقول د.غالب عواجي([324]):
         "والشيعة -كطائفة ذات أفكار وآراء- غلب عليهم هذا الاسم وهم من أكذب الفرق على أئمتهم، ومن أخطرها على المسلمين([325])، وذلك بسبب:

  1. استعمالهم التقية المرادفة للكذب.

  2. تظاهرهم بنصرة أهل البيت، حيث انخدع بهم كثير من عوام المسلمين([326]).

  3. بغضهم لأهل السنة بسبب تعاليم خاطئة وضعها بعض كبرائهم نتج عنها نفور الشيعة وعدم الوصول –بعد محاولات كثيرة من جانب أهل السنة- إلى التقارب.

         وقد قام التشيع في ظاهر الأمر على أساس أن علياً رضي الله عنه وذريته هم أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله e، وأن علياً أحق بها من سائر الصحابة بعهد من النبي e كما زعموا في رواياتهم التي اخترعوها وملأوا بها كتبهم.
         ومن الملاحظ على هذه الفرقة أنها كانت باباً واسعاً لكل طامع في تحقيق أغراضه من أهل الأهواء:
1.  إذ تشيع قوم إيماناً بأحقية أولاد علي بالخلافة حسبما سمعوا من النصوص التي لفَّقها علماء التشيع.
     وتشيع قوم كرهوا الحكم الأموي ثم العباسي فقاموا بتلك الثورات العديدة التي سجلها علماء الفرق والتاريخ تحت غطاء دعوى التشيع لأهل بيت النبي e.
         وتشيع آخرون للانتقام من الإسلام كالباطنية.
         وتشيع قوم لتحقيق مطامع سياسية كالمختار مثلاً.
2.  ولأن الشيعة أيضاً لا يتحرون النصوص الصحيحة، ولا يهتمون بإيصال السند إلى النبي e، لهذا فإن أكثر أحاديثهم رويت عن الأئمة([327]).
3.  ولأنهم كذلك أهل عاطفة نحو أهل البيت –فيما يظهرون للناس- فلذا يكفي لتوثيق الشخص عندهم أن يكون ظاهره الغلو في أهل البيت، ويكون بذلك من الثقات الأثبات".أهـ     
التأسيس وأبرز الشخصيات:
         "الإثنا عشر إماماً الذين يتخذهم الشيعة الإمامية أئمة لهم يتسلسلون على النحو التالي([328]):

  • علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي يلقبونه بالمرتضى، رابع الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله e، وقد مات غيلة حينما أقدم الخارجي عبد الرحمن بن ملجم على قتله في مسجد الكوفة في 17رمضان سنة40هـ.

  • الحسن بن علي رضي الله عنهما، ويلقبونه بالمجتبى (3-50هـ).

  • الحسين بن علي رضي الله عنهما، ويلقبونه بالشهيد (4-61هـ).

  • علي زين العابدين بن الحسين (38-95هـ)، ويلقبونه بالسَّجَّاد.

  • محمد الباقر بن علي زين العابدين (57-114هـ)، ويلقبونه بالباقر.

  • جعفر الصادق بن محمد الباقر (83-148هـ)، ويلقبونه بالصادق.

  • موسى الكاظم بن جعفر الصادق (128-183هـ)، ويلقبونه بالكاظم.

  • علي الرضا بن موسى الكاظم (148-203هـ)، ويلقبونه بالرضى.

  • محمد الجواد بن علي الرضا (195-220هـ)، ويلقبونه بالتقي.

  • علي الهادي بن محمد الجواد (212-254هـ)، ويلقبونه بالنقي.

  • الحسن العسكري بن علي الهادي (232-260هـ)، ويلقبونه بالزكي.

  • محمد المهدي بن الحسن العسكري (256-...هـ)، ويلقبونه بالحجة القائم المنتظر.

         يزعمون أن الإمام الثاني عشر قد دخل سرداباً في دار أبيه بسُرَّ مَنْ رأى ولم يعد، وقد اختلفوا في سِنه وقت اختفائه فقيل أربع سنوات وقيل ثماني سنوات، غير أن معظم الباحثين يذهبون إلى أنه غير موجود أصلاً وأنه من اختراعات الشيعة، ويطلقون عليه لقب (المعدوم أو الموهوم)".أهـ
ويقول د. ناصر القفاري([329]):
         ومعظم الفرق التي خرجت عن الجماعة ضعف نشاطها اليوم، وفتر حماسها وتقلَّص اتباعها، وانكفأت علي نفسها، وقلَّت منابذتها لأهل السنة.
         أما طائفة الشيعة فإن هجومها على أهل السنة وتجريحها لرجالهم وطعنها في مذهبهم، وسعيها لنشر التشيع بينهم يزداد يوماً بعد يوم.
         ولعل طائفة الإثنى عشرية هي أشد فرق الشيعة سعياً في هذا الباب لإضلال العباد إن لم تكن الفرقة الوحيدة التي تكثر من التطاول على السنة والكيد لها على الدوام مما لا تجده عند فرقة أخرى.
وذلك لأسباب منها:  
أولاً:    أن هذه الطائفة بمصادرها في التلقي وكتبها وتراثها تمثل نحلة كبرى، حتى أنهم يسمون مسائل اعتقادهم:"دين الإمامية" لا مذهب الإمامية، وذلك لانفصالها عن دين الأمة، وبحسبك أن تعرف أن أحد مصادرها في الحديث عن الأئمة يبلغ مائة وعشرة مجلدات وهو "بحار الأنوار" لشيخهم المجلسي (ت 1111هـ).
ثانياً:    اهتمام هذه الطائفة بنشر مذهبها والدعوة، وعندها دعاة متفرغون ومنظمون، ولها في كل مكان –غالباً- خلية ونشاط، وتوجه جل اهتمامها في الدعوة لنحلتها في أوساط أهل السنة، ولا أظن أن طائفة من طوائف البدع تبلغ شأو هذه الطائفة في العمل لنشر معتقدها والاهتمام بذلك.
         وهي اليوم تسعى جاهدة لنشر مذهبها في العالم الإسلامي، وتصدير ثورتها، وإقامة دولتها الكبرى بمختلف الوسائل.
         وقد تشيع بسبب الجهود التي يبذلها شيوخ الإثنى عشرية الكثير من شباب المسلمين.. ومن يطالع كتاب "عنوان المجد في تاريخ البصرة ونجد" يهوله الأمر، حيث يجد قبائل بأكملها قد تشيعت.
         وقد تحولت سفارات دولة الشيعة في إيران إلى مراكز للدعوة إلي مذهبها في صفوف الطلبة والعاملين المسلمين في العالم، وهي تهتم بدعوة المسلمين أكثر من اهتمامها بدعوة الكافرين.     
         ولا شك أن المسؤولية كبيرة في إيضاح الحقيقة أمام المسلمين، ولاسيما الذين دخلوا في سلك التشيع حباً لأهل البيت واعتقاداً منهم أن هذا الطريق عين الحق وطريق الصدق.
ثالثاً:   أن هذه هي الطائفة الشيعية الكبرى في عالم اليوم، وقد احتوت معظم الفرق الشيعية التي وجدت على مسرح التاريخ، حتى قيل بأن لقب الشيعة إذا أُطلق لا ينصرف إلا إليها.
رابعاً:   هذه الفرقة لها اهتمام دَعائي في الدعوة للتقارب مع أهل السنة، وقد أقامت المراكز، وأرسلت الدعاة وأنشأت الجمعيات التي ترفع شعار الوحدة الإسلامية.
خامساً: هذه الطائفة تكثر من القول بأن مذهبها لا يختلف عن مذهب أهل السنة، وأنها مظلومة ومفترى عليها، ولها اهتمام كبير بالدفاع عن مذهبها، ونشر الكتب والرسائل الكثيرة له، وتتبع كتب أهل السنة ومحاولة الرد عليها، مما لا يوجد مثله عند طائفة أخرى.
سادساً: كثرة مهاجمة هذه الطائفة لأهل السنة، ولاسيما صحابة رسول الله e، وطعنها في أمهات كتب المسلمين، عبر مؤلفاتهم التي يخرج منها سنوياً العشرات من الكتب…كذلك مهاجمتها بعنف وضراوة لكل من يكتب عنها أو يتعرض لمذهبها بالنقد تحت ستار أن هذه الكتابات تعيق التقريب وتعرقل مساعي الوحدة الإسلامية، فانصرفت أكثر الأقلام عن الكتابة عنها.
         ولقد كتب أسلافنا عن الإثنى عشرية، وهي التي يسمونها بالرافضة، وكان لمصنفاتهم أثرها، كما في كتابات أبي نعيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والمقدسي، والفيروز آبادي، وما في كتب الفرق والعقيدة، ولكن تلك الكتابات كانت قبل شيوع كتب الشيعة وانتشارها، وجملة منها يحمل صفة الرد على بعض مؤلفات الشيعة، ولا تدرس الطائفة بعقائدها وأفكارها بشكل شامل.          
         كما أن الإثنى عشرية لمهارتها في التَّقِّية قد خفي أمرها حتى نجد في شرح صحيح مسلم القول بأن الإمامية لا تكفر الصحابة، وإنما ترى أنهم أخطأوا في تقديم أبي بكر. ونرى شيخ الإسلام ابن تيمية -على اهتمامه بالمذهب الرافضي ونقده- يقول: حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى بيت الله. بينما هذه القضية تجدها اليوم مقررة في أمهات كتبهم في عشرات الروايات والعديد من الأبواب.
         كما أن أهم كتب الشيعة وهو"أصول الكافي" لا تجد له ذكراً عند الأشعري أو ابن حزم أو ابن تيمية، وهو اليوم الأصل المعتمد عند الطائفة في حديثها عن الأئمة الذي هو أساس مذهبها.
         وأيضاً فإن طبيعة هذا المذهب أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن الممقاني أكبر شيوخهم في هذا العصر يقول: إن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين أصبح اليوم من ضرورات المذهب. هذه الطبيعة المتغيرة تقتضي التعرف على الوجه الحقيقي للإثنى عشرية في عصرنا.
         كما أن جل الردود التي تسود المصنفات التي كتبها الأئمة السابقون –رحمة الله عليهم أجمعين- هي على شبهات يثيرها الشيعة من كتب السنة نفسها، فيرد عليها أهل السنة مبينين أن تلك النصوص التي يتمسك بها الشيعة إما موضوعة وإما ضعيفة، أو بعيدة عن استدلالهم الفاسد.
         لكن الشيعة لا تؤمن بكتب أهل السنة كلها أصلاً، وهي تثير هذه الشبهات إلى اليوم لتحقيق أمرين:

  • الأول: إشغال أهل السنة بهذه الشبهات، حتى لا يتفرغوا لنقد كتبهم ونصوصهم ورجال رواياتهم.

  • الثاني:  إقناع الحائرين والمتشككين من أهل طائفتهم بدعوى أن ما هم عليه من شذوذ هو موضع اتفاق بين السنة والشيعة.

         ولكن كتب الشيعة اليوم قد توفرت بشكل لم يعهد من قبل… فينبغي أن تكون من أهم ركائز الدراسة والنقد، لأن الحجة على كل طائفة إنما تقام بما تصَّدقه وتؤمن به.
تعريف الشيعة([330]):
التعريف اللغوي:
        يقول ابن دريد (المتوفى سنة 321هـ): "فلان من شيعة فلان أيّ: ممن يرى رأيه، وشيعت الرجل على الأمر تشييعاً إذا أعنته عليه، وشايعت الرجل على الأمر مشايعةً وشياعاً إذا مالأته عليه".
        وقال الأزهري (المتوفى سنة 370هـ): "والشيعة أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمرهم شيعة. والجماعة شيَع وأشياع، والشيعة: قوم يهوون هوى عترة النبي e ويوالونهم". 
        وقال ابن منظور (المتوفى سنة 711هـ): "والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيَع، وأشياع جمع الجمع، وأصل الشيعة: الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإن قيل: فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أيّ: عندهم، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة".   
         فالشيعة والتشيع والمشايعة في اللغة تدور حول معنى المتابعة، والمناصرة، والموافقة بالرأي، والاجتماع على الأمر، أو الممالأة عليه. ثم غلب هذا الاسم كما يقول صاحب اللسان، والقاموس، وتاج العروس على كل من يتولى علياً وأهل بيته. وهذه الغلبة محل نظر، لأنه إذا تأمل الباحث في المعنى اللغوي للشيعة والذي يدل على المتابعة والمناصرة، ثم نظر إلى أكثر فرق الشيعة التي غلب إطلاق هذا الاسم عليها يجد أنه لا يصح تسميتها بالشيعة من الناحية اللغوية، لأنها غير متابعة لأهل البيت على الحقيقة، بل هي مخالفة لهم ومجافية لطريقتهم ...
         ولعل هذا ما لاحظه شريك بن عبد الله حينما سأله سائل: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعيّ! فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعياً، والله لقد رقى هذه الأعواد علي، فقال ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذاباً([331]).  
         فالإمام شريك لاحظ أن غير المتابع لعلي لا يستحق اسم التشيع، لأن معنى التشيع وحقيقته المتابعة… ولهذا آثر بعض الأئمة أن يطلق عليهم اسم الرافضة.
         وقد لجأ المتابعون لأهل البيت على الحقيقة، والذين كانوا يلقبون بالشيعة، لجأوا إلى ترك هذا اللقب لما غلب إطلاقه على أهل البدع المخالفين لأهل البيت، كما يشير صاحب التحفة الإثنى عشرية إلى ذلك فيقول:"إن الشيعة الأولى تركوا اسم الشيعة لما صار لقباً للروافض والإسماعيلية، ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة".
لفظ الشيعة في القرآن ومعناه:
         ومادة شيع وردت في كتاب الله العظيم في اثني عشر موضعاً، وقد أجمل ابن الجوزي معانيها بقوله: "وذكر أهل التفسير أن الشيع في القرآن على أربعة أوجه:
        أحدها: الفرق، ومنه قوله تعالى: ]إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعا[([332])، وقوله: ]ولقد أرسلنا من قبلك في شيَع الأولين[([333])، وقوله: ]وجعل أهلها شيَعا[([334])، وقوله: ]من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعا[([335]).
        والثاني: الأهل والنسب، ومنه قوله تعالى: ]هذا من شيعته وهذا من عدوه[([336]) أراد من أهله في النسب إلى بني إسرائيل.
        والثالث: أهل الملة، ومنه قوله تعالى: ]ثم لننزعن من كل شيعة[([337])، وقوله: ]ولقد أهلكنا أشياعكم[([338])، وقوله: ]كما فُعل بأشياعهم[([339])، وقوله: ]وإن من شيعته لإبراهيم[([340]).
        والرابع: الأهواء المختلفة، قال تعالى: ]أو يلبسكم شيَعا[([341]).
         ويشير ابن القيم –رحمه الله تعالى- في نص مهم له إلى أن لفظ الشيعة، والأشياع غالباً ما يستعمل في الذم، ويقول: ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك كقوله تعالى: ]ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً[([342])، وكقوله: ]إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا[، وقوله: ]وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل[. ويعلل ابن القيم لذلك بقوله: وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع، والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم([343]).
         هذه ألفاظ الشيعة في كتاب الله ومعانيها، وهي لا تدل على الاتجاه الشيعي المعروف،وهذا أمر يدرك بداهة، لكن الغريب في الأمر أن نجد عند الشيعة إتجاهاً يحاول ما وسعته المحاولة أو الحيلة أن يفسر بعض ألفاظ الشيعة الواردة في كتاب الله بطائفته، ويؤول كتاب الله على غير تأويله، ويحمّل الآيات ما لا تحتمل تحريفاً لكتاب الله وإلحاداً فيه، فقد جاء في أحاديثهم في تفسير قوله سبحانه: ]وإن من شيعته لإبراهيم[([344]) قالوا أن إبراهيم من شيعة علي([345]). وهذا مخالف لسياق القرآن وأصول الإسلام، وهو نابع من عقيدة غلاة الروافض الذين يفضلون الأئمة على الأنبياء، فهذا التأويل أو التحريف يجعل خليل الرحمن أفضل الرسل والأنبياء بعد محمد e يجعله من شيعة علي… وهو أمر يعرف بطلانه من الإسلام بالضرورة، كما هو باطل بالعقل والتاريخ ... وهو من وَضْعِ وضَّاعٍ لا يحسن الوضع … ولا يعرف كيف يضع.
         والذي قاله أهل السنة في تفسير الآية والمنقول عن السلف أن إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام وعلى منهاجه وسنته، وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع سياق الآية، لأن الآيات التي قبل هذه الآية كانت في نوح عليه السلام، ويلاحظ أن من مفسري الشيعة من أخذ بقول أهل السنة، وأعرض عما قاله قومه في تأويل الآية.  
لفظ الشيعة في السنة ومعناه:
         ورد لفظ الشيعة في السنة المطهرة بمعنى الأَتْبَاع، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في الرجل الذي قال للنبي –e- : لم أرك عدلت ...، قال فيه عليه الصلاة والسلام: "سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه" ... الحديث([346])، وكذلك في الحديث الذي أخرجه أبو داود في المكذبين بالقدر وفيه: "وهم شيعة الدجال"([347]).
         فالشيعة هنا مرادفة للفظ الأصحاب، والأتباع، والأنصار. 
         ومن خلال مراجعتي لمعاجم السنة لم أر استعمال لفظ الشيعة على الفرقة المعروفة بهذا الاسم إلا ما جاء في بعض الأخبار الضعيفة أو الموضوعة والتي جاء فيها لفظ الشيعة كدلالة على أتباع علي مثل حديث: "فاستغفرت لعلي وشيعته"([348])، وحديث: "مثلي كمثل شجرة أنا أصلها، وعلي فرعها… والشيعة ورقها"([349])، وحديث: أنه e قال لعلي: "أنت وشيعتك في الجنة"([350]).
         وقد ورد في بعض الأخبار أنه سيظهر قوم يدعون التشيع لعلي يقال لهم الرافضة، فقد روى الإمام ابن أبي عاصم أربع روايات في ذكر الرافضة، وقال الشيخ الألباني في تحقيقه لأسانيدها بأنها ضعيفة([351]). وقد أخرج الطبراني –بإسناد حسن كما يقول الهيثمي- أن النبي e قال: "يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت، لهم نبز، يسمون الرافضة، قاتلوهم فإنهم مشركون".
         وقد نبَّه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة، لأن اسم الرافضة لم يعرف إلا في القرن الثاني. وفي ظني أن هذا لا يكفي في الحكم بكذب الأحاديث، إذ لو صحت أسانيدها لكانت من باب الإخبار بما سيقع، وأن الله أخبر نبيه بما سيكون من ظهور الروافض، كما أوحى الله إليه بشأن ظهور فرقة الخوارج، وإن كانت بذرة الخوارج وجدت في حياته e.
لفظ الشيعة ومعناه في كتب الحديث الإثنى عشرية:
         وفي كتب الحديث عند الشيعة يتكرر في كثير من رواياتهم وأحاديثهم التي ينسبونها إلى رسول الله e، وإلى الإمام علي والحسن والحسين وبقية أئمتهم الإثني عشر يتكرر لفظ الشيعة كمصطلح يدل على فرقتهم، وعقيدتهم، وأئمتهم، ذلك أنهم يزعمون أن رسول الله e هو الذي غرس بذرة التشيع وتعهدها بالسقي حتى نمت وأينعت([352]) ... بل وصل بهم الأمر في هذا إلى وضع روايات تدل على أن لفظ الشيعة –كمصطلح لطائفتهم- معروف قبل زمن رسالة نبينا محمد e، فقد جاء في أحاديثهم في تفسير قوله سبحانه: ]وإن من شيعته لإبراهيم[ أي: أن إبراهيم من شيعة علي، بل بلغ بهم الزعم إلى القول: "أن الله أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي، وأخذ عهد النبيين على ولاية علي" وأن "ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء"([353]). إلى آخر هذه الدعاوى وسيأتي بسط ذلك في نشأة التشيع.
لفظ الشيعة في التاريخ الإسلامي:
         في الأحداث التاريخية في صدر الإسلام وردت لفظ الشيعة بمعناه اللغوي الصرف، وهو المناصرة والمتابعة، بل إننا نجد في وثيقة التحكيم بين الخليفة علي، ومعاوية –رضي الله عنهما- وورد لفظ الشيعة بهذا المعنى، حيث أطلق على أتباع علي شيعته، كما أطلق على أتباع معاوية شيعته، ولم يختص لفظ الشيعة بأتباع علي، ومما جاء في صحيفة التحكيم: "هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما… (ومنها): وأن علياً وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص… (ومنها): فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه. (ومنها): وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلاً يرضون عدله"([354]).
         وقال حكيم بن أفلح رضي الله عنه: "لأني نهيتها –يعني عائشة- أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً"([355]). وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا النص، ليأخذ منه دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت([356]).
         وجاء في التاريخ أن معاوية قال لبسر بن أرطاة حين وجهه إلى اليمن: "أمض حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة"([357])، فإذن لم يظهر مصطلح الشيعة دلالة على أتباع علي فحسب حتى ذلك الوقت.
         ويبدو أن بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع، وابتداء التميز بهذا الاسم بدأ بعد مقتل الحسين سنة 61هـ، يقول المسعودي: وفي سنة خمس و ستين تحركت الشيعة في الكوفة([358]). وتكونت حركة التوابين، ثم حركة المختار (الكيسانية) وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها… وأخذت تتميز بهذا الاسم.
         من هنا يتضح أن اسم الشيعة كان لقباً يطلق على أية مجموعة تلتف حول قائدها، وإن كان بعض الشيعة يحاول أن يتجاهل الحقائق التاريخية ويدعي بأن الشيعة "هم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة"([359])، ويتناسوا بأن معاوية أطلق أيضاً على أتباعه كلمة الشيعة، ولكن الوقائع التاريخية تقول بأن لقب الشيعة لم يختص إطلاقه على أتباع علي إلا بعد مقتل عليّ –رضى الله عنه- كما يرى البعض([360])، أو بعد مقتل الحسين كما يرى آخرون([361]).   
r تعريف الشيعة اصطلاحاً:
أ. تعريف الشيعة في كتب الإثنى عشرية:
1. التعريف الأول:
         يعرف شيخ الشيعة القمي([362]) (المتوفى سنة 301هـ) الشيعة بقوله: "هم شيعة علي ابن أبي طالب"، وفي موضع آخر يقول: "الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمون شيعة علي في زمان النبي e، وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته".
         ويوافقه على هذا التعريف شيخهم النوبختي([363])حتى في الألفاظ نفسها.
2. التعريف الثاني:
         يقول شيخ الشيعة وعالمها في زمنه المفيد([364]) بأن لفظ الشيعة يطلق على"…أتباع أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعل الاعتقاد متبوعاً لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء". ثم يذكر أنه يدخل في هذا التعريف الإمامية والجارودية([365]) الزيدية، أما باقي فرق الزيدية فليسوا من الشيعة، ولا تشملهم سمة التشيع.
3. التعريف الثالث للشيعة:
         وإذا كان المفيد لا ينص في تعريفه للتشيع على مسألة النص والوصية، فإننا نرى شيخهم الطوسي يربط وصف التشيع بالاعتقاد بكون عليّ إماماً للمسلمين بوصية من الرسول e وبإرادة من الله. فالطوسي هنا يجعل الاعتقاد بالنص هو أساس التشيع، ولهذا يخرج الطوسي السليمانية([366]) الزيدية من فرق الشيعة لأنهم لا يقولون بالنص، بل يقولون: "إن الإمامة شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول.. ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، ولم يخرجوهم من دائرة التشيع فحسب، بل اعتبروهم نواصب. ولم يكتفوا بذلك فقد جاء في رجال الطاشي أن الزيدية شر من النواصب([367]).
         ويلاحظ أن مسألة النص هي محل اهتمام الشيعة البالغ في القديم والحديث، فنرى مثلاً في القديم شيخهم الكليني يعقد في كتابه الكافي ثلاثة عشر باباً في مسألة النص على الأئمة يضمنها مائة وتسعة أحاديث، ونرى في الحاضر أحد الروافض يؤلف كتاباً في ستة عشر مجلداً في حديث من أحاديثهم التي يستدلون بها على ثبوت النص على عليّ وهو حديث الغدير، ويسمي كتابه باسم الغدير([368])، فلا غرابة في أن يربط الشيعة وصف التشيع بقضية النص، لكن الملفت للنظر أن هذا الاهتمام والمبالغة يسري في كل عقائدهم التي هي محل استنكار وتكذيب من جمهور المسلمين، فتراهم في كل عقيدة من هذه العقائد التي هذا شأنها، يجعلونها هي عمود التشيع وأساسه، ويبالغون في إثباتها، ولكن حينما يعرِّف شيوخهم التشيع لا يذكرون هذه العقائد في التعريف، مع أنهم يعلقون الوصف بالتشيع على الإيمان بها، ولا تشيع بدونها، كمسألة الرجعة مثلاً، قالوا في أحاديثهم: "ليس منا من لم يؤمن بكرَّتِنا". ومع ذلك لا ترى لها ذكراً في تعريف التشيع، وكذلك مسألة العصمة، والإيمان بخلافة ولد عليّ وغيرها، بل تجد هذه المبالغة حتى في مسائل الفقه وقضايا الفروع كمسألة المتعة، قالوا: "ليس منا من لم..يستحل متعتنا". فالقوم ليسوا على منهج واضح سليم في ذلك.
 
 
ب. تعريف الشيعة في المصادر الأخرى:
1. تعريف الأشعري للشيعة:
         ولعل من أقدم من عرَّف الشيعة من أصحاب المقالات والفرق (من غير الشيعة) الإمام الأشعري حيث قال: "إنما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا علياً رضي الله عنه، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله e([369]).
2. تعريف ابن حزم:
         قال: "ومن وافق الشيعة في أن علياً رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله e، وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً".               
         ولكن من يقرأ كلام الشيعة عن عقائدهم كالإمامة، والعصمة، والتقِّية وغيرها يرى أنهم يغالون في كل عقيدة من عقائدهم بحيث يربطون وصف التشيع بالإيمان بتلك العقيدة –كما سلف- ولعل هذا هو ما لاحظه الشهرستاني حينما قدم لنا تعريفاً للشيعة يعتبر من أجمع التعاريف لأصول التشيع وأكثرها شمولاً.
3. تعريف الشهرستاني([370]):
         يقول الشهرستاني: "الشيعة هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية، إما جلياً أو خفياً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم السلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر. والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حالة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك".
         ومن هذا التعريف يتبين أن جميع فرق الشيعة ما عدا بعض الزيدية يتفقون على وجوب اعتقاد الإمامة، والعصمة، والتقية، وسنرى أن الإثنى عشرية يقولون بعقائد أخرى كالغيبة، والرجعة، والبداء .. وغيرها.    
r التعريف المختار للشيعة([371]):
         وفي نظري أن تعريف الشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتهم، ومراحل التطور العقدي لهم، فالتشيع في العصر الأول غير التشيع فيما بعده.
         فعلى هذا يكون التعريف للشيعة في الصدر الأول: أنهم الذين يقدمون علياً على عثمان فقط([372]).
         ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن: الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد عليّ كانوا يفضلون أبا بكر وعمر([373])، وقد منع شريك بن عبد الله –وهو ممن يوصف بالتشيع- إطلاق اسم التشيع على من يفضل علياً على أبي بكر وعمر، وذلك لمخالفته لما تواتر عن عليّ في ذلك، والتشيع يعني المناصرة والمتابعة لا المخالفة والمنابذة.
         لكن لم يظل التشيع بهذا النقاء والصفاء، والسلامة والسمو.. بل إن مبدأ التشيع تغير، فأصبحت الشيعة شيعاً، وصار التشيع قناعاً يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين الحاسدين.. ولهذا نرى بعض الأئمة لا يسمون الطاعنين بالشيخين بالشيعة، بل يسمونهم بالرافضة، لأنهم لا يستحقون وصف التشيع. ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المُحَدِثين، وغير المحدثين من العلماء الأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة، وقد يكونون من أعلام السُّنة، لأن للتشيع في زمن السلف مفهوماً وتعريفاً غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي في معرض الحديث عمن رمي ببدعة التشيع من المحدثين:
 
         "إن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى: كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة.
        ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما أسْتَحضِر -الآن في هذا الضرب- رجلاً صادقاً، ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتَّقِّية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا.
        فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفِهم هو: من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً –رضي الله عنه- وتعرض لسبهم.
        والغالي في زماننا وعُرْفِنَا هو: الذي يكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر([374]).      
ويقول الحافظ ابن حجر:
         "والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض، فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة في الدنيا، فأشد في الغلو"([375]).  
وقال رحمه الله في "التهذيب" أيضاً:
        "التشيع في عرف المتقدمين هو: اعتقاد تفضيل عليّ على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما.
         وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله e، وإذا كان معتقِد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً،فلا تُرَدُّ روايته بهذا، لاسيما إذا كان غير داعية.
        وأما التشيع في عرف المتأخرين: فهو الرفض المحض، (أي السب والشتم)، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة"([376]).
نشأة الشيعة وجذورها التاريخية:
يقول الدكتور ناصر القفاري([377]):
         إن الشيعة بأصولها ومعتقداتها لم تولد فجأة، بل مرت بمراحل كثيرة، ونشأت تدريجياً..وانقسمت إلى فرق كثيرة. ولا شك أن التتبع التاريخي والفكري للمراحل والأطوار التي مر بها التشيع يحتاج إلى بحث مستقل، ولهذا سيكون الحديث هنا عن: أصل النشأة وجذورها التاريخية، ولا يعنينا تتبع مراحلها ونشوء فرقها.. وسنبدأ بعرض رأي الشيعة من مصادرها المعتمدة عندها، ثم نذكر بعد ذلك آراء الآخرين.
         فالمنهج العلمي والموضوعية توصيان بأخذ آراء أصحاب الشأن فيما يخصهم أولاً.     
رأي الشيعة في نشأة التشيع:
         لم يكن لهم رأي موحد في هذا، ونستطيع أن نستخلص ثلاثة آراء في نشأة التشيع كلها جاءت في كتبهم المعتمدة، وسنتعقب كلَّ رأي بالمناقشة والنقد.

  • الرأي الأول:

         أن التشيع قديم قبل رسالة النبي e، وأنه ما من نبي إلا وقد عرض عليه الإيمان بولاية علي. وقد وضع الشيعة أساطير كثيرة لإثبات هذا الشأن، ومن ذلك ما جاء في الكافي عن أبي الحسن قال: "ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ووصية علي عليه السلام"([378])
         "وعن أبي جعفر في قول الله عز وجل ]ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسيَ ولم نجد له عزما[، قال: عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده فترك ولم يكن له عزم([379])، وإنما سمي أولو العزم أولي العزم لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده، والمهدي وسيرته، وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك والإقرار به([380])".

  • نقد هذا الرأي:

         هناك من الآراء والمعتقدات ما يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، وهذا الرأي من هذا الصنف إذ أن فساده وبطلانه من الأمور المعلومة بالضرورة.. وكتاب الله بين أيدينا ليس فيه شيء من هذه المزاعم.
         لقد كانت دعوة الرسل –عليهم السلام- إلى التوحيد لا إلى ولاية علي والأئمة كما يفترون.
         قال الله تعالى: ]وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون[([381]). وقد قال e: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..."([382]) .
         وعن ابن عباس أن رسول الله e لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل…"([383]).
         فلم يرد في السنة الصحيحة إلا ما ينقض هذا الرأي، كما أن "أئمة السلف متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتين"([384]) .
        فأين ما يزعمون من أمر ولاية علي؟
         وإذا كانت ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، فلماذا ينفرد بذكرها الروافض، ولا يعلم بها أحد غيرهم؟ ولماذا لم يعلم بذلك أصحاب الديانات، بل لماذا لم تسجل هذه الولاية في القرآن وهو المهيمن على الكتب كلها، والمحفوظ من رب العزة جل علاه.
         إن هي إلا دعوى بلا برهان، والدعاوى لا يعجز عن التنطع بها أحد إذا لم يكن له من دينه أو عقله أو حيائه ما يحميه.
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه كتب الأنبياء التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي e ليس في شيء منها ذكر عليٍّ ... وهؤلاء الذين أسلموا من أهل الكتاب لم يذكر أحد منهم أنه ذكر عليٌ عندهم فكيف يجوز أن يقال: أن كلاً من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية عليّ، ولم يذكروا ذلك لأممهم، ولا نقله أحد منهم"([385]) .
         وكيف تتطاول هذه الأساطير على الأنبياء فتزعم أن آدم -عليه السلام- وبقية الأنبياء -ما عدا أولي العزم- قد تركوا أمر الله في الولاية، إن هذا إلا بهتان عظيم، فالولاية باطلة والافتراء على الأنبياء باطل.
         ومن المفارقات العجيبة: ذلك الغلو الذي لا يقف عند حد في مسألة عصمة الأئمة .. وهذا الجفاء في حق صفوة الخلق، وهم الأنبياء، أليس ذلك دليلاً على أن واضعي هذه الأساطير هم قوم قد فرغت عقولهم ونفوسهم من العلم والإيمان، وشحنت بالحقد والتآمر على المصلحين والأخيار، وأرادوا الدخول على الناس لإفساد أمرهم من طريق التشيع؟، بلى: إنه لا يتجرأ على مثل هذه الافتراءات إلا زنديق، وكأنهم بهذه المقالة يجعلون أتباع الأئمة أفضل من أنبياء الله –ما عدا أولي العزم- لأن الأتباع اتبعوا، والأنبياء تركوا، إنَِّ هذا لهو الضلال المبين.
         وأين عقول هؤلاء القوم الذين يصدقون بهذه الترهات! كيف يؤخذ على من قبلنا من الأنبياء وأممهم الميثاق على طاعة علي في إمامته "هذا –كما يقول شيخ الإسلام- كلام المجانين، فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله علياً فكيف يكون أميراً عليهم، وغاية ما يمكن أن يكون أميراً على أهل زمانه، وأما الإمارة على من خلق قبله، وعلى من يخلق بعده، فهذا من كذب من لا يعقل ما يقول، ولا يستحي مما يقول… وهذا من جنس قول ابن عربي الطائي وأمثاله من ملاحدة المتصوفة الذين يقولون: إن الأنبياء كانوا يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء والذي وجد بعد محمد بنحو ستمائة سنة، فدعوى هؤلاء في الإمامة من جنس دعوى هؤلاء في الولاية، وكلاهما يبني أمره على الكذب والغلو والشرك والدعاوى الباطلة، ومناقضة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة([386]) .
         فما الغاية والهدف من هذه المقالة التي لا يخفى كذبها على أحد؟
         هل الغاية صد الناس عن دين الله؟!.
         لأن هذا معلوم بطلانه بداهة، فإذا رفعوا هذه الدعوى ونسبوها للإسلام، واطلع عليها أصحاب تلك الديانات وغيرهم، ورأوا بطلانها في العقل والنقل شَكُّوا في الإسلام نفسه ‍.
ثم ماذا يقول أهل العلم والعقل عن هذا التحليل الغريب لفساد الأشياء أو صلاحها من الجمادات والنباتات والمياه…إلخ، وأن هذا بسبب موقفها من ولاية علي.‍
         ماذا يقول العالم عن هذا ... هل هذا هو الدين الذي يريدون أن يقدموه للناس ؟ أو أن الهدف تشويه الإسلام والصد عنه.
         ولا يستغرب هذا الرأي من الشيعة، فهم أهل مبالغات غريبة يكذبون بالحقائق الواضحات، والأخبار المتواترات، ويصدقون بما يشهد العقل والنقل بكذبه.. وإذا كانوا يقولون بهذا الرأي فيمن يدعون إمامته، فإنهم أيضاً يقولون في أعداء الأئمة وأعداء الشيعة –في اعتقادهم- ما يقارب هذا الرأي فقد قالوا في الخليفتين الراشدين العظيمين: أبي بكر وعمر، قالوا –مثلاً- : "وقع في الخبر أن القائم -رضي الله عنه- إذا ظهر يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا حتى قتل قابيل وهابيل، ورمي أخوة يوسف له في الجب، ورمي إبراهيم في النار وسايرها، وكذا روي عن الصادق: "أنه ما أزيل حجر من موضعه، ولا أريقت محجمة دم إلا وهو في أعناقهما- يعني الخليفة الأول والثاني-([387]) .

  • الرأي الثاني: (من آراء الشيعة)

         ويزعم بعض الروافض في القديم والحديث أن رسول الله e هو الذي وضع بذرة التشيع، وأن الشيعة ظهرت في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه e.
         يقول القمي: "فأول الفرق الشيعة، وهي فرقة علي بن أبي طالب المسمون شيعة علي في زمان النبي e وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمار بن ياسر المذحجي.. وهم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة([388]). ويشاركه في هذا الرأي النوبختي، والرازي.     

  • مناقشة هذا الرأي:

        أولاً: يلاحظ أن من أول من قال بهذا الرأي القمي في كتابه"المقالات والفرق" والنوبختي في كتابه"فرق الشيعة". وقد يكون من أهم الأسباب لنشأة هذا الرأي هو أن بعض علماء المسلمين أرجع التشيع في نشأته وجذوره إلى أصول أجنبية، وذلك لوجود ظواهر واضحة تثبت ذلك سيأتي الحديث عنها. فبسبب ذلك قام الشيعة بمحاولة إعطاء التشيع صفة الشرعية، والرد على دعوى خصومهم برد التشيع إلى أصل أجنبي، فادعوا هذه الدعوى، وحاولوا تأييدها وإثباتها بكل وسيلة، ووضعوا روايات كثيرة في ذلك([389]). ونسبوها إلى رسول الله e وزعموا أنها رويت من طرق أهل السنة، وهي روايات لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة([390]) .
آراء غير الشيعة في نشأة التشيع:

  • القول الأول:

         أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول e حيث وُجِدَ من يرى أحقية علي رضي الله عنه بالإمامة. وهذا الرأي قال به طائفة من القدامى والمعاصرين، منهم العلامة بن خلدون، وأحمد أمين، وبعض المستشرقين.
         يقول ابن خلدون: "اعلم أن مبدأ هذه الدولة –يعني دولة الشيعة- أن أهل البيت لما توفي رسول الله e كانوا يرون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم"([391]) .

  • مناقشة هذا الرأي:

         ولو كان هذا الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة يمثل البذرة والنواة للتشيع لكان له ظهور ووجود زمن أبي بكر وعمر، ولكنه رأى إن ثبت فهو كسائر الآراء التي أثيرت في اجتماع السقيفة، ما إن وُجِدَ حتى اختفى بعد أن تمت البيعة .. واجتمعت الكلمة .. واتفق الرأي من الجميع.

  • القول الثاني:

         أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان رضي الله عنه، يقول ابن حزم: "ثم ولي عثمان، وبقي اثني عشر عاماً، وبموته حصل الاختلاف، وابتدأ أمر الروافض([392]). والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي([393])، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان. وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه([394]). وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.
         ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع([395])، بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر([396]). وهذه الدعوى أو المحاولة هي حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين .. كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض .. والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.    
         وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان. أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم.
         ولست بحاجة إلى دراسة هذه المسألة فقد خرجت دراسات موضوعية ومستوفية لهذه القضية([397])، فلا حاجة للوقوف عندها طويلاً.

  • القول الثالث:

         ويقول بأن منشأ التشيع كان سنة 37هـ.
         ويبدو أن هذا القول يربط نشأة التشيع بموقعة صفين، حيث وقعت سنة 37هـ بين الإمام علي ومعاوية –رضي الله عنهما- وما صاحبها من أحداث، وما أعقبها من آثار، ولكن هذا الرأي لا يعني بداية الأصول الشيعية حيث أننا لا نجد في أحداث هذه السنة فيما نقله المؤرخون من نادى بالوصية، أو قال بالرجعة، أو دعا إلى أصل من أصول الشيعة المعروفة.

  • القول الرابع:

         بأن التشيع ولد إثر مقتل الحسين. يقول شتروتمان([398]) (Strotnmann, R):
 
         "إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة"([399]).
r الرأي المختار:
         والذي أرى: أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصِي محمد –كما مر- وهذه عقيدة النص على عليّ بالإمامة، وهي أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة كما أسلفنا ذكره في تعريف الشيعة. وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله e، وأرحامه وخلفاؤه وأقرب الناس إليه رضي الله عنهم، والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة. كما أن ابن سبأ قال برجعة علي، والرجعة من أصول الشيعة.     
         وهذه أهم الأصول التي تدين بها الشيعة، وقد وُجِدَت إِثر مقتل عثمان رضي الله عنه، وفي عهد علي رضي الله عنه.
أصل التشيع، أو أثر الفلسفات القديمة في المذهب الشيعي:
         اختلفت أنظار العلماء والباحثين في مرجع الأصول العقدية للتشيع، فمن قائل بأنها ترجع لأصل يهودي، ومن قائل بأنها ترجع لأصل فارسي، ومن قائل بأن المذهب الشيعي كان مباءة للعقائد الأسيوية كالبوذية([400]) وغيرها.
r الرأي المختار في أصل التشيع:
         والذي أرى أن التشيع المجرد من دعوى النص والوصية ليس هو وليد مؤثرات أجنبية، بل إن التشيع لآل البيت وحبهم أمر طبيعي، وهو حب لا يفرق بين الآل، ولا يغلو فيهم، ولا ينتقص أحداً من الصحابة، كما تفعل الفرق المنتسبة للتشيع، وقد نما الحب وزاد للآل بعدما جرى عليهم من المحن والآلام بدءاً من مقتل علي، ثم الحسين…إلخ. هذه الأحداث فجرت عواطف المسلمين، فدخل الحاقدون من هذا الباب، ذلك أن آراء ابن سبأ لم تجد الجو الملائم لتنمو وتنتشر إلا بعد تلك الأحداث.. لكن التشيع بمعنى عقيدة النص على علي، والرجعة والبداء والغيبة وعصمة الأنبياء..إلخ، فلا شك أنها عقائد طارئة على الأمة دخيلة على المسلمين، ترجع أصولها لعناصر مختلفة، ذلك أنه قد ركب مطية التشيع كل من أراد الكيد للإسلام وأهله، وكل من احتال ليعيش في ظل عقيدته السابقة باسم الإسلام من يهودي ونصراني ومجوسي وغيرهم. فدخل في التشيع كثير من الأفكار الأجنبية والدخيلة، كما سيتبين من الدراسة الموسعة لأصولهم، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن المنتسبين للتشيع قد أخذوا من مذاهب الفرس والروم واليونان والنصارى واليهود وغيرهم أموراً مزجوها بالتشيع، ويقول: وهذا تصديق لما أخبر به النبي e، وساق بعض الأحاديث الواردة في أن هذه الأمة ستبع سنن من كان قبلها...، وقال بأن هذا بعينه صار في المنتسبين للتشيع([401]).
ويقول سليمان العودة([402]) - الخاتمة ونتائج البحث:
         الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من أكمل الله به الرسالات.. وبعد : فإن الذي يبرز من خلال البحث عدة نقاط نجملها فيما يلي:    

  1. البحث يكشف عن حقيقة وجود عبد الله بن سبأ وجوداً تؤكده الروايات القديمة وتفيض به كتب المقالات والفرق، والغالبية من كتب التراث وأخبار الشيعة المتقدمين، وسار على نهج هؤلاء المحققون من الباحثين المحدثين.

  2. يبدو أن أول من شكك في وجود ابن سبأ بعض المستشرقين، ثم دعم هذا الغالبية من الشيعة المحدثين، وأنكر بعضهم وجوده، وبرز مع هذه المجموعة من أولع بآراء المستشرقين، ومن تأثر بكتابات الشيعة المحدثين، لكن هؤلاء وأولئك ليس لهم من دعائم الشك إلا الشك ذاته، وقد سبق البيان..

  3. التوصل إلى حقيقة وجود ابن سبأ يكشف لنا عن الغموض المكتنف لبعض روايات الفتنة، ويجلِّي عاملاً خطيراً من عوامل الفتنة المنتهية بقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه.

  4. كما يكشف البحث أيضاً أثر ابن سبأ وأعوانه في الفتنة في خلافة علي رضي الله عنه، مبرزاً الدور الذي قاموا به في وقعة الجمل، ويستمر دورهم في الإفساد حتى بعد أن استقر الأمر لعلي.

  5. ونقف في الأخير على حقيقة اتباع ابن سبأ، فهو ليس وحده بل هناك طائفة تقول بقوله وتعتقد ما يعتقده، وقد نسبت إليه وأطلق عليها السبئية.

  6. البحث وإن كان ينتهي دون أن يحدد نهاية ابن سبأ، بعد أن يثبت وجوده بعد استشهاد علي، إذ أنه قال لمن جاء ينعى إليه قتل علي: لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدقنا أنه يموت، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً !!، نقول مع هذا الغموض في تحديد النهاية([403]) الذي يقابله غموض في المبدأ والنشأة، فإن ذلك لا ينتصب دليلاً على الإنكار أو حتى عاملاً من عوامل التشكيك، وقد سبق توضيح ذلك.

ومع ذلك فإنني أخلص من هذا البحث مؤكداً النتائج الآتية:
        أولاً: أن عبد الله بن سبأ هو أصل التشيع، والبراهين على ذلك ما يلي:
        أ. عقائد الشيعة لا تختلف كثيراً عن الأفكار والمعتقدات التي جاء بها عبد الله بن سبأ، فمثلاً إذا قال الشيعة في القرآن –كما جاء في الكافي- معزواً إلى أبي عبد الله (جعفر الصادق)([404]) أنه قال:
         "وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، قال أبو بصير –راوي الخبر- قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد([405])".
         إذا قال الشيعة ذلك وجدنا أصل معتقدهم هذا قد جاء به عبد الله بن سبأ حينما قال: إن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي ..([406]).
         وإذا كان من عقائد الشيعة المغالاة في الأئمة –وخاصة علي- حتى عقد فخر الشيعة: الشيخ المفيد المتوفى سنة413 هـ في إحدى كتبه باباً سماه: "القول في علم الأئمة (ع)([407]) بالضمائر والكائنات، وإطلاق القول عليهم بعلم الغيب، وكون ذلك لهم في الصفات"([408]).
         وقبله قال الكليني (328هـ): "إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم"([409]). وعقد بعد ذلك باباً "إن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم"([410]).
         ومن الشيعة المحدثين يقول الخميني:" إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون"([411]) . ويقول أيضاً: "وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل"([412]) .
         إذاً اعتقد المتقدمون والمتأخرون من الشيعة بهذه العقيدة، التي تعطي الأئمة صفات الألوهية فإننا نجد أن ابن سبأ هو الذي وضع لهم أساس هذه العقيدة –كما تقدم بيانه- حتى قال ابن قتيبة: عبد الله بن سبأ أول من كفر من الرافضة وقال على رب العالمين([413]).
         وإذا كان من بين العقائد التي جاء بها ابن سبأ القول بالوصية والرجعة –كما تقدم- وجدنا الشيعة يدينون بها، ففي الأصول: "..فكان علي عليه السلام، وكان حقه الوصية التي جعلت له، والاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة.."([414]) .
         ويقول الشيعة عن الرجعة: "واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة خلاف.."([415])
         وإذا كان عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم([416])وجدنا كتب الشيعة تمتلئ بسب الصحابة والبراءة من أعمالهم حتى قال شيخهم المفيد:
         "واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضُلاَّلٌ ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع) وأنهم بذلك في النار مخلدون" !!([417]).
         ويقف الكليني عند الآية ]إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم[([418]) ليقول: إنها نزلت في فلان وفلان وفلان آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية([419]).
         وهو يقصد في فلان وفلان وفلان: أبو بكر وعمر وعثمان، كما أبان عن ذلك شارح الكافي([420]).
         والقول بالبداء من عقائد السبئية، كما أشار إلى ذلك الملطي وغيره([421]) والشيعة يقولون بالبداء، حتى عقد الكليني في كتاب التوحيد "باب البداء" وساق فيه من الأخبار: "ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله خمس خصال : بالبدأ والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة"([422]).
         ونقل أيضاً: "لو يعلم الناس ما في القول بالبدأ من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه"([423]).
         ولعل في ذلك كفاية لبيان الحقيقة، وإلا فقد يجد الدارس لأفكار عبد الله بن سبأ عند المقارنة بينها وبين عقائد الشيعة أشياء غير هذه..
        ب. ولا يستطيع الشيعة البراءة من ابن سبأ والسبئية، وذلك لأن من بين السبئية أفراد، بل علماء من الشيعة، فجابر الجعفي (أحد السبئية) يقول عنه الذهبي:"من أكابر علماء الشيعة" ([424]) كما أشار إلى رافضيته ابن حجر العسقلاني([425]).
         والمغيرة بن سعيد قال عنه ابن حبان: شيخ من حمقى الروافض([426]) وفي لسان الميزان ما يؤكد ذلك. أما الكلبي (وهو واحد من السبئية أيضاً)فالذي حفظ عنه علماء الجرح والتعديل هو إفراطه في التشيع([427]).
        جـ. وفوق هذا وذاك فهناك نصوص صريحة تدل –من قريب أو بعيد- على أن عبد الله بن سبأ هو أضل الرافضة، فابن قتيبة –كما مر- يقول: وكان ابن سبأ أول من كفر من الرافضة، ويقول الأسفرايني عن ابن سبأ: كان من غلاة الرافضة، ونقل مثل ذلك الذهبي([428])
         ويكشف ابن تيمية الحقيقة أكثر فيقول: ".. وأول من ابتدع الرفض كان منافقاً .."، وينقل في موضع آخر قول أهل العلم: "إن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ"([429]). ويقول في"منهاج السنة": "..إن أول من ابتدع الرفض والقول بالنص على علي وعصمته كان منافقاً زنديقاً أراد إفساد دين الإسلام..".
         ولم تكن هذه التصريحات قصراً على أهل السنة وحدهم، بل ذكرها بعض علماء الشيعة، فالقمي –مثلاً- أثناء حديثه عن ابن سبأ وما جاء به يقول: "..فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية([430]) دون أن يعلق على ذلك شيئاً في موضعه ومثل ذلك يصنع النوبختي في فرقه([431]).
         وأخيراً يقول المستشرق الألماني"فلهوزن": "إن مذهب الشيعة الذي ينسب إلى عبد الله بن سبأ على أنه مؤسسه إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين .."([432]).
        ثانياً: من خلال الموازنة والتحقيق يتبين أن السبئية أصل تفرعت عنه فرق أخرى من فرق الضلال التي نبتت في مجتمع المسلمين، كما أن ابن سبأ لم ينته شأنه بموته وإنما استمرت آثاره –في مجتمع المسلمين- بفعل من جاء بعده متأثراً بأفكاره، ومتشبعاً بمعتقداته.
فرق الشـيعة([433]):
         حفلت كتب المقالات والفرق بذكر فرق الشيعة وطوائفهم…والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق، وتعددها بدرجة كبيرة حتى تكاد تنفرد الشيعة بهذه السمة أو قل بهذا البلاء..، فبعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل طائفة تذهب في تعيين الإمام مذهباً خاصاً بها.. وتنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة.
         ولكن من الملاحظ –كما سيأتي- في عرض آراء وعقائد الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وأنها كانت بمثابة النهر الذي انسكبت فيه كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة.
         فهذه الفرق لم تفن -كما يقال- بل إن أكثرها باقٍ، وهو يطل علينا من خلال الفكر الإثنى عشري، وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق هي:   1. الاثنا عشرية،                          2. الإسماعيلية([434])،
                 3. الزيدية([435]).
         وطائفة الإثنى عشرية هي أكبر هذه الطوائف اليوم، كما كانت تمثل أكثرية الشيعة وجمهورها في بعض فترات التاريخ.
ألقاب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية:
         من الألقاب التي يطلقها بعض كتب الفرق والمقالات وغيرهم على الاثنى عشرية ما يلي:
1. الشيعة:
         لقب الشيعة في الأصل يطلق على فرق الشيعة كلها، ولكن هذا المصطلح اليوم إذا أطلق –في نظر جمع من الشيعة وغيرهم- لا ينصرف إلا إلى طائفة الاثنى عشرية.
2. الإمامية:
        قال ابن خلدون: "وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم"([436]).
         ويقول شيخ الشيعة في زمنه "المفيد" :"الإمامية هم القائلون بوجوب الإمامة، والعصمة، ووجوب النص"([437]).
        والشهرستاني يقول:"الإمامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه نصاً ظاهراً، وتعييناً صادقاً من غير تعريض بالوصف، بل إشارة إليه بالعين([438]).
         ومثله الأشعري حيث يقول:".. وهم يدعون الإمامية لقولهم بالنص على إمامة علي بن أبي طالب"([439])
 
3. الاثنا عشرية:
         هذا المصطلح لا نجده في كتب الفرق والمقالات المتقدمة، ولعل أول من ذكره المسعودي([440]) (ت 349هـ) من الشيعة. أما من غير الشيعة فلعله عبد القادر البغدادي (ت429هـ) حيث ذكر أنهم سموا بالاثنى عشرية لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه([441]).
4. القطعية:
         وهو من ألقاب الاثنى عشرية عند طائفة من أصحاب الفرق كالأشعري والشهرستاني والإسفراييني وغيرهم([442]). وهم يسمون القطعية لأنهم قطعوا على موت موسى بن جعفر الصادق([443]). ومنهم من يعتبر القطعية فرقة من فرق الإمامية وليس من ألقاب الاثنى عشرية([444]).
5. أصحاب الانتظار:
         لَقَّبَ الرازي الاثنى عشرية بأصحاب الانتظار، وذلك لأنهم يقولون بأن الإمام بعد الحسن العسكري ولده محمد بن الحسن العسكري، وهو غائب وسيحضر .. ويقول: وهذا المذهب هو الذي عليه إمامية زماننا([445]).والانتظار للإمام مما يشترك في القول به جمع من فرق الشيعة على اختلاف بينهم في تعيينه، ولا يختص به طائفة الاثنى عشرية. 
6. الرافضة:
         ذهب جمع من العلماء إلى إطلاق اسم الرافضة على الاثنى عشرية كالأشعري في المقالات، وابن حزم في الفصل([446]).
         يقول أبو الحسن الأشعري: "وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر"([447]).
         هذا وهناك أقوال أخرى في سبب تسميتهم بالرافضة، على أن هناك من أصحاب الفرق من أطلق اسم الرافضة على عموم فرق الشيعة.
7. الجعفرية:
         وتسمى الاثنا عشرية بالجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق إمامهم السادس –كما يزعمون- وهو من باب التسمية للعام باسم الخاص.
اعتقاد الشيعة في مصادر الإسلام([448]):
         القرآن – السنة – الإجماع.
أولاً: اعتقادهم في القرآن الكريم:
         وفيه ثلاث مباحث.
المبحث الأول - اعتقادهم في حجية القرآن:
         سنقسم هذا المبحث إلى مسائل ثلاث: الأولى قولهم: إن القرآن ليس بحجة إلا بقَيِّم، والثانية: حصر علم القرآن ومعرفته بالأئمة، والثالثة: زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن، ويقيد مطلقه..إلخ.
 
المسألة الأولى: اعتقادهم أن القرآن ليس حجة إلا بقَيِّم:
         فالقرآن العظيم هو الشاهد والدليل والحجة، ولكن شيخ الشيعة ومن يسمونه بـ [ثقة الإسلام (الكليني)] يروي في كتابه: أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة يروي ما نصه: "… أن القرآن لا يكون حجة إلا بقَيِّم.. وأن علياً كان قَيِّم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله".
         فماذا يعنون بهذه العقيدة: أيعنون بذلك أن النص القرآني لا يمكن أن يحتج به إلا بالرجوع لقول الإمام؟ وهذا يعني أن الحجة هي في قول الإمام لا فى قول الرحمن.
         والمتأمل لتلك المقالة التي تواترت في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله سبحانه، ويضلهم عن هدى الله، فما دامت تلك المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القَيِّم، و القَيِّم هو أحد الأئمة الإثنى عشر، لأن القرآن فُسِّرَ لرجل واحد وهو عليّ، وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثنى عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده، حتى انتهى إلى الأمام الثاني عشر وهو غائب مفقود عند الإثني عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرناً، ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم.. فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو المعدوم فكأن نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قَيِّمِهِ أو عدمه، وأنه لا يرجع إلى كتاب الله، ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال، لأن الحجة في قول الإمام فقط، وهو غائب فلا حجة فيه حينئذ.
المسألة الثانية:          اعتقادهم بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد:
         فإنه مما عُلِمَ من الإسلام أن عِلْمَ القرآن لم يكن سراً تتوارثه سلالة معينة، ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله e، وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية محمد بن عبد الله ونقله إلى الأجيال كافة.. ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل وتعتقد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثنى عشر بعلم القرآن كله، وأنهم اختُصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل!.
         جاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: "إن الناس يكفيهم القرآن لو وجدوا له مفسراً، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله فسره لرجل واحد، وفسره للأمة شأن هذا الرجل وهو علي بن أبي طالب".
         وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "إن الله أنزل علىّ القرآن وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك"([449]).
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر عليّ، وابن عباس يروي عن غير واحد من الصحابة، يروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعن زيد بن ثابت وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار. وروايته عن عليّ قليلة جداً، ولم يُخَرِّج أصحاب الصحيح شيئاً من حديثه عن علي، وخَرَّجُوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم… وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن علي قليل جداً، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر([450]).
         بعد: فهذه المقالة مؤامرة، الهدف منها الصدّ عن كتاب الله سبحانه والإعراض عن تدبره فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريقة الأئمة الإثنى عشر، أما غيرهم فمحروم من الانتفاع به.
المسألة الثالثة:         اعتقادهم بأن قول الإمام ينسخ القرآن ويقيد مطلقه ويخصص عامه..
         ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد… ليست إلا جزءاً من وظيفة الأئمة الكبرى وهي (التفويض في أمر الدين) والتي يقررها صاحب الكافي في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: "باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الأئمة عليهم السلام في أمر الدين".   
         ولعل المتأمل لهذه المقولة، والمحلل لأبعادها يدرك أن الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيد الأنام.
         وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمة الاثنى عشر لإكماله، وأن كتاب الله وسنة رسوله e لم يكمل بهما التشريع ..
         وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثنى عشرية([451])، لأنها شربت مذاهب الغلاة حتى الثمالة.. وقد أشار أبو جعفر النحاس (المتوفى سنة 338هـ) إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد فقال: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما شاء"([452]) وعدَّ ذلك من عظيم الكفر ثم بين بطلانه بقوله: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي e إلا بالوحي من الله عز وجل إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن([453]) فلما ارتفع هذان بموت النبي e ارتفع النسخ([454]).
المبحث الثاني - اعتقادهم في تأويل القرآن:
        وفيه مسألتان: الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر.
والثانية: قولهم بأن جلّ القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.
المسألة الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر:
         جاء في أصول الكافي للكليني ما نصه: "..عن محمد بن منصور قال: سألت عبداً صالحاً([455]) عن قول الله عز وجل: ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن[([456]). قال فقال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق.
         تقرر هذه الرواية الواردة في كتبهم الأربعة مبدأ أن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفة تامة، وتضرب المثل بما أحل الله وحرم في كتابه من الطيبات والخبائث، وأن المقصود بذلك رجال بأعيانهم هم الأئمة الاثنا عشر، وأعداؤهم وهم كل خلفاء المسلمين.. وهذا التأويل لا أصل له من لغة أو عقل أو دين، وهو محاولة لتغيير دين الإسلام من أساسه ودعوة إلى التحلل والإباحية؟!.
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من ادعى علماً باطناً، أو علماً بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئاً، إما ملحداً زنديقاً، وأما جاهلاً ضالاً…وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم، مثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم. ثم يقول:" وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: ]وكل شيء أحصيناه في إمام مبين[([457]) أنه عليّ، وقوله: ]فقاتلوا أئمة الكفر[([458]) أنهم طلحة والزبير، ]والشجرة الملعونة في القرآن[([459]) بأنها بنو أمية([460]).
         هذه التأويلات التي ينقلها ابن تيمية وينسبها للباطنية موجودة بعينها عند الاثنى عشرية، فالتأويل المذكور في الآية الأولى: ]وكل شيء أحصيناه في إمام مبين[ جاء عندهم في خمس روايات أو أكثر([461])، وسجل في طائفة من كتبهم المعتمدة([462])، وليس في الآية أية دلالة على هذا التأويل([463]). وكذلك الآية الثانية ]فقاتلوا أئمة الكفر[ورد تأويلها بذلك في طائفة من كتبهم المعتمدة([464])، وبلغت رواياتها عندهم أكثر من ثمان روايات([465])، ومثلها الآية الثالثة ]والشجرة الملعونة[ جاء تأويلها عند الاثنى عشرية بما قاله شيخ الإسلام في أكثر من اثنتى عشرة رواية([466])، وتناقل هذا التأويل مجموعة من مصادرهم المعتمدة([467]).
المسألة الثانية: قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم:
         يقول الشيعة بأن: "جل القرآن إنما نزل فيهم (يعني في الأئمة الاثنى عشر) وفي أوليائهم وأعدائهم، مع أنك لو فتشت في كتاب الله وأخذت معك قواميس اللغة العربية كلها وبحثت عن اسم من أسماء هؤلاء الاثنى عشرية فلن تجد لها ذكراً، ومع ذلك فإن شيخهم البحراني يزعم بأن علياً وحده ذكر في القرآن (1154) مرة، ويؤلف في هذا الشأن كتاباً سماه: "اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية" يحطم فيه كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، ويفضح من خلاله قومه علي رؤوس الأشهاد بتحريفاته التي سطرها في هذا الكتاب وجمعها –وقد كانت متفرقة قد لا تعرف- من طائفة من مصادرهم المعتبرة عندهم.
         وتأتي بعض رواياتهم لتقول: "إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم، وفصل ما بينكم"([468]). وهذا يعني أنه ليس للأئمة ذكر صريح في القرآن.
         وفي كتاب"البحار" أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث أبواب كثيرة هي بمثابة قواعد وأصول في تفسير القرآن عندهم، وقد حشر في هذه الأبواب روايات كثيرة كلها تذهب هذا المذهب في كتاب الله سبحانه، ولعله يكفي أن تقرأ عناوين بعض هذه الأبواب لتدرك مدى مجافاتها للغة العرب، ومناقضتها للعقل، ومنافاتها لأصول الإسلام، وأنها من أعظم الإلحاد في كتاب الله، والتحريف لمعانيه. ولنستعرض قسماً من هذه العناوين فيما يلي. قال المجلسي:
         باب أنهم عليهم السلام آيات الله وبيِّناته وكتابه.. وفيه (20) رواية([469]).   
 
         وباب أنهم السبع المثاني، وفيه (10) روايات([470]). وباب أنهم عليم السلام الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة، وفيه (11) رواية([471]). وباب أنهم كلمات الله، وفيه (25) رواية([472]). وباب أنهم حرمات الله، وفيه (6) روايات([473]).
         وباب أنهم الذكر وأهل الذكر، وفيه (65) رواية([474]). وباب أنهم أنوار الله، وفيه (42) رواية([475]).
         وباب أنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس، وفيه (24) رواية([476]).
         وباب أنهم المظلومون، وفيه (37) رواية([477]). وباب أنهم المستضعفون، وفيه (13) رواية([478]).
         فالأئمة كما ترى في هذه الأبواب يكونون أحياناً ملائكة، وأحياناً كتباً سماوية، أو أنواراً إلهية..إلخ. ومع ذلك فهم المظلومون المستضعفون.
         وهي دعاوى لا تحتاج إلى نقد فهي مرفوضة لغة وعقلاً، فضلاً عن الشرع وأصول الإسلام، وهي عناوين يناقض بعضها بعضاً.. ولكنه يمضي في هذا النهج حتى يفسر الجمادات ويؤولها بالأئمة، يقول: باب أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب، والمطر، والظل، والفواكه، وسائر المنافع بعلمهم وبركاتهم. وقد أورد في هذا الباب إحدى وعشرين رواية([479])، انتخبها كعادته من طائفة من كتبهم المعتمدة.
         ويغلو ويشطط ويتجاوز الحد، ليصل إلى أوصاف الرب جل جلاله فيقول: باب انهم جنب الله، وروحه، ويد الله وأمثالها ويذكر فيه ستاً وثلاثين رواية([480]).
         ويجعلهم هم الكعبة والقبلة.. ويعقد باباً لهذا بعنوان: باب أنهم رضي الله عنهم حزب الله وبقيته وكعبته وقبلته، وأن الأثارة من العلم علم الأوصياء، ويقدم في هذا الباب سبع روايات([481]). 
         ويمضي في هذا الشطط في طائفة من الأبواب عرضها يمثل في الحقيقة أبلغ رد وأعظم نقد لمذهب الشيعة، وهو ينسف بنيانهم من القواعد، وهو يؤكد عظمة هذا الدين الإسلامي، فبضدها تتميز الأشياء –فلولا المر ما عرف طعم الحلو- فهذه التأويلات أشبه ما تكون بمحاولات مسيلمة الكذاب، وهي تعطي الدليل القاطع على أنها ليست من عند الله سبحانه، يعرف هذا من له أدنى صلة بلغة العرب فضلاً عن دين الإسلام وقواعده وأصوله، لأن الله أنزل هذا القرآن سبحانه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين…وإن من له أدنى صلة باللسان العربي –كما قلت- يدرك أن هذه الأبواب وتلك الروايات إلحاد في كتاب الله، وتحريف لكلامه سبحانه عن مواضعه. وأن مثل هذه التحريفات لا تلتبس إلا على أعجمي جاهل بالإسلام ولغة العرب، ولعلها برهان واقعي على أن من حاول المساس بكتاب الله سبحانه سقط في هذا الدرك الهابط، وليس هذا النهج في كتب الروايات والأحاديث فحسب، فأنت إذا طالعت عمدة التفسير عند هذه الطائفة "وأصل أصول التفسير"([482]) لديها، وهو تفسير القمي ألفيته قد أخذ من تلك التفاسير الباطنية بنصيب وافر، ومثله تفسير العياشي، وهو من كتب التفسير القديمة المعتمدة عندهم، وعلى نفس الطريق تجد تفسير البرهان، وتفسير الصافي وغيرها، وهي تعتمد على تفسير الآيات –كما زعموا- أنه بالمأثور عن جعفر الصادق أو بقية الاثنى عشر.
         وحسبنا أن نذكر أمثلة من رواياتهم في هذا الباب:
أصل هذه التأويلات وجذورها، وأمثلة لها:
أ. أصل هذه التأويلات:
         مضى القول بأن كتب الشيعة تزعم أن القرآن لا يحتج به إلا بقَيِّم، وأن هذا القَيِّم والمتمثل بالاثنى عشر عنده علم القرآن كله ولا يشركه في ذلك أحد، ثم جعلت لهذا القَيِّم وظيفة "المشرع" في تخصيص عام النصوص وتقييد مطلقها وبيان مجملها، ونسخ ما شاء منها، لأنه مُفَوَّض في أمر الدين كله، ثم بررت ضرورة وجود هذا القَيِّم لتأويل القرآن بقولها: بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، ثم كشفت عن علم هذا الباطن المدخر عند الأئمة بأنه يعني الأئمة الاثنى عشر وأعدائهم (وهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان) ومعظم موضوعات القرآن لا تتعدى –عندهم- هذا الشأن، ثم وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ حيث قام شيوخ الشيعة بوضع مئات الروايات في تفسير معاني القرآن بالأئمة أو مخالفيهم أو بعقيدة أخرى من عقائدهم التي شذوا بها عن جماعة المسلمين.
         ويرى بعض الباحثين([483]) أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من تفسير الشيعة هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة (جابر الجعفي)([484]).
         وقد نقلت لنا بعض كتب أهل السنة نماذج من تأويلات الشيعة لكتاب الله، ولكن ما انكشف لنا اليوم أمر لا يخطر على البال. ويبدو أن ما نسبه بعض أئمة السنة لغلاة الشيعة من تأويلات قد ورثتها الاثنى عشرية. فالإمام الأشعري([485])، وكذلك البغدادي([486])، والشهرستاني([487]) وغيرهم يحكون عن المغيرة بن سعيد أحد الغلاة باتفاق السنة والشيعة، والذي تنسب إليه طائفة المغيرية([488]) أنه ذهب في تأويل الشيطان في قول الله جل شأنه: ]كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر[([489]) بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
         وهذا التأويل بعينه قد ورثته الاثنا عشرية، ودونته في مصادرها المعتمدة، حيث جاء في تفسير العياشي، والصافي، والقمي، والبرهان، وبحار الأنوار([490]) عن أبي جعفر في قول الله: ]وقال الشيطان لما قضي الأمر[([491]) قال: هو الثاني، وليس في القرآن شيء ]وقال الشيطان[ إلا وهو الثاني.
         فكأن كتب الاثنى عشرية تزيد على المغيرة بوضع هذا الإلحاد في كتاب الله قاعدة مطردة.
         وفي الكافي عن أبي عبد الله قال:"وكان فلان شيطاناً"([492])، قال المجلسي في شرحه على الكافي: المراد بفلان عمر([493]).
ب. أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن:
         حين احتج شيخ الشيعة في زمنه –والذي إذا أطلق لقب"العلامة" عندهم انصرف إليه (ابن المطهر الحلي) – على استحقاق علي للإمامة بقوله:"البرهان الثلاثون قوله تعالى:]مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان[قال علي وفاطمة، ]بينهما برزخ لا يبغيان[ النبي e ]يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان[ الحسن والحسين. حينما احتج ابن المطهر بذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه. والتفسير بمثل هذا طريق الملاحدة بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق الملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه([494]).                  
        وأقول كيف لو رأى شيخ الإسلام ما أودع في الكافي والبحار وتفسير العياشي والقمي والبرهان وتفسير الصافي وغيرها من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً !!.
         وبين يدي مجموعة كبيرة من هذا اللون.. يستغرق عرضها المجلدات، ركام هائل من الروايات.. حجبت الشيعة عن نور القرآن وهديه.. فالتوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل، وجوهر رسالتهم… هو عندهم ولاية الإمام فيروون عن أبي جعفر أنه قال:"ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا والبراءة من عدوناً وذلك قول الله في كتابه:]ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت[([495]). ورواياتهم في هذا الباب كثيرة، كما سيأتي([496]). 
         والإله في كتاب الله هو الإمام، فقوله تعالى:]لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد[([497]) قال: أبو عبد الله- كما يزعمون- يعني بذلك ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد([498]) .والرب هو الإمام عندهم. وقد يلتمس لهم في هذا التأويل عذر، لأن الرب في اللغة له استعمالات أخرى كرب البيت، ورب المال بمعنى صاحب ولكن يمنع من ذلك أن تأويلهم للرب في الإمام جرى في آيات هي نص في الله سبحانه ولا تحتمل وجهاً آخر. وفي قوله سبحانه عن المشركين: ]ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا[([499]) قال القمي في تفسيره: "الكافر: الثاني (يعني عمر- رضي الله عنه وأرضاه-) كان على أمير المؤمنين عليه السلام ظهيراً([500]). فاعتبر أمير المؤمنين علياً هو الرب. وقال الكاشاني "في البصائر"([501]) عن الباقر- عليه السلام –أنه سئل عن تفسيرها فقال (كما يفترون): "إن تفسيرها في بطن القرآن: علي هو ربه في الولاية، والرب هو الخالق الذي لا يوصف"، فهذا قد يفهم منه أن علياً هو الرب الذي لا يوصف –كما يفترون-، لأن الآية نص في حق الباري سبحانه؟!.
         والصراط المستقيم في قوله تعالى: ]اهدنا الصراط المستقيم[ هو أمير المؤمنين([502]) عندهم.
         والشمس هي علي، فيروون عن الصادق في قوله: ]والشمس وضحاها[([503]) قال: "الشمس أمير المؤمنين، وضحاها: قيام القائم". فهل يعني هذا أنه لما مات أمير المؤمنين اختفت الشمس من الوجود؟، والناس في ظلمة حتى يشرق ضحى القائم المنتظر؟
         والمسجد، والمساجد، والكعبة، والقبلة هي الإمام والأئمة، فيروون عن الصادق في قوله تعالى: ]وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد[([504]) قال يعني الأئمة. وفي رواية أخرى عنه في قوله تعالى: ]خذوا زينتكم عند كل مسجد[([505]) قال يعني الأئمة.وفي قوله تعالى:]وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً[([506]) قال: إن الإمام من آل محمد فلا تتخذوا من غيرهم إماماً([507])، ويقول الصادق- عندهم-: ".. نحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله"([508]).
         والسجود: هو ولاية الأئمة وبهذا يفسرون قوله تعالى]وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون[([509]) حيث قالوا: أى يدعون إلى ولاية علي في الدنيا".
         ولعل مثل هذه الروايات هي السبب في شيوع عبادة الأئمة، وأضرحتهم، وعمارة المشاهد وتعطيل المساجد، لأن المشاهد هي المساجد، والإمام هو كعبة الله وقبلته، ولهذا صنفوا كتباً سموها"مناسك المشاهد" أو "مناسك الزيارات"، أو"المزار"([510])، واعتنوا ببيان فضائلها وآدابها، وأخذت هذه المسائل في كتبهم المعتمدة قسماً كبيراً-كما سيأتي تفصيله.
         وتأويلهم لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، ولقد تجاوزوا في هذه الدعاوى كل معقول، وأسرفوا في تأويلاتهم إلى ما يشبه هذيان المعتوهين حتى قالوا: إن النحل في قوله سبحانه: ]وأوحى ربك إلى النحل..[ هم الأئمة، وروى القمي بإسناده إلى أبي عبد الله قال: "نحن النحل التي أوحى الله إليها ]أن اتخذي من الجبال بيوتاً[ أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة ]ومن الشجر[ يقول: من العجم ]ومما يعرشون[ يقول: من الموالي"([511]). وجمع المجلسى رواياتهم في هذا المعنى في باب بعنوان: "باب نادر في تأويل النحل بهم عليهم السلام"([512])، كما جاء بروايات تقول: إن الأئمة هم الماء المعين والقصر المشيد، والسحاب والمطر والفواكه وسائر المنافع الظاهرة"([513]).
         وبعد.. فإن المتأمل لآيات القرآن بمقتضى اللغة العربية التي نزل بها: ]إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون[([514]) لا يجد فيه ذكراً لما يدَّعون، والروايات التي يذكرونها يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، فهي تحمل بنفسها ما يهدم بنيانها من الأساس، فهل يصدق أحد أن لعلي في القرآن (1154) اسماً؟! وهل يدخل في عقل أحد أن من أسماء علي البعوض والذباب؟!، وهل يوافق مؤمن على القول بأن ما ورد من آيات عن اليوم الآخر هي خاصة برجعة الأئمة؟، وكيف تناقش من يقول بأن آيات الإيمان والمؤمنين هي في الأئمة الإثنى عشر، وآيات الكفر والكافرين هي في الصحابة؟، وإنني هنا أذهب إلى القول بأن هذا المستوى الذي هبط إليه هؤلاء هو من معجزات هذا الدين العظيم، فما من أحد ادّعى نبوة أو وحياً وأراد أن يضع في الدين ما ليس منه إلا وفضحه الله على رؤوس الأشهاد، وتالله إن هذه المقالات التي لا يمكن بحال أن تتفق مع العقل والنقل ولا اللغة والدين هي من أعظم فضائح القوم وعوراتهم.. وبها يكشف الله سبحانه وتعالى كذبهم وبهتانهم.
المبحث الثالث - هل الشيعة تقول بأن في كتاب الله نقصاً أو تغييراً ؟
مدخل للموضوع:
         وجاء هذا المبحث بهذه الصيغة الاستفهامية لثلاثة أسباب:
        أولاً: أن طائفة من أعلام الاثنى عشرية يتبرأون من هذه المقالة، مثل الشريف المرتضى، وابن بابويه القمي وغيرهما.
        ثانياً: أن إجماع المسلمين كلهم قام على أن كتاب الله سبحانه محفوظ بحفظ الله له ]لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه[([515]). ومن قال أن في القرآن نقصاً وتحريفاً فليس من أهل القبلة وليس من الإسلام في شيء، ومن هنا فإن العدل يقتضي أن نحتاط في دراستنا لهذه المسألة أبلغ الاحتياط، وأن نعدل في القول، فلا نرمي طائفة بهذه المقالة إلا بعد الدراسة والتثبت.
        ثالثاً: أن هناك طائفة من المفكرين يرمون الشيعة بالقول بهذا الكفر، ويعممون ذلك، ولا شك بأن الشيعة فِرقٌ، والشيعة طبقات فلا يصح أن يقال مثلاً بأن متقدمي الشيعة يقولون بهذه المقالة([516])، ولا يقبل أن يقال بأن الزيدية تقول بهذه الفرية.. فأسلوب التعميم غير مرضي ولا مقبول.
         وأقول إن دراسة هذه المسألة ليست من أجل الرد والنقض، إنما هي لبيان هل الشيعة تقول بهذه المقالة أم لا؟، وفي ثبوت ذلك أكبر فضيحة للشيعة يهدم بنيانها من الأساس ويزلزل كيانها من القواعد، ولن يقبل منها قول ولا يسمع منها كلمة.. ومن ذا الذي يمس كتاب الله ويقبل منه مسلم قولاً أو يرتضي منه حكماً. ومن ثم فنحن نكتب هذه الدراسة لبيان حقيقة نسبة هذه المسألة للشيعة، لأن من حاول المساس بكتاب الله والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإسلام وإن تسمى به، وأنه يجب كشفه لتعرف الأمة عداوته، لأنه يحارب الإسلام في أصله العظيم وركنه المتين.
نتائج الموضوع:
        أولاً: يحتمل أن هذه الأسطورة نشأت عند الشيعة في القرن الثاني والذي تولى كبرها بعض الغلاة، وكان من أسبابها خلو كتاب الله مما يثبت بدعهم في الإمامة، والصحابة وغيرها.
        ثانياً: أكبر كتب الشيعة المعتمدة عندهم قد روت هذا الكفر، جاءت معظم هذه الروايات صريحة في ذلك لا يمكن حملها على أنهم يقصدون تأويل الآية، أو بيان القراءات التي وردت فيها، بل جاءت تصرح بأن الآية هكذا والصحابة –بزعمها- غيرت ذلك، مثل الألفاظ التالية:"هذه الآية مما غيروا وحرفوا.."([517]) يعنون الصحابة، وقولهم "أنزل الله سبعة بأسمائهم فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب"([518])، "كانت فيه أسماء رجال فألقيت"([519])، وقولهم "هكذا والله نزل به جبرائيل على محمد ولكنه فيما حرف من كتاب الله"([520])، وقولهم "بلى والله إنه لمثبت فيها وأن أول من غير ذلك لابن أروى"([521])، ومثل ذلك كثير. فمن يقل من الشيعة أن رواياتهم الواردة في كتبهم من جنس روايات القراءات، ونسخ التلاوة، فهو يتستر على هذا الكفر، ويساوي بين الحق والباطل.
        ثالثاً: ادعى جمع من شيوخهم استفاضة هذه "الأساطير" وكثرتها في كتبهم المعتمدة، وهذا طعن في كتبهم لا في كتاب الله سبحانه، ولهذا حاول بعض عقلائهم الخروج بالمذهب من هذا "المأزق" الذي وقع فيه، أو التستر على هذه الفضيحة.. لكن هذه الأسطورة كانت رواياتها تزيد –عبر القرون- رغم إنكار المنكرين، وتبنى إشاعتها طائفة من الزنادقة الذين اندسوا في الشيعة. ولا ريب بأن من يقل بهذه الأسطورة فليس من الإسلام في شيء، ولا علاقة له بكتاب الله ودينه، ولا برسول الإسلام، وأهل بيته بل له دين آخر غير دين الإسلام.
         لكن القائلين بتغير القرآن الناقلين لتلك الأساطير كالمجلسي في "بحار الأنوار" والطبرسي في "فصل الخطاب" نراهم يستشهدون من كتاب الله، ويفتتحون كل باب من أبواب كتبهم بآيات من القرآن، كما يفعل المجلسي في بحاره، والطبرسي في "مستدرك الوسائل" وغيرهما، بل إن الطبرسي الذي كتب في فصل الخطاب ما كتب قد عقد في كتابه "مستدرك الوسائل" باباً بعنوان: باب استحباب الوضوء لمس كتاب الله ونسخه، وعدم جواز مسه المحدث والجنب كتابة القرآن([522]). بل إن شيخ الشيعة المجلسي الذي قال –كما سلف- باستفاضة تلك الأساطير وأنها لا تقصر عن أخبار الإمامة، يقول مع ذلك: "بأن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان"([523]).
         ثم استشعر التناقض بين هذا القول وبين أساطيرهم في تحريف القرآن فقال: "فإن قال قائل كيف يصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنهم قرؤوا:"يسألونك الأنفال" وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس، قيل له.. إن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به.. مع أنه لا ننكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين أحدهما ما تضمنه المصحف، والثاني كما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى"، ثم أشار إلى بعض القراءات([524]).
         فما دام هذه نهاية الذين أثاروا تلك العقائد الكفرية، فلماذا أثاروا تلك المفتريات وتناقلوها.. الجواب واضح من خلالا ما سبق أن عرضناه وهو اقناع قومهم وأتباعهم بصحة ما هم عليه من معتقدات، وإن آيات من القرآن قد حذفها الصحابة تشهد لمذهبهم، ولهذا لاحظنا أنهم أيضاً ادعوا نزول كتب إلهية غير القرآن، وفزعوا إلى التفسير الباطني، كل ذلك لإثبات شذوذهم.. فإذن تحولت تلك الدعاوى إلى مجرد محاولات للتخلص من الإلزامات الواردة عليهم بخلو كتاب الله مما يثبت عقائدهم، ولكن تلك الروايات كان لها آثارها على فرق الشيعة([525])، بل على الاثنى عشرية نفسها، فإن الإخباريين منهم يقدمون أخبارهم على كتاب الله كما سلف. حتى أشيع بأن الاثنى عشرية لهم مصحف خاص بهم..
        رابعاً: كما أن لهم روايات تقول بالتحريف، فإن عندهم روايات أخرى تنفي هذا الباطل وتنكره مثل قول إمامهم:"واجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاحتجاج عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي e:"لا تجتمع أمتي على ضلالة"([526]). ومثل ما جاء عندهم في ثواب قراءة القرآن([527]). وفضل حامل القرآن([528])، ووجوب عرض أحاديثهم عليه([529]). والتمسك به إلى قيام الساعة، وهذا يبطل أن يكون محرفاً أو مخفياً عند منتظرهم.
        خامساً: تبين لنا أن هذه الأسطورة حملت بذاتها باطلها، وتبين من عناصر تكوينها فسادها، وكان مجرد عرضها كافياً في الرد عليها ويكفي في بيان كذب الروافض.. أن علي بن أبي طالب الذي هو عند أكثرهم إله خالق، وعند بعضهم نبي ناطق، وعند سائرهم إمام معصوم ولي الأمر وملك، فبقى خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعاً ظاهر الأمر.. والقرآن يقرأ في المساجد في كل مكان وهو يؤم الناس به، والمصاحف معه وبين يديه، فلو رأى فيه تبديلاً كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك؟، ثم أتى ابنه الحسن وهو عندهم كأبيه فجرى على ذلك.
         فكيف يسوغ لهؤلاء النوكى أن يقولوا إن في المصحف حرف زائداً أو ناقصاً أو مبدلاً مع هذا ؟!.
         ولقد كان جهاد من حرف القرآن وبدل الإسلام أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه ورأى خلافه فقط، فلاح كذب الرافضة ببرهان لا محيد عنه، والحمد لله رب العالمين([530]).
ثانياً: اعتقادهم في السُّنة:
         الشيعة تقول بالسنة ظاهراً وتنكرها باطناً، إذ أن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاها مخالفاً للسنة التي يعرفها المسلمون، في الفهم والتطبيق، وفي الأسانيد والمتون، ويتبين ذلك فيما يلي:
قول الإمام كقول الله ورسوله:
         فالسنة عندهم هي: "كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير"([531])، ولكن الشيعة تعطي صفة العصمة لآخرين غير رسول الله e، وتجعل كلامهم مثل كلام الله وكلام رسوله، وهم الأئمة الاثنى عشر لا فرق عندهم في هذا بين هؤلاء الاثنى عشر وبين من لا ينطق عن الهوى، ولا فرق في كلام هؤلاء الاثنى عشر بين سن الطفولة، وسن النضج العقلي، إذ إنهم –في نظرهم- لايخطئون عمداً ولا سهواً ولا نسياناً طوال حياتهم- كما سيأتي في مسألة العصمة.
         وقد جاء في الكافي ما يعدونه حجة لهم في هذا المذهب وهو قول أبي عبد الله –كما يزعم صاحب الكافي- "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله e، وحديث رسول الله قول الله عز وجل"([532]).
         وذكر شارح الكافي أن هذا القول يدل على "أن حديث كل واحد من الأئمة الظاهرين قول الله عز وجل ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى"([533]).
         بل قال: "يجوز من سمع حديثاً عن أبي عبد الله رضي الله عنه أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده، بل يجوز أن يقول قال الله تعالى"([534])وهذا صريح في جواز نسبة أقوال البشر إلى الله سبحانه. ثم ذكر أن بعض رواياتهم تدل على جواز ذلك بل أولويته"([535]).
         وهذه الروايات صريحة في استساغتهم الكذب البواح الصراح حيث ينسبون –مثلاً- لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما لم يقله، بل قاله بعض أحفاده ممن لم يشتهر عنه العلم.  
         وهم يقولون بهذا القول من منطلقين خطيرين، وقاعدتين أساسيتين عندهم في هذه المسألة.
الأصل الأول: علم الأئمة يتحقق عن طريق الإلهام والوحي:
         علم الأئمة يتحقق -في نظرهم- عن طريق الإلهام وحقيقته كما قال صاحب الكافي في روايته عن أئمته "النكت في القلوب"([536]).
         والإلهام ليس هو الوسيلة الوحيدة في هذا بل صرح صاحب الكافي أن هناك طرقاً أخرى غيره، حيث ذكر في بعض رواياته أن من وجوه علوم الأئمة"النقر في الأسماع"([537])إذن هناك وسيلة أخرى غير الإلهام وهو نقر في الأسماع بتحديث الملك([538])، وهو يسمع الصوت ولا يرى الملك.
         وتتحدث رواية أخرى لهم عن أنواع الوحي للإمام فتذكر أن جعفراً قال: "إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع علىالطشت (كذا)، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل"([539]).
         وثمة روايات أخرى في البحار بهذا المعنى([540]). وكأنهم بهذا المقام أرفع من النبي الذي لا يأتيه إلا جبرائيل، وتأتي روايات تبين هذه الصورة التي أعظم من جبرائيل وميكائيل بأنها الروح([541]) عندهم، وقد خصها صاحب الكافي بباب مستقل بعنوان: باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة، وذكر فيها ست روايات([542]) منها: "عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله تبارك وتعالى:]وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان[ قال: خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله e يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده"([543]).ومعلوم أن الروح في هذه الآية المراد بها القرآن، كما يدل عليه لفظ الآية]أوحينا[، وقد سماه الله سبحانه روحاً لتوقف الحياة الحقيقية على الاهتداء به([544]). وكأن هذه الدعاوى حول الوحي للإمام قد غابت عن مفيدهم (المتوفى سنة 413هـ) أو صنعت فيما بعد إذ رأينا المفيد يقرر الاتفاق والإجماع على "أنه من يزعم أن أحداً بعد نبينا يوحى إليه فقد كفر وأخطأ.."([545])، أو يكون قوله هذا تقية.
         بل إن الأئمة تذهب إلى عرش الرحمن –كما يزعمون- كل جمعة لتطوف به فتأخذ من العلم ما شاءت. قال أبو عبد الله: "إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلى الله عليه وآله العرش ووافى الأئمة عليهم السلام معه ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لأنفدنا"([546]).
         بل جاء في البحار تسع عشرة رواية تذكر بأن الله ناجى علياً، وأن جبرائيل يملي عليه.."([547]).
الأصل الثاني: خزن العلم وإيداع الشريعة عند الأئمة:
         جاء في الكافي عن موسى بن جعفر قال –كما يزعمون- "مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفَسر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا"([548]). وفي البحار، وبصائر الدرجات ثلاث روايات بهذا اللفظ([549]).
         العلم الحادث هو ما تقدم بيانه، وهو كما أشارت الرواية يعد من أفضل علومهم، لأنه كما يقول بعض شيوخهم حصل لهم من الله بلا واسطة([550]). أي من الله مباشرة بلا واسطة ملك من الملائكة، وهذا يشبه قول غلاة الصوفية مثل ابن عربي.
         أما الماضي المفَسر والغابر المزبور فقد أوضح شارح الكافي معناهما بقوله يعني: الماضي الذي تعلق علمنا به، وهو كل ما كان مفسراً لنا بالتفسير النبوي، والغابر المزبور الذي تعلق علمنا به هو كل ما يكون مزبوراً مكتوباً عندنا بخط علي رضي الله عنه وإملاء الملائكة مثل الجامعة وغيرها". فبهذا يتبين أن العلم المستودع عند الأئمة نوعان: كتب ورثوها عن النبي، أو علم تلقوه مشافهة منه e، وفحوى هذا الاعتقاد الذي يعتبر من ضرورات مذهبهم وأركان دينهم أن رسول الله e بلَّغ جزءاً من الشريعة وكتم الباقي وأودعه علياً فأظهر عليٌّ منه جزءاً في حياته، وعند موته أودعه الحسن، وهكذا كل إمام يظهر منه جزءاً حسب الحاجة ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.
         هذه بعض الخطوط العامة لهذه العقيدة الخطيرة في مذهب الشيعة.
النقــد:
         هذه المزاعم الخطيرة التي دونها الروافض في المعتمد من كتبهم تحمل أموراً خطيرة:
         تحمل دعوى استمرار الوحي الإلهي، وهو باطل.. قامت الأدلة النقلية والعقلية على بطلانه، وأجمع المسلمون على أن "الوحي قد انقطع منذ مات النبي e، والوحي لا يكون إلا لنبي، وقد قال الله سبحانه:]ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخَاتَم النبيين[([551]).
         ثم هي تدعي أن الدين لم يكمل، وهي مخالفة صريحة لقول الله سبحانه:]اليوم أكملت لكم دينكم..[([552]). كما تزعم بأن رسول الهدى e لم يبلغ جميع ما أنزل إليه، وأنه لم يمتثل أمر ربه في قوله:]يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته[([553])، وهذا إزراء بحق رسول الله، ولهذا وجد من فرق الشيعة من يقع في رسول الله([554])..
         وقد بلغ النبي e البلاغ المبين، وبين الدين، وأقام الحجة على العالمين، وأعلن ذلك بين المسلمين، ولم يسر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى:]..لتبيننه للناس ولا تكتمونه[([555])فهو بيان للناس وليس لفئة معينة من أهل البيت، وقال تعالى:]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا..[([556])، وقال:]وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه[([557]).
         "فالدين قد تم وكمل لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل"([558]) لا من إمام مزعوم، ولا من غائب موهوم.          
         وقد ودع المصطفى الدنيا بعد أن بلغ الدين كله وبين جميعه كما أمره ربه، وأعلم بذلك المسلمين أجمع "فلا سر في الدين عند أحد"([559]). قال e:"تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"([560]قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء"([561]). وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تركنا محمد e وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً([562]). وقال عمر رضي الله عنه: "قام فينا رسول الله مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه"([563]). وقال الإمام الشافعي: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها"([564]). بل قال جعفر الصادق -كما تنقل كتب الشيعة نفسها-:"إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن؟ إلا وقد أنزله الله فيه"([565]). فكل ما تنسبه الشيعة بعد هذا كذب.
         والرافضة ليست على شيء في مخالفتها في هذا الأصل العظيم الذي "هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً"([566]).
         إن الحق الذي لا ريب فيه أن الله أكمل لنا ديننا ]اليوم أكملت لكم دينكم..[([567])، وكل دعوى بعد ذلك فهي باطل وزور…
         وكل هذه الدعاوى أرادت منها هذه الزمرة إثبات ما تزعمه في الأئمة.. فزادت وغلت في ذلك.. فانكشف بذلك أمرها.. والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده.
مرويات الصحابة:  
         يقول محمد حسين آل كاشف الغطا -أحد مراجع شيعة هذا العصر- في تقرير مذهب طائفته في ذلك: "إن الشيعة لا يَعْتَبِرون من السنة (أعني الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت.. أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة"، فهو هنا يقرر أن مذهب الشيعة هو قبول"ما صح لهم من طرق أهل البيت"([568]) دون ما سواه من روايات صحابة رسول الله-e-، وإذا عرفنا أن الاثنى عشرية تعني بأهل البيت"الأئمة الاثنى عشر"، والذي أدرك  الرسول -e-منهم وهو مميز هو أمير المؤمنين على، وعليه فهل يتمكن أمير المؤمنين من نقل سنة الرسول-e- كلها للأجيال.. كيف وهو لا يكون مع الرسول-e-في كل الأحيان.. فقد كان الرسول-e- يسافر ويستخلفه في بعض الأحيان كما في غزوة تبوك، كما كان على يسافر ورسول الله في المدينة فقد بعثه رسول الله إلى اليمن، وكذلك ألحقه بأبي بكر حين أرسله لأهل مكة، بالإضافة إلى حال الرسول-e- في بيته والتي يختص بنقلها زوجاته أمهات المؤمنين رضى الله عنهم وهذا من أسرار وحكم تعددهن.. فإذن علي لا يمكن أن يستقل بنقل سنة رسول الله-e- وحده فكيف يقولون بأنهم لا يقبلون إلا ما جاء عن طريقه، كما أن هذه المقالة، وهي حصر نقل سنة رسول الله-e- بواحد يفضي إلى فقدان صفة التواتر في نقل شريعة القرآن، وسنة سيد الأنام-e- "ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحداً؛ بل يجب أن يكون المبلغون أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب.."([569]).
         كما أن جل بلاد الإسلام بلغهم العلم عن رسول الله من غير طريق علي رضى الله عنه([570]) وعامة من بَلَّغَ عنه e من غير أهل بيته -فضلا أن يكون هو علي وحده- فقد بعث  رسول الله e أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام، ويعلم الأنصار القرآن، ويفقههم في الدين، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته"([571]).
         وقد قال بعض أهل العلم إنه "لم يرو عن علي إلا خمسمائة وستة وثمانون حديثاً مسندة يصح منها نحو خمسين حديثاً"([572]).فهل سنة الرسول هي هذه فقط
ثالثاً: عقيدتهم في الإجماع:
         والشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعاً، ولها في هذا الباب عقائد مخالفة نذكرها فيما يلي:
أولاً: الحجة في قول الإمام لا في الإجماع:
         نقلت كتب الأصول عند أهل السنة أن الشيعة تقول: "إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعاً، بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة"([573]).
         ونستطلع فيما يلي رأى الشيعة من مصادرها، يقول ابن المطهر الحلى: "الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها، فإجماعها حجة لا لأجل الإجماع"([574])وبمثل هذا قال عدد من شيوخهم([575]).
         وحتى يتجلى لك الفرق جلياً بين مذهب أهل السنة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك، فلك أن تتصور أنه لو صدر من إمامهم محمد الجواد، والذي قالوا بإمامته وهو ابن خمس سنين([576]): لو صدر منه وهو في هذا العمر قول أو رأى، أو نسب إليه عن طريق جماعة من الروافض أنه يقول في أمر شرعى بحكم، أو قول، وخالفته في ذلك الأمة الإسلامية جميعاً، فإن الحجة في رأيه لا في إجماع الأمة([577]).
         وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج إلى مناقشة.
         ولهذا قرر المفيد أن هذا مما شذت به طائفته، فقال: "وهذا مذهب أهل الإمامة خاصة، ويخالفهم فيه المعتزلة والمرجئة والخوارج وأصحاب الحديث..".
 
ثانياً: ما خالف العامة ففيه الرشاد:
         الإجماع عند جمهور المسلمين ينظر فيه إلى إجماع الأمة، لأن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة.قال تعالى: ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيراً[([578]) وقال-e-: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"([579]).
         وروى عنه e عدة روايات في أن هذه الأمة "لا تجتمع على ضلالة"([580]).
         هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما طائفة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثنى عشر بشرط أن يكون من ضمنهم الإمام، أو يكون إجماعهم كاشفاً عن قول الإمام -كما قدمنا- ولا يلتفت إلى اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد e.
         بل الأمر أعظم من عدم اعتبار إجماعهم، حيث تعدى ذلك إلى القول بأن مخالفة إجماع المسلمين فيه الرشاد، وصار مبدأ المخالفة أصلاً من أصول الترجيح عندهم، وأساساً من أسس مذهبهم، وجاءت عندهم نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ وتدعو إليه.
         ففي أصول الكافي سؤال لأحد أئمتهم يقول: إذا "... وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة (يعني أهل السنة) والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت (القائل هو الراوي) جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل إليه حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى
 
تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات"([581]).
         وذكر ثقتهم الكليني أن من وجوه التمييز عند اختلاف رواياتهم قول إمامهم: "دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم"([582]).
         وقال أبو عبد الله-كما يفترون-"إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم"([583]).
         هذه النصوص في منتهى الخطورة، وهى من وضع زنديق ملحد أراد الكيد للأمة ودينها، وأراد أن يفتح للقوم باباً واسعاً للخروج من الإسلام، حيث يتجهون إلى مخالفة كل أمر من الدين عليه أمة الإسلام. وكيف يدعو قوم هذه عقائدهم إلى التقريب؟! وكيف يزعمون إمكانية اللقاء مع أهل السنة الذين يكون الرشد في خلافهم؟!

عقيدتهم في أصول الدين([584])
أولاً: عقيدتهم في توحيد الألوهية:
         وهذا التوحيد هو الذي دعت الرسل إليه، وهو أصل النجاة، وأساس قبول العبادات ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[([585]).
         فهل حافظت الشيعة على هذا الأصل الأصيل، والركن المتين، أم أن اعتقادها في الأئمة قد أثر على عقيدتها في توحيد الله سبحانه؟ هذا ما سنتناوله بالحديث فيما يلي، حيث سأعرض لسبعة مباحث –إن شاء الله-.
المبحث الأول
نصوص التوحيد جعلوها في ولاية الأئمة
        أ. ففي قوله سبحانه:]ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك[([586]) جاء في الكافي -أصح كتاب عندهم في الرواية-، وفي تفسير القمي -عمدة تفسيرهم، وفي غيرها من مصادرهم المعتمدة([587])، تفسيرها بما يلي: "يعني إن أشركت في الولاية غيره"([588])، وفي لفظ آخر: "لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك"([589]). وقد ساق صاحب البرهان في تفسير القرآن أربع روايات لهم في تفسير الآية السابقة بالمعنى المذكور([590]).
         ب. وفي قوله سبحانه: ]ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا..[([591]).
         وهذه الآية –كما هو واضح- تبين ما عليه أهل الشرك من إعراض عن عبودية الله وحده، وهي جواب للمشركين حين طلبوا الخروج من النار، والرجعة إلى الدنيا فقالوا: فهل إلى خروج من سبيل[ فكان جوابهم: ]ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم[ وتركتم توحيده ]وإن يشرك به[ غبره من الأصنام أو غيرها ]تؤمنوا[ بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه([592]).
         ولكن الشيعة تروي عن أئمتها في تأويل الآية غير ما فهمه المسلمون منها.
         تقول عن أبي جعفر في قوله عز وجل: ]ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم[ بأن لعلي ولاية ]وإن يشرك به[ من ليست له ولاية ]تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير[([593]).
         وهكذا لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن في موضوع التوحيد والنهي عن الشرك إلا وراموا تحريفها وتعطيل معناها وتحويلها إلى ولاية علي والأئمة ولو كانت صريحة واضحة بينة.
         وأخذوا من هذه النصوص وغيرها الحكم بتكفير من عداهم من المسلمين. قال المجلسي: "اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر –يعني في نصوصهم- على من لا يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، وفضل عليهم غيرهم يدل على أنهم كفار مخلدون في النار"([594]).
المبحث الثاني
الولاية أصل قبول الأعمال عندهم
         إن التوحيد هو أصل قبول الأعمال، والشرك بالله سبحانه هو سبب بطلانها، قال تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[([595])، ولكن الشيعة جعلوا ذلك كله لولاية الإثنى عشر، وجاءت رواياته لتجعل المغفرة والرضوان والجنات لمن اعتقد الإمامة وإن جاء بقراب الأرض خطايا، والطرد والإبعاد والنار لمن اتقى الله لا يدين بإمامة الاثنى عشر، فقالوا "إن الله عز وجل نصب علياً علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالاً، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة([596]).
المبحث الثالث
اعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله والخلق
         وإذا كان المسلمون يعتقدون أن الرسل هم الواسطة بين الله والناس في تبليغ أمر الله وشرعه، فإن الاثنى عشرية تعتقد أن هذا المعنى موجود في الأئمة، لأنهم يتلقون من الله –كما مر في عقيدتهم في السنة- وتزيد على ذلك فتجعل لهم من خصائص الألوهية ما يخرج بمن يؤمن به من دين التوحيد إلى دين المشركين، حين تجعل هداية الخلق إليهم، وأن الدعاء لا يقبل إلا بأسمائهم، وأنهم يستغاث بهم عند الشدائد والملمات، ويُحَج إلى مشاهدهم، والحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله، وكربلاء أفضل من الكعبة، ولزيارة أضرحة الأئمة مناسك وآداب سموها مناسك المشاهد، وجعلوها تُحَجُّ كما يُحَجُّ بيت الله الذي جعله الله قياماً للناس، ويطاف بها كما يطاف بالبيت، وتتخذ قبلة كبيت الله الحرام. وسأعرض –إن شاء الله- لهذه المسائل من خلال النقل الأمين –بحول الله- من كتب الشيعة المعتمدة عندها. 
المسألة الأولى: قولهم لا هداية للناس إلا بالأئمة:
         قال أبو عبد الله: "بلية الناس عظيمة إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا"([597]).
المسألة الثانية: قولهم لا يقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة:
         قالوا: لا يفلح من دعا الله بغير الأئمة، ومن فعل ذلك فقد هلك.
         جاء في أخبارهم عن الأئمة: "من دعا الله بنا أفلح، ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك"([598]). وبلغت جرأتهم في هذا الباب أن قالوا: "إن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم أجمعين"([599]).
         وجاءت روايات كثيرة في هذا المعنى في عدد من مصادرهم المعتمدة وهذا "الزعم" الخطير يهدف بطريقة ماكرة، وأسلوب مقنع إلى "تأليه الأئمة" وأنهم ملجأ المحتاجين ومفزع الملهوفين وأمان الخائفين وقبلة الداعين، ولا تستجاب الدعوات إلا بذكر أسمائهم، فأي فرق بين هذا وبين ما يزعمه المشركون في أصنامهم؟
         نعم هناك فرق، وهو أن المشركين في وقت الشدة يخلصون الدعاء لله أما هؤلاء فإنهم يشركون في الرخاء والشدة.
         تقول إحدى رواياتهم" عن الرضا عليه السلام قال: لما أشرف نوح عليه السلام دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق، ولما رمى إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه برداً وسلاماً، وإن موسى عليه السلام لما ضرب طريقاً في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبساً، وإن عيسى عليه السلام لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجى من القتل فرفعه الله([600]).
المسألة الثالثة: الاستغاثة بالأئمة:
         هناك"رقاع" تكتب، وتوضع على قبور الأئمة، لأن قبور الأئمة وأضرحتهم التي لا تنفع ولا تضر هي –بزعمهم-مناط الرجاء ومفزع الحاجات.قالوا: "إذا كان لك حاجة إلى الله عز وجل فاكتب رقعة على بركة الله، واطرحها على قبر من قبور الأئمة إن شئت، أو فشدها واختمها واعجن طيناً نظيفاً واجعلها فيه، واطرحها في نهر جار، أو بئر عميقة، أو غدير ماء، فإنها تصل إلى السيد عليه السلام وهو يتولى قضاء حاجتك بنفسه"([601]).
         ثم ذكروا أنه يكتب في هذه الرقعة:"بسم الله الرحمن الرحيم كتبت إليك يا مولاي صلوات الله عليك مستغيثاً…، فأغثني يا مولاي صلوات الله عليك عند اللهف، وقدم المسألة لله عز وجل في أمري قبل حلول التلف وشماتة الأعداء، فبك بسطت النعمة عليّ، واسأل الله(الخطاب للإمام في قبره) جل جلاله لي نصراً عزيزاً.."([602]).
المسألة الرابعة: قولهم إن الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى بيت الله:
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلي البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله وحده، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت"([603]).
         هذه المسألة التي قال عنها عالم من أكبر علماء أهل السنة المعنيين بتتبع أمر الرافضة والرد عليهم بأنه قد وصله خبرها عن طريق بعض الثقات هي اليوم مقررة ومعلنة في كتب الاثنى عشرية في عشرات من الروايات تنص على أن زيارة المشهد أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام.
         جاء في الكافي وغيره:"إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة، وأفضل من عشرين عمرة وحجة"([604]).
زيارة كربلاء يوم عرفة أفضل من سائر الأيام:
         مما يكشف أن هذه الروايات هي ثمرة مؤامرة ضد الأمة لصرفها عن بيت ربها والعمل على إفساد أمرها وتفريق إجتماعها.. والحيلولة دون تلاقيها في هذا المؤتمر السنوي العام..أن هذه الروايات خصت زيارة الحسين يوم عرفة بفضل خاص، تقول:"من أتى قبر الحسين عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات، ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مائة حجة ومائة عمرة..ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل"([605]).
المبحث الرابع
قولهم إن الإمام يُحَرِّم ما يشاء ويُحِلُّ ما يشاء
        من أصول التوحيد: الإيمان بأن الله سبحانه هو المشرع وحده سبحانه، يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء لا شريك له في ذلك، ورسل الله يبلغون شرع الله لعباده، ومن ادعى أن له إماماً يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء فهو داخل في قوله سبحانه:]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[([606])، فأشرك مع الله غيره.
         والشيعة تزعم في رواياتها أن الله سبحانه وتعالى"خلق محمداً وعلياً وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورهم إليها، فهم يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون"([607]).
المبحث الخامس
قولهم إن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء
         تقول الشيعة –مخالفة بذلك النقل والعقل والطب والحكمة- بأن تربة الحسين هي الكفيلة لشفاء الأدواء والأسقام بشتى أنواعها وأشكالها.
         ولقد ذكر صاحب البحار ما يصل إلى ثلاث وثمانين رواية عن تربة الحسين وفضلها وآدابها وأحكامها، فجعلت هذه الروايات من هذه التربة البلسم الشافي من كل داء، والحصن الحصين من كل خوف([608])، يشرب منها المريض فيتحول إلى صحيح، كأن لم يكن به بأس([609]). ويحنك بها الطفل فتكون مأمنه من الأخطار([610])، وتوضع مع الميت في قبره لتقيه من العذاب، ويمسك بها الرجل يعبث بها ساهياً يقلبها فيكتب له أجر المسبحين، لأنها تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح([611]).
المبحث السادس
دعاؤهم بالطلاسم والرموز، واستغاثتهم بالمجهول
  من أمثلة تلك الطلاسم قالوا:"حرز لأمير المؤمنين صلوات الله عليه للمسحور، والتوابع (الجني يتبع الإنسان حيث يذهب) والمصروع والسم والسلطان والشيطان وجميع ما يخافه الإنسان.. وهذه كتابته:
         بسم الله الرحمن الرحيم أي كنوش أي كنوش أرشش عطنيطنيطح يا مطيطرون فريالسنون ما وما ساما سويا طيطشا لوش خيطوش ..إلى آخر هذه الطلاسم ثم رسم رموزاً غريبة على شكل خطوط متداخلة..ومن عوذات الأئمة وأحرازهم بالألفاظ الغريبة قولهم كما يزعمون:"بيا آهيا شراهيا.."..إلخ([612])
المبحث السابع
استخارتهم بما يشبه أزلام الجاهلية
         وقد أدخلت طائفة الاثنى عشرية الاستخارة بالأزلام في دينها وأضافت عليها بعض الإضافات وسموها الرقاع. وعقد الحر العاملي لهذا باباً بعنوان"باب استحباب الاستخارة بالرقاع وكيفيتها"([613])، وذكر في هذا الباب جملة من أحاديثهم في ذلك بلغت خمس روايات، أما المجلسي فقد ذكر أنواعاً من الاستخارات تدخل في هذا المعنى في أبواب ثلاثة وهي: باب الاستخارة بالرقاع، وباب الاستخارة بالبنادق، وباب الاستخارة بالسبحة والحصى([614]).
ثانياً: عقيدتهم في توحيد الربوبية:
         لقد بين أهل العلم أن الإيمان بربوبية الله سبحانه أمر قد فطر عليه البشر، وأن الشرك في الربوبية باعتبار إثبات خالقَين متماثلَين في الصفات والأفعال لم يثبت عن طائفة من الطوائف في التاريخ البشري، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثَم خالقاً خلق بعض العالم([615]).
         ولهذا كان السؤال هل تأثر هذا الأصل في دين الشيعة، بمعنى هل وجد الإشراك الجزئي عندهم، باعتبار ما يولونه الأئمة من اهتمام، وما يعطونهم من أوصاف، وما يضيفونه عليهم من ألقاب؟ سيتبين هذا من خلال التتبع لما جاء عن أئمتهم في كتبهم المعتمدة، ورواياتهم المعتبرة عندهم، حيث أعرض خمسة مباحث: أولها: قولهم أن الرب هو الإمام، وثانيها: اعتقادهم أن الدنيا والآخرة للإمام، وفي المبحث الثالث: قولهم إن السحاب والرعد هو من أمر الأئمة، ومسخر للأئمة، وهو ما أسميته (إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة)، وفي المبحث الرابع: قولهم بحلول جزء إلهي في الأئمة، وفي الخامس: زعمهم تأثير الأيام بالنفع والضر.
المبحث الأول
قولهم أن الرب هو الإمام
         جاء في أخبارهم أن علياً –كما يفترون عليه- قال: أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به([616]).
المبحث الثاني
قولهم بأن الدنيا والآخرة كلها للإمام يتصرف بها كيف يشاء
         عقد صاحب الكافي لهذا باباً بعنوان: "باب أن الأرض كلها للإمام"، ومما جاء فيه: عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله.."([617]).
 
المبحث الثالث
إسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة
         كل ما يجري في هذا الكون فهو بأمر الله وتقديره لا شريك له سبحانه، لكن في كتب الاثنى عشرية ما يثير العجب في هذا حيث تدعي بأن لأئمتها أمراً في ذلك، تقول رواياتهم:
         "عن سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبد الله عليه السلام : أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم، قلت من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين عليه السلام"([618])
المبحث الرابع
الجزء الإلهي الذي حل بالأئمة
         وترد عندهم روايات تدعي بأن جزءاً من النور الإلهي حل بعلي.
         قال أبو عبد الله:"ثم مَسَحَنا بيمينه فأفضى نوره فينا". "...ولكن الله خلطنا بنفسه.."([619]).
         وهذا الجزء الإلهي الذي في الأئمة –كما يزعمون- أعطوا به قدرات مطلقة، ولذلك فإن من يقرأ ما يسمونه معجزات الأئمة وتبلغ مئات الروايات يلاحظ أن الأئمة أصبحوا كرب العالمين –تعالى الله وتقدس عما يقولون- في الإحياء والإماتة والخلق والرزق([620]).. إلا أن رواياتهم تربط هذا بأنه من الله كنوع من التلبيس والإيهام.
         فهذا –مثلاً- عليّ يُحيِى الموتى: جاء في الكافي عن أبي عبد الله قال: إن أمير المؤمنين له خؤولة في بني مخزوم وإن شاباً منهم أتاه فقال: يا خالي إن أخي مات وحزنت عليه حزناً شديداً، قال فقال: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال فخرج ومعه بردة رسول الله متزراً بها، فلما انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى ولكنا متنا على سنة فلان وفلان (أي أبي بكر وعمر) فانقلبت ألسنتنا"([621]). بل إن علياً –كما يزعمون- أحيى موتى مقبرة الجبانة بأجمعهم([622])، وضرب الحجر فخرجت منه مائة ناقة([623]).
         هذا سلمان –كما يفترون- "لو أقسم أبو الحسن على الله أن يحيي الأولين والآخرين لأحياهم"([624]).
         هذا الغلو هو بلا شك ارتضعوه من أفاويق المذاهب الوثنية التي تدعي في أصنامها ومعبوداتها ما للرب سبحانه من أفعال، ويكفي في فساده مجرد تصوره، إذ هو مخالف للنقل والعقل، والسنن الكونية كما هو منقوض بواقع الأئمة وإقراراتهم، ورسول الهدى e يقول –كما أمره ربه- ]قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله[([625]).
المبحث الخامس
قولهم بتأثير الأيام والليالي بالنفع والضر
         قال الله سبحانه: ]وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون[([626]). فالضر والنفع من الله وحده، وليس للأنواء والأيام والليالي وغيرها تأثير في ذلك، والشيعة تخالف هذا بدعواها أن في بعض الأيام شؤماً لا تقضى فيه الحاجات:
         قال أبو عبد الله:"لا تخرج يوم الجمعة في حاجة، فإن كان يوم السبت وطلعت الشمس فاخرج في حاجتك"، وقال:"السبت لنا، والأحد لبني أمية"([627]).
 
ثالثاً: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته:
المبحث الأول
الغلو في الإثبات (التجسيم)
         اشتهرت ضلالة التجسيم بين اليهود، ولكن أول من ابتدع ذلك بين المسلمين هم الروافض، ولهذا قال الرازي:"اليهود أكثرهم مشبهة، وكان بدء ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض مثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأبي جعفر الأحول([628]).
         وكل هؤلاء الرجال المذكورين هم ممن تعدهم الاثنى عشرية في الطليعة من شيوخها، والثقات من نقلة مذهبها.
         وقد حدد شيخ الإسلام أول من تولى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال: "وأول من عُرِفَ في الإسلام أنه قال إن الله جسم هو هشام بن الحكم"([629]).
         وقد نقل أصحاب الفرق كلمات مغرقة في التشبيه والتجسيم منسوبة إلى هشام بن الحكم وأتباعه تقشعر من سماعها جلود المؤمنين. يقول عبد القاهر البغدادي:"زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه…"([630])
         وقال ابن حزم: "قال هشام إن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه"([631]).
         وقد يقال إن ما سلف من أقوال عن هشام وأتباعه هي من نقل خصوم الشيعة فلا يكون حجة عليهم. مع أن تلك النقول عن أولئك الضُّلال قد استفاضت من أصحاب المقالات على اختلاف اتجاهاتهم، وهم أصدق من الرافضة مقالاً، وأوثق نقلاً، وهي تثبت أن الرافضة هم الأصل في إدخال هذه البدعة على المسلمين.
         لكن القول بأن نسبة التجسيم إليهم قد جاءت من الخصوم، ولا شاهد عليها من كتب الشيعة قد يتوهمه من يقرأ إنكار المنكرين لذلك من الشيعة، وإلا فالواقع خلاف ذلك.
         وقد كان لهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي بالذات دور ظاهر في اتجاه التجسيم عند الشيعة كما تذكر ذلك مجموعة من رواياتهم.جاء في أصول الكافي وغيره".. عن محمد بن الرخجي قال"كتبت إلي أبي الحسن عليه السلام أسأله عما قال هشام بن الحكم في الجسم وهشام بن سالم في الصورة فكتب دع عنك حيرة الحيران واستعذ بالله من الشيطان ليس القول ما قال الهاشمان([632]).
         وكان الأئمة يتبرءون منهما ومن قولهما، وحينما جاء بعض الشيعة إلى إمامهم وقال له: "إني أقول بقول هشام "قال إمامهم (أبو الحسن علي بن محمد)" ما لكم ولقول هشام؟ إنه ليس منا من زعم أن الله جسم ونحن منه براء في الدنيا والآخرة"([633]).
         فأنت ترى أن كبار متكلميهم قد غلوا في الإثبات، حتى شبهوا الله جل شأنه بخلقه وهو كفر بالله سبحانه، لأنه تكذيب لقوله سبحانه ]ليس كمثله شيء[([634]) وعطلوا صفاته اللائقة به سبحانه فوصفوه بغير ما وصف به نفسه، وإمامهم كان ينكر عليهم هذا المنهج الضال، ويأمر بالالتزام في وصف الله، بما وصف به نفسه، ورواياتهم في هذا الباب كثيرة([635]).
         فهذا الاتجاه إلى الغلو في الإثبات، قد طرأ على الإثبات الحق الذي عليه علماء أهل البيت وأصبح المذهب يتنازعه اتجاهان اتجاه التجسيم الذي تزعمه هشام، واتجاه التنزيه الذي عليه أهل البيت كما تشير إليه روايات الشيعة نفسها، وكما هو"ثابت مستفيض في كتب أهل العلم"([636]).
 
 
المبحث الثاني
التعطيل عندهم
         بعد هذا اللغو في الإثبات بدأ تغيير المذهب في أواخر المائة الثالثة حيث تأثر بمذهب المعتزلة في تعطيل الباريء سبحانه من صفاته الثابتة له في الكتاب والسنة، وكثر الاتجاه إلى التعطيل عندهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي الملقب بالشريف المرتضى، وأبي جعفر الطوسي، واعتمدوا في ذلك على كتب المعتزلة. وكثيراً مما كتبوه في ذلك منقول عن المعتزلة نقل المسطرة، وكذلك ما يذكرونه في تفسير القرآن في آيات الصفات والقدر ونحو ذلك هو منقول من تفاسير المعتزلة([637]).
         ولهذا لا يكاد القارىء لكتب متأخري الشيعة يلمس بينها وبين كتب المعتزلة في باب الأسماء والصفات فرقا، فالعقل-كما يزعمون-هو عمدتهم فيما ذهبوا إليه، والمسائل التي يقررها المعتزلة في هذا الباب أخذ بها شيوخ الشيعة المتأخرون كمسألة خلق القرآن، ونفى رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وإنكار الصفات.
         بل إن الشبهات التي يثيرها المعتزلة في هذا، هي الشبهات التي يثيرها شيوخ الشيعة المتأخرون.
         وهؤلاء المعطلة قد رد عليهم أئمة الإسلام وبينوا باطلهم ولن نكرر القول ونبديء فيه ونعيد .. ولكن الذي يمكن أن يضاف في هذا المجال بعد ظهور الكتاب الشيعي وانتشاره هو تصوير هذه المسألة من كتب الشيعة ومن خلال روايات الشيعة عن أئمتها ، وكلام شيوخهم المبني على مجاراة أهل التعطيل.
وسأختار[مسألتين] في ذلك:
المسألة الأولى: قولهم بأن القرآن مخلوق:
         يقول آية الشيعة محسن الأمين:"قالت الشيعة والمعتزلة القرآن مخلوق"([638]).
         وهذا بناءً على إنكارهم لصفة الكلام لله وزعمهم أن الله سبحانه "يوجد الكلام في بعض مخلوقاته كالشجرة حين كلم موسى، وكجبرائيل حين أنزله بالقرآن"([639]). هذا بعض ما يقوله شيوخهم في هذا الأمر([640]). وإذا رجعت إلى الروايات التي ينقلونها عن (آل البيت) وجدتها تخالف في أكثرها ما يذهب إليه هؤلاء، فمن ذلك: ما جاء في تفسير العياشي: "عن الرضا أنه سئل عن القرآن فقال… إنه كلام الله غير مخلوق.."([641]).
         وأول من قال بهذه المقالة الجعد بن درهم([642]).
         قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم([643])، فهو أول من قال بمبدأ التعطيل في هذه الأمة ثم تلقى ذلك عنه الجهم بن صفوان"([644]).
         ويشير البعض إلى أن هذه المقالة ترتد أصولها إلى مؤثرات أجنبية، فقد ذكر ابن الأثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما أن الجعد أخذ ذلك –أي القول بخلق القرآن- عن أبان بن سمعان، وأخذه هذا من طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي e، وكان يقول بخلق التوراة، وكان طالوت زنديقاً وهو أول من صنف لهم في ذلك ثم أظهره الجعد بن درهم([645])، كما يذكر الخطيب البغدادي أن والد بشر المريسي وهو أحد كبار القائلين بخلق القرآن من المعتزلة كان يهودياً([646]).
[المسألة الثانية]: الرؤية:
         لقد ذهبت الشيعة الإمامية بحكم مجاراتها للمعتزلة إلى نفي الرؤية وجاءت روايات عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه التوحيد وجمع أكثرها صاحب البحار تنفي ما جاءت به النصوص من رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة فتفتري –مثلاً- على أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل"عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً..إن الأبصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية"([647]).
المبحث الثالث
وصفهم الأئمة بأسماء الله وصفاته
         لقد خرجوا ببدعة ثالثة أحدثوها في أمة محمد e، حين زعموا أن الأئمة هم أسماء الله، فأسماء الله سبحانه التي ذكرها في كتابه هي –على حد زعمهم- عبارة عن الأئمة الاثنى عشر، وهذا يتضمن تعطيل الله من أسمائه الحسنى، واعطاءها بعض البشر، ويزعمون أن النص من "المعصوم"قد ورد بذلك وهذا إفك عظيم افتروه فويل لهم مما يفترون، روى الكليني في أصول الكافي عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: ]ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها[ قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا"([648]).
         الله سبحانه يقول: ]ولله الأسماء الحسنى[ وهؤلاء يقولون نحن الأسماء الحسنى، فأي محاداة لله وكتابه أعظم من هذا، إن من معين هذه النصوص المظلمة تستقي طوائف الباطنية الملاحدة والتي تذهب لتأليه الأئمة..ومن مائها الآسن ترتوي.
         وزعموا أن أمير المؤمنين علياً قال: "أنا عين الله وأنا يد الله وأنا جنب الله وأنا باب الله"([649]). وقال –كما يفترون- :"أنا علم الله وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله الناطق، وعين الله الناظرة، وأنا جنب الله وأنا يد الله"([650]).
         وقد ذكر المجلسي ستاً وثلاثين رواية تقول أن الأئمة هم وجه الله ويد الله([651]).
         وفي رجال الكشي وغيره قال علي –كما يفترون- "أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن"([652]).
         كما أنهم أضافوا إلى الأئمة أيضاً بعض صفات الرب سبحانه كالعلم بالغيب، وعقد لذلك صاحب الكافي باباً بعنوان: "باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء"، وضمنه طائفة من رواياتهم. وعقد باباً آخر بعنوان:"باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا "([653])، وذكر فيه جملة من أحاديثهم.
         وقد عثرت وسط هذا الركام من هذه الدعاوى الغبية الملحدة حول الأئمة على بعض النصوص التي روتها كتب الشيعة والتي تجرد الأئمة من هذه الصفات التي خلعوها عليهم وهي لا تنبغي إلا للحق جل شأنه. قال أبو عبد الله –كما يروي صاحب الكافي- :"يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني، فما علمت في أي بيوت الدار هي.."([654]). ولو كان أبو عبد الله كما يزعم الكليني في أبوابه التي عقدها بعد ذكره لهذا النص، لو كان يعلم ما يكون ولا يخفى عليه الشيء وإذا شاء أن يعلم علم لم يخف عليه موضع الجارية.
         وروايات الشيعة تكشف نفسها بنفسها وتتناقض نصوصها.    

رابعًا: اعتقادهم في الإيمان وأركانه:
المبحث الأول
قولهم في الإيمان والوعد والوعيد
المسألة الأولى: مفهوم الإيمان عندهم:
         لقد أدخل الاثنا عشرية الإيمان بالأئمة الاثنى عشر في مسمى الإيمان([655]). ولهذا قال ابن المطهر الحلي: إن"مسألة الإمامة(إمامة الاثنى عشر).. هي أحد أركان الإيمان المستحق بسببه الخلود في الجنان والتخلص من غضب الرحمن"([656]).
المسألة الثانية: الشهادة الثالثة:
         وبمقتضى هذا الإيمان الذي لا يعرفه سوى الاثنى عشرية، فإنهم اخترعوا شهادة ثالثة، هي شعار هذا الإيمان الجديد، هي قولهم: "أشهد أن علياً ولي الله" يرددونها في أذانهم، وبعد صلاتهم، ويلقنونها موتاهم. فالإقرار بالأئمة مع الشهادتين يقال بعد كل صلاة، وعقد الحر العاملي باباً في هذا المعنى([657]).
         وجاء في أخبارهم عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:"لو أدركت عكرمة([658]) عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقنه ما أنتم عليه"([659])، وعن أبي بصير عن أبي جعفر قال:"…لقنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله والولاية"([660]).
         ويلقن هذه الشهادة عند إدخاله للقبر([661])، وكذلك عند انصراف الناس عنه، وبوب لذلك المجلسي فقال:" باب استحباب تلقين الولي الميت الشهادتين والإقرار بالأئمة عليهم السلام بأسمائهم بعد انصراف الناس"([662])، وساق في ذلك جملة من رواياتهم.
المسألة الثالثة: القول بالإرجاء:
         هذا وإذا كان الإيمان عندهم هو الإقرار بالأئمة الاثنى عشر، فقد أصبحت معرفة الأئمة عندهم كافية في الإيمان ودخول الجنان فأخذوا بمذهب المرجئة رأساً. ولهذا عقد صاحب الكافي باباً بعنوان:"باب أن الإيمان لا يضر معه سيئة، والكفر لا ينفع معه حسنة"، وذكر فيه ستة أحاديث منها قول أبي عبد الله:"الإيمان لا يضر معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل"([663]).والإيمان حسب مصطلحهم هو حب الأئمة أو معرفتهم.
المسألة الرابعة: قولهم في الوعد:
         وجاءت أخبارهم تقول: بأن الأئمة يملكون الضمان لشيعتهم بدخول الجنة، وقد شهدوا بذلك لبعض أتباعهم على وجه التعيين، فهم يعدون بالثواب ويحققونه.
         ومن نصوصهم في هذا ما جاء في رجال الكشي: "..عن زياد القندي عن علي بن يقطين، أن أبا الحسن قد ضمن له الجنة"، وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن الحجاج، قال قلت لأبي الحسن رضي الله عنه: إن علي بن يقطين أرسلني إليك برسالة أسألك الدعاء له، فقال: في أمر الآخرة؟ قلت: نعم، قال: فوضع يده على صدره ثم قال: ضمنت لعلي بن يقطين ألا تمسه النار"‍([664]).
         إن مثل هذه المزاعم تبين أن واضعي هذه الأساطير هم فئة من الزنادقة الذين يؤمنون بقرآن ولا بسنة، وهدفهم إفساد هذا الدين، فلم يجدوا مكاناً لتحقيق ذلك إلا في محيط التشيع، وعلي بن يقطين الذي ضمن له هؤلاء الزنادقة"جنتهم" قد يكون شريكاً لهم في المذهب، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة 169 هـ بأنه قُتِلَ على الزندقة([665]).
المسألة الخامسة: قولهم في الوعيد:
         قال المفيد: "اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة".وأنهم بارتكابهم الكبيرة لا يخرجون عن الإسلام وإن كانوا يفسقون بما فعلوه من الكبائر والآثام([666]).
         وهذا القول في ظاهره موافق لمذهب أهل السنة، لكنهم خرجوا عن تحقيق هذا المذهب من طريق آخر، حيث توسعوا في مفهوم الكفر والمكفرات، ولذلك "اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار"، واتفقت على القول بكفر من حارب أمير المؤمنين علياً وأنهم "كفار ضُلاَّل ملعونون بحربهم أمير المؤمنين وأنهم بذلك في النار مخلدون"([667]).
         وهكذا حكمهم في كل من خالفهم، ولذلك قال ابن بابويه:"واعتقادنا في من خالفنا في شيء واحد من أمور الدين كاعتقادنا في من خالفنا في جميع أمور الدين"([668]).فهم من هذا الباب وعيدية، ولهذا قال شيخ الإسلام بأن متأخري الشيعة وعيدية في باب الأسماء والأحكام([669]).
المبحث الثاني
قولهم في أركان الإيمان
الإيمان بالملائكة:
         وقد نال هذا الركن من أركان الإيمان نصيبه، فالملائكة خلقوا من نور الأئمة، وهم خدمة الأئمة، ومنهم طوائف قد كلفوا بزعمهم للعكوف على قبر الحسين..إلخ.
         تقول أخبارهم: "خلق الله من نور وجه علي بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة"([670]).
         وأحياناً يقولون:"خلق الله الملائكة من نور علي"([671]).
         وقد زعموا أن ملائكة الرحمن من لا وظيفة له إلا البكاء على قبر الحسين، والتردد لزيارته، قالوا:"وكل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون إلى يوم القيامة.."([672]).
         وزيارة قبر الحسين هي أمنية أهل السماء، قالوا: "وليس شئ في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يؤذن لهم في زيارة الحسين ففوج ينزل وفوج يعرج"([673]).
         وقالوا إن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا"([674]).
         وجاء في أخر حديث طويل لهم إن جبريل دعا أن يكون خادماً للأئمة، قالوا فجبريل خادمنا"([675]).
         وقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-وهو يرد على ابن المطهر نقله لمثل هذا اللقب للملائكة قال: "فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد e خادماً عبارة من لا يعرف قدر الملائكة وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء…"([676]).
         وكيف يطلق هذا اللقب "الوضيع" في من وصفه الله بقوله: ]إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين[([677]) فالمراد بالرسول الكريم هنا جبريل، وذي العرش رب العزة سبحانه.
         ولهم دعاوي في هذا الباب كثيرة، وكأنه لا وظيفة للملائكة إلا أمر أئمتهم الاثنى عشر، أو كأنهم ملائكة الأئمة لا ملائكة الله!
الإيمان بالكتب:
         والشيعة قد تأثر هذا الجانب عندها بمقتضى عقائدها التي انفردت بها عن سائر المسلمين في مسألة الإمامة وغيرها، فآمنت بكتب ما أنزل بها من سلطان، حيث ادعت أن الله سبحانه أنزل على أئمتها كتباً من السماء، كما أنزل كتبه على أنبيائه.
         كما زعمت بأن لدى الأئمة الاثنى عشر الكتب السماوية التي نزلت على جميع الأنبياء فهم يقرءونها ويحتكمون إليها.
         وإليك بيان هاتين القضيتين، من خلال النقل الأمين من كتب الشيعة المعتمدة.
المسألة الأولى: دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة:
         ولعل جذور هذه المقالة بدأت في عصر علي-رضى الله عنه-كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات الإمام البخاري-رضى الله عنه- عن أبى جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة ؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر"([678]).
         وفي رواية أخرى للبخاري جاء السؤال: "هل عندكم شئ من الوحي إلا ما في كتاب الله"([679]) (وهى تفسر المراد بالكتاب).
        قال ابن حجر: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت –لاسيما علياً-أشياء من الوحى-خصهم النبي e بها لم يطلع غيرهم عليها، وقد سأل علياً عن هذه المسألة أيضاً قيس ابن عباد، والأشتر النخعي وحديثهما في مسند النسائي"([680]).
         وفي كتاب أحوال الرجال أن عبد الله بن سبأ زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي"([681]).
         إذن كانت دعوى السبئيين تشير إلى علم مخزون عند علي، فهذه أصل الدعوى، وقد تطورت واتخذت صوراً وأشكالاً متعددة كلها ترجع إلى دعوى أن عند آل البيت ما ليس عند الناس والتي نفاها أمير المؤمنين علي نفياً قاطعاً وما تفرع من الباطل فهو باطل، فالفرع له حكم أصله.
         وإليك بكل أمانة بعض ما وجدناه في كتبهم المعتبرة عندهم من هذه الدعاوى والمزاعم:
أ- "مصحف فاطمة":
         تدعي كتب الشيعة نزول مصحف على فاطمة بعد وفاة رسول الله e.
         تقول إحدى روايات الكافي عن مصحف فاطمة: "… إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن مالا يعلمه إلا الله عز وجل فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين رضى الله عنه فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين رضى الله عنه يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً.. أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون"([682]).
         فتفيد هذه الرواية بأن الغرض من هذا المصحف أمر يخص فاطمة وحدها وهو تسليتها وتعزيتها بعد وفاة أبيها e وأن موضوعه"علم ما يكون" وما أدرى كيف يكون تعزيتها بإخبارها بما يكون وفيه –على ما تنقله الشيعة-قتل أبنائها وأحفادها، وملاحقة المحن لأهل البيت…
         ثم كيف تعطي فاطمة"علم ما يكون" "علم الغيب" ورسول الهدى يقول كما أمره الله: ]ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير[([683]) فهل هي أفضل من رسول الله؟
         وتقول هذه الرواية بأن علياً هو الذي كتب ما أملاه الملك رغم أن رواياتهم الأخرى تقول بأنه بعد وفاة الرسول e كان منشغلاً بجمع القرآن.والكذب لا محالة له من التناقض والاختلاف.
         ويقولون بأن مصحفهم هذا ثلاثة أضعاف القرآن.
         جاء في الكافي"عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله-ثم ذكر حديثاً طويلاً في ذكر العلم الذي أودعه الرسول e عند أئمة الشيعة -كما يزعمون- وفيه قول أبي عبد الله: "وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام قلت(القول للراوي) وما مصحف فاطمة؟ عليها السلام قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات ما فيه من قرآنكم حرف واحد"([684]).
         فهذه الأسطورة التي يرويها"ثقة الإسلام عندهم" بسند صحيح عندهم كما يقرره شيوخهم([685]) تقول: "إن مصحفهم يفوق المصحف في حجمه، ويخالفه في مادته..فهل معنى هذا أن كتاب الله أقل من مصحف فاطمة، وأن مصحف فاطمة أكمل وأوفى من كتاب الله سبحانه الذى أنزله الله سبحانه ]تبياناً لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين[([686])، وجعله دستوراً ومنهاج حياة للأمة إلى أن تقوم الساعة، وهل الأمة محتاجة إلى كتاب آخر غير كتاب الله ليكمل به دينها، وإذا فقدته فهي لم تستكمل أسباب الهداية والخير، وهي اليوم قد فقدته، إذ لا وجود له باعتراف الجميع.. ثم كيف يكون كتاب تسلية وتعزية –كما تقول روايتهم السابقة- أكمل من كتاب الله سبحانه؟ أليس هذا الزعم آية في التحلل من العقل والجرأة على الكذب؟.
         وقد وقفت على نص عندهم جاء في الكافي، يناقض هذه الدعوى، وهو عن أبي عبد الله –الذي يفترون عليه كل تلك الافتراءات- قال:"إن الله عز ذكره ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبداً، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبداً، وأنزل فيه تبيان كل شيء وخلقكم وخلق السموات والأرض ونبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما بعدكم وأمر الجنة والنار وما أنتم صائرون إليه"([687])، وهذا نص لا يحتاج إلى تعليق فهو يكذب كل هذه الدعاوى وينفي وقوعها نفياً قاطعاً. 
المسألة الثانية: دعواهم بأن جميع الكتب السماوية عند الأئمة:
         تدعي الشيعة بأن عند الاثنى عشر كل كتاب نزل من السماء وأنهم يقرأونها على اختلاف لغاتها، وعقد صاحب الكافي باباً لهذا الموضوع بعنوان: (باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)([688]) وضمنه طائفة من رواياتهم. ومثله فعل صاحب البحار فذكر باباً بعنوان: (باب في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء عليهم السلام يقرؤونها على اختلاف لغاتها)([689]) وذكر في هذا الباب (27) حديثاً من أحاديثهم.
الإيمان بالرسل:
         وضلال الشيعة في هذا الركن يتمثل في عقائد متعددة كقولهم بأن الأئمة يوحى إليهم، كما سبق إثباته في "فصل السنة" وفي مسألة الإيمان بالكتب. وكقولهم بعصمة الأئمة وضرورة اتباع قولهم، فهم أعطوهم بهذا معنى النبوة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن جعل بعد الرسول معصوماً يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها"([690]).
         وبالغوا في الضلالة حينما زعموا أن الأنبياء عليهم السلام هم أتباع لعلي، وأن منهم من عوقب لرفضه ولاية علي، حتى جاء في أخبارهم عن حبة العرني قال: "قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله عرض ولايتي على أهل السموات وأهل الأرض أقر بها من أقر، وأنكرها من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها"([691]).   
الإيمان باليوم الآخر:
         لهم في هذا الركن العظيم أقوال منكرة، وبدع كثيرة.. فآيات القرآن في اليوم الآخر أولوا معناها بالرجعة. وهذه حيلة ماكرة من واضعي هذه النصوص لإنكار أمر اليوم الآخر بالكلية، وأقل ما فيها أنها تصرف قلوب الشيعة عن ذلك اليوم، أو تمحو معاني اليوم الآخر من نفوسهم، لأنهم لا يقرأون في آيات اليوم الآخر إلا تأويلات شيوخهم له بالرجعة.
         ومن بدعهم أيضاً قولهم بأن أمر الآخرة للإمام. يقول صاحب الكافي في أخباره:" الآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له ذلك من الله"([692]).
الإيمان بالقدر:
         يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بأن "قدماء الشيعة كانوا متفقين على إثبات القدر، وإنما شاع فيهم نفي القدر من حين اتصلوا بالمعتزلة"([693]).
         وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر بينهم في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه([694]).
         كما أن"سائر علماء أهل البيت متفقون على إثبات القدر"([695]) .
ويمكن أن يقال:
         قد كان في القديم الإثبات هو الأصل والنفي طارئ نتيجة التأثر بالاتجاه الاعتزالي، وعند المتأخرين النفي هو الكثير الغالب، والإثبات موجود عند البعض.
خامسًا: أصولهم ومعتقداتهم الأخرى التي تفردوا بها:
        وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: الإمامة.        الفصل الثاني: عصمة الإمام.
الفصل الثالث: التَّقِّيَّة.        الفصل الرابع: المهدية والغيبة.
الفصل الخامس: الرجعة.      الفصل السادس: الظهور.
الفصل السابع: البداء.        الفصل الثامن: الطينة.

الفصل الأول
الإمـامــــة
مفهوم الإمامة عند الشيعة ومنشؤها:
         لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره، فقد اعترفت كتب الشيعة بأن ابن سبأ "كان أول من أشهر القول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم"([696]).
استدلالهم على مسألة الإمامة:
         من أصول الروافض "أنه لا يجوز للرعية اختيار إمام، بل لابد فيه من النص"([697]). "فالإمامة لا تكون إلا بالنص"([698]). وأن الرسول e نص على عليّ وأولاده([699])، فهم الأئمة إلى أن تقوم الساعة. وقد رأينا بدايات هذه العقيدة على أيدي السبئية، والهاشمية والشيطانية. إلا أن شيوخ الشيعة ادعوا أن هذا الأمر هو من شرع الله ورسوله e، وأقوال أئمة أهل البيت ...
         وأخذوا يستدلون على ذلك "بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة"([700]).
أدلتهم من القرآن:
         قال شيخ الطائفة –كما يلقبونه- الطوسي: "وأما النص على إمامته من القرآن فأقوى ما يدل عليه قوله تعالى:]إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون[([701]). وقال الطبرسي:"وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل"([702]). ويكاد شيوخهم يتفقون على أن هذا أقوى دليل عندهم حيث يجعلون له الصدارة في مقام الاستدلال في مصنفاتهم([703]).
         أما كيف يستدلون بهذه الآية على مبتغاهم؟ فإنهم يقولون:"اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة أنها نزلت في علي لما تصدق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة وهو مذكور في الصحاح الستة"([704]).
         و"إنما" للحصر باتفاق أهل اللغة، و"الولي" بمعنى الأولى بالتصرف المرادف للإمام والخليفة([705]).
         فأنت ترى أن الشيعة تعتمد في استدلالها بالآية بما روي في سبب نزولها، لأنه ليس في نصها ما يدل على مرادهم، فصار استدلالهم بالرواية لا بالقرآن، فهل الرواية ثابتة، وهل وجه استدلالهم سليم؟ يتبين هذا بالوجوه التالية:
        أولاً: أن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في علي هو"من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن علياً لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع"([706]). وقوله إنها مذكورة في الصحاح الستة، كذبٌ إذ لا وجود لهذه الرواية في الكتب الستة([707]). وقد ساق ابن كثير الآثار التي تروى في أن هذه الآية نزلت في علي حين تصدق بخاتمه، وعقب عليها بقوله:"وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها"([708]).    
        ثانياً: أن هذا الدليل الذي يستدلون به ينقض مذهب الاثنى عشرية لأنه يقصر الولاية على أمير المؤمنين بصيغة الحصر"إنما" فيدل على سلب الإمامة عن باقي الأئمة، فإن أجابوا على النقض بأن حصر الولاية في بعض الأوقات، أعني وقت أمامته لا وقت إمامة من بعده، وافقوا أهل السنة في أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماماً لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة([709])
        ثالثاً: أن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده، إما واجب وإما مستحب، والتصدق أثناء الصلاة ليس بمستحب باتفاق علماء الملة، ولو كان مستحباً لفعله الرسول e ولحض عليه، ولكرر فعله،وإن في الصلاة لشُغلاً، وإعطاء السائل لا يفوت إذ يمكن للمتصدق إذا سلم أن يعطيه، بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة كما هو رأي جملة من أهل العلم([710])
        رابعاً: أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة لم يختص بالركوع فكيف يقال: لا ولي إلا الذين يتصدقون في حال الركوع، فإن قيل هذا أراد بها التعريف بعلي، قيل له أوصاف علي التي يعرف بها كثيرة ظاهرة فكيف يترك تعريفه بالأمور المعروفة ويعرف بهذا الأمر الذي لا يعرفه إلا من سمعه وصدق به، وجمهور الأمة لا تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة([711])
        خامساً: وقولهم أن علياً أعطى خاتمه زكاة في حال ركوعه فنزلت الآية: مخالفة للواقع، ذلك أن علياً رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على عهد النبي e فإنه كان فقيراً، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولاً، وعلى لم يكن من هؤلاء.
         كذلك فإن إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزي عند كثير من الفقهاء إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحلي، وقيل إنه يخرج من جنس الحلي، ومن جوز ذلك بالقيمة فالتقويم في الصلاة متعذر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال([712]).
        سادساً: لما تبين أن الروايات التي أولوا بمقتضاها الآية باطلة سنداً ومتناً، فلا متمسك لهم حينئذ بالآية بوجه سائغ، بل إن الآية حجة عليهم لأنها جاءت بالأمر بموالاة المؤمنين والنهي عن موالاة الكافرين([713])، وليس للرافضة –فيما يظهر من نصوصها وتاريخها- من ذلك نصيب. 
         وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"إنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفاً عن سلف أن هذه الآيات نزلت في النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة المؤمنين"([714]).
        سابعاً: قولهم:"إن المراد بقوله:]إنما وليكم[ الإمارة لا يتفق مع قوله سبحانه:]إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا[، فإن الله سبحانه لا يوصف بأنه متول على عباده، وأنه أمير عليهم، فإنه خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم له الخلق والأمر.
        ثامناً: إن الفرق بين الوَلاية بالفتح والوِلاية بالكسر معروف في اللغة، فالوَلاية ضد العداوة وهي المذكورة في هذه النصوص ليست هي الوِلاية بالكسر التي هي الإمارة، وهؤلاء الجهال يجعلون الولي هو الأمير ولا يفرقون بين اللفظتين، مع أنه واضح"أن الولاء بالفتح وهو ضد العداوة، والاسم منه مولى وولي، والوِلاية بالكسر والاسم منها والي ومتولي"([715]).
         ولهذا قال الفقهاء: إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي فقيل يقدم الوالي وهو قول أكثرهم، وقيل يقدم الولي، فلفظ الولي والوَلاية غير لفظ الوالي([716]).    
         ولو أراد سبحانه الولاية التي هي الإمارة لقال: "إنما يتولى عليكم".. فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعاداة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض([717])، ولهذا جاء]والذين آمنوا[ بصيغة الجمع.
         وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم –كما يقول شيوخهم- تبين أنهم ليسوا على شيء، ذلك أن الأصل أن يستعمل في هذا الأمر العظيم –والذي هو عند الشيعة أعظم أمور الدين، ومنكره في عداد الكافرين- صيغة واضحة جلية يفهمها الناس بمختلف طبقاتهم، يدركها العامي كما يدركها العالم، ويفهمها اللاحق كما يفهمها الحاضر، ويعرفها البدوي كما يعرفها الحضري، فلما لم يستعمل مثل ذلك في كتاب الله دل على أنه لا نص كما يزعمون، فليست الآية المذكورة –وغيرها مما يستدلون به- من ألفاظ الاستخلاف المعروفة في لغة العرب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، فأين يذهب الشيعة بعد هذا؟ إما إلى كفر بالقرآن وهو كفر بالإسلام، وإما ترك الغلو والتطرف والتعصب والرجوع إلى الحق، وهذا هو المطلوب.   
         هذه أقوى آية يستدلون بها من كتاب الله، ويسمونها آية الولاية، ولهم تعلق بآيات أخرى ذكرها ابن المطهر الحلي، وأجاب عنها شيخ الإسلام بأجوبة جامعة([718]).
أدلتهم من السنة:
         أما السنة المطهرة فقد تعلق الشيعة في إثبات النص من طرق أهل السنة بما ورد في فضائل علي رضي الله عنه، ويلاحظ أن باب الفضائل مما كثر فيه الكذب، ويقال بأن الشيعة هم الأصل فيه. يقول ابن أبي الحديد: "الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة"([719]).
         ولهذا تجد في كتب الموضوعات الأحاديث الموضوعة في حق علي أكثر من غيره من الخلفاء الأربعة.
         والفضائل الواردة في حق علي رضي الله عنه ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف، لا في لغة العرب ولا في عرفهم ولا في شريعة الإسلام ولا في عقول العقلاء، إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى. وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي فقال:"وأما الذي صح من فضائل علي فهو قول النبي e: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"([720]) وهذا لا حجة فيه للرافضة([721]).
         وقوله عليه السلام: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسولَه، ويحبه اللهُ ورسولُه"([722])، وهذه صفة واجبة لكل مسلم وفاضل([723]).
         وعهده عليه السلام:"أن علياً لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق"([724]).
         وقد صح مثل ذلك في الأنصار رضي الله عنهم:"أنه لا يبغضهم من يؤمن بالله واليوم الآخر"([725]).
         وأما:"من كنت مولاه فعلي مولاه"، فلا يصح من طريق الثقات أصلاً.
         وأما سائر الأحاديث التي تتعلق بها الرافضة فموضوعة، يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها([726]). وقد نقل هذا النص عن ابن حزم شيخ الإسلام ابن تيمية وعقب عليه بقوله:" فإن قيل لم يذكر ابن حزم ما في الصحيحين من قوله:"أنت مني وأنا منك"([727])، وحديث المباهلة([728])، والكساء([729])، قيل: مقصود ابن حزم الذي في الصحيح من الحديث الذي لا يذكر فيه إلا علي، وأما تلك ففيها ذكر غيره، فإنه قال لجعفر:"أشبهت خلقي وخلقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا،وحديث المباهلة والكساء فيهما ذكر علي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، فلا يرد هذا على ابن حزم([730]).
         ولكن الرافضة قد توسعوا في هذا الباب، واختلقوا الروايات، وزادوا على النصوص الصحيحة نصوصاً كاذبة.. وقد ذكرت كتب الموضوعات جملة منه الروايات التي يستند إليها الروافض([731])، قال ابن الجوزي:" فضائله –يعني علياً- الصحيحة كثيرة، غير أن الرافضة لم تقنع، فوضعت له ما يضع ولا يرفع"([732]).
         وقد جمع ابن المطهر الحلي جل ما يحتجون به في هذا الباب، وكشف شيخ الإسلام ما فيها من حق وباطل في"منهاج السنة"([733]).
         هذا وكما ذكرنا ما يراه الشيعة أنه أقوى أدلتهم من القرآن في إثبات الإمامة بحسب مفهومهم، نذكر أيضاً ما يرونه أقوى أدلتهم من السنة ونبين مافيه..
 
عمدة أدلتهم من السنة:
         عمدة أدلتهم هو ما يسمونه"حديث الغدير"، وقد بلغ من اهتمام الروافض في أمره ان ألف أحد شيوخهم المعاصرين كتاباً من ستة عشر مجلداً يثبت به صحة هذا الحديث وشهرته سماه:"الغدير في الكتاب والسنة والأدب". فهم يرون أن النبي e عندما وصل إلى غدير خم([734]) بعد منصرفه من حجة الوداع بيَّن للمسلمين أن وصيته وخليفته من بعده علي بن أبي طالب، حيث أمره الله عز وجل بذلك في قوله:]يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته[([735]).        
         وقد أورد شيخهم المجلسي في هذا المعنى (105) من أحاديثهم، وقال:"إنا ومخالفينا قد روينا عن النبي e أنه قام يوم غدير خم وقد جمع المسلمون فقال: أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: اللهم بلى، قال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله.."([736]).
         والحديث احتج به ابن المطهر وأجاب عليه شيخ الإسلام جواباً شافياً([737])، كما ناقش الإمام محمد بن عبد الوهاب شيخهم المفيد في إيراده هذا الحديث بالصورة التي تراها الشيعة([738]). وتعرض لهذا الحديث معظم أهل السنة الذين ردوا على الروافض([739]).
ونوجز جواب أهل السنة فيما يلي:
         أن الحديث زاد الوضَّاعون فيه، ولا يصح منه في نظر طائفة من أهل العلم في الحديث إلا قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه([740])، بينما يرى بعض أهل العلم أن الحديث لا يصح منه شيء البتة. قال ابن حزم: “وأما: من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصح من طريق الثقات أصلاً"([741]). ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه([742]).
         قال شيخ الإسلام: "أما قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فليس هو في الصحاح، لكن هو مما رواه أهل العلم وتنازع الناس في صحته"([743]). وأما قوله: اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، فهو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث"([744]).ثم بين شيخ الإسلام أن الكذب يعرف من مجرد النظر في متنها، لأن قوله: اللهم انصر من نصره.. خلاف الواقع التاريخي الثابت([745]) فلا تصح عن رسول الله e، وأما قوله: اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، فهو مخالف لأصل الإسلام، فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض"([746]).
         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بعد ذكره لخلاف أهل العلم في ثبوت قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، إن لم يكن النبي e قاله فلا كلام، فإن قاله فلم يرد به قطعاً الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا الأمر العظيم لابد أن يبلغ بلاغاً مبيناً.. والموالاة ضد المعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن، فعلي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه، وفي هذا الحديث إثبات إيمان علي في الباطن، والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطناً وظاهراً، ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب، ولكن ليس فيه أنه ليس في المؤمنين مولى غيره، فكيف ورسول الله e له موالٍ وهم صالحوا المؤمنين([747]).          
         وبعد أن عرضنا لأهم دليل عندهم من كتاب الله، وأقوى دليل عندهم من سنة رسول الله e، ندع استعراض باقي أدلتهم إلى كتب أهل السنة التي تتبعت شبه الروافض التي يثيرونها من كتب السنة وأتت عليها من القواعد.
         ولا شك أن التعرف على هذه الشبه والرد عليها أمر ميسور، إذ يكفي الرجوع إلى منهاج السنة وما ماثله من كتب أهل السنة.. ولكن استعراضها كلها في بحثنا يستوعب المجلدات ولن يأتي بجديد.. ولذلك اقتصرنا على أقوى دليل عندهم من الكتاب والسنة.
         وسبب آخر في غاية الأهمية أن هؤلاء الروافض لا يؤمنون أصلاً بما جاء عن طريق أهل السنة ولو كان في غاية الصحة –كما سلف- لكن هم يثيرون هذه الشبهات ليحققوا بها أمرين –فيما أرى-:
 
        الأول: إقناع المتشككين والحائرين من أتباعهم، وذلك بخداعهم أن هذه العقائد متفق عليها بين السنة والشيعة، ولكن أهل السنة يكابرون.
        الثاني: إشغال أهل السنة بهذه المسائل والدفاع عنها حتى لا يتمكنوا من الوصول إلى كتب الروافض المعتمدة في الحديث والرجال والتفسير ودراستها بعين بصيرة ناقدة.. وكشف الأمر أمام الأتباع الجهلة..
         ولذا أقول إن علماء السنة قدموا جهداً عظيماً في مواجهة الأمر الأول، وأما الثاني فإن عدم توفر كتب الروافض –فيما يظهر- حال بينهم وبين نقدها وكشف ما فيها، إلا في العصور المتأخرة، حيث بدأ علماء الهند والباكستان في الإسهام في ذلك. والموضوع مازال بحاجة إلى مواصلة هذا الطريق وتضافر الجهود بدراسات علمية موضوعية تبين الحقيقة وتكشف الزيف إمام أولائك المغرورين والمخدوعين.
النص في كتب الشيعة:
         أصل قول الرافضة هو دعوى النص([748]).. وقد تنوعت احتجاجاتهم على مسألة النص:
1. فهي تارة: كتب إلهية تنزل من السماء في النص على علي والأئمة، ولكن هذه الكتب غابت منذ سنة 260 هـ مع الغائب المنتظر..
2. وهي أخرى: نصوص صريحة في القرآن في النص على الإثنى عشر، ولكن هذه النصوص اختفت من القرآن بفعل الصحابة.  
3. وهي ثالثة: نصوص صريحة من الرسول e، ولكن الأمة اجتمعت على كتمانها، وكان أول من أظهر القول بها، كما في رجال الكشي وغيره ابن سبأ.  
4. وهي تارة رابعة: تأويلات باطنية لآيات القرآن بالأئمة، ولكن لا يعرف هذه التأويلات إلا الأئمة..   
         والكتاب الوحيد الذي تطمئن الشيعة إلى كل كلمة فيه هو كتاب نهج البلاغة، مع أنه لم يجمع إلا في القرن الرابع عن أمير المؤمنين في القرن الأول وليس له سند معروف، فإذا كان هذا هو عمدة كتبها فما حال الكتب الأخرى؟ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل فضلاً عن أن يكون متواتراً".
         ومع ذلك إذا أردنا أن نحتكم إلى نهج البلاغة نجد فيه ما ينفي دعوى النص ويهدم كل ما زعموه في هذا الباب، أو يثبت التناقض والتناقض دليل بطلان المذهب.
         جاء في نهج البلاغة: أن أمير المؤمنين علياً قال: لما أراده الناس على البيعة: "دعوني والتمسوا غيري، فإننا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإني كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً"([749]) .
         وهذا النص يدل على أنه لم يكن منصوصاً عليه بالإمامة من جهة الرسول وإلا لما جاز أن يقول: “دعوني إلخ، ولعلي إلخ، وأنا لكم إلخ"([750]).

الفصل الثاني
عصمـة الإمــام
         أما معنى العصمة عند الشيعة فيختلف بحسب أطوار التشيع وتطوراته، لكن يظهر أن مذهب الشيعة في عصمة الأئمة قد استقر على ما قرره شيخ الشيعة في زمنه المجلسي صاحب بحار الأنوار المتوفى سنة(1111هـ) في قوله: “اعلم أن الإمامية اتفقوا على عصمة الأئمة عليهم السلام من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه([751]).
         فالمجلسي يسبغ على أئمته العصمة من كافة الأوجه المتصورة للعصمة من المعصية كلها، صغيرة أو كبيرة، العصمة من الخطأ والعصمة من السهو والنسيان.
         وهذه الصورة من العصمة التي يرسمها المجلسي، ويعلن اتفاق الشيعة عليها لم تتحقق لأنبياء الله ورسله كما يدل على ذلك صريح القرآن والسنة، وإجماع الأمة، فهي غريبة على الأصول الإسلامية، بل إن النفي المطلق للسهو والنسيان عن الأئمة تشبيه لهم بمن لا تأخذه سنة ولا نوم.

استدلالهم على عصمة الأنبياء:
استدلالهم بالقرآن:
         رغم أن كتاب الله سبحانه ليس فيه ذكر للإثنى عشر أصلاً –كما مر- فضلاً عن عصمتهم، إلا أن الإثنى عشرية تتعلق بالقرآن لتقرير العصمة، ويتفق شيوخهم على الاستدلال بقوله -سبحانه-: ]وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين[([752]).
         وبهذه الآية صدر المجلسي بابه الذي عقده في بحاره بشأن العصمة بعنوان
"باب .. لزوم عصمة الإمام"([753]).
         استدلوا بهذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً من القبايح، لأن الله-سبحانه- نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إما لنفسه، وإما لغيره.
نقد استدلالهم: 
        أولا: اختلف السلف في معنى العهد على أقوال:
         قال ابن عباس والسدى: إنه النبوة، قال: لا ينال عهدي الظالمين "أي نبوتي"، وقال مجاهد: الإمامة، أي لا أجعل إماماً ظالماً يقتدي به، وقال قتادة وإبراهيم النخعي وعطاء والحسن وعكرمة: لا ينالُ عهدُ اللهِ في الآخرة الظالمين فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وعاش..
         فالآية-كما ترى- اختلف السلف في تأويلها، فهي ليست في مسألة الإمامة أصلاً في قول أكثرهم، والذين فسروها بالإمامة قصدوا إمامة العلم والصلاح والاقتداء، لا الإمامة بمفهوم الرافضة.
        ثانياً: لو كانت الآية في الإمامة فهي لا تدل على العصمة بحال، إذ لا يمكن أن يقال بأن غير الظالم معصوم لا يخطئ ولا ينسى ولا يسهو… إلخ .
أدلتهم من السنة:
         ويتمسكون بروايات من طرق أهل السنة للاحتجاج بها على أهل السنة، وإقناع قومهم بأن ما هم عليه موضع إجماع، وهى ما بين كذب أو بعيد عن استدلالهم، وقد مضى الحديث فيها في فصل الإمامة.
         أما الكلينى في الكافي فقد عقد مجموعة من الأبواب في معنى العصمة المزعومة ساق فيها أخباراً بسنده عن الإثنى عشر يدعون فيها أنهم معصومون بل وشركاء في النبوة، بل ويتصفون بصفات الألوهية، وقد مر في باب اعتقادهم في أصول الدين أمثلة من ذلك.

الفصل الثالث
التَّقِيَّـــــة([754])
تعريفها:
         يعرف المفيد التقية عندهم بقوله:" التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا"([755]).
         فالمفيد يعرف التقية بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين وهم أهل السنة كما هو الغالب من إطلاق هذا اللفظ عندهم، أي هي إظهار مذهب أهل السنة (الذي يرونه باطلاً)، وكتمان مذهب الرافضة الذي يرونه هو الحق، من هنا يرى بعض أهل السنة: أن أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين لأن المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفاً، وأما هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة([756])
         والتقية في الإسلام غالباً إنما هي مع الكفار، قال تعالى:]إلا أن تتقوا منهم تقاه[قال ابن جرير الطبري: “التقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم"([757]).
         وأجمع أهل العلم على أن التقية رخصة في حال الضرورة، قال ابن المنذر: “أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر.. ولكن من اختار العزيمة في هذا المقام فهو أفضل، قال ابن بطال: “وأجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله"([758]).
         ولكن التقية التي عند الشيعة خلاف ذلك، فهي عندهم ليست رخصة بل هي ركن من أركان دينهم كالصلاة أو أعظم، قال ابن بابويه: “اعتقادنا في التقية أنها واجبة من تركها بمنزلة من ترك الصلاة"([759]).
         قال الصادق: “لو قلت أن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً"([760]). بل نسبوا إلى النبي e أنه قال:" تارك التقية كتارك الصلاة"([761])، ثم زادوا في درجة التقية فجعلوها "تسعة أعشار الدين".
         ثم لم يكفهم ذلك فجعلوها هي الدين كله، ولا دين لمن لا تقية له، جاء في أصول الكافي وغيره: أن جعفر بن محمد قال:" إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له"([762]).
         أما سبب هذا الغلو في أمر التقية فيعود إلى عدة أمور منها:
        أولاً: أن الشيعة تعد إمامة الخلفاء الثلاثة باطلة، وهم ومن بايعهم في عداد الكفار، مع أن علياً بايعهم، وصلى خلفهم وجاهد معهم، وزوجهم وتسرى من جهادهم، ولما ولي الخلافة سار على نهجهم، ولم يغير شيئاً مما فعله أبو بكر وعمر، كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها، وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه، فحاولوا الخروج من هذا التناقض المحيط بهم بالقول بالتقية.
        ثانياً: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا يسهون ولا يخطئون ولا ينسون، وهذه الدعوى خلاف ما هو معلوم من حالهم.. حتى أن روايات الشيعة نفسها المنسوبة للأئمة مختلفة متناقضة، حتى لا يوجد خبر منها إلا وبإزائه ما يناقضه كما اعترف بذلك شيخهم الطوسي، وهذا ينقض مبدأ العصمة من أصله.
         فقالوا بالتقية لتبرير هذا التناقض والاختلاف والتستر على كذبهم.
        ثالثاً: تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة ومحاولة التعتيم على مذهب أهل البيت، بحيث يوهمون الأتباع أن ما ينقله (واضعوا مبدأ التقية) عن الأئمة هو مذهبهم، وأن ما اشتهر وذاع عنهم وما يقولونه ويفعلونه أمام المسلمين لا يمثل مذهبهم، وإنما يفعلونه تقية فيسهل عليهم بهذه الحيلة رد أقوالهم والدس عليهم، وتكذيب ما يروى عنهم من حق، فتجدهم مثلاً يردون كلام الإمام محمد الباقر أو جعفر الصادق الذي قاله أمام ملأ من الناس، أو نقله العدول من المسلمين، بحجة أنه حضره بعض أهل السنة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينفرد به الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لا يوجد أحد يتقيه في كلامه.

الفصل الرابع
المهدية والغيبة عند فرق الشيعة
         فكرة الإيمان بالإمام الخفي أو الغائب توجد لدى معظم الشيعة، حيث تعتقد في إمامها بعد موته أنه لم يمت، وتقول بخلوده واختفائه عن الناس، وعودته إلى الظهور في المستقبل مهدياً، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي قدرت له العودة، كما تختلف في تحديد الأئمة وأعيانهم والتي يعتبر الإمام الغائب واحداً منهم.
         وتعتبر السبئية –كما يقول القمي والنبختي والشهرستاني وغيرهم- أول فرقة قالت بالوقف على عليّ وغيبته([763])، حيث زعمت"أن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً"، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض".
         ثم شاع التوقف على الإمام وانتظار عودته مهدياً بعد ذلك بين فرق الشيعة.. فبعد وفاة كل إمام من آل البيت تظهر فرقة من أتباعه تدعي فيه هذه الدعوى.. وتنتظر عودته، وتختلف فيما بينها اختلافاً شديداً في تحديد الإمام الذي وقفت عليه وقدرت له العودة –في زعمهم- ولذلك قال السمعاني:"ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافاً يلوح عليه حمق بليغ"([764]).
الاستدلال على وقوع الغيبة:
         عني الإمامية عناية شديدة بالبرهنة على صحة عقيدتهم في غيبة المهدي.. وقد اتجهوا إلى كتاب الله سبحانه يبحثون فيه عن سند لعقيدتهم، فلما لم يجدوا فيه ما يريدون استنجدوا كعادتهم بالتأويل الباطني المتسم بالتكلف الشديد والشطط البالغ وأوَّلوا عدة آيات من كتاب الله بهذا المنهج.
         جاء في أصل أصول التفاسير عندهم (تفسير القمي) في قوله سبحانه: ]والنهار إذا تجلى[. قال: النهار هو القائم عليه السلام منا أهل البيت..
         وجاء في أصح كتبهم الأربعة في قوله سبحانه: ]قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين[ قال:"إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد. وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: ]وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر[ قال: "خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه".
         والأمثلة في مثل هذا اللون من التأويل كثيرة حتى ألفوا في هذا كتباً مستقلة مثل:"ما نزل من القرآن في صاحب الزمان"و"المحجة فيما نزل في القائم الحجة".

الفصل الخامس
الرجعة
         الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم" ليس منا من لم يؤمن بِكَرَّتِنَا". وقال ابن بابويه في الاعتقادات" واعتقادنا في الرجعة أنها حق. وقال المفيد: "واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات". وقال الطبرسي والحر العاملي وغيرهما من شيوخ الشيعة: بأنها موضع "إجماع الشيعة الإمامية، وأنها من ضروريات مذهبهم"، وأنهم" مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت كالإقرار بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة".
        ومعنى الرجعة: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، ويشير ابن الأثير: أن هذا مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم.
         وقد ذهبت فرق شيعية كثيرة إلى القول برجوع أئمتهم إلى هذه الحياة، ومنهم من يقر بموتهم ثم رجعتهم، ومنهم من ينكر موتهم ويقول بأنهم غابوا وسيرجعون- كما مر في مبحث الغيبة- وكان أول من قال بالرجعة ابن سبأ، إلا أنه قال بأنه غاب وسيرجع ولم يصدق بموته..
         وكانت عقيدة الرجعة خاصة برجعة الإمام عند السبئية، والكيسانية وغيرها، ولكنها صارت عند الاثنى عشرية عامة للإمام وكثير من الناس. ويشير الألوسي إلى أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة الإمام فقط إلى ذلك المعنى العام كان في القرن الثالث([765]).
استدلالهم على الرجعة:
         يرى شيخ المفسرين عندهم أن من أعظم الأدلة على الرجعة قوله سبحانه:]وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون[([766])، حيث يقول ما نصه" هذه الآية من أعظم الأدلة على الرجعة، لأن أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون يوم القيامة من هلك ومن لم يهلك"([767]).
         مع أن الآية حجة عليهم، فهي تدل على نفي الرجعة إلى الدنيا إذ معناها كما صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد حرام على أهل كل قرية أهلكوا بذنوبهم أنهم يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة([768]).

الفصل السادس
الظهور
         أى ظهور الأئمة بعد موتهم لبعض الناس ثم عودتهم لقبورهم، وهذه العقيدة غير رجعة الأئمة، وقد بوب لها المجلسي بعنوان" باب أنهم يظهرون بعد موتهم، ويظهر منهم الغرائب"([769]).. فالأئمة يظهرون بعد موتهم، ويراهم.. بعض الناس، وهذا الظهور غير مرتبط بوقت معين كالرجعة بل هو خاضع لإرادة الأئمة حتى نسبوا لأمير المؤمنين أنه قال: "يموت من مات منا وليس بميت". وتذكر أساطيرهم أن أبا الحسن الرضا كان يقابل أباه بعد موته، ويتلقى وصاياه وأقواله([770]).
         ورجعة الأموات قبل يوم القيامة باطلة بالنقل وإجماع المسلمين-كما سلف-وهذه الخرافات تعتبر من فضائحهم وعوراتهم التي هي قائمة في مذهبهم ولعلها من حكمة الباري سبحانه إذ ما من قوم أرادوا أن ينسبوا لله دينا ما أنزله إلا وفضحهم على رؤوس الأشهاد كما أثبتت ذلك الوقائع والأيام..

الفصل السابع
البداء
         من أصول الإثنى عشرية القول بالبداء على الله سبحانه وتعالى حتى بالغوا في أمره، فقالوا" ما عبد الله  بشئ مثل البداء"([771]) و"ما عظم الله عز وجل بمثل البداء"([772])، "ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه"([773])، "وما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر الله بالبداء"([774]).
         ويبدو أن الذي أرسى أسس هذا المعتقد عند الاثنى عشرية هو الملقب عندهم بثقة الإسلام وهو شيخهم الكليني (ت 328 أو 329 هـ) حيث وضع هذا المعتقد في قسم الأصول من الكافي، وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصص لهم باباً بعنوان "باب البداء"، وذكر فيه ستة عشر حديثاً من الأحاديث المنسوبة للأئمة.
         ولعل القارئ المسلم يعجب من أمر هذه العقيدة، التي لا يعرفها المسلمون، وليس لها ذكر في كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه e مع أنها من أعظم ما عبد الله به، ومن أصول رسالات الرسل، وفيها من الأجر ما لو علم به المسلم لأصبحت تجري على لسانه دائماً كشهادة التوحيد (كما يزعمون).
         إذا رجعت إلى اللغة العربية لتعرف معنى البداء تجد أن القاموس يقول: بدا بدواً وبدوّاً وبداءة: ظهر. وبدا له في الأمر بدواً وبداء وبداة: نشأ له فيه رأي([775]). فالبداء في اللغة –كما ترى- له معنيان:
الأول: الظهور بعد الخفاء، تقول بدا سور المدينة أي: ظهر.
والثاني: نشأة الرأي الجديد، قال الفراء: بدا لي بداء أي: ظهر لي رأي آخر، وقال الجوهري: بدا له في الأمر بداء أي: نشأ له فيه رأي([776]).
         وكلا المعنيين ورد في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: ]وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله[([777]). ومن الثاني قوله: ]ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين[([778]).    
         وواضح أن البداء بمعنييه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم وكلاهما محال على الله سبحانه، ونسبته إلى الله سبحانه من أعظم الكفر، فكيف تجعل الشيعة الاثنا عشرية هذا من أعظم العبادات وتدعي أنه ما عظم الله عز وجل بمثل البداء، سبحانك هذا بهتان عظيم.
         وهذا المعنى المنكر يوجد في كتب اليهود، فقد جاء في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواءهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه([779]).
         ويبدو أن ابن سبأ اليهودي قد حاول إشاعة هذه المقالة، التي ارتضعها من "توراته" في المجتمع الإسلامي الذي حاول التأثير فيه باسم التشيع وتحت مظلة الدعوة إلى ولاية عليّ، ذلك أن فرق السبئية "كلهم يقولون بالبداء وأن الله تبدو له البدوات"([780]).
استدلالهم على البداء:
         وبعد أن استقرت مسألة البداء عندهم كعقيدة بمقتضى روايات الكليني وأضرابه، حاول شيخ الشيعة –كعادتهم- البحث في كتاب الله عن سند لدعواهم.
         وكأنه لم يكفهم أن نسبوا هذه الفرية إلى الله، حتى زعموا أن كتاب الله أثبت فريتهم، فتعلقوا بقوله سبحانه:]يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب[([781]).
         ويلحظ أن أول من استدل بهذه الآية على فرية البداء هو المختار بن أبي عبيد، وتابعه شيوخ الشيعة، ووضعوا روايات في ذلك أسندوها لبعض علماء آل البيت لتحظى بالقبول([782]).
         واستدلالهم بهذه الآية على أن المحو والإثبات بداء شطط في الاستدلال، وتعسف بالغ، ذلك أن المحو بعلمه وقدرته وإرادته، من غير أن يكون له بداء في شيء، وكيف يتوهم له البداء وعنده أم الكتاب، وله في الأزل العلم المحيط: ]وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين[، ]..عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين[([783]).  
         وأمثالها من الآيات، وتوهم البداء لله تكذيب لكل هذه الآيات، وقد بين الله تعالى في آخر الآية أن كل ما يكون منه من محو وإثبات وتغيير، واقع بمشيئته ومسطور عنده في أم الكتاب([784]).

الفصل الثامن
الطينــة
         هذه العقيدة من مقالاتهم السرية، وعقائدهم التي يتواصون بكتمانها حتى من عامتهم، لأنه لو اطلع العامي الشيعي على هذه العقيدة"تعمد أفعال الكبار لحصول اللذة الدنيوية، ولعلمه بأن وبالها الأخروي إنما هو على غيره"([785]).
         والذي تولى إرساء هذه العقيدة –فيما يظهر- هو شيخهم الكليني الذي بوب لها بعنوان"باب طينة المؤمن والكافر" وضمن ذلك سبعة أحاديث في أمر الطينة"([786]).
         وهذه العقيدة أوسع تفصيل لها هو رواية ابن بابويه في علل الشرائع حيث استغرقت عنده خمس صفحات وختم بها كتابه([787])، ورأى بعض شيوخهم المعاصرين أن هذا كمسك الختام فقال:"إنه ختم بهذا الحديث الشريف كتاب علل الشرائع"([788]).
         وملخص ذلك يقول بأن الشيعي خلق من طينة خاصة، والسني خلق من طينة أخرى، وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين، فما في الشيعي من معاصي وجرائم هو من تأثره بطينة السني، وما في السني من صلاح وأمانة هو بسبب تأثره بطينة الشيعي، فإذا كان يوم القيامة فإن سيئات وموبقات الشيعة توضع على أهل السنة، وحسنات أهل السنة تعطى للشيعة.
         وعلى هذا المعنى تدور أكثر من ستين رواية من رواياتهم.
         ويمكن أن يستنبط سبب القول بهذه العقيدة من الأسئلة التي وجهت للأئمة والشكاوى التي رفعت إليهم، فالشيعة يشكون من انغماس قومهم بالموبقات والكبائر، ومن سوء معاملة بعضهم لبعض، ومن الهم والقلق الذي يجدونه ولا يعرفون سببه.
         ولكن يعزو إمامهم ذلك كله لتأثر طينة الشيعي بطينة السني في الخلقة الأولى. 
الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم:
         فقد بيَّن الدكتور ناصر القفاري في رسالته عن الشيعة:
- الصلة في مصدر التلقي.
- صلتهم بالفرق القديمة.
-الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين.   
         ثم قال: وبهذا يتبين أن المعاصرين هم أخطر من سابقيهم، لأنهم ورثوا كل ما صنعته القرون من الدسّ والتزوير، واعتبروا تلك مصادر معتمدة.. ووفرت لهم "الطباعة الحديثة" انتشار الكتب عنهم.. وكان ضعف المسلمين سبباً في زيادة نشاطهم، وكان فشو الجهل وضعف السنة عاملاً من عوامل التأثر بهم وتأثير ضلالهم. (ثم تكلم بعد ذلك عن):
دولة الآيات:
         وبعد أن تبين صلة الشيعة المعاصرين بقدمائهم، وأن الارتباط قائم ووثيق بينهم، بل إن ما كان يعد غلواً عند الماضين أصبح ضرورياً عند المعاصرين، فهل ثمة حاجة بعد ذلك للوقوف عند دولتهم؟ أليس الأمر قد اتضح لكل ذي عينين؟ وأن تخصيص دولتهم الحاضرة بالدراسة والتقويم يعود إلى أمرين أساسيين:
الأول:          أنها طرحت بلسان زعيمها، ونص دستورها فكرة جديدة في محيط التشيع الاثنى عشري، أثارت جدلاً بين شيوخ الشيعة بين مؤيد ومعارض. تلك هي فكرة نقل وظائف المهدي وصلاحياته بعد طول غيبته وتأخر خروجه إلى الفقيه الشيعي بالكامل، حيث أن الخميني استولى تماماً على وظائف مهديهم المنتظر بعد قيام دولته.
السبب الثاني:   بأنه قيل إن هذه الدولة هي التي تمثل الإسلام في هذا العصر، وشيوخها هم المراجع للمسلمين، ومؤسسها من المجددين، وراج هذا على بعض المسلمين، وقيل بعد قيام دولتهم بأنه قد عاد "المذهب الشيعي إلى نقائه الأصيل ولاء لله ورسوله e وحباً لآل بيته حباً صادقاً لوجه الله لا يفقد صاحبه احترام غيرهم من المسلمين وخصوصاً صحابة رسول الله e"([789]).    
         وزعمت بعض الصحف "أن ردود الفعل التي أحدثتها (حركة الخميني) كان مبعثها أن حركة الخميني حركة إسلامية مائة في المائة"([790]).. ورشحت مجلة المعرفة التونسية الخميني لنيل جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام([791]).
         ومضت على هذا النهج مجلات أخرى كالرائد، والدعوة، والرسالة، والأمان، وغيرها([792]). وهذه المجلات كلها منتسبة لأهل السنة.
         وقد كتب بعض المنتمين لأهل السنة كتابات عن الخميني وثورته، يشيد بها، ويعدها المثال الصادق للحكومة الإسلامية([793]).
         وأصدرت بعض الحركات الإسلامية بيانات تثني وتؤيد المنهج الخميني حتى جاء في بيان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وصف حكم الخميني بأنه "الحكم الإسلامي الوحيد في العالم"([794]).
         فكانت فتنة مدلهمة لا تزال بعض آثارها باقية، وإن أفاق البعض وتبينت له الحقيقة، إلا أن منهم من لا يزال يعد ما يثار عن شيعة الخميني إنما هي "ضجة مفتعلة"([795]).
         وقد استغل الشيعة هذا الجو بالدعاية لمذهبهم ونشره، وساهمت هذه الحملة الإعلامية الدعائية في الصحف الإسلامية علة إخفاء الحقيقة أمام شباب المسلمين، لأنها هي لا تعرف شيئاً من الخلاف بين الشيعة والسنة إلا أنه خلاف حول من يستحق الولاية: عليّ أم أبو بكر، وتلك أمة خلت، وليس هذا الخلاف بأمر ذي بال اليوم.
         فكان هذا الوضع مجالاً خصباً لنشر الفتنة والرفض.. ومن هنا فإنه لابد من بيان الحقيقة ونشرها بين الناس. ولابد من نقض دعوى الجديد والتجديد، وحكاية التغيير وتقويمها، ولعل دراسة فكر مؤسسها، ومواد دستورها، هي التي يمكن على ضوئها إصدار حكم موضوعي محايد في أمرها.
فكر مؤسسها:
         من خلال الرجوع إلى ما كتبه الخميني في "كشف الأسرار"، و"تحرير الوسيلة"، و"الحكومة الإسلامية"، و"مصباح الإمامة والولاية"، و"رسائل التعادل والترجيح والتقية"، و"دروس في الجهاد والرفض"، و"سر الصلاة" .. وغيرها. يتبين أن له مجموعة من الاتجاهات، لعل أهمها ما يلي:
أولاً: الاتجاه الوثني:
         في كتابه كشف الأسرار ظهر الخميني داعياً للشرك ومدافعاً عن ملة المشركين حيث يقول، تحت عنوان :"ليس من الشرك طلب الحاجة من الموتى": "يمكن أن يقال إن التوسل إلى الموتى وطلب الحاجة منهم شرك، لأن النبي والإمام ليس إلا جمادين فلا يتوقع منهما النفع والضرر".
         والجواب: إن الشرك هو طلب الحاجة من غير الله، مع الاعتقاد بأن هذا الغير هو إله ورب، وأما إذا طلب الحاجة من الغير من غير هذا الاعتقاد فذلك ليس بشرك، ولا فرق في هذا المعنى بين الحي والميت، ولهذا لو طلب أحد حاجته من الحجر والمدر لا يكون شركاً، مع أنه قد فعل فعلاً باطلاً.
         ومن ناحية أخرى نحن نستمد من أرواح الأنبياء المقدسة والأئمة الذين أعطاهم الله قدرة.
فقد اشتمل هذا النص على ما يلي:
أ.   اعتقاده أن دعاء الأحجار والأصنام والأضرحة من دون الله لا يكون شركاً، إلا إذا اعتقد الداعي أنها هي الإله والرب. وهذا باطل من القول وزور، لأن هذا هو الشرك الأكبر بعينه.
ب. اعتقاده أن الأئمة الأموات لهم قدرة على النفع والضر. ويقول بأنهم يستمدون منهم ذلك. وهذا من الشرك الأكبر بلا ريب، فالأموات لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.. وهل يوجد فرق بين هذا وشرك مشركي قريش.. وغيرهم من مشركي الأمم التى كان غالب شركهم من هذا الباب.
 
جـ.   دعواهم الإحاطة الكاملة للأرواح على هذا العالم، ثم خاض في ركام الفلسفة لإثبات مدعاه.
         والإحاطة بهذا العالم لله وحده ]وكان الله بكل شيء محيطاً[([796])، والروح مخلوقة مدبرة، وهي بعد مفارقتها للجسد في نعيم أو عذاب، وليس لها من أمر الإحاطة بالعالم نصيب، ولكن الشيء من معدنه لا يستغرب فمن يجمع بين إلحاد الفلاسفة وغلو الرافضة لا يخرج منه إلا هذا وأشنع.
اعتقاده تأثير الكواكب والأيام على حركة الإنسان:
         لا يزال فكر الخميني أسير أوهام الشرك والمشركين، فهو يزعم أن هناك أياماً منحوسة من كل شهر يجب أن يتوقف الشيعي فيها عن كل عمل، وأن لانتقال القمر إلى بعض الأبراج تأثيراً سلبياً على عمل الإنسان، فليتوقف الشيعي عن القيام بمشروع معين حتى يتجاوز القمر ذلك البرج المعين.
         ومما يشهد لاتجاه الخميني هذا ما جاء في تحرير الوسيلة، حيث يقول:"يكره إيقاعه (يعني عقد الزواج) والقمر في برج العقرب، وفي محاق الشهر، وفي أحد الأيام المنحوسة في كل شهر وهي سبعة: يوم3، ويوم5، ويوم13، ويوم16، ويوم21، ويوم24، ويوم25 (وذلك من كل شهر)([797]).
         هذا معتقد الخميني فيصدق فيه ومن تبعه قول صاحب التحفة الاثنى عشرية:"إن الصابئين كانوا يحترزون عن أيام يكون القمر بها في العقرب، أو الطرف، أو المحاق وكذلك الرافضة.. وكانت الصابئة يعتقدون أن جميع الكواكب فاعلة مختارة، وأنها هي المدبرة للعالم السفلي، وكذلك الرافضة"([798]).   
حقيقة الشرك عند الخميني:
         وإذا كانت وثنية المشركين ليست عنده بشرك.. فما هو الأمر الذي يكون شركاً في نظره؟.
         يقول:"توجد نصوص كثيرة تصف كل نظام غير إسلامي بأنه شرك، والحاكم أو السلطة فيه طاغوت، ونحن مسؤولون عن إزالة آثار الشرك من مجتمعنا المسلم، ونبعدها تماماً عن حياتنا"([799]).
         فأنت ترى أن مفهوم الشرك عنده هو أن يتولى على بلاد المسلمين أحد من أهل السنة فحاكمها حينئذ مشرك، وأهلها مشركون، فدين هؤلاء الولاية، لا التوحيد، ولذلك فإن الشرك قد ضرب بجرانه في أقطارهم.
ثانياً: الغلو في التصوف (أو القول بالحلول والاتحاد):
         وتتمثل صورة التصوف عنده في أوضح مظاهرها في كتابه"مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية" ثم كتابه الآخر "سر الصلاة".. وفيما يلي بيان لبعض اتجاهاته الصوفية الغالية:
أ- قوله بالحلول الخاص:
         يقول عن أمير المؤمنين علي: "خليفته (يعني خليفة الرسول e) القائم مقامه في الملك والملكوت، المتحد بحقيقته في حضرة الجبروت واللاهوت، أصل شجرة طوبى، وحقيقة سدرة المنتهى، الرفيق الأعلى في مقام أو أدنى، معلم الروحانيين، ومؤيد الأنبياء والمرسلين عليّ أمير المؤمنين"([800]). 
         فانظر إلى قوله "المتحد..باللاهوت" تجده كقول النصارى باتحاد اللاهوت بالناسوت([801])، ومن قبل زعمت غلاة الشيعة أن الله حل في عليّ([802])، ولا تزال مثل هذه الأفكار الغالية والإلحادية تعشعش في أذهان هؤلاء الشيوخ كما ترى.
         ومن منطلق دعوى حلول الرب بعلي –كما يفتري- ينسب الخميني لأمير المؤمنين علي أنه يقول:"كنت مع الأنبياء باطناً ومع رسول الله ظاهراً"([803]). ويعلق عليه فيقول:"فإنه عليه السلام صاحب الولاية المطلقة الكلية والولاية باطن الخلافة.. فهو عليه السلام بمقام ولايته الكلية قائم على كل نفس بما كسبت، ومع كل الأشياء معية قيومية ظلية إلهية ظل المعية القيومية الحقة الإلهية، إلا أن الولاية لما كانت في الأنبياء أكثر خصهم بالذكر".
         فأنت ترى أن الخميني يعلق على تلك الكلمة الموغلة في الغلو والمنسوبة زوراً لأمير المؤمنين بما هو أشد منها غلواً وتطرفاً فهو عنده ليس قائماً على الأنبياء فحسب، بل على كل نفس، ويختار الآية المختصة بالله سبحانه ليصف بها المخلوق، قال تعالى:]أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت[([804]).
         أي أنه سبحانه: "حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة" قال تعالى: ]وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه[([805]).
         قد تبينت الحقيقة لكل ذي عينين، فماذا بعد القول بأن علياً هو القائم على كل نفس غلواً، إذ هو تأليه صريح.
ب- قوله بالحلول والاتحاد الكلي:      
         وتجاوز الخميني مرحلة القول بالحلول الجزئي، أو الحلول الخاص بعلي إلى القول بالحلول العام.. فهو يقول –بعد أن تحدث عن التوحيد ومقاماته حسب تصوره- "النتيجة لكل المقامات والتوحيدات عدم رؤية فعل وصفة حتى من الله تعالى، ونفى الكثرة بالكلية، وشهود الوحدة الصرفة.."([806]).
         ويبدو أن قوله" عدم رؤية فعل وصفة حتى من الله تعالى للتأكيد على مذهب الاتحادية، لأن رؤية فعل متميز، وإثبات صفة معينة لله يعني إثبات الغيرية والتثنية وهذا شرك عندهم.
         ثم ينقل عن أحد أئمته أنه قال:"لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو"([807]).
         ثم يعلق على ذلك بقوله:"وكلمات أهل المعرفة خصوصاً الشيخ الكبير محي الدين مشحونة بأمثال ذلك مثل قوله: الحق خلق، والخلق حق، والحق حق، والخلق خلق. وقال في نصوصه:"إن الحق المنزه هو الحق.. ثم نقل جملة من كلمات ابن عربي.. وقال:"لا ظهور ولا وجود إلا له تبارك وتعالى، والعالم خيال في خيال عند الأحرار"([808]).
         ثم قال: وقوله: ]إياك نعبد[ "رجوع العبد إلى الحق بالفناء الكلي المطلق"([809]).
ثم تراه كثيراً ما يستدل على مذهبه في وحدة الوجود. يقول ابن عربي والذي يصفه بالشيخ الكبير([810])، وهكذا يتبين أن الخميني قد أخذ مذهب أهل الحلول والاتحاد.  
ثالثاً: دعوى النبوة:
         أفرزت لوثات التصوف، وخيالات الفلسفة عنده دعوى غربية، وكفراً صريحاً، حيث رسم للسالك أسفاراً أربعة:
         ينتهي السفر الأول إلي مقام الفناء وفيه السر الخفي والأخفى.. ويصدر عنه الشطح، فيحكم بكفره، فإن تداركته العناية الإلهية.. فيقر بالعبودية بعد الظهور بالربوبية"([811])كما يقول.
         وينتهي السفر الثاني عنده إلى أن "تصير ولايته تامة، وتفنى ذاته وصفاته وأفعاله في ذات الحق وصفاته وأفعاله، وفيه يحصل الفناء عن الفنائية أيضاً الذي هو مقام الأخفى، وتتم دائرة الولاية"([812]).
         أما في السفر الثالث فإنه "يحصل له الصحو التام ويبقى بإبقاء الله، ويسافر في عوالم الجبروت والملكوت والناسوت، ويحصل له حظ من النبوة، وليست له نبوة التشريع، وحينئذ ينتهي السفر الثالث ويأخذ في السفر الرابع"([813]).
         وبالسفر الرابع" يكون نبياً بنبوة التشريع"([814]).
         فمراحل السفر عنده: الفناء، والولاية وفيها الفناء عن الفناء، والنبوة بلا تشريع، ثم النبوة الكاملة، وهي تتضمن أن النبوة مكتسبة عن طريق "رياضات" ومجاهدات أهل التصوف، وهي دعوى ترتد إلى أصول فلسفة صوفية قديمة، ولذا قال القاضي عياض: "ونكفر… من ادعى النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة الصوفية"([815]).   
         فهذه المقالة كفر صريح، وإلحاد مكشوف، كفر بالنبوة والأنبياء، وخروج عن دين الإسلام، ويبدو أنه يدعي لنفسه سلوك هذه "المقامات".. وقد ذكر في كتابه الحكومة الإسلامية "أن الفقيه الرافضي بمنزلة موسى وعيسى"([816]).
         وينبغي ألا يغيب عن البال أن مقام الإمامة عندهم أعلى من مقام النبوة –كما سبق ذكره- وسيأتي ذكر ذلك أيضاً من كلام الخميني نفسه، ومع ذلك فإن الخميني لا يُدْعَي في إيران إلا بالإمام أي بالوصف الذي هو فوق وصف النبوة عندهم([817]). 
         ولهذا قال مرتضى كتبي، وجان ليون([818]): "بالنسبة للغالبية العظمى من الشعب الإيراني لم يعد روح الله الخميني آية الله إنما الإمام، وهو لقب نادراً ما أعطي في تاريخ الشيعة"([819]).
         وقد أكد هذا المعنى أحد المسئولين الإيرانيين ويدعى فخر الحجازي حين قال: "إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون"، فنال بهذا القول رضى الخميني فعينه نائباً عن طهران ، ورئيساً لمؤسسة المستضعفين أعظم مؤسسة مالية في البلاد([820]).
رابعاً: الغلو في الرفض:
         بالنسبة لاتجاه الخميني في التشيع فإنه يأخذ بالمذهب الغالي والمتطرف وهو مذهب غلاة الروافض. ومما يدل على ذلك أنه يعتمد مقالة غلاتهم في تفضيل الأئمة على أنبياء الله ورسله، فيقول:"إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.. وقد ورد عنهم أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل"([821]).
         وهذا هو مذهب غلاة الروافض كما يقرر ذلك عبد القادر البغدادي، والقاضي عياض، وشيخ الإسلام ابن تيمية([822]).
         وترى الخميني ينسب هذا المذهب لكل المعاصرين، وأن هذا من الضرورات عندهم، فالمعاصرون هم –بناءً على ذلك- من غلاة الروافض في حكم أئمة الإسلام. وليس ذلك فحسب، بل عقيدة الخميني في أئمته هي عقيدة الغلاة في حكم كبار شيوخ الشيعة في القرن الرابع يدل على ذلك أنه يذهب إلى القول بأن أئمته "لا يتصور فيهم السهو والغفلة"([823]).
         هذا والخميني في بقية عقائده لا يختلف عن عقائد الاثنى عشرية التي تحدثت عنها صفحات هذا البحث، وذلك في تكفيره لصحابة رسول الله e([824]) ولأهل السنة عموماً، حتى ينعتهم بالنواصب –ما عدا من يسمونهم بالمستضعفين- بل هو يأخذ بالرأي المتطرف من آراء قومه في ذلك، وهو معاملتهم كالحربي، حبث قال:"والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد، وبأي نحو كان، ووجوب إخراج خُمُسه.  
         فتبين أن خميني من غلاة الروافض، بل هو يأخذ من آرائهم ما هو أكثر شذوذاً، ويتعمد مخالفة أهل السنة وإن خرج عن ذلك فهو تقيَّة..
خامساً: قوله بعموم ولاية الفقيه:
         تعتقد الاثنى عشرية أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بأشخاص معينين بأسمائهم وعددهم، قد اختارهم الله كما يختار أنبيائه.. وهؤلاء الأئمة أمرهم كأمر الله، وعصمتهم كعصمة رسل الله، وفضلهم فوق فضل أنبياء الله.
         ولكن آخر هؤلاء الأئمة –حسب اعتقادهم- غائب منذ سنة 260 هـ، ولذا فإن الاثنى عشرية تحرم أن يلي أحد منصبه في الخلافة حتى يخرج من مخبئه، حتى تقول:"كل راية ترفع قبل أن يقوم القائم فصاحبها طاغوت وإن كان يدعو إلى الحق".
         لكن غيبة الحجة طالت، وتوالت قرون قاربت الاثنى عشر دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي للفقيه تداعب أفكار المتأخرين منهم. ويقول الخميني:" قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضى المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج والقوانين التي صدع بها نبي الإسلام e وجاهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين سنة، هل كان ذلك لمدة معلومة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عاماً مثلاً؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ"([825]).          
         ثم يقول:"إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف"([826]).
         فخميني يرى لهذه المبررات التي ذكرها ضرورة خروج الفقيه الشيعي وأتباعه للاستيلاء على الحكم في بلاد الإسلام نيابة عن المهدي، وهو يخرج بهذا عن مقررات دينهم، ويخالف وصايا أئمتهم الكثيرة في ضرورة انتظار الغائب وعدم التعجيل بالخروج.
فصل في الحكم على الشيعة([827])
المبحث الأول
الحكم عليهم بأنهم مبتدعة وليسوا بكفرة
         قال الإمام النووي([828]): "إن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع"([829]).
         وقد فهم الشيخ ملا علي القاري من هذا النص أن النووي لا يرى تكفير الروافض لدخولهم في"أهل البدع" ولكنه أشار إلى أن الرافضة يتطور مذهبها ويتغير، وأن متأخري الرافضة ليسوا كسابقيهم، وإن رافضة زمانه غير الرافضة الذين يتحدث عنهم النووي وغيره من أهل العلم. فعقب على كلام النووي هذا وقال: "قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا، فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلاً عن سائر أهل السنة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع"([830]).
         وأقول الدليل على أن الإمامية في عصر النووي لا يكفرون الصحابة، أو أن الإمام رحمه الله، لم يعرف ذلك عنهم، وهذا هو الأقرب لوجود روايات تكفر الصحابة في أصول الرافضة الموضوعة من قَبْلِ النووي، والدليل على ذلك أن النووي يذكر في شرح مسلم أن الإمامية لا يكفرون الصحابة، ويرى أن التكفير إنما هو عند غلاة الشيعة([831]).
المبحث الثاني
القول بكفرهم
         وقد ذهب إلى هذا كبار أئمة الإسلام، كالإمام مالك وأحمد والبخاري وغيرهم..
         وفيما يلي نصوص فتاوى أئمة الإسلام وعلمائه في الروافض المسمون بالاثنى عشرية والجعفرية. وفي مقالاتهم التي اشتهروا بها، وثبتت في مدوناتهم الأساسية.
         وأبدأ بذكر فتوى الإمام مالك، ثم الإمام أحمد، ثم الإمام البخاري، ثم أذكر بعد ذلك فتاوى الأئمة الباقين حسب تاريخ وفياتهم.. وقد اخترت فتاوى الأئمة الكبار، أو من عاش مع الروافض في بلد واحد، أو كتب عنهم ودرس مذهبهم من علماء المسلمين.
 
الإمام مالك:
         روى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قال مالك: الذي يشتم([832]) أصحاب النبي e ليس لهم اسم، أو قال نصيباً في الإسلام([833]).
         وقال ابن كثير –عند قوله سبحانه-:]محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار..[. قال: "ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك"([834]).       
         قال القرطبي:"لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحداً منهم، أو طعن عليه في روايته([835])فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين([836]).
الإمام أحمد:
         رويت عنه روايات عديدة في تكفيرهم..
         روى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه على الإسلام([837]).
         وقال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله قال: من شتم أخاف عليه الكفر مثل الروافض، ثم قال: من شتم أصحاب النبي e لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدين([838]).
         وقال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن رجل شتم رجلاً من أصحاب النبي e فقال: ما أراه على الإسلام([839]).
         وجاء في كتاب السنة للإمام أحمد قوله عن الرافضة:"هم الذين يتبرأون من أصحاب محمد e ويسبونهم وينتقصونهم ويكفرون الأئمة إلا أربعة: علي وعمار والمقداد وسلمان، وليست الرافضة من الإسلام في شيء([840]). 
         والإثنى عشرية تكفر الصحابة إلا قليلاً لا يتجاوز أصابع اليد، وتلعنهم في دعواتها وزياراتها، ومشاهدها، وأمهات كتبها.. وتكفر أتباعهم إلى يوم الدين.
         قال ابن عبد القوي:"وكان الإمام أحمد يكفر من تبرأ منهم (أي الصحابة) ومن سب عائشة أم المؤمنين ورماها مما برأها الله منه، وكان يقرأ ]يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين[([841]).
         ولكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن فى تكفير الروافض نزاعاً عن أحمد وغيره([842]).
         وما مضى من نصوص عن الإمام أحمد صريحة في قوله بتكفيرهم، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى وجه من لم يكفر الروافض في سبهم للصحابة، وبه يزول التعارض المتوهم في نصوص أحمد.. فقال:
         "وأما من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم"([843]). يعني فمن سبهم سباً يقدح في عدالتهم ودينهم فيحكم بكفره عند أهل العلم، فكيف الحال إذاً بمن يحكم بردتهم؟!!
البخاري:
         قال رحمه الله: "ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم([844]).
عبد الله بن إدريس([845]):
         قال:"ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم"([846]).
عبد الرحمن بن مهدي([847]):
         قال البخاري: قال عبد الرحمن بن مهدي: هما ملتان: الجهمية، والرافضية([848]).
الفريابي([849]):
         روى الخلال قال: أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: حدثنا موسى بن هارون بن زياد قال: سمعت الفريابي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، قال: كافر، قال فيصلى عليه، قال: لا. وسألته كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله، قال: لا تمسوه بأيديكم ارفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته([850]).
أحمد بن يونس([851]):
         قال: لو أن يهودياً ذبح شاة، وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي ولم آكل ذبيحة الرافضي، لأنه مرتد عن الإسلام([852]).
أبو زرعة الرازي([853]):
         قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله e فاعلم أنه زنديق، لأن مؤدى قوله إلى إبطال القرآن والسنة([854]).
ابن قتيبة([855]):
         قال: بأن غلو الرافضة في حب علي المتمثل في تقديمه على من قدمه رسول الله e وصحابته عليه، وادعاءهم له شركة النبي e في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرية قد جمعت إلى الكذب والكفر أفراط الجهل والغباوة([856]).
عبد القادر البغدادي([857]):
         يقول: أما أهل الأهواء من الجارودية والهشامية والجهمية والإمامية الذين كفَّروا خيار الصحابة… فإنا نكفرهم، ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا، ولا الصلاة خلفهم([858]).
         وقال: وتكفير هؤلاء واجب في إجازتهم على الله البداء، وقولهم بأنه قد يريد شيئاً ثم يبدو له، وقد زعموا أنه إذا أمر بشيء ثم نسخه، فإنما نسخه لأنه بدا له فيه.
         وما رأينا ولا سمعنا بنوع من الكفر إلا وجدنا شعبة منه في مذهب الروافض…([859]).   
القاضي أبو يعلى([860]):
         قال: وأما الرافضة فالحكم فيهم.. إن كفَّر الصحابة أو فسَّقهم بمعنى يستوجب النار فهو كافر([861]).
         والروافض كما تبين بعد انتشار أصولهم يكفرون أكثر الصحابة.
ابن حزم:
         قال: وأما قولهم ( يعني النصارى) في دعوى الروافض تبديل القرآن فإن الروافض ليسوا من المسلمين([862])، إنما هي فرقة حدث أولها بعد موت رسول الله e بخمس وعشرين سنة.. وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر.
         وقال: ومن قول الإمامية قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل..، ثم قال: القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفرٌ صريح وتكذيب لرسول الله e.
         وقال: ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية في وجوب الأخذ بما في القرآن وأنه المتلو عندنا.. وإنما خالف في ذلك قوم من غلاة الروافض، وهم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام وليس كلامنا مع هؤلاء، وإنما كلامنا مع أهل ملتنا.
         وقال: واعلموا أن رسول الله e لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من ابنةٍ أو ابن عمٍ أو زوجة أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده عليه السلام سرٌ ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، فلو كتمهم شيئاً لما بلغ كما أُمر، ومن قال هذا فهو كافر…([863]).   
الإسفراييني([864]):
         نقل جملة من عقائدهم كتكفير الصحابة، وقولهم إن القرآن قد غير عما كان ووقع فيه الزيادة والنقصان، وانتظارهم لمهدي يخرج إليهم ويعلمهم الشريعة.. قال: بأن جميع فرق الإمامية التي ذكرناها متفقون على هذا، ثم حكم عليهم بقوله: وليسوا في الحال على شيء من الدين، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين([865]).
أبو حامد الغزالي([866]):
         قال: ولأجل قصور فهم الروافض([867]) عنه ارتكبوا البداء، ونقلوا عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره([868])، وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل أي في أمر ذبحه([869])..وهذا هو الكفر الصريح، ونسبة الإله تعالى إلى الجهل والتغير، ويدل على استحالته ما دل عليه أنه محيط بكل شيء علماً([870])..
         ويقول الغزالي: فلو صرح مصرح بكفر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .. فقد خالف الإجماع وخرقه، ورد ما جاء في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم وتقدمهم على سائر الخلق في أخبار كثيرة.. ثم قال: فقائل ذلك إن بلغته الأخبار واعتقد مع ذلك كفرهم فهو كافر.. بتكذيبه رسول الله e فمن كذبه بكلمة من أقاويله فهو كافر بالإجماع([871]).
القاضي عياض([872]):
         قال رحمه الله: نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم إن الأئمة أفضل من الأنبياء([873]).
         وكذلك يحكم بكفر من قال: بمشاركة علي في الرسالة للنبي e وبعده، وأن كل إمام يقوم مقام النبي e في النبوة والحجة، وأشار بأن هذا مذهب أكثر الرافضة([874]). وكذلك من ادعي منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة([875]). وقال: وكذلك نكفر من أنكر القرآن أو حرفاً منه، أو غير شيئاً منه، أو زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية([876]).
السمعاني([877]): (ت 562هـ)
         قال رحمه الله: واجتمعت الأمة على تكفير الإمامية لأنهم يعتقدون تضليل الصحابة، وينكرون إجماعهم، وينسبونهم إلى ما يليق بهم([878]).
الرازي([879]):
         يذكر الرازي أن أصحابه من الأشاعرة يكفرون الروافض من ثلاثة وجوه:
        أولها: أنهم كفَّروا سادات المسلمين، وكل من كفَّر مسلماً فهو كافر لقوله عليه السلام: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" فإذن يجب تكفيرهم.
        وثانيها: أنهم كفَّروا قوماً نص الرسول عليه السلام بالثناء عليهم وتعظيم شأنهم، فيكون تكفيرهم تكذيباً للرسول عليه السلام.
        وثالثها: إجماع الأمة على تكفير من كفَّر سادات الصحابة([880]).
ابن تيمية:
         قال رحمه الله: من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم.
         ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم والثناء عليهم.
         بل من يشكك في كفر هذا؟! فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ]كنتم خير أمة أخرجت للناس[([881])وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام([882]).
         وقال شيخ الإسلام: أنهم شر من عامة أهل الأهواء، وأحق بالقتال من الخوارج([883]).
         وأنهم كفروا مما جاء به الرسول e بما لا يحصيه إلا الله، فتارة يكذبون بالنصوص الثابتة عنه، وتارة يكذبون بمعاني التنزيل.
         فإن الله قد ذكر في كتابه من الثناء على الصحابة، والرضوان عليهم والاستغفار لهم ما هم كافرون بحقيقته.. وذكر في كتابه من الأمر بالجمعة والأمر بالجهاد وبطاعة أولي الأمر ما هم خارجون عنه.
         وذكر في كتابه من مولاة المؤمنين وموادتهم والإصلاح بينهم ما هم خارجون عنه.
         وذكر في كتابه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وتحريم الغيبة والهمز واللمز ما هم أبعد الناس عنه.
         وذكر في كتابه من الأمر بالجماعة والائتلاف، والنهي عن الفرقة والاختلاف ما هم أبعد الناس عنه. وذكر في كتابه من طاعة رسول الله e ومحبته واتباع حكمه ما هم خارجون عنه. وكذلك من حقوق أزواجه ما هم براء منه.
         وذكر في كتابه من توحيده وإخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون عنه، فإنهم مشركون لأنهم أشد الناس تعظيماً للمقابر التي اتخذت أوثاناً من دون الله.
         وقد ذكر الله في كتابه من أسمائه وصفاته ما هم كافرون به.
         وذكر في كتابه أنه على كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان لا قوة إلا بالله ما هم كافرون به.
         ثم قال شيخ الإسلام: ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإسلام بتأويل سائغ.. فهو غالط جاهل بشريعة الإسلام.. لأن هؤلاء خارجون عن نفس شريعة رسول الله e وسنته شراً من خروج الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ، فإن التأويل السائغ هو الجائز الذي يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد، وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، ولكن لهم تأويل من جنس تأويل اليهود والنصارى، وتأويلهم شر تأويلات أهل الأهواء([884]).  
         ولكن شيخ الإسلام وهو يكفر أصحاب هذه المقالات، إلا أن تكفيره للمعين مشروط عنده بقيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولذلك أفتى في الرافضة الذين تم القبض عليهم بالفتوى التالية:
فتوى شيخ الإسلام في الرافضة بعد الاستيلاء عليهم:
         يقول رحمه الله: وقد علم أنه بساحل الشام جبل كبير فيه ألوف من الرافضة يسفكون دماء الناس ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقاً عظيماً، وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان أخذوا الخيل والسلاح والأسارى وباعوهم للكفار والنصارى بقبرص، وأخذوا من مر بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى، فقالوا له: مع من تحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى، وسلموا إليهم بعض بلاد المسلمين.
         ومع هذا فلما استشار بعض ولاة الأمر في غزوهم وكتبت جواباً مبسوطاً في غزوهم([885])..وذهبنا إلى ناحيتهم، وحضر عندي جماعة منهم وجرت بيني وبينهم مناظرات ومفاوضات يطول وصفها، فلما فتح المسلمون بلدهم، وتمكن المسلمون منهم نهيتهم عن قتلهم، وعن سبيهم، وأنزلناهم في بلاد المسلمين متفرقين لئلا يجتمعوا([886]).
         وهذه الفتوى من إمام أهل السنة في وقته تبين أن أهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يكفرون كل من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق بخلاف أهل الأهواء الذين يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه([887]).    
ابن كثـير([888]):
         ساق ابن كثير بعض الأحاديث الثابتة في السنة، المتضمنة نفي دعوى النص والوصية التي تدعيها الرافضة لعلي، ثم عقب عليها بقوله:
         ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته، من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه، ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا، ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسب بأجمعهم إلى الفجور، والتواطؤ على معاندة الرسول e، ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحق من إراقة المدام([889]).
         ومن الثابت عن الرافضة –كما مر- أنها تدعي أن الرسول e نص على عليّ، وأن الصحابة ردوا النص، وارتدوا بسبب ذلك، وهذا ما يقوله المعاصرون وأسلافهم من الروافض.
أبو حامد محمد المقدسي([890]):  
         قال –بعد حديثه عن فرق الشيعة وعقائدهم- : ولا يخفى على كل ذي بصيرة وفهم من المسلمين أن أكثر ما قدمناه في الباب قبله من عقائد هذه الطائفة الرافضة على اختلاف أصنافها كفر صريح، وعناد مع جهل قبيح لا يتوقف الواقف عليه من تكفيرهم والحكم عليهم بالمروق من دين الإسلام([891]).
محمد بن عبد الوهاب([892]):
         حكم الإمام محمد بن عبد الوهاب على جملة من عقائد الاثنى عشرية بأنها كفر، ومن ذلك قال رحمه الله –بعد أن عرض عقيدة الاثنى عشرية في سب الصحابة ولعنهم، وما قاله الله ورسوله في الثناء عليهم- قال: فإذا عرفت أن آيات القرآن تكاثرت في فضلهم، والأحاديث المتواترة بمجموعها ناصة على كمالهم، فمن اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتدادهم وارتداد معظمهم عن الدين، أو اعتقد حقية سبهم وإباحته، أو سبهم مع اعتقاد حقية سبهم، أو حليته فقد كفر بالله تعالى ورسوله… والجهل بالتواتر القاطع ليس بعذر، وتأويله وصرفه من غير دليل معتبر غير مفيد، كمن أنكر فرضية الصلوات الخمس جهلاً لفرضيتها، فإنه بهذا الجهل يصير كافراً، وكذا لو أولها على غير المعنى الذي نعرفه فقد كفر، لأن العلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي.
شاه عبد العزيز الدهلوي([893]):
         قال -بعد دراسة مستفيضة لمذهب الاثنى عشرية من خلال مصادرهم المعتمدة-: ومن استكشف عقائدهم الخبيثة وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب وتحقق كفرهم لديه([894]).
محمد بن علي الشوكاني([895]):
         قال: إن أصل دعوة الروافض كياد الدين، ومخالفة شريعة المسلمين. والعجب كل العجب من علماء الإسلام، وسلاطين الدين كيف تركوهم على هذا المنكر البالغ في القبح إلى غايته ونهايته، فإن هؤلاء المخذولين لما أرادوا رد هذه الشريعة المطهرة ومخالفتها طعنوا في أعراض الحاملين لها، الذين لا طريق لنا إليها إلا من طريقهم، واستزلوا أهل العقول الضعيفة بهذه الذريعة الملعونة، والوسيلة الشيطانية، فهم يظهرون السب واللعن لخير الخليقة، ويضمرون العناد للشريعة، ورفع أحكامها عن العباد.
         وليس في الكبائر أشنع من هذه الوسيلة إلا ما توسلوا بها إليه، فإنه أقبح منها، لأنه عناد لله عز وجل ولرسوله e ولشريعته.
         فكان حاصل ما هم فيه من ذلك أربع كبائر كل واحدة منها كفر بواح:
        الأولى: العناد لله عز وجل.               الثانية: العناد لرسوله e.
        الثالثة: العناد لشريعته المطهرة ومحاولة إبطالها.        
         الرابعة: تكفير الصحابة رضي الله عنهم، الموصوفين في كتاب الله بأنهم أشداء على الكفار، وأن الله تعالى يغيظ بهم الكفار، وأنه قد رضي عنهم، مع أنه قد ثبت في هذه الشريعة المطهرة أن من كفر مسلماً فقد كفر كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي e قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه"([896]).
         بهذا يتبين أن كل رافضي خبيث يصير كافراً بتكفيره لصحابي واحد، فكيف بمن كفَّر كل الصحابة، واستثنى أفراداً يسيرة تغطية لما هو فيه من الضلال على الطغام الذين لا يعقلون الحجج؟!([897]).
علماء ما وراء النهر([898]):
         قال الألوسي –صاحب التفسير- : ذهب معظم علماء ما وراء النهر إلى كفر الاثنى عشرية وحكموا بإباحة دمائهم وفروج نسائهم، حيث أنهم يسبون الصحابة رضي الله عنهم ولاسيما الشيخين وهما السمع والبصر منه عليه الصلاة والسلام، وينكرون خلافة الصديق، ويقذفون عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها مما برأها الله تعالى منه، ويفضلون بأسرهم علياً كرم الله وجهه.. على غير أولي العزم من المرسلين، ومنهم من يفضله عليهم أيضاً.. ويجحدون سلامة القرآن العظيم من الزيادة والنقص([899]).
         هذه بعض فتاوى أئمة المسلمين وعلمائهم في هذه المسألة.
         واكتفى بهذا القدر، وفي الكتب الفقهية أقوال كثيرة في تكفيرهم، يمكن الرجوع إليها بيسر ولذا لا داعي لذكرها([900]).
ويلاحظ هنا عدة أمور:
        أولاً: أن هذا حكمهم –رحمة الله عليهم- قبل انتشار كتب الروافض ومجاهرتهم بعقائدهم بمثل ما هو واقع اليوم.. ولهذا تضمنت صفحات هذا البحث عقائد للإثنى عشرية كان ينسبها علماء الإسلام للقرامطة الباطنية، كمسألة نقص القرآن وتحريفه والذي استفاض أمرها في كتبهم، وكذلك جملة مما جاء في اعتقادهم في أصول الدين، وهناك عقائد لم تكن معروفة عنهم كعقيدة الطينة ونحوها..
         معنى هذا أن حكمهم اليوم عليهم أشد.
        ثانياً: أن الرافضة المتأخرين والمعاصرين جمعوا أخس المذاهب وأخطرها.. جمعوا مقالة القدرية في نفي القدر، والجهمية في نفي الصفات، وقولهم إن القرآن مخلوق، والصوفية –عند جملة من رؤساء مذهبهم- في ضلالة الوحدة والاتحاد، والسبئية في تأليه عليّ، والخوارج والوعيدية في تكفير المسلمين، والمرجئة في قولهم إن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، بل ساروا في سبيل أهل الشرك في تعظيم القبور والطواف حولها، بل يصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك مما هو عين مذهب المشركين.
لكن مما يجب مراعاته حسب منهج أهل السنة في التكفير:
         أن هذه الأقوال التي يقولونها، والتي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول e هي كفرٌ، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي أيضاً كفر..
        لكن تكفير الواحد المعين من أهل القبلة والحكم بتخليده في النار موقوف على: ثبوت شروط التكفير، وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا يحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له، ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئاً من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة ، ومن هؤلاء من لا يكون بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك. فيطلق أن هذا القول كفر، ويكفر من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها دون غيره([901])

تتمة الكتاب في المرفق ...


([1])   آل عمران: 102.

([2])   النساء: 1.

([3])   الأحزاب: 70، 71.

([4])   الأنبياء: 92.

([5])   آل عمران: 110.

([6])   السلسلة الصحيحة للألبانى/203.

([7])   انظر مقدمة كتاب تاريخ الفرق الإسلامية د. محمود محمد مزروعة.

([8])   انظر مقدمة كتاب دراسات فى الفرق "المعتزلة بين القديم والحديث" محمد العبده، طارق عبد الحليم.

([9])   أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبى وصححه الألبانى فى صحيح الجامع الصغير (3085).

([10]) انظر كتاب مقدمات فى الأهواء والافتراق والبدع، دكتور ناصر عبد الكريم العقل ص10،11.

([11]) الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد تأليف/ خالد محمد على الحاج 1/66.

([12]) الأنفال: 38.

([13]) الملل والنحل: جـ1 ص 21 وما بعدها.

([14]) البقرة: 168.

([15]) رواه أبو داود والحاكم من حديث ابن عمر، وحسنه الألبانى فى الطحاويه والجامع.

([16]) رواه الشيخان. سنن: بفتح المهملة أى طريق من كان قبلكم. والمعنى: لتتبعن طريقهم فى كل ما فعلوه، وتشبهوهم فى ذلك كتشابه ريش السهم.

([17]) رواه البخارى: الضئضىء: الجنس. والأصل والمحتد، يقال: فلان من ضئضىء صدق: أى من محتد صدق.

([18]) آل عمران: 154.

(3)  آل عمران: 154.

(4)   آل عمران: 156.

([21]) النحل: 35.

([22]) يس: 47.

([23]) الرعد: 13.

([24]) ثائرة الفتنة: أسبابها.

([25]) آل عمران: 144

([26]) روى الترمذى من حديث أبى بكر رضى الله عنه مرفوعًا: (ما قبض الله نبيًا إلا فى الموضع الذى يجب أن يدفن فيه). قال الترمذى: حديث غريب، وصححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى.

([27]) أزور كلاماً: أحسن كلاماً وأقومه وأنمقه.

([28]) مه: اكفف.

([29]) فلتة: دون تدبر وتمهل.

([30]) تغرة: غرر بنفسه تغريراً وتغرة: عرضها للهلاك.

([31]) انثال عليه الناس: انصبوا عليه وتكاثروا حوله.

([32]) فدك: قرية شمال المدينة كانت لليهود، ولما انهزم يهود خيبر خشى يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبى عليه الصلاة والسلام دون قتال، فكانت خالصة له ينفق منها، وعلى بعض المحتاجين من أبناء بنى هاشم.

([33]) انظر كلام أبى بكر فى هذا الموضوع: جـ1 ص8 من الكامل للبرد. مصطفى الحلبى.

([34]) من عدا الولد والوالد من الوراثة، وقيل: الكلالة من مات ولا والد له ولا ولد.

([35]) العقل: ما يدفع للمجنى عليه كتعويض لما أصابه.

([36]) مهالك، جمع نهبورة بضم النون فيهما.

([37]) محالة أى: محمولة ومنسوبة.

([38]) الربذة: من قرى المدينة.

([39]) رواه أحمد فى المسند من حديث على بن أبى طالب موقوفًا، وصححه أحمد شاكر فى المسند.

([40]) وقت الإعراض: وقت أن أعرض عن القتال، أى كف واعتزل الحرب.

([41]) الشراة: الخوارج والواحد شارة. سموا بذلك لقولهم شرينا أنفسنا فى طاعة الله.

([42]) النهروان: عدة قرى بين واسط وبغداد.

([43]) روى الإمام أحمد فى المسند عن على رضى الله عنه أن النبى e قال له : (إن مثلك مثل عيسى بن مريم) وقال علىّ: "يهلك فىّ رجلان: محب مفرط يقرظنى بما ليس فىّ، ومبغض يحمله شنأنى على أن يبهتنى"، حسنه الشيخ أحمد شاكر فى السند، وفى رواته من ضعفه ابن معين، والحديث ضعفه الهيثمى فى مجمع الزوائد. وقال الألبانى فى ظلال الجنة: سنده ضعيف حديث 987. ولكن صححه الألبانى من حديث علىّ رضى الله عنه موقوفا عند ابن أبى عاصم برقم/ 983 "ليحبنى قوم حتى يدخلوا النار فىّ وليبغضنى قوم حتى يدخلوا النار فى بغضى" وقال الألبانى صحيح على شرط الشيخين.
       وفى نفس الكتاب عن على رضى الله عنه "يهلك فىّ رجلان مفرط فى حبى ومفرط فى بغضى" وحسن إسناده الألبانى.

([44]) هذا الفصل مختصر من كتاب مقدمات فى الأهواء والافتراق والبدع للدكتور ناصر عبد الكريم العقل.

([45]) آل عمران: 103.

([46]) انظر لسان العرب، مادة (فرق) 10/301.

([47]) القاموس المحيط 1185 (فرق).

([48]) أخرجه أحمد فى المسند5/180 عن أبى ذر، والحاكم فى المستدرك1/117، وأبو داود (4758) وصححه الألبانى، انظر: صحيح الجامع الصغير، الحديث رقم(6286).

([49]) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، الحديث (1848)، 3/1477.

([50]) الاستقامة1/42.

([51]) انظر لسان العرب15/170-173، مادة (هوا)، والمعجم الوسيط ص(1012).

([52]) انظر لسان العرب15/170-173، مادة (هوا)، والمعجم الوسيط ص(1012).

([53]) يأرز: تقبَّضَ وتجمَّعَ.

([54]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، الحديث(146).

([55]) أخرجه أحمد فى المسند2/177، 2/222، وصححه الألبانى فى صحيح الجامع الصغير رقم (3816)، وانظر الغرباء الأولون للشيخ سلمان العودة ص47 وما بعدها.

([56]) هذا الفصل مختصر من كتاب مقدمات فى الأهواء والافتراق والبدع للدكتور ناصر عبد الكريم العقل.

([57]) منهاج السنة (5/261، 262).

([58]) أخرجه البخارى فى الصحيح، كتاب التوحيد، باب(46)، الفتح13/508.

([59]) تاريخ الإسلام للذهبى (141-160)/490.

([60]) كالكشاف للزمخشرى، وتفسير الرازى، ونحوهما.

([61]) انظر الفتاوى لابن تيمية 8/115.

([62]) شيخ الإسلام الأنصارى الهروى من أنصار التصوف، وله فيه هفوات لكنه نصر عقيدة السلف وقارع أهل الكلام وكشف عوارهم.

([63]) التعارض النقل والعقل لابن تيمية 1/263.

([64]) منهاج السنة 6/231.

([65]) أعلام الموقعين 1/71.

([66]) درء التعارض 5/244.

([67]) الفتاوى لابن تيمية 19/191.

([68]) انظر المغنى لابن قدامه10/48.

([69]) انظر تفسير الطبرى 15/145، والتمهيد لابن عبد البر 7/157،158، وعقيدة ابن عبد البر للدكتور سليمان الغصن 56، 57.

([70]) سير أعلام النبلاء 9/563.

([71]) الفقه الأكبر بشرح الملا على القارئ 124-129.

([72]) سير أعلام النبلاء 4/321 وما بعدها، والبداية والنهاية 9/98،99، ومنهاج السنة 4/27، 530.

([73]) صحيح البخارى، كتاب النكاح، باب الترغيب فى النكاح، الحديث (5063) من فتح البارى 9/104.

([74]) انظر تلبيس إبليس 163.

([75]) سير أعلام النبلاء10/472 وتلبيس إبليس395.

([76]) حلية الأولياء6/269-285.

([77]) المصدر السابق.

([78]) المصدر السابق6/215-223.

([79]) تاريخ الإسلام للذهبى(141-160/512).

([80]) تاريخ الإسلام(171-180)/119.

([81]) تلبيس إبليس295.

([82]) سير أعلام النبلاء للذهبى10/471، 472.

([83]) سير أعلام النبلاء11/174.

([84]) سير أعلام النبلاء للذهبى12/187.

([85]) سير أعلام النبلاء14/66.

([86]) انظر المصدر السابق.

([87]) انظر حلية الأولياء10/270.

([88]) انظر كتاب الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد 1/75-87.

([89]) قواعد المنهج السلفى: ص 63-64 للدكتور مصطفى حلمى.

([90]) طباخ: عقل وقوة.

([91]) الأنعام: 159.

([92]) شرح العقيدة الطحاوية: ص 593 وما بعدها لمحمد ابن أبى العز.

([93]) هذا الباب مختصر من كتاب الاعتصام للإمام الشاطبى رحمه الله تعالى.

([94]) الأنعام: 159

([95]) الروم: 31-32

([96]) الأنعام: 153

([97]) صححه الألبانى (الصحيحة 203، 1492).

([98]) آل عمران: 105.

([99]) هود: 118-119.

([100])     البقرة: 213.

([101])     هود: 119.

([102])     هود: 119.

([103])     هود: 119.

([104])     آل عمران: 103.

([105])     النساء: 59.

([106])     هود: 118.

([107])     أخرجه مسلم فى "صحيحه" (2673) (13) فى العلم: باب رفع العلم وقبضه.

([108])     الزخرف: 23.

([109])     الزخرف: 24.

([110])     مضى تخريجه (ص28).

([111])     الحجرات: 90.

([112])     أخرجه: البخارى (6/149، 12/267- فتح) من حديث ابن عباس.

([113])     صححه الألبانى (الصحيحة ح1620).

([114])     هود: 118،119.

([115])     هو حسن البنا رحمه الله.

([116])     هود: 113.

([117])     انظر السلسلة الصحيحة للشيخ ناصر الدين الألبانى رحمه الله تعالى (حديث 203/204).

([118])     ثم رأيت الحاكم قد أخرجه فى مكان آخر(1/6) وقال: "احتج مسلم بمحمد بن عمرو" ورده الذهبى بقوله: "قلت: ما احتج مسلم بمحمد بن عمرو منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره".

([119])     مخطوط فى المكتبة الظاهرية (فقه حنبلى3).

([120])     فى الأصل: "كثر". وفى "كشف الخفاء" (1/309) عنه "كثير" وفى "المقاصد" ما أثبته، ولعله الصواب.

([121])     انظر الجزء الثانى منه (ص113-115).

([122])     مريم: 90.

([123])     وهم القسم الثانى من الخاصة فى تقسيم المؤلف، وستأتى الإشارة إليهم فى كلامه.

([124])     انظر السلسلة الصحيحة للألبانى 1/356 : 367، حديث 203، 204.

([125])     الروم: 31-32.

([126])     الأنعام: 153.

([127])     أخرجه ابن حبان (ح6233 – الإحسان) وابن خزيمة (930) والحاكم (1/118) والترمذى (2863، 2864). قال الترمذى: حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألبانى (صحيح الجامع 6410).

([128])     أخرجه مسلم (1853) (61) كتاب الأمارة.

([129])     الفتاوى7/218.

([130])     الفتاوى17/448.

([131])     منهاج السنة5/241.

([132])     منهاج السنة5/248،249.

([133])     يوسف: 40.

([134])     آل عمران: 103.

([135])     الأنفال: 1.

([136])     آل عمران: 105.

([137])     من كتاب مقدمات فى الأهواء والافتراق والبدع للدكتور ناصر عبد الكريم العقل.

([138])     الإبانة لابن بطة1/379،380.

([139])     الفتاوى 17/447.

([140])     الفتاوى17/447،448.

([141])     الفتاوى12/486-487.

([142])     انظر الإبانة1/379،380.

([143])     المصدر السابق377،378،380- 386.

([144])     ص22.

([145])     ص21.

([146])     ص22 رسالة ماجستير تحقيق عبد الله بن سليمان العمر.

([147])     آل عمران: 31.

([148])     الكلام على هذه الفرقة مختصر من كتاب "الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها" د. غالب بن علىّ عَواجَى.

([149])     مجموعة الرسائل الكبرى جـ1 ص36.

([150])     الخوارج ص18.

([151])     الخوارج فى المغرب الإسلامى ص6 وانظر: ص15.

([152])     الملل والنحل جـ1 ص114.

([153])     الفصل لابن حزم جـ2 ص113.

([154])     النساء: 100.

([155])     انظر: مقالات الإسلاميين جـ1 ص207، فتح البارى جـ12 ص283، تاج العروس جـ2 ص3، المعجم الوسيط جـ1 ص224، البحرين فى صدر الإسلام ص127، القاموس الإسلامى ص224 جـ2، المنجد ص169، محيط المحيط ص519، الرائد ص647.

([156])     انظر: البداية والنهاية ص170 جـ7.

([157])     فتح البارىجـ12 ص286.

([158])     تلبيس إبليس ص96، صحيح الجامع (3347).

([159])     مقالات الأشعرى جـ1 ص207، الفرق بين الفرق ص75.

([160])     التنبيه والرد للملطى ص174.

([161])     مقالات الأشعرى جـ1 ص207.

([162])     الملل والنحل جـ1 ص115.

([163])     مقالات الإسلاميين جـ1 ص217.

([164])     المقالات جـ1 ص207.

([165])     أخرجه البخارى جـ8 ص52،53.

([166])     الضئضئ: الأصل.

([167])     شرح الطحاوية ص472.

([168])     مقالات الأشعرىجـ1 ص207.

([169])     مروج الذهب جـ2 ص400. والله أعلم عن صحة هذا العدد من المصاحف.

([170])     الملل والنحل جـ1 ص115.

([171])     الخوارج والشيعة ص26.

([172])     انظر: تاريخ الطبرى جـ5 ص49، الملل والنحل جـ1 ص114، البداية والنهاية جـ7 ص274، شرح منهج البلاغة جـ2 ص216-218، مروج الذهب جـ2 ص403.

([173])     الملل والنحل جـ1 ص114.

([174])     آل عمران: 23.

([175])     انظر: فتح البارى جـ12 ص284.

([176])     مروج الذهب جـ2 ص404.

([177])     الإباضية فى موكب التاريخ جـ2 ص282.

([178])     الخوارج والشيعة ص25.

([179])     انظر آخر هذا البحث.

([180])     انظر: تاريخ الطبرى جـ5 ص51، وانظر: البداية والنهاية جـ7 ص277، شرح نهج البلاغة جـ2 ص228.

([181])     انظر: تاريخ الطبرى جـ5 ص53/54/57. الكامل لبن الأثير جـ3 ص319/321. مروج الذهب جـ2 ص403. شرح نهج البلاغة جـ2 ص234/235 نقلاً عن نصر بن مزاحم.

([182])     الكامل لابن الأثير جـ3 ص334.

([183])     مقالات الأشعرى جـ1 ص167، الفرق بين الفرق ص81.

([184])     الملل والنحل جـ1 ص115.

([185])     تاريخ الطبرى جـ5 ص67، الكامل لابن الأثير جـ3 ص329.

([186])     العواصم من القواصم ص128.

([187])     البداية والنهاية جـ6 ص216.

([188])     لخشونة يديه من جراء وضعهما على الأرض.

([189])     انظر: تاريخ الطبرى جـ5 ص74/75، الكامل لابن الأثير جـ3 ص336.

([190])     انظر: الفرق بين الفرق ص79، وشرح نهج البلاغة 2/275، الكامل للمبرد: 2/117.

([191])     انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبرى 5/89، والبداية والنهاية لابن كثير 6/218، والكامل لبن كثير: 3/345، ومروج الذهب: 2/417، وانظر: اعتراض على يحيى معمر على نتيجة المعركة فى كتابه الإباضية بين الفرق ص68.

([192])     من جهة تلك النتيجة، حيث التقى أولئك فى معركة مصيرية ثم يقتل فيها كل الجيش ويبقى تسعة، ويسلم الجيش الآخر ولا يقتل منه إلا تسعة فقط، فإن التكلف فى هذه النتيجة ظاهر بخصوص هذا العدد، كما أنه ترده تلك الأحداث المتلاحقة التى أعقبت معركة النهروان من تتابع حركة الخوارج الثورية على على رضى الله عنه إلى أن استشهد- لتبدأ أقوى مما كانت على الدولة الأموية.
       كما أنه من التكلف أن يقال: إن كل واحد من التسعة الناجين من الخوارج كون مذهب الخوارج فى المنطقة التى ذهب إليها، خصوصاً وأن الروايات فى عدد الباقين فيها اضطراب واختلاف شديد، مما يجعل النتيجة غامضة. والله أعلم بحقيقة الأمر.

([193])     أى هل يحل لهم المقام بين المخالفين أم لا يحل، ويكون المقيم بينهم كافراً حلال الدم والمال، كما يرى نافع ذلك حتى وإن كان منهم، وحينما وصل نافع إلى إحداث تلك الأمور بينهم انفصلت عنه النجدات بقيادة نجدة بن عامر قائلين لنافع: أحدثت ما لم يكن عمله السلف من أهل النهروان وأهل القبلة، فأجابهم: بأن هذه حجة عرفها وقامت عليه وينبغى الأخذ بهذا، ففارقوه.

([194])     انظر: مقالات الأشعرى: 1/1983، الفرق بين الفرق للبغدادى ص24،72، إبانة المناهج لجعفر بن أحمد ص155، التنبيه والرد للملطى ص167، تاريخ الفرق الإسلامية ص266،268،271، الاعتصام 2/219.

([195])     انظر: أجوبة ابن خلفون ص9. وانظر: ترجمة جابر بن زيد أبو الشعثاء فى البداية والنهاية لابن كثير 10/93، وانظر: ما كتبه أحد علمائهم المعاصرين بكير بن سعيد اعوشت فى كتابه دراسات إسلامية فى الأصول الإباضية ص20.

([196])     الإباضية بين الفرق الإسلامية ص353.

([197])     انظر: كشف الغمة ص304، الدليل لأهل العقول ص28.

([198])     أخرجه مسلم (2541) (222) فى فضائل الصحابة.

([199])     مختصر الصواعق المرسلة 16-29.

([200])     البقرة: 140.

([201])     الشورى: 11.

([202])     الأنعام: 103.

([203])     الأعراف: 143.

([204])     وفاء الضمانة ص376، 377.

([205])     انظر: مسند الربيع بن حبيب 3/35.

([206])     مقدمة التوحيد ص19، الدليل لأهل العقول ص50.

([207])     كتاب الأديان ص104.

([208])     كتاب الدعائم ص31-35.

([209])     متن النونية ص 25.

([210])     انظر غاية المراد ص 9.

([211])     كتاب الأديان ص 53، غاية المراد ص 7.

([212])     الإباضية عقيدة ومذهباً 116 117.

([213])     متن النونية ص 18.

([214])     الإباضية بين الفرق الإٍسلامية ص 462.

([215])     انظر: مسند الربيع بن حبيب 3/12.

([216])     هذا الفصل منقول من كتاب فرق معاصرة تأليف دكتور غالب بن على عواجى.

([217])     الأعراف: 53.

([218])     أخرجه البخارى (143) فى الوضوء ومسلم (2477) فى فضائل الصحابة.

([219])     كتحريفات الجهمية.

([220])     ضحى الإسلام 3/334.

([221])     تاريخ المذاهب الإسلامية 1/66.

([222])     النبوات ص 89.

([223])     النونية ص 85.

([224])     مقالات الأشعرى 1/183.

([225])     الملل والنحل 1/133.

([226])     نقلاً عن الإباضية بين الفرق الإسلامية عن كتاب المقالات فى القديم والحديث ص 315. وانظر: دراسات إسلامية فى الأصول الإباضية الأصل التاسع ص 60.

([227])     التغابن: 2.

([228])     المائدة: 44.

([229])     سبأ: 17.

([230])     انظر: تفسير الفخر الرازى لهذه الآيات من سبأ. وانظر: تفسير الطبرى 6/252، فتح القدير 2/45.

([231])     انظر : تفسير الفخر الرازى لهذه الآيات من سبأ. وانظر : تفسير الطبرى 6/252، فتح القدير 2/45.

([232])     أخرجه البخارى 8/13، ومسلم 1/54.

([233])     انظر: شرح النووى لصحيح مسلم 2/41 42.

([234])     أخرجه مسلم 1/66.

([235])     مقالات الأشعرى 1/205، مروج الذهب 3/236.

([236])     أراء الخوارج للطالبى ص 125، عمان تاريخ يتكلم ص 123.

([237])     كما يذكر لوريمر فى كتابه دليل الخليج 6/3303.

([238])     الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 290.

([239])     نقلاً عن أراء الخوارج ص 128. لكن عموم الإباضية لا تجيز هذا حسب ما جاء فى مدارج الكمال ص 172.

([240])     مدارج الكمال للسالمى ص 171، تاريخ المذاهب الإسلامية ص 1/71. التفكير الفلسفى 1/191 للدكتور عبد الحليم محمود، أراء الخوارج ص 121، عمان تاريخ بتكلم ص 126.

([241])     مقالات الأشعرى 1/194، الطرماح بن حكيم ص 55، الملل والنحل 1/126، الفرق بين الفرق 1 109، التنبيه والرد للمطلى ص 169.

([242])     الفصل لابن حزم 4/163، الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 462، أراء الخوارج لعمار الطالبى 128.

([243])     الفرق بين الفِرَق ص 110.

([244])     المقالات 1/204.

([245])     النجم: 37، 38.

([246])     نوح: 27.

([247])     انظر: كتاب الأديان 104.

([248])     الطور: 21، وانظر: تفسير ابن كثير 4/241.

([249])     انظر: التفسير القيم ص 451، فتح القدير 5/98، جامع البيان 27/25، طريق الهجرتين 387، الفصل لابن حزم 4/74.

([250])     انظر كتاب الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم إعداد ناصر بن عبد الله ***.

([251])     رواه مسلم: صحيح مسلم بشرح النووى 7/171 كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج أبو داود 4/244 كتاب السنة، مسند الإمام أحمد 1/92.

([252])     الثفن جمع ثفنة: ركبة البعير وغيرها مما يحصل فيه غلظ من أثر البروك.

([253])     قال ابن الأثير: رحمه الله (وعليهم قمص مرحضة: أى مغسولة) النهاية فى غريب الحديث والأثر (2/208).

([254])     تلبيس إبليس ص 91.

([255])     تلبيس إبليس ص 93.

([256])     انظر الخوارج فى الإسلام عمر أبو النصر ص 43.          

([257])     انظر نوادر الأصول محمد الحكيم الترمذى ص 54.

([258])     انظر الفصل ابن حزم 4/191، وانظر الخوارج فى الإسلام عمر أبو النصر ص 44.

([259])     انظر تلبيس إبليس ابن الجوزى ص 95.

([260])     انظر الشريعة الآجرى: ص 22.

([261]) انظر تلبيس إبليس ابن الجوزى- ص 95.

([262])     رواه مسلم/ النووى شرح صحيح مسلم 16/220 كتاب العلم باب هلك المتنطعون، ورواه أبو داود: سنن أبى داود 4/281 كتاب السنة باب لزوم السنة، ورواه أحمد المسند 1/386.

([263])     رواه البخارى فتح البارى 1/93 كتاب الإيمان باب الدين يسر، ورواه أحمد: المسند 5/69.

([264])     قد تقدم ذكر هذا الحديث انظر: ص 72.

([265])     انظر تلبيس إبليس ابن الجوزى- ص 93 وانظر فتح البارى 12/284.

([266])     انظر: تلبيس إبليس ابن الجوزى ص 93.

([267])     انظر: تاريخ الطبرى 5/82، وانظر فتح البارى: شرح صحيح البخارى 12/283 و297 وانظر: الفرق بين الفرق البغدادى ص 57.

([268])     انظر: فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/285.

([269])     فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/301.

([270])     انظر نوادر الأصول محمد الحكيم الترمذى ص 54.

([271])     الكهف: 103، 104.

([272])     انظر منهاج السنة النبوية ابن تيمية 3/62.

([273])     كتاب النبوات ابن تيمية ص 129، وانظر المغنى ابن قدامة 3/105.

([274])     انظر الفرق بين الفرق البغدادى- ص 57.

([275])     البداية والنهاية 3/294.

([276])     انظر البداية والنهاية 4/247، وانظر مقالات الإسلاميين الأشعرى 1/13.

([277])     انظر الخوارج فى الإسلام عمر أبو النصر- ص 46.

([278])     انظر المذاهب الإسلامية محمد أبو زهرة- ص 98.

([279])     انظر دراسات فى الفلسفة الإسلامية عبد اللطيف محمد العبد ص 154.

([280])     انظر الخوارج فى الإسلام عمر أبو النصر ص 89، وانظر فتح البارى 12/291.

([281])     انظر دراسات فى الفلسفة الإسلامية عبد اللطيف محمد العبد ص 154 وانظر تلبيس إبليس ابن الجوزى ص 95، وانظر منهاج السنة النبوية ابن تيمية 3/60-61.

([282])     انظر كتاب النبوات ابن تيمية ص 131.

([283])     متفق عليه انظر فتح البارى 9/99 وقد سبق ذكره.

([284])     انظر كتاب الشريعة محمد بن الحسين الآجرى ص 21.

([285])     فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/282.

([286])     انظر كتاب الشريعة محمد بن الحسين الآجرى ص 21.

([287])     الكهف: 103، 104.

([288])     انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/218 وانظر: الشريعة للآجرى ص 21.

([289])     انظر ملخص تاريخ الخوارج: محمد شريف سليم ص 121 122.

([290])     متفق عليه: فتح البارى 12/ 283 وقد سبق ذكره.

([291])     متفق عليه: صحيح مسلم بشرح النووى 7/165 وقد سبق أيضاً.

([292])     الحجرات: 9.

([293])     متفق عليه والرواية للبخارى، وانظر فتح البارى 9/99، وانظر صحيح مسلم بشرح النووى 7/169 وقد سبق ذكره فى الباب الأول.

([294])     فتاوى شيخ الإسلام 28/499.

([295])     المغنى ابن قدامة 8/107.

([296])     مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/512، وانظر ص 513، وانظر كتاب النبوات لابن تيمية ص 129 130.

([297])     فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/301.

([298])     انظر: شرح النووى على صحيح مسلم 7/160 وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/500، 518 وانظر فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/285، 300.

([299])     انظر فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/300.

([300])     انظر فتح البارى 12/300، وانظر شرح النووى على صحيح مسلم 7/160 وانظر فتاوى ابن تيمية 28/501.

([301])     انظر فتح البارى 12/300.

([302])     انظر فتح البارى 12/300.

([303])     انظر: المغنى لابن قدامة 8/106، وانظر فتح البارى 12/301. وانظر منهاج السنة النبوية 3/60.

([304])     انظر: منهاج السنة النبوية 3/60.

([305])     صحيح مسلم بشرح النووى 7/159 وقد سبق تخريجه.

([306])     نفس المرجع 7/162، فتح البارى 12/290.

([307])     نفس المرجع السابق 7/163، فتح البارى 12/283، 290.

([308])     قد سبق تخريج هذا الحديث، انظر ص 210.

([309])     انظر فتح البارى 12/299 300 وانظر التبصير فى الدين الأسفرايينى ص 146.

([310])     رواه مسلم: انظر صحيح مسلم بشرح النووى 7/167 وقد سبق تخريجه فى الباب الأول.

([311])     انظر شرح النووى على صحيح مسلم 7/167، وانظر فتح البارى 12/299.

([312])     انظر فتح البارى 12/300، 301.

([313])     الحشر: 10.

([314])     انظر منهاج السنة النبوية 3/60.

([315])     انظر مجموع الفتاوى شيخ الإسلام 28/500.

([316])     انظر فتح البارى 12/300، وانظر رسالة الكفر الذى يعذر صاحبه بالجهل وحكم من يكفر غيره من المسلمين للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبا بطين ص 9.

([317])     انظر شرح النووى على صحيح مسلم 7/167.

([318])     منهاج السنة النبوية 3/62.

([319])     منهاج السنة النبوية 3/62.

([320])     فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/300.

([321])     فتح البارى شرح صحيح البخارى 12/300.

([322])     أقيدونا: القود هو طلب القصاص.

([323])     المغنى ابن قدامة 8/106، والأثر المروى عن على رضى اله عنه رواه عبد الرازق فى المصنف 10/150 وابن أبى شيبه فى المصنف 15/332 بسند صحيح ورواه البيهقى فى السنن الكبرى 8/174.

([324])     انظر كتاب"فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام" د. غالب بن علي عواجي ص166-167.

([325])     يقول إحسان إلهي ظهير في شريط مسجل (عن عقائد الشيعة):
       "الشيعة الآن لهم نشاط كبير في البلاد العربية وغير البلاد العربية وفي البلاد التي فيها أقليات مسلمة، فقد ملأوا العالم بمنشوراتهم ومفترياتهم وأكاذيبهم، لكن قَلَّ من يدرك هذا الخطر ... فلذلك وجب على المسلم الذي يعتقد الاعتقاد الصحيح أن يقف في وجه هذا السيل العارم.
       الشيعة الآن تطلق على قوم يختلفون معنا في الأصول، وكثير من الأخوة يفهمون أن اختلافنا معهم كاختلافنا مع المذاهب الأخري الفقهية، وبعض السذَّج يقولون أن اختلافنا في الفروع!، والشيعة الآن لا يستثنى منهم أحدٌ ، وهذه اللفظة عندما تطلق الآن لا يراد بها إلا الشيعة الإثنى عشرية". أهـ

([326])     ويقول إحسان إلهي ظهير في شريط مسجل أيضاً:
       "الشيعة كلهم يدَّعون أنهم موالون لأهل البيت ومحبون لهم، وهذه الكلمة استعملوها خداعاً ومكراً ليخدعوا بها السذج من الناس، إن كثيراً منا وحتى الخاصة لا يعرفون ماذا يقصدون من وراء لفظة أهل البيت، كثير يفهمون أنهم يقصدون أهل بيت النبي e ! هم يكفِّرون العباس عم النبي e رضي الله عنه، ويكفِّرون أمهات المؤمنين وهن أهل البيت أصلاً وحقيقة، لأن لفظة أهل البيت لم ترد في القرآن إلا مرتين، وفي المرتين لم ترد هذه اللفظة إلا للأزواج.
       في سورة هود: ]رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ...[ الآية، أطلقت على زوج ابراهيم عليه السلام.
       وفي سورة الأحزاب: ]إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهلَ البيتِ ...[ الآية.   
       فأهل البيت حقيقة في الأزواج، وهم قاطبة عن بكرة أبيهم يكفِّرون أزواج النبي e إلا خديجة رضي الله عنها، وهم لا يطلقون على أزواج النبي e إلا كلمة اللعن والطعن، وهم متهمون عائشة -رضي الله عنها التي نزلت براءتها في أربعة عشر آية- بالفسق والفجور عياذاً بالله. 
       فهم أكبر أعداء لأهل البيت وهم يدَّعون أنهم محبون لأهل البيت.
       يقول الكاشي منهم في كتابه"رجال الكاشي"، وهو من أقدم الكتب عندهم:
       في قوله تعالى ]ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً[ [الإسراء: 72] يقول: نزلت في العباس. وكذلك يكفِّرون عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ولا يعتقدون بإيمان عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أخو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
       إذن فماذا يقصدون من وراء هذا الادعاء؟!!
       يقول كبيرهم أو كبير مجرميهم محسن الأمين في كتابه"أعيان الشيعة": "الشيعة قوم يهوون هواء إثرة علي رضي الله عنه ويوالونه وأولاده".
       فيقصدون بأهل البيت علي رضي الله عنه وأولاده رضي الله عنهم أجمعين.
       ومن الغرائب أيضاً أنهم لا يعدون جميع أولاد علي رضي الله عنه من أهل البيت إلا الحسن والحسين. والمعروف أن علياً رضي الله عنه له أربعة عشر ولداً وثماني عشرة بنتاً.
       وأغرب من ذلك أنهم لا يجعلون فاطمة رضي الله عنها من أهل البيت فلا يعدون أولادها أم كلثوم وزينب من أهل البيت. والحسن عدُّوه من أهل البيت وأخرجوا أولاد الحسن جميعاً من أهل البيت.
       والحسين عدُّوه من أهل البيت وأخرجوا جميع أولاده من أهل البيت إلا علي بن الحسين الملقَّب بزين العابدين، وعلي بن الحسين يخرجون جميع أولاده من أهل البيت إلا واحداً وهو محمد الملقَّب بالباقر.
       ومحمد الباقر يخرجون جميع أولاده من أهل البيت إلا واحداً وهو جعفر(الصادق)، ويخرجون جميع أبناء جعفر من أهل البيت إلا ابنه موسى (الكاظم).
       وهكذا حصروا كلمة أهل البيت في الأئمة الإثنى عشر المعروفون عندهم". أهـ

([327])     ويقول إحسان إلهي ظهير في شريط مسجل أيضاً في معنى الحديث عند القوم:
       "الحديث عندنا ما ثبت عن رسول الله e من قول أو فعل أو تقرير.
       والحديث عندهم: كل ما ثبت عن أئمتهم الإثنى عشر بما فيهم المولود وغير المولود، والمعدوم والغائب!! فكل ما نقل عنهم فهو حديث عندهم مثل ما نقل عن رسول الله e.
       وهم يعتقدون أيضاً أن القرآن حُرِّف وغُيِّر وبُدِّل، نقص منه كثير وزيد فيه، وهذا قولهم جميعاً عن بكرة أبيهم، يقولون إن هذا ثُلث القرآن، أما الثُلث الباقي فهو محفوظ عند الإمام الغائب.
      يقول الكُلَيْني في "الكافي"، -وهو عندهم كالبخاري عند أهل السنة- يذكر أن جعفر قال:
       "لو وجد القرآن كما أنزل لألفيتنا مُسَمِّين" ، وقال: "أما العترة فقتلوهم وأما القرآن فحرفوه" كذباً عليه. وقالوا: أن قوله تعالى ]تبت يدا أبي لهب وتب[ زيادة في القرآن.
       وقال إحسان إلهي ظهير:
       وقد أوردت في كتاب"الشيعة والقرآن" –الذي مُنع في البلاد المسلمة المهددة من الخوميني 1200 ألف ومائتان حديث من كتبهم على أن القرآن محرَّف ومُغيَّر وزِيد فيه ونُقص منه كثير.   

([328])     "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة"، د. مانع بن حماد الجهني، ص55.

([329])     أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية عرض ونقد للدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري ج1 ص 8 وما بعدها.

([330])     أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية عرض ونقد للدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري ج1 ص 30 وما بعدها.

([331])     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روى عن علىّ من نحو ثمانين وجها أنه قال: على منبر الكوفة خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ورواه البخارى وغيره. انظر منهاج السنة: 4/137، وقد جاء ذلك فى كتب الشيعة أيضا. انظر تلخيص الشافى: 2/428 عن إحسان إلـهى ظهير: الشيعة وأهل البيت ص 52.

([332])     الأنعام: 159.

([333])     الحجر: 10.

([334])     القصص: 4.

([335])     الروم: 32.

([336])     القصص: 15.

([337])     مريم: 69.

([338])     القمر: 51.

([339])     سبأ: 54.

([340])     الصافات: 83.

([341]) الأنعام: 65.وزاد الدامغاني وجهاً خامساً وهو: الشيع والإشاعة، واستشهد له بقوله سبحانه: ]إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا[ النور: 19، يعني أن تفشو الفاحشة، والوجه الثاني الذي استدل له ابن الجوزي بآية القصص، استدل بها نفسها الدامغاني أن من معاني الشيعة: الجيش، واتفقا فيما سوى ذلك من المعاني.

([342])     مريم: 69.

([343])     بدائع الفوائد 1/155، وهذا في الغالب لأنه ورد في القرآن ]وإن من شيعته لإبراهيم[.

([344])     الصافات: 83.

([345])     البحراني/ تفسير البرهان: 4/20، وانظر: تفسير القمي: 2/323، والمجلسي/ بحار الأنوار: 68/12-13، عباس القمي/سفينة البحار: 1/732، البحراني/ المعالم الزلفى ص 304، الطريحي/ مجمع البحرين : 2/356، وقد نسبوا هذا التفسير –كذباً وافتراءً- إلى جعفر الصادق، ودينه وعلمه ينفيان ذلك.

([346])     مسند احمد 12/3-5[2/219]، قال عبد الله بن الإمام أحمد : ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى صحاح، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. ورواه ابن أبي عاصم في السنة 2/454 قال الألباني: إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات.

([347])     سنن أبي داود 5/67[4692من حديث حذيفة]، قال المنذري: وفي إسناده عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول، (المنذري): مختصر أبي داود 7/61، ورواه أيضاً الإمام أحمد 5/407[وضعفه الألباني في السنة 329،ولكن حَسَّنَ أصل الحديث دون هذه اللفظة من حديث جابر وحديث ابن عمر، انظر السنة 328].

([348])     قال العقيلي: لا أصل له، وذكره الكتاني من الأحاديث الموضوعة: (تنزيه الشريعة 1/414).

([349])     أورده ابن الجوزي في الموضوعات: 1/397، والشوكاني في الفوائد المجموعة من الأحاديث الموضوعة ص 379.

([350])     وهو حديث موضوع، انظر ابن الجوزي/ الموضوعات: 1/397، والذهبي/ ميزان الاعتدال: 1/421، ترجمة جميع بن عمر بن سوار، والشوكاني/ الفوائد المجموعة ص: 379.

([351])     هذه الروايات كلها في ذم الروافض، انظر السنة: 978، 979، 980، 981.

([352])     ففى أصول الكافى فى مسألة النص على الأئمة من الله ورسوله والأئمة -كما يزعمون- ذكر ثلاثة عشر بابا ضمنها مائة وعشرة أحاديث (أصول الكافى: 1/286-328).

([353])     البحراني/تفسير البرهان: 1/26- أصول الكافي: 1/437.

([354])     الدينورى / الأخبار الطوال ص194-196، وانظر تاريخ الطبرى: 5/53-54، محمد حميد الله/ مجموعة الوثائق السياسية ص: 281-282.

([355])     هذا جزء من حديث طويل فى صحيح مسلم فى باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض: 2/168، 170.

([356])     انظر: منهاج السنة: 2/67 (تحقيق د. محمد رشاد سالم).

([357])     تاريخ اليعقوبى: 2/197.

([358])     مروج الذهب: 3/100.

([359])     القمى/المقالات والفرق ص: 15، النوبختى/ فرق الشيعة ص: 18.

([360])     محمد أبو زهرة/ الميراث عند الجعفرية ص: 22.

([361])     على سامى النشار/ نشأة الفكر الفلسفى: 2/35.

([362])     سعد بن عبد الله القمي هو عند الشيعة جليل القدر، واسع الأخبار، له كثير من التصنيف، ثقة. من كتبه: الضياء في الإمامة، ومقالات الإمامية. توفي سنة 301هـ، وقيل 299هـ.   

([363])     الحسن بن موسى النوبختي (أبو محمد متكلم، فيلسوف، قال الطوسي: كان إمامياً حسن الاعتقاد، له مصنفات كثيرة منها: كتاب الآراء والديانات. أنظر  الذهبي/ سير أعلام النبلاء 15/327. 

([364])     محمد بن محمد بن عمران العكبري الملقب بالمفيد، نال في زعمهم شرف مكاتبة مهديهم المنتظر، وله قريب من مائتي مصنف. قال الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة الضلال. هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه. ومات سنة 413هـ. 

([365])     الجارودية: فرقة من فرق الزيدية وتنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الكوفي. قال عنه أبو حاتم: كان رافضياً، يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله e رضي الله عنهم… ومن مقالة الجارودية: أن رسول الله e نص على عليّ رضي الله عنه بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره ... انظر في أبي الجارود والجارودية: رجال الكشي ص151، 229، 230( وهي ست روايات في ذمه تضمن بعضها كونه كذاباً كافراً، ومع ذلك فمفيدهم ينظمه فى سلك التشيع، لأن التشيع فى تعريفه هو هذا الغلو). انظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب: 3/386، والبغدادى، الفرق بين الفرق: ص30، والأشعرى، مقالات الإسلاميين: 1/140.

([366])     السليمانية: فرقة من فرق الزيدية تنسب إلى سليمان بن جرير الزيدي، وهي تسمى بالسليمانية عند كثير من أصحاب الفرق. انظر: مقالات الإسلاميين 1/143، اعتقادات فرق المسلمين ص 78 ، الملل والنحل: 1/159، التبصير في الدين ص 17.

([367])     والنواصب: هم قوم يدينون ببغض عليّ رضي الله عنه (ابن منظور/ لسان العرب 1/762)، ولكن الروافض تذهب في مفهوم النصب مذهباً آخر –كما ترى- حتى تجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً (مجموع فتاوى شيخ الإسلام 5/112) بل من قدم أبا بكر  على عليّ فهو ناصبي (ابن إدريس/ السرائر ص 471، الحر العامل/ وسائل الشيعة 6/341-342.

([368])     كتاب الغدير لشيخهم المعاصر: عبد الحسين الأميني النجفي، وهو مليء بالأكاذيب والطامات والكفر البواح. انظر مسألة التقريب بين السنة والشيعة للمؤلف ص66 وما بعدها.

([369])     مقالات الإسلاميين 1/65.

([370])     محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتوح المعروف بالشهرستاني. قال السبكي: كان إماماً مبرزاً مقدماً في علم الكلام والنظر، برع في الفقه والأصول والكلام، ومن تصانيفه: الملل والنحل، نهاية الإقدام، وغيرهما، توفي سنة 548هـ، وكانت ولادته عام 467، وقيل 479هـ. انظر طبقات الشافعية: 6/128-130، مرآة الجنان: 3/284-290.  

([371])   أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، للدكتور ناصر بن عبد الله بن علي القفاري ج1 ص 53 وما بعدها.

([372])     وهم وإن سموا بالشيعة فهم من أهل السنة، لأن مسألة عثمان وعلي.. ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها، لكن المسألة التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة.. وقد كان بعض أهل السنة اختلفوا في عثمان وعلي –رضي الله عنهما- بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر – أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربَّعوا بعليّ، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان.       

([373])     منهاج السنة 2/60 ، تحقيق محمد رشاد سالم.

([374])     الذهبي/ ميزان الاعتدال 1/5-6 ، وابن حجر/ لسان الميزان 1/9-10. 

([375])     هدْي الساري مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص 483 فصل في تمييز أسباب الطعن في المذكورين.

([376])     تهذيب تهذيب الكمال لابن حجر، 1/93-94، ترجمة أبان بن تغْلِب الربعي أبو سعد الكوفي(كان مذهبه مذهب الشيعة). وأبان هذا من رجال مسلم والأربعة أصحاب السنن. وانظر: التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي تأليف محمد البنداري ص11.

([377])     في كتاب أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية عرض ونقد. ج1 ص57 ومابعدها.

([378])     الكليني/ أصول الكافي:  1/437.

([379])     وهذا تفسير بعيد عن الآية .. بل إلحاد في آيات الله، وقد جاء تفسير الآية عن السلف وغيرهم:  "ولقد وصينا آدم وقلنا له:  ]إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة[ فنسي ما عهد إليه في ذلك(أي ترك) ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس الذي حسده. قال قتادة: ]ولم نجد له عزما[ أي صبراً. تفسير الطبري 16/220-222.

([380])     الكليني/ الكافي: 1/416

([381])     الأنبياء: 25.

([382])     رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: ]فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم[ 1/11، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله 1/51-52، وغيرهما.  

([383])     رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة، وما ذكره لفظ مسلم، انظر: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة 2/108، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين 1/50-51.     

([384])     شرح الطحاوية: ص 75.

([385])     منهاج السنة: 4/46.

([386])     منهاج السنة: 4/78.

([387])     البحراني/ درة نجفية: ص 37، وانظر رجال الكشي: ص 205-206، وانظر الأنوار النعمانية: 1/82.

([388])     المقالات والفرق: ص 15. 

([389])     في كتب الموضوعات عند أهل السنة روايات كثيرة من وضع الروافض في هذا الباب، انظر مثلاً: الموضوعات لابن الجوزي: 1/338وما بعدها، والشوكاني/ الفوائد المجموعة ص342 وما بعدها، والكتاني/ تنزيه الشريعة 1/351 وما بعدها، ولهم وسائل الطرق ومسالك الاستدلال والاحتجاج على أهل السنة كتب عنها د. ناصر القفارى في رسالته: فكرة التقريب ص 51 وما بعدها.

([390])     ابن خلدون/ المقدمة 2/527 تحقيق د. علي عبد الواحد وافي.

([391])     العبر: 3/170-171.

([392])     الفصل: 2/8. وانظر الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة  ص 6 للشيخ عثمان بن عبد الله الحنفي.

([393])     عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية وكانت تقول بألوهية علي، كما تقول برجعته وتطعن في الصحابة ... أصله من اليمن وكان يهودياً يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته. قال ابن حجر: عبد الله ابن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن علياّ حرَّقه بالنار.أهـ. وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعاً. 

([394])     انظر مثلاً ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى: مجموع الفتاوى 4/518، وكذلك ابن المرتضى في المنية والأمل ص125، ومن المعاصرين أبو زهرة الذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصِي محمد، ودعا إلى ذلك. وذكر أبو زهرة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي: انظر تاريخ المذاهب الإسلامية 1/31-33، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم: انظر عائشة والسياسة ص60، والقصيمي في الصراع1/41.

([395])     وهو مرتضى العسكري في كتابه: "عبد الله بن سبأ" ص 35 وما بعدها.

([396])     وهو: علي الوردي في كتابه(وعاظ السلاطين) ص 274، وقلده في هذا الشيعي الآخر: مصطفى الشيبي في كتابه0الصلة بين التصوف والتشيع) ص 40-41.

([397])     من أبرز هذه الدراسات وأهمها: رسالة "عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة" للدكتور سلمان العودة، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة. وهي دراسة جادة ومستوفية، وقد ناقش المشككين والمنكرين والقائلين أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر، وأثبت زيف هذه الأقوال بالحجة والبرهان.

([398])     رودلف شتروتمان من المستشرقين المتخصصين في الفرق ومذاهبها، وله عنها مباحث، من آثاره: الزيدية، وأربعة كتب إسماعيلية. وانظر: نجيب العقيقي/ المستشرقون: 2/788.

([399])     دائرة المعارف الإسلامية: 14/59.

([400])     البوذية: هم اتباع بوذا، ولها انتشار بين عدد من الشعوب الأسيوية وتتباين عقائد الأتباع حول هذه النحلة…وانظر عن البوذية: محمد سيد كيلاني / ذيل الملل والنحل ص13، 26، 31، محمد أبو زهرة / الديانات القديمة: ص 53، سليمان مظهر/ قصة الديانات ص 73. 

([401])     منهاج السنة: 4/147.

([402])     في كتابه: عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ص 231 وما بعدها.

([403])     ترجم الزركلي لابن سبأ في الأعلام، فلم يحدد مولده، أما وفاته فقال: نحو سنة 40هـ ج4/220. 

([404])     هذه الرواية كغيرها من الروايات الكثيرة التي ينسبها الشيعة كذباً وزوراً إلى جعفر الصادق عليه رحمة الله، ذلك الرجل الذي أخذ عنه الإمامان أبو حنيفة ومالك، وقال عنه أبو حنيفة ما رأيت أفقه منه ولقد دخلني له من الهيبة ما لم يدخلني للمنصور، كما قيل عنه أنه فقيه إمام، توفي سنة 148هـ. وانظر الكاشف للذهبي 1/186، تقريب التهذيب 1/132، معجم المؤلفين 3/145.

([405])     الكليني: الكافي 1/239.

([406])     الجوزجاني: الضعفاء 3/ ب.

([407])     (ع): أى عليهم السلام.

([408])     أوائل المقالات ومنشورات المكتبة الحيدرية/ النجف 1393هـ – 1973م، ص 80.

([409])     الأصول من الكافي للكليني 1/ 258.

([410])     المصدر نفسه 1/ 258.

([411])     الحكومة الإسلامية للخميني ص 52.

([412])     الحكومة الإسلامية للخوميني ص 52.    

([413])     المعارف ص 267.

([414])     الكليني: الأصول من الكافي 1/294.

([415])     الشيخ المفيد: أوائل المقالات ص51.

([416])     القيمي: المقالات والفرق ص20، النوبختي: فرق الشيعة ص19.

([417])     أوائل المقالات: ص 48.

([418])     الملاحظ أن هذه الآية التي ذكرها الكليني جزء من الآية 137من سورة النساء، وجزء من الآية 90من سورة آل عمران.

([419])     الأصول من الكافي: 1/320.

([420])     الصافي شرح الكافي: ط. إيران(بالفارسية) نقلاً عن إحسان إلهي ظهير : الشيعة والسنة ص42.

([421])     الملطي: التنبيه والرد ص 19، وانظر : إحسان إلهي ظهير: الشيعة والسنة ص63.

([422])     الأصول من الكافي: 1/148.

([423])     المصدر نفسه: 1/148. وانظر ابن حجر: لسان الميزان 6/76.

([424])     الكاشف: 1/178.

([425])     تهذيب التهذيب : 2/49، والتقريب: 1/123.

([426])     المجروحين 3/7.

([427])     تهذيب التهذيب: 9/180.

([428])     التبصير في الدين: ص 108 . والمغني في الضعفاء 1/339.

([429])     الفتاوى 3/353، 28/ 483 . ومنهاج السنة 3/261 .

([430])     المقالات والفرق ص 20.

([431])     فرق الشيعة: ص 20.

([432])     الشيعة والخوارج: ص 170، 171.

([433])     أصول مذهب الشيعة الإمامية: عرض ونقد د. ناصر القفاري ص 90 ومابعدها.

([434])     الإسماعيلية: وهم الذين قالوا: الإمام بعد جعفر إسماعيل بن جعفر، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنكروا إمامة سائر ولد جعفر، ومن الإسماعيلية انبثق القرامطة والحشاشون والفاطميون والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة وألقاب كثيرة تختلف باختلاف البلدان، إذ لهم كما يقول الشهرستاني دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان، وأما مذهبهم فهو كما يقول أبو حامد الغزالي وغيره: "إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض"، أو كما يقول ابن الجوزي: "فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم. ولهم مراتب في الدعوة، وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى الدرجة الأخيرة، وقد أطلع على أحوالهم وكشف أستارهم جملة من أهل العلم، كالبغدادي الذي أطلع على كتاب لهم يسمى: "السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر"، ورأى من خلاله أنهم دهرية زنادقة يتسترون بالتشيع، والحمادي اليماني الذي اندس بينهم وعرف حالهم وبين ذلك في كتابه "كشف أسرار الباطنية"، وابن النديم الذي اطلع على "البلاغات السبعة" لهم، وقرأ "البلاغ السابع"، ورأى فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها… وغيرهم، ولهم نشاطهم اليوم، كما لهم كتبهم السرية. قال أحدهم: وإن لنا كتباً لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا"(مصطفى غالب/ الحركات الباطنية في الإسلام ص67، وانظر أبو حاتم الرازي الإسماعيلي/ الزينة: ص287 ضمن كتاب "الغلو والفرق الغالية"، أبو حامد الغزالي/ فضائح الباطنية: ص37 وما بعدها، الملل والنحل: 1/167، 191، والبغدادي/ الفرق بين الفرق: ص294، 621، ابن النديم/ الفهرست: ص267، 268، الملطي/ التنبيه والرد: ص218، والمقدسي/ البدء والتاريخ: 5/124، الإسفراييني / التبصير في الدين، ابن الجوزي/ تلبيس إبليس: ص99، وانظر الإسماعيلية: إحسان إلهي ظهير).        

([435])     الزيدية: وهم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(الملل والنحل: 1/154، مقدمة البحر الزخار: ص40)، وسموا بالزيدية نسبة إليه(يحي بن حمزة/ الرسالة الوازعة ص28، والسمعاني/ الأنساب: 6/340)، وقد افترقوا عن الإمامية حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم فسموا رافضة.. وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لاتباعهم له وذلك في آخر خلافة هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين أو اثنين وعشرين(منهاج السنة: 1/21، الرسالة الوازعة: ص87-88). والزيدية يوافقون المعتزلة في العقائد(انظر المقبلي/ العلم الشامخ: ص319، الملل والنحل: 1/162، والرازي/ المحصل: ص247). والزيدية فرق : منهم من لم يحمل من الانتساب إلى زيد إلا الاسم فهم روافض في الحقيقة يقولون إن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غير علي، وهؤلاء الجارودية أتباع أبي الجارود، ومنهم من يقترب من أهل السنة كثيراً وهم أصحاب الحسن بن صالح حي الفقيه القائلون بأن الإمامة في ولد علي رضي الله عنه(ويقول ابن حزم: إن الثابت عن الحسن ابن صالح  هو أن الإمامة في جميع قريش) ويتولون جميع الصحابة إلا أنهم يفضلون علياً على جميعهم.. (انظر ابن حزم/ الفصل: 2/266، وانظر في اعتدال الزيدية الحقة في مسألة الصحابة: ابن الوزير/ الروض الباسم ص49-50، المقبلي/ العلم الشامخ: ص326)، وانظر بحثي عن الزيدية في فكرة التقريب ص146 وما بعدها (سلمان العودة). 

([436])     تاريخ ابن خلدون: 1/201.

([437])     العيون والمحاسن: 2/91.

([438])     الملل والنحل: 1/162.

([439])     مقالات الإسلاميين: 1/86.

([440])     التنبيه والإشراف: ص198.

([441])     الفرق بين الفرق: ص64.

([442])     مقالات الإسلاميين: 1/90-91، الملل والنحل: 1/169، التبصير في الدين: ص33، الحور العين: ص166.

([443])     انظر: القمي/ المقالات والفرق: ص89، الناشئ الأكبر، مسائل الإمامة ص47، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/90، عبد الجبار الهمداني/ المغني ج20، القسم الثاني ص 176، المسعودي/ مروج الذهب: 3/221.

([444])     مختصر التحفة الاثنى عشرية: ص19-20. ولا شك أن القطعية هم أسلاف الاثنى عشرية، وسموا بهذا بعد القطع بإمامة موسى، وافترقوا بذلك عن الإسماعيلية.. ولكن إذا لاحظنا أن الشيعة تختلف بعد موت كل إمام، فإن فرقة القطعية قد حل بها هذا الانقسام.. وانفصل منها فرق لم تعتقد بالاثنى عشر. أي أنه قد صار من فرق القطعية من لم يكن من الاثنى عشرية، فالقطعية أعم من الاثنى عشرية. 

([445])     اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: ص84-85.

([446])     مقالات الإسلاميين: 1/88، الفصل: 4/157-158.

([447])     مقالات الإسلاميين: 1/89، وانظر أيضاً في سبب التسمية بالرافضة: الشهلاستاني/ الملل والنحل: 1/155، والرازي/ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص77، والإسفراييني/ التبصير في الدين: ص34، الجيلاني/ الغنية: 1/76، ابن المرتضى/ المنية والأمل: ص21. وقيل سموا رافضة ..لتركهم نصرة النفس الزكية(ابن المرتضى/ المنية والأمل: ص21، وانظر هامش رقم 1 ص111، وقيل لتركهم محبة الصحابة(علي القاري/ شم العوارض في ذم الروافض، الورقة 254 ب(محظوظ) وقيل لرفضهم دين الإسلام(انظر: الإسكوبي/ الرد على الشيعة، الورقة 23(مخطوط) وانظر: محي الدين عبد الحميد/ هامش مقالات الإسلاميين: 1/89).  

([448])     هذا الباب مختصر من كتاب أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية عرض ونقد وتأليف دكتور: ناصر بن عبد الله بن على القفارى.

([449])     وسائل الشيعة: 18/138، وانظر: بحار الأنوار: 7/302، 19/23، الطبري(الرافضي) /بشارة المصطفى ص: 16، آمالي الصدوق ص: 40.

([450])     منهاج السنة: 4/155.

([451])     انظر دعوى الاثنى عشرية أن الأئمة يوحى إليهم وتهبط عليهم الملائكة، فصل السنة من هذه المسألة، وانظر قول الاثنى عشرية بأن الأئمة تظهر عليهم المعجزات/ مبحث الإيمان بالأنبياء من هذه الرسالة. 

([452])     الناسخ والمنسوخ: ص8.

([453])     يعني سنة المصطفى e. قال تعالى: ]وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى[ [النجم: 3-4].  

([454])     الناسخ والمنسوخ: ص 8-9.

([455])     يعنون به موسى الكاظم والذي يعتبرونه إمامهم السابع(انظر أصول الكافي: الهامش: 1/374).

([456])     الأعراف: 33.

([457])     يس: 12.

([458])     التوبة: 12.

([459])     الإسراء: 60.

([460])     مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 13/236-237.

([461])     انظر: اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية: هاشم البحراني: ص321-322. 

([462])     انظر من ذلك: تفسير القمي: 2/212.

([463])     قال السلف في تفسير الآية: أن الإمام المبين هنا هو أم الكتاب، أي وجميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ.(انظر تفسير ابن كثير: 3/591). 

([464])     انظر البرهان: 2/106-107.

([465])     راجع المصدر السابق.

([466]) انظر البرهان: 2/224-225.

([467]) انظر: تفسير القمي: 2/21. 

([468])     أصول الكافي: 2/627. 

([469])     انظر: بحار الأنوار: 23/206-211.

([470])     المصدر السابق: 24/114-118.

([471])     المصدر السابق: 24/87-91.

([472])     المصدر السابق: 24/173-184.

([473])     المصدر السابق: 24/185-186.

([474])     المصدر السابق: 23/172-188.

([475])     المصدر السابق: 23/304-325.

([476])     المصدر السابق: 24/153-158.

([477])     المصدر السابق: 24/221-231.

([478])     المصدر السابق: 24/167-173.

([479])     المصدر السابق: 24/100-110.

([480])     المصدر السابق: 24/191-203.

([481])     المصدر السابق: 24/211-213.

([482])     انظر مقدمة تفسير القمي: 1/16.

([483])     جولد سيهر/ مذاهب التفسير الإسلامي ص: 303-304.

([484])     جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، توفي سنة(127هـ)، قال ابن حبان: كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ. كان يقول أن علياً يرجع إلى الدنيا. وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب رسول الله e. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحى: لا يكتب حديثه ولا كرامة. قال ابن حجر: ضعيف رافضي. وانظر ميزان الاعتدال: 1/379-380، تقريب التهذيب 1/123، والضعفاء للعقيلي: 1/191-196.
       أما هذا الجعفي في كتب الشيعة فأخبارهم في شأنه متناقضة، فأخبار تجعله ممن انتهى إليه علم أهل البيت، وتضفي عليه صفات أسطورية من علم الغيب ونحوه، وأخبار تطعن فيه… لكنهم يحملون أخبار الطعن فيه على التقية، ويقولون بتوثيقه كعادتهم في توثيق من على مذهبهم وإن كان كاذباً. انظر: وسائل الشيعة: 20/51، رجال الكشي: ص191، جامع الرواة: 1/144.

([485])     مقالات الإسلاميين: 1/73.

([486])     الفرق بين الفرق: ص 240.

([487])     الملل والنحل: 1/177.

([488])     المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد، عدَّهم أصحاب الفرق من غلاة الشيعة، نسب إليه القول بألوهية علي، ودعوى النبوة، والتجسيم، وضلالات أخرى، وقد جاء في كتب الإثنى عشرية ذمه ولعنه عن الأئمة. قتله خالد بن عبد الله القسري سنة 119هـ. انظر تاريخ الطبري: 7/128-130، الأشعري: مقالات الإسلاميين: 1/69-74.  

([489])     الحشر:: 16.

([490])     تفسير العياشي: 2/223، الكاشاني/تفسير الصافي: 3/84، تفسير القمي: انظر الكاشاني 3/84، ولم أجده في الطبعة التي عندي، البحراني/ البرهان: 2/309، بحار الأنوار: 3/378(ط. كمباني).

([491])     إبراهيم: 22.

([492])     الكليني/ الكافي(المطبوع بهامش مرآة العقول: 4/416).

([493])     مرآة العقول: 4/416.

([494])     منهاج السنة: 4/66.

([495])     النحل: 36. تفسير العياشي: 2/261.

([496])     في مبحث: عقيدتهم في توحيد الألوهية.

([497])     النحل: 51.

([498])     تفسير العياشي: 2/261، البرهان في تفسير القرآن: 2/373. 

([499])     الفرقان: 55. 

([500])     تفسير القمي: 2/115.

([501])     يعني بصائر الدرجات لشيخهم الصفار.

([502])     تفسير القمي: 1/28.

([503])     الشمس: 1، البرهان: 4/467.

([504])     الأعراف: 29، تفسير العياشي: 2/12.

([505])     الأعراف: 31، تفسير العياشي: 2/13.

([506])     الجن: 18.

([507])     الجن: 18، البرهان: 4/393.

([508])     بحار الأنوار: 24/303.

([509])     القلم: 43، تفسير القمي: 2/383.

([510])     مثل كتاب: مناسك الزيارات للمفيد، وكتاب المزار لمحمد بن علي الفضيل، والمزار لمحمد المشهدي.

([511])     النحل: 68، تفسير القمي: 1/387.

([512])     بحار الأنوار: 24/110-113.

([513])     انظر: بحار الأنوار: 24/100-110.

([514])     يوسف: 2.

([515])     فصلت: 42.

([516])     وقد انساق"إحسان إلهي ظهير" وراء مقالة صاحب فصل الخطاب، بأنه لا يوجد من أنكر مقالة التحريف من الشيعة في القرون المتقدمة إلا هؤلاء الأربعة(يعني ابن بابويه القمي والمرتضى والطبرسي والطوسي) فقال إحسان: والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم جميعاً متفقون على أن القرآن محرف مغير فيه .(الشيعة والسنة ص122 ط. دار الأنصار). والحقيقة أن هذه القضية بدأت عند الشيعة متأخرة عن نشأة الشيعة نفسها، وأن أوائل الشيعة ليسوا على هذا الضلال، وأن فرقاً من الشيعة ليست على هذا"الباطل".

([517])     بحار الأنوار: 92/55.

([518])     رجال الكشي: ص290، بحار الأنوار: 92/54.

([519])     تفسير العياشي: 1/12، بحار الأنوار: 92/55.

([520])     بحار الأنوار: 92/56.

([521])     تفسير فرات: ص177، بحار الأنوار: 92/56.

([522])     مستدرك الوسائل: 1/43.

([523])     بحار الأنوار: 92/75.

([524])     الموضع نفسه من المصدر السايق.

([525])     كالدروز الذين اتخذوا لهم مصحفاً سموه: "مصحف المنفرد بذاته". انظر: مصطفى الشكعة/ إسلام بلا مذاهب، مقدمة الطبعة الخامسة، الخطيب/ عقيدة الدروز ص183-184.

([526])     انظر: الشعراني: تعاليق علمية(على شرح الكافي للمازندراني) 2/414. 

([527])     انظر: أصول الكافي: كتاب فضل القرآن: 2/611.

([528])     المصدر السابق: 3/603.

([529])     المصدر السابق: باب الرد إلي الكتاب والسنة: 1/59.

([530])     ابن حزم/ الفصل: 2/216-217. والنوكى: جمع أنْوَك وهو الأحمق. وقيل الجاهل والعاجز: انظر لسان العرب. وجاء جمعه على وزن فعلى لأنه مما يصاب به مما يكره كقتلى وغرقى وجرحى وهلكى وموتى..وكثيراً ما يستخدم الإمام ابن حزم –رحمه الله- هذه اللفظة في الحمل على مخالفيه.

([531])     محمد تقي الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن ص: 122.

([532])     أصول الكافي: كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: 1/53، وسائل الشيعة: 18/58.

([533])     المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) 2/272.

([534])     الموضع نفسه من المصدر السابق.

([535])     الموضع نفسه من المصدر السابق.

([536])     أصول الكافي: 1/264.

([537])     أصول الكافي: 1/264.

([538])     المازندراني/ شرح جامع(على الكافي) 6/44.                   

([539])     بحار الأنوار: 26/358، بصائر الدرجات: ص: 63.

([540])     انظر بحار الأنوار: 26/53 وما بعدها.

([541])     وقد ورد في معاني الأخبار لابن بابويه تفسير للروح بأنها –كما يقول إمامهم-: "عمود من نور بيننا وبين الله عز وجل". عيون الأخبار: ص354.

([542])     أصول الكافي: 1/273-274.

([543])     المصدر السابق: 1/273.

([544])     شرح الطحاوية: ص 4.

([545])     أوائل المقالات: ص 39.

([546])     أصول الكافي: 1/254، بحار الأنوار: 26/88-89، بصائر الدرجات: ص 36.

([547])     بحار الأنوار: 39/151-157.

([548])     أصول الكافي: 1/264.

([549])     بحار الأنوار: 26/59، بصائر الدرجات ص 92.

([550])     المازندراني/ شرح جامع: 6/44.

([551])     الأحزاب: 40. 

([552])     المائدة: 3.

([553])     المائدة: 67.

([554])     وهي طائفة العلبائية.

([555])     آل عمران: 187.

([556])     البقرة: 159-160.

([557])     النحل: 64.

([558])     ابن حزم/ المحلى: 1/26.

([559])     المصدر السابق: 1/15.

([560])     هذا جزء من حديث رواه ابن ماجة في سننه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: 1/16، وأحمد في مسنده: 4/126، والحاكم في مستدركه: 1/96، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، باب ذكر قول النبي e: تركتكم على مثل البيضاء، وروى عدة روايات في هذا المعنى صحح الألباني معظمها.

([561])     رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة: 1/26.

([562])     روى هذا الأثر الإمام أحمد في مسنده: 5/153.

([563])     صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: ]وهو الذي يبدء الخلق ثم يعيده[ ج4 ص73.

([564])     الرسالة: ص 20.

([565])     أصول الكافي: 1/59. 

([566])     معارج الوصول: ص 2، وانظر: موافقة صحيح المنقول: 1/13.           

([567])     المائدة: 3.

([568])     قوله: "ما صح لهم من طرق أهل البيت" هذا تعبير فيه شيء من التمويه والخداع، لأن من لا يعرف طبيعة مذهب الشيعة يظن أن العمدة عندهم هو كلام رسول الله e الذي جاء من طرق آل البيت، في حين أنهم يعدون الواحد من الاثنى عشر كالرسول لا ينطق عن الهوى، وقوله كقول الله ورسوله، ولذلك يندر وجود أقوال الرسول في مدوناتهم، لأنهم اكتفوا بما جاء عن أئمتهم، كما أن قوله"أهل البيت" إنما يعني بعضهم فليس كل آل البيت يصلحون –عندهم- طريقاً للرواية، لأن آل البيت ليسوا جميعاً أئمة، فالرواية عن ذرية فاطمة من ولد الحسن رضي الله عنه لا تعتبر روايتهم، لأن من بعد الحسن من ذريته ليسوا أئمة عندهم، وغاية أمرهم أن يعتبروا مجرد رواة يخضعون للرد والقبول، ولذلك كفر الاثنى عشرية كل من خرج وادعى الإمامة من آل البيت(ماعدا الأئمة الاثنى عشر عندهم). أصول الكافي: 1/372 رقم 1، 3.
       ويلاحظ أن الطوسي في"الاستبصار" يرد روايات زيد بن علي(الاستبصار: 1/66). فتعبير آل كاشف الغطا فيه شيء من التمويه والخداع، لأن الكتاب وضع للدعاية للتشيع في العالم الإسلامي.     

([569])     منهاج السنة: 4/138. ويقول شيخ الإسلام أيضاً: وخبر الواحد لا يفيد العلم بالقرآن والسنن المتواترة، وإذا قالوا ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره قيل لهم فلابد من العلم بعصمته أولاً وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن تعرف عصمته لأنه دور، ولا تثبت بالإجماع فإنه لا إجماع فيها، وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة لأن فيهم الإمام المعصوم فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعلم أن عصمته لو كانت حقاً لابد أن تعلم بطريق آخر غير خبره.(منهاج السنة: 4/139).   

([570])     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "…فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي، أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيها ظاهر، وكذلك الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلا شيئاً قليلاً، وإنما كان غالب علمه في الكوفة، كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلاً عن علي، وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر، وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من علي ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر مما رووا عن علي، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل، ولما قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضياً وهو وعبيدة السلماني تفقها على غيره، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم علي الكوفة. (منهاج السنة: 4/139).

([571])     منهاج السنة: 3/15.

([572])     ابن حزم: الفصل: 4/213، منهاج السنة: 4/139..

([573])     الإسنوي/ نهاية السول: 3/247.

([574])     ابن المطهر/ تهذيب الوصول إلى علم الأصول: ص70، ط. طهران 1308هـ.

([575])     انظر: المفيد/ أوائل المقالات ص 99-100، قوامع الفضول ص305، حسين معتوق/ المرجعية الدينية العليا ص16، وراجع كتب الأصول عندهم عامة.

([576])     انظر: بحار الأنوار: 25/103.

([577])     وقد جاء في أصول الكافي القول بإمامة الإمام، ولو كان عمره ثلاث سنين. انظر: أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني: 1/321، وانظر: المفيد/ الإرشاد ص298، الطبرسي/ أعلام الورى: ص331. وفيهما "ولو كان ابن أقل من ثلاث سنين"، وبحار الأنوار: 25/102-103. 

([578])     النساء: 115، فمن خرج عن إجماع الأمة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين(انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/194)، ولذلك عول الإمام الشافعي رحمه الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته بهذه الآية الكريمة، وذلك بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها (تفسير ابن كثير: 1/590). ولشيخ الإسلام تحقيق بديع حول هذه الآية والإجماع، (انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/ 178، 179، 192 وما بعدها، وانظر تفسير القاسمي: 5/459 وما بعدها).
      قال الإمام ابن كثير قوله: ]ويتبع غير سبيل المؤمنين[ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك.. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها (تفسير ابن كثير: 1/590).  

([579])     رواه مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي e: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم" 2/1524. والحديث بهذا المعنى أخرجه أيضاً البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي e: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" 8/149.         

([580])     قال السخاوي: حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره(المقاصد الحسنة: ص460). فروي عنه e أنه قال : "إن الله أجاركم من ثلاث خلال(ومنها) وأن لا تجتمعوا على ضلالة، رواه أبو داود في سننه: 4/452، رقم 4253، قال الحافظ في التلخيص: في إسناده انقطاع، وقال في موضع آخر: سنده حسن(عون المعبود: 11/426)، وروى أحمد عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله e قال: "سألت الله عز وجل أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها"(المسند 6/396) قال الحافظ في التلخيص: "..رجاله ثقات لكن فيه راوٍ لم يسم"(عون المعبود: 11/326)، وروى الترمذي عن ابن عمر "أن الله تعالى لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد e على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار" قال أبو عيسى: حديث غريب من هذا الوجه (سنن الترمذي 4/466، رقم 2167)، وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث غريب خرجه أبو نعيم في الحلية، واللالكائي في السنة، ورجاله رجال الصحيح، لكنه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظاً حكمت بصحته على شرط الصحيح، لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال، فذكرها، وذلك مقتضي للاضطراب والمضطرب من أقسام الضعيف(عن فيض القدير 2/271). ورواه ابن ماجة بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة"(سنن ابن ماجة: كتاب الفتن، باب السواد الأعظم 2/1303، رقم 3950)، وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالصحة(فيض القدير: 2/431) لكن قال السندي: "وفي الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف(حاشية السندي على سنن ابن ماجة: 2/464)، وقال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: جاء الحديث بطرق في كلها نظر (لمصدر السابق)، وقال ابن حجر: "له طرق لا يخلو واحد منها من مقال"(عن فيض القدير: 2/200)، وقد أورده أصحاب الأصول محتجين به. انظر: المستصفى: 1/175، والأحكام للآمدي: 1/219.
       [قال جامعه: رواية أبي داود ضعفها الألباني في السنن، ولكن قال: الجملة الثالثة (يعني محل الشاهد) صحيحة، الصحيحة 1331. وراجع الضعيفة 1510-ورواية الترمذي صححها الألباني في السنن دون طرفها الأخير- ورواية ابن ماجة ضعفها جداً في السنن دون محل الشاهد- ورواية أحمد قال محققوا مسند الرسالة: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لإبهام الراوي عن أبي بصرة (45/200-ح 27224 الرسالة، 6/396 الميمنية)- وتفسير ابن كثير: الآية 65 من سورة الأنعام، والطبري نفس الآية - وانظر: السنة لابن أبي= =عاصم: 80، 82، 83، 84، 85، 92، والمشكاة 173، والضعيفة 4896، وصحيح الجامع 1844، الطبراني في الكبير (2171)، الحاكم 1/116، ومجمع الزوائد 7/221، 222].      

([581])     الكليني/ أصول الكافي: 1/67-68، ابن بابويه القمي/ من لا يحضره الفقيه: 3/5، الطوسي/ التهذيب: 6/301، الطبرسي/ الاحتجاج ص194، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/75-76.

([582])     أصول الكافي/ خطبة الكتاب ص8، وانظر: وسائل الشيعة: 18/80.

([583])     وسائل الشيعة: 18/85.

([584])     هذا الباب مختصر من كتاب أصول مذاهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية عرض ونقد، تأليف دكتور: ناصر ابن عبد الله بن على القفارى ج2 ص425 وما بعدها.

([585])     النساء: 48، 116.

([586])     الزمر: 65.

([587])     أصول الكافي: 1/427 رقم (76)، تفسير القمي: 2/251، وانظر البرهان: 4/83، وتفسير الصافي: 4/328.

([588])     هذا لفظ الكليني في الكافي.

([589])     هذا لفظ القمي في تفسيره.

([590])     البرهان: 4/83.

([591])     غافر: 12.

([592])     أنظر: تفسير الطبري: 24/48، تفسير البغوي: 4/93-94، تفسير ابن كثير: 4/79-80، السعدي: 6/512.

([593])     البرقي/كنز جامع الفوايد ص277، بحار الأنوار: 23/364، وانظر تفسير القمي: 2/256، أصول الكافي: 1/421، البرهان: 4/93-94، تفسير الصافي: 4/337.

([594])     بحار الأنوار: 23/390.

([595])     النساء: 48.

([596])     أصول الكافي: 1/437.

([597])     أمالي الصدوق: ص363، بحار الأنوار: 23/99. 

([598])     الطبري/ بشارة المصطفى: ص117-119، البحار: 23/103، وسائل الشيعة: 4/1142.

([599])     وهو أحد أبواب بحار الأنوار: 26/319.

([600])     بحار الأنوار: 26/325.

([601])     بحار الأنوار: 94/29.

([602])     بحار الأنوار: 94/29-30.

([603])     منهاج السنة: 2/124.

([604])     فروع الكافي: 1/324.

([605])     انظر الكليني: /فروع الكافي: 1/324.

([606])     الشورى: 21.

([607])     أصول الكافي: 1/441، بحار الأنوار: 25/340.

([608])     جاء في أخبارهم "…عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله –عليه السلام- إني رجل كثير العلل والأمراض، وما تركت دواء إلا تداويت به، فقال لي: أين أنت من طين قبر الحسين بن علي فإنه شفاء من كل داء وأمناً من كل خوف.(أمالي الطوسي: 1/326، وبحار الأنوار: 101/119.  

([609])     وقد اخترعوا في ذلك حكايات وأساطير، وكل واحد من أصحاب هذه الحكايات يسوق قصة مرضه، وتعذر شفائه، وما أن يأكل من طين الحسين حتى ينهض كأن لم يكن به علة، يقول أحدهم في نهاية حكايته: "فلما أستقر الشراب في جوفي فكأنما نشطت من عقال".(بحار الأنوار: 101/120-121، كامل الزيارات: ص275). 

([610])     قال أبو عبد الله: "حنكوا أولادكم بتربة الحسين فإنه أمان".(كامل الزيارات ص278، بحار الأنوار: 101/124). 

([611])     جاء في تهذيب الأحكام للطوسي "عن محمد الحميري قال: كتبت إلى الفقيه (إمامهم المنتظر) أسأله هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر؟ وهل فيه فضل؟ فأجاب –وقرأت التوقيع ومنه نسخت- : تسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أن المسبح ينسى التسبيح ويدير السبحة تكتب له ذلك التسبيح (تهذيب الأحكام: 6/75، بحار الأنوار: 101/132-133). وفي رواية أخرى عندهم: "إذا قلبها ذاكراً الله له عشرين حسنة" (تهذيب الأحكام 6/75، بحار الأنوار 101/132).   

([612])     بحار الأنوار: 94/193، 222،229، 265، 297.

([613])     وسائل الشيعة: 5/208-213.

([614])     بحار الأنوار: 91/226-251.

([615])     انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/96-97، شرح العقيدة الطحاوية: ص17-18.

([616])     مرآة الأنوار: ص59، وقد نقل ذلك عن بصائر الدرجات للصفار.

([617])     انظر: أصول الكافي: 1/407-410.

([618])     المفيد/الاختصاص ص327، بحار الأنوار: 27/33، البرهان: 2/482.

([619])     أصول الكليني: 1/440،441،442،445.

([620])     انظر: بحار الأنوار، باب جوامع معجزاته(يعنون علياً): 42/17-50، وفيه 17 رواية. 

([621])     أصول الكافي: 1/457، وانظر بحار الأنوار: 41/192.

([622])     بحار الأنوار: 41/194.       

([623])     المصدر السابق: 41/198.

([624])     السابق: 41/201.

([625])     الأعراف: 188.

([626])     النحل: 53.

([627])     من لا يحضره الفقيه: 1/95-2/342، وسائل الشيعة: 8/253.

([628])     اعتقاد فرق المسلمين والمشركين: ص97.

([629])     منهاج السنة: 1/20.

([630])     الفرق بين الفرق: ص65.

([631])     الفصل: 5/40.

([632])     أصول الكافي: 1/105، وبحار الأنوار: 3/288.

([633])     ابن بابويه/ التوحيد: ص104، بحار الأنوار: 3/291.

([634])     الشورى: 11.

([635])     لمعرفة المزيد من الشواهد انظر كتاب: التوحيد لابن بابويه، باب أنه عز وجل ليس بجسم ولا صورة ص: 97-104، وفيه عشرون رواية، وأصول الكافي: باب النهي عن الجسم والصورة: 1/104-106، وفيه ثماني روايات.

([636])     منهاج السنة: 20/144.

([637])     انظر منهاج السنة: 1/229،356.

([638])     أعيان الشيعة: 1/461.

([639])     المصدر السابق: 1/453.

([640])     وقد سئل شيخ الإسلام عمن قال ذلك فأفتى بكفره وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بأنه يكفر ولو قال: أنا لا أكذب قوله تعالى: ]وكلم اللهُ موسى تكليماً[[النساء: 164]، بل أقر بأن هذا اللفظ حق ولكن أنفي معناه وحقيقته، وقال بأن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة (انظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية: 1/474، أو مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/502، وقال في موضع آخر إن سلف الأمة وأئمتها كفروا الجهمية الذين قالوا: إن الله خلق كلاماً في بعض الأجسام سمعه موسى وفسر التكليم بذلك: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 12/533).   

([641])     العياشي: 1/8.

([642])     قال ابن حجر: الجعد بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة: (لسان الميزان: 2/105، ميزان الاعتدال: 1/399، ابن نباتة: سرح العيون: ص293-294.

([643])     اللالكائي/ شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ص382.

([644])     انظر: ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: 1/127، مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/20، وانظر: درء تعارض العقل والنقل: 5/244.

([645])     انظر: ابن الأثير/ الكامل: 5/294، ابن تيمية/ الحموية: (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 5/20-21.

([646])     تاريخ بغداد: 7/61.

([647])     بحار الأنوار: 4/31 وعزاه إلى أمالي الصدوق.

([648])     الأعراف: 180، أصول الكافي: 1/143-144.

([649])     أصول الكافي: 1/415، بحار الأنوار: 24/194.

([650])     ابن بابويه/ التوحيد: ص164، بحار الأنوار: 24/ 198.

([651])     بحار الأنوار: 24/191-203.

([652])     رجال الكشي: ص211 رقم(374)، وانظر: بحار الأنوار: 24/180، بصائر الدرجات: ص151. 

([653])     انظر: أصول الكافي: 1/258،260،262.

([654])     أصول الكافي: 1/257.

([655])     وقد نسب الأشعري هذا المذهب إلى جمهور الرافضة، انظر: مقالات الإسلاميين: 1/125.

([656])     منهاج الكرامة في معرفة الإمامة: ص1.

([657])     انظر: وسائل الشيعة: باب استحباب الشهادتين والإقرار بالأئمة بعد كل صلاة: 4/1038.

([658])     يعني عكرمة مولى ابن عباس العلامة الحافظ المفسر (انظر: سير أعلام النبلاء: 5/12). 

([659])     فروع الكافي: 1/34.

([660])     فروع الكافي: 1/34.

([661])     انظر أخبارهم في ذلك في: فروع الكافي: 1/53، تهذيب الأحكام: 1/91، وسائل الشيعة: 2/843.

([662])     وسائل الشيعة: 2/862.

([663])     أصول الكافي: 2/463-464.

([664])     رجال الكشي: ص431، وأورد الكشي عدة روايات متشابهة لما ذكر: ص431-432.وانظر في مسألة الضمان هذه: أصول الكافي: 1/474،475، رجال الكشي: ص447-448، 484، ورجال الحلي: ص98،185.

([665])     تاريخ الطبري: 8/190.

([666])     أوائل المقالات: ص14،15.

([667])     السابق: 16،10.

([668])     الاعتقادات: ص 116، وانظر: الاعتقادات للمجلسي: ص100.

([669])     الفتاوى: 6/55.

([670])     كنز جامع الفوايد: ص334، بحار الأنوار: 23/ 320.       

([671])     المعالم الزلفى: ص249.

([672])     وسائل الشيعة: 10/318، فروع الكافي: 1/325.

([673])     الطوسي/ التهذيب: 2/16.

([674])     بحار الأنوار: 26/335.

([675])     بحار الأنوار: 26/344-345.

([676])     منهاج السنة: 2/158.

([677])     التكوير: 19-20.

([678])     صحيح البخاري –مع الفتح- 1/204.

([679])     صحيح البخاري –مع الفتح- 6/167.

([680])     فتح الباري: 1/204.

([681])     الجوزجاني/ أحوال الرجال ص38.

([682])     أصول الكافي: 1/240، بحار الأنوار: 26/44، بصائر الدرجات: ص43.

([683])     الأعراف: 188.

([684])     أصول الكافي: 1/239.

([685])     انظر: الشافي شرح أصول الكافي: 3/197.

([686])     النحل: 89.

([687])     صحيح الكافي: 1/31، أو أصول الكافي: 1/269، وانظر : مفتاح الكتب الأربعة: 8/64-65.

([688])     أصول الكافي: 1/227.

([689])     بحار الأنوار: 26/180.

([690])     منهاج السنة: 3/174.

([691])     بحار الأنوار: 26/282، بصائر الدرجات: ص22.

([692])     أصول الكافي: 1/409.

([693])     منهاج السنة: 2/29.

([694])     السابق: 1/229.

([695])     السابق: 2/29.

([696])     رجال الكشي: ص108-109.

([697])     الحر العاملي/ الفصول المهمة في أصول الأئمة ص142.

([698])     المظفر/ عقائد الإمامية ص103.

([699])     الكليني/ أصول الكافي: باب ما نص الله ورسوله على الأئمة: 1/286 وما بعدها.

([700])     ابن خلدون/ المقدمة: 2/572 (تحقيق د. علي عبد الواحد وافي).

([701])     المائدة: 55. تلخيص الشافي: 2/10.

([702])     مجمع البيان: 2/128.

([703])     نظر-مثلاً-ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة، حيث اعتبره البرهان الأول ص147، وشبر في حق اليقين: 1/144، والزنجاني في عقائد الإمامية الاثنى عشرية: 1/81-82.

([704])     قوله"الصحاح الستة" تسمية غير سليمة، لأن أهل السنة لا يعدون جميع الكتب الستة صحاحاً، ولذا يسمونها بالكتب السته، ولكن الروافض أصحاب مبالغات وليس هذا بكثير على من يتعمد الكذب على الله ورسوله.

([705])     شبر في حق اليقين: 1/144، والزنجاني في عقائد الإمامية الاثنى عشرية: 1/81-82.

([706])     منهاج السنة: 4/1.

([707])     وهو من الكذب الذي لا يستحي الشيعة من إثباته، والغريب أن هذا الزعم يجري على ألسنة آياتهم في هذا العصر كشبر والزنجاني، فهل يخفى عليهم أن هذا لا وجود له في الكتب الستة؟! وقد توافرت اليوم الفهارس والمعاجم التي تكشف الحقيقة (راجع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ومفتاح كنوز السنة، لفظ علي بن أبي طالب، وراجع الكتب المعنية بجمع الروايات المتعلقة بتفسير الآيات وسبب نزولها: مثل (الدر المنثور: 3/104-106)وغيره، أو المعنية بجمع روايات الكتب الستة: كجامع الأصول فلا تجد لدعواهم أصلاً، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وجمهور الأمة لم تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات ولا شيء من الأمهات" (منهاج السنة: 4/5).  

([708])     تفسير ابن كثير: 2/76-77.

([709])     انظر: روح المعاني: 6/168.

([710])     انظر: منهاج السنة: 1/208-4/5.

([711])     السابق: 4/5.

([712])     السابق: 4/5.

([713])     حتى وإن ثبت أن لها سبب نزول خاص، فالعبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. 

([714])     منهاج السنة: 4/5.

([715])     المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص220-221. وراجع مختار الصحاح: مادة: "ولي".

([716])     منهاج السنة: 4/8.

([717])     السابق: 4/8. وانظر تفسير الفخر الرازي: 12/25، وتفسير الألوسي: 6/167.

([718])     وقد قدم الدكتور علي السالوس في رسالة له الإمامة عند الجعفرية والأدلة من القرآن العظيم عرضاً للآيات القرآنية الكريمة التي يستدل بها الإمامية لقولهم بالإمامة، وانتهى من ذلك إلى أن استدلالاتهم تنبني على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلاً يؤيد مذهبهم. 

([719])     شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/134 (عن السنة ومكانتها في التشريع: ص76).

([720])     ونص الحديث كما أخرجه البخاري-أن رسول الله e خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ فقال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي" (صحيح البخاري –مع الفتح- كتاب المغازي، باب غزوة تبوك: 8/12-ح4416)، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب: 2/1870-ح 2404، والترمذي: كتاب المناقب: 5/640،641-ح 3730،3731، وابن ماجة: المقدمة: 1/42،43-ح 115، وأحمد: 1/170، 173، 174، 175، 177، 179، 182، 184، 185، 330- 3/32، 338- 6/369، 438.           

([721])     يقول ابن حزم في إثبات ذلك: "وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السلام، لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله e صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.
       وإذا لم يكن علي نبياً كما كان هارون نبياً، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله e بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط.
       وأيضاً فإنما قال له رسول الله e هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله (كذا في الأصل المحقق من الفِصل، ولعلها استثقله) فخلفه فلحق علي برسول الله e فشكى ذلك إليه فقال رسول الله e حينئذ: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختاراً، ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلَفين (الفصل: 4/159-160).
       وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى (كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: 1/383- ح3632، والحاكم في مستدركه: 3/21-22، وروى الترمذي في كتاب الجهاد طرفاً منه: 4/213، فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص (المنتقى: 314-315).
       وانظر في إبطال احتجاج الرافضة بهذا الحديث: شرح النووي على صحيح مسلم: 15/174، الإمامة، والرد على الرافضة لابي نعيم: ص 221-222، منهاج السنة: 4/87 وما بعدها، المنتقى ص212،213،311،314، فتح الباري: 7/74، المقدسي/ الرد على الرافضة: ص201-208، مختصر التحفة الاثنى عشرية: ص163،164، السالوس/الإمامة عند الجعفرية في ضوء السنة: ص33-34.      

([722])     أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب: 7/70 البخاري مع الفتح، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب: 2/1871-1873.   

([723])     أي ليس هذا الوصف من خصائص علي بل غيره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولكن فيه الشهادة لعينه بذلك كما شهد للأعيان العشرة بالجنة، فهو ليس من خصائصه فضلاً عن أن يكون نصاً على إمامته وعصمته، والرافضة الذين يقولون أن الصحابة ارتدوا بعد موته e لا يمكنهم الاستدلال بهذا، لأن الخوارج تقول لهم هو ممن ارتد أيضاً، قال الأشعري: أجمعت الخوارج على كفر علي (المقالات: 1/167)، وأهل السنة يبطلون قول الخوارج بأدلة كثيرة لكنها مشتركة تدل على إيمان الثلاثة..(انظر منهاج السنة: 4/98،99). 

([724])     أخرجه الترمذي: في كتاب المناقب: 5/643- ح3736، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([725])     الحديث أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله e قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق: 1/86-ح 130، وهناك أحاديث في الأنصار مطابقة للفظ الوارد في علي رضي الله عنه، منها ما أخرجه الشيخان أن النبي e قال: " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق" البخاري –مع الفتح- كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان: 7/113- ح3783،3784، ومسلم في الموضع السابق.       

([726])     الفصل: 4/ 224. 

([727])     راجع صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: 5/303،304- ح2699، وكتاب المغازي، باب عمرة القضاء: 7/499 –ح4251.

([728])     وهو في مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: "..لما نزلت هذه الآية: ]فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم[[آل عمران: 61] دعا رسول الله e علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال اللهم هؤلاء أهلي". صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: 2/1871. وهذا" لا دلالة فيه على الإمامة ولا على الأفضلية.. والمباهلة إنما تحصل بالمقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب وإن كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود" (انظر تفصيل الرد على الروافض في احتجاجهم بهذا الحديث في: منهاج السنة: 4/34، والمقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة ص243-245.

([729])     وهو في مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرج النبي e غداة وعليه مرط(كساء) مرحّل(هو الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ]إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً[[الأحزاب، 33]: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحاية، باب فضائل أهل بيت النبي e: 2/1883- ح2424، وانظر: في الرد على تعلق الرافضة بهذا الحديث: منهاج السنة: 4/20-25، وانظر المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة ص264، مختصر التحفة: ص155-156.

([730])     منهاج السنة: 4/86.

([731])     انظر مثلاً: الموضوعات لابن الجوزي: 1/338 وما بعدها.    

([732])     المصدر السابق: 1/338.

([733])     ولاسيما في المجلد الأخير منه، وقد قام د. علي السالوس بجمع كل الأحاديث المتصلة بالإمامة والموجودة في الكتب الستة والموطأ ومسند أحمد ودرسها سنداً ومتناً، وانتهى إلى أن السنة النبوية لا تؤيد ما ذهب إليه الجعفرية في مسألة الإمامة بل تنقضه بأحاديث صحيحة ثابتة. (انظر: الإمامة عند الجعفرية في ضوء السنة).

([734])     خمّ: وادٍ بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة: (معجم البلدان: 2/389).

([735])     المائدة: 67.

([736])     بحار الأنوار: 37/108-253، 37/225.

([737])     انظر: منهاج السنة: 4/9-16، 84-87، المنتقى: ص422-425، 466-468.

([738])     انظر: رسالة في الرد على الرافضة: ص 6-7.

([739])     انظر: أبو نعيم/الإمامة والرد على الرافضة ص13، والقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص221-224، الطفيل/ المناظرة بين أهل السنة والرافضة: ص15-16ـ الألوسي/ روح المعاني: 6/192-199.

([740])     محمد بن عبد الوهاب/ رسالة في الرد على الرافضة ص13.
       والحديث أخرجه ابن ماجة: 1/43، وأخرجه الترمذي بسنه عن النبي e قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح: الترمذي: كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب: 5/633- ح 3713، وابن ماجة بسنه عن البراء بن عازب قال: "أقبلنا مع رسول الله في حجته التي حج فنزل في بعض الطرق فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم والِ من والاه، اللهم عادِ من عاداه" : ابن ماجة: 1/43، المقدمة- ح 116. لكن قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان (أحد رجال سند ابن ماجة)، وأخرجه الإمام أحمد 1/84، قال الشيخ أحمد شاكر: الحديث متنه صحيح، ورد من طرق كثيرة، وطرقه أو أكثرها في مجمع الزوائد (انظر المسند: 2/56 تحقيق شاكر، ومجمع الزوائد: 9/103-109).  

([741])     ابن حزم/ الفصل: 4/224، وانظر ابن تيمية: منهاج السنة: 4/86، والذهبي/ المنتقى(مختصر منهاج السنة) ص467.

([742])     منهاج السنة: 4/86.

([743])     منهاج السنة: 4/86.

([744])     منهاج السنة: 4/16.

([745])     فإنه قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا، كسعد الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيراً من بلاد الكفار، ونصرهم الله (مجموع فتلوى شيخ الإسلام: 4/418). 

([746])     الموضع نفسه من المصدر السابق.

([747])     منهاج السنة: 4/86.

([748])     منهاج السنة: 3/356.

([749])     نهج البل