مقدمــة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ورضي الله عن آله وصحابته الغر الميامين.
من فمك أدينك: ما كان أحرى هذا الكتاب نقدمه اليوم للمسلمين كافة في الأرض بهذا العنوان لا يزاد عليه ولا ينقص منه، لولا أنه لا يدل دلالة مباشرة صريحة على الحقائق التي أردنا عرضها على أعين الناس وعقولهم.
ويَحْسُن أن نُذَكّر القارئ أنه حين أعلن عن قيام دولة إيران الإسلامية هرعت إلى طهران الألوف من جميع أنحاء الأرض تحمل ولاءها لهذه الدولة- الذي كاد أن يكون بيعة- على رءوسها وفي صدروها. ومن عجز عن الوصول إلى طهران كان يحلق بروحه فوق قم وتبريز وطهران، ليرى بقلبه من وراء الجبال والبحار والسهول كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يتحركان من جديد فوق الأرض تقف من ورائه دولة قوية منيعة تحميه أن يعتدى عليهما، يرسمان للناس كافة مسيرتهم الإيمانية في أمل يتجاوز حدود الأرض، ويصعد بالآملين إلى ملكوت السماء وفي رجاء يحدو بأهله فوق سحب الدهر تمطر الناس بغيثها الطيب المدرار.
بيد أن سرعان ما تمزق الأمل، وغاض الرجاء حين صارت كتب الخميني وكلماته وآراؤه في الفقه والسياسة والتاريخ يسمعها أو يقرؤها بعض من حملوا الولاء بيعة لدولة إيران الإسلامية.
إن كان أكثرهم كأنهم لا يعقلون، وراحوا يتأولون ذلك أحياناً، ويتهمون خصومه بنسبها إليه زوراً وكذباً. وهكذا كان.
ولكن هل يقبل عقلاً أن تصبح الحقائق الدامغة زوراً وكذباً وهي حقائق؟ ونحن اليوم نعيش في عالم صغير لا يكاد يخفى في شيء.
إن ما نثبته في هذا الكتاب من أقوال الخميني وآرائه مدونة أو مسموعة ليس بيننا وبينها رواة متهمون، فهي حقائق مأخوذة أخذاً مباشراً عنه من كتبه المقطوع نسبتها إليه، ولم يبرأ منها، ومن صوته المسموع من إذاعة إيران حقائق موثقة بالأرقام والصفحات والأيام، وإن المسلم العاقل الذي يقيس الأمور بالإسلام لا يمكن أن يرضى لنفسه على الأقل متابعة خميني في آرائه، بل أن يسلم له بآرائه؛ لأن ذلك هو صريح الكفر عياذاً بالله.
ونحن لا نريد أن نناقش الخميني في آرائه ونحمله على التخلي عنها إلا أن يحول الله قلبه فذلك مطلب عزيز المثال، بل مرادنا أن نعرض على المسلمين كافة هذه الآراء ليروا أي دولة إسلامية تلك التي وضعت مقاليدها في يد الخميني يتصرف فيها كيفما شاء!!
خميني الفرقة... وخمائن الوحدة:
لقد كان الأجدر بالخميني إن كان يريد حقاً أن يحمل مسئولية الدولة الإسلامية أن يعمل جاهداً على جمع صفوف المسلمين على كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يثبت لهم أن ما كان يقال عن أبي بكر وعمر وجلّة الصحابة رضوان الله عليهم شيء تاريخي مضى وانقضى كما يقول بعض الجهلاء، وأنه قد آن للمسلمين أن يتلاقوا على عقيدة واحدة قوامها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحب النبي وآل بيته، وتعظيم الخلفاء الراشدين جميعاً وغيرهم من أصحاب النبي وأزواجه.
ثم أليس الأجدر بخميني وهو لا يقر إلا بحكم علي عليه السلام أن يقبل بما قبل به وشايعه عليه جلة الصحابة وغيرهم من تحكيم كتاب الله، والرضا به لوضع نهاية للحرب الضروس؟
إن الإقرار لعلي بالإمامة تفرض على خميني أن يقر له بما رآه للمسلمين قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، ولا أحسب إلا أن جميع المسلمين في الأرض من السنة والشيعة على السواء ينزلون علياً رضي الله عنه من قلوبهم منزلة يرجون بها مثوبة من الله سبحانه، ولا يرضون بديلاً عن حكمه امتثالاً لأمر الله سبحانه: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى))[الشورى:23].
إن النيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد منه إلحاق الأذى بهم، أو بمن يحبهم ويواليهم امتثالاً لأمر الله سبحانه، بل يقصد به هدم الإسلام الذي كان هؤلاء الجلّة يمثلونه خير تمثيل في أول مراحله، فهم مشاعل الأمة الذين يُهْتَدى بهديهم، ويؤُتسى بهم على مَرْ الزمان.
لقد آن للمسلمين جميعاً أن يقولوا كلمتهم في خميني ودولته القائمة على الأفكار المنحرفة عن الإسلام وجوهره النقي، ونزوعها إلى الطائفية المقيتة التي يعمل المسلمون جاهدين على إزالتها والتخلص من شرورها وما تؤدي إليه من تمزق وتفرق وكراهية وعصبية.
فهل انتبه المسلمون وقادتهم إلى هذا الداء الخبيث الذي تشري عدواه في صفوف الأمة، وكثير منهم مازالوا عنه غافلين.
----------
موقف الخميني من الصحابة
من المعلوم أن الدعوة الإسلامية قامت على جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الغر الميامين من المهاجرين والأنصار الذين جاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل دعوة الدين الجديد، وحمل الرسالة الإسلامية، وبثها بين الناس، فصاروا المثل الأعلى الذي يقتدي به كل مسلم مؤمن غيور على دينه، وأصبحوا محط فخر المسلمين واعتزازهم وقدوة لهم على توالي العصور.
ولا ريب في أن أفضل العصور في الإسلام وأكثرها نقاء هو عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين. ففي عهدهم أرسيت قواعد الإسلام، وانتشرت الرسالة الإسلامية في بقاع الأرض بجهادهم وصبرهم، وهدى الله الناس إلى الدين القويم، فدخلوا فيه أفواجاً بعد القضاء على الإمبراطورية الفارسية المجوسية من سيطرتها البغيضة، ونشر العدل والخير في ربوع الأرض، وإقامة الدولة الإسلامية العربية الموحدة القوية.
من هنا وجدنا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وعلى تعاقب العصور يعدون دروس هذه المرحلة من أبلغ دروس الرسالة الإسلامية، وأكثرها نقاء، وأصبح كل واحد من هؤلاء الخلفاء الراشدين مثلاً يحتذى بسعي كل مؤمن إلى التشبه به، والسير على طريقته، سواءٌ أكان حاكماً أم محكوماً.
وقد عمدت الحركات السياسية المعادية للعروبة والإسلام منذ صدر الرسالة إلى محاولة هدم هذا الصرح الشامخ، وتقويضه بشتى الوسائل، فقام الفرس باغتيال الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب الذي فرق إمبراطوريتهم ومزقها شر ممزق، وأصبح الفرس يحتفلون بيوم مقتله، بل يعده بعضهم عيداً ينبغي الاحتفال به. [انظر: الأنوار النعمانية للجزائري (1/108) فصل: نور سماوي يكف عن ثواب قتل عمر بن الخطاب].
كما عملوا على نشر الحركة الشعوبية التي تهدف إلى ضرب العروبة والإسلام، والطعن في رجالات المسلمين البارزين، وهم من العرب الخلص، والتقليل من شأنهم.
وكان من أخطر هذه الحركات السياسية الفارسية الباطنية تلك التي لبست لبوس الدين، مدعيةً زوراً وبهتاناً موالاة آل البيت تمويهاً وتضليلاً للناس؛ بغية الطعن في رجال الصدر الأول، من المهاجرين والأنصار من العرب وإظهار الخلفاء الراشدين مخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن جميع الصحابة رضوان الله عليهم قد ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سوى نفر يسير منهم.
وكانت هذه المحاولات بداية لسلسلة متصلة من الحركات جاءت في سيلان لا ينقطع، تريد ضرب الأمة وتاريخها وعقيدتها، وذلك عن طريق النيل من رموز الأمة وقادتها الذين صاروا بفضل جهادهم أعلاماً راسيات يقتدي بهم الخلف كابراً عن كابر.
الخميني وتصريحاته في النيل من رسول الله والصحابة:
لقد تحقق أصحاب البرامج الباطنية، ودعاة الشعوبية الزندقة أن من خصائص هذه الأمة الكريمة -التي حملها الباري تعالى أمانة التبليغ- شدة ارتباطها بقادة مسيرتها، ورموز حضارتها، ومن ثم اشتركوا جميعاً في جهد خبيث يقوم على التأمل والتلقين السّري، فتصدوا به للنيل من هذه الرموز وإسقاطها، ونشر المفتريات عنها كلها ما وجدوا إلى ذلك حيلة وسبيلاً، بعد أن يئسوا من ضرب الخلافة، وإفساد العقيدة، هدم الريادة العربية.
ولما كانت الخمينية واحدة من هذه الحركات السياسية الفارسية الباطنية المتشحة بثوب الدين، بغية تحقيق أهدافها الخبيثة في ضرب العروبة وهدم الإسلام ونشر المفتريات عن قادته وحملة رسالته، فإن مؤسسها لم يخف في كتبه وخطبه حقيقة حقده على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعنه فيهم، وتكفير الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، سواء أكان ذلك تلميحاً أم تصريحاً، وهو أمر جد واضح لمن يطالع مؤلفاته ويقرأ خطبه وتصريحاته.
ويلاحظ أن الخميني لم يكتف بتكفير عدد من كبار الصحابة، والطعن في جملتهم فحسب، بل كان دائم الكلام في رجالات العرب من محدثين وفقهاء وقضاة وخلفاء، وكان هذا الرجل مازال يعمل على هدم الإسلام من الداخل، حينما يتظاهر باعتناقه والعمل من أجله، شأنه في ذلك شأن من سبقوه من أئمة الشعوبية والزندقة ممن تظاهروا كذباً بالإسلام وادعوا النسب العلوي ليكسبوا ثقة الناس، لما لآل البيت من منزلة رفيعة في نفوسهم. فيصل به الأمر إلى التقليل من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفضيل المهدي المنتظر عليه وعلى الأنبياء والمرسلين كافة، كما صرح بذلك في كلمة وجهها (يوم 15 شعبان سنة 1400هـ/30 حزيران يوليو 1980م)، وهي خطبة مشحونة بصريح الكفر لا تخفى أهدافها على كل مسلم حريص.
وها نحن نسوق للقارئ جملة من النصوص التي تبين موقف هذا الذي ادعى لنفسه الإمامة والعصمة، وزعامة الإسلام من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ورجالات الإسلام، معتمدين على استقراء مؤلفاته المعتمدة، وخطبه الموثقة المطبوعة، والمذاعة من الإذاعة الإيرانية الرسمية.
تكفير الخميني لأبي بكر وعمر في كشف الأسرار:
(1) ففي كتابه: "كشف الأسرار" كتب الخميني فصلين كفّر فيهما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لمخالفتهما في زعمه نصوص القرآن الكريم، أول هذين الفصلين بعنوان: "مخالفة أبي بكر لنصوص القرآن" [ص111-114].
وثانيهما بعنوان: "مخالفة عمر لكتاب الله" [ص114-117] وفيهما من الكذب والافتراء والحقد الدفين على العروبة والإسلام وشعوره المريب بالدور العظيم الذي قام به الخليفتان الراشدان في إقامة الدولة العربية الإسلامية، لنشر العدالة والتوحيد في الأرض وتخليص الناس من ظلم أنفسهم وتحطيم الإمبراطورية الفارسية المجوسية التي أرادت أن تصد الإسلام عن الناس.
والخميني -كما هي عادته- يغطي كل ذلك بدعوى مشايعة آل البيت زوراً وبهتاناً لإخفاء مقاصده الخبيثة، فيقول: (وهنا نجد أنفسنا مضطرين على إيراد شواهد من مخالفتهما الصريحة للقرآن لنثبت بأنهما كانا يخالفان ذلك، وأنه كان هناك من يؤيدهما).
ثم هذا الدجال المارق ما ظن أن أبا بكر قد خالف في زعمه كتاب الله في قصة الإرث المعروفة واتهمه بوضع حديث" إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة". وقال في أول الفصل الثاني: (نورد هنا مخالفات عمر لما ورد في القرآن؛ لنبين بأن معارضة القرآن لدى هؤلاء كان أمراً هيناً، ونؤكد بأنهم كانوا سيخالفون القرآن أيضاً فيما إذا كان قد تحدث بصراحة عن الإمامة).
ويقول في حق عمر الفاروق عند كلامه المزعوم على جملة قالها في احتضار رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري، ويعتبر خير دليل لدى المسلم الغيور، والواقع أنهم ما عظموا الرسول حق قدره!!! الرسول الذي جد وكد، وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أدنيه ترن كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية والنابعة من أعمال الكفر والزندقة والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم" اهـ.
ويقول في خلاصة كلامه على سبب عدم ورود الإمامة في القرآن الكريم، ومخالفة الخليفتين الراشدين للقرآن ومتابعة المسلمين لهما ما نصه: "من جميع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئاً مهماً جداً، وأن المسلمين إما كانوا داخلين في حزب الشيخين ومؤيدين لهما وإما كانوا ضدهما ولا يجرءون أن يقولوا شيئاً أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته وحتى إذا كان أحدهم يقول شيئاً فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به" اهـ.
والخلاصة: حتى لو كانت هذه الأمور ذكر صريح في القرآن، فإن هؤلاء لم يكونوا ليكفوا عن نهجهم، ولم يكونوا ليتخلوا عن المنصب، ولكن وحيث إن أبا بكر كان أكثر تظاهراً من سواه، فإنه جاء بحديث أنهى به المسالمة، فأقدم على ما أقدم عليه بشأن الإرث كما أنه لم يكن من المستبعد بالنسبة لعمر أن يقول: بأن الله أو جبرائيل، أو النبي: قد أخطئوا في إنزال هذه الآية فيقوم أبناء العامة بتأييده كما قاموا بتأييده فيما أحدثه من تغييرات في الدين الإسلامي، ورجحوا حديثه عن الإمامة وأولي الأمر.
(وإننا هنا لا شأن لنا بالشيخين، وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرّماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين، إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى والأفاكون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي الأمر). [كشف الأسرار 107-108]
ولذلك يطلق الخميني على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (الجبت والطاغوت) ويسميهما (صنمي قريش) ويرى أن لعنهما واجب، وأن من يلعنهما ويلعن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ابنتيهما، وزوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم له فضل وأجر عظيمان، وقد أصدر الخميني مع جماعة آخرين نص الدعاء المتضمن هذه المهازل الكفرية ونحن نورده هنا بتمامه منقولاً عن تحفة العوام مقبول [ص422-423] المطبوع في لاهور:
(دعا صنمي قرش)
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد، وآل محمد، اللهم العن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وإفكيهما، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكروا وحيك، وجحدوا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرّفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلائك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك، ووليا أعداءك، وخربا بلادك، وأفسدا عبادك.
اللهم العنهما، وأتباعهما، وأولياءهما، وأشياعهما، ومحبيهما، فقد أخربا بيت النبوة وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه وعاليه يسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه، وواريا علمه، وجحدا إمامته، وأشركا بربهما،! فعظم ذنبهما، وخلدهما في سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر!
اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومؤمن أرجوه، ومنافق ولّوه، وولي آذوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر آثروه، ودم أراقوه، وخير بدلوه، وكفر نصبوه، وكذب دلسوه، وإرث غصبوه، وفيء اقتطعوه، وسحت أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وجور بسطوه، ونفاق أسروه، وغدر أضمروه، وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وأمانة خانوه، وعهد نقضوه، وحلال حرموه، وحرام أحلوه، وبطن فتقوه،وجنين أسقطوه، وضلع دقوه، وصك مزقوه، وشمل بددوه، وعزيز أذلوه، وذليل أعزوه، وذو حق منعوه، وكذب دلسوه، وحكم قلبوه، وإمام خالفوه! اللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسنة غيروها، وأحكام عطلوها، ورسوم قطعوها، ووصية بدلوها، وأمور ضيعوها، وبيعة نكثوها، وشهادات كتموها، ودعوات أبطلوها، وبينة أنكروها، وحيلة أحدثوها، وخيانة أوردوها، وعقبة ارتقوها، ودباب دحرجوها، وأزيان لزموها، اللهم العنهم في مكنون السر، وظاهر العلانية، لعناً كثيراً أبداً، دائماً دائباً، سرمداً، لا انقطاع لعدده، ولا نفاد لأمده، لعناً يعود أوله، ولا ينقطع آخره، لهم، ولأعوانهم، وأنصارهم، ومحبيهم، ومواليهم، والمسلمين لهم والمائلين إليهم، والناهقين باحتجاجهم، والناهضين بأجنحتهم، والمقتدين بكلامهم، والمصدقين بأحكامهم! قل أربع مرات: اللهم عذبهم عذاباً يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين" ثم تقول أربع مرات: اللهم العنهم جميعاً! اللهم صل على محمد، وآل محمد، فأغنني بحلالك عن حرامك، وأعذني من الفقر، رب إني أسأت وظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، وهأنذا بين يديك، فخذ لنفسك رضاها من نفسي لك العتبى لا أعود، فإن عدت فعد علي بالمغفرة والعفو لك، بفضلك، وجودك، بمغفرتك، وكرمك يا أرحم الراحمين! وصل اللهم على سيد المرسلين، وخاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
علماً بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو زوج أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء وعلى بن أبي طالب، وأخت الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين.
تكفير الخميني لعثمان بن عفان رضي الله عنه:
(2) أما الكلام على الخلفية الثالث عثمان رضي الله عنه، فهو لا يحتاج إلى إغراق، فهو عنده كافر بلا ريب تشهد على ذلك كتبه. فضلاً عن عشرات الخطب والإذاعات التي تبثها الإذاعة الإيرانية باللغتين العربية والفارسية، ومما هو معلوم عند الناس ([1]).
تجاهل الخميني للخلافة الراشدة:
(3) ولذلك فإن الخميني حينما يتحدث عن الحكومة الإسلامية الراشدة يتجاهل حكومة الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوا علياً رضي الله عنه، ولا يشير إلا إلى حكم الرسول وحكم علي، فيقول مثلاً: "لقد ثبت بضرورة الشرع والعقل أن ما كان ضرورياً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الإمام أمير المؤمنين من وجود الحكومة لا يزال ضرورياً إلى يومنا هذا". [الحكومة الإسلامية:26]
ويقول أيضاً: "وقد كان الرسول وأمير المؤمنين يقولون ويعلمون". [نفسه:74]
الصحابة من زمرة المنافقين:
(4) يعد الخميني الصحابة من زمرة المنافقين؛ لأنهم فيما زعم لم يطالبوا بحق أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بالخلافة، واتهم بعضهم بوضع الحديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مرّ بنا اتهامه لأبي بكر بذلك، كما صرح في كتابه الحكومة الإسلامية [ص:71] أن الصحابي الجليل سمرة بن جندب كان يضع الحديث أيضاً.
(5) عن عنجهية خميني الفارسية، وغروره وحقده الدفين على الإسلام والصحابة تجعله دائم التصريح بما يقلل من شأنهم، ويطعن فيهم، فقد ذكر في خطاب له لمناسبة عيد نوروز (سنة 1982)- وهو عيد الفرس ولا يمت إلى الإسلام بصلة، الذي تحتفل به في الحادي والعشرين من آذار من كل عام.
أقول صراحة: بأنه لا يوجد شعب كشعب إيران، ولا مجلس كمجلس إيران، ولا قضاء كقضاء إيران، ولا شرطة كشرطة إيران منذ صدر تاريخ العالم وحتى يومنا هذا، من أفضل العهود في الإسلام عهد الرسول الأكرم، ففي عهد الرسول الأكرم عندما كان في مكة لم تكن هناك حكومة وعندما جاء إلى المدينة وقامت الحكومة تعرفون جميعكم بأن جميع الذين كانوا معه ماذا كانوا يعملون معه، لقد كانوا يتذرعون بشتى الذرائع يعودون (من الجهاد) بذريعة ما. لقد كان النبي في عهده مظلوماً أكثر من الآن لم يكن يطيعونه.
ويقول في خطاب له لدى استقباله أئمة جمعة مازندران في (10/3/1982م): "إن الحماسة والشوق للتوجه إلى جبهات القتال والاندفاع نحو الشهادة لم يكن له نظير حتى في عهد رسول الله وأمير المؤمنين سلام الله عليه.
وهكذا لم يستثن الخميني أحداً من الصحابة، فجعلهم متخاذلين جبناء يرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القتال، فيعودون منه متذرعين بشتى الذرائع، ونسي أن الصحابة (المتخاذلين) هؤلاء هم الذي قوضوا إمبراطورية أجداده بين عشية وضحاها، وأن هؤلاء الصناديد فتحوا العالم في سنين قلائل، وكانوا دعاة حق وخير وعدل ومحبة وسماحة وسلام، ولكن حقده الدفين على العرب والمسلمين أعمى بصيرته، وجعله كحاطب ليل ولا يدري ما يحطب.
وقد امتد حقد الخميني إلى كل رجالات المسلمين في الدولة العربية الإسلامية، فقد ذكر في كلمة له في أعضاء مجلس الشورى في (1/6/1982م): "أكثر القوانين في الدولة الإسلامية كانت خلافاً لمسار الإسلام، وإن منفذي هذه القوانين ورجال القضاء كانوا ينصبون خلافاً للموازين الإسلامية، وهم الآن في النار، وبعد من يتحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنما يتحاكم إلى الطاغوت، وهو يرمي بالجهل كل الخلفاء المسلمين الذين تعاقبوا على خلافة المسلمين، فيقول عن هارون الرشيد: أي ثقافة حازها وكذلك من قبله ومن بعده؟ [الحكومة الإسلامية:132]
وهكذا يهدم الخميني كل القمم الإسلامية ابتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاء بالناس، فهو يتكلم في صحابته، ويكفرهم ويتهمهم بوضع الحديث، ويرميهم بالنفاق والجبن، ومخالفة الله ورسوله، ويلعن أمهات المؤمنين وثقات المحدثين، والفقهاء والعلماء من أهل الصدر الأول الذين أرسوا الثقافة العربية الإسلامية بعلمهم الجم، وجهادهم المتواصل، وإخلاصهم المتفاني، ويتكلم بكل قبح ووقاحة في سِير الخلفاء الذين توالوا على حكم الدولة العربية الإسلامية، فماذا أبقى من الإسلام؟ هذا هو الهدم المتعمد لكل المآثر الإسلامية والقيم الأصيلة.
الخمينـي الطائفـي
في الوقت الذي يسعى فيه المسلمون إلى توحيد صفوفهم ونبذ الخلافات المفرقة من طائفية ومذهبية وعنصرية التي جّرتْ كثيراً من الويلات على أمة العرب والمسلمين في ماضيهم وحاضرهم، ويبذلون الجهود المحمودة في هذا الاتجاه، لما فيه من مصلحة أكيدة لتضامن المسلمين، وتكثيف جهودهم في مجابهة الأخطار والتحديات المحدقة بهم، نجد هذا نصب نفسه إماماً للمسلمين يكرس الطائفية كلما وجد إلى ذلك سبيلاً، فيظهر ذلك الاتجاه في كتاباته وخطبه ودستور دولته (الإسلامية) المزعومة وتطبيقاتها العملية.
والذي يزيد في الطين بلة أن طائفية الخميني طائفية منفردة في نوعيتها؛ إذ أنها طائفية ممزوجة بالعنصرية الفارسية، حيث جعل من الإسلام الذي يعتقده ديناً قومياً فارسياً، فأصبح مغايراً في كلياته وجزئياته للدين القويم الذي جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
الدين الرسمي لإيران الإسلام والمذهب الجعفري:
فلأول مرة في تاريخ الحكومات الإسلامية نجد دستوراً رسمياً يكرس الأسس الفكرية لطائفة معينة في الحكم على الرغم من تعدد المذاهب الإسلامية، فينص على أن الدستور ينطلق من قاعدة ولاية الأمر، والإمامة المستمرة، كما ينص على أن: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد" (المادة:12).
أما المذاهب الإسلامية الأخرى حنفية وشافعية ومالكية وحنبلية وزيدية، فإنه يقرر لها الحرية في العبادة والأحوال الشخصية وفق فقهها: مثلها في ذلك مثل الأقليات الدينية غير الإسلامية من زرادشت ويهود ومسيحيين. (مادة 13).
شروط رئيس الدولة عند الخميني:
وهكذا وضع الخميني تكريساً أبدياً لطائفية في أعلى قانون للبلاد هو الدستور، وجعل المذاهب الإسلامية الأخرى منزلة مساوية لمنزلة المجوس واليهود والنصارى.
ثم مزج الطائفية بعنصرية إيرانية واضحة حينما نص في الدستور على الشروط التي ينبغي توفرها في رئيس هذه الدولة (الإسلامية).
أن يكون فارسي الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية مؤمناً ومعتقداً بمبادئ الجمهورية الإسلامية، والمذهب الرسمي للدولة (المادة 115).
وهكذا حرم كل المسلمين من الترشيح لرئاسة دولته (الإسلامية) من غير الإيرانيين، كما حرم كل متبع لمذهب يغاير مذهبه من الترشيح لها، وهو أمر لم يشهد التاريخ له مثيلاً في التعصب الطائفي العنصري المقيت.
وقد أبانت الممارسات التي قام بها رجال الخميني بعد قيام دولته الانحياز التام للعنصر الفارسي دون الأقليات القومية الإيرانية الأخرى ممن يعتنقون الإسلام، وهو انحياز لم يعد خافياً على أحد، تمثل في تصديهم لأبسط حقوق العرب في عربستان والأكراد في كردستان والبلوش وغيرهم.
طهران خالية من مساجد السنة:
كما أن العاصمة الإيرانية طهران خالية من أي مسجد لأهل السنة يقيمون فيه الجمعة، ويذكر العلامة محمد عبد القادر آزاد رئيس مجلس علماء باكستان الذي زار إيران عدة مرات بدعوة من الحكومة الإيرانية الخمينية، كان آخرها سنة (1402هـ)، إنه منذ ثلاث سنوات وعد الخميني في لقاء مع وفد أهل السنة برئاسة الأستاذ عبد العزيز رئيس الخطباء لأهل السنة بزاهدان بإعطاء قطعة من أرض يشاد عليها مسجد لأهل السنة في طهران، وزعم دفع ثمنها، وقد أصدر الخميني الأمر لغصب الثمن المسدد، والسجن لمن سدد هذا الثمن.
ويقول أيضاً: ورغم مطالبتي للخميني في العام الماضي بإنجاز وعده لأهل السنة، فوجئت في المؤتمر الذي حضرته هذا العام (1402هـ) أن قال لي بعض أنصاره: لو أعطينا قطعة الأرض ليقام عليها مسجد لأهل السنة، فإنه يصبح مسجد ضرار. [الفتنة الخمينية:115]
00000000000
([1]) وجهت مجلة الشهيد الإيراني في عددها رقم (38) الصادر بتاريخ (9/4/1980)، اتهاماً إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بأنه كان طاغية يعذب صحابة رسول الله ظلماً!.
بعض عقائد وأفكار الخميني
والحق أن الخميني لم ينطلق هذا المنطلق من عبث، فإنه تراثه الفكري المتمثل بكتاباته العقائدية والفقهية والسياسية، يشير من غير لبس إلى أن التجسد الكامل لكل النوازع والأهواء، والبدع التي اعتنقتها طوائف الغلاة والزنادقة، وجعلت منها دستوراً لحياتها التي قامت على الإباحة، وإسقاط التكاليف، والتشنيع على العرب المسلمين تحت ستار مصطنع ومختلق من الأممية، والدعوة إلى "التسوية" وسواهما من البراقع التي أخفت وراءها حقائق برامجها الهدامة.
اعتقاد الخميني أنهم الفرقة الناجية وغيرهم في النار:
(1) في خطاب له في (21/6/1982م) أكد الخميني أن أتباعه هم وحدهم الفرقة الناجية، وأن جميع المسلمين الآخرين في النار.
اعتقاد الخميني أن دين مخالفيه ناقص:
(2) أنه يعتقد أن (دين مخالفيه ناقص لم يكتمل فيقول في رسالته" التعادل والترجيح" (ص:26).
والذي يمكن أن يقال: (إن على اختلاف الأحكام بين العامة والخاصة واختفائها عن العامة، وتأخير الخصوصيات كثيرة من: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بلغ جميع الأحكام الكلية على الأمة، ولكن لم تكن دواعي الحفظ في صدر الشريعة وأول بدء الإسلام قوية.
فالسبب في هذا النقصان عند الخميني أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا على استعداد لحفظ الأحكام الإسلامية؛ لأنهم ما صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أجل الدنيا؛ ولأن هذا العلم مقصور على الأئمة الذين يمثلون (مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) فيقول في (ص27): من رسالته: "التعادل والترجيح" آنفة الذكر ومنها: "أن الأئمة عليهم السلام لامتيازهم الذاتي من سائر الناس في فهم الكتاب والسنة، بعد امتيازهم منهم في سائر الكمالات فهموا جميع التفريعات المتفرعة على الأصول الكلية التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل بها الكتاب الإلهي، تفتح لهم من كل باب فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة ألف باب حين كان غيرهم قاصرين، فعلم الكتاب والسنة وما يتفرع منها من شعب العلم ونكت التنزيل موروث لهم خلفاً عن سلف، وغيرهم محرومون بحسب نقصانهم عن هذا العلم الكثير النافع فيعولون على اجتهادهم الناقص"ا هـ.
اعتقاد الخميني وجوب مخالفة أهل السنة:
(3) وجوب مخالفة أهل السنة في كل شيء حتى في الأخبار بحيث إن مقياس صحة الخبر عنده هو مخالفة أهل السنة، وذلك متأت عن اعتقاده الجازم بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسألون الإمام علياً رضي الله عنه عن مسائل فإذا عرفوها، وضعوا ما يناقضها، فكتب بحثاً في رسالته"التعادل والترجيح" (80-81): في حالة الأخبار الواردة في مخالفة العامة (أي: أهل السنة) وهي أيضاً طائفتان: إحداهما: ما وردت في خصوص الخبرين المتعارضين، وثانيها: ما يظهر منها لزوم مخالفتهم وترك الخبر الموافق لهم مطلقاً. ثم أورد الخميني مجموعة من الأقوال المنسوبة إلى الأئمة عليهم السلام زوراً في وجوب مخالفة أهل السنة، وعلق عليها بقوله: "ولا يخفى وضوح دلالة هذه الأخبار على أن مخالفة العامة مرجحة في الخبرين ا لمتعارضين. مع اعتبار سند بعضهما، بل صحة بعضها على الظاهر، واشتهار مضمونها بين الأصحاب، بل هذا الترجيح هو المتداول العام الشائع في جميع أبواب الفقه وألسنة الفقهاء" هـ.
أما في الفتيا، فإنه يرى أن أتباعه إذا عاشوا في بلد ليس فيه من علمائهم وأرادوا أن يعرفوا حكم مسألة ما من علمائهم، فما عليهم إلا أن يسألوا عالماً من طائفة أخرى ويأخذون بخلاف ما قال، فيكون ذلك هو الصواب (ص:82 من الرسالة السابقة).
نتيجة بحث الخميني ومؤداه:
وقد انتهى الخميني من بحثه إلى نتيجة يقرر بها ذلك فيقول: "فتحصل من جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا: أن المرجح المنصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة، فأي سنة هذه التي تخالف مجموعة المذاهب الإسلامية الأخرى ولو كانت هذه المخالفة قائمة على أساس من دليل العقل أو الترجيح في الأدلة؟! وعد ذلك من أوجه الخلاف المقبولة بين أئمة التشريع، مما يتسع لها صدر الشريعة بإجماع الآراء.
ولكن أن يكون مستند هذه المخالفة مجرد الطعن في وحدة الأمة، ويهدف إلى تمزيق الألفة بين أبنائها، فذلك ما لا يجيء إلا من صاحب فتنة سوداء يريد الشر للأمة وعقيدتها سواء بسواء، فينخرط في سلك أسلافه من الأيام مسلمية والبابية والقرامطة، وسائر صنوف الزنادقة ممن حاولوا تحت شعار العودة إلى الإسلام هدم الإسلام، وذبح أهله، وتدنيس مقدساته، والتشهير بالعرب مادة الإسلام وحملته!!
(4) ويرى الخميني أن وضع اليد على الأخرى في الصلاة من مبطلاتها فيقول في كتابه الوسيلة (1/280): مبطلات الصلاة أمور، أحدها: الحديث، ثانيهما: التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الآخر نحو ما يصنعه غيرنا، ولا بأس به حال التقية". فانظر كيف يعلم أتباعه التقية إن أرادوا الصلاة مع أصحاب المذاهب الأخرى!!
إعراض الخميني عن كل المذاهب الأخرى:
(5) يعرض الخميني إعراضاً تاماً عن كل كتب المذاهب الأخرى، ويرفض الاستدلال بأية رواية منها، ولاسيما في كتابه: الحكومة الإسلامية" ولا يؤمن بالنصوص التي جاءت في كتب مذهبه. وهو أمر في غاية التعصب والطائفية.
كل هذه الأمور وغيرها مما تزحزح به كتابات الخميني، وتوضح من غير شك طائفية هذا الذي اتخذ الدين ستاراً لتحرير أهدافه التوسعية العدوانية، وعمله الدائم من أجل هدم الإسلام، وتفتيت وحدة المسلمين، وهو لم يؤمن يوماً بإقامة غير الدولة الفارسية، وقد وجهت إليه صحيفة الكفاح هذا السؤال: "الحكومة الإسلامية التي تدعون إليها هي الدولة الإسلامية القديمة تحاولون إحياءها أم إنها عمل تجديدي".
فأجاب: " لقد حاول أصحابنا منذ البداية تأسيس دولة العدل الإسلامية؛ ولأن هذه الدولة أو هذه الحكومة وجدت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الإمام علي عليه السلام، فإننا نؤمن بأنها قابلة للتجديد.
فلينتبه المسلمون إلى مقاصد الدجال الخبيثة في هدم كل القيم الإسلامية الأصيلة، والطعن في كل ما يفخر به العرب والمسلمون من رجال عظماء وقادة ومفكرين، عن طريق تولي بعضهم في الظاهر، وتكفير جملتهم، فماذا أبقى من تاريخنا المجيد وقممه المشرفة.
كف العصابة عما شجر بين الصحابة
المقدمة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد كثر في هذه الأيام الطعنُ في أصحاب رسول الله من الرّوافض الجدد وممن سار في ركبهم من بعض الكتّاب والصحفيين، بل وصل الأمر إلى أن يطعن أمثال أسامة أنور عكاشة في بعض الصّحَابة على الملأ وفي بعض الفضائيات.
إن هذه الهجمة الشرسة هي جزء من مخطط منظم للنيل من الصحابة الكرام، أهل الدين والعرفان؛ وسبب هذه الهجمة من معروف سلفاً كشف عنه الإمام أبو زرعة –رحمه الله- حينما قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق، يريدون أن يجرحوا شهودنا، هذه الكلمة التي قالها أبو زرعة الإمام –رحمه الله- تكشف لنا بوضوح ما يرمي إليه أهل الزَّيغ والضلال من الطعن في الشريعة، حيث لا يستطيعون الطّعن فيها مباشرة، فيعمدون إلى الطعن في نَقَلَتِهَا وهم الصحابة الكرام، ومن ثمَّ يتمُّ لهم ما أرادوا من زعزعة الثقة بالشرع المطهر ولن يحدث بإذن الله؛ لذا فقد جمعت هذه الرسالة وسميتها: "كفُّ العصابة عما شَجَرَ بين الصحابة". بيّنت فيها موقف أهل السنة من هذه المسألة.
أسأل الله تعالى أن يدّخر لي ثوابها عنده وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فصل/ في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
لقد تواترت الفضائل بذكر مناقب الصحابة رضي الله عنهم وَأَلَّف العلماء في ذلك كتباً جمة، بل ألّفوا في فضائل الصحابي الواحد بعد الآخر.
وتضمنت الآيات القرآنية الثناء عليهم رضي الله عنهم، وهذه وحدها وسام على صدورهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
فقد وصفهم الله تعالى بالسابقين وأن الله تعالى رضي الله عنهم، بل وجعل جزاءهم الحسنى وهي الجنة.
وأدلة ذلك في الكتاب كثيرة منها:
- قال الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
- وقال سبحانه ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً)) [الفتح:29].
- وقال سبحانه: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10].
- وقال سبحانه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:8-10].
- وقال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [الأنفال:72].
- وقال سبحانه: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
وكذلك جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بمدحهم والثناء عليهم والنهي عن سَبِّهم.
- فمن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). قال عمران:" فلا أدري: أَذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة"([1]).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلُ النّارَ إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها..". الحديث([2]).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تَسُبّوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحدِ ذهباً، ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفة)([3]).
- وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة، خير من عبادة أحدكم أربعين سنة "وفي رواية" خير من عمل أحدكم عمره)([4]).
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حبهم من علامات الإيمان، وبغضَهم من علامات النّفاق فقال: (آية الإيمان حبُّ الأنصار، وآية النفاق بغضُ الأنصار)([5]).
- وعن جابر رضي الله عنه قال: (استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة)([6]).
بل كان استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كذلك بعد موتهم: ففي حديث عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظ من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له، وارحمه وعافه وأعف عنه وأكرم نزله..) الحديث([7]).
وبعد: أوليست هذه الأحاديث كلها والآثار تدلُّ على فضائل أصحابه صلى الله عليه وسلم على الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة؟!.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو لأصحابه بالمغفرة، وهذه منقبة عظيمة لهم. ودعاؤه صلى الله عليه وسلم مستجاب لاشك. أفيظن رجل أن يدعو لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغفرة ولا يغفر لهم الله اللهم لا.
- فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (ما نسينا الغبار عن شعر صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اللهم إن الخير خير الآخر، فاغفر للأنصار والمهاجرة..) الحديث([8]).
وعن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول ا لله صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزاً ولحماً، أو قال ثريداً فقلت غفر الله لك يا رسول الله قال: ولك، قلت: استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، ولك، وتلا: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ))([9]).
--------------
([1]) رواه البخاري في مواضع منها الشهادات (5/258-259)، فضائل الصحابة (7/3)، ومسلم في فضائل الصحابة (4/1964).
([2]) رواه مسلم في فضائل الصحابة (4/1942).
([3])
([4]) رواه البخاري في فضائل الصحابة (7/21)، مختصراً ومسلم في فضائل الصحابة، (4/1967-1998)، واللفظ له.
([5]) رواهما الإمام أحمد في فضائل الصحابة (20،15) وابن ماجة (162) وابن أبي عاصم في السنة (1040) بإسناده صحيح.
([6]) رواه البخاري (1/62)، ومسلم (1/85).
([7]) رواه الترمذي (3853)، وقال حسن صحيح غريب.
([8]) رواه مسلم (73 ،2916)
([9]) رواه مسلم (2346)، وأحمد (5/82).
فصل/ في اعتقادنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
في هذا الفصل نجمل اعتقادنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول وبالله التأييد وبيده التوفيق.
تعتقد أن الصحابة هم أفضل وخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يختار الله تعالى لصحبة نبيه إلا خير وأفضلهم ديناً وحسباً ونسباً، فنحن نحبهم ولا نغالي فيهم، ونواليهم ولا نسبهم، ونبغض من يسبهم ويعاديهم، ونتهمه بالبدعة وسوء القصد كما نعتقد أن بعض الصحابة أفضل من بعض فتقدم أبا بكر رضي الله عنه، ثم عمر ثم عثمان ثم علي، على ترتبيهم في الخلافة.
نقول: لكل منهم سابقة ولكل منهم فضل لا ينكره إلا جاهل أو جاحد أو مكابر، ونمسك عما شجر بينهم من قتال ولا ننشر ذلك بين الناس ونقول ما وقع منهم من قتال صدر عن اجتهاد منهم فهم متقلبون بين أجر وأجرين، وقد سبقت لهم من الله تعالى الحسنى، والله يغفر لهم إما بتوبة ماضية أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك، ونقول كما علمنا الله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [ الحشر:10].
فينبغي أن ندعو لهم، ونطهر ألسنتنا من الخوض فيهم كما طهرنا سيوفنا عما شجر بينهم، ونعتقد أنهم خير القرون بشهادة النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، كما نوقن أن من علامات أهل البدع الوقيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينبغي أن ننشر فضائلهم في المجالس ونعطرها بمناقبهم، ولا نشحن قلوب الناس عليهم بذكر ما شجر بينهم، ونعتقد أن حبهم من الإيمان وموالاتهم، ونتقرب إلى الله تعالى بحبهم، ونسأل الله تعالى أن نحشر معهم، فويلٌ لمن وقع فيهم أو ملأ قلبه حقداً ودغلاً عليهم، أو أبغضهم وآذاهم، أو سبّهم وعاداهم، فلا أربح الله تجارته في الدنيا والآخرة، ولا جمع الله شمله. بل نسأل الله تعالى أن يجعله عبرة للمعتبرين، وعطفه للسالكين.
------------
فصل/ ذكر أقوال أهل السنة في الكف عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم
في هذا الفصل سننقل أقوال أهل السنة في الكف عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، وذلك ليقف المسلم على مذهب أهل السنة في هذه المسألة. فمن ذلك قوله الإمام شهاب بن خراش –رحمه الله-: "أدركت من صَدَرةٍ هذه الأمة وهم يقولون: اذكروا في المجلس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تأتلف عليه القلوب ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا عليهم الناس"([1]).
- وقال إبراهيم بن آزر الفقيه: "حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعلوية؟ فأعرض عنه، فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال اقرأ: ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ))([2]).
وقال أيضاً: "هذه دماء طهر الله منها أيدينا فلنكف عنها ألسنتنا"([3]).
- جاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي –رحمه الله- فقال له: "إني أبغض معاوية، فقال له الإمام: ولما؟ قال: لأنه قاتل علياً بغير حق، فقال له الإمام –رحمه الله- رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فما دخولك بينهما"([4]).
- وقال الإمام الطحاوي –رحمه الله-: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان... ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه المطهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق"([5]).
- وقال الإمام ابن قدامة –رحمه الله-: "ومن السنة قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) الآية [الحشر:10].
وقال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29].
ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء([6]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.. ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة أو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم.. ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت يقول أو فعل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغيّر عن وجهه والصحيح منه: هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنهم خير القرون)([7]). وأن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم"([8]).
ثم إذا صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه أو أتي بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كُفَّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المخففة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، ومن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما منّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد ا لأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله"([9]).
وقال أيضاً: "وكذلك نؤمنُ بالإمساك عما شجر بينهم (أي الصحاب) ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين فلم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح المغفور لهم خطؤهم، وما كان من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله يغفرها لهم إما بتوبة أو بحسنات ماحقة أو مصائب مُكفّرة أو غير ذلك، فإنهم خير هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم"([10]).
- وقال الحافظ الذهبي –رحمه الله-:"سبيلنا الكف والاستغفار للصحابة ولا نحب ما شجر بينهم ونعوذ بالله منه"([11]).
- وقال أيضاً: "معاذ الله أن نشهد على أتباع الزبير أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوض أمرهم إلى الله ونستغفر لهم"([12]).
- وقال أيضاً::نحمد الله أن أوجدنا في زمان قد أنمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصّرنا فغذرنا، واستغفرنا وأحببنا باقتصاد" وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور وقلنا كما علمنا ربنا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
وترضّينا عمن اعتزال الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق، وتبرأنا إلى الله من الخوارج المارقين الذين حاربوا علياً وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار قد مرقُوا من الدين ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار كما نقطع لعبدة الأصنام"([13]).
- وقال أيضاً: "ولا نذكر أحداً من الصحابة إلا بخير ونترضى عنهم، ونقول هم (أي معاوية وأصحابه) طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار (تقتلك الفئة الباغية)، فنسأل الله أن يرضى عن الجميع وأن لا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين ولا نرتاب أن علياً أفضل من حاربه وأنه أولى بالحق رضي الله عنه"([14]).
- وقال أيضاً: "ما نقرّر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنه أجمعين وما زال يمر بنا في الدواوين والكتب والأجراء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه، وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء، وقد يُرخّصُ في مطالعة ذلك خلوةُ للعالم المنصف العري عن الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى.." إلى أن يقول: "فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفّرة لما وقع منهم وجهاد محَّاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، ونقطع بأن بعضهم أفضل من بعض.. فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا تعرّج عليه ولا كرامة فأكثره باطل وكذب وافتراء ودأب الروافض رواية الأباطيل أو ردّ ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة من ربه سكران"([15]).
- وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي في معتقد أهلي السنة: "ويرون تعلُّمَ العلم وطلبه من مظانَّه، والجدّ في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره، وسماع سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وجمعها، والتفقه فيها، وطلب آثار الصحابة، والكف عن الوقيعة فيهم، وتأول القبيح عليهم، ويكلونهم في جرى بينهم على التأويل إلى الله عز وجل"([16]).
- وقال العلامة سعد الدين التفتازاني: "ويجب تعظيم الصحابة والكف عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهرة الطعن فيهم على محامل وتأويلات سيما المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، ومن شهد بدراً وأحداً والحديبية، فقد انعقد على علو شأنهم الإجماع، وشهدت بذلك الآيات والأخبار الصحاح، وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب وكف اللسان عن الطعن فيهم([17]).
- وقال عبد الله بن سوار العنبري قاضي البصري المتوفي سنة 228هـ: "السنة عندنا تقديم أبي بكر وعمر وعثمان والحب للصحابة جميعاً، والكف عن مساوئهم، وعظيم الرجاء لهم"([18]).
قلت: ولهذا كان السلف يوصون بعدم الخوض فيما شجر بين الصحابة.
- وقال الشافعي –رحمه الله- للربيع: "أقبل مني ثلاثة أشياء لا تخض في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خصمك النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولا تشتغل بعلم الكلام فإني أطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم، فإنه يجر إلى التعطيل"([19]).
- وقال سفيان الثوري –رحمه الله-: "لا تشتم السلف وادخل الجنة بسلام"([20]).
- وقال العلامة السفاريني –رحمه الله-:
واحذر من الخوض الذي قد يزري بفضلهم مما جرَى لو تدري
فإنّه عن اجتهاد قد صدر فاسلم أذّل الله من لهم هجر
قال: "ولهذا اتفق أهل الحق ممن يعتد به في الاجتماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وثبوت عدالتهم، ولهذا قال علماؤنا كغيرهم من أهل السنة ومنهم ابن حمدان في "نهاية المبتدئين": يجب حب كل الصحابة والكف عما جرى بينهم كتابة وقراءة وإقراءً وسماعاً وتسميعاً، ويجب ذكر محاسنهم والترضي عنهم والمحبة لهم وترك التحامل عليهم واعتقاد العذر لهم وأنهم إنما فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يوجب كفراً ولا فسقاً بل ربما يثابون عليه؛ لأنه اجتهاد سائغ، ثم قال يعني ابن حمدان: "والمصيب عليّ ومن قاتله فخطؤه معفو عنه".
- وقال السفاريني: "والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تركية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم.
- وقال في شرحه للنظم السابق: "وإنما نهى عن الخوص؛ لأن الإمام أحمد كان ينكر على من خاص، ويسلم أحاديث الفضائل، وقد تبرأ رضي الله عنه ممن ضللهم أو كفّرهم وقال السكوت عما جرى بينهم"([21]).
- وقال الشيخ عدي من مسافر في بيان معتقد أهل السنة " والكف عن ما شجري بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشر محاسنهم والكف عما جري بينهم وأن الله قد غفر لهم وعلّم نبيه أنهم سيقتتلون"([22]).
- وقال الحافظ ابن حجر –رحمه الله-: "واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب وما وقع لهم من ذلك ولو عُرف المحقّ منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين"([23]).
- وفي ترجمة ابن الداعي من "السير" قال الحافظ الذهبي –رحمه الله-: "قال أبو علي التنوخي حدثنا أبو الحسن بن الأزرق قال: "كنت بحضرة الإمام عبد الله بن الداعي فسأله أبو الحسن المعتزلي عما يقول في طلحة والزبير فقال: " أعتقد أنهما من أهل الجنة، قال: ما الحجة، قال: قد رويت توبتهما والذي هو عمدتي أن الله بشرهما بالجنة، قال: فما تنكر على من زعم أنه عليه السلام قال: (إنهما من أهل الجنة، ومقالته: فلو ماتا لكانا في الجنة، فلما أحدثنا زال ذلك قال: هذا لا يلزمن وذلك أن نقل المسلمين أن بشارة النبي صلى الله عليه وسلم سبقت لهما فوجب أن تكون موافاتهما القيامة على عمل يُوجب لهما الجنة وإلا لم يكن ذلك بشارة، فدعا له المعتزلي واستحسن ذلك، ثم قال: ومحال أن يعتقد هذا فيهما، ولا يعتقد مثله في أبي بكر وعمر إذ البشارة للعشرة"([24]).
-------------
([1]) سير أعلام النبلاء (8/285).
([2]) مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، ص(126).
([3]) آداب الشافعي ومناقبه (314)، وعلق الشافعي على الأثر بقوله:"هذا جميل لأن سكوت الإنسان عما لا يعنيه هو الصواب".
([4]) تاريخ دمشق، للحافظ ابن عساكر"الفتح" (3/93).
([5]) شرح العقيدة الطجاوية، ص (493).
([6]) لمعة الاعتقاد، ص (29).
([7]) رواه البخاري (3651)، ومسلم (253) (212) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وقد صرح بتواتره الحافظ ابن حجر في مقدمة الإصابة (1/13).
([8]) رواه البخاري (3673)، ومسلم (2541)، (222)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
([9]) العقيدة الواسطية ، ص (119،115-122،120).
([10]) الوصية الكبرى، ص(41).
([11]) سير أعلام النبلاء (1/39).
([12]) المصدر السابق (1/39).
([13]) المصدر السابق (3/128).
([14]) المصدر السابق (8/210).
([15]) المصدر السابق (10/94،93،92).
([16]) اعتقد أهل السنة، ص (60،59)، لأبي بكر الإسماعيلي –رحمه الله- .
([17]) شرح المقاصد (5/303)، ونقله الألوسي في صبَّ العذاب، ص(396،395).
([18]) تهذيب التهذيب (5/248) لابن حجر.
([19]) توالي التأسيس ، ص (73) سير أعلام النبلاء (10/28).
([20]) الشرح والإبانة الكبرى لابن بطة ، ص (257).
([21]) لوامع الأنوار البهية (2/385-389) بتصرف. والسنة (2/536-592) لعبد الله بن أحمد.
([22]) اعتقاد أهل السنة والجماعة، ص (38)، للشيخ عدي بن مسافر تحقيق حمدي السلفي.
([23]) فتح الباري (13/37).
([24]) سير أعلام النبلاء (16/115).
--------------
نصيحة مهمة
لقد أمتاز ديننا بمزايا جليلة فمن ذلك أنه وصل إلينا بالإسناد الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المزية العظيمة، فقدتها الأمم السابقة، وكان من نتائج ذلك أن حرّفوا وبدلوا، وتسبوا أشياء إلى أنبيائهم وصالحيهم ما قالوها بل ونسبوا أشياء إلى رب الأرض والسماء ما قالها الله تعالى، ومن هنا تكمن أهمية الإسناد ومعرفته وقيمته في الرواية.
ورحم الله بن المبارك حيث قال: "الإسناد عندي من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"([1]).
فالاعتماد على الرواية الصحيحة الثابتة في إثبات واقعة من الوقائع أمر لابد منه، والسبب في ذلك أن بعض من لهم أغراض خبيثة قد حاولوا النيل من هذا الدين العظيم فدَسُّوا ما لا يصح من الأحاديث والآثار ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ثم خلف من بعدهم خلفٌ تلقفوا هذه الأخبار ونشروها، بل وزاد بعضهم فيها وعليها، ما أملاه هواه وشيطانه.
ولكن الله تعالى قيض لهذا الدين الجهابذة من النقاد والعلماء الذين ضحوا بأموالهم وأوقاتهم وصحتهم، بل وأرواحهم في كثير من الأحيان في سبيل الدفاع عن دين الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضوان الله عليهم، فكشف العلماء زيف الروايات الباطلة التي تطعن في نزاهة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنصيحتي لطالب الحق أن يحاول قدر الإمكان التثبت في الروايات، ثم إن التاريخ الإسلام قد أصابه بعض الغبار من جراء تلك المرويات المكذوبة التي نُسبت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي يراد من ورائها تشويه صورتهم، وقد حاول الغربيون من مستشرقين وغيرهم وما زالوا بث تلك الروايات الباطلة، إما بواسطة مؤلفاتهم أو بواسطة أناس ممن تربوا على أيديهم ورضعوا من فلسفاتهم، فربوهم على أعينهم ودفعوا بهم بين ظهراني المسلمين، ولعلك تسمع أسمائهم، وقد سموا بالأسماء العربية وانتسبوا إلى الإسلام فروجوا المقالات الضالة، والمؤلفات المشينة، والنشرات العقنة التي تطعن في سلف الأمة، وحاول هؤلاء الروافض الجدد أن يطمسوا كل فضيلة لأصحاب رسول ولكن الله تعالى دفع باطلهم ولا يزال بعلماء من أهل الآخرة يذبون الكذب عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرون فضائلهم.
من أمثال تلك الكتب الضالة التي تطعن في الصحابة "أضواء على السنة" لمحمود أبي ربة، ويطعن صاحب هذا الكتاب خاصة في أبي هريرة الصحابي كما أنه يردُّ عشرات الأحاديث الصحيحة، ومن تلك الكتب أيضاً: "علي وبنوه" و"الفتنة الكبرى" كلاهما لطه حسين عميل الاستشراق في الوطن العربي لا عميد الأدب العربي، لقد كان طه حسين وأمثاله يرددون مقالات المستشرقين أمثال مرجليوث وجولد تسهير، ومن لا دين ولا ورع عنده.
فواجبنا النصح وأن ينصح بعضنا بعضاً ونتواصى بالحق فيما بيننا، فلنحذر قراءة أمثال تلك الكتب، فإن النظر فيها يُقَسّي القلوب ويشحنها بالبغضاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالحذر الحذر من تلك المؤلفات، وإن من أراد أن يقرأ فيها ينبغي أن تكون عنده قاعدة سليمة واعتقاد مستقيم وهذه قراءة لتلك الكتب الضالة لا تكون لأي إنسان بل تكون للعالم الذي أوتي من العلم ما يجعله يفند الشبهات التي اشتملت عليها تلك المؤلفات ومع قراءة العالم لتلك المؤلفات ننصحه بأن يقرأها لبيان الأخطاء فيها وتحذير الناس منها يستغفر الله، فإن الزمان قصير والوقت كالسيف فالأولى أن يستغل الوقت فيما يفيد.
وقد يطالع العالم في بعض الكتب الحديثية التي اشتملت على بعض ما شجر بين الصحابة فإذا وقع تلك للعالم فليطالعه خفية ولا ينشره بين الناس حرصاً على اجتماع الناس على محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
- وما أجمل ما قال العلامة الذهبي –رحمه الله- قال: "ومازال يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء – يعني من الأخبار التي تحكي ما شجر بين الصحابة- ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه؛ لتصفو القلوب وتتوافر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى، حيث يقول: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) الآية [الحشر:10].
فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلوا في أحد منهم ولا ندعي فيهم العصمة ونقطع بأن بعضهم أفضل من بعض.. الخ.
ثم قال –رحمه الله-: "بعد كلام طويل: "وما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك- أي من حكاية ما شجر وغير ذلك من الطعن- فلا نعرج عليه ولا كرامة فأكثره باطل وكذب وافتراء ودأب الرافضي رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد ومتى إقامة من به سكران"([2]).
ثم قال: "والعاقل خصم نفسه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"([3]).
مما سبق من كلام الحافظ الذهبي يتبين:
1- عدم بث ونشر ما شجر بين الصحابة من قتال.
2- وجوب كتمان ما شجر بينهم على العامة وآحاد العلماء.
3- قد يرخص للعالم المنصف العري عن الهوى مطالعة ما شجر في الكتب والإنصاف في ذلك والاستغفار للصحابة كما علمنا الله.
4- عدم الاعتماد على ما ورد في كتب أهل البدع والروافض، وعدم الوثوق بها.
5- لا يجوز للعامي ولا أنصاف المتعلمين مطالعة كتب الروافض وأهل البدع.
6- أكثر ما ورد فيما شجر بين الصحابة لا يصح من قبل إسناده فهو إما ضعيف أو كذب أو منقطع لا يوثق بمن نقله ورواه.
7- ينبغي إعدام تلك الروايات الباطلة؛ لأنها من العلم الذي لا ينفع والذي يحرم نشره وبثه.
وفي موضع آخر يقول الحافظ الذهبي مبيناً أن من العلم الذي يحرم نشره القصص الباطلة والروايات المنكرة، فيقول –رحمه الله-: "والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علم الأوائل وإلهيات الفلاسفة)([4]). وبعض رياضتهم، بل أكثر وعلم السحر والسيمياء([5])، والكمياء والشعبذة والحيل ونشر الأحاديث الموضوعة وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة أبطال المختلفة وأمثال ذلك ورسائل إخوان الصفا([6]). وشعر يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جداً، فلنحذر ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء، فليقلل من ذلك وليطالعه وحده ويستغفر الله تعالى وليلتجئ إلى التوحيد والدعاء بالعافية في الدين"([7]).
- وما أجمل ما قال شهاب بن خراش –رحمه الله-: " أدركت من أدركت صدره هذه الأمة، وهم يقولون: اذكروا في المجلس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تأتلف عليه القلوب ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا عليهم الناس"([8]).
وبعد هذا كله أعجب كل العجب من جرأة من لا علم عنده ويتكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُطلق العنان لقلمه، ويهرف بما لا ويتكلم في مجال لا يُحْسِنه وما أجدر أن يقال لهذا وأمثاله:
- "ليس بعُشَّك فادرُج إلى خُشَكَ"([9]).
- "ودَعْ عَنْكَ الكتابة لست منها".
- "ولو سَوِّدت وَجْهَك بِالمِدادِ".
ورحمه الله على من قال:
إني امرؤ ليس في ديني لغامزه لين ولست على الإسلام طعاناً
فلا أسبُّ أبا بكر ولا عمراً ولن أسبَّ معاذ الله عثمانا
ولا ابن عم رسول الله أشتمه حتى أُلبَّس تحت الترب أكفاناً
ولا الزبير حواري الرسول ولا اهدى لطلحة شتماً عزَّ أوهاناً([10])
- لقد كان السلف رضوان الله عليهم يطردون من مجالسهم من يسبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقع فيهم؛ ففي ترجمة سلام بن سليم الحنفي وكنيته أبو الأحوص، قال العجلي: "كان ثقة صاحب سنة واتباع، وكان إذا ملئت داره من أصحاب الحديث قال لابنه أحوض: "يا بني قم فمن رأيته يشتم أحداً من الصحابة فأخرجه ما يجئ بكم إلينا)([11]).
بل لقد أفتى الإمام مالك –رحمه الله- بالهجرة من البلد التي يسب فيها السلف رضي الله عنهم([12]).
قلت: سبحان الله! فكيف لو رأى مالك –رحمه الله- ما يقع من بعض الناس من سب فاطر السموات والأرض وسب دينه، وقد هاجر الخرقي –رحمه الله- صاحب المختصر الذي شرحه ابن قدام- هاجر من بلده بغداد التي كان يسكنها لما سمع فيها من يسب الصحابة رضي الله عنهم([13]).
لقد كان العلماء يحذرون ممن يسب الصحابة ولو كان هذا الساب ممن أوتي قسطاً من العلم، فكانوا يحذرون الناس منه، ومن الأخذ عنه، فقد رَوي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عن عبد الله ابن المبارك أنه صعد على المنبر، وقال: "دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف([14]).
وما أحسن ما قال الإمام أبو زرعة –رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلم أنه زنديق"([15]).
-------------
([1]) رواه مسلم في مقدمة صحيحة رقم (32).
([2]) السير (10/94،93).
([3]) المصدر السابق.
([4]) كعلم الكلام والذي حذر منه السلف.
([5]) لعله ضرب من ضروب السحر وحيلة الباطلة.
([6]) وهي مجموعة رسائل مأخوذة من ملل ونحل شتى تشتمل على مخالفات كثيرة.
([7]) سيرة أعلام النبلاء (10/604).
([8]) أورد في السير (8/285).
([9]) مثل يضرب لمن دخل في شيء لا يحسنه أو أفتى بضلال وجهل!.
([10]) من شعر عبد الله بن المبارك –رحمه الله- أورده في السير (8/413-414).
([11]) السير (8/282).
([12])ذكر ذلك الحافظ في الفتح في كتاب الفتن.
([13])والخرفي هو عمر بن الحسين –رحمه الله- وقد أورد عن ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/288).
([14]) رواه مسلم في مقدمة صحيحه رقم (32).
([15]) رواه الخطيب البغدادي بسنده في الكفاية، ص (49).
همسة في أذن عقلاء الشيعة لماذا التجني على الصحابة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد التحية
[منشأ الخلاف بين السنة والشيعة]
إن المشكلة بين الشيعة والسنة قامت على أساس واحد وهو وصية الرسول (ص) لسيدنا علي (رض) في غدير خم.
والحديث صحيح لكن الخلاف يكمن في فهم الحديث وتفسيره، والذي بسببه حصل الشقاق الكبير بين السنة والشيعة فلنناقش هذا الخلاف برويه
[التسليم الفرضي بصحة دعوى الشيعة]
الأول: سأتفق مع كل ما جاء به الشيعة من تفسير وزيادات جاءت في نقلهم لهذا الحديث، ولم توجد في كتب الحديث السنية.
الثاني: نستنتج مما جاء في كتب الشيعة أن كل الصحابة (رض) قد نقضوا بيعة سيدنا علي (رض) بعد وفاة الرسول (ص) عدا البعض القليل جداً وهم مذكورون في كتب الشيعة.
3. لنسلم جدلا بصحة كل ما جاء بكتب الشيعة، ومن خلال هذا التسليم نستنتج:
(أ). أن الصحابة (رض) قد خالفوا وصية الرسول (ص) وبذلك خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى.
(ب). أن الصحابة (رض) الذين خالفوا أمر الرسول (ص) كانوا يسعون إلى الرئاسة.
(ج). أن الصحابة (رض) كانوا يكرهون الإمام علياً (رض).
(د). أن اقل ما يقال عن الصحابة (رض): إنهم فسقوا.
[مناقشة نتائج الفروض]
لنناقش هذه الأمور الأربعة -آنفة الذكر- بروية:
[مناقشة النتيجة الأولى]
أن الصحابة (رض) قد خالفوا وصية الرسول (ص) وبذلك قد خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى.
كل المسلمين شيعة وسنة لا يمكنهم أن ينكروا أو يؤولوا ما حصل في معركة أحد من انكسار للمسلمين (وكانوا بقيادة الرسول الكريم (ص) حبيب الله وأفضل خلق الله) ولم ينفعهم هذا وقد كسرت رباعيته الشريفة ودخل حلق الدرع في وجنته الكريمة وذل المسلمون في هذه المعركة أيما إذلال حتى علا صوت أبي سفيان إذ كان من المشركين آنذاك وعير المسلمين بانكسارهم.
وقد بين لنا الله جل في علاه سبب الخذلان وبما لا يقبل أي تأويل من الجميع وهو مخالفة أمر الرسول (ص) من قبل الرماة الذين أوصاهم أن لا يتركوا موقعهم مهما جرى للمسلمين من نصر أو هزيمة وهي وصية بسيطة جداً مقارنة بوصية الرسول (ص) بخلافة الأمه من بعده (إن صحت).
ولكننا نرى نصرة الله للمسلمين في كافة معاركهم التي خاضوها في خلافة أبى بكر وعمر (رض) بالرغم من قلة المسلمين وكثرة أعدائهم من المرتدين أو الفرس أو الروم، حتى إن الصحابة جميعاً لم يوافقوا أبا بكر (رض) في محاربة المرتدين ولكنه كان أكثرهم علماً حيث بين للمسلمين أنه لا فرق بين أسس الإسلام الخمس كلها: (الشهادة-الصلاة-الزكاة-الصوم-الحج) فنقض أي منها هو نقض لها جميعا حيث قال كلمته الشهيرة والتي حفظها لنا التاريخ (لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم عليه) وهذا هو الفهم الصحيح للإسلام وبذلك نصره الله جل جلاله على المرتدين.
ولا ننسى وصية عمر (رَض) لسعد بن أبي وقاص (رض) حين وجهه إلى العراق لمقارعة الفرس، حيث قال له: إن أخوف ما أخافه على جيشك هو ذنوبهم فإن أذنب الجيش لن ينصره الله وحينها تتساوون أنتم وعدوكم عند الله، وبذلك سيغلبكم الفرس لكثرتهم.
فبالله أسال إخواني محبي آل البيت! هل يمكن لمثل هؤلاء الرجال أن يكونوا قد خالفوا أمر رسول الله (ص) وقد نصرهم الله في معاركهم فأرجو أن تحكموا عقولكم في هذا الكلام الذي هو غيض من فيض في هذا المجال ولكني أكتفي بهذه الأمثال التي حفظها لنا التاريخ مشكوراً.
[مناقشة النتيجة الثانية]
أن الصحابة (رض) الذين خالفوا أمر الرسول (ص) كانوا يسعون إلى الرئاسة:
لنسال أنفسنا سؤالاً بسيطاً (لماذا يسعى الرجال إلى الرئاسة؟)
أعتقد أن الكل سيتفق معي في إجابة هذا السؤال (المال / الوجاهة / الراحة...) والآن لنرى ما حفظه التاريخ لنا من سيرة الخلفاء الراشدين (رض) فهذا أبو بكر الصديق (رض) كان من كبار تجار قريش وها هو يموت وهو خليفة للمسلمين ولا يملك من متاع الدنيا شيئاً حتى أنه في بداية خلافته كان يعمل ليقوت بيته وقد منعه المسلمون من ذلك وأشاروا عليه أن يأخذ أجراً من بيت المال ليقوت به بيته ويتفرغ لإمارة المسلمين وكان راتبه لا يتجاوز نفقة بيته. فبالله عليكم! هل هذا رجل يسعى إلى الدنيا؟
أما عمر فيكفيه أن الناس حاسبوه على قطعة قماش كان يلبسها حيث سألوه: من أين لك هذا الثوب يا عمر فأمر ابنه عبد الله (رض) أن يجيب الصحابة بدلاً عنه، فأجاب ابنه عبد الله، أني قد أعطيت أبي ثوبي، وذلك لأن عمر كان رجلاً طويلاً، فبالله عليكم هل هذا رجل يسعى إلى الدنيا؟
أما عثمان (رض) الحيي الذي تستحي الملائكة منه، فيكفيه أنه لم يرض أن يقتتل المسلمون بسببه كي لا تراق قطرة دم واحدة من مسلم مهما كان معادياً أو مناصراً له. فبالله عليكم! هل هذا رجل يسعى إلى الدنيا؟
[مناقشة النتيجة الثالثة]
إن الصحابة (رض) كانوا يكرهون الإمام علياً (رض).
ماذا أقول في هذا المجال؟
أمجيء أبي بكر وسعيه إلى فاطمة (رض) ليسترضيها في حكم إرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم (فدك) علماً أن زوجات الرسول (رض) مشاركات لها في الإرث حسب شرع الله ولكنه لم يسترض أي منهن عدا فاطمة لمنزلتها من رسول الله. أهذا كرهاً للإمام علي (رض)!!!!!
وهل قسمة عمر (رض) لفيء المسلمين.. فأول ما يبدأ به آل بيت الرسول (رض) ونهره لبنيه حيث قدم عليهم الحسن والحسين (رض) حين سألوه: لماذا يقدم عليهم الحسن والحسين (رض) حيث نهرهم لمجرد سؤالهم إياه لِمَ يقدمهم عليهم؟ أهذا كرهاً للإمام علي (رض)!!
وإذا كان الصحابة (رض) (وحاشاهم) يكرهون الإمام علياً (رض) لِمَ لم يقتلوه وينهوا المشكلة حيث إن مناصريه -وكما تقول كتب الشيعة- كانوا يعدون على أصابع اليد!!
[مناقشة النتيجة الرابعة]
إن أقل ما يقال عن الصحابة (رض): إنهم فسقوا.
ويكفيني في هذا المجال أن أقول: إن كان الصحابة (رض) هكذا (وحاشاهم) فكيف يرضى علي (رض) أن يزوج ابنته لعمر بن الخطاب (رض) الفاسق وهي ابنته من فاطمة (رض) أو يتزوج هو من نساء المنافقين حيث تزوج (رض) بعد وفاة الزهراء البتول (رض).
[فماذا عن سقيفة بني ساعدة؟]
لقد اجتمع الأنصار (رض) واختاروا من بينهم أميراً، وهذا يدل على أنهم كانوا يريدون الإمارة؛ ولكن بعد نقاش أبي بكر وعمر وأمين الأمة (رضي الله عنهم أجمعين) أجمعين معهم اقتنعوا أن الأمارة تكون في المهاجرين وليس في الأنصار. رغم أنهم كانوا يريدونها لهم فما الاختلاف لديهم إن حكم أبو بكر أو عمر أو علي (رضي الله عنهم) أجمعين، فإذا كان هناك وصية للرسول (ص) لعلي (رض) لماذا يقولون: إنهم موافقون على أن تكون الإمارة للمهاجرين ومنهم علي (رض) الذي أوصى الرسول (ص) له بالإمارة من بعده فما الفرق لديهم ليغيروا وصية الرسول (ص) إذا كان هناك وصية لأي شيء يخسروا دينهم وهم لا ناقة لهم ولا جمل في الإمارة!!
[ودليل عقلي عادي..!!]
لنقل إن هناك عداوة بين الصحابة وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
إن أي رجل يرزقه الله بالبنين قد تكون خياراته من الأسماء هي التالي:
1. خير الأسماء ما حمد وعبد[وإن كان ضعيفاً].
2. الأسماء التاريخية القديمة لرجال لهم طيب الذكر تاريخياً.
3. أسماء أئمة آل البيت (رض).
4. أسماء الرسل الكرام.
5. أسماء الحيوانات القوية والذكية (كالأسد والثعلب والذئب و.....) [من إرث العرب في الجاهلية].
6. أسماء الناس الأعزاء على الأب (الجد, العم, الخال, الصديق العزيز.....).
7. أسماء الأمراء (نفاقاً) للتقرب منهم.
لقد سمى الإمام علي (رض) أولاده بأبي بكر وعمر، وكذلك سمى الحسن والحسين (رض) أولادهم بهذه الأسماء، ولو قارنا هذه الأسماء بما جاء أعلاه نجد أنهم إما قد سموا أبناءهم إما حباً بهؤلاء الرجال أو (حاشاهم) نفاقاً لهؤلاء الرجال.
فإن قيل: إن هذه الأسماء من الأسماء المشهورة والمتداولة في ذلك الزمان فإني أتحدى أي شخص أن يجد اسم أبي بكر في التاريخ.
فلهذه الأسباب البسيطة آنفة الذكر لا يسعني إلا أن أقول إن ما ذهب إليه الشيعة من أن هناك وصية من الرسول الكريم (ص) لسيدنا علي (رض) بالخلافة لا صحة له ولا يسعني إلا أن أدعو لإخواني الشيعة بالهداية إلى الصراط المستقيم.
والله من وراء القصد
المراجع غيرهم البيت الهاشمي م
المصادر كلها عائشة بنت الصديق
حفصة بنت عمر
رملة بنت أبي سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 1
مصادر كثيرة جداً، وسبق النقل منها حديثاً عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي 2
الأصل في أنساب الطالبيين (ص: 65) لابن الطقطقي
عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص:118) لابن عتبة وغيرهما عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فاطمة بنت الحسين 3
كافة المراجع الشيعية والسنية العوام بن خويلد، وولدت له الزبير بن العوام قبل الإسلام صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام 4
منتهى الآمال (ص:341) للشيخ عباس القمي
وتراجم النساء للشيخ محمد حسين الحائري (ص:346) وغيرهما تزوجها عبد الله بن الزبير
وبقيت معه حتى مات عنها
وبعد قتله أخذها أخوها زيد معه أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب 5
منتهى الآمال (ص:342) لعباس القمي
وتراجم النساء لمحمد الأعلى (ص:346) وغيرهما تزوجها عمرو بن الزبير بن العوام رقية بنت الحسن بن علي بن أبي طالب 6
تراجم النساء (ص: 361) لمحمد الأعلى تزوج خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير الحسين الأصغر بن زين العابدين 7
وغير ذلك كثير، وقصة زواج سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير تكفي شهرتها عن الخوض فيها، والمصاهرات من تتبعها وترجم لها فسيجد ما يملأ مجلدات، فهي كثيرة جداً.
-----------
الخاتمة
الحمد لله الذي منَّ علينا بحب النبي صلى الله عليه وآله الطيبين وأصحابه الأخيار.
أيها الحبيب: بعد أن عشنا مع آل رسول الله الأطهار عليهم صلوات الله وسلامه، وأصحابه الأخيار عليهم رضوان الله تعالى، بعد أن عشنا معهم وأدركنا تراحمهم وما بينهم من صلة رحم ومصاهرة، ومودة، وأخوة، وتآلف قلوب، ذكرها الله في القرآن الكريم - علينا أن نجتهد في دعاء رب العالمين أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين قال فيهم في كتابه الكريم بعد أن أثنى على المهاجرين والأنصار، قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، وكما قال زين العابدين عليه السلام: (جاء إلى الإمام نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا:لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10]. اخرجوا عني، فعل الله بكم. اه) كشف الغمة (2/78) ط. إيران.
إنه مهما ظهرت البينات ووضحت الحجة، فإن الإنسان لا يستغني عن مولاه عز وجل، فمن المعلوم أن الله عز وجل أيّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الباهرة، وبالقرآن الكريم الذي وصفه الله بالنور المبين، ومع حسن خلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقوة بيانه وفصاحته وما هو عليه من حسن مظهر ومخبر، ومعرفة أهل مكة له من طفولته إلى بعثته - ومع ذلك كله بقي كثير من أهل مكة على كفرهم حتى جاء الفتح. فعلينا أن نجتهد في الدعاء وطلب التوفيق والثبات على الحق واتباعه أينما كان؛ لأن الهداية من الله عز وجل.
أخي الكريم: تذكر أنك مطالب بما أمرك الله به، والله محاسبك على ذلك؛ فاحذر أن تقدم كلام أي أحد من البشر على كلام الله سبحانه وتعالى، فقد أنزل لك القرآن بلسان عربي مبين وجعله هدى وشفاء للمؤمنين، وجعله عمى على غيرهم؛ كما قال سبحانه: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44]. فاهتد بهذا القرآن واجعله نصب عينيك، وفقك الله لمرضاته.
أيها المبارك: حساب الخلق كلهم على الله سبحانه وتعالى وليس لبشر ذلك، وإنما لأهل الصلاح الشفاعة بشروطها.. فعلينا أن نبتعد عن التطاول على المولى سبحانه وتعالى والحكم على عباده.
إنه لا يضرنا أن نحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقية أصحابه رضي الله عنهم بل هو الموافق للقرآن الكريم، والموافق للروايات الصحيحة.. فتأمل.
وفي الختام: علينا أن نجتهد في دعاء المولى سبحانه وتعالى أن ينزع ما في قلوبنا من كراهية لهم وأن يبصرنا بالحق، وأن يعيننا على أنفسنا وعلى الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
فداء وحسن بلاء .. صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
مقدمة كتاب صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الحمد لله نحمده سبحانه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد:
فإن الأمة الإسلامية تعيش صحوة مباركة -أسأل الله سبحانه أن يجعل ثمارها يانعة- وهذه الصحوة قد أقضت مضاجع الكفار، فلذلك هم يحاولون منعها من النهوض بشتى الوسائل، فهي لن تنهض إلا بعد أن تصابر الأعداء، وتصبر الصبر كله، وتتقي الله ربها، وحينئذ تنال الأمة الإمامة والقيادة وتكون نهضتها مباركة بإذن الله تعالى.
وإن من أهم ما يكيد به الأعداء هذه الأمة هو استغلال افتراقها وشتاتها، واختلاف شعوبها وقياداتها.
ومن أهم أسباب هذه الافتراق وهو وقوده ومادة اشتعاله: ذلك الركام التاريخي الهائل، الذي قد أجاد القصاص فن سبكه وحبكه، وأتقن أصحاب المصالح استغلاله في تحريك العواطف وكسب التأييد، وتحريك الجماهير، وكسب الأموال، حتى أصبح الركام السلّم الذي يرتقونه ليصلوا إلى أهدافهم.
فلذلك ينبغي على المسلمين لا سيما طلبة العلم بيان الحق والذب عنه ودعوة أهل الإيمان إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ونبذ الفرقة وإفشال خطط الأعداء في تمزيق الأمة وجعل بأسها بينها. ولا يخفى على القارئ الكريم أن الشرارة التي جعل منها القصاصون ناراً هي ما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإسهاماً في تجلية الحقيقة والدعوة إلى الله تعالى كتبت هذه الرسالة للمسلمين عامة رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، مع الحرص على الأدلة العقلية والنقلية لاسيما من القرآن الكريم مع استخدام أسلوب إثارة العواطف والإقناع العقلي لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بذلك. والصواب من توفيق الله وأستغفر الله من تقصيري وكل ذنب وخطيئة.
وأملي في القارئ أن لا ينسانا من الاقتراحات المفيدة، والتوجيهات السديدة.
كتبها:
صالـح بن عبـد الله الدرويـش
القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف
(ص.ب:31911)
الفصل الأول: من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
قال تعالى: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [البقرة:129].
وقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].
نصوص صريحة وواضحة الدلالة على التلازم بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام([1])؛ فإن من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي لأجلها أُرسل ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات، فهي من الواجبات الشرعية عليه، ومن الحكم البالغة في رسالته.
وقد قام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك خير قيام، فأنقذ اللهُ به الناس من الضلال المبين، وأخرجهم من الشرك والكفر إلى الإيمان والتوحيد.
لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قومه في مكة وبعثه الله فيهم، وأنت –أيها القارئ الكريم- لا تجد بطناً من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم قرابة، حتى الأنصار!! فإن منهم أخوال عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني النجار، قال الله تعالى: ((رَسُولاً مِنْهُمْ)) [البقرة:129].
ولقد اختار الله للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أشرف نسب، فجعله من ذرية إبراهيم عليه السلام، وبعثه في خير البقاع مكة المكرمة، فهو دعوة أبيه إبراهيم عليهما السلام، وهو سيد ولد آدم عليه السلام ولا فخر، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة الكبرى يوم القيامة، والمنزلة الرفيعة، فهو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خير البشر، وإمام المرسلين أجمعين باتفاق الأمة ولله الحمد والمنة.
ومن كمال نعمة الله على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن اختار له خير الأصحاب فهماً ورجولة وشجاعة، ولا غرو في ذلك؛ فهم أقاربه وعشيرته، وخير الناس نسباًَ، وأكرم الناس خُلقاً، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) ([2]).
ولا يخفى عليك أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، فبنو هاشم الذين فازوا بالشرف وعلو المنزلة باصطفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، فهم أصحاب الشِّعْب الذين حوصروا فيه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الذين حرِّمت عليهم الصدقة، ومنهم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ([3]) ومنهم اختار الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للعالمين.
أخي القارئ الكريم: تأمل وتدبر!
قال الله تعالى: ((وَيُزَكِّيهِمْ)) [البقرة:129] وقد قام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتربيتهم وتزكيتهم؛ فهل يعقل الطعنُ فيهم؟؟
أخي! تأمل في تقديم التزكية على التعليم؛ فإن فيه لفتة لغوية لها دلالاتها.
وقال الله تعالى: ((وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) [البقرة:129] وقد فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الواجب عليه، فهل يمكن لعاقلٍ منصفٍ يخاف الله أن يصف طلاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجهل؟!
أيها القارئ الكريم: لا تعجل! وقف مع الآيات وتدبر في معانيها: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2] وتأمل في الآية بعدها: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) [الجمعة:4] فصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نعمة كبرى وفضل من الله تعالى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وبها فاز الصحابة رضي الله عنهم، وسبقوا غيرهم.
إنه الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام الذين عاش بينهم ومعهم، وفي مقدمتهم أهل بيته الأطهار، وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. يفرح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس معهم، ويأنس بهم، فهم جنده ووزراؤه، وطلابه الذين أخذوا العلم عنه، وهم من بينهم عاش وعندهم مات صلى الله عليه وآله وسلم.
إن الذين يحبون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبه يقتدون، يعتقدون بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أدى الأمانة وبلغ الرسالة وقام بما أمره الله به، ومن ذلك أنه علَّم أصحابه العلم وزكاهم، فهم الذين أخذوا القرآن والسنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وعنهم أخذ التابعون؛ فالحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام بما أمره الله به، والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلمهم سيد المرسلين.
فكِّر وتأمَّل!! إن القضية فيها تلازم لا محالة؛ لذا فإن تخطئة الناقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيه اللوم إليه أو إلى الناقل هو عين الصواب باتفاق العقلاء وإليك شرح ذلك باختصار.
-------------
([1]) القول المختار في الصحابي: أنه من آمن بالنبي وصَحِبَه ولو فترة من الزمن ومات على ذلك، ولطول الصحبة أثر في المنزلة.
([2]) البخاري: (6/298)، ومسلم برقم: (2526) باب خيار الناس.
([3]) سيأتي بيان المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم في الرسالة القادمة – إن شاء الله -.
----------
تأملات
لا تعجل أيها القارئ الكريم وتأمل معي: إذا خلوت بنفسك أو مع من تثق بعقله فتفكر وتأمل؛ فإن هذا من الدين، قال الله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)) [سبأ:46].
أرأيتم لو أن رئيساً أو رمزاً لبلد أو لقومية من القوميات جاء من أتباعه الذين ينسبون أنفسهم إليه من يزعم أو يقرر أن هذا الزعيم أحاط به ناسٌ من الانتهازيين، لا بل من الخونة، ممن يحارب فكره، وهؤلاء الخونة هم أقرب الناس إليه وهم خاصته، وأهل مشورته وبيته، وبينه وبينهم نسبٌ وصهر ورحم، بل إنهم هم الذين حملوا فكره ونشروه.
تأمل وفكر ولا تعجل في الجواب: ماذا تقول لو أن ذلك الإمام والرمز مدح أصحابه وأثنى عليهم، وذم من يقدح فيهم أو يقلل من شأنهم؟؟
هل يوجد حاكم له سلطان يُسبّ مستشاروه ووزراؤه ويوصفون بأنهم خونة وأنهم... وأنهم... وهو راض بذلك؟؟
تأمل وفكر!!
ماذا تقول في عالم بذل كل جهده وعلمه لتعليم طلابه الذين صحبوه وعاشوا معه في السراء والضراء، وتركوا الأهل والوطن والمال؛ لأجل صحبته وملازمته، والأخذ عنه، والتأسي به، ثم جاء الجيلُ الذي بعدهم وطعن في هؤلاء الطلاب ووصفهم بالجهل وكتم العلم؟؟
ماذا يُقال عن هذا المعلم؟! وبم يوصف مَن هؤلاء طلابه الذين بذل جهده معهم؟؟
هل العيب فيه؟
أو العيب في الطلاب الذين تركوا أولادهم وأموالهم وديارهم؛ لأجل صحبة المعلم والأخذ عنه والتأسي به، الذين محبته عندهم فوق محبة الأولاد والأهل والمال والوطن ودليل ذلك فعلهم في هجرتهم إليه؟
أو العيب في الناقد الذي طعن في هؤلاء الطلاب ولم يَدر في خلده أن الطعن قد يشمل المعلم، أو يرجع إليه هو، أي: إلى الطاعن الناقد؟
تأمل وفكر في حال المعلم والطلاب والناقد!!
أخي القارئ الكريم:
تأمل في حال إمام أهل التربية والتوجيه -وهو القدوة بين الأنام- وصحبه وأتباعه ومؤيديه، لقد عاشوا معه السراء والضراء، الحرب والسلم، الرخاء والشدة، عصفت المحن بهم معه، وبلغت غايتها، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهم معه لم يتخلوا عنه، ولم يتركوه وكانوا به يقتدون.
لقد أخذوا أقواله من فمه مباشرة، وعاشوا الدقائق والثواني بكنفه، لم يفرطوا في مجالسه وأنفاسه، بل يتسابقون إلى شَعَره وبصاقه. لقد تولى المربي بنفسه توجيههم وتربيتهم، تارة يخاطب الجميع، وأحياناً يخص بعضهم بالموعظة، فتجده ينبه المخطئ إذا أخطأ، ويشكر المحسن إذا أحسن، بذل طاقته، واستفرغ جهده ووقته في تربيتهم، فلم يترك شيئاً فيه مصلحة ونفع لهم إلا فعله وحثهم عليه، ولا ترك شيئا فيه مضرة لهم إلا حذرهم منه.
إن القلم يعجز عن وصف حال المربي مع أصحابه ومحبيه وأتباعه الذين بين يديه، فهم بأمره يعملون وبه يقتدون، يشاهدون تصرفاته وأفعاله، ويسمعون أقواله وتوجيهاته، لقد أخذوا من المنبع الصافي من غير واسطة ولا كدر.
فهل يعقل بعد ذلك وصف هؤلاء بأنهم نكصوا على أعقابهم إلا النادر منهم؟؟ أي: الغالبية لم تنتفع بالتربية والتوجيه!! إذاً: كل ذلك الجهد ذهب سدى، حتى إنهم باعوا دينهم لأجل مال، من أخذه؟؟ ومن الذي دفعه؟؟
تقول: لا. بل لأجل جاه وشرف. أين ذلك الجاه والشرف؟!! هل يعادل شرف صحبة الإمام وخدمته؟ لماذا نكصوا؟ لا أدري.
المهم: أن الناقد يطعن في عدالتهم وتقواهم، فأقل ما يصف به الطاعنُ هؤلاء الذين تربوا على يد الإمام القدوة هو أنهم ضعاف الإيمان، هذا هو أضعف وصف!!
قل لي بربك: العيب في الإمام المربي أم في الذين بذل جهده في تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم الذين مَدَحَهم و...؟ أم العيب في الناقد الطاعن؟؟
لا تتعجل في الجواب.
فكر وتأمل!!
فكر في جهادهم مع الإمام المجاهد، وصبرهم معه، وبذلهم أموالهم، بل محاربة أقرب الناس إليهم لأجل إعلاء كلمة الله، وميدان الجهاد من أوسع ميادين التربية العملية، وهم شاركوا الإمام في كل ميادين الجهاد: جهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد الدعوة، بل إنهم في كل أوجه الخير تسابقوا. فهل بعد أن فازوا ونالوا مرتبة الرضا ورضي الله عنهم بعدها رجعوا؟!! يا سبحان الله!!
أخي الكريم: لا تعجل! اصبر معي قليلاً، وبعد التأمل احكم، وتذكر أن من معروفك أن ترسل إليَّ كل ما يخطر ببالك من ملاحظات، فأنا مستعد للرجوع والزيادة والحذف في الطبعات القادمة إن شاء الله، والآن واصل معي القراءة في تأمل واحكم بعد ذلك.
أنت تتفق معي بأن الإمام القائد، القدوة، المعلم، المربي، لا يمكن أن يُتهم بتقصير أو بما هو دون ذلك، وإذا جعلنا العيب والخلل والضعف في الأتباع وأن عامتهم قد خانوا ولم يستفيدوا... إلى آخر الطعن الموجه إليهم فلا شك أن ذلك يؤثر على الإمام لا سيما إذا قلنا بأن الخونة والجهال هم خاصة الإمام ومن يجلس معهم، وهم الذين أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، فهم الأهل والمستشارون.
وإذا جعلنا العيب في ناقل النقد- الواسطة في النقل ما يسميه العلماء "السند"- أو ذات الطاعن الذي تكلم وطعن فإن هذا هو عين الصواب، وإليك المثال وبعده يتضح المراد.
من المتفق عليه بين المؤرخين أن الإمام علياً رضي الله عنه خرج عليه طائفة من جنده أصبح مصطلح الخوارج علَماً عليهم، وبعد مناظرات ومناقشات نفذ صبر الإمام رضي الله عنه لما اعتدوا على المسلمين الآمنين وقتلوا عبد الله بن خباب، فقام الإمام بعدها بمحاربتهم.
فهل يسوغ لعاقل أن يتهم الإمام علياً بسبب هذه الفئة من جنده، أو يطعن في أصحاب الإمام الذين بايعوه على الخلافة ثم شاركوا معه في القتال؟!
وهل يمكن أن يقال: إن بأن عامة الذين بايعوا الإمام كفار، أو فسقة أو جهال، أو خانوا الإمام بعد وفاته، وغير ذلك من الأوصاف؛ لأجل فئة من الناس قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروجهم وعلامتهم وبيَّن أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؟!
أخي القارئ:
تتفق معي بأن توجيه النقد إلى الإمام علي رضي الله عنه لا يمكن، وكذلك توجيه الاتهام إلى الذين بايعوه انحراف عن الصواب وبدعة شنيعة يخشى على صاحبها، بل بيعة الإمام متفق على صحتها فلا جدال في ذلك، ومن انتقد الإمام أو الذين بايعوه فإن النقد يرجع عليه وتخطئته هي عين الصواب، وإذا هِبت نقد القائل لسمعته ولشهرته فعليك أن تنظر في السند، فقد يُنسب نقد الإمام إلى إمام من أئمة الإسلام من باب البهتان والزور، وهذا في غاية الوضوح.
فكر معي وتأمل:
أعتقد أنك تتفق معي فيما قررته سابقاً من أن النقد لا يمكن أن يوجه إلى الإمام علي رضي الله عنه ولا إلى الذين بايعوه وناصروه، بل يوجه إلى الناقد أو الناقل عنه.
هل لك اعتراض على ذلك؟ ما هو؟ نعم. تتفق معي. هذه هي النتيجة الصحيحة أليس كذلك؟
مما لا جدال فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من علي رضي الله عنه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير الأصحاب، وآله صلى الله عليه وآله وسلم خير آل، وما قيل فيما مضى يقال هنا، بل هنا أولى وأولى.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المعلم، وصحبه الكرام هم الطلاب الذين تعلموا على يديه، وفي مقدمتهم آل الرسول عليهم السلام.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد، وصحبه الكرام هم الجند الذين بذلوا أنفسهم بين يديه وفي مقدمتهم آل الرسول عليهم السلام.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المربي، وصحبه الكرام هم الجيل الذي تولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه تربيته وفي مقدمته ذريته وأهل بيته عليهم السلام.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الحاكم، وخاصته من المستشارين والوزراء من أصحابه الكرام لا سيما الأصهار والأرحام.
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغ رسالة ربه، وصحبه الكرام هم الذين حملوها عنه وفي مقدمتهم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
إنه التلازم والترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام، لا ينفك أحدهما عن الآخر وفي مقدمتهم أهل بيته عليهم السلام. وتوجيه اللوم والتقصير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر باتفاق الأمة.
-------------
حقائق
تأمل وفكر قبل أن تحكم! لماذا يحرص أهل السنة جميعاً على عدالة الصحابة والتشديد في هذه القضية؟
سل نفسك وفكر في الجواب، وإليك بعض الخطوط العريضة في المسألة تفيدك في معرفة الجواب:
الطعن في صحابة رسول صلى الله عليه وآله وسلم يفتح الباب على مصراعيه لأعداء الإسلام؛ لماذا؟
أقول: أولاً: إذا تم الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن توجيه سهام النقد إلى غيرهم والتشهير بهم سيكون من باب أولى؛ وذلك لما يأتي:
أ - الصحابة رضي الله عنهم أنزل الله في فضلهم آيات تتلى إلى يوم القيامة.
ب - مدحهم المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة.
جـ - التلازم والتلاحم بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام لا انفكاك منه، فهو المربي والمعلم والقائد لهم..... و.... و.. كما سبق بيانه.
د - لأن المتفق عليه بين الفرق الإسلامية أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم وهو إمام المرسلين والأئمة المصلحين، فإذا لم يقم عليه الصلاة والسلام بتربية فئة تحمل أعباء هذا الدين وتتمثله سلوكاً وعملاً واعتقاداً، فإن غيره لن يستطيع القيام بهذا مهما كانت منزلته.
هـ - شهد التاريخ لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قادة الفتح الإسلامي، وأنهم الذين حملوا لواء الإسلام ونشروه، وأنهم من ضربوا أروع الأمثلة في حسن الخلق وقوة الإيمان. وغير ذلك من الأسباب التي تجعل منزلة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق منزلة جميع أصحاب الرسل والأئمة عليهم السلام.
فهذه المميزات وغيرها كثير اختص بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر المسلمين؛ ففتح باب الطعن فيهم فتح لباب الطعن في المسلمين وأئمتهم من باب أولى.
ثانياً: من خلال الطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين يتم لأعداء الدين الطعن في القرآن الكريم: أين التواتر في تبليغه؟ أين الأمانة والعدالة في حملة القرآن؟
ثالثاً: الطعن في الصحابة هو الطعن في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المطهرة وسيرته الشريفة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين رووا السنة والسيرة.
رابعاً: يجد الأعداء ميداناً خصباً للقول بأن الإسلام مبادئ ومُثُل لم يتم تطبيقها ويستحيل الالتزام بها؛ لأن الذين شهدوا تنزيل القرآن، ورباهم سيد الأنام نكص أكثرهم على أعقابهم.
خامساً: يتم بالطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشويه أمجاد الإسلام وحضارته.
وغير ذلك من الأسباب التي يطول ذكرها وهي تعينك على الجواب.
ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، اللهم ارزقنا صفاء القلوب ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار وصحبه الأخيار أجمعين يا أرحم الراحمين.
-------------
خاتمة الفصل الأول
أخي الكريم:
اعلم بأن هذه المسألة في غاية الأهمية، والاختلاف فيها من أهم أسباب افتراق الأمة، وهي مع بساطتها ووضوح الحجة العقلية والنقلية فيها قد خالف فيها طوائف وفرق، فتجد طائفة تكفِّر الإمام علياً رضي الله عنه ومن معه نسأل الله العافية.
ونجد آخرين يكفرون عامة الصحابة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وتجد من يقف في المسألة حائراً مع أن المسألة في غاية البيان كما لا يخفى عليك.
إن الطعن في الصحابة طعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو المربي والمعلم والقائد لهم كما سبق بيانه؛ لذا تجب محبتهم، والشهادة بعدالتهم؛ لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفى بذلك شرفاً وفخراً. اللهم ارزقنا محبتهم، والثناء عليهم يا أرحم الراحمين.
أخي الكريم:
الحذر الحذر أن يصدك عن الحق ما عليه الناس، أين عقلك! أين شخصيتك وفكرك؟ إياك أن تقل: أبناء الطائفة أو الأهل أو العلماء لهم رأي وأنا تبع لهم!!
فأنت ستدخل القبر فرداً، ويوم القيامة ستسأل عن نفسك.
فكر وتأمل!! واسأل ربك الهداية وأنت صادق في الدعاء، وتذكر منزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الله، ومنزلة الصحابة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم تقتنع بما مضى فعليك التأمل في الأدلة التالية، والله الهادي إلى سواء السبيل.
-------------
الفصل الثاني: بعض المواقف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام
مطلب في ذكر الأدلة:
أخي الكريم: إن الدارس للقرآن الكريم يجد آيات كثيرة أُنزلت في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيها تفصيل للمواقف التي عاشها وأحكامها، وما يتعلق بها، فهل عاش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حياته منفرداً؟
لا خلاف بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عاش بين أصحابه وأهل بيته الكرام رضي الله عنهم ؛ لذا فإن الآيات التي أنزلت فيهم كثيرة جداً، وإليك عرض سريع لبعض المواقف وما أُنزل فيها من آيات؛ لكي تدرك مدى الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وفضل تلك الصحبة، والفضل الذي لا حد له لمن عاش تلك المواقف مع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
--------------
غــزوة بــدر:
أنزل الله عز وجل في أحداثها سورة الأنفال، وقد تضمنت هذه السورة آيات كثيرة تدل على ما ذكرناه، نقف مع ثلاث آيات منها.
قال الله تعالى: ((إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)) [الأنفال:11].
تأمل في الآية وتدبر معانيها، فكر في معنى التطهير وإذهاب رجس الشيطان، أما الآية التي بعدها فقد شهد الله لهم فيها بالإيمان، قال تعالى: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)) [الأنفال:12] لذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)([1]).
فائدة مهمة: أجمع كل من كتب في السيرة من الذين يشهدون بأن محمداً رسول الله وغيرهم أجمعوا على أن النفاق قد حصل بعد موقعة بدر ولم يكن قبلها نفاق فتنبه لهذا.
أخي القارئ الكريم:
قف وأمعن النظر وتأمل في آخر السورة، فالله سبحانه حكم بأن المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، وفكر في دلالات قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] ((وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الأنفال:75] الله أكبر! هنيئاً لهم، إي وربي! إنها والله الشهادة من المولى سبحانه للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بالإيمان، وتأمل في قوله: (حقاً) فهي للتأكيد، ثم قال سبحانه: ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] فهل لمؤمن أن يطعن فيهم مع هذه الشهادة والتأكيدات؟
-------------
([1]) البخاري: (7/140)، كتاب المغازي. باب فتح مكة وباب فضل من شهد بدراً وغير ذلك. ومسلم رقم: (2494) من فضائل بدر.
------------
غزوة أحد:
في أحداثها وما يتعلق بها أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه ستين آية من سورة آل عمران، وما تضمنته السورة من الثناء على الصحابة يستحق دراسة موسعة مفردة.
فمن أول آية تجد الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجنده، والشهادة لهم من الله تعالى بالإيمان، قال الله تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:121] ثم تمضي الآيات وفيها بيان لما حصل، حتى في آية العتاب التي فيها ذكر أسباب الهزيمة تجد قوله سبحانه: ((عَفَا عَنْكُمْ)) [آل عمران:152] العفو من الله لهم، وتأمل في وصف حالهم بعد نهاية المعركة، بل النصر المبين الذي حصل لهم، وهروب قريش منهم، بفضل الله، ورجوع المؤمنين قال الله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173] ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) [آل عمران:174] فهذه شهادة من المولى لهم بزيادة الإيمان، وأنهم اتبعوا رضوان الله، ولا يخفى عليك أن جميع الذين شهدوا غزوة أحد ساروا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد([1])، فهم الذين نزلت فيهم الآيات. ثم تأمل فيما ذكره الله في ختام الآية مما يدل على سعة رحمة الله.
--------------
([1]) موقع بعد المدينة بعدة أميال على طريق مكة، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغه أن قريشاً بعد انصرافهم من أحد أجمعوا الرجوع إلى المدينة مرة أخرى، فنادى منادي الجهاد، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يخرج إلا من شهد الوقعة، فخرج الصحابة رضي الله عنه مع جراحهم وآلامهم ولم يخرج معهم أَحد من الذين تخلفوا عن أُحد إلا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقد ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عذره في عدم شهود أحد، فأذن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم له بالخروج معهم.
------------
غزوة الخندق:
نزلت فيها آيات من سورة الأحزاب، ومع قصرها إلا أن فيها تصويراً بليغاً للترابط بين الصحابة رضي الله عنهم مع الوصف الدقيق لحالتهم النفسية، وما أصابهم من جهدٍ وجوع وخوف، وحرصهم على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أخي القارئ: تأمل في الآية التاسعة من سورة الأحزاب التي نادى الله فيها المؤمنين مذكراً أنهم نعمته عليهم في تلك المواقف: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا)) [الأحزاب:9] الآيات.
ثم ذكر المولى نعمته عليهم مرة أخرى بكف يد العدو عنهم وشهـد لهم بالإيمان بقوله سبحانه: ((وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)) [الأحزاب:25] ثم ذكر الله آيتين فيهما بيان لما حصل لبني قريظة القبيلة اليهودية المشهورة.
فتأمل في الآيات واتلها بتدبرٍ وقف عند قوله تعالى: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)) [الأحزاب:22] وفضل الله سبحانه وتعالى واسع لا يمكن أن يقال بأن هذا خاص بأفراد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
من هم الذين قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله؟ ومن هم الذين حفروا الخندق مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟
ثم تأمل في شهادة المولى لهم بالإيمان وزيادته، وكذلك فضل الله عليهم في الدنيا الذي ذكره الله في هذه السورة.
من هم الذين ورثوا بني قريظة؟ ومن هم الذين حاربوا اليهود؟
قال الله تعالى: ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)) [الأحزاب:27].
فبعد أن ذكر الله فضله على المؤمنين بفتح حصون اليهود وإنزال الرعب في قلوب اليهود، وقتل اليهود وأسرهم - هلا قمت بتلاوة الآيات من أول القصة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً)) [الأحزاب:9] حتى النهاية ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)) [الأحزاب:27].
أخي: تدبر معانيها وعش في ظلالها وتأمل التلاحم والترابط بين القائد وجنده والخطاب من الله لهم جميعاً.
--------------
صلح الحديبية:
أيها القارئ الكريم: لا يخفى عليك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رؤيا ذكرها الله في سورة الفتح: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)) [الفتح:27] إلى آخر الآية. ورؤى الأنبياء عليهم السلام حق كما تعلم، فكانت هذه بشارة للمؤمنين بعد البلاء الشديد الذي أصابهم في غزوة الخندق.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بها ونادى بالمسير إلى مكة للعمرة، فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسابقين من المهاجرين والأنصار وعددهم ألف وأربعمائة مقاتل.
وقد تخلف كثير من الأعراب عن المشاركة ولم يشارك من المنافقين إلا رجل واحد.
فكر وتأمل في الحكمة!!
سار الركب الراشد، وجنبات البيداء تردد معهم صدى التكبير والتهليل.
وقامت قريش بالاستعداد لمنعهم من دخول مكة. وفي الحديبية حصلت البيعة.
لقد بايع الركب الراشد المهاجرون والأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصبر وعدم الفرار. وهذه هي بيعة الرضوان.
الاشتياق إلى مكة يفوق الوصف.. البشارة عندهم بدخولها، ولكن محبتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والحرص على طاعته والتأسي به والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله - هي سمة ذلك الجيل. فأكرمهم الله سبحانه وتعالى بما أنزل فيهم من آيات.
أيها القارئ الكريم: تأمل وأنت تتلو سورة الفتح وتدبّر في معانيها، قال الله عز وجل: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1] ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً)) [الفتح:2] ((وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)) [الفتح:3] يذكر الله سبحانه فضله على الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يبين المولى عز وجل فضله على الصحابة الكرام وما حصل لهم من السكينة التي أثمرتْ زيادةَ الإيمان.
ثم يذكر المولى سبحانه وتعالى بيعة الرضوان، قال الله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
إنها حقيقة يعجز الإنسان عن وصفها مهما أوتي من بلاغة وفصاحة.
رب العالمين سبحانه وتعالى رحم هذه الفئة المؤمنة وأوحى إلى سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم بما حصل منها وذكر أدق الأوصاف وأخفى الأسرار: ((مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18].
إن الصحابة قد بلغوا الغاية في الصدق والإخلاص وطلب رضوان المولى؛ فنالوا الفوز المبين رضي الله عنهم، كل فرد منهم بايع تحت الشجرة -مكان البيعة- يعلم بأنه داخل في الخطاب، فهو يمشي على الأرض وهو يعلم بأنه نال الشرف والسعادة، والغنائم في الدنيا، والفوز المبين في الآخرة.
تأمل في الآيات! وقل معي: كيف يسوغ لعاقل أن يتكلم فيهم؟!
أو يقول: إن الله عز وجل بدا له السخط بعد الرضا؟ يا سبحان الله!
ولا أطيل في النقاش، بل أكتفي بالرد على هذه التأويلات بآية من كتاب الله، فتأمل في الآية وتدبر في معانيها، وهي في غاية الوضوح والبيان، وفيها شفاء لما في الصدور، والطاعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حاروا فيها، وعجز خيالهم -نعم حتى الخيال- عن الرد على الآية أو وضع تأويل لها، وارتد خاسئاً وهو حسير، فلم أقف لهم على قول فيها.
ولكن المراء والجدال، واتباع الهوى منع الناس من إتباع الحق.
وإليك الآية، قال الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] فتأمل فيها، وفي العموم في قوله سبحانه: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ)) [التوبة:100] منهم؟
جاء البيان بقوله سبحانه: ((مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] فالذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين نصروا هم السابقون بنص القرآن، فلا يمكن الرد أو التأويل. فكن من الصنف الثالث تفز يا عبد الله: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100] فإن الصحابة أئمة يقتدى بهم رضي الله عنهم ([1]).
وتأمل في التأكيدات والمبشرات: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] وقوله:
((وَأَعَدَّ)) [التوبة:100] بصيغة الماضي، والتمليك ((لَهُمْ)) [التوبة:100] والخلود والتأبيد ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)) [التوبة:100].
وتأمل في ذكر الأعراب والمنافقين في سياق الآيات.
فلا يمكن لمن يقرأ الآية وهو يؤمن بأن القرآن كلام الله ويفهم لغة العرب - إلا التسليم بفضل الصحابة.
أيها القارئ الكريم: اسمح لي بالإطالة اليسيرة عند قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] نعم ورد ذكر الصحابة في التوراة والإنجيل وبيان خصالهم الحميدة، وصفاتهم التي تميزوا بها.
محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المرسلين، وأصحابه هم خير الأصحاب ((وَالَّذِينَ مَعَهُ)) [الفتح:29] حقيقة الموالاة، والإخاء، والتآلف معه في السراء والضراء ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)) [الفتح:29] من الآباء والأهل والعشيرة وذلك لله. وهم ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] والدارس للسيرة يُدرك ما وصلوا إليه من محبة وإخاء في الدين، والتطبيق العملي للرحمة بينهم لا حصر له من: إيثار على النفس: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9] وموالاة صادقة: ((بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72] وقال تعالى: ((بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) [التوبة:67] بهذا وصفهم الله سبحانه وتعالى، والواجب الأخذ بما ورد في القرآن في وصفهم: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) فإن الموالاة بينهم والتراحم هو الأصل؛ لأن الله سبحانه وصفهم به فعلينا الأخذ به وترك ما ذكره أصحاب الأساطير التاريخية، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فنحن عندنا آيات محكمات ويقابلها روايات الله أعلم بسندها، ومتنها مضاد للقرآن، فتأمل في الآيات وفيما تعتقد: هل هو مطابق للقرآن أم أنك متأثر بالأساطير التاريخية؟
والصحابة هم أصحاب العبادة وهي سمتهم، فهم كما قال الله تعالى: ((تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)) وهذا الوصف فيه تكريم لهم، حيث ذكر أهم حالات العبادة: الركوع والسجود، والتعبير يشعرك كأنما هذه هيئتهم الدائمة، وهي كذلك؛ لأن محبة الركوع والسجود مستقرة في قلوبهم، فقلوبهم معلقة بالمساجد، فكأنهم يقضون زمانهم كله ركعاً سجدا، والدليل على ذلك قوله سبحانه في الثناء على قلوبهم وصدق نياتهم، حيث قال: ((يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) هذه مشاعرهم ودوافعهم ورغباتهم، فكل ما يشغل بالهم هو طلب فضل الله ورضوانه.
فليس للدنيا في قلوبهم محل، وهذه رغبة ظهرت آثارها على محياهم، فلا كبر ولا خيلاء، ولا غرور، بل التواضع والخضوع، والخشوع لله سبحانه وتعالى، وإشراق نور الإيمان على سيماهم، وليس المراد ما قد يتبادر إلى الذهن أن المراد العلامة في الجبهة التي تكون من أثر السجود، وليس ثمة مانع من دخولها([2])، فقد ذكرها بعض السلف.
تأمل: هذه صفاتهم عند اليهود في التوراة. ومقابل هذه الصفات ورد في الإنجيل صفاتهم عند النصارى، فهم أقوياء أشداء، مثل الزرع ينبت ضعيفاً ثم ينمو ويشتد.
من المراد بالزرع؟ ومن هو الزارع؟ ومن هم الذين يسوءهم حال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعلهم؟ ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)).
وقد أكد الله المغفرة لهم وأن لهم أجراً عظيماً بقوله سبحانه: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) و(مِن) في قوله: ((منهم)) لبيان الجنس كقوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30] فتأمل ذلك.
تأمل وفكر: انظر إلى هذه الصور الفريدة في بيان واقع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، فهذا مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد جاء ليقرر أنهم رحماء بينهم.
وتقرير الموالاة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام حقيقة جاء توكيدها في القرآن في آيات كثيرة كما سبق بيانه، وهي من أعظم نعم الله على الصحابة، قال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)) [الحجرات:7] وهذه السورة فيها أدلة كثيرة على فضل الصحابة وستأتي إشارة إلى ذلك.
------------
([1]) ودليل اتباعهم بإحسان ما ورد في قوله تعالى: (وَالّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلاخْوَنِنَا الّذِينَ سبَقُونَا بِالايماَنِ...) الآية. فعليك بالدعاء لهم. والخلاف في حجية قول الصحابي وفعله من المسائل الأصولية المشهورة وليس هنا محل بسطها.
([2]) انظر: تفسير ابن جرير وغيره للآية.
---------------
استقبال الوفود:
سورة الحجرات فيها آيات في غاية الوضوح على فضل الصحابة، وقد اشتملت السورة على كليات في الاعتقاد والشريعة، وحقائق الوجود الإنساني، وفيها بيان لمعالم المجتمع المسلم وتقرير الأخوة الإيمانية ومحاربة كل ما يضادها ويضعف كيانها.
ونقف وقفتين مختصرتين مع الآيات التي تخص بحثنا:
أولاً: الآداب التي ينبغي التأدب بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان ما عليه الأعراب.
تبدأ السورة بمناداة المؤمنين بوصفهم لأجل التسليم لأمر الله ورسوله وعدم التقدم بين يديه، بل عليهم الرضا والتسليم وعدم التعجل في الاقتراحات على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعليهم ألا يقولوا في أمرٍ قبل بيان الله سبحانه وتعالى، ومن باب أولى ألا يفعلوا.
وانظر إلى الأدب الرفيع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كيفية الكلام وعدم رفع الصوت، وتأمل في التفريق بين توجيه المولى سبحانه وتعالى للصحابة وما ذكره عز وجل عن الأعراب وهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهذه لها دلالات من أهمها: اختلاف منازل الصحابة رضي الله عنهم.
فتأمل وتدبر:
ففي الآيات صور حية من واقع حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه الكرام.
ثانياً: ما تضمنته الآيات من فضل الصحابة، ففيها النص الصريح على النعمة الكبرى، وهي وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)) [الحجرات:7] ماذا يعني ذلك؟ إن الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو معهم، وهذا اتصال بين الخلق -هذه الفئة المؤمنة- مع الخالق رب العالمين سبحانه وتعالى بواسطة الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم.
يأتيهم خبرهم وما هم عليه، حتى ما في قلوبهم، والفصل في النوازل التي تنزل بهم والحكم فيها.
حتى القضايا الفردية: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)) [المجادلة:1] ورضي الله عن أم أيمن لما بكت على انقطاع الوحي وبكى من عندها من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القصة المشهورة لما زارها الصديق ومن معه تأسياً بزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.
ثم تأمل وفكر في الآية: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] ففضلٌ من الله أن جعل الإيمان في قلوبهم راسخاً فطرياً، وجعل محبتهم له أشد من محبتهم للشهوات، وتأمل في التأكيد: ((وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] ثم ذكرُ ما يضاده وينقص منه: ((وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].
إذاً: لقد فطر الله الصحابة رضوان الله عليهم على كراهية كل ما ينقص الإيمان، الله أكبر! تأمل في الآية وختامها: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] فهذا فضل الله على هذه الفئة: أن اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهداهم للإيمان وزيّنه في قلوبهم، وجعلهم أهلاً لصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهم يكرهون الكفر والفسوق والعصيان؛ ولحكمة بالغة جاء النص مشتملاً على الأسماء الثلاثة: الكفر.. الفسوق.. العصيان، فلم يترك شيئاً.
وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في وصفهم: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه).
فهذه آية لها دلالات على فضل الصحابة وعدالتهم واستحقاقهم لهذا الفضل وما لهم من فضل عند الله عز وجل.
وتأمل في قول المولى: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] حيث عقب المولى على ذلك بقوله سبحانه: ((فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [الحجرات:8] فصحبة الرسول نعمة من الله تفضّل الله بها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو العليم الحكيم، ومن حكمته سبحانه أن اختار محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً، وجعله خير الرسل عليهم السلام وكذلك اختار له أصحاباً وجعلهم خير الصحب رضي الله عنهم أجمعين، فمنزلة الصحابة؛ لأجل الصحبة ولأجل قيامهم بحقوقها.
-------------
غزوة تبوك:
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة التوبة في أحداث الغزوة وما قبلها وما بعدها، وهي من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففيها تفصيلات جليلة للمجتمع النبوي.
ودراستها مهمة جداً؛ لأنها نزلت بعد فتح مكة، ففيها بيان لواقع المجتمع المسلم، وهذا الذي يهمنا في هذه الدراسة، فهو صلب الموضوع، فعليك أن تتأمل وأنت تتلو آيات السورة.
تجد –أيها القارئ الكريم- ذكر أحوال المنافقين بالتفصيل، وبيان صفاتهم وحالهم وأن من أهل المدينة مَن مردوا على النفاق، وأنهم تخلفوا عن الخروج ولم يشاركوا في النفقات، بل لمزوا المطوعين من المؤمنين، وأنهم أصحاب مصالح، ويبادرون للحلف، ويتمسكون بأدنى شبهة ويجعلونها حجة لهم، فهل منهم العشرة المبشرون بالجنة أو غيرهم من السابقين؟
أخي الكريم:
تأمل في صفات المنافقين وانظر فيما ذكره الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وعليك أن تفرح بما ذكره الله سبحانه وتعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنت تجد في السورة ذكر الأعراب وأنهم ليسوا سواء، بل منهم كما قال الله تعالى: ((وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [التوبة:98] فهذا صنف من الأعراب عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الصنف الآخر: ((وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:99].
وفي الآيات تجد ذكر الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركوا في جيش العسرة، من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
التفصيلات واضحة ودقيقة، وفيها بيان لواقع المجتمع، ولا تجد ذكر المهاجرين والأنصار إلا بخير، وذلك في القرآن كله، وتجد البشارة الناصعة في الآيات المحكمة التي شملت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام في نسق واحد، إنه التلازم بين الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وبين أصحابه، اقرأ وتأمل: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
وهذه لجميع المهاجرين والأنصار، فتأمل في التوبة عليهم أول الآية ثم في وسطها، ثم تأمل في قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ((إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117] فما بالك بقوم تولاهم الله برحمته، فهو بهم رءوف رحيم؟!
وقد جاء في الآية التي قبلها ذكر مزايا وخصائص للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وفيها لطائف كثيرة سبق الإشارة إلى بعضها.
السؤال: من هم السابقون؟
كل من صلى القبلتين فهو من السابقين، وقال آخرون: كل من بايع تحت الشجرة فهو من السابقين، وعلى كل حال فإن الآية تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم طبقات، ولكل طبقة منزلة ومكانة، فخير الصحابة هم السابقون الأولون، وهم أصحاب بدر وأحد والخندق وبعدهم أصحاب البيعة: بيعة الرضوان.
ولو أن أحداً من هؤلاء -وحاشاهم رضي الله عنهم - نافق لجاء البيان، يا سبحان الله! تخلف الثلاثة وصدقوا فجاءت الآيات - وهم ثلاثة- ببيان حالهم، وكذلك في بيان حال الضعفة الذين لا يجدون ما ينفقون، وسكت الله عن غيرهم الذين فيهم الخطر وهم رأس النفاق! كما يزعم الذين في قلوبهم مرض.
فالدارس للسورة يجزم بأنه لا يمكن أن يوجد في المجتمع النبوي من هو مستخفٍ على شرٍ أو فيه خطر على الإسلام والمسلمين إلا وقد ورد ما يفضحهم في سورة التوبة ونزل كشف حالهم، كيف لا وهي السورة الفاضحة والكاشفة؟
--------------
تقسيمات المجتمع مـن خـلال السـورة:
1- ذكر الله سبحانه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين معه على العموم، أي من السابقين ومن غيرهم من المؤمنين، قال الله تعالى: ((لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [التوبة:88].
وذكر سبحانه المهاجرين والأنصار من غير ذكر الأولين، فجاءت الآية الأخرى صريحة في البيان، قال الله تعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].
فهنا التفريق واضح، والله سبحانه وعدهم جميعاً بالحسنى، وهو سبحانه صاحب الفضل.
2- ذكر المولى سبحانه أحداث أفراد من المجتمع وهم الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة وكذلك الذين لا يجدون ما ينفقون.
3- ذكر الله سبحانه الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وأثنى الله على أصحاب المسجد الذي أسس على التقوى.
فتأمل في ذكر التفصيلات الدقيقة، وهؤلاء كلهم من المؤمنين.
4- ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين وفصّل في أحوالهم وصفاتهم وأن منهم ومنهم... وذكر صفات أفراد منهم، فتأمل في ذلك وتدبر في ذكر التفصيلات عن المؤمنين، والأعراب (وفيهم من هو مؤمن صادق ومن هو منافق كاذب) والمنافقين كما سبق الإشارة؛ فهل يتصور عاقل أن تَرد تلك التفصيلات ويتم السكوت عمن هو أخطر؟
-----------------
قبل الختام:
قال الله تعالى: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الكهف:28] فالله عز وجل يأمر نبيه بالصبر مع طائفة من أصحابه.
تأمل في الآية، وانظر إلى هذا الشرف: النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع منزلته يأمره الله بالصبر مع الذين يدعون ربهم. من هم هؤلاء؟... إنه التلازم بين النبي وأصحابه الكرام.
وقال الله تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159] فمن رحمة الله ما حصل للصحابة من لين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم واستغفاره والدعاء لهم ومشاورتهم..
أخي الكريم: تأمل في معاني الآية! الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأتيه الوحي من رب السموات والأرض وهو مسدد في أفعاله وأقواله، وهو خير البشر ومع ذلك يأتيه الأمر بمشاورة أصحابه الكرام، ولهذا دلالات منها: أهمية المشورة في الإسلام، والشاهد من الآية: منزلة الذين شاورهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويدرك ذلك من كان له قلب وبصيرة.
تأمل في منزلة المصطفى تدرك مكانة الذين شاورهم وتأمل في استغفار الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم لهم رضي الله عنهم!
فهنيئاً لهم هذا الاستغفار من الحبيب وتلك المنزلة التي حصلوا عليها لأجل مصاحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
أخي القارئ الكريم: إن الدارس للقرآن الكريم يجد كثرة ما نزل من آيات في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام على سبيل العموم، وقد ذكرنا بعض ما نزل على سبيل الإجمال والاختصار، وفيه قناعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
---------------
الخاتـمــة
أيها القارئ الكريم: تذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، وتأمل في الآيات التي مرت بك، والمواقف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه الكرام في السراء والضراء، والرخاء والشدة... تأمل في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: مع من قضاها؟
من هم طلابه الذين أخذوا العلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم جنده الذين حارب بهم أعداءه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم جلساؤه الذين شاورهم صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين أكل معهم وشرب وأنس بهم وفرحوا به صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين صلوا خلفه واستمعوا مواعظه وخطبه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين زارهم وزاروه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين أنفقوا أموالهم بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين بذلوا أرواحهم رخيصة بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين نقلوا القرآن عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين تحملوا الرسالة وبلغوها عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟
من هم الذين صحبهم وصحبوه وعاش معهم وبعد أن قضى حياته مات بينهم صلى الله عليه وآله وسلم وصلوا عليه، وحزنوا على فراقه صلى الله عليه وآله وسلم، ونالوا أجر مصيبتهم في فقده كما نالوا أجر العيش معه صلى الله عليه وآله وسلم.
وبعد: لقد ذكر الذين وفقهم الله للتوبة من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والطعن فيهم ما حصل لهم من طمأنينة ولذة عيش وأنهم شعروا حقيقة بلذة الإيمان، وكيف كانت حالهم قبل توبتهم وبعدها.
لقد عاشوا حقيقة قوله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] ارتفع الغل من قلوبهم، وأحبوا آل البيت الأطهار وسائر الصحابة الكرام، فالجمع بين محبة آل البيت والصحابة هو عين الصواب وبه يجتمع شتات القلب ويشعر المؤمن بالسعادة والطمأنينة ويأتي -بإذن الله تعالى- يوم القيامة بقلب سليم.
فاحرص على سلامة قلبك، وانزع ما فيه من غلٍ وكراهية للمؤمنين عامة، وللصحابة ومنهم آل البيت على وجه الخصوص الذين فازوا بفضل الصحبة وحق القرابة.
اللهم ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
ثناء السنة والقرآن على صحابة الرحمن
مقدمة كتاب ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن
الحمد لله رب العالمين.. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة وهداية ونوراً للعالمين وعلى آل بيته مشاعل الهدى ومصابيح الدجى، وعلى أصحابه الأتقياء مبلغي وحي السماء، وعلى من تبع هداهم إلى يوم الدين...
أما بعــــد:
فمن نعمة الله السابغة ومنته البالغة أن أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا، همه وغاية دعوته أن يزكينا ويخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
وبعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى -عليه الصلاة والسلام- حمل لواء هذه الدعوة المباركة من بعده عصبة، جاءت على اختيار واصطفاء من الرحمن سبحانه وتعالى، فعلم ما في قلوبهم، وإلى ماذا تطمح نفوسهم، فأنزل عليهم رضوانه، ومنحهم سبحانه غفرانه.
وهذا الرضوان العظيم، والغفران العميم، لم يكونا ليحلان إلا عندما بان أمر هذه الجماعة الزكية النقية بأحوال وأقوال أدهشت المعادي قبل المحب، وكما قيل: (كل إناءٍ بالذي فيه ينضح). لكن مع كل ما بذلوه وأفنوا أنفسهم لأجله لكنه لم يرض لطائفة من الناس إما جهلا منها بحقيقة الصحابة، أو لقرب عهدهم بالإسلام كشفت ضحالة علمهم بالإسلام، وعدم رسوخ إيمانهم في دين الرحمن، فسعت على علم من فريق منها، وجهلا من فريق آخر اقتادته العواطف جهلا في المضي وراء أقوال باطلة مزخرفة، لتقويض أركان هذا الدين العظيم بالنخر في أساسه، والسعي إلى نسف غراسه، وذلك بالجري الحثيث في طريق موحش، ألا وهو: الطعن في نقلة هذا الدين، وهم (الصحابة) الأخيار، رضي الله عنهم أجمعين.
وهذه الوريقات فيها بيان شافٍ -بإذن الله- وإظهار لمكانة أولئك النفر من رجال ونساء؛ لأن من أحب إنساناً أحب أحبابه وتقبلهم بقبول حسن، وأبغض أعداءهم ومبغضيهم، وهذه سنة ماضية في الخلق لا يحيد عنها أو يشط إلا الشواذ والحاقدون؛ لأننا والله نحبهم ونحب كل من أحبه النبي صلى الله عليه وسلم، ومات وهو راضٍ عنه؛ لأن ديننا قوامه وعمدة أساسه: الحب في الله لأوليائه، والبغض فيه سبحانه لأعدائه.
وإن كنت قد قصرت في توضيح هذا الجانب، فسبب ذلك أن الواضح المعروف لا يحتاج إلى التبيين، ويعسر على الأذهان القول فيه لتوضيحه، فالواضح لا تزيده التعريفات إلا غموضاً وتحيراً، وكما قيل: (وفسر الماء بعد الجهد بالماء). وهذا الجلاء إن كنت لم أستوف جوانبه فلن أعدم من محب ناصح يوجهني إلى الصواب، ويرشدني إلى أفضل المنطق والجواب، لترسخ القدم على طريق محبة النبي عليه الصلاة والسلام وآله الأطهار، وصحبه الأخيار، رضي الله عنهم وغفر له
المدخل
اختلط على كثير من الناس التفريق بين مفهوم الصحبة في اللغة عن مفهومها في الاصطلاح لأسباب كثيرة، منها:
1- قلة فهمهم واطلاعهم في هذا الجانب.
2- عدم معرفتهم في تمييز ذلك؛ لأن بضاعتهم في اللغة العربية مزجاة وشحيحة.
لهذين السببين نجد أن أقدامهم قد زلت في فهم الصواب، فنسبوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأقوال والأفعال الباطلة، وافتروا عليهم الكثير من الاعتقادات الخطيرة كالنفاق والردة وغيرها، مستدلين على ذلك الزعم بما تشابه لهم من الآيات أو من القرائن والدلالات، من خلال فهم سقيم، ونظر عقيم، بأن التقطوا كلمات متناثرة في أحاديث صحيحة متواترة، ومن ثَمَّ تأويلها تأويلات باطلة، فيها الدلالة على ضحالة علمهم ورداءة فهمهم.
ولعدم معرفتهم اللغة العربية، أو بالاستدلال على دعواهم بروايات ضعيفة أو موضوعة لم تثبت صحتها عن النبي صلى الله عليه وسلم , فيتمسكون بها تمسك الغريق بحبال الوهم الباطلة، مما يستبين لمناقشهم عند الكلام معهم عدم درايتهم ودراستهم وإحاطتهم بعلم عظيم يعصم من زلل كبير، ألا وهو علم (مصطلح الحديث)، وعلم (معرفة أحوال الرجال).
لذا وجب قبل الشروع في بيان عدالة الصحابة، أن أبين جملة من الأمور المهمة من خلال التساؤلات الآتية:
- ما تعريف لفظ: (الصحابة)؟
- هل المنافقون من (الصحابة)؟
- هل المرتدون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يشملهم مسمى (الصحابي)؟
- ما أقوال آل البيت عليهم السلام فيهم؟
- لماذا حدث الشقاق والخلاف فيما بينهم إن كان الله سبحانه قد رضي عنهم؟
- ما الدليل على قُرب أو بُعد آل البيت عليهم السلام من الصحابة رضي الله عنهم؟
تساؤلات وشبهات سنجد جوابها -بإذن الله- عند قراءتنا لهذه الصفحات التي تتناول على وجه الخصوص شهادة وأقوال الثقلين: (كتاب الله وآل البيت الطاهرين عليهم السلام) في عدالة ومكانة الصحابة رضوان الله عليهم ضمن المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف لفظ الصحابي: لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: ثناء الثقلين (كتاب الله والعترة) على الصحابة، وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: ثناء الثقلين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم.
المطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.
المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر رضي الله عنهم.
المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده رضي الله عنهم.
المبحث الثالث: كيف ظهرت الفتن بين الصحابة رضي الله عنهم؟ ومن هو أول من أشعلها؟
المبحث الرابع: المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين.
المبحث الخامس: الموقف الصحيح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث السادس: الأسماء والمصاهرات بين الصحابة رضي الله عنهم والآل عليهم السلام.
المبحث السابع: شبهات وردود.
الخاتمة: وفيها مجموعة من الخواطر التي تجول في ذهن المسلم، من بعد سماعه لما يقذف به الصحابة من دعاوى وشبهات، ومن بعد تصفحه لهذه الرسالة يجدر الاستفسار حولها؛ لترتاح النفس من شجن يقلقها.
وفي النفس شجون وهموم تجاه هذا الموضوع، لتجدد وتكاثر الشبهات في كل وقت وزمن، وفي أماكن متعددة، لكن لعل ما ذكرته فيه البيان الناجع والرد الناجح لبعض التساؤلات وتفنيد الشبهات، وإزالة الغفلة التي رانت على قلوب بعض المسلمين، نوفق من بعدها بإذن الله إلى الصواب والحق الذي يرضاه الله سبحانه لنا.
المبحث الأول: تعريف لفظ (الصحابة)
لزاماً علينا قبل أن نشرع في بيان الأدلة الدالة على عدالة الصحابة، أن نبين مفهوم كلمة (الصحابة)؛ لأن جلاء المعنى لهذه الكلمة، وبيان حدود إطلاقها، ومن يتصف بها، ومن هو المعني بهذه الكلمة المباركة - فيه التوفيق لما بعده من علم ودراسة.
وهذا البيان لا يكون إلا من جهتي اللغة والاصطلاح.
أولاً: تعريف لفظ (الصحابي) لغة:
الصحابي: نسبة إلى صاحب، وله معانٍ عدة تدور في جملتها حول الملازمة والانقياد([1]).
وقبل بيان بعض استخدامات الصحبة في اللغة، ينبغي التنبه إلى أن بعض هذه الاستخدامات لا تندرج ضمن التعريفات الاصطلاحية، إذ هي وفق التعريف اللغوي غير مقيدة بقيود منضبطة وفق ما سنعرفه، لذا وجب أن أسوق جملة من معاني الصحبة اللغوية للاحتراز عند إطلاق هذه الكلمة، ومنها:
1- الصحبة المجازية: وهي التي تطلق على اثنين بينهما وصف مشترك، وقد يكون بينهما أمد بعيد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى زوجاته: (إنكن صواحب يوسف)([2]).
2- الصحبة الإضافية: وهي التي تضاف للشيء لوجود متعلق به، كما يقال: (صاحب مال، صاحب علم... إلخ).
3- صحبة القائم بالمسئولية: وهذا كما في قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً)) [المدثر:31].
4- صحبة اللقيا: تطلق الصحبة على التلاقي الذي يقع بين اثنين، ولو لمرة واحدة لسبب ما، ثم ينقطع.
وهذا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر...)([3]) الحديث، فسمى المشتري (صاحباً) مع أن اللقيا وقعت مرة واحدة مع البائع حين يشتري منه السلع.
5- صحبة المجاورة: وهي التي تطلق على المؤمن والكافر والعكس، وهو مصداق ما جاء في قوله تعالى: ((قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)) [الكهف:37].
وكما في قوله تعالى: ((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)) [الكهف:34].
ويجوز أن تطلق الصحبة على من لا يعرف صاحبه ولم يلتق به يومـاً، كما قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه للغلامين من الأنصار اللذين كانا يبحثان عن أبي جهل في غزوة بدر يريدان قتله بسبب سبه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: (هذا صاحبكما الذي تسألان عنه)([4]).
ووفق ما سبق ذكره فاستخدام مدلول الصحبة اللغوية لا يعمم، إذ لو كان (الصحابي) يُعرّف بالصحبة اللغوية وفق الاستخدامات التي مرت، لكنّا نحن جميعـاً في عداد الصحابة, ولكان اليهود والمنافقون والنصارى والمشركون الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم كذلك من باب أولى، إذ لا يشترط في اللغة للفظ المصاحبة اللقاء المستمر أو الإيمان بالله والموت على ذلك.
تنبيـه:
في قصة تطاول المنافق عبد الله بن أبي بن سلول على النبي صلى الله عليه وسلم، طلب عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بضرب عنقه، فقال له: (دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)([5]).
فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصحبة للمنافق في هذا الحديث، لكنه قصد الاستعمال اللغوي لا الاصطلاحي، وهذا من بلاغته صلى الله عليه وسلم وحكمته، ووفق ما تعارف عليه العرب في لغتهم، ولم يكن هناك من محذور في فهم الإطلاق اللغوي، وذلك لأمرين:
الأول: أن الإطلاق اللغوي لا يقصد منه التفريق بين الإيمان والنفاق؛ لأنه ليس له ضابط.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن سبب منع عمر رضي الله عنه عن قتله للمنافق: (حتى لا يتحدث الناس)، والناس المشار إليهم هنا هم فئة مقابلة للصحابة؛ لأن القرآن حينما خاطب أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) [البقرة:153] وحينما كان يوجه الكلام للكفار أو لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم كان خطابه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) [البقرة:21].
ومن المعلوم بداهة أن الكفار هم أكثر الناس عداوة وحرصاً على الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، ولذلك حينما يقتل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول، فلن يقول الكفار بأنه قد قتل منافقـاً يستحق القتل، بل سيقال: (إن محمداً يقتل أصحابه)، وسينتشر الخبر بين العرب ويتحقق ما يرمي إليه الكفار، وهو صد الناس عن قبول هذه الدعوة والالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا التحديد اللغوي في فهم معنى الصحابي عسيراً أو مشكلاً عند الكفار أو المنافقين، فضلاً عن سائر المسلمين الأوائل؛ لأنهم كانوا أهل اللغة وفرسانها والبارعين في دروبها وميادينها، فمن اقتدى بفهمهم وسار على دربهم، وفقه الله لفهم سديد ورأي رشيد لكثير من المعضلات والمبهمات.
ثانياً: تعريف الصحابي اصطلاحاً:
تعددت العبارات الموضحة لتعريف الصحابي اصطلاحاً، وكان من أدقها وأوضحها وأشملها بياناً هو: (من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام).
قال الشهيد الثاني([6]): (الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنـاً به، ومات على الإسلام، وإن تخللت ردته بين لقيّه مؤمنا به، وبين موته مسلماً على الأظهر، والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر, وإن لم يكالمه ولم يره)([7]).
ولتوضيح التعريف السابق أقول:
* (من لقي النبي صلى الله عليه وسلم) أي: في حياته، سواء نظر إليه، أو من لم يستطع النظر إليه كعبد الله بن أم مكتوم؛ فإنه كان أعمى ولقي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره.
وأما من أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ورآه قبل دفنه فلا يعد صحابياً.
* (مؤمناً به) أي: يشترط الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، فمن لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الكفر من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم، سواء أسلم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أو لم يسلم فلا صحبة له.
* (مات على الإسلام) أي: أن من مات على الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقال عنه: إنه صحابي، ولا كرامة له.
الخلاصة:
مما سبق يتضح لنا جلياً أهمية التعامل مع اللغة والاصطلاح في بيان المصطلحات الشرعية وفق فهم العلماء المتخصصين، بعيداً عن التفسير بالرأي أو الهوى، ولأهمية هذا الجانب المؤسس للفهم الصحيح لما سيأتي أحببت أن أبينه كمدخل في المسألة، وذلك قبل الولوج في صلب الموضوع، وهو ثناء الثقلين (القرآن والعترة) على أولياء الرحمن (الصحابة رضي الله عنهم).
---------------
([1]) لسان العرب: (1/519).
([2]) بحار الأنوار: (28/137).
([3]) مستدرك الوسائل: (13/299).
([4]) بحار الأنوار: (19/327).
([5]) شرح أصول الكافي/ مولى محمد سالم المازندراني: (12/487). وانظر: الصحيح من السيرة/ السيد جعفر مرتضى: (6/163).
([6]) العلامة/ زين الدين بن نور الدين العاملي الجبعي (ت:965هـ).
([7]) الرعاية: (ص:339).
--------------
المبحث الثاني: ثناء الثقلين على الصحابة رضي الله عنهم
يجب على كل مسلم أن يعتقد علو مكانة أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم أفضل الأمم، وأن خير قرون الإسلام قرنهم، وذلك لسبقهم للإسلام، وشرف اختصاصهم بصحبة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، والجهاد معه، وتحمل الشريعة عنه، وتبليغها لمن بعده صلى الله عليه وسلم.
وأن يعتقد المسلم كذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليسوا على درجة واحدة في الفضل والمرتبة، بل تتفاوت مرتبتهم في الفضل بحسب سبقهم إلى الإسلام والجهاد والهجرة، وبحسب ما قاموا به رضي الله عنهم من أعمال تجاه نبيهم ودينهم.
فالمسلمون يقدمون المهاجرين على الأنصار، ويقدمون أهل بدر على أهل بيعة الرضوان، ويقدمون من أسلم قبل الفتح وقاتل على غيرهم، وفق ما جاء ذكره وتفصيله عن الثقلين (كتاب الله والعترة الطاهرة عليهم السلام)، اللذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بحبهم.
وقد شهد الثقلان على عدالة الصحابة من بعد رضا الله عنهم، واستفاضت الروايات الدالة على الثناء عليهم؛ لجميل أفعالهم وكريم أقوالهم.
وذكر هذا الثناء لمن حازه هو محور البيان في هذا البحث، وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: ثناء الثقلين (القرآن والعترة عليهم السلام) على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم.
المطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.
المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر رضي الله عنهم.
المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده رضي الله عنهم.
----------
المطلب الأول: ثناء الثقلين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
المسلم العاقل يقرأ القرآن الكريم، ويتمعن في آياته، حيث إن الآيات الكريمة قد استفاضت في ذكر فضائل ومناقب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف اختارهم الله واصطفاهم وعدلهم وزكاهم ووصفهم بأوصاف القبول.
* الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في كتاب الله:
قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
قال الشيخ محمد باقر الناصري:
((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) أي: يطلبون بذلك مزيد نعم الله عليهم ورضوانه عنهم، ((سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) علامتهم يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشد بياضاً، ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)) يعني: أن ما ذكر من وصفهم هو عين ما وصفوا به في التوراة، وكذلك ((فِي الإِنْجِيلِ)) أي: فراخه... ((فَآزَرَهُ)) فاشتد وأعانه فغلظ ذلك الزرع فقام على ساقه وأصوله حتى بلغ الغاية، قال الواحدي: هذا المثل ضربه الله تعالى بمحمد وأصحابه، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما يكون أول الزرع ثم قوى بعضهم بعضاً، ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) أي: في ذلك غيظ الكفار بكثرة المؤمنين واتفاقهم على الطاعة([1]).
وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100].
قال الشيخ أمين ا¬لدين أبو علي الطبرسي:
هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا بدراً، ومن (الأنصار): أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا اثني عشر رجلاً، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلاً، والذين حين قدم عليهم مصعب بن عمير فعلمهم القرآن([2]).
تنبيـه:
حاولت طائفة من أهل الفتن والأهواء إبعاد تلك الآية عن تأويلها الصريح الواضح بالثناء على الصحابة، وقالوا بأن تلك الآيات لا تفيد الثناء على عموم الصحابة؛ لأن الله قال في نهاية الآية الأولى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]، وقال تعالى في الآية الثانية: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100].
فلفظ: (منهم) و(من) في الآيتين، يعني: من بعضهم، وليس جميع الصحابة.
ولبيان ذلك اللبس في الفهم، نبين الأمور الآتية:
أولاً: أن الله تبارك وتعالى بيَّن في كتابه آيات محكمات -أي: صريحة- لا تأويل فيها، ومن حاول أن يعبث في بتأويلها فسينفضح أمره، وينكشف تخبطه.
ومنها آيات متشابهة, أي: فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم. فالأصل في ذلك رد المتشابه إلى المحكم، فمن فعل ذلك اهتدى، ومن عكس انعكس.
ثانيـاً: أن كلمة (منهم) في قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] وكلمة (من) في قوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] ليست للتبعيض كما يتوهم البعض، وإنما تأتي في القرآن الكريم على معنيين:
المعنى الأول: أن (من) بمعنى: من جنسهم، ومن أمثالهم.
وهذا كما في قوله تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30].
ولا يستقيم في المعنى أن الله تبارك وتعالى أمرنا أن اجتناب بعض الأوثان، وترك بعضها فلا نجتنبه، بل أمرنا أن نجتنب جميع الأوثان في قوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30] أي: فاجتنبوا الرجس من جنس وأمثال هذه الأوثان.
المعنى الثاني: أن لفظ (من) تأتي للتأكيد.
وهذا كما في قوله تعالى: ((وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً)) [الإسراء:82]فهل هناك مسلم عاقل يفهم أن معنى الآية هو أن بعض القرآن شفاء ورحمة، وبعضه ليس كذلك؟
لكن يفهم المسلم أن القرآن كله شفاء ورحمة، وأن الله تبارك وتعالى أكّـد في الآية الكريمة السابقة أن القرآن كله شفاء ورحمة.
ثالثاً: أن سياق الآية الأولى فيه مدح وثناء على جميع الصحابة، وليس فيه ذم لبعضهم، قال الله عز وجل: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)) [الفتح:29] فزكى الله تبارك وتعالى ظاهرهم بالسجود والركوع والذل له، وزكى باطنهم أيضـاً في قوله: ((يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29].
بل إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يذم أقوامـاً فإنه يبين ظاهرهم وباطنهم، كما قال تعالى عن المنافقين: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142].
فبذلك يتبين لنا أن قوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29]، وقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] أي: من جنسهم، أو للتأكيد على حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.
أولاً: ثناء آل البيت عليهم السلام على الصحابة الكرام رضي الله عنهم:
ولأجل هذا الثناء المبارك في كتاب الله كانت البشارة من النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة لمن أدرك الصحابة، أو رأى واحداً منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني)([3]).
ولله در أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو الخبير بحال إخوانه، بعد أن جرّب أهل الكوفة ورأى خذلانهم له، قال متذكراً ومادحاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكِر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاء للثواب)([4]).
ويصف الإمام علي عليه السلام حاله وحال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستبسالهم جميعـاً في وجه الأعداء بقوله:
(ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقتُـل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضيّا على اللَّقَـم، وصبراً على مضض الألم، وجِـدّاً في جهاد العدِّو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوِّئاً أوطانه، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم -يعني أصحابه- ما قام للدين عمود، ولا اخضرَّ للإيمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً)([5]).
وعلى هذا المنوال الجميل، والمنهج المستقيم سارت السلسلة الزكية من آل بيت النبي عليهم السلام في الثناء العاطر على رفقاء جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
فهذا الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يدعو في صلاته لأصحاب جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقول: (اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارةً لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر، إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته , فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاةً لك وإليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثَّرت في اعتزاز دينك من مظلومهم , اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10] خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحرَّوا جهتهم، ومضوا على شاكلتهم، لم يثنهم ريبٌ في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفوِ آثارهم والائتمام بهداية منارهم، مُكانفين ومُؤازرين لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يَتّفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم , اللهم وصلِّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين وعلـى أزواجهـم وعلى ذُرِّياتهم، وعلـى من أطاعك منهم صـلاةً تعصمهم بهـا من معصيتك، وتفسح لهـم فـي رياض جنَّتك، وتمنعهم بهـا من كيد الشيطان)([6]). انتهى.
وعن الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: (أوصيكم بأصحاب نبيكم لا تسبوهم، الذين لم يحدثوا بعده حدثاً، ولم يؤووا محدثاً؛ فإن رسول الله أوصى بهم الخير)([7]).
ومن المعلوم أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم خير على الأرض لأهلها، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم من بعده، وذلك لعظيم شأنهم، وعلو قدرهم في التزامهم بهدي سيد البشر صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ استجاب الله لدعائهم لخير الأمة.
فعن موسى بن جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يُوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يُوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني)([8]).
وعن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القرون أربع: أنا في أفضلها قرناً، ثم الثاني، ثم الثالث، فإذا كان الرابع التقى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فقبض الله كتابه من صدور بني آدم، فيبعث الله ريحاً سوداء، ثم لا يبقى أحد سوى الله تعالى إلا قبضه الله إليه)([9]).
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بالخير والرحمة لمن سيخلفه من بعده، من غير تعيين منه على معين بالإمامة، وجعل صفة من سيخلفه ميزته سيره على هديه صلى الله عليه وسلم، للدلالة على اجتماع كلمة الصحابة على من سيختارونه من بعده.
فعن الرضا عليه السلام، عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم خلفائي -ثلاث مرات- قيل له: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنتي، فيسلمونها الناس من بعدي)([10]).
ولأجل مكانة الصحابة السامقة، تمنى نبي الله موسى عليه السلام أن يرى أولئك النفر الذين حازوا كل هذا الفضل العظيم.
فعن الرضا عليه السلام قال: (لما بعث الله عز وجل موسى بن عمران واصطفاه نجيـاً، وفلق له البحر، ونجَّى بني إسرائيل، وأعطاه التوراة والألواح رأى مكانه من ربه عز وجل، فقال موسى: يا رب، فإن كان آل محمد كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله عز وجل: يا موسى، أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وكفضل محمد على جميع النبيين فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم! فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى، إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات -جنات عدن والفردوس- بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون)([11]).
تساؤل:
لو سأل سائل: بم نال الصحابة كل هذا الثناء العاطر من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحازوا هذه المراتب العلى؟
فالإجابة تأتي من الروايات الكثيرة الواردة عن آل البيت عليهم السلام، والدالة على عظيم خلق وأدب وتوقير الصحابة الكبير للنبي صلى الله عليه وسلم، وتبين الحب الجم له، ومنها:
ما ذكره المجلسي في بحاره عن القاضي في الشفاء في ذكر عادة الصحابة في توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، من رواية أسامة بن شريك أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على رءوس الطير)([12]).
وهذا عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من تعظيم أصحابه له، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون([13]) عليه، ولا يبصق بصاقاً ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، فلما رجع إلى قريش قال: (يا معشر قريش، إني أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه)([14]).
وعن أنس: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل)([15]).
وفي حديث: (فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً القرفصاء أرعدت من الفرق هيبة له وتعظيماً)([16]).
وفي حديث المغيرة: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافر)([17]).
وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: (لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر، فأؤخره سنين من هيبته.. ثم قال رضي الله عنه: واعلم أن حُرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه وسنته وسماع اسم سيرته ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته)([18]).
فهل بلغ أسماعكم أو وقعت أعينكم على مثل هذا الأدب والتوقير؟ فيالها من دلالات حب من الصحابة رضي الله عنهم لسيد البشر صلى الله عليه وسلم.
------------
([1]) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: جامع الجوامع، من وحي القرآن (سورة الفتح:29).
([2]) تفسير جامع الجوامع, وانظر: تفسير من وحي القرآن، العياشي (سورة التوبة:100).
([3]) أمالي الصدوق: (ص:400), أمالي الطوسي: (ص:440) , الخصال: (2/342)، بحار الأنوار: (22/305).
([4]) نهج البلاغة: (ص:143)، وانظر: الكافي: (2/236)، بحار الأنوار: (66/307).
([5]) نهج البلاغة: (ص:91)، بحار الأنوار: (32/549).
([6]) الصحيفة السجادية: (ص:42).
([7]) بحار الأنوار: (22/305).
([8]) بحار الأنوار: (22/309)، وانظر: نوادر الراوندي: (ص:23).
([9]) بحار الأنوار: (22/309).
([10]) بحار الأنوار: (2/144).
([11]) بحار الأنوار: (13/340), تفسير الإمام العسكري: (ص:31)، تأويل الآيات: (ص:411).
([12]) بحار الأنوار: (17/32).
([13]) وفي الأصل: يقتلون.
([14]) المصدر نفسه.
([15]) المصدر نفسه.
([16]) المصدر نفسه.
([17]) المصدر نفسه.
([18]) المصدر نفسه.
-------------
المطلب الثاني: ثناء الثقلين على الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم:
من بعد أن تبين لنا كيف فاض المدح والثناء على الصحب الكرام، جاء التخصيص والتقييد على طائفة منهم وهم الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول.
فخص الثقلان (كتاب الله وعترته آل البيت) بثنائهم وكريم مدحهم الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، فما ذُكر في كتاب الله من ثناء على الصحابة فالخلفاء الثلاثة داخلون فيه من باب أولى، وأما عترة آل البيت فقد نال الخلفاء الثلاثة من ثنائهم الشيء الكثير لتميزهم وانفرادهم بخصائص لم تتوفر في غيرهم من الصحابة، وللعلاقة الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت أشهر من نار على علم.
فقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل لم يتزوج هاشمية وله إحدى عشرة امرأة، وزوج ابنتيه: رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان([1]) وزوج الإمام علي عليه السلام ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب([2])، وسمى أولاده بأسمائهم وكذا أبناؤه([3]).
ويمكن أن يستدل على حسن علاقة بعضهم ببعض، وعلى ما بينهم من مودة ومحبة وطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما يظهر هذا جلياً لمن صلح قلبه، وزالت غشاوة التعصب عن بصره، وقلَّب بصره في كتب التاريخ بأمور كثيرة وروايات عدة.
ولقد اكتفيت ببعض الروايات التي ساقها العلماء في كتبهم عن الأئمة عليهم السلام والدالة على هذا الثناء.
قال الإمام علي عليه السلام: (ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا)([4]).
وقال عليه السلام مثنياً على خلافة الثلاثة، وعلى من اختارهم:
(إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامـاً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى)([5]).
وقال الإمام علي عليه السلام مثنياً على عمر بن الخطاب: (لله بلاء فلان! فلقد قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السُنّة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه)([6]).
وقال أيضاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في حياته، حين شاوره في الخروج إلى غزو الروم: (إنك متى تَسِرْ إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة -ستر ووقاية- دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً مجرباً واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت رِدءاً للناس ومثابة للمسلمين)([7]).
وتجاوز التقدير من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما حتى بعد وفاتهما بوقت طويل، حيث إنهم مضوا على هديهما ولم يغيروا شيئاً أمرا به، بل كانوا ينهلون من علمهما وفتاواهما رضي الله عنهما، ودليل ذلك:
ما قاله الإمام علي عليه السلام حين سُـئِل في رد فدك -وكان حينئذٍ الخليفة-: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر)([8]).
وقد حث الإمام محمد الباقر عليه السلام شيعته بأن يفعلوا مثل ما فعل، حين تعلم واقتدى بأبي بكر الصديق، وذلك عندما سُئل عن جواز حلية السيف، فقال: نعم، قد حلَّى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة! فقال (أي: السائل): أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: (نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق فلا صدّق الله قوله في الدنيا والآخرة)([9]).
فهؤلاء آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهم أقرب الناس عهداً بالشيخين، لم يفتهم ما عملا ولا غاب عنهم ما فعلا, ألا تكفينا شهادتهم ورأيهم في أولئك النفر، أم نريد هدياً وقولاً غير هديهم وقولهم عليهم السلام؟!!
----------------
([1]) انظر بحار الأنوار: (22/202)، إعلام الورى: (ص:141).
([2]) انظر الكافي: (6/115)، مرآة العقول: (21/199).
([3]) انظر: (ص:89) من هذا الكتاب.
([4]) انظر وقعة صفين: (ص:88)، شرح نهج البلاغة: (15/76).
([5]) نهج البلاغة: (ص:366)، البحار: (33/76).
([6]) نهج البلاغة: (ص:350).
([7]) نهج البلاغة: (ص:192)، بحار الأنوار: (31/135).
([8]) شرح نهج البلاغة: (16/252).
([9]) كشف الغمة: (2/147).
---------------
المطلب الثالث: ثناء الثقلين على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم
فضّل الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار على سائر الصحابة رضي الله عنهم، وذلك لسبقهم في الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام، ودخولهم فيها، وتحملهم الأذى لأجلها.
وفضّل الله تبارك وتعالى المهاجرين على الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، وقد تركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم وخرجوا إلى أرض هم فيها غرباء طالبين فقط الأجر ونصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما الأنصار فقد أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم في بلادهم، فنصروه وقسموا أموالهم ونساءهم، نصرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد شهد الثقلان (كتاب الله وعترة النبي صلى الله عليه وسلم) على فضلهم والرضا عنهم وتتابعت واستفاضت الآيات الكريمة الموضحة لحال الصحابة، المبينة لفضلهم الكبير ورضا رب العالمين عنهم، وتنوعت عبارات الأئمة من آل البيت عليهم السلام المفسرة للآيات في هذا، ومما جاء في ذلك:
ثانياً: ثناء القرآن الكريم على المهاجرين والأنصار:
قال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:8-9].
قال الشيخ محمد باقر الناصري:
(((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) إلى المدينة هرباً من مكة ومن غيرها ((أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)) جاءوا ((يَبْتَغُونَ)) يطلبون ((فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) أي: وينصرون دين الله، ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ)) يعني: المدينة حيث سكنها الأنصار قبل المدينة, أو قبل إيمان المهاجرين وهم أصحاب ليلة العقبة سبعون رجلاً بايعوا رسول الله على حرب الأبيض والأحمر، ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) وقد أحسنوا إلى المهاجرين، وأسكنوهم دورهم، وأشركوهم في أموالهم، ولا يجدون في قلوبهم حسداً ولا غيظاً مما أعطي المهاجرون دونهم من مال بني النضير، ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) أي: مع فقرهم وحاجتهم ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) أي: ومن يدفع بخل نفسه ((فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) الناجحون الفائزون بثواب الله)([1]).
وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) الذين تركوا مكة وقصدوا المدينة هجرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن دار الحرب إلى دار السلام، وهم ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)) التي كانوا يملكونها ((يَبْتَغُونَ)) يطلبون.. ((فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) راغبين بفضله ورضاه ورحمته.. ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ)) أي: يهاجرون نصرة لدينه وينصرون.. ((وَرَسُولَهُ)) بتقويته على أعدائه ((أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) فعلاً؛ لأنهم قصدوا نصر الدين، واستجابوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن مدح أهل مكة وغيرها من المهاجرين مدح الأنصار من أهل المدينة؛ لأنهم طابت أنفسهم من الفيء فرضوا تقسيمه على المهاجرين المحتاجين، فقال.. ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ)) أي: سكنوا المدينة، وهي دار الهجرة التي تبوأها الأنصار قبل المهاجرين ((وَالإِيمَانَ)) إذ لم يؤمنوا قبل المهاجرين، بل آمنوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إلا قليل منهم.
أما عطف الإيمان على الدار في التبوّء، فهو عطف ظاهري لا معنوي؛ لأن الإيمان لا يتبوأ، وتقديره وآثروا الإيمان على الكفر ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) يعني: قبل قدوم المهاجرين إليهم حين أحسنوا إليهم، بأن أسكنوهم بيوتهم وشاركوهم في أموالهم ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) أي: لم يكن في قلوبهم حزازة ولا غيظ ولا حسد بسبب ما أخذ المهاجرون من الفيء الذي استولوا عليه من مال بني النضير، بل طابت به نفوسهم وكانوا ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) أي: يقدمون المهاجرين ويفضلونهم على أنفسهم في العطاء ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) أي: ولو كانت بهم حاجة وفقر، وذلك رأفة بإخوانهم وطلباً للأجر والثواب ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) أي: الفائزون بثواب الله تعالى الرابحون لجنته ونعيمها ([2]).
وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الأنفال:74-75].
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا)) أي: الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله، وأيقنوا بوجود الله ووحدانيته، وتركوا ديارهم فراراً بدينهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا معه لينصروا دينه وشريعته ((أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)) [الأنفال:74] هم المصدقون فعلاً، قولاً وعملاً، وقد حققوا إيمانهم حتى برهنوا أنه إيمان حق، فهؤلاء ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) أي: أعد الله لهم (مغفرة): تجاوزاً عن سيئاتهم، ورزقاً كريماً: واسعاً عظيماً لا ينغصه شيء من المكدرات... ((وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا)) [الأنفال:75] أي: الذين آمنوا بعد فتح مكة، وقيل: هم الذين آمنوا بعد إيمانكم ((وَهَاجَرُوا)) إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرتكم الأولى ((وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ)) فقاتلوا الكفار والمشركين بجانبكم ((فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ)) فهم من جملتكم إيماناً وهجرةً وجهاداً وحكماً في الموالاة والميراث والنصرة، رغم تأخر إيمانهم وهجرتهم([3]).
وقال تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ)) [التوبة:20].
قال السيد محمد حسين فضل الله:
((الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا)) وتحملوا ما تحملوه من هجرة الوطن، إلى حيث يملك الإنسان حرية الحركة في الدعوة والجهاد، ويبتعد عن مواطن الضغط الذي قد يعرضه للفتنة في دينه، وذلك دليل الإخلاص العظيم لله فيما يمثله من التمرد على كل العواطف الذاتية والخصائص الحميمة، من أجل الله وحده، والذين جاهدوا ((فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)) فيما بذلوه من أموالهم للدعوة وللجهاد، وفيما واجهوه من أخطاء مادية ومعنوية في هذا الاتجاه، حيث فقدوا أي معنى للجانب الشخصي فيما يعيشون، وتحولوا إلى عنصر متحرك في نطاق الجوانب العامة المتصلة بالله، وبالحياة، أولئك ((أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ)) من كل النماذج الأخرى التي قد تعمل الخير في المجالات المحدودة ((وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ)) برحمته ورضوانه وجنته([4]).
وقال تعالى: ((رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [آل عمران:193-195].
قال السيد عبد الله شبر:
((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ الثَّوَابِ)) ما طلبوا ((أَنِّي)) بأني ((لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)) بيان لعامله ((بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)) بجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد أو الإسلام ((فَالَّذِينَ هَاجَرُوا)) الشرك أو أوطانهم أو قومهم للدين ((وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي)) من أجل ديني وبسببه ((وَقَاتَلُوا)) المشركين.. ((وَقُتِلُوا)) واستشهدوا، والواو لا توجب الترتيب، إذ المراد لما قيل لهم قاتلوا.. ((لأكَفِّرَنَّ)) لأمحون ((وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) يستحقونه منه.. ((وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) على الأعمال لا يقدر عليه أحد سواه([5]).
فتمعن -أيها القارئ المحب لآل البيت- ما سبق، فهو نزر يسير مما جاء في فضل الصحابة عموماً رضي الله عنهم.
ثالثاً: ثناء النبي صلى الله عليه وسلم والعترة على المهاجرين والأنصار:
جاءت الروايات الصحيحة عن آل البيت عليهم السلام الدالة على فضل المهاجرين والأنصار مستفيضة، أسوق منها الآتي:
عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة)([6]).
وفي الخبر عن كعب بن عجرة: (إن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أينا أولى به وأحب إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: أما أنتم يا معشر الأنصار فإنما أنا أخوكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال صلى الله عليه وسلم: وأما أنتم معشر المهاجرين فإنما أنا منكم، فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال صلى الله عليه وسلم: وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي. فقمنا وكلنا راض مغتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم)([7]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني تارك فيكم الثقلين إلا أن أحدهما أكبر من الآخر... وقال: ألا إن أهل بيتي عيني التي آوي إليها، ألا وإن الأنصار ترسي فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم)([8]).
وهذه النصوص المباركة لم تكن غائبة عن أذهان آل البيت، بل إنهم وعوها وحفظوها، ومن ذلك ما كان من مدح الإمام علي عليه السلام للمهاجرين في جوابه لمعاوية، فيقول: (فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم)([9]).
وقال عليه السلام: (وفي المهاجرين خير كثير نعرفه، جزاهم الله خير الجزاء)([10]).
وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم)([11]).
وما سبق غيض من فيض، وقطرات من بحر عظيم يفيض على القلوب فيكون بلسماً شافياً ونوراً هاديـاً، يحيا به من كان غافلاً، أو أراد طائفة يقتدى بفضائلها ومناقبها، ولله در الآل عليهم السلام حين أثنوا على الصحابة رضي الله عنهم ولم يستثنوا من هذا الثناء والمديح أي أحد منهم.
---------------
([1]) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: تفسير الكاشف، المنير: (سورة الحشر: 8-10).
([2]) تفسير الجديد (سورة الحشر: 8-10).
([3]) تفسير الجديد، وانظر: الصافي، الوجيز، تقريب القرآن (سورة الأنفال:74).
([4]) تفسير من وحي القرآن، وانظر: التبيان، تقريب القرآن (سورة التوبة:20).
([5]) تفسير شبر (سورة آل عمران: 195).
([6]) أمالي الطوسي: (ص:268), بحار الأنوار: (22/311).
([7]) المناقب: (3/331)، بحار الأنوار: (22/312).
([8]) بحار الأنوار: (22/311).
([9]) نهج البلاغة: (ص:374), بحار الأنوار: (33/104)، وقعة صفين: (ص:149).
([10]) وقعة صفين: (ص:88)، بحار الأنوار: (33/110).
([11]) بحار الأنوار: (19/31)، مجموعة ورام: (1/33)، تفسير الصافي: (1/490)، تفسير نور الثقلين: (1/541).
---------------
المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر رضي الله عنهم:
من بعد المديح العام للصحابة رضي الله عنهم ثم بقسميهم: المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم جاء التحديد لفئات محددة من الصحابة، لتميزهم بعمل عظيم أو سبب خاص فحازوا مزيد فضل عن غيرهم.
فقد جعل الله سبحانه وتعالى الأفضلية والمراتب العظيمة في الصحابة لمن شهد معركة بدر من المسلمين، وكانوا حينئذٍ قلة، ولم يستعدوا لقتال أو مواجهة ضد صناديد قريش الكفار حين أتاهم المنادي لمواجهة قافلة الكفار.
لكن تحقق النصر المبين بفضل الله ومنته على أيدي هؤلاء القلة، الذين هيبوا العرب وأخافوهم، وجعلت هذه الغزوة لهم منزلة عظيمة بين القبائل العربية.
وقد اطَّلع الله على أعمال هؤلاء الأطهار، وبشرهم بأنهم لن يموتوا على الكفر، وأن ذنوبهم مغفورة لهم بإذنه سبحانه.
وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أراد أن يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فقال له: (وما يدريك -يا عمر- لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم)([1]).
وهذه تزكية وشهادة أبدية من الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لأهل بدر وأنه راض عنهم إلى يوم القيامة.
--------------
([1]) انظر: بحار الأنوار: (21/92)، شرح نهج البلاغة: (17/89).
--------------
المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده:
من بعد ثناء الله على أهل بدر رضي الله عنهم، لمسارعتهم إلى القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم من غير دعوة وميعاد، اتسعت دائرة الثناء لتشمل أولئك الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح.
والمسلم يؤمن بأفضلية أولئك الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا من الصحابة رضي الله عنهم، على من أنفق من بعد الفتح وقاتل.
والفتح المقصود به (صلح الحديبية)، كما قال تعالى: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1].
والحديبية: بئر قرب مكة، وقعت عندها بيعة الرضوان، وصلح الحديبية تحت شجرة كانت هناك، حينما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن دخول مكة فبايعوه على الموت.
وخُص أصحاب الفتح أو صلح الحديبية بهذه الخصيصة من الفضل وعلو المكانة؛ للحاجة القاهرة التي ألمت بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في وقتها إلى العدد والعدة في ظروف عصيبة، وكان الصلح وما جرى بعده من مبايعة بين الصحابة رضوان الله عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم، فتحا مبينا للنتائج الباهرة التي تبعته من بعد ذلك.
وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، وكان عددهم يتجاوز ألف صحابي، ولعدم حضور عثمان في المبايعة- نتيجة ذهابه للوساطة من قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة - ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه الشريفتين على الأخرى مبايعة لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
لكن بعض المسلمين قالوا: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، وأحلّ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف به)([1]).
فسُميت هذه البيعة فتحاً، لما حصل بسببها وبعدها من الخير الكثير والنصر المبين للمسلمين، وقد أثنى الله تبارك وتعالى على هؤلاء الأطهار، وزكى ظاهرهم وباطنهم، فقال سبحانه: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
قال الشيخ أمين الدين أبو علي الطبرسي:
(إنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، (لأنهم) ([2]) بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السَّمُرة ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) من صدق النية في القتال والصبر والوفاء، وكان عددهم ألفـاً وخمسمائة أو وثلاثمائة ((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) والضمير للمؤمنين, والسكينة هي اللطف المقوي لقلوبهم كالطمأنينة ((وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) يعني: فتح خيبر([3]).
وقال تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
(((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ)) أي: لا يتساوى ((مَنْ أَنْفَقَ)) من ماله في سبيل الله ((مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) الكفار, فإن ((أُوْلَئِكَ)) الفاعلين لذلك ((أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) أي: بعد فتح مكة أعزها الله، فالنفقة على جيش الإسلام مع الجهاد قبل فتحها، أعظم ثوابـاً عند الله من النفقة والجهاد بعده ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) أي: وعد هؤلاء وهؤلاء بالجنة وإن تفاضلوا في درجاتها ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) أي أنه عليم بكل ما تفعلونه ولا يخفى عليه شيء من حالكم ومقالكم وإنفاقكم وجهادكم، بل هو أعلم بجميع تصرفاتكم ونياتكم)([4]).
وقد حكم الله تبارك وتعالى لمن وعد بالحسنى بالجنة بقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ)) [الأنبياء:101-103].
قال أبو جعفر الطوسي:
(((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى)) يعني: الوعد بالجنة...ثم قال: وأخبر تعالى أن من هذه صفته مبتعد عن النار ناءٍ عنها)([5]).
وكما كان الحال في عسر وضيق على الصحابة قبل وأثناء صلح الحديبية، تميزت غزوة تبوك ببيان الحال الكاشف للمنافقين عن المخلصين في المدينة، وفي فترة من الوقت خدّاعة لقلوب بعض الناس، حيث جاء القرآن جلياً في ذلك، فقال تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
قال السيد محمد تقي المدرسي:
((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) توبة الله على النبي تعني المزيد من بركاته عليه، ولكن بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار قد تعني أيضـاً غفران ذنوبهم، ولكن بماذا وكيف غفرت ذنوبهم؟بأنهم اتبعوا الرسول في ساعات الشدة، ولأن ذلك كان عملاً كبيراً، والله سبحانه يغفر بسبب الحسنات الكبيرة الذنوب الصغيرة، لذلك أكدت الآية على هذه الحقيقة ((الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) فالصبر في ساعة العسرة عمل عظيم يغفر الله تعالى بسببه سائر الأعمال الصغيرة)([6]).
وقال الشيخ الطبرسي: (تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو... فلما تهيأ للخروج قام خطيباً فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان، جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجهز ناساً من أهل الضعف، وهو الذي يقال: إنه جهز جيش العسرة، وقدم العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفق نفقة حسنة وجهز، وسارع فيها الأنصار، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة)([7]).
فكل ما سبق من الآيات والروايات الباهرة تكفي وتوضح شأن أولئك النفر الذين بذلوا كل شيء في نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وإعلاءٍ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن تتبع أقوال العلماء المحبين لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الآنفة، ونظر بعين التعقل وبنور الإنصاف، استبان له فضل تلك العصبة المباركة ذات الأفعال المخلصة المستضيئة بنور النبوة، لتمسكهم بسنة حبيبهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، فشهد لهم الثقلان بهذه المنزلة العالية.
-------------
([1]) انظر: الكافي: (8/325)، بحار الأنوار: (20/365).
([2]) لأنهم: زيادة ليتضح المعنى.
([3]) تفسير جامع الجوامع، وانظر: مقتنيات الدرر، تقريب القرآن (سورة الفتح:18).
([4]) تفسير الجديد، وانظر: تفسير الصافي، شبر، مقتنيات الدرر, الجوهر الثمين: في تفسير (سورة الحديد:10).
([5]) تفسير التبيان، وانظر: تفسير الجديد: في تفسير (سورة الأنبياء:101).
([6]) تفسيرمن هدي القرآن، وانظر: تفسير الجديد، من وحي القرآن (سورة التوبة:117).
([7]) انظر إعلام الورى: (ص:121), بحار الأنوار: (21/244).
---------------
المبحث الثالث: كيف ظهرت الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم؟
بعد أن بيّنا بفضل الله الروايات الدالة على فضل الصحابة رضي الله عنهم والمجلية لكبير شأنهم عند الأئمة عليهم السلام والعلماء، وذلك من خلال الآيات القرآنية، والروايات المنقولة عن العترة عليهم السلام، يتبادر إلى أذهان فئة من المسلمين تساؤل هام: كيف إذاً وقع التفرق والخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم وهم أهل الفضل والاتباع لدين الله؟
أولاً: أول من أشعل الفتنة بين المسلمين:
لعل العيش الهنيء الذي ساد مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وكثرة الفتوحات المباركة والانتصارات العظيمة على أعداء الله، ابتداءً بطرد اليهود من المدينة ثم من الجزيرة وتبعه بفترة تقويض عرش فارس، ودخول جماعات جديدة في دين الإسلام والعيش مع المسلمين، وهم أهل فكر وأعراف سابقة لم ينزعوها من أذهانهم،أوجد تربة خصبة لبذر الشقاق والفرقة في صفوف الأمة المسلمة.
ومع ما سبق بيانه من رغد العيش وكثرة الفتوحات فإن كل ذلك لم يناسب أهل الأهواء، فحاولوا جاهدين بذر وسائل الفرقة في هذا المجتمع المبارك المثالي، واستماتوا في إشعال نار التفرق والابتداع في الدين الإسلامي من خلال تفريق صفوف الصحابة رضي الله عنهم.
فكانت أول مداخل الشر أشعال نار الفتنة وزرع بذور الشبهة من خلال إغواء النفوس المريضة، فتم ابتداع قضية الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يوهن جمع الصحابة ويفرق صفوف المسلمين ويضعف قوتهم.
فكان الذي تولى كبره في هذا الأمر، ورفع راية ذلك المكر الخبيث، عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أثار الناس ابتداءً بالخروج لقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبعد ذلك قام بالكذب على لسان الإمام علي عليه السلام، ونسب إليه جملة من الأقوال والمعتقدات اليهودية، وروجها وأشاعها بين كثير من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتن، فنشر بينهم الغلو والألوهية في علي عليه السلام، وادّعى أن له خلافة ووصية قد غصبت منه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من قبل الصحابة رضي الله عنهم.
ولما تطاير شرر هذه البدع الخطيرة بين الناس، وزين الشيطان لهم أعمالهم، تناهت أقوالهم إلى سمع وعلم أمير المؤمنين علي عليه السلام، فغضب ولم يتهاون ولم يغض الطرف عن هذه المقولات الشنيعة، فما كان منه إلا أن حفر الأخاديد وأشعل فيها النيران وهدد بإحراق كل من لم يتراجع عن هذا الافتراء الخطير، فأحرق منهم عدداً، وأجلى قوماً آخرين.
وقد نقل المجلسي في بحاره أن رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام: (إن على باب المسجد قوماً يزعمون أنك ربهم! فدعاهم فقال: ويلكم! إنما أنا عبد الله مثلكم، آكل الطعام، وأشرب الشراب، فاتقوا الله وارجعوا.
فأتوه في اليوم الثاني والثالث، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم عليه السلام: والله إن تبتم وإلا قتلتكم أخبث قتلة , فدعا قنبراً وأتى بقدوم، وحفر لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر، فدعا بالحطب فطرحه والنار فيه، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعون! فأبوا، فقذف بهم فيها حتى احترقوا.
وقال بعض أصحابه: لم يحرقهم، وإنما أدخن عليهم. ثم قال عليه السلام:
لما رأيت الأمر أمر منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا
ثم احتفرت حفراً وحفرا وقنبر يحطم حطماً منكرا([1]))
فحذار أن يذهب بك التفكير -أيها القارئ الكريم- إلى أن هذه الشخصية التي حاكت المؤامرة الخبيثة كانت من نسج الخيال، أو جاءت من وهن المقال، بل كانت متواجدة في الساحة الإسلامية، تدبر وتخطط، لذا لم يغفل عن بيان حالها العلماء، وكشفوا عوارها، فذكروا دورها الخبيث في تفريق صف الأسرة الإسلامية الواحدة، ونشر المفاسد الخطيـرة في أذهان العوام.
وقد ترجم شخصية عبد الله بن سبأ كثير من العلماء، منهم:
1- سعد بن عبد الله الأشعري القمي (301 هـ): فقال: هذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني، وساعده على ذلك عبد الله بن حرسي وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه، وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم([2]).
2- النوبختي (310هـ): فقال: أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن عليـاً عليه السلام أمر بذلك فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراء من أعدائك؟ فصيره إلى المدائن، إلى أن قال:...ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي الإمام علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض([3]).
3- الكشي (369هـ): فقال: عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ أنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان -والله- أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم.
وقال أيضاً: ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم([4]).
4- شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (460هـ): حيث ترجم في رجاله عبد الله بن سبـأ في باب (أصحاب علي عليه السلام) وقال: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو.
وجاء في حاشية الكتاب: عبد الله بن سبأ - بالسين المهملة المفتوحة والباء المنقطة تحتها نقطة - غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين علي عليه السلام بالنار، وكان يزعم أن علياً عليه السلام إله وأنه نبي([5]).
5- العلامة علي القهبائي (1016هـ): قال في رجاله: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو([6]).
6- العلامة الأربلي (1101هـ): قال: غال ملعون... وإنه كان يزعم ألوهية علي ونبوته([7]).
7- ميرزا النوري الطبرسي (1320هـ) فقد ذكر في كتابه مستدرك الوسائل في باب (حكم الغلاة والقدرية) رواية عن عمار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين عليه السلام المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير منجّم كسرى، فلما زال الزوال قال لدلف: قم معي... إلى أن قال: ثم نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: خذ هذه الجمجمة! وكانت مطروحة، وجاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصب فيه ماء، وقال له: دع هذه الجمجمة في الطست، ثم قال عليه السلام: أقسمت عليك يا جمجمة أخبريني من أنا؟ ومن أنتِ؟ فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أما أنت فأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأما أنا فعبد الله، وابن أمة الله: كسرى أنوشروان , فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم، وأخبروهم بما كان وبما سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين عليه السلام، وحضروه وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل ما قال عبد الله بن سبأ وأصحابه , فقال له أصحابه: فإن تركتهم على هذا كفر الناس! فلما سمع ذلك منهم، قال لهم: ما تحبون أن أصنع بهم؟ قال: تحرقهم بالنار، كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه([8]).
فهذا صنيع العلماء غفر الله لهم في بيان حقيقة المفسدين وأقوالهم تجاه الغلاة الذين وضعوا في هذا الشرع المبارك الكذب والسم والإفراط، فهل نعي هذا الحق الواضح وما قاله الأولون في حق أمير المؤمنين؟
ثانياً: بداية الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم:
إن وقوع الفتن والقتال بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إنما حصل بعد الانتهاء من المؤامرة التي اوقدها عبد الله بن سبأ اليهودي نتيجة نشره الحقد وبثه السموم بين الجهلة وضعاف الإيمان من مسلمة الأمصار, وقد أتت هذه المؤامرات بثمارها الخبيثة والتي قطفها الأوباش بالخروج على خليفة المسلمين عثمان بن عفان وقتله في داره.
وازداد الأمر سوءاً بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، فانتشرت جراثيم الشر في صفوف المسلمين لتنفث سمومها، ذلك أنه لما بويع علي رضي الله عنه خليفة على المسلمين، اندس هؤلاء الخوارج السبئيون بين صفوف أهل المدينة وجيش المسلمين، ولم يكن بمقدور الإمام علي رضي الله عنه في وقتها إخراجهم وتصفيتهم، والأخذ بالثأر منهم في قتلهم لخليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه، خشية تفاقم الفتن والقتلى بين أهل المدينة، مثلما فعل الخليفة المظلوم عثمان رضي الله عنه.
ولما طالبه أهل المدينة بمعاقبة من أجلب على عثمان بن عفان رضي الله عنه الشر، قال لهم الإمام علي عليه السلام: (يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت إليهم أعرابهم، وهم خلالكم ما شاءوا، وهل ترون موضعاً لقدرت على شيء تريدونه؟ إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة - أي: عوناً - إن الناس من هذا الأمر - إذا حرك- على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة -أي: ميسرة- فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة وتسقط منه وتورث وهناً وذلة وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي)([9]).
منذ تلك اللحظات بدأت الفتن تتغلغل بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمفضية إلى انقسامهم إلى طوائف، لما أنقسمت الآراء وتعددت الأجتهادات، فترى طائفة وجوب السرعة في الأخذ بالثأر من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وطائفة أخرى ترى وجوب التريث حتى يستتب الأمر لأمير المؤمنين، فاندس أهل الفساد والسوء بين تلك الأطراف المجتهدة.
ونتيجة لهذا التفرق لم يهدأ بال أهل الفساد من ترك الأمر على ما هو عليه، بل استغلوا كل مناسبة لتأجيج نار الفرقة والخلاف والنفخ في نار الفتنة والسوء فانتهزوا سانحة خروج طائفة من الصحابة من مكة إلى العراق، فأسرعوا بتهييج العواطف أن هؤلاء أرادوا الشر، وتفرقة صفوف الأمة.. ووقعت معركة الجمل.
معركة الجمل:
تشير الروايات التاريخية إلى أنه لم يخرج طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم ومن معهم من مكة إلى العراق مقاتلين، ولا داعين أو طامعين لنزع الخلافة من علي رضي الله عنه، بل خرجوا إرادة الإصلاح وحسم الخلاف، وتجميع المسلمين بتوحيد كلمتهم، والانتقام من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه وإخراجهم من صفوف المسلمين في العراق، هذا ما ذكرته كتب التاريخ، ولم تكن معركة الجمل هي الأخيرة ولكن تبعتها بعد فترة معركة صفين.
ويمكن إجمال هذا الحدث الكبير في الآتي:
لما اقترب موعد الاتفاق بين جيش علي وجيش طلحة والزبير رضي الله عنهم على إخراج هؤلاء الخوارج من الجيش وقتلهم، وانزوى كل صف إلى معسكره، بعد هذا الأمر أبى أولئك الخوارج هذا التجمع المبارك والهدوء؛ لأنه اجتماع على قتلهم وقتالهم فسعوا في بث الفتنة بين الجيشين، وإشعال القتال بينهم بمؤامرة أخرى تكشف عن مكرهم وغدرهم، فدبروا المؤامرة ليلاً في قتلهم من كلا الجيشين أفراداً، حتى ظن كل من الجيشين غدر الآخر، وخفيت هذه المكيدة على الفريقين، فكانت سبباً في نشوب الحرب بين الصفين.
معركة صفين:
لم تكن معركة صفين مختلفة عن واقعة الجمل بأطرافها أو الغاية منها، لذا ذكر علماء التاريخ أن سبب الخلاف والقتال بين علي ومعاوية في صفين لم يكن بسبب أن لمعـاوية طمعـاً وتطلعـاً للخلافة كما يدعي ويروج له الكثير من الكتاب.
فمعاوية لم يرفع إلى الخلافة رأساً، ولم يبايع له بها أحد من المسلمين، ولم يقاتل علياً على أنه خليفة، بل كان سبب الخلاف بين خليفة المسلمين علي بن أبى طالب وأمير الشام معاوية أنه لم يمتثل بما أمره به خليفة المسلمين من عزله من ولاية الشام والإقرار له بالخـلافة.
كان معاوية يريد إنفاذ القصاص في قتلة خليفة المسلمين المغدور به عثمان، وقد أشيع عند أهل الشام أن الخليفة عليـاً امتنع عن معاقبة وملاحقة قتلة عثمان عند توليه خلافة المسلمين، وبدلاً من ذلك قاتل أهل الجمل، وترك أيضاً المدينة وسكن الكوفة وهي معقل قاتلي عثمان، وأن في جيشه من هو متهم في قتل خليفة المسلمين السابق.
وحرصاً من أمير المؤمنين على توضيح الأمر، وإبطال المزاعم المنشورة، ولم ّشتات المسلمين، أرسل كتاباً لمعاوية، مبيناً فيه إثبات أحقية خلافته كما ثبتت خلافة من قبله مع تبرؤه من دم عثمان رضي الله عنه، فقال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامـاً كان ذلك لله رضاً، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى , ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى، فتجنّ ما بدا لك، والسلام)([10]).
فلما نشب القتال بين صفوف المسلمين، وسالت الدماء فيما بينهم، انتهت المعركة برفع جيش معاوية رضي الله عنه المصاحف، طالبين التحكيم فيما بينهم بما يرضي الله عز وجل فرضي خليفة المسلمين علي عليه السلام بهذا الطلب ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية رضي الله عنه إلى الشام بشروط اتفق عليها الطرفان.
وقد قصّ أمير المؤمنين علي عليه السلام للأمصار ما جرى بينه وبين أهل صفين، فقال: (وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء)([11]).
ولم يكن الأمر سرّاً، أو ما جرى بين الصحابة في صفين في خفاء عن المسلمين، أو عن أحد من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان الحدث جلياً معلوماً تتداوله ألسنة الأئمة فيما بينهم.
فقد روى الإمام جعفر الصادق عن أبيه: إن علياً عليه السلام كان يقول لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكن رأينا أنَّا على الحق ورأوا أنهم على الحق)([12]).
إن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي الله عز وجل , ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول الله تبارك وتعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الحجرات:9-10].
قال الشيخ محمد باقر الناصري في تفسيره:
((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)) أي: فريقان من المؤمنين قاتل أحدهما الآخر، ((فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) وابذلوا الوسع في إصلاحهما، ((فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى)) بأن طلبت ما لا يحق لها، وقاتلت ظالمة معتدية، فانصروا الفئة المظلومة ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي)) لأنها ظالمة، ((حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) حتى ترجع إلى طاعة الله وتترك البغي والظلم، فإن رجعت وتابت فعودوا لإجراء الصلح بينهما، ((بِالْعَدْلِ)) دون ميل أو جور ((وَأَقْسِطُوا)) أي: اعدلوا، ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) في الدين فأصلحوا بين الفريقين وأعينوا المظلوم وادفعوا الظالم عن ظلمه([13]).
والحرص على الإصلاح والسعي، وإلى لمّ شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين علي عليه السلام، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللعن لأهل([14]) الشام، فأرسل إليهما علي عليه السلام: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أوليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم، فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي وخيراً لكم)([15]).
وهذا النهي منه عليه السلام لم يكن لخاصة شيعته فقط، بل جهر بنهيه عليه السلام وأوصى جيشه بأكمله، قاصداً أن يعمم هذا النهي لكل زمان ومكان، فقال لجيشه في صفين أيضاً: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصَوَب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم)([16]).
ما بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام:
وبعدما قُتل أمير المؤمنين علي عليه السلام شهيداً على يد الخارجي الغادر ابن ملجم بويع لابنه الحسن عليه السلام بالخلافة على المسلمين، فما كان منه إلا أن جمع صفوف المسلمين، وتحققت فيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم.
فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عليه السلام إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: (إن هذا ابني سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)([17]).
وقد جعل الإمام الحسن بن علي عليه السلام أحد شروط الصلح مع معاوية، أن يحكم في الناس بالكتاب والسنة، وعلى سيرة الخلفاء الراشدين([18]).
ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما - مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي – فقد كان معاوية كلما تذكر علياً بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.
فعن الأصبغ بن نباتة قال: (دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقـال له: صف لي علياً؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي.
قال ضرار: رحم الله عليـاً! كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -والله- مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم الله عليـاً كان -والله- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار...
قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك والله كان علي، رحم الله أبا الحسن)([19]).
هذا هو حال الإخوة في الزمن الماضي، لم يمنع اختلافهم في الاجتهاد من تراحمهم وخلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ خيرُ معين لفهم حوادث الزمن الماضي، بعيداً عن أقوال مبناها عاطفة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب، وليس له من بعد ذلك إلا زيغ الشيطان وشبهاته تتحكم به، والعياذ بالله.
--------------
([1]) بحار الأنوار: (34/414).
([2]) المقالات والفرق: (ص:20).
([3]) فرق الشيعة: (ص:22).
([4]) انظر: رجال الكشي: (ص:107، 108).
([5]) رجال الطوسي: (ص:51).
([6]) رجال القهبائي: (3/284).
([7]) جامع الرواة: (1/485).
([8]) مستدرك الوسائل: (18/168) , مدينة المعاجز: (1/226).
([9]) نهج البلاغة: (ص:243), بحار الأنوار (31/502).
([10]) نهج البلاغة: (ص:366)، بحار الأنوار: (33/76).
([11]) نهج البلاغة: (ص:448)، بحار الأنوار: (33/306).
([12]) قرب الإسناد: (ص:45)، بحار الأنوار: (32/324).
([13]) تفسير مختصر مجمع البيان (3/308)، وانظر أيضـاً: تفسير المعين، بيان السعادة، مقتنيات الدرر، الميزان، الكاشف في تفسير سورة الحجرات: (9-10).
([14]) وفي الأصل: من أهل الشام.
([15]) مستدرك الوسائل: (12/306)، بحار الأنوار: (32/399)، وقعة صفين: (ص:102).
([16]) نهج البلاغة: (ص:323)، بحار الأنوار: (32/561).
([17]) كشف الغمة: (1/519)، بحار الأنوار: (43/298)، عوالي اللآلي: (1/102).
([18]) انظر: كشف الغمة: (1/570)، بحار الأنوار: (44/64).
([19]) بحار الأنوار: (41/14)، أمالي الصدوق:(624).
-------------
المبحث الرابع: المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين
اتخذ أعداء الله والمبغضون لوحدة الصف الإسلامي مما وقع بين الصحابة في وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سبباً وذريعة للوقيعة بهم، والنيل من عدالتهم.
وقد جرى على هذا المخطط الفاسد بعض الكتاب المتقدمين والمتأخرين من أهل البدع والضلال، الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا يحسنون، فجعلوا أنفسهم حكماً بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يصوبون بعضهم، ويخطئون آخرين بلا دليل وحجة، لا سبيل لهم إلا سبيل الجهل واتباع الهوى، وترديد ما يقوله المغرضون والحاقدون من المبتدعة وأذنابهم من الكتّاب الضالين، حتى شككوا الكثير من عوام المسلمين في كتاب الله ([1]) وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم عن طريق الطعن في عدالة الناقلين.
وقد اتخذ هؤلاء الكتاب لتقوية باطلهم وكلامهم المأفون عدة شبه وأساليب ملتوية خبيثة في سبيل تشويه التاريخ، وزرع الفتن والبغضاء بين المسلمين، ومن تلك الأساليب:
أولاً: إسقاط عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
أشاع أولئك المرجفون بين العوام: كيف نأتمن ونطمئن بأخذنا القرآن والسنة من أناس قد وقعت منهم الذنوب والمعاصي؟ وكيف نأخذ ديننا من أناس قد حكم الله عليهم بالنفاق؟
فعندما تُطرح مثل هذه الشبه والسموم على المسلمين، فإن ملقيها لن يقصد على اليقين أعرابياً من مغموري الصحابة، لم يفصّل التاريخ في خبره، أو يسهب في أثره، أو في صحابية من عامة الصحابيات زنت ثم اعترفت فرجمها النبي صلى الله عليه وسلم، أو من رجل كان مبتلى بشرب الخمر فأقام النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحد، ولا يريد بشبهته هذه أمثال حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي زل في رأيه ولم يوفق في اجتهاده، عندما أخبر قريشـاً بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم فاتحاً، فكل أولئك رضي الله عنهم قد تابوا إلى الله عز وجل، إما باستغفار وإنابة منهم، أو بإقامة حد دنيوي عليهم.
لكنه يتوجه بشبهته وطعنه مباشرة إلى كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم، من خلال اختلاق القصص، وإبراز الخلافات بين هؤلاء الأطهار لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله الذي سار عليه المسلمون، بإسقاط عدالة الصحابة ومن ثم يسهل عليهم ضرب كتاب الله، الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، التي فيها تفصيل التشريعات الربانية، فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف الإسلام والمسلمين، وجعل الفتن والبغضاء متأصلة بينهم.
وهذا ملاحظ فيما يشاع بين المسلمين، وما يقوم به أهل الفتن والتدليس من ترويج ونشر للأحاديث المكذوبة على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كضرب الزهراء وإحراق بيتها، وضرب زوجها، واغتصاب خلافته من قبل كبار الصحابة، وغيرها كثير من الأكاذيب المتناثرة في الكتب الجامعة للأحاديث والروايات.
ومن العجيب في ذلك -والعجائب جمة- أننا لم نجد في هذه الروايات الداعية إلى الفرقة والاختلاف بين الصحابة رواية واحدة صحيحة، متصلة السند، إما مرفوعة إلى الإمام علي عليه السلام، أو لغيره من الصحابة، عن رواة عدول من شيعة آل البيت عليهم السلام تسند أمثـال تلك المزاعم.
ولنكن على بينة وعلم:
1- إن الثناء على الصحابة قد تحقق في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكذا على لسان العترة عليهم السلام ([2]).
2- إن مقولة: (إن من الصحابة منافقين) كذبٌ، لأن المنافقين ليسوا من الصحابة أساساً، والمنافقون كان جلهم معروفـاً للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، بأعيانهم أو بأوصافهم؛ لأن آيات القرآن قد بينت كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتى خلجات قلوبهم.
وإذا أخذنا غزوة تبوك مثلاً، وهي من أواخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، نجد أن هنالك من تخلف عنها بأعذار واهية، أو بدعوى خشية الافتتان بنساء الروم، وغيرها من الأعذار السَّمِجَة التي عادة ما يتعذر بها المنافقون حينما يكون هنالك جهاد في سبيل الله.
وقد ذكرها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، في حين أن الصحابة رضي الله عنهم خرج أغلبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق في المدينة إلا رجل معلوم النفاق، أو من له عذر عذره الله، أو من أذِن له النبي صلى الله عليه وسلم بالمكوث والتخلف.
ومما يدل على أن المنافقين معلوم أمرهم وأنهم ليسوا من الصحابة، أن رب العزة قد ذكر توبته على ثلاثة من أهل المدينة تخلفوا من غير عذر شرعي، وذلك لصدق توبتهم وعظيم إيمانهم، ووصف حالهم عند تخلفهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:117] إلى قوله تعالى: ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة:118].
ومن الجدير بالقول أن آيات سورة التوبة قسمت أهل المدينة بعد غزوة تبوك إلى ثلاثة أصناف, ولم تتكلم عن طائفة رابعة، وهي التي أذِن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلف أمثال الإمام علي وابن أم مكتوم، ونفر من الفقراء الذين لم يجدوا ما يستعينون به على الخروج.
فبينت آيات سورة التوبة أن الرحمن تاب على الصحابة الذين شهدوا المعركة في الآية الأولى، وهم الصنف الأول، واستثنى في الآية الثانية المنافقين من مجتمع المدينة، الذين تخلفوا عن الخروج وهم من الصنف الثاني، ثم قص الله علينا شأن ثلاثة من الذين تخلفوا عن المعركة من الصحابة، وأنه سبحانه قد تاب عليهم، بسبب صدقهم مع نبيه صلى الله عليه وسلم وهم الصنف الثالث والأخير.
فأين النفاق في أولئك، مع وضوح الآيات الدالة على حقيقة ما وقع؟!
بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من أكثر الناس خوفاً من الله عز وجل خشية على أنفسهم أن يقعوا في النفاق.
فعن سلام بن المستنير قال: (كنت عند أبي جعفر عليه السلام، فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء، فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر عليه السلام: أخبرنا -أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك- إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الآمال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا. قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب مرة تصعب، ومرة تسهل، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: أما إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، تخاف علينا النفاق؟ قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا ووجِلنا، ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد، يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا إن هذه من خطوات الشيطان ليرغبكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحاله التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا ثم يستغفروا، فيغفر لهم، إن المؤمن مفتّنٌ توابٌ، أما سمعت قول الله عز وجل: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) [البقرة:222]، وقال تعالى: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)) [هود:3])([3]).
3- إن الصحابة رضي الله عنهم معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا على شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها فيستحلونها ويفعلونها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة على عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحطّ من مكانتهم.
ومما يدل على عدالتهم على وجه العموم، ما قام به الأئمة عليهم السلام من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابياً كذب كذبة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومع كثرة انتشار البدع في أواخر عهدهم كبدعة القدرية والخوارج والمرجئة، التي منشأها من تحكيم سقيم العقل وفساد الرأي، إلا أنه لم يوجد صحابي واحد في أولئك المبتدعة أبداً، وهذا يدل على أن الله قد اصطفاهم ورعاهم، وميزهم واختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونشر دينه القويم.
قال أبو عبد الله عليه السلام: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقْــِض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير)([4]).
وقد أثبت الإمام الصادق عليه السلام عدالة أصحـاب النبي صلى الله عليه وسلم على صدق ما يروونـه في حديثهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
فعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: (ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان! قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً)([5]).
ولو جاء مدّعٍ بدليل على وقوع كذب في الصحابة أو حدوث نفاق في قلوبهم لقيل لـه مباشرة: فأين الدليل الصريح على استثناء بعضهم من هذا الادعاء؟
4- لا يلزم من إثبات العدالة للصحابة رضي الله عنهم إثبات العصمة لهم من الأخطاء فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم.
فلهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد، فهم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمع عليه العرب، وجاهدوا بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سبباً في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا، فهذه - بإذن الله-توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلى الكفر.
قال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) [آل عمران:159].
قال العلامة المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها، فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهراً، وكذلك من حُـدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك)([6]).
وقال السيد أبو القاسم الخوئي: (ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وإنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة)([7]).
وقال السيد محمد حسين فضل الله عن عدالة أئمة الجماعات المعاصرين، والذين هم أدنى منزلة ممن أكرمه الله بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدي قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)) [الأعراف:201], وأما كيف تثبت العدالة؟
فذلك بحسب الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه، وفي أخلاقه الفردية، أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبخبر الثقة بعدالته، ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلباً أو إيجاباً)([8]).
ثانياً: تشويه سيرة الصحابة رضي الله عنهم:
مما سبق بيانه وتفصيله عرفنا أن أعداء الإسلام والمفرقين لشمل المسلمين قد استخدموا أساليب خطيرة ومتنوعة لبلوغ غاية عظيمة ألا وهي تشويه حياة وسيرة الصحابة رضي الله عنهم، واستحلوا جميع الدروب والوسائل لتحقيق هذه الغاية، مما أدى إلى نتائج وخيمة وعواقب أليمة، كاستحلال لعنهم وسبهم، وإلصاق كل قبيح بهم.
وزيادة على ما مضى ذكره من أساليب قذرة، نزيد في بيان بعضها، ومنها:
1- اختلاق القصص، سواء كانت على لسان صحابي أو عدة من الصحابة رضي الله عنهم.
2- القيام بالزيادة في الحوادث الصحيحة أو النقصان منها، أو بإسنادها كذباً إلى كتب حديثية غير موجودة فيها.
3- القيام بتأويل الأحداث الصحيحة في آيات القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة تأويلاً باطلاً يتماشى مع أهوائهم ومعتقداتهم وبدعهم، كما قال الله عز وجل: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)) [آل عمران:7].
4- التركيز على إظهار أخطاء الصحابة رضي الله عنهم التي صدرت منهم لقرب عهدهم - في بدء الدعوة والإسلام - بالجاهلية وتأثرهم بشيء منها في أول أمرهم، ومن ثم تغطية محاسنهم وتضحياتهم وجهادهم العظيم، بعد تمكّن التربية والإيمان في قلوبهم.
5- القيام بتأليف أبيات من الأشعار ونسبتها لشخصيات بارزة، والتي تتماشى مع دعوتهم في نشر فتنتهم بين المسلمين وتقويتها، مثلما نُسِب كذباً وزوراً لعلي بن أبى طالب عليه السلام الكثير من الأقوال والأبيات الشعرية([9]).
ثالثاً: الغلو.. والتقول على العترة الكرام:
إن البهتان والتقول على العترة عليهم السلام حين ابتدأ أمره في زمنهم، ارتفعت أصواتهم عليهم السلام بالنهي عنه، وحذروا شيعتهم من خطورة التقول عليهم.
فجاء عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (رحِم اللهُ عبداً حبّبنا إلى الناس ولم يبغّضنا إليهم، أما والله! لو يروون محاسِن كلامنا لكانوا به أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء، ولكنّ أحدهم يسمع الكلمة فيحط عليها عشراً)([10]).
وقال أيضاً: (إن ممن ينتحل هذا الأمر - يعني من: يدَّعي اتباعهم- ليكذب حتى إن الشيطان ليحتاج إلى كذبه)([11]).
وقال كذلك: (إن الناس أولعوا بالكذب علينا، إن الله افترض عليهم لا يريد منهم غيره، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك بأنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا)([12]).
ولأهمية الصدق والاتصاف به رغَّب العترة شيعتهم أن يتحلوا بهذا الخلق المبارك فمن ذلك ما قاله أبو عبد الله عليه السلام: (إنّا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكـذب عليه , وكان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ)([13]).
وعن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لعن الله عبد الله بن سبأ! إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبدَا لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم)([14]).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن فيك مثلاً من عيسى أبغضته يهود خيبر حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزلة التي ليس له ألا فإنه يهلك فيّ اثنان: محب مفرط يفرط بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله بغضعه على أن يبهتني، ألا إني لست بنبي ولا يُوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم)([15]).
والغلو داء فتاك في كل عمل وقول، وتستفحل خطورته أكثر إذا كان في جانب الدين، فما الظن إن كان الغلو هو القائد في الحب أو البغض.
لأجل هذا حذر منه الأئمة، فجاء عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: (اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم أبداً، ولا تنصر منهم أحداً)([16]).
وقال الإمام الصادق عليه السلام: (الغلاة شر خلق الله، يصغرون عظمة الله، ويدعون الربوبية لعباد الله، واللهِ إن الغلاة لشرٌ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا)([17]).
وجميع تلك الأساليب والطرق كانت -وما زالت- منذ وجودها طريقـاً إلى تجدد العهد بشتم الصحابة وانتقاصهم وطرح عدالتهم، وغيرها من المثالب.
---------------
([1]) قال الكاشاني: وأما اعتقاد مشايخنا (ره) في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن؛ لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي (ره)، فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبى طالب الطبرسي، فإنه أيضاً نسج على منوالهما في كتابه الاحتجاج. (تفسير الصافي - المقدمة السادسة: (52), وانظر: كذلك تفسير القمي: (1/23)، آراء حول القرآن - آية الله علي الأصفهاني: (88)، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - للميرزا حبيب الله الخوئي: (2/197).
([2]) انظر: (ص:19-48) من هذا الكتاب.
([3]) الكافي:(2/423), بحار الأنوار: (6/41), تفسير العياشي: (1/109), مجموعة ورام: (2/210).
([4]) الخصال: (2/639)، بحار الأنوار: (22/305).
([5]) الكافي: (1/65)، بحار الأنوار: (2/228).
([6]) بحار الأنوار: (85/30).
([7]) منهاج الصالحين: (2/12).
([8]) المسائل الفقهية: (2/174).
([9]) انظر: بحار الأنوار: (20/72، 118، 146، 238، 264، 21/35، 251)، مستدرك الوسائل: (8/119)، (13/75).
([10]) الكافي: (8/229).
([11]) الكافي: (8/254)، بحار الأنوار، (25/296)، رجال الكشي: (ص:297).
([12]) بحار الأنوار: (2/246).
([13]) رجال الكشي: (ص:108)، بحار الأنوار: (25/287).
([14]) رجال الكشي: (ص:107)، بحار الأنوار: (25/286).
([15]) بحار الأنوار: (ص:35، 317)، العمدة: (ص:211).
([16]) بحار الأنوار: (25/284).
([17]) بحار الأنوار: (25/284).
-------------
المبحث الخامس: الموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
إن الموقف الصحيح فيما حدث بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو موقف الاعتدال والوسط، بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة:143].
فواجب علينا أن نتولى جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، ونعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم كما ذكر الله عز وجل في كتابه، وما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نمسك عما شجر بينهم في تلك الأزمنة.
وأن نعلم أن ما وقع بينهم بعد مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه من فتنة فمرجعه إلى تأويل واجتهاد، إذ كان كل واحد منهم يظن أنه على الحق دون غيره، مثلما كان يقول الإمام علي عليه السلام لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على الحق ورأوا أنهم على الحق)([1]).
وعلينا أن نقتدي ونهتدي بهدي الأئمة الأطهار عليهم السلام فلا نلعن ولا نسب أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لنكون ممن قال الله تعالى فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
قال الشيخ محمد باقر الناصري:
((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) يعني من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا)) أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ((وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ)) أي حقداً وغشاً وعداوة للمؤمنين، ولا إشكال أن من أبغض مؤمنا، وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق([2]).
وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) يعني من بعد هؤلاء وهؤلاء، وهم سائر التابعين لهم إلى يوم القيامة ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) أي أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب ((وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) أي لا تجعل فيها حقدا ولا كرها ولا غشا، واجعل قلوبنا معصومة عند ذلك لا تحب لهم إلا الخير ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) أي متجاوز عن خطاياهم متعطف عليهم بالرزق والمغفرة([3]).
ولله در الإمام العابد الزاهد زين العابدين عليه السلام حين سنّ لنا منهجاً مباركاً يسير عليه أحبابه وشيعته، وذلك لما قدم إليه نفر من أهل العراق، فخاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: (ألا تخبروني، أنتم من الذين قال الله فيهم ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا: لا.
قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، اخرُجُوا عني، فعل الله بكم)([4]).
ولنتذكر قول المولى سبحانه: ((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:134].
قال محمد جواد مغنية:
هذه الآية تشير إلى مبدأ عام، وهو أن نتائج الأعمال وآثارها تعود غداً على العامل وحده، لا ينتفع بها من ينتسب إليه إن تكن خيراً، كما لا يتضرر بها غيره إن تكن شراً، وقرر الإسلام هذا المبدأ بأساليب شتى، منها الآية (164) من سورة الأنعام: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))، ومنها الآية (39) من سورة النجم: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى))... ومنها قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لوحيدته فاطمة ([5]): (يا فاطمة، اعملي ولا تقولي: إني ابنة محمد؛ فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً) وأمثال ذلك , والتبسط في هذا الموضوع إن دل على شيء فإنما يدل على أننا حتى اليوم نجهل أوضح الواضحات, وأظهر البديهيات([6]).
وإذا أردت أن ترى المنهج الواقعي في حياة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في إظهار محبة الصحابة والترابط الذي كان بينهم فاقرأ ما يأتي.
--------------
([1]) قرب الإسناد: (ص:45)، بحار الأنوار: (32/324).
([2]) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: تفسير الكاشف، المنير (سورة الحشر:10).
([3]) تفسير الجديد (سورة الحشر:10).
([4]) كشف الغمة: (2/78).
([5]) الصحيح أنها ليست وحيدته بل من بناته أم كلثوم، ورقية، وزينب وإن كانت الزهراء ‘ أفضلهن. انظر: (ص:31) من هذا الكتاب.
([6]) تفسير الكاشف: (سورة البقرة آية:134).
________________________________________
المبحث السادس: الأسماء والمصاهرات بين الصحابة رضي الله عنهم والآل عليهم السلام
لم يستطع بعض الجهلة إخفاء الحقائق التاريخية الدالة على ما حصل بين الصحابة وآل البيت عليهم السلام من محبة ومودة فيما بينهم ومن ذلك تسمية بعضهم بأسماء بعض، أو ما وقع بينهم من مصـاهرات.
فهؤلاء الأطهار لم يسموا أو يزوجوا أولادهم لمصالح دنيوية، أو لإدراك مناصب فانية أو طمعاً في كثرة مال وعَرَض، لكنهم إنما سموا أولادهم بأسماء من يُقتدى بحالهم، وزوَّجوا بناتهم أناساً فيهم صفات طيبة مباركة حرصوا على نيلها مثل سلامة الدين وصفاء القلوب، وهذا الحرص كان نابعا من اتباعهم منهج سيد البشر المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانوا يفتون به لشيعتهم المخلصين.
فعن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: (كتبت إلى أبي جعفر؛ في التزويج، فأتاني كتابه بخطه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، ((إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)) [الأنفال:73] ([1]).
وفي فقه الإمام الرضا عليه السلام: (إن خطب إليك رجل رضيتم في دينه وخلقه فزوجوه ولا يمنعك فقره وفاقته، قال تعالى: ((وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ)) [النساء:130])([2]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله عز وجل لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه إلا علمه نبيه صلى الله عليه وسلم فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: إن جبريل عليه السلام أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر.قال: فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! فمن أزوج؟ قال: الأكفاء. قال: يا رسول الله! من الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض)([3]).
وقال الصادق عليه السلام: (الكفو أن يكون عفيفاً وعنده يسار)([4]).
وقد حذر العترة عليهم السلام من تزويج أولادهم من النواصب أو أصحاب الكبائر والمعاصي، لا سيما الكفار والمنافقين المرتدين.
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك)([5]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال له الفضيل: (أتزوج الناصبة؟ قال: لا، ولا كرامة. قلت: جعلت فداك، والله! إني لأقول لك هذا، ولو جاءني ببيت ملآن دراهم ما فعلت)([6]).
وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (تزوج اليهودية والنصرانية أفضل، أو قال: خير من تزوج الناصب والناصبة)([7]).
وعن أحمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (من زوج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها)([8]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زوج كريمته بفاسق نزل عليه كل يوم ألف لعنة، ولا يصعد له عمل إلى السماء، ولا يستجاب له دعاؤه، ولا يقبل منه صرف ولا عدل)([9]).
وقال أبو عبد الله عليه السلام أيضا: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شارب خمر لا يُـزوج إذا خطب)([10]).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من زوج كريمته من شارب خمر فكأنما ساقها إلى الزنا)([11]).
وعن الحسين بن بشار الواسطي قال: (كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: إن لي قرابة قد خطب إلي، وفي خلقه سوء! قال: لا تزوجه إن كان سيئ الخلق)([12]).
فلا يعقل بعد هذا، ويستحيل حدوثاً أن يقدم آل البيت الأطهار على تزويج أولادهم من أناس مطعون في دينهم أو خلقهم.
ومما يدل على مراعاتهم لهذه القضية الهامة - مع خالص النصح فيما بينهم على الخير والإعانة عليه- أن أبا بكر وعمر وعثمان يسعون في تزويج فاطمة لعلي.
فعن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: (أتاني أبو بكر وعمر فقالا: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له فاطمة)([13]).
وهذا نصح من الصحابين الجليلين للإمام علي عليه السلام تظهر رغبة الصحابة في مصاهرة علي بن أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما كان علي عليه السلام معسراً، قليل ذات اليد، لم يبخل أو يتقاعس عنه إخوانه بشيء عند زواجـه.
وممن شارك في مساعدة الإمام علي في زواجه من فاطمة الزهراء عثمان بن عفان رضي الله عنه.
يقول الإمام علي عليه السلام راويا قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا الحسن انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية إلى عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه، وقبض الدرع مني، قال: يا علي! ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟! فقلت: بلى، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك! فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير)([14]).
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة بأن يشتروا للزهراء ما تحتاجه للعرس بإشراف من أبي بكر الصديق رضي الله عنه ([15]).
فالخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم خاصة، وغيرهم من الصحابة، ممن ساهم واشترك بل وممن أشهدهم النبي صلى الله عليه وسلم على زواج الإمام علي عليه السلام من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لهم الدور الفعال في إتمام هذا الزواج المبارك.
قال أنس رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: (انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليـاً وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أخذوا مجالسهم قال: إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي، على أربعمائة مثقال من فضة)([16]).
ولا يخفى عليك -أيها القارئ الكريم- أن أهل البيت عليهم السلام من أحرص الناس على تزويج أولادهم من أهل الصلاح والتقى، وهم كذلك من أبعد الناس عن تزويج أولادهم للفساق والمنافقين ولا سيما النواصب والمرتدين، ومن ادعى أنهم زوجوا مرتداً أو منافقاً أو فاسقاً فقد أعظم عليهم الفرية، واتهمهم بمخالفة أفعالهم أقوالهم وهو شيء مقته الله على بني إسرائيل وعلى غيرهم، قال تبارك وتعالى: ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [البقرة:44]، والمحب يجلّ أهل البيت عليهم السلام من هذه الصفة، ويعتقد في حقهم أنهم ما زوجوا إلا عدلاً صالحاً.
وإليك أيها القارئ بعضاً من مصاهرات وأسماء أولاد أهل البيت عليهم السلام، لتعلم مقدار التداخل بين العترة والصحابة الدال على الحب والوفاق والود؛ لأنهم عليهم السلام يعتقدون صلاح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجوهم، وتزوجوا منهم، وسموا أبناءهم بأسمائهم.
1) الرسول صلى الله عليه وسلم:
من زوجاته: عائشة بنت أبي بكر الصديق.
حفصة بنت عمر بن الخطاب.
رمله بنت أبي سفيان.
أسماء من صاهروه: علي بن أبي طالب: وقد تزوج ابنته (فاطمة).
عثمان بن عفان: وقد تزوج ابنتيه (رقية) ثم (أم كلثوم).
أبو العاص بن الربيع، وقد تزوج ابنته (زينب).
2) علي بن أبي طالب عليه السلام:
من زوجاته - بعد وفاة فاطمة عليها السلام-:
أسماء بنت عميس (أرملة أبي بكر الصديق).
أمامة بنت أبي العاص بن الربيع(أمها زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم).
من أولاده: أبو بكر، عمر، عثمان.
أسماء من صاهروه: عمر بن الخطاب، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).
عبد الرحمن بن عامر بن كريز الأموي، وقد تزوج ابنته (خديجة).
معاوية بن مروان بن الحكم، وقد تزوج ابنته (رملة).
المنذر بن عبيدة بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (فاطمة).
3) عقيل بن أبي طالب: من أولاده: عثمان
4) الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.
حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
من أولاده: أبو بكر، عمر, طلحة.
أسماء من صاهروه: عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (أم الحسن).
عمرو بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (رقية).
جعفر بن مصعب بن الزبير، وقد تزوج ابنته (مليكة).
5) الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: ليلى بنت أبي مرة (أمها ميمونة بنت أبي سفيان).
أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي([17]).
من أولاده: أبو بكر، عمر.
أسماء من صاهروه: عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد تزوج ابنته (فاطمة). مصعب بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (سكينة).
6) إسحاق بن جعفر بن أبي طالب:
من زوجاته: أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
7) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
من أولاده: أبوبكر و معاوية
صاهره: عبدالملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (أم أبيها)
8) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (زين العابدين) ويكنى بأبي بكر([18]):
من زوجاته: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.
من أولاده: عمر.
9) زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
صاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (نفيسة).
10) الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب¬:
من زوجاته: أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير بن العوام.
11) الحسن (المثنى) بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي.
صاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان وقد تزوج ابنته (زينب).
12) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر.
13) محمد (الباقر) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
14) موسى (الجون) بن عبد الله المحض بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
صاهره: ابن أخي المنصور العباسي، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).
15) الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام
16) عبيد الله بن محمد بن عمر (الأطرف) بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: عمة أبي جعفر المنصور.
17) جعفر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
18) الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين:
من زوجاته: خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام
19) الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
20) جعفر (الصادق) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
قال الإمام الصادق عليه السلام: (ولدني أبو بكر مرتين)([19]), وكان يقال له: (عمود الشرف)([20]).
21) الحسن (الأفطس) بن علي بن علي زين العابدين بن الحسين:
من زوجاته: بنت خالد بن أبي بكر بن عبدالله بن عمر بن الخطاب
22) محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
23) موسى بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: عبيدة بنت الزبير بن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام.
24) جعفر الأكبر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاطمة بنت عروة بن الزبير بن العوام
25) عبدالله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن عمر بن الزبير
26) محمد بن عوف بن علي بن محمد بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: صفية بنت محمد بن مصعب بن الزبير
27) محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاختة بنت فليح بن محمد بن المنذر بن الزبير
28) موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
29) جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاطمة بنت عروة بن الزبير بن العوام.
30) عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن الزبير بن العوام.
31) محمد بن عوف بن علي بن محمد بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: صفية بنت محمد بن مصعب بن الزبير.
32) الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
33) علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
34) موسى(الكاظم) بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي:
من أولاده: عمر , عائشة.
35) علي بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاطمة بنت عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام.
36) يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر.
37) علي (الرضا) بن موسى بن جعفر الصادق. ويكنى بأبي بكر ([21]):
من زوجاته: أم حبيب بنت المأمون العباسي
له من الأولاد خمسة ذكور وبنت واحدة واسمها: عائشة. ([22])
38) جعفر بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق:
من بناته: عائشة
39) محمد (الجواد) بن علي بن موسى بن جعفر:
من زوجاته: أم الفضل بنت المأمون العباسي
40) علي (الهادي) بن محمد بن علي بن موسى:
من بناته: عائشة.([23])
وهذا الترابط والتلاحم الأسري المبارك، بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة وغيرهم في التزاوج، وتسمية بعضهم بأسماء بعض، وكثرة المصاهرات بينهم، إنما تدل دلالة واضحة على مودتهم لبعضهم بعضـاً, واستقامة دينهم ومنهجهم، وسلامة قلوبهم وألسنتهم فيما بينهم، لا كما يروج أصحاب الفتن والبغضاء، فتنبه رعاك الله.
----------
([1]) الكافي: (5/347), تهذيب الأحكام: (7/396), وسائل الشيعة: (20/77).
[2])) فقه الرضا: (ص: 235) , مستدرك الوسائل: (14 / 188) , بحار الأنوار: (100 / 372).
([3]) الكافي: (5/337)، تهذيب الأحكام: (7/397)، وسائل الشيعة: (20/61.
([4]) من لا يحضره الفقيه: (3/394).
([5]) الكافي: (5/348)، الاستبصار: (3/183)، وسائل الشيعة: (20/549).
([6]) الكافي: (5/348).
([7]) الكافي: (5/351).
([8]) الكافي: (5/347)، تهذيب الأحكام: (7/398)، وسائل الشيعة: (20/79)، عوالي اللآلي: (3/341).
([9]) إرشاد القلوب: (1/174), مستدرك الوسائل: (5/279).
([10]) الكافي: (5/348)، تهذيب الأحكام: (7/398)، وسائل الشيعة: (20/79)، عوالي اللآلي: (3/341).
([11]) مستدرك الوسائل: (14/191) , عوالي اللآلي: (1/272).
([12]) الكافي: (5/563)، من لا يحضره الفقيه: (3/409)، وسائل الشيعة: (20/81)، مستدرك الوسائل: (14/192)، بحار الأنوار: (100/234).
([13]) انظر: أمالي الطوسي: (ص:39) , بحار الأنوار: (43/93).
([14]) انظر كشف الغمة: (1/358)، بحار الأنوار: (43/130).
([15]) انظر: أمالي الطوسي: (ص:40)، بحار الأنوار: (43/94).
([16]) كشف الغمة: (1/348)، بحار الأنوار: (43/119).
([17]) وكان أخوه الحسن قد أوصاه عند موته أن ينكح أم إسحاق.
([18]) فرق الشيعة للنوبختي: (ص:53).
([19]) أي من قبل أمهاته: فأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق, وجدته والدة أم فروة هي: أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر. انظر كشف الغمة: (2/161).
([20]) سر السلسلة العلوية: (33), عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: (195).
([21]) ذكر النوري الطبرسي في كتابه / النجم الثاقب في ألقاب وأسماء الحجة الغائب: 14 – أبو بكر وهي إحدى كنى الإمام الرضا كما ذكرها أبوالفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين.
([22]) كشف الغمة: (2: 267)
([23]) ومن أراد الإطلاع على هذه الحقائق فعليه أن يقرأ الكتب التي تتطرق للأنساب، وهي كالتالي:
(عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة , الأصيلي في أنساب الطالبيين لابن الطقطقي, سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري , الإرشاد للشيخ المفيد, منتهى الآمال للشيخ عباس القمي , تراجم أعلام النساء لمحمد حسين الأعلمي الحائري , كشف الغمة في معرفة الأئمة للأربلي , الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري , أعيان النساء للشيخ محمد رضا الحكيمي, تاريخ اليعقوبي لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح , بحار الأنوار محمد باقر المجلسي, مقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصفهاني, أنساب الأشراف للبلاذري , نسب قريش لمصعب الزبيري).
المبحث السابع: سـؤال وجـواب
أيها القارئ الكريم! بين يديك مجموعة من التساؤلات والاستفسارات نسمعها بين وقت وآخر من أهل الشبه والافتراءات، ممن يريد أن يقذف بأحقاده، وينفث عن كراهيته من خلال طعنات واهية كأمثال السراب، يريد من ورائها أن يوهن العلاقة الحميمة بين المسلمين وبين الصحابة، ومن ضمنهم آل بيت النبي عليهم السلام، أو يقصد اللمز والغمز على الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال إظهار المساوئ وإلصاق التهم بهم، ويجهل هذا المأفون أن غمزه وسبه يلحقه ولا يضر جبال الخير شيئاً.
كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وما ستقع عليه عيناك أيها القارئ الكريم هي مجموعة من الشّـبه التي يتعلق بها بعض الجهلة أو الحاقدين تجاه من سبقنا في اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد جعلت هذه الشّبهات على شكل أسئلة، يلحق كل سؤال الجواب عليه ليستبين الحق بإذن الله تعالى، ويوفقنا الله للسير على صراط الحق المبين.
السؤال الأول:
كيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعـاً، والله تبارك وتعالى قد صرح بردتهم جميعاً بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم([1])، مثلما جاء في قوله تبارك وتعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].
الجواب:
أولاً: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أو يأوّل كلام الله تعالى من غير علم.
ثانياً: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة، وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نزل في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلاً على ردة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟!
قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضاً إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمداً، قتلت محمداً([2]).
وقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد([3]).
ثالثاً: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله عز وجل للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل , فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمداً بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقُتل بعضهم، وأنه كما ماتت الرسل قبله سيموت صلى الله عليه وسلم، فليس الموت بمستحيل عليه ولربما القتل، ثم أكد ذلك، فقال سبحانه: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] معناه: أفإن أماته الله، أو قتله الكفار، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم فسمي الارتداد انقلابـاً على العقب: وهو الرجوع القهقرى؛ لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي.
والألف في قوله (أفإن مات): ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ)) [الأنبياء:34].
رابعاً: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:
((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)) [آل عمران:155]؟!
خامساً: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وشجاعته وقوة تعلقه بالله تبارك وتعالى، واستحضاره لآياته عند المواقف الصعبة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].
حينما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت وهو في حيرة، وارتد كذلك كثير من الأعراب عن الإسلام بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم، وترك بعضهم الزكاة وغيرها كما أسلفنا.
سادساً: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقال عنه صحابي؛ لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هو من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم.
السؤال الثاني:
كيف يمكن لنا أيضـاً أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟
الجواب:
يمكن توجيه هذا الاستدلال إلى الفهم الصحيح من خلال الآتي:
أولاً: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تبارك وتعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) [المنافقون:1].
والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].
فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة، والذين كان يظن صلى الله عليه وسلم أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته صلى الله عليه وسلم للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.
ثانياً: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.
روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي صلى الله عليه وسلم في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.
ثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة([4]).
ثالثاً: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعرفهم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء.
وهذا كما قال الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)) [الفرقان:30] فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في زمنه، بل يقصد ما سيحدثه أتباعه من أمته من بعده بهجرانهم للقرآن.
فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.
السؤال الثالث:
كيف نقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:
مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)) [التوبة:38].
وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54], وأيضاً ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [الحديد:16].
أو عند تركهم للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) [الجمعة:11].
الجواب:
أولاً: يجب على المسلم أن يكون باحثاً عن الحق تاركـاً للتعصب الفكري، طالبـاً للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة:6]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادراً من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف:23].
ثانياً: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.
فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختياراً منهم، فعلمهم الله ووجههم إلى الخير والصلاح، ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بـقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).
فالصحابة رضي الله عنهم قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من آل البيت كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير آل البيت.
وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثاً: الله تبارك وتعالى فرّق في ندائه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فحينما ينادي أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).
وحين يوجه كلامه للكفار أو لعموم الناس، مؤمنهم وكافرهم كان يقول في خطابه لهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)).
رابعاً: لنفترض جدلاً أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)) [الأحزاب:1].
بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التحريم:1], أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)) [التوبة:84].
فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)) [الأحزاب:45].
كما أن الله تبارك وتعالى قد بين في كثير من المواضع في كتابه العزيز، كقوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التحريم:9].
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ)) [الأحزاب:59].
خامساً: ما جوابنا يا ترى حينما يقول لنا أحد النواصب قاصداً الطعن بالإمام علي عليه السلام، ومستدلاً في طعنه عليه بظاهر القرآن والروايات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقـول لنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله عز وجل آية وفيها قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا وعلي عليه السلام رأسها وأميرها)([5]).
ودليل هذا ما ثبت في صحيفة الإمام الرضا عليه السلام قـوله: (ليس في هذا القرآن ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا في حقنا)([6]).
فالجواب على هذا الناصبي لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يكون كالجواب على ذلك الناصبي الذي ناصب العداء عموماً لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم!!
السؤال الرابع:
كيف نقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي صلى الله عليه وسلم في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذاً)؟
الجواب:
أولاً: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافاً من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث، وينبغي عليه أن يكون منصفاً إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحاً في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره صلى الله عليه وسلم من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق صلى الله عليه وسلم بصاقاً ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة صلى الله عليه وسلم إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه، مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود([7]).
ثانياً: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي صلى الله عليه وسلم من حكمه، أو ينزل الله تبارك وتعالى شيئاً من الوحي يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئاً من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلاً في تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عليهم حالقاً وناحراً هديه، علم الصحابة يقيناً حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم:
((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
ثالثـاً: عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعارض قرار النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بأمر من الله عز وجل، لما جاء في قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159].
قال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)): في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهاراً برأيهم، وتطييبـاً لنفوسهم، وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق عليه السلام: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله).اهـ([8]).
وفي تلك الحادثة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في إرسال عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.
وقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان قصة فتح الحديبية مختصرة وقال: قال ابن عباس: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة، ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشاً لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت)([9]).
رابعاً: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسبب مشاورته للنبي صلى الله عليه وسلم ونتهمه بمعارضة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ونبني عليها طعوناً كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقاً للنهي والزجر؟!
هل نحن أعلم وأفقه من نبينا صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!
أو أننا علمنا أمراً قد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم؟! أو أن هناك سبباً آخر لغيظنا وحنقنا على ما فعله عمر؟
إن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي عليه السلام وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي عليه السلام جيشه عن لعن وسب معاوية رضي الله عنه وجيشه، وناقشه في هذه القضية حجر وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي عليه السلام أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي عليه السلام.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي عليه السلام: أن كفّـا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون)([10]).
خامساً: لو سلمنا جدلاً بأن ما فعله عمر رضي الله عنه كان مجانبـاً للصـواب بسبب معارضته لأمـر النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن عليـاً عليه السلام كان من رؤوس المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟
بل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب صلى الله عليه وسلم منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: (إن أمير المؤمنين عليه السلام كتب كتاب الصلح: باسمك([11]) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك، اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده...) الخبر([12]).
فبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في عـدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار، كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي صلى الله عليه وسلم لكنه خرج ولحق بالنبي محاولاً أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.
فعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن علياً عليه السلام خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟)([13]).
فلماذا ينزعـج علي بن أبي طالب من أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي صلى الله عليه وسلم في أمره؟هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.
والرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين عليه السلام، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.
السؤال الخامس:
ماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره صلى الله عليه وسلم في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟
الجواب:
أولاً: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولاً: كيف كانت حالة النبي صلى الله عليه وسلم الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟
إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكاً شديداً من شدة الألم، بل كان صلى الله عليه وسلم من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى، وقال للصحابة حينها: (ائتوني اكتب لكم كتابـاً لن تضلوا بعدي أبداً) فاختلف الصحابة فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.
ثانياً: ليس بمقدور أي كائن بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلاً واضحاً، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت، خاصة وأنهم لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل بالنبي صلى الله عليه وسلم فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.
ثالثـاً: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزاً ومطعناً في الصحابة رضي الله عنهم شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا أنها لم تتضمن أي شبهة تجاه عدالة الصحابة ومقدار حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟!
رابعاً: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:
أ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ب) اختلافهم عند النبي صلى الله عليه وسلم وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.
ت) رفضهم لطلب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يتضمن التوصية لعلي عليه السلام بالخلافة من بعده.
ج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بالهجر.
د) عمر بن الخطاب رفض الانصياع لطلب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويمكن بيان الرد موجزاً على هذه الشبه بالآتي من القول:
* (رد أمر النبي صلى الله عليه وسلم) الصحابة رضي الله عنهم لم يخالفوا طلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي صلى الله عليه وسلم مثل حال بقية الناس؛ لأن هذه أول مرة يرون النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
* (اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، خاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم.
والصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة لهم خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يعرف الكتابة ([14])، فلما طال نقاشهم فيما بينهم، نهرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الخلاف فقط , ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.
* (الوصية إلى علي عليه السلام) وهذا من أعجب الأقوال تجاه أمير المؤمنين عليه السلام، ومما يدل على التعجب والجنوح في الخيال فيه أن صاحب الشأن وهو علي عليه السلام لم يرد على باله هذا الأمر، فكيف علمه من جاء متأخراً عنه وعن الواقعة التي جرى فيها الأمر؟! ومن يدعي هذا لعلي، يمكن بيسر لمخالفه أن يدعي لغيره من الصحابة ويقول: بل كانت الوصية لأسامة بن زيد أو لأبي ذر أو لأبي عبيدة، وغيرهم كثير.
* (مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولاً أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر عن صحة النبي صلى الله عليه وسلم بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحدة.
أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره!
لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وسلم كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وسلم.
وغيرها كثير من السبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة، خاصة من بعد نظرنا في اللغة العربية، وليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نعلم على وجه العلم لا الحصر غير عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم يعنفوا على القائل بل رب العزة سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء لم يوجه شيئا تجاه خليله وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
* (رفض عمر الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم) كيف يظن بعمر رضي الله عنه أنه يرفض طلبـاً يسيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي طوال مرافقته للنبي صلى الله عليه وسلم لم يبخل بشيء؟
* وأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي: أن عمر أراد من الصحابة رضي الله عنهم أن لا يجهدوا النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله تعالى أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام:38] وكما في قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ)) [المائدة:3].
والذي يظهر من الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي صلى الله عليه وسلم أنه من باب الإرشاد والإصلاح، وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه، وليس أيضاً بالأمر الذي لابد من تبليغه ولا يستغنى عنه في الإسلام، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه.
ولو كان في ما يريد النبي صلى الله عليه وسلم إبلاغه شيء واجب ونافع للأمة فهل سيتركه الله من غير بيان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟!
فإذا عرفنا ما سبق، فسيتبين لنا أنه لو كان صلى الله عليه وسلم مأموراً بتبليغ شيء حال مرضه أو صحته فإنه سيبلغه لا محالة، فلو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه بسبب اختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى: ((بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)) [المائدة:67] كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، فدل تركه له أن كتابته صلى الله عليه وسلم تحمل على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع الجديد، وقد عاش صلى الله عليه وسلم أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.
خامساً: لابد للمسلم أن يطهر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة عليهم السلام، ونقول: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير.. الحديث). وقولهم عليهم السلام: (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك). وما رواه في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة -خرجت من أخيك- سوءاً؛ وأنت تجد لها في الخير محلاً)... عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلاً..)([15]) انتهى.
فمن الأولى علينا أن نسير على هدي الأئمة عليهم السلام، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح وهو ينازع سكرات الموت.
وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم وقال عنهم: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.
ولماذا نطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحادثة وغيرها؟! وما أهدافنا من ذلك؟
أنحن أعلم وأحرص على النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه؟!
أنحن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أصحابه؟!
أم أننا أصحاب هوى؟!
سادساً: إن وصف ابن عباس رضي الله عنه لما جرى (بالرزية) عندما كان يروي الحديث، لم يكن عندما حدثت الحادثة، ولكنه كان يقولها بعد ذلك بسنين عندما يتذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحزنه، والروايات كلها تدل على ذلك.
سابعاً: لو جرينا على درب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في كثير من الأوقات يعارض النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمتثل أمره، مثلما حدث منه في صلح الحديبية في عدم مسح اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.
بل شارك في رفض أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت عندما طلب منه ومن غيره أن يحضروا له الكتف والدواة حتى لا يضل المسلمون، فلم يستجب لذلك حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم، بل غيّر أحكام الشريعة الإسلامية في الحكم على الغلاة فعاقبهم بالإحراق بدلاً من القصاص الشرعي([16]).
فبهذا السؤال يتضح لنا منهجية أعداء الإسلام ومن ناصب العداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً من ناصب العداء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
السؤال السادس:
لو قال لنا قائل: ماذا ستقول أيها المسلم في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين لم يعط فاطمة حقها من ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، وماتت وهي لا تكلمه؟ مع أن الله تبارك وتعالى قرر الميراث في كتابه العزيز فقال: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) [النساء:11] وقرره كذلك بين الأنبياء، فقال عن زكريا عليه السلام: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) [مريم:5-6] وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16].
وبسبب هذا التصرف تجاه سيدة نساء العالمين عليها السلام، فإنه يكون قد أغضب النبي صلى الله عليه وسلم لقوله في حقها: (إن فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني).
الجواب:
أولاً: ينبغي أن لا ننسى أن لفاطمة وزوجها رضي الله عنه مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.
ومن دلالة تلك المكانة أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي أشار على علي بن أبي طالب عليه السلام بالزواج من الزهراء ([17])، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإشراف على تجهيزها للزواج من الإمام علي رضي الله عنه ([18]) وشاركته زوجته أسماء بنت عميس أيضاً في هذا التجهيز لفاطمة في يوم زفافها ([19]) ولما ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام قامت زوجة أبي بكر رضي الله عنها نفسها بعد ذلك في تجهيز كفن الزهراء وتغسيلها([20]).
ثانياً: لعل الكثير من المسلمين في الزمن المعاصر يجهل أن أرض فدك كانت فيئاً من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من خيبر، والفيء ما يكون من غنيمة من غير حرب والقصة مذكورة بتمامها في سورة الحشر قال تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [الحشر:7].
وما أفاءه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو له صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها لحاجته وأهل بيته وصدقته، وكان يشرف على هذه الأرض ويرعاها، ولم يورثها أحدا من أهله، وهذا مسطور في كتب التاريخ , فلما توفي كان خليفته أبوبكر يقوم مقامه في ذلك وبعده عمر, وفي عهده طلب الإمام علي بن أبي طالب والعباس أن يقوما بالإشراف عليها فوافق عمر فكانت عندهما , ثم صارت إلى الإمام علي واستمرت في يده في عهد عمر وعهد عثمان وعهده , وبعد وفاته صار الإمام الحسن بن علي يشرف عليها، ثم الإمام الحسين، ثم الحسن بن الحسن (الحسن المثنى)، ومعه علي بن الحسين، ثم زيد بن الحسن, ولم يتملكها أحد.
ثالثاً: أما عن قضية الميراث، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون الأموال والدنانير بعد مماتهم كسائر الناس، فما تبقى عندهم من الأموال بعد مماتهم فهو صدقة، وهذا ما علِمه وبينه الأئمة عليهم السلام من بعده صلى الله عليه وسلم.
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض؛ حتى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)([21]).
وقال أبو عبد الله عليه السلام أيضاً: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً)([22]).
وعن جعفر عن أبيه عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث ديناراً ولا درهمـاً، ولا عبداً ولا وليدةً، ولا شاةً ولا بعيراً، ولقد قُبِـض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير، استسلفها نفقة لأهله)([23]).
فمن يملك فدك وسهم خيبر يستسلف عشرين صاعا ويرهن درعه!
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (العلم أفضل من المال بسبعة:
الأول: أنه ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.
الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها.
الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه.
الرابع: العلم يدخل في الكفن، ويبقى المال.
الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة.
السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال.
السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط، والمال يمنعه)([24]). انتهى.
رابعاً: وأما القول بأحقية فاطمة عليها السلام في ميراث والدها استدلالا بقوله تعالى: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) [مريم:5-6] وقوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16]، فاستدلال باطل من العوام، يدل على قلة علمهم لأن الوراثة في هاتين الآيتين وراثة نبوة وعلم وحكمة، وليست وراثة مال، وذلك للأدلة النقلية والعقلية.
أما النقلية فقد مرَّ ذكرها , وأما العقلية فتستفاد مما يأتي:
الآية الأولى وهي قوله تبارك وتعالى: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6].
1- قال السيد محمد حسين فضل الله: ليكون امتدادا للخط الرسالي الذين يدعو إلى الله، ويعمل له، ويجاهد في سبيله، ولتستمر به الرسالة في روحه وفكره وعمله([25]).
2- هل يعقل لنبي كريم يحرص على الجنة الباقية والنعيم الدائم أن يسأل الكريم سبحانه أن يهب الدنيا الفانية لأحد من أولاده ويورثها له؟! فهذا لا يليق تأدبـاً من رجل صالح فكيف لنبي كريم أن يسأل الله أن يرزقه ولدا لا لشيء إلا ليرث دنياه الزائلة؟!
3- أنبياء الله تبارك وتعالى هم الأسوة المباركة في أنهم يأمرون الناس بالبر ويعملونه، فإن أوصوا الناس بالإنفاق كيف يليق بهم أن يبقوا لديهم هذا العرض الفاني من متاع الدنيا؟ ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [البقرة:44]، بل نجدهم يتصدقون به في أوجه الخير.
ومما يبين القول ويزيده جلاء وأن الإرث في كلام زكريا عليه السلام لم يكن مالاً ما تبينه النقطة الآتية.
4- لو أكملنا قوله تعالى: ((وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] لتبين لنا بوضوح ومن غير تردد أن الإرث المقصود هو العلم والنبوة وليس شيئاً آخر.
وبالله عليكم لو كان السؤال من النبي زكريا متعلقـاً بالمال فهل بمقدور أي باحث في التاريخ أن يخبرنا كم شخصاً كان في بيت آل يعقوب؟ بل أين موقع يحيى عليه السلام في آل يعقوب؟
والقارئ -المنصف- في كتب التاريخ بعد أن يقرأ كتاب الله تبارك وتعالى يعلم يقيناً أن كل أنبياء بني إسرائيل من آل يعقوب؛ لأن إسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام، فكيف ببقية بني إسرائيل من غير الأنبياء؟ ومع هذا العدد الكبير كم سيكون نصيب يحيى عليه السلام؟
فلا شك أن فهم قوله تعالى: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] من خلال فهم العلماء، وأيضاً التمعن في التفاسير المباركة والنظر التاريخي يردّ قول من يقول: إن الآية تتكلم عن وراثة المـال.
ومن بداهة النظر والمعقول أنه لما ذكر يعقوب وهو نبي، وزكريا كذلك وهو من الأنبياء، لزم بمقتضى الفهم السليم أن نعلم أنه إنما أراد أن يرث النبوة والعلم والحكمة، ولم يكن يريد وراثة المال.
ثم إن زكريا لم يكن غنيا بل كان نجاراً يأكل من عمل يده. فأين ذاك المال الذي سيرثه يحيى؟!
أما الاستدلال بالآية الثانية وهي قوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16] فكذلك لم يرث منه المال، وإنما قصد ميراث النبوة والحكمة والعلم.
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي: أي ورث الملك والنبوة بأن قام مقامه دون سائر بنيه وهم تسعة عشر([26]).
ومن المعلوم في روايات التاريخ أن نبي الله داود عليه السلام له الكثير من الزوجات وله العديد من الجواري، ورزقه الله العدد الكثير من الأولاد، فهل نقول إنه لم يرثه إلا سليمان؟
ومن المعلوم أيضا أن الإخوة يرثون من والدهم، فتخصيص سليمان بالإرث ليس بسديد ولا رشيد إن كان معه ورثة آخرون.
ولو سلمنا جدلاً أن الأمر يتعلق بإرث دنيوي، فما الفائدة من ذكره في كتاب ربنا تبارك وتعالى، ذلك أنه من الطبيعي أن الولد سيرث والده؟ فأين البلاغة أو العبرة والفائدة في كتاب ربنا من ذكر شيء معلوم حدوثه ووقوعه عند الناس؟
خامسا: وهنا قد يقف المحب للحق وقفة ويتساءل:
هل فاطمة الزهراء عليها السلام طلبت فدك من أبي بكر رضي الله عنه على أنه من باب الإرث، أم أنه كان هبة وهدية من أبيها صلى الله عليه وسلم وهبها وأهداها إياها بعد فتح خيبر؟
ذلك أن المقصود من هذا التساؤل ستظهر ثمرته تحديداً في نهاية القصة، ذلك أنه من المتفق عليه أن فاطمة عليها السلام بعد سؤالها لفدك من أبي بكر وذكر أبو بكر حجته في المنع ذهبت ولم تكلمه، فهل كانت تريد هذا الشيء على أنه كان إرثـاً أو هبة من أبيها صلى الله عليه وسلم. فإن كان إرثاً فالأنبياء لا يورثون لا ديناراً ولا متاعاً كما بينا في القول , وإن كان هبة وهدية أهداها النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة، فلنا وقفة وتساؤل أيضاً في هذا.. فنقول:
1- لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم فدك لفاطمة عليها السلام في أي وقت من الأوقات، وقد علمت ذلك الزهراء عليها السلام حين طلبت فدك من أبي بكر رضي الله عنه، فطلبته منه على أنه من باب الإرث، لا من باب الهبة، ومن المعلوم تاريخيا أن فتح خيبر تم في أول السنة السابعة من الهجرة، وزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم توفيت في السنة الثامنة، وأختها أم كلثوم توفيت في السنة التاسعة، فكيف يخص صلى الله عليه وسلم بالعطية فاطمة لوحدها ويدع أختها أم كلثوم وزينب عليهن السلام؟!
فهذا اتهام صريح مباشر للنبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان يفرق بين أولاده، وحاشاه عن ذلك صلى الله عليه وسلم.
2- وعلى سبيل الفرض، لو قلنا: إن أرض فدك كانت هبة لفاطمة عليها السلام، فهي عليها السلام إما أن تكون قد قبضتها أو لم تقبضها!
فإن كانت تسلمتها، فلماذا تأتي لأبي بكر رضي الله عنه وتطالبه بها؟ وإن لم تكن تسلمتها فإن الهبة من الناحية الشرعية إن لم تُقبض فكأنها لم تعط للموهوب له، وتكون حينئذ للورثة بعد موت الواهب.
سادساً: من المعلوم في الفقه الجعفري أنه ليس للنساء ميراث في عقار الأراضي بل يؤخذ لهن من قيمته، وهذا ما يروى عن الأئمة عليهم السلام:
فعن يزيد الصائغ قال: (سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن النساء هل يرثن الأرض؟ فقال: لا ولكن يرثن قيمة البناء، قال: قلت فإن الناس لا يرضون بذا، فقال: إذا وُلينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف)([27]).
وعن أبان الأحمر قال: (لا أعلمه إلا عن ميسر بياع الزطي، قال: سألته -يعني أبا عبدالله- عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، وأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيها، قال: قلت: فالثياب؟ قال: الثياب لهن نصيبهن، قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟
قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، وإنما صار هذا كذا كي لا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً في عقارهم)([28]).
سابعاً: التعليل الصحيح والبيان الشافي لما جرى بين الزهـراء وأبي بـكر رضي الله عنهم هو الآتي إن شاء الله:
سيدة نساء أهل الجنة عليها السلام لم تدّع ما ليس لها، ولكنها عليها السلام طالبت بما ظنته حقـاً لها، ولما بيّن لها أبو بكر رضي الله عنه سبب منعها من الميراث، ذهبت عليها السلام ولم تكلمه في هذا الأمر مرة أخرى.
والذي يشهد لصحة هذا التعليل والبيان؛ ما سار عليه الإمام علي عليه السلام من أنه لم يعط أولاده فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وعندما سُئل في رد فدك قال: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر)([29])، فإذا كان الحكم على أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ظالماً لمنعه حق الزهراء عليها السلام، فهل يكون الحكم نازلاً كذلك على الإمام علي عليه السلام -والعياذ بالله-، لأنه لم يُرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟
والمحب لآل البيت وللمسلمين ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن بأبي بكر رضي الله عنه وغيره، وهذا ما تبينه النقطتان الآتيتان:
ثامناً: لم يدّع أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا المال لابنته عائشة أو لغيرها من أمهات المؤمنين، بل تضمن تحريم الميراث جميع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ([30]) وما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الفعل إلا عملاً بوصية النبي، فهل تمسك أبي بكر بوصية النبي صلى الله عليه وسلم خطأ؟!
تاسعاً: لا يستلزم من عدم إعطاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه الميراث لفاطمة أن يكون مبنياً على الكراهية والعداوة كما يروّج له أصحاب الفتن.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك لم يعط ابنته فاطمة خادمة تساعدها على شؤون المنزل حينما طلبت منه، وهذا من المباح في الشرع، وفق المتيسر أو ما يراه صاحب الأمر، فهل نطعن كذلك في عدالة نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم؟!
قال الإمام علي عليه السلام في حديث طويل: (...ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لينصرف فقالت له فاطمة: يا أبتِ لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادماً تخدمني وتعينني على أمر البيت، فقال لها: يا فاطمة! أولا تريدين خيراً من الخادم؟ فقال علي: قولي: بلى، قالت: يا أبت! خيراً من الخادم؟ فقال: تسبحين الله عز وجل، في كل يوم ثلاثاً وثلاثين مرة، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرة، وتكبرينه أربعاً وثلاثين مرة، فذلك مئة باللسان وألف حسنة في الميزان)([31]).
عاشرا: القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب لغضب فاطمة عليها السلام، فهذا صحيح ولا يختلف عليه اثنان.
لنعلم أن منع أبي بكر لم يكن بقصد إغضابها؛ لأن المنع كان استجابة منه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعيب أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ولا غيره إن فعله.
ولا يلزم أيضا أن يكون كل غضب تغضبه الزهراء عليها السلام يغضب لأجله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حدثت خلافات أسرية كثيرة بين الإمام علي والزهراء مثل ما يقع بين الأزواج، فهل سنطعن في عدالة الإمام علي وفق ما فهمه بعضهم مطلقا من حديث إغضاب الزهراء أيضا، ونقول: إن النبي قد غضب على علي عليه السلام لإغضابه الزهراء؟!
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بين ابن عمه وابنته سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنه موقف العدل والإنصاف، لا موقف العاطفة والانحياز الأبوي!
فعن أبى ذر رضي الله عنه قال: (كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدِمنا المدينة أهداها لعلي عليه السلام تخدمه، فجعلها علي عليه السلام في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة عليها السلام يوما فنظرت إلى رأس علي عليه السلام في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: لا، والله! يا بنت محمد! ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فقال لها: قد أذنت لك. فتجلببت بجلبابها، وتبرقعت ببرقعها، وأرادت النبي صلى الله عليه وسلم، فهبط جبرائيل عليه السلام، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إن هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشكو علياً، فلا تقبل منها في علي شيئاً!! , فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت تشكين علياً؟ قالت: إي؛ ورب الكعبة! فقال لها: ارجعي إليه، فقولي له: رغِم أنفي لرضاكَ)([32]).
وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: (شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فقالت: يا رسول الله! لا يدع شيئاً من رزقه إلا وزعه على المساكين! فقال لها: يا فاطمة! أتسخّطيني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي، وإن سخطي سخط الله عز وجل)([33]).
الحادي عشر: لنتذكر ابتداء أن من أهم أهداف أعداء الإسلام تفكيك وحدة المسلمين من خلال ترويج مقولات باطلة، ونشرأخبار مفتراة تدل على وجود البغضاء والشحناء في الجيل الأول المبارك، ولوسألنا أنفسنا وأعملنا عقولنا، ماذا سنستفيد من قصة يجدد العهد بذكرها في بعض مجالس المسلمين سنويا لتثير القلوب وتعصف بالعواطف للوصول إلى حالة نفسية نهايتها بغض الصحابة، نتيجة لوجود معاداة منهم تجاه آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن المنصف العاقل لو فتش في ما فعله أبو بكر رضي الله عنه تجاه فاطمة عليها السلام عند مطالبتها بأرض فدك، لوجد أن ما حكم به أبو بكر الصديق تجاه فدك ما كان إلا بموجب نص شرعي مستقى من قول المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي طاعته أمر مفروض، فما ذنبه تجاه ما أمر به فانقاد إليه؟!
ولذا ماذا سنقول للطاعن من النواصب بسيدة نساء أهل الجنة حين يقول عنها:
غريب أمر فاطمة! تغضب وتخالف عموم المسلمين، حتى يصل خصامها وغضبها للهجر الأبدي الذي ينهى عنه الإسلام، وما كان ذلك إلا عن هوى وعناد في نفسها، وشدة حب منها للأموال وأوساخ الدنيا الفانية، مثل ما حدث بينها وبين خليفة رسول الله أبي الصديق في طلبها للميراث، وعدم الامتثال لوصية أبيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أيضا قبل ذلك كثيرة الإزعاج للنبي صلى الله عليه وسلم في احتجاجها المتواصل على زواجها من علي بن أبي طالب بسبب فقره وقلة ماله، في بداية زواجهما، وبعد ذلك، وهذا ما ذكرته الروايات الثابتة، مثل:
عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: (إن فاطمة شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأحلمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟ أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما جعل الله لمريم بنت عمران، وأن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة)([34]).
وعن أبي صالح عن ابن عباس: (أن فاطمة عليها السلام بكت للجوع والعري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقنعي -يا فاطمة- بزوجك، فوالله: إنه سيد في الدنيا سيد في الآخرة، وأصلح بينهما...)([35]).
فيا أيها المحب للآل الطاهرين: أترضى أن تكون في زمرة المبغضين الحاقدين للآل الطاهرين كالنواصب وغيرهم؟ أو أنك تدافع عن حمى الآل من خلال تمسكك بالهدي الصحيح المبارك، مع سلامة قلبك تجاه من كانوا مع سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأي الفريقين تختار؟
السؤال السابع:
لو قال لنا قائل: ماذا تقول عما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند مهاجمتهم بيت الإمام علي عليه السلام، وقاموا بربطه، وضرب زوجته حتى كسر ضلعها وأسقط جنينها، ثم أحرقوا منزلهم، على ما ذكرت الروايات التاريخية.
فهل مثل هذه الأفعال المشينة تدل على الحب والوئام، أم على السخط والكراهية والشقاق لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب:
أولاً: لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية وغيرها تتكلم عن أحبابه، ولا يعرف مصدرها، فضلاً عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدث بها وينشرها بين العامة، ونجد من بعد هذا التسرع العاطفي من يتأثر بهذه الروايات فيمتلىء قلبه حقداً وبغضاً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن الواجب على المحب لآل البيت الطاهرين عليهم السلام وللخير والعلم أن يجتهد ويتحرى، وأن يكون دقيقاً في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح والتي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث الصحيح، ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة في حادثة معينة ولو اشتهرت.
ثانياً: إن هذه القصة من الأكذوبات التي يستخدمها أهل الفتن في تمزيق وتفريق صفوف المسلمين، لذلك فإننا نطالب كل باحث للحق أن يجتهد ويبحث عن رواية واحدة صحيحة، تثبت وتسند تلك القصة المختلقة، وتنطبق عليها قواعد وشروط الحديث الصحيح، من اتصال في السند، ومن رواية العدل الإمامي الضابط في حفظه.
ومن الغريب أننا نجد كثيراً من المتمسكين بهذه القصة يؤمنون يقيناً بتلك الرواية، تبعاً للعاطفة وحبا في كسب بعض المصالح الدنيوية الرخيصة، ولا ينظرون نظرة العاقل العالم في دينه مثل الفحص في صحة الإسناد وضعفه!
قال السيد هاشم معروف الحسني بعد ما أورد الروايات التي تتحدث عما جرى للزهراء عليها السلام.. إلى كثير من الروايات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي([36]).
وقال أيضاً: ومهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها ومواقفها من ذلك ومن الخلافة طويل وكثير، وبلا شك فإن الأصحاب والأعداء قد وضعوا القسم الأكبر مما هو بين أيدي الرواة ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق في تلك المرويات إلا قليل القليل([37]).
وقال كاشف الغطاء: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري, لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية -التي ركزتها الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييداً وتأكيداً- تمنع بشدة أن تضرب المرأة ([38]).
وقد سئل السيد الخوئي عن صحة رواية كسر ضلع الزهراء فأجابهم: على المشهور، ولم يحكم بصحتها([39]).
ثالثاً: قد يقول قائل: إن عليا أُمِر بعدم مقاتلة الصحابة حين اعتدوا على زوجه سيدة نساء العالمين عليها السلام، لحفظ راية الإسلام من سقوطها وافتراق أهل الملة بعد وفاة النبي، وأمره بالصبر على أذاهم.
لكننا نقول ونتساءل:
ابتداء نقول بُعد هذه المقولة عن الصحة، وعلى فرض التسليم على ما قد قيل، فَلِمَ كانت منه المقاتلة يوم الجمل لجيش طلحة وأم المؤمنين عائشة حين خرجوا إلى أهل الكوفة -وكان هو في مكة- ثم قاتل من بعد ذلك جيش معاوية في صفين، وكذلك في النهروان حين قاتل الخوارج، فلم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء، أليس في تلك الفعال دلالة منه على نبذ وصية النبي بعدم تفريق جماعة المسلمين؟
لكن الصحيح الذي يتسق مع مجريات الواقع سابقاً أن علياً لم يأمره أحد بعدم المقاتلة إن وقع عليه ظلمٌ أو انتهكت حرمات الله، ومن ذلك ما يُدعى من وقوع ظلم على زوجه الكريمة وأنه لم ينتصر لها، وهذه الرواية قبل أن يتلفظ بها لسان مسلم ليتذكر حال أمير المؤمنين وغيرتَه على دين الله، ثم على أهله من آل بيت المصطفى صلوات ربي عليهم جميعاً.
وقد ثبت عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد).([40])
فهل هذا المعتقد خاف عن أمير المؤمنين وفارس الشجعان؟!
وحذار أن يتلفظ مسلم عاقل بكلام يكون عليه لا له، وليس فيه نصرة لآل البيت الكرام، ذلك أن من يدعي أن علياً كان فارساً، وقاتل جيش طلحة، ومن بعده أهل صفين؛ نصرة لقضية الإمامة، فلِمَ كان بعيدا عن نصرة آل بيته حين ضربوا حتى كادوا أن يموتوا؟!
رابعا: يستطيع كل صاحب فتنة -لا يتقيد بالروايات الصحيحة- أن يروي روايات بلا أسانيد صحيحة، لمجرد وجودها وانتشارها في بعض الكتب التاريخية أو الأدبية، ويؤمن بها من بعد ذلك، وتصبح عنده من المسلمات اليقينية التي لا تقبل التشكيك في صحتها.
بل يستطيع كذلك كل مبغض وكاذب على العترة عليهم السلام أن يدعي أن قضية ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإحراق بيتها مؤامرة مدبرة، قام بها أبو بكر وعمر بالاشتراك مع زوجها الإمام علي، في سبيل القضاء على الزهراء عليها السلام.
ويكون هذا الهذيان والاتهام الباطل مبنيـاً وفق زعم ذلك المبغض على دلائل ومؤشرات يستنبطها من القصة المختلقة نفسها، وتكون وفق زعم المبغض كالآتي:
1- قام الإمام علي بتمثيلية متقنة حين وافق على تقييده عن طريق الصحابة عند دخولهم المنزل وعلى ضربه، ليوهم آل بيته بأنه ضحية هذا التجمع والتآمر، من قبل شخص عمره تجاوز الستين، والآخر جاوز الثالثة والخمسين، مع العلم بأن قوة الإمام علي لا يقاومها أحد من الإنس والجن، مثل ما نقل عنه أنه اقتلع باب خيبر العظيم لوحده بينما لا يستطيع حمله أربعون رجلاً.
2- اعتذار وتحجج الإمام علي عن عدم مقاومته للصحابة بسبب حرصه على المحافظة على حقن دماء المسلمين حجة واهية؛ لأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي إلا ثلاثة وفق ما تقرره الروايات عن آل البيت عليهم السلام! فهل كان مقصود الإمام علي عليه السلام بدماء المسلمين هؤلاء الثلاثة فقط؟!! وهل دماء الصحابة أغلى وأزكى عنده من دم الزهراء عليها السلام، فلا يحافظ عليها ويدافع عنها؟!!
3- تزوج الإمام علي بعد وفاة الزهراء بتسع ليال بامرأة من بني حنيفة، ولقب ولدها بابن الحنفية, ووافق بعد ذلك على تزويج أم كلثوم ابنة الزهراء عليها السلام لعمر بن الخطاب أحد أعضاء المؤامرة، مما يدل على حرصه على توثيق الصلة مع أعداء زوجته، وعلى عدم حبه ووفائه للزهراء عليها السلام.
4- عندما أصبح الإمام علي قاضياً ووزيراً في زمن الخليفة الأول والثاني، كان هذا مثل المكافأة جزاء لما قام به من إتقانه للدور.
5- حرصه على تسمية أولاده بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان، وتزوجه بأرملة أبي بكر، فيه الدلالة على حرصه على افتخاره بما صنعوا في الماضي وسعيه إلى تخليد ما قاموا به من أعمال، ولو كان ضد الزهراء.
6- لم يعط الإمام علي أولاد فاطمة الزهراء ميراثهم من والدتهم من فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وسار على طريقة أصحابه الخلفاء من قبله، بل ولم يمنع التراويح ولا أعاد المتعة.
فهل يقبل المحب لآل البيت عليهم السلام أن ينسب صاحب الفتن الناصبي المبغض مثل هذه التهم إلى أصحاب النبي بضربهم للزهراء وإحراق بيتها، وتخاذل أمير المؤمنين عن نصرة الزهراء عليها السلام، بسبب تعلقه بمرويات مكذوبة تكون عليه، وليست له عند الاستدلال، أم ينافح ويبين الصواب والحق الذي يجمع ولا يفرق؟
السؤال الثامن:
ماذا تقول عن موقف أبي بكر الصديق، وما وقع في أول خلافته من إرساله الصحابة بقيادة خالد بن الوليد وإستباحتهم دماء المسلمين لمجرد جهلهم المتمثل في عدم دفع الزكاة، مثل ما فعلوا بقوم مالك بن نويرة، وقتل خالد له، ودخوله على زوجة مالك في نفس الليلة؟
الجواب:
أولاً: الزكاة أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق للفقراء والمساكين وغيرهم من مال الأغنياء، ولهذا كثيراً ما يقرن الله تبارك وتعالى ما بين الصلاة والزكاة في كتابه العزيز، مثل قوله تعالى:
* ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)) [البقرة:43].
* ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [البقرة:110].
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الله عز وجل قرن الزكاة بالصلاة فقال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ))، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة)([41]).
وعن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله عنه قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة)([42]).
لذلك فإن الحكم في تارك الزكاة كالحكم في تارك الصلاة ألا وهو القتل، وهذا ما أثبته الثقلان: (كتاب الله والأئمة عليهم السلام) قال تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:5].
وعن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله، لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه)([43]).
وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون)([44]).
ثانياً: من المعلوم وفق الروايات التاريخية التي رواها كبار العلماء أنه قد ارتد الكثير من الأعراب عن الإسلام بعد موت النبي، وترك بعضهم الزكاة وغيرها.
وقد ذكر الطوسي في الأمالي عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: ارتد الأشعث بن قيس وأناس من العرب لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحُلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) [آل عمران:144]([45]).
ولهذا الموقف العظيم أرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيوش المسلمين بقيادة خالد ابن الوليد رضي الله عنه لمحاربة هؤلاء المرتدين، وكان من الذين جاءهم خالد بن الوليد رضي الله عنه قوم مالك بن نويرة([46])، وكانوا قد منعوا زكاة أموالهم ولم يدفعوها لأبي بكر، ولا لغير أبي بكر.
ثالثاً: شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إرساله خالد بن الوليد رضي الله عنه في الغزوات والحروب، لقتل الناس، واستباحة أموالهم كما يقال زورا وبهتاناً.
والصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه لم ينفرد بإرسال خالد بن الوليد رضي الله عنه لقيادة الجيوش، بل كان ممن سبقه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً رضي الله عنه وبعثه في عدة معارك لنشر الإسلام، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، والعزى، والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير.
ومع تلك البعثات العظيمة التي يُرسل إليها خالد رضي الله عنه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلفاء، فإننا نجد من يطعن في ذلك الصحابي الجليل بإظهار زلاته والكذب عليه، وإخفاء حسناته، بقصد تشويه تاريخه ومكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)) [النور:55].
إن هذه الشروط الثلاثة حصلت للصحابة رضي الله عنهم، الاستخلاف وتمكين الدين، وإبدال الخوف، وهذا حينما ارتد الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم الصحابة فحصل بذلك الأمن والاستقرار.
خامساً: قصة قتل خالد رضي الله عنه لمالك بن نويرة، جاء فيها ثلاث روايات:
الأولى: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ ما لكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟
فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه.
وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.
وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما كلم قوم مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم؟ وكانت ليلة شاتية، وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظن الحارس أن خالداً رضي الله عنه يريد القتل، فقتلهم وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد رضي الله عنه.
ولو تمسكنا بأي رواية مما سبق، فإن كان الخطأ قد وقع من خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، فإن العذر يلحقه من باب قتله لمانع للزكاة، أو لمتابعة لسجاح الكذابة، أو أنه كان متأولاً، وهذا التأويل ليس بمسوغ لإقامة الحد والقصاص على خالد رضي الله عنه. ومثل ما وقع فيه خالد رضي الله عنه من خطأ، فإنه قد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه دية أو كفارة.
قال القمي في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) [النساء:94]: إنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أهله وماله، وصار في ناحية الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحداً شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)([47]).
سادساً: أما القول بأن خالدا رضي الله عنه قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة، فهو قول تافه وباطل لا يستند على رواية صحيحة، ولا يستحق أن يضيع عليـه شيء من مداد الحـق، ويكفي في بيان تفاهة القول أننا نسأل كل إنسان يريد الإنصاف والعدل، فنقول له:
من أين عرفت أن خالد بن الوليد دخل على امرأة مالك بن نويرة في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها؟ هل تستطيع أن تأتي بإسناد واحد صحيح يدل على زعمك؟
إن أهل الأهواء والفتن لم يكن لهم قدوة حسنة في حبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الإنصاف فيهم فيما حصل منهم، بل إنهم يهرفون بالروايات الضعيفة المتناثرة في الكتب، مع تحريفهم لمعانيها، وتأويلهم لها تأويلاً باطلاً، كما هو الحال في قصة زواج خالد بن الوليد رضي الله عنه من امرأة مالك بن نويرة، إذ جعلوا خالداً رضي الله عنه يحرص على قتل مالك لأجل الظفر بزوجته، وهذا من البهتان.
وهذا القول ليس بعسير على من يريد أن ينشر المطاعن والفتن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يستطيع كل صاحب فتنة أن يتأول ويحرف القصص والروايات والتاريخ على وفق ما يهواه من الكذب وغيره، من دون الرجوع إلى الأسانيد الصحيحة الموافقة للصواب.
لهذا السبب نفسه استطاع المستشرقون أن يطعنوا في النبي صلى الله عليه وسلم كما طُعن في خالد بن الوليد.
فماذا سنقول ونرد لو قال لنا أحد المستشرقين الحاقدين: إن النبي قد نظر إلى امرأة زيد بن حارثة وهي تغتسل وأعجب بها، وطلقها من زوجها حتى تحل له.
قال الرضا عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وانما أراد بذلك تنزيه الباري عز وجل عن قول من زعم إن الملائكة بنات الله، فقال الله عز وجل: ((أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً)) [الإسراء:40] فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ له ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله لها: سبحان الذي خلقك! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله! إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله. وقد كان الله عز وجل عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا: إن محمداً يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله عز وجل: ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:37] يعنى بالإسـلام، ((وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)) يعني بالعتق، ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37] ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل بذلك قرآنا، فقال عز وجل: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)) [الأحزاب:37]) ([48]).
فالمبغض الكافر يطير فرحاً بمثل هذه الأقاويل الواهية، لكن المحب للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم يلتمس لهم العذر بعد العذر إن وقع منهم ما يظن أنه زلة أو هفوة، ويعتقد أنه ليس للنبي صلى الله عليه وسلم زلة أو هفوة لعصمته، وإن ثبت هذا الزلل تجاه الصحابة رضي الله عنهم برواية معتمدة مقبولة، فإن الواجب عليه أن لا يظهر المساوئ، بل يقذفها في بحار حسناتهم، ويدير ظهره لها ويغض النظر ويصم الآذان عنها؛ لأن دلالة الحب العفو والصفح والغفران.
وأما الروايات الباطلة، فهي كما قال تعالى: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً)) [الرعد:17].
------------
([1]) انظر: رجال الكشي: (ص:11)، بحار الأنوار: (28/259) (71/220)، الاختصاص: (ص: 6).
([2]) تفسير الأمثل: (2/169).
([3]) تفسير الكاشف: (2/554).
([4]) بحار الأنوار (28/11).
([5]) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص:174، 177)، بحار الأنوار: (40/21).
([6]) المناقب: (3/53)، البرهان (سورة البقرة آية:153).
([7]) انظر: (ص:29) من هذا الكتاب.
([8]) تفسير الصافي، وانظر: تفسير مجمع البيان، الجوهر الثمين، تفسير معين، تفسير شبر: في تفسير (سورة آل عمران آية:159).
([9]) تفسير مجمع البيان: (9/194)، بحار الأنوار: (20/329).
([10]) مستدرك الوسائل: (12/306)، بحار الأنوار: (32/399)، وقعة صفين: (ص:102).
([11]) وفي المصدر: بسمك.
([12]) مستدرك الوسائل: (8/437).
([13]) بحار الأنوار: (37/262)، العمدة: (ص:127).
([14]) انظر: علل الشرائع: (1/126)، بحار الأنوار: (16/132).
([15]) انظر: الحدائق الناضرة: (15/353).
([16]) انظر: بحار الأنوار (34/414).
([17]) بحار الأنوار: (43/93) (19/112).
([18]) بحار الأنوار: (43/94)، الأمالي للطوسي: (ص:40).
([19]) بحار الأنوار: (43/138).
([20]) بحار الأنوار: (43/185).
([21]) الكافي: (1/34)، بحار الأنوار: (1/164)، أمالي الصدوق: (ص:60)، بصائر الدرجات:
(ص: 3)، ثواب الأعمال: (ص:131)، عوالي اللآلي: (1/358).
([22]) الكافي: (1/32)، وسائل الشيعة: (27/78)، مستدرك الوسائل: (17/299)، الاختصاص: (ص:4) بصائر الدرجات: (ص:10).
([23]) قرب الإسناد: (ص:44)، بحار الأنوار: (16/219).
([24]) بحار الأنوار: (1/185).
([25]) تفسير من وحي القرآن (سورة مريم: 6).
([26]) تفسير الجديد، وانظر: تفسير معين (سورة النمل: 16).
([27]) الكافي: (7/129)، وانظر: وسائل الشيعة: (26/70) , تهذيب الأحكام: (9/299).
([28]) الكافي: (7/130).
([29]) شرح نهج البلاغة: (16/252).
([30]) بحار الأنوار: (29/70).
([31]) كشف الغمة: (1/362) , بحار الأنوار: (43/134).
([32]) علل الشرائع: (1/163)، المناقب: (3/342)، بحار الأنوار: (39/208).
([33]) بحار الأنوار: (43/153)، وانظر كشف الغمة: (1/473).
([34]) أمالي الطوسي: (248).
([35])المناقب: (3/319) , بحار الانوار: (24/99).
([36]) انظر: سيرة الأئمة الاثني عشر: (1/133).
([37]) المصدر السابق: (1/140).
([38]) انظر: جنة المأوى: (ص:135).
([39]) انظر: صراط النجاة: (3/314).
([40]) انظر الكافي: (5 / 52) , تهذيب الأحكام: (6 / 167) , وسائل الشيعة: (15 / 121).
([41]) الكافي: (3/506)، من لا يحضره الفقيه: (2/10)، وسائل الشيعة: (9/22).
([42]) الكافي: (3/497)، وسائل الشيعة: (9/13).
([43]) الكافي: (3/503)، من لا يحضره الفقيه: (2/12)، وسائل الشيعة: (9/33)، مستدرك الوسائل:
(7 /25) , بحار الأنوار: (52/325).
([44]) الكافي: (3/503)، من لا يحضره الفقيه: (2/12)، وسائل الشيعة: (9/24)، تهذيب الأحكام: (4/111).
([45]) الأمالي للطوسي: (ص:262)، بحار الأنوار: (28/11).
([46]) انظر: (ص:102) من هذا الكتاب.
([47]) تفسير القمي: (1/148)، بحار الأنوار: (21/11)، مستدرك الوسائل: (16/79).
([48]) عيون أخبار الرضا: (1/203) , الاحتجاج:(2/431) , بحار الأنوار: (22/216).
--------------
قبل الختام: شجون عابرة
لقد عرفنا بالأدلة العقلية والنقلية أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم خير جيل عرفته البشرية كلها وهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وأن خير القرون كان قرنهم، كما قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110].
وأما القول بردتهم فلا يقبله مسلم عاقل، بل يستطيع كل مسلم عامي سليم المعتقد أن يبطل هذه المعتقدات الدخيلة على الإسلام ببعض تساؤلات، قد يحدث بها نفسه دون أن يرجع إلى القرآن والسنة، أو إلى عالم في الدين، وهي بمثابة شجون وخواطر ترد على ذهن المتبع للحق الموافق للعقل المستنير، فمن تلك الخواطر أن يقول -مثلاً-:
أولاً: كيف يستقيم -عقلاً- أن يكون أصحاب خاتم الأنبياء والمرسلين كفاراً وقد أثنى عليهم الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وكذا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وآل بيته وزكَّـى ظاهرهم وباطنهم؟([1]) فهل يثني الله عز وجل على منافقين وكفار ومرتدين؟! وهل يفعل ذلك النبي وآل بيته؟!!
ثانياً: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى وأكثر، حيث كان المسلمون إذ ذاك مستضعفين، والكفار قد استولوا على أرجاء الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة، ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى، وقد اتبعوه صلى الله عليه وسلم وهو وحيد فرد في أمره، مقهور مغلوب وأهل الأرض يد واحدة في عداوته.
وقد هاجر بعض المسلمين وتركوا ديارهم وأموالهم، وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والسؤدد في قومهم حباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا كله إنما فعلوه طوعاً واختياراً ورغبة، فمن كان إيمانه راسخاً مثل الجبال الشامخة في حال الضعف والعوز، بالله عليكم كيف سيكون إيمانهم بعد ظهور آيات الإسلام، وانتشار راياته؟ وما الذي حملهم على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد، مثل عدم أخذهم بوصيته صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام بالخلافة، وهم يعلمون أن مخالفة أمره كُفر بربهم، ورجوع عن دينه؟!
فهل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار جميعهم أبا بكر رضي الله عنه في الكفر بالله! ويتركوا اتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه، وهم الذين خرجوا من ديارهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله؟!
ثالثاً: كيف يكون يسيراً على النفس الإقدام في الحكم بكفر الصحابة وردتهم، مع أن الإمام عليـاً عليه السلام وهو العالم الفقيه، الذي روي عنه أنه قال: (سلوني قبل أن تفقدوني)، لم يكفر أحداً ممن قاتله من أهل الجمل وصفين، ولم يسبٍِِِِِِ ذرية أحد منهم ولا غنِم مالهم، ولو كفرهم لكان معه العذر والحجة، لكنه كان من أبعد الناس عن ذلك، وهذا فيمن قاتله فكيف بمن لم يقاتله كأبي بكر وعمر وعثمان؟! بل إنه لم يحكم على هؤلاء بحكم المرتدين، مثلما حكم أبو بكر رضي الله عنه وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدين، وكان عليه السلام ينادي المنادي في يوم الجمل ويقول له: (لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا تكشف عورة، ولا يهتك ستر!)([2]).
وكما كان يقول الإمام علي عليه السلام لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على الحق، ورأوا أنهم على الحق)([3]).
رابعاً: كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمجالسة الصالحين، وينهانا عن مجالسة أهل السوء، وقد جالس النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة المرتدين المنافقين -كما يزعمون!- فمن المخطىء يا ترى؟! وكيف لا يحمي الله نبيه صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المرتدين -كما يزعمون- في حياته وبعد موته؟!
خامساً: كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمصاهرة أهل الدين والخلق الحسن، وينهانا عن تزويج أهل الكبائر والذنوب، ثم يخالف هو بنفسه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ويصاهر المرتدين ويصاهرونه كأبي بكر وعمر وعثمان وأبي سفيان؟! فهل أخطأ النبي صلى الله عليه وسلم في مصاهرته لأولئك النفر؟
سادساً: لماذا يسمي أهل البيت عليهم السلام أبناءهم بأسماء كبار الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان ويحرصون على ذلك؟ مع أن هذه الأسماء مهجورة في مجالس العزاء عندنا في هذا الزمان!
فمن ادعى أنهم كفار ومرتدون فله أن يجيز التسمية بأسماء فرعون وقارون وغيرهم، إذ الأمر مرجعه واحد، والكفر ملة واحدة.
ونحن نعلم جميعاً أنه ليس ثمة دلالة في إظهار الحب لآل البيت عليهم السلام، إلا النهل من منهلهم المبارك، مع التقيد بعلمهم المبارك.
سابعاً: كيف نجوّز اللعن والسب على من خالف الإمام علياً عليه السلام وقتله؟ وقد أنكر الإمام عليه السلام بنفسه على شيعته لسبهم ولعنهم لمعاوية؟
وقال لهم: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين؟! ([4]).
ثامناً: وفق ما يقرأه المنصف للتاريخ، فلم يثبت أن الصحابة نشروا فكرة باطلة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ثاروا عليه عندما أسس الدولة الإسلامية وعزز أركانها.
بل كانوا يحاولون جاهدين مساندته بأموالهم وأرواحهم، وبعضهم مات لأجل ذلك.. فهل المنافق يعمل كل ذلك؟ أم أنه يركن إلى حفظ نفسه، واقتناص الفرص لنيل حظوظ الدنيا؟!
تاسعاً: الفتوحات والملاحم الإسلامية، أليست فيها الدلالة على الصدق والثبات على منهج النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم إنها دلالة على حب الصحابة للدنيا، وهوى النفس، وزهق للأرواح والأنفس في الباطل؟
عاشراً: مؤسسو الدول المعاصرة يختارون الأكفاء من الرجال لمساندتهم في إنشاء دولتهم..
فهل يعقل أن الله أهمل نبيه من الرعاية والعناية، فاختار - تخبطـاً من غير حسن تدبير ولا تقدير لعواقب الأمور- حفنة من المنافقين ليعينوا نبيه في نشر دينه، مع أنه خاتم الرسل، بل ويمكّن الله لهم في زمن خلافة الثلاثة، وغيرها من الدول الإسلامية؟!
حادي عشر: للعامي المسلم الحق في الاستفسار عن قضية هامة: إذا كان الصحابة مرتدين مارقين مغيرين لدين الله.. فعلى هذا فإن كل ما نُقل عنهم فهو باطل! مثل الأحكام الشرعية وغيرها...
إذاً: بأي شرع صحيح سوف نتعبد به ربنا؟! وكيف نعتمد على قرآن نقله هؤلاء؟!
أيها القارئ الكريم: يجب علينا أن نعلم علم اليقين أن أعداء الإسلام ابتدعوا الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم الذين نقلوا القرآن والسنة بالأسانيد المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا توجد ديانة من الديانات على وجه الأرض يتوافر عندها إسناد متواتر لكتابها المقدس، أو لسنة نبيها -إن كانوا من أهل الكتب السماوية- إلا المسلمين، الذين يحبون أصحاب نبيهم صلى الله عليه وسلم ويوالونهم.
فالقرآن العظيم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وصلا إلينا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وإخوانهم رضي الله عنهم، ومن اتبعوهم بإحسان وساروا على خطاهم وهديهم، وبهذا يتبين لنا بوضوح امتداد المخطط الحاقد الذي يستهدف هدم الدين، وإبعاد المسلمين عن إسلامهم، واتباعهم ملة اليهود والنصارى، كما حذرنا ربنا تبارك وتعالى عنهم، فقال: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)) [البقرة:120].
وآخر دعوانا أن نقول ما كان يقوله نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في دعاء القيام:
(اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
آمين.. آمين.. آمين..
--------------
([1]) انظر: (19- 48) من هذا الكتاب.
([2]) انظر: مستدرك الوسائل: (11/52)، بحار الأنوار: (32/252).
([3]) قرب الإسناد: (ص:45)، بحار الأنوار: (32/324).
([4]) انظر: مستدرك الوسائل: (12/306)، بحار الأنوار: (32/399)، وقعة صفين: (ص:102).
---------
قائمة المراجع
1- القرآن الكريم.
2- الاحتجاج - أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي - نشر مرتضى مشهد مقدسي (1413هـ).
3- الاختصاص - محمد بن محمد النعمان الملقب (بالمفيد) - انتشارات كنكرة جهاني - قم - (1413هـ).
4- إرشاد القلوب - حسن بن أبي الحسن الديلمي - انتشارات شريف رضا –
(1412هـ).
5- آراء حول القرآن - السيد الفاني الأصفاني - دار الهادي - بيروت.
6- إعلام الورى - أمين الدين فضل بن حسن الطبرسي - دار الكتب الإسلامية - طهران.
7- أمالي الصدوق - لأبي جعفر محمد بن بابويه القمي المعروف (بالصدوق) - انتشارات كتابخانه إسلامية - (1362هـ).
¬8- أمالي الطوسي - تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي - انتشارات دار الثقافة - قم - (1414هـ).
9- بحار الأنوار - تأليف الشيخ محمد باقر المجلسي - مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - (1404هـ).
10- بصائر الدرجات - محمد بن الحسن بن فروخ الصفار - مكتبة آية الله المرعشي - قم (1404هـ)
11- تأويل الآيات الظاهرة - للسيد شرف الدين حسين استرابادي - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (1409هـ).
12- تهذيب الأحكام - أبو جعفر محمد عبد الحسن الطوسي - دار الكتب الإسلامية - طهران - (1365هـ).
13- تفسير الأمثل - ناصر مكارم الشيرازي - الطبعة الأولى - مؤسسة البعثة للطباعة والنشر - بيروت.
14- تفسير بيان السعادة - الحاج سلطان محمد الجنابذي، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة طهران.
15- تفسير التبيان - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد حبيب العاملي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي.
16- تفسير تقريب القرآن - السيد محمد الحسيني الشيرازي، الطبعة الأولى مؤسسة الوفاء - بيروت.
17- تفسير جامع الجوامع - أمين الدين أبو علي الفضل الطبرسي، الطبعة الثالثة، مؤسسة النشر والطبع، جامعة طهران.
18- تفسير الجديد - الشيخ محمد السبزواري النجفي، الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات - بيروت.
19- تفسير الجوهر الثمين - السيد عبد الله شبر، الطبعة الأولى، مكتبة الألفين - الكويت.
20- تفسير شبر - السيد عبد الله شبر، الطبعة الأولى، دار البلاغة للطباعة والنشر - بيروت.
21- تفسير الصافي - المولى محسن الملقب بـ(الفيض الكاشاني)، الطبعة الأولى دار المرتضى للنشر - مشهد.
22- تفسير العياشي - أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش، طهران - المكتبة العلمية الإسلامية.
23- تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - الطبعة الثالثة - قم - مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر.
24- تفسير الكاشف - محمد جواد مغنية، الطبعة الثالثة، دار العلم للملايين.
25- تفسير مجمع البيان - أمين الدين أبو علي الفضل الطبرسي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (1379هـ).
26- تفسير مختصر مجمع البيان - الشيخ محمد باقر الناصري، الطباعة الثانية قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
27- تفسير المعين - المولى نور الدين محمد بن مرتضى الكاشاني، الطبعة الأولى قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.
28- تفسير مقتنيات الدرر - مير سيد علي الحائري الطهراني، طهران - دار الكتب الإسلامية.
29- تفسير من هدي القرآن - السيد محمد تقي المدرسي، الطبعة الأولى، دار الهدى.
30- تفسير المنير - محمد الكرمي، قم، المطبعة العلمية (1402هـ).
31- تفسير من وحي القرآن - السيد محمد حسين فضل الله، الطبعة الثالثة بيروت، دار الزهراء للطباعة والنشر.
32- تفسير الميزان - السيد محمد حسين الطبطبائي، الطبعة الثالثة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
33- تفسير نور الثقلين - الشيخ عبد علي بن جمعة الحويزي، الطبعة الثانية - قم: المطبعة العلمية.
34- تفسير الوجيز - علي بن الحسين بن أبي جامع العاملي - دار القرآن الكريم - قم - الطبعة الأولى.
35- ثواب الأعمال - لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي - انتشارات شريف رضا - قم - (1346هـ).
36- الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - الناشر جماعة المدرسين - قم.
37- الخصال - لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الصدوق) - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (1403هـ).
38- الدعوات - قطب الدين الراوندي - مدرسة الإمام المهدي (عج) - قم - (1407هـ)
39- رجال ابن داود - ابن داود الحلي - مؤسسة النشر في جامعة طهران - (1383هـ).
40- رجال الطوسي - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - منشورات الرحمن - قم، إيران.
41- رجال الكشي - تأليف محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي - انتشارات دانشكار - مشهد - (1348هـ).
42- سر السلسلة العلوية - لابن نصر البخاري.
43- سيرة الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم معروف الحسيني - طبعة دار المعارف - الطبعة السادسة.
44- شرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني.
45- شرح نهج البلاغة - عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي - كتابخانه آية الله المرعشي - قم- (1404هـ).
46- الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم - العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي - دار الهادي - بيروت - الطبعة الرابعة.
47- الصحيفة السجادية - الإمام علي بن الحسين (ع) - نشر الهادي - قم - (1376هـ).
48- صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات - آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي - دار المحجة البيضاء دار الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الطبعة الأولى.
¬49- علل الشرائع: أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (الصدوق) - انتشارات مكتبة الداوري - قم.
50- العمدة: لابن بطريق يحيى بن حسن الحلي - انتشارات جامعة مدرسين - قم - (1407هـ).
51 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب – لابن عنبة.
52- عوالي اللآلى: لابن أبي جمهور الأحسائي - انتشارات سيد الشهداء عليه السلام - قم - (1405هـ).
53- عيون أخبار الرضا عليه السلام: لأبي جعفر محمد بن علي (الصدوق) - انتشارات جهان - (1378هـ).
54- فرق الشيعة: للشيخ الحسن بن موسى النوبختي - الطبعة الثانية (1404هـ) - منشورات دار الأضواء - بيروت - لبنان.
55- فقه الرضا (ع) - نشر المؤتمر للإمام الرضا (ع) - (1406هـ).
56- قرب الإسناد - عبدالله بن جعفر الحميري - مكتبة نينوى - طهران.
57- الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - دار الكتب الإسلامية - (1365هـ).
58- كشف الغمة في معرفة الأئمة: لأبي الحسن علي بن عيسى الأربلي - جاب مكتبة بني هاشم تبريز - (1381هـ).
59- لسان العرب - للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور - دار الفكر للطباعة والنشر - الطبعة الأولى.
60- مجموعة ورام: لورام بن أبي فراس - انتشارات مكتبة الفقيه - قم.
61- مجمع الرجال: علي القهبائي - مؤسسة مطبوعاتي إسماعيلاتي.
62- مدينة المعاجز: السيد هاشم البحراني - مؤسسة المعارف الإسلامية - قم. ط. الأولى.
63- مستدرك الوسائل: لحسين النوري الطبرسي - مؤسسة آل البيت عليهم السلام - قم - (1408هـ).
64- المقالات والفرق: سعد بن عبدالله الأشعري - نشر مؤسسة مطبوعاتي عطاني طهران (1963م).
65- من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - مؤسسة النشر الإسلامي - قم - (1413هـ).
66- مناقب آل أبي طالب عليه السلام: لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني - مؤسسة انتشارات العلامة - قم - (1379هـ).
67- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: العلامة ميرزا حبيب الله الخوئي - مؤسسة دار الوفاء، بيروت.
68- نهج البلاغة - من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام - اختاره الشريف الرضي - انتشارات دار الهجرة - قم.
69- النوادر: السيد فضل الله الراوندي - مؤسسة دار الكتاب - قم.
70- وقعة صفين - نصر بن مزاحم بن سيار المنقري - مكتبة آية الله المرعشي - قم - (1403هـ).
71- وسائل الشيعة - محمد بن الحسن الحر العاملي - مؤسسة آل البيت - قم - (1409هـ).
تعس وانتكس من شمت الأعداء بالأصحاب
مقدمة كتاب أوجز الخطاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فإن الله تبارك وتعالى قد اختار نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، واختار له أصحاباً وأصهاراً مدحهم في كتابه الكريم في مواضع عديدة، وأثنى عليهم وأرشد إلى فضلهم، وبين أنهم خير الأمم رضوان الله تعالى عنهم.
وقد مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشاد بهم وأخبر بفضلهم، ونص على أنهم خير قرون الأمة في قوله صلى الله عليه وسلم: {خير أمتي قرني}([1]). وأوجب علينا محبتهم ونهانا عن بغضهم أو سبهم أو إيذائهم بأي نوع من أنواع الأذى فقال صلى الله عليه وسلم: {الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي([2]) فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه}([3]).
فإياك إياك يا محب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبغض أصحابه، فلئن أبغضتهم لقد دخلت في قوله: {ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم} فتكون مبغضاً لرسولك صلى الله عليه وسلم، فيا خسارتك ويا سوء عاقبتك إن كنت تبغض نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم. بل عليك يا من أحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحب من أحب حبيبك ومن أمرك بحبه؛ فلقد كان صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيباً، ولا يأمر إلا بحب الطيبين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ولتعلم يا عبد الله أن سب صحابة نبيك صلى الله عليه وسلم أعظم جرماً من بغضهم، فأدنى أحوال الساب أن يكون مبغضاً، فلتحذر من ذلك ولتتأمل قول نبيك صلى الله عليه وسلم: {لا تسبوا أصحابي}([4]). فستجد فيه النهي الواضح منه عليه السلام عن سب أصحابه رضوان الله تعالى عنهم: ((فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:63].
--------------
([1]) صحيح البخاري واللفظ له (5/63)كتاب فضائل الصحابة الباب الأول منه، وصحيح مسلم (4/ 1964) كتاب فضائل الصحابة باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم..
([2]) والغرض هو: الهدف الذي يرمى إليه. ومراده عليه الصلاة والسلام من قوله هذا نهي الناس عن التكلم في أصحابه أو الوقيعة فيهم؛ فشرف صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم توجب على الناس احترامهم وتوقيرهم والسكوت عما شجر بينهم.
([3]) أخرجه الترمذي في جامعه (5/358) كتاب المناقب باب من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذا حديث حسن غريب، وأحمد في مسنده (4/ 87، 88 و5/ 54-55)، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن للهيثمي) (ص: 568-569) كتاب المناقب، باب فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم والمقدسي في النهي عن سب الأصحاب 2/ب -3أ.
([4]) صحيح البخاري (5/72) كتاب فضائل الصحابة باب منه، وصحيح مسلم واللفظ له (4/ 1967- 1968) كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم.
حكم سب الصحابة
ولقد اقتدى المسلمون الصادقون في إسلامهم برسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأحبوا صحابته ووقروهم، وأجمعوا على سمو منزلتهم ورفعة شأنهم وعدالتهم وعدوا كل واحد من الصحابة عدلاً إماماً فاضلاً, فرض على المسلمين توقيره ومحبته والاستغفار له، والاعتقاد بأن تمرة يتصدق بها أفضل من صدقة أحدهم دهره كله، وحكموا على ساب الصحابة بالكفر إذا اشتمل سبه لهم على إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو اصطدم مع نص صريح([1]) ومن أمثلة ذلك:
1- حكموا بكفر من قال بكفر الصحابة جميعاً وارتدادهم إلا نفراً يسيراً؛ لأنه قد عارض النصوص الصريحة التي أخبر الله تعالى فيها برضاه عن الصحابة، والتي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضلهم وأشاد بهم وبين مكانتهم إذ حال من عارض هذه النصوص كحال من كذب بها.
2- حكموا بكفر من كفر الشيخين؛ أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؛ لأنه قد رد النصوص الكثيرة التي أجمعت على أنهما من أفضل المؤمنين، ومن أهل عليين.
3- حكموا بكفر من نسب الصديقة الطاهرة عائشة إلى الفاحشة، أو أنكر براءتها مما رماها به رأس المنافقين، فهذا يقطع بكفره؛ لأنه طعن في المبرأة من فوق سبع سماوات، وكذب النص الصريح الذي حكم ببراءتها وخالف الله تعالى في قوله: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17].
4- ولقد أجمع الناس على فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة الرافضة الذين أشرعوا سهامهم في وجه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمدوا إلى تشويه سيرتهم المرضية، وتسويد صحائفهم البيضاء النقية، واتهامهم بالنفاق والخيانة والكذب، وتكفيرهم صراحة بما فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ومات وهو راض عنهم، وغيرهم من سادات الصحابة وخيارهم رضي الله عنهم أجمعين.
وقد صدق عليهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله([2]) فضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. وسئلت الرافضة: من شر ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم([3]).
فالشيعة لم يتبعوا في صنيعهم هذا كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان قدوتهم في ذلك: ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يعد أول من أحدث الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم وكفرهم، وأول من أظهر البراءة منهم باعتراف الشيعة أنفسهم([4])
فابن سبأ اليهودي -باعتراف الشيعة([5]) - هو أول من وضع نواة الرفض المشتمل على تكفير الصحابة وسبهم، وأرسى قواعده، وعنه أخذ الشيعة هذا المعتقد الباطل وغيره من المعتقدات الفاسدة التي خالفت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يكتف الشيعة باعتناق مذهب الرفض -المشتمل على سب الصحابة- فحسب، بل عملوا على نشره والدعوة إليه سالكين في سبيل ذلك مختلف الطرق، آخذين بشتى الوسائل والسبل في محاولة منهم لاستدراج الكثير من المسلمين الغافلين إلى هذا المذهب الفاسد تحت أغطية كثيرة، منها: ادعاؤهم حب أهل البيت وزعمهم أن الصحابة دفعوهم عن حقهم وغصبوهم إياه، وتواطأوا على ظلمهم وغير تلك من المزاعم التي تعد عند أرباب العقول إفكاً غير مقبول.
ولا ريب أن أهل بيت نبينا الطيبين الطاهرين بريئون كل البراءة من كل ما ألصقه بهم الشيعة، وما نسبوه إليهم من معتقدات وبخاصة معتقد الرفض، فهم يحبون الصحابة ويجلونهم ويحترمونهم وينزلونهم المنزلة التي يستحقونها.
وفي هذا الزمان، وبعد قيام دولة الرافضة ازداد خطر الشيعة، واستفحل ضررهم، وتفاقم شرهم في غفلة من أهل السنة، وعدم انتباه منهم لهذه الموجه الفكرية الشرسة التي تحاول اصطياد العديد من أهل السنة وجرهم إلى معتقد الرفض، ومحاولة غرس بغض الصحابة في قلوبهم، كل ذلك بشباك يلقونها عليهم محملة بشتى أنواع الشبه التي لا يصمد جاهل -إن لم يعصمه الله- في وجهها.
وقد ازداد هذا الخطر رسوخاً بجهل الكثير من أهل السنة بمعتقدات الشيعة، وظنهم أن ما بيننا وبين الشيعة من خلاف كالذي بين أتباع المذاهب الفقهية –أي: أنه خلاف في الفروع-.
لذا أردت أن أوضح لإخواني المسلمين معتقداً من معتقدات الشيعة الكثيرة التي خالفوا فيها أهل السنة أشد المخالفة؛ ألا وهو اعتقادهم كفر الصحابة رضي الله عنهم وارتدادهم، وقولهم بوجوب سبهم وبغضهم وذلك كي يكونوا على حذر من شبهاتهم، محترزين عن التكلم في أصحاب نبيهم أو سبهم أو الوقيعة فيهم، وبذلك يتضح الصبح لذي العينين، وتتجلى الحقائق لذوي العقول، فيتنبه الغافلون من غفلتهم ليتعرفوا على معتقد الشيعة في أفضل جيل عرفته البشرية؛ ألا وهو جيل الصحابة وفي أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين ألا وهم صحابة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ولله در القائل:
لا تركنن إلى الروافض إنهم شتموا الصحابة دون ما برهان
لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد وودادهم فرض على الإنسان
حب الصحابة والقرابة سنة ألقى بها ربي إذا أحياني
احذر عقاب الله وارج ثوابه حتى تكون كمن له قلبان
ومن هنا جاء الكتاب مبيناً بإيجاز معتقد الشيعة في الصحابة من كتب القوم أنفسهم -بلا واسطة- وفي هذا إقامة للحجة عليهم، وإلزام لهم بما هو مسطور في كتبهم التي امتدحوها ومدحوا مصنفيها، وشهدوا لمن سطر ما فيها من معتقدات بالاستقامة وحسن المعتقد، وقد جاء هذا الكتاب مقسماً إلى مجالس تلقي الضوء على معتقد الشيعة الإثني عشرية في الصحابة بإيجاز.
---------------
([1]) انظر المصادر الآتية: الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض (2/286)، والصارم المسلول لابن تيمية ص (565 - 566، 586 - 587)، وبغية المرتاد له ص (343 -344)، والمنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي (ص: 536 – 537)، وتذكرة الحفاظ له (2/775)، وحاشية ابن عابدين (2/294)، ورسالة في الرد على الرافضة للتميمي ص8.
([2]) وبعض هذا القول ثابت عن الإمام الجليل الفاضل الفقيه عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله.
([3]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (1/ 27).
([4]) انظر المصادر الشيعية الآتية: مقالات الفرق لسعد بن عبد الله القمي (ص: 21)، وفرق الشيعة للنوبختي (ص: 44)، واختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 108-109)، وتنقيح المقال للمامقاني (2/ 184)، وغيرها من المصادر.
([5]) لاحظ الحاشية السابقة.
----------------
المجلس الأول/ دعوى الشيعة الإثني عشرية ارتداد الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يرتاب مسلم صادق في إسلامه في سمو منزلة الصحابة وفضلهم ورفعة شأنهم؛ قوم اختصهم الله تبارك وتعالى لصحبة أفضل رسله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوه وآزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي جاء به فتلقوه عذباً زلالاً، وسائغاً فراتاً من مشكاة النبوة، وأخلصوا دينهم لله وبذلوا في سبيله المهج والأرواح والغالي والنفيس والأموال والأولاد؛ فشادوا بنيانه وأكملوا صرحه وفتحوا البلاد وهدوا العباد، فكانوا بذلك أهلاً لرضوان الله ومحبته ورحمته وجنته، وكانوا خير أمة أخرجت للناس وخير القرون.
ثم الشيعة الإثنا عشرية بعدما تبين لهم فضل أولئك الصحب الأبرار، والخيرة الأطهار، يزعمون أن هؤلاء الكرام البررة رضي الله تعالى عنهم قد ارتدوا جميعاً على أدبارهم القهقرى إلا نفراً يسيراً منهم، رجحوا أنهم ثلاثة: وهم سلمان وأبو ذر والمقداد استثنوهم من عداد من ارتد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال التستري -من كبار علمائهم-: (كما جاء موسى للهداية وهدى خلقا كثيرا من بني إسرائيل وغيرهم فارتدوا في أيام حياته ولم يبق فيهم أحد على إيمانه سوى هارون (ع)، كذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهدى خلقاً كثيراً لكنهم بعد وفاته ارتدوا على أعقابهم)([1])
ولئن سألت الشيعة أدلة جلية ألجأتهم إلى هذا القول لرأيتهم قد افتروا أقوالاً ونسبوها -زوراً وبهتاناً- إلى من يدعون أنهم أئمة لهم، أمثال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم وغيرهم.
فمن الأقوال التي نسبوها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيرأربعة]]([2]) زادوا عمار بن ياسر رضي الله عنه علىالثلاثة السابقين-.
ومن الأقوال التي نسبوها إلى محمد بن علي الباقر رحمه الله: [[كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة]]([3])، و [[ارتد الناس إلا ثلاثة نفر]]([4]).
وقد وصف الشيعة أسانيد هذه الروايات بأنها معتبرة([5]).
وهناك روايات أخرى مكذوبة ملأ الشيعة بها كتبهم ونسبوها -كذباً وبهتاناً- إلى عدد من أئمتهم([6]).
ولا ريب أن هؤلاء الأئمة الطيبين بريئون من ذلك، وما نسبه إليهم الشيعة هو محض إفك مفترى، والحق أنه قد كُذب على أئمة أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر مما كذب على غيرهم حتى شكا الأئمة -وعلى رأسهم جعفر الصادق - من ذلك.
وقد بين الإمام جعفر بن محمد الصادق رحمه الله-إمام الشيعة السادس- ذلك بقوله: [[إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، ويسقط صدقنا -بكذبه علينا- عند الناس]]([7]).
أضف إلى ذلك معارضة هذه المزاعم -ما زعمه الشيعة من ارتداد الصحابة- لما أخبر به الله تبارك وتعالى من أنه رضي عن الصحابة في غير ما موضع من كتابه الكريم وأمر بالاستغفار لهم، والمؤمن المطيع المتبع لا يصنع كصنيع الشيعة مع الصحابة؛ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، بل يستغفر لهم ويترضى عنهم ويعتقد أن ما نحن فيه من نعمة فهو من جهودهم رضي الله عنهم وجهادهم، ونتائج أعمالهم الطيبة المباركة، وثمرة لما قدموه من مال وولد في سبيل نصر دين الله ونشره وإعلاء كلمة الله حتى لا يعبد أحد سواه.
والله تبارك وتعالى أخبر أنه رضي عن الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بقوله: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].
وكانت عدتهم رضي الله عنهم ألفاً وثلاثمائة باعتراف الشيعة أنفسهم([8]). ولم يرتد منهم أحد، فكيف يجوز الشيعة أن يرضى الله عز وجل عن أقوام ويحمدهم وهو يعلم أنهم سيرتدون على أعقابهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل وكيف يزعمون بعد هذا الإخبار أن الصحابة ارتدوا إلا نفراً يسيراً؟ إلا أن يقولوا: إن الله لم يعلم ذلك حتى وقع، فإن قالوها فقد عرضوا أنفسهم للعنة أحد الأئمة -المعصومين عندهم- جعفر الصادق الذي لعن من قال: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون،([9]) ودعا عليه بالخزي فقال: [[من قال هذا أخزاه الله]]([10]).
والآية عامة في الرضا عن المبايعين تحت الشجرة تشمل جميع المبايعين، فـ (إذ) في قوله (إذ يبايعونك) ظرف، وسواء أكانت ظرفاً محضاً أم كانت ظرفاً فيها معنى التعليل، فإنها تدل على تعلق الرضا بجميع المبايعين، فعلم أنهم جميعاً من المرضي عنهم.
وخلاصة القول: أن دعوى الشيعة ارتداد الصحابة أمر قائم على الهوى، وليس لديهم دليل نقلي صحيح ولا عقلي صريح يسوغ لهم الإقدام على مثل هذا الادعاء الخطير.
اللهم اعصمنا بالتقوى، واحفظ علينا حبنا لصحابة نبيك صلى الله عليه وسلم كما ترضى يا رب العالمين.
----------------
([1]) إحقاق الحق للتستري (ص: 316).
([2]) انظر السقيفة لسليم بن قيس (ص:92)، والأنوار النعمانية للجزائري (1/81).
([3]) روضة الكافي للكليني (ص: 115)، وتفسير العياشي (1/199)، واختيار معرفة الرجال (ص: 6-8-11)، وانظر: علم اليقين للكاشاني (2/743-744)، وتفسير الصافي له (1/148، 305)، وقرة العيون له (ص: 426)، والبرهان للبحراني (1/319)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/749)، وحياة القلوب له (2/837)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 223)، وحق اليقين لعبد الله شبر (1/218-219).
([4]) المصادر السابقة نفسها.
([5]) انظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/148)، وقرة العيون له (ص: 426)، وحق اليقين لشبر (1/218).
([6]) راجع في ذلك كتابي: موقف الشيعة الإثني عشرية من الصحابة رضي الله عنهم.
([7]) اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 108)، وتنقيح المقال للمامقاني (2/184)، ومعجم رجال الحديث للخوئي (1/202).
([8]) انظر: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المازندراني (2/22)، والبرهان للبحراني (4/196-197).
([9]) أسنده إليه الكشي الشيعي في كتابه معرفة الرجال، (اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 151))..
([10]) أسنده الكليني في كتابه الكافي. الأصول من الكافي للكليني (1/148)..
--------------
المجلس الثاني/ دعوى الشيعة الإثني عشرية نفاق أكثر الصحابة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
لم يكتف الشيعة الإثنا عشرية بنسبة الصحابة رضي الله عنهم إلى الارتداد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل زعموا أن أكثرهم أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر في حياته عليه الصلاة والسلام.
قال التستري -من علماء الشيعة - عن الصحابة: (إنهم لم يسلموا بل استسلم الكثير رغبة في جاه رسول الله... إنهم داموا مجبولين على توشح النفاق وترشح الشقاق)([1]).
والمتأمل لهذا القول يسخر من سفاهة هذا الشيعي وسوء رأيه؛ إذ أي مال أو منصب أو شيء من حطام الدنيا كان لديه عليه السلام، وقومه قد رموه من قوس واحدة وتآمروا على قتله وقتل من معه من صحابته، وأذاقوهم من العذاب ألواناً، وأنزلوا بهم من الكربات ما الله به عليم مما لا يصبر عليه صناديد الرجال، وهم ثابتون مقيمون على إسلامهم قابضون على دينهم، ولو تركوه صلى الله عليه وسلم وتركوا دينه لأكرمهم المشركون، وأعطوهم حتى يرضوهم من حطام هذه الدنيا، ولكن نظرتهم لم تكن إلى هذه الفانية، بل كانت نظرة عميقة إلى ما وراء هذه الحياة مما أعد الله لهم، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وكان الواحد منهم يُلقى في رمضاء مكة في الأيام الشديدة الحر، وتوضع عليه الصخور والأحجار الكبيرة حتى يرجع عن دينه فلا يزيده هذا إلا ثباتاً على أمر الله ومضياً على الحق، ولسان حاله يقول لعتاة المشركين وجبابرتهم: ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) [طه:72] ولو قال لهم كلمة واحدة أحسوا منها أنه مستعد لترك دينه لأغدقوا عليه وأعطوه، ولكنه الإيمان إذا لامس بشاشة القلوب يلتحم بها التحاماً لا يمكن فكه إلا أن يشاء الله.
فقل لي بربك يا مسلم: هل هذه من صفات المنافقين، وهل هؤلاء الأبرار منافقون كما زعم الشيعة؟!
وقد أكد حسن الشيرازي -وهو من الشيعة المعاصرين- نفاق أكثر الصحابة، وتساءل عن سبب قبول النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين في صفوف المؤمنين؟ ثم أجاب نفسه بقوله: (إنه لم يكن من صالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ فجر الإسلام أن يقبل المخلصين فقط ويرفض المنافقين، وإنما كان عليه أن يكدس جميع خامات الجاهلية ليسيج بها الإسلام عن القوى الموضعية والعالمية التي تظاهرت ضده، فكان يهتف: {قولوا لا إله إلا الله تفلحوا}... إلى أن قال: (ولم يكن للنبي أن يرفضهم، وإلا لبقي هو وعلي وسلمان وأبو ذر والعدد القليل من الصفوة المنتخبين)([2]).
ثم استرسل حسن الشيرازي في حديثه عن الصحابة فقال: (غير أنهم تكاثروا مع الأيام، وعلى إثر كثرتهم استطاع رؤوس النفاق أن يتسللوا إلى المراكز القيادية، فخبطوا في الإسلام خبطاً ذريعاً كاد أن يفارق واقعه لولا أن تداركه بطله العظيم علي بن أبي طالب عليه السلام)([3]).
ومراده برؤوس النفاق: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فهم الذين عناهم الشيعي بقوله: (استطاع رؤوس النفاق...).
وهذه المزاعم التي فيها طعن واضح برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يهتم بالكيف، بل كان جل اهتمامه منصباً على الكم -على حد زعم هذا الشيعي- فكان -على حد ما زعم- يجمع الناس دون اهتمام منه بسلامة عقيدتهم وصدق رغبتهم في الدخول في الإسلام، ليقاتل بهم القوى الموضعية والعالمية، وكأن هذا الشيعي لا يدرك أن المنافقين من أشد القوى الموضعية خطراً على الدين وعلى أتباعه المسلمين، بل وأشد خطراً من القوى المحيطة بالمسلمين المتربصين بهم الدوائر. وكأنه لا يعلم أيضاً أن المنافقين ممن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجهادهم في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التوبة:73].
وقال المامقاني -من الشيعة -: (إن من المعلوم بالضرورة بنص الآيات الكريمة وجود الفساق والمنافقين في الصحابة، بل كثرتهم فيهم وعروض الفسق، بل الارتداد لجمع منهم في حياته ولآخرين بعد وفاته)([4]).
وقول المامقاني بوجود المنافقين في صفوف الصحابة صحيح لكن زعمه كثرتهم من الكذب؛ إذ لو كانوا كثيرين كما زعم هو وأسلافه لأحاطوا برسول الله وصحابته وقضوا عليهم، وأقاموا دولة حال ظهور الإسلام دون قيامها، ولكنهم كانوا قلة حقيرة وشرذمة قليلة لم يكن لهم حول ولا طول. وقوة عقيدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفت حاجزاً منيعاً بينهم وبين مخططاتهم، وسوراً عالياً منعهم من تحقيق مآربهم، لذلك لم تصدر منهم إلا أقوال يسيرة دلت على خبيئة أفئدتهم وما يعتمل في نفوسهم من حقد دفين نحو الإسلام ورسوله وأصحابه.
وهناك أقوال أخرى كثيرة صدرت عن الشيعة تحاول إلصاق تهمة النفاق بصحابة أطهار أبعد ما يكونون عن الاتصاف بها([5]).
ولست أدري كيف تتفق هذه الأقوال مع ما ذكره الشيعة في كتبهم، ونسبوه إلى أئمتهم من مدح للصحابة رضوان الله عليهم وثناء عليهم، ووصف لهم بصفات لا يتصف بها المنافقون منها:
1/ قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه مخاطباً من كان في جيشه، يحكي لهم عن إخوانه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[فقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، وإذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم مادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء للثواب]]([6]).
فهل هذه صفات المنافقين الذين وصفهم الله تبارك وتعالى بقلة الذكر لله، وتكاسلهم في أداء الصلاة، وخداعهم لله ولرسوله وللمؤمنين بقوله: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142]؟ اللهم لا.
2/ وتأمل كذلك قول جعفر الصادق -رحمه الله- فيهم: [[كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اثني عشر ألفاً؛ ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا حروري، ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير]]([7]).
فهل هذه صفات المنافقين؟؟!! اللهم لا.
ولكن الشيعة أعرضوا عن أقوال أئمتهم واتبعوا أهواءهم وما تمليه عليهم معتقداتهم الفاسدة، وبدلوا قولاً غير الذي قيل لهم.
وخلاصة القول: أن الصحابة رضوان الله تعالى عنهم كانوا من أبعد الناس عن الاتصاف بصفة النفاق، بل وكانوا يخافون النفاق فيفرون منه في أقوالهم وأفعالهم، وقد كانوا رضي الله عنهم مدركين أن الدخول في النفاق يسلبهم اسم الإسلام ولقب الصحبة الشريف الذي يحملونه.
-------------
([1]) إحقاق الحق للتستري (ص: 3)..
([2]) الشعائر الحسينية لحسن الشيرازي (ص: 8-9)..
([3]) المصدر نفسه (ص: 10)..
([4]) تنقيح المقال للمامقاني (1/213)..
([5]) انظر على سبيل المثال لا الحصر: تفسير القمي (2/186)، والبرهان للبحراني (3/299)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/342)، وقرة العيون له (ص: 416-420)..
([6]) ذكره الشريف الرضي في نهج البلاغة (ص: 143)..
([7]) أسنده إليه الصدوق في كتابه الخصال (2/639-640)..
------------
المجلس الثالث/ إنكار الشيعة الإثني عشرية لعدالة الصحابة رضي الله عنهم
لا يشك مسلم في أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أمناء هذه الأمة، وحملة الشريعة ونقلتها إلى الأمناء من بعدهم، لا يحتاج واحد منهم إلى توثيق أو تعديل، وكيف وقد أثنى عليهم ربهم وإلههم جل وعلا ثناءً يقطع لهم بالعدالة والوثاقة في آيات كثيرة من كتابه الكريم؛ مثل قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110]، وقوله جل وعلا: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة:143] والوسط: العدل. والصحابة أول من يدخل في شمول الخطاب. أضف إلى ذلك الكثير من الآيات التي أثنى الله تعالى من خلالها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين فضلهم وأخبر برضاه عنهم، وكذلك إثبات الخيرية لهم من رسولهم صلى الله عليه وسلم، ونهيه عن سبهم -ومعلوم أن إنكار عدالتهم سب لهم- ونشره لفضائلهم ومناقبهم، كل ذلك مما يستلزم إثبات العدالة لهم دون توقف.
قال محمد بن أحمد الحنبلي - الشهير بابن النجار -: (إن من أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلاً؟ فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؟!)([1]).
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله -بعدما ذكر جملة من الأحاديث في فضائل الصحابة رضي الله عنهم-: (كلها مطابقة لما ورد في نص القرآن وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له... على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها -من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين، وهذا مذهب كافة العلماء)([2]).
فالحكم بتعديل الصحابة رضي الله عنهم مبني على تعديل الله تعالى، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم لهم، ولسنا نحتاج بعد تعديل الله تعالى وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم لهم إلى تعديل أحد أياً كان.
ولكن الشيعة الإثني عشرية رغم هذا البيان الواضح من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم أنكروا عدالة الصحابة جملةً وتفصيلاً، وزعموا أن حكم الصحابة من حيث العدالة كحكم غيرهم ليس لهم مزية على غيرهم؛ فهم -على حد زعمهم- قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما على الناس.
قال المجلسي -شيخ الدولة الصفوية ومرجع الشيعة المعاصرين- في معرض حديثه عن عدالة الصحابة بعد أن ذكر قول أهل السنة فيها: (وذهبت الإمامية إلى أنهم –أي: الصحابة- كسائر الناس من أن فيهم العادل، وفيهم المنافق والفاسق والضال، بل كان أكثرهم كذلك)([3]). أي: كان أكثر الصحابة منافقاً وفاسقاً وضالاً -على حد قوله-.
وقال الشيرازي من الشيعة: (حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم، ولا يتحتم الحكم بالإيمان والعدالة بمجرد الصحبة، ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار إلا أن يكون مع يقين الإيمان وخلوص الجنان، فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته وأنه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار: واليناه وتقربنا إلى الله بحبه، ومن علمنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت عليهم السلام عاديناه لله تعالى، وتبرأنا إلى الله منه)([4]).
وقال التستري الشيعي: (الصحابي كغيره لا يثبت إيمانه إلا بحجة)([5]).
وقال في موضع آخر: (ليس كل صحابي عدلاً مقبولاً)([6]).
وقد تكلم الكاشاني -من مفسري الشيعة - في مقدمة كتابه عن أخذ الناس من تفاسير الصحابة لآيات القرآن فقال: (إن هؤلاء الناس لم يكن لهم معرفة حقيقة بأحوالهم –يعني: بأحوال الصحابة- لما تقرر عنهم أن الصحابة كلهم عدول، ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يبطنون النفاق، ويجترئون على الله، ويفترون على رسول الله في عزة وشقاق)([7]).
وبين الزنجاني -من الشيعة المعاصرين-موقف الشيعة من عدالة الصحابة فقال: (قول الشيعة في الصحابة أنهم كغيرهم من الرجال فيهم العدول من الرجال وفيهم الفساق...)([8]).
ونقل المامقاني -من علماء الرجال عند الشيعة- إجماع الإمامية على ذلك فقال: (قد اتفق أصحابنا الإمامية على أن صحبة النبي بنفسها وبمجردها لا تستلزم عدالة المتصف بها ولا حسن حاله، وأن حال الصحابي حال من لم يدرك الصحبة في توقف قبول خبره على ثبوت عدالته، أو وثاقته أو حسن حاله ومدحه المعتد به مع إيمانه)([9]).
وممن نقل إجماع الشيعة الإمامية على إنكار عدالة الصحابة: محمد جواد مغنية -وهو من الشيعة المعاصرين- حيث قال: (قال الإمامية: إن الصحابة كغيرهم فيهم الطيب والخبيث، والعادل والفاسق)([10]).
إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي ذكرها الشيعة منكرين من خلالها عدالة الصحابة رضي الله عنهم.
وخلاصة القول: أن الشيعة الإثني عشرية مجمعون على إنكار عدالة الصحابة، ولم يخالف منهم أحد في ذلك.
ولا شك أن إنكار الشيعة لعدالة الصحابة تعد مخالفة لما ورد في الكتاب والسنة من أدلة تثبت العدالة التي أنكروها وقد تقدم ذكر بعضها.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: {خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم}([11]). فقد أثبت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لصحابته الخيرية المطلقة، والأفضلية على سائر أمته التي هي خير الأمم، فدل على أن الصحابة رضي الله عنهم خيار من خيار.
والحق أن إنكار الشيعة لعدالة الصحابة -إضافة إلى كونه يعد مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام- جد خطير، يفضي بهم إلى رد ما رواه الصحابة وما نقلوه من الدين جملةً وتفصيلاً، وبالتالي إبطال الكتاب والسنة ومن يقرأ كتبهم يجد هذا واضحاً.
وهذا الذي حدا بعلماء أهل السنة إلى التشدد في قبول رواية المبتدعين، وخاصة الذين يطعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)([12]).
وقال يحيى بن معين رحمه الله في تليد بن سليمان المحاربي الكوفي: (كذاب كان يشتم عثمان، وكل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دجال لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([13]).
وقال أبو أحمد الحاكم الكرابيسي (ت:378هـ) في يونس بن خباب الأسيدي مولاهم أبو حمزة الكوفي وكان يشتم عثمان رضي الله عنه: (تركه يحيى([14]). وعبد الرحمن([15]). وأحسنا في ذلك؛ لأنه كان يشتم عثمان، ومن سب أحداً من الصحابة فهو أهل أن لا يُروى عنه)([16]).
والحق أن الإنسان يعجب حين يجد الشيعة يجعلون لمن نظر إلى الإمام الثاني عشر -عندهم([17]).- نظرة واحدة مرتبة أعلى من مرتبة العدالة، بينما يجدهم يمنعون مرتبة العدالة عن الصحابة الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأرخصوا أرواحهم في سبيل نصرة دعوة الله وإعلاء كلمته؛ رجاءً لما عند الله وطمعاً في جنته: قال المامقاني -وهو من كبار علماء الجرح والتعديل عند الشيعة - في معرض كلامه على الأمور التي تعرف بها عدالة الرجل من شيعتهم: (ومنها تشرف الرجل برؤية الحجة المنتظر - عجل الله تعالى فرجه، وجعلنا من كل مكروه فداه- بعد غيبته([18]). فإنا نستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة)([19]).
ضرورة أنه لا يحصل تلك القابلية إلا بتصفية النفس وتخلية القلب من كل رذيلة، وعراء الفكر عن كل قبيح، وإلى هذا المعنى أشار مولانا العسكري (ع) بقوله لمن أراه الحجة -روحي فداه-: [[لولا كرامتك على الله لما أريتك ولدي هذا...]]([20]).
وهذا يدل -والعياذ بالله- على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة.
-------------
([1]) شرح الكوكب المنير لابن النجار (2/475)..
([2]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 48-49)..
([3]) بحار الأنوار للمجلسي (8/8)، ونقله عنه المعلق على كتاب الإيضاح لابن شاذان (ص:49)، وعلى كتاب أمالي المفيد (ص:38)..
([4]) الدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 11)..
([5]) الصوارم المهرقة للتستري (ص: 6)..
([6]) المصدر نفسه (ص: 9)..
([7]) تفسير الصافي للكاشاني (1/4)..
([8]) عقائد الإمامية الإثني عشرية للزنجاني (3/85)..
([9]) تنقيح المقال للمامقاني (1/213)..
([10]) الشيعة في الميزان لمغنية (ص: 82)..
([11]) صحيح البخاري -واللفظ له- (5/63) كتاب فضائل الصحابة الباب الأول منه، وصحيح مسلم (4/ 1964) كتاب فضائل الصحابة باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم...
([12]) أسنده إليه الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) (ص: 97) وانظر: الإصابة لابن حجر (1/11)..
([13]) أسنده إليه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (7/138)، وانظر: التاريخ لابن معين-رواية الدوري- (2/66)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (1/509)..
([14]) ابن معين..
([15]) ابن مهدي..
([16]) تهذيب التهذيب لابن حجر (11/438)..
([17]) مع أنه لم يخلق، فالحسن العسكري كان عقيماً ولم ينجب..
([18]) يقصد الغيبة الصغرى؛ إذ له غيبتان -على حد زعمهم- غيبة صغرى أمكن رؤيته فيها، وغيبة كبرى لم يره فيها أحد..
([19]) تأمل: (في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة)، بينما يمنعون مرتبة العدالة عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
([20]) تنقيح المقال للمامقاني (1/211)..
-------------
المجلس الرابع/ موقف الشيعة الإثني عشرية من الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه
ولكني أحب بكل قلبي وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حباً به أرجو غداً حسن الثواب
والله إن المرء ليستشعر نقصه، ويعجز عن البداية، وعن بلوغ النهاية مع بعد الغاية، إذا أراد أن يكتب عن سيرة رجل لم تحمل الغبراء، ولم تظل السماء بعد الأنبياء والمرسلين رجلاً أفضل منه، رجل جمع الله فيه الفضائل كلها، والمزايا الخلقية جميعها، فكان خيراً كله.
ذاكم هو الصديق أبو بكر أول الصحابة إسلاماً، وأخصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضلهم على الإطلاق.
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبه الناس، ولم يتردد في قبول دعوته إلى الإسلام حين تردد وأبى الأدنون، وواسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله}([1]).
أسلم على يديه صفوة الأصحاب، وأعتق بماله الكثير من الرقاب، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم صديقاً، واتخذه أخاً في الله وصديقاً، وانتقل إلى جوار ربه وهو عنه راض، فرضي الله تعالى عن أبي بكر وأرضاه.
ولكن الشيعة الإثني عشرية لم يرقبوا في أبي بكر صدق صحبته وفضله، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرموه بكل شين ونقيصة، واتهموه في إسلامه وأخلاقه وعرضه وأمانته، وسلقوه بألسنة حداد أشحة على الخير.
وليس هذا القول افتراءً على الشيعة؛ فكتبهم هي الشاهد على صدق هذه الدعوى وعدم كذبها.
وسأقتصر على ذكر بعض هذه المطاعن ليكون المسلم على بينة من أمر هذه الطائفة التي لم يسلم منها خيار عباد الله تعالى([2]).
فمنها:
أولاً: طعن الشيعة في صدق إيمان الصديق رضي الله عنه:-
يطعن الشيعة في صدق إيمان أبي بكر رضي الله عنه، ويصفونه بأنه رجل سوء،([3])، أمضى أكثر عمره مقيماً على الكفر خادماً للأوثان([4])، عابداً للأصنام([5])، حتى شاب قرنه وابيض فوده([6]).
ولم يكتفوا بهذا بل زعموا أن إيمانه كان كإيمان اليهود والنصارى؛ لأنه لم يتابع محمداً صلى الله عليه وسلم لاعتقاده أنه نبي، بل لاعتقاده أنه ملك،([7]). لهذا لم يكن إسلامه صادقاً، فقد استمر على عبادة الأصنام حتى إنه -على حد قولهم- (كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله والصنم معلق في عنقه يسجد له)([8])، وكان يفطر متعمداً في نهار رمضان، ويشرب الخمر، ويهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم([9]).
قال الطوسي الشيعي: (إن من الناس من شك في إيمانه؛ لأن في الأمة من قال: إنه لم يكن عارفاً بالله تعالى قط)([10]).
وأما ابن طاوس الشيعي فقد جزم بأن أبا بكر مشكوك في هدايته([11]).
وجزم المجلسي بعدم إيمانه([12]).
أما باطنه رضي الله عنه فقد زعموا أنهم اطلعوا عليه، وتبين لهم من خلال هذا الاطلاع أنه كافر([13])، حتى إنهم حرفوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن أبا بكر لم يسؤني قط} بما يوافق مزاعمهم الباطلة فقالوا: (هذه صيغة ماض وهي تستلزم أن كفر أبي بكر لم يسؤه عليه السلام)([14]).
وهذه المزاعم التي قالها الشيعة كلها كاذبة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، وليس لهم دليل عليها إلا ما يعتمل في صدورهم من حقد على الصديق رضي الله عنه وإخوانه الصحابة، فالصديق رضي الله عنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به من مبعثه إلى أن مات.
وقد أجمع المسلمون على أن الصديق رضي الله عنه أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به من الرجال،([15]). وعلياً أول من آمن من الصبيان، وخديجة أول من آمنت من النساء، وزيد بن حارثة أول من آمن من الموالي([16]).
وقد سئل الحبر ابن عباس رضي الله عنهما: [[من أول من آمن؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها بعد النبي وأولاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا]]([17]).
وحين عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام عليه لم يتردد في قبوله ولم يتلعثم، بل أقبل عليه بكل جوارحه، وقد أخبر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {وما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم}([18]).
بينما يروي الشيعة في قصة إسلام علي رضي الله عنه أنه تلعثم وتردد وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمهله وقال له: [[إن هذا الدين مخالف دين أبي وأنا أنظر فيه]]([19]). -على حد زعم الشيعة أنفسهم-.
أما ادعاء الشيعة أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن مؤمناً حقيقة، وأنه عاش مشكوكاً في هدايته فكذب بإجماع المسلمين، ولا يوجد دليل واحد في أي كتاب من كتبهم يؤيد هذه المزاعم الباطلة، ولو كانت التهم تلقى جزافاً لأمكن لمبغضي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يدعو فيه ما ادعى الشيعة في الصديق رضي الله عنه، ولكن حاشاه وحاشا الصديق من أن ينسب إليهم ذلك، بل هما والصحابة الكرام من سادات أولياء الله، وأفضل الناس بعد أنبياء الله ورسله.
ومما يشهد لكذب دعوى الشيعة عدم صدق إيمان الصديق رضي الله عنه: ما تواتر عن اختصاص الصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وشدة لصوقه به، وما روي في شدة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم له -ولم يكن عليه الصلاة والسلام يحب إلا طيباً-:
فقد أخرج البخاري وغيره من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقال من الرجال؟ قال: أبوها}([20]).
أما قبل الهجرة وقبل أن يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه أحب خلق الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه: {لما توفيت خديجة رضي الله عنها قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنه -وذلك بمكة -: أي رسول الله! ألا تتزوج؟ فقال: ومن؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. فقال صلى الله عليه وسلم: ومن البكر ومن الثيب؟ قالت: أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر الصديق...}([21]).
وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {كان أبو بكر سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم}([22]).
فإذا كان الشيعة لا يتورعون عن توجيه أمثال هذه التهم إلى سيد الصحابة وأفضلهم وأقدمهم إسلاماً، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى أن لا يتورعوا عن اتهام من دونه من فضلاء الصحابة بشتى أنواع التهم.
فاحذر يا عبد الله! أن تغتر بأقوالهم أو يقع في قلبك شيء من بهتانهم، فإنها والله كذب كلها، ليس من دليل عليها، أملتها عليهم عقيدتهم في الصديق رضي الله عنه، وما يعتمل في قلوبهم من حقد عليه وعلى إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اصطفاهم الله واختصهم من بين الناس كلهم لصحبة أفضل رسله وخير أنبيائه، فإن أبغضت أبا بكر لقد أبغضت أحب الناس إلى قلب نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم، ولو كنت تحب نبيك صلى الله عليه وسلم لأحببت من يحبه؛ إذ من علامة المحبة: أن تحب ما أحب حبيبك صلى الله عليه وسلم.
ومن المطاعن:
ثانياً: زعم الشيعة أن أبا بكر كان يعتقد أن رسول الله ساحر وليس رسولاً:-
يزعم الشيعة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يعتقد أن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم ساحر وليس رسولاً نبياً:
فقد روى الصفار والقمي والمفيد -من الشيعة - بأسانيدهم الشيعية عن خالد بن نجيح([23]). قال: قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق: {جعلت فداك! سمى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر: الصديق؟ قال: نعم. قال: فكيف؟ قال: حين كان معه في الغار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأرى سفينة جعفر بن أبي طالب تضطرب في البحر ضالة. قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! وإنك لتراها؟ قال: نعم. قال: فتقدر أن ترينيها؟ قال: ادن مني. قال: فدنى منه فمسح على عينيه، ثم قال: انظر، فنظر أبو بكر فرأى السفينة وهي تضطرب في البحر، ثم نظر إلى قصور المدينة فقال في نفسه: الآن صدقت أنك ساحر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصديق أنت}([24]).
ونسب الشيعة إلى أبي جعفر الباقر زوراً وبهتاناً أيضاً نحواً من هذه الحكاية([25]).
وزعم سليم بن قيس من الشيعة في كتابه السقيفة أنه سمع نحواً من هذه القصة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه([26]).
فهذا هو إذن السبب الذي لأجله لقب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر: الصديق كما يزعم الشيعة.
والحق: إن المرء ليعجب من سخافة عقول هؤلاء وسوء فهمهم، وسهولة اختراعهم للقصص الباطلة دعماً لمعتقدهم، على الرغم مما فيها من تناقضات مكانية وزمانية، يلحظها من أول وهلة من له أدنى إلمام بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه رضوان الله عليهم، أضف إلى ذلك تفاهة هذه القصص وتهافتها، مع ما فيها من عجمة تدل على أصل واضعها، والكلام مع الشيعة في هذا الإفك -الذي نسبوه إلى أئمة أطهار بريئين منه ومنهم- ذو وجهين: أحدهما: يبين جهل الشيعة أو تجاهلهم للسبب الحقيقي الذي لأجله لقب أبو بكر رضي الله عنه بالصديق، والآخر: يبين تفاهة ما استدلوا به وتهافته وتناقضه.
فلا تسلم للشيعة دعواهم أن سبب تلقيب أبا بكر بالصديق هو هذا الذي زعموه، فالصديق إنما سمي بذلك لكونه سارع إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وسبق غيره في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: (لقب بالصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء)([27]).
ويشهد لقول الحافظ ابن حجر ما رواه الإمام البخاري بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وفيه يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق}([28]) ففي هذا الحديث الشريف إشارة إلى أن الصديق رضي الله عنه سبق الصحابة جميعاً إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ما أخرجه الحاكم في مستدركه –وقال: صحيح الإسناد- من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: {لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس!! قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم. إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر بالصديق}([29]).
والرسول صلى الله عليه وسلم قد لقب أبا بكر بالصديق في مواضع كثيرة، وذكر أن معنى الصديق الذي يصدق ويصدق ولا يزال يصدق ويتحرى الصدق؛ فقد أخرج الشيخان -واللفظ لمسلم - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً}([30]).
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ليست فضيلته في مجرد تحري الصدق؛ بل لأنه علم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم جملةً وتفصيلاً وصدق ذلك تصديقاًة كاملاً.
وما زعمه الشيعة من أن الصديق رضي الله عنه إنما لقب بذلك؛ لأنه أضمر -وهو في الغار- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر باطل لأدلة كثيرة منها:
أ) إن تعريف الصديق لغة: الدائم التصديق الذي يصدق قوله بالعمل ويوافق باطنه ظاهره، والذي يكثر صدقه ويغلب عليه، فهو للمبالغة في الصدق([31]).
وقد تقدم تعريفه الشرعي في حديث ابن مسعود المرفوع وهو الذي يصدق ويصدق ويتحرى الصدق.
والشيعة قد زعموا أن أبا بكر أضمر في نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر، واستدلوا بما زعموه على عدم صدق إيمانه، وعلى مخالفة باطنه لظاهره. والرسول صلى الله عليه وسلم قد اطلع على خبايا نفسه -بزعمهم- فكافأه على ذلك بمنحه هذا اللقب العظيم الذي لا يمنح إلا لمن أكثر من الصدق وعرف به.
فكيف جرى هذا والكاذب لا يكون صديقاً كما رووا في كتبهم، فقد روى صاحب كتاب (الأشعثيات) بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يرفعه: [[الكذاب لا يكون صديقاً ولا شهيداً]]([32]).
ب) إن الهجرة إلى الحبشة كانت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ببضع سنين كما ذكر ذلك المؤرخون([33]). فكيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة جعفر بن أبي طالب تعوم في البحر وأراها أبا بكر، بالرغم من الفاصل الزمني الكبير بين الواقعتين، إذ الهجرة إلى الحبشة حدثت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعدة سنوات -كما أسلفنا-.
ج) إن في سبب تلقيب أبي بكر بالصديق في الروايات الصحيحة المستفيضة عند أهل السنة ما يدمغ هذا الاحتجاج الكاذب ويبطله. وقد تقدم بعض هذه الروايات الصحيحة.
وبهذا الرد الموجز يتبين أن الصديق رضي الله عنه إنما حاز هذا اللقب الشريف؛ لأنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر تصديقاً كاملاً في العلم والقصد والقول والعمل.
وهذان المطعنان اللذان ذكرتهما قليل من كثير من المطاعن التي وجهها الشيعة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهما غيض من فيض مما في كتبهم من المفتريات الموجهة إلى خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين.
---------------
([1]) صحيح البخاري (5/67-68) كتاب المناقب، باب فضل أبي بكر..
([2]) المطاعن التي وجهها الشيعة إلى الصديق رضي الله تعالى عنه كثيرة جداً، وهذا الذي ذكرته غيض من فيض مما في كتبهم..
([3]) كما ذكر ذلك الجزائري الشيعي في الأنوار النعمانية (4/60)..
([4]) ذكر ذلك البياضي الشيعي في الصراط المستقيم (3/155)، والكاشاني الشيعي في علم اليقين (2/707)..
([5]) ذكر ذلك الكركي الشيعي في (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) (ق: 3/أ)..
([6]) ذكر ذلك الكاشاني الشيعي في علم اليقين (2/707-708)، والفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن، وفود الرأس: جانباه (انظر: لسان العرب لابن منظور (3/340)..
([7]) كما ذكر ذلك حيدر الآملي-الشيعي- في كتابه الكشكول (ص: 104)..
([8]) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 3/أ)، والأنوار النعمانية للجزائري (1/53)..
([9]) البرهان للبحراني (1/500)..
([10]) تلخيص الشافي للطوسي (ص: 407)..
([11]) الطرائف لابن طاوس (ص: 32)..
([12]) مرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (3/429-430)..
([13]) ذكر ذلك الكوفي الشيعي في كتابه الاستغاثة في بدع الثلاثة (ص: 20)..
([14]) ذكر ذلك البياضي الشيعي في الصراط المستقيم (3/149)..
([15]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (1/223-227)، وتاريخ دمشق لابن عساكر، (9/529، 538-543)، والروض الأنيق لابن زنجويه (ق: 3/ب - 8/ب، 86/ب)، والسيرة النبوية لابن كثير (1/435)..
([16]) السيرة النبوية لابن هشام (1/240-250)، والسيرة النبوية لابن كثير (1/428-437)..
([17]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (1/142)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (9/540)، والسيرة النبوية لابن كثير (1/435)، وانظر أيضاً المستدرك للحاكم (3/64)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 151) -فهو مروي عن الإمام الشعبي أيضاً-..
([18]) مسند أحمد (2/253-366)، وسنن ابن ماجة (1/49)، وسيرة ابن هشام (1/252)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (9/543)، وانظر: السيرة النبوية لابن كثير (1/433)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 142)..
([19]) سعد السعود لابن طاوس (ص: 216)..
([20]) صحيح البخاري (5/68) كتاب المناقب باب: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)..
([21]) أخرجه أحمد والحاكم وقال: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، مسند أحمد (6/210)، والمستدرك للحاكم (2/167)..
([22]) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (المستدرك للحاكم (3/66))..
([23]) شيعي، حسَّن المامقاني -من علماء الشيعة- حديثه (تنقيح المقال للمامقاني (1/393))..
([24]) بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص: 444)، وتفسير القمي (ط حجرية ص 157) (ط حديثة 1/290)، والاختصاص للمفيد (ص: 19)، وانظر: مختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 29)..
([25]) بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص: 444)، وروضة الكافي للكليني (ط حجرية ص: 338 ط حديثة: 218)، وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/702)، والبرهان للبحراني (2 /125 – 126)، ومرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (4/338)..
([26]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 224 – 225)..
([27]) فتح الباري (7/9)، وقد قال ابن الأثير وابن زنجويه نحواً من قوله. (منال الطالب لابن الأثير (ص: 274)، والروض الأنيق لابن زنجويه (ق: 29/أ)..
([28]) صحيح البخاري (5/67-68) كتاب المناقب – باب فضل أبي بكر.
([29]) المستدرك للحاكم (3/62) -وصححه-، وانظر: در السحابة للشوكاني (ص: 150)..
([30]) صحيح البخاري (8/46) كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وصحيح مسلم (4/2013) كتاب البر باب قبح الكذب وحسن الصدق..
([31]) راجع الصحاح للجوهري (4/1506)، والمحكم المحيط الأعظم لابن سيده (6/118)، ومنال الطالب لابن الأثير (ص: 274)..
([32]) الأشعثيات للأشعث الكوفي (ص: 80)..
([33]) السيرة النبوية لابن هشام (1/321)، والسيرة النبوية لابن كثير (2/3-9)..
--------------
المجلس الخامس/ موقف الشيعة الإثني عشرية من الفاروق أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه
في الجاهلية والإسلام هيبته تثني الخطوب فلا تعلو عواديها
في طي شدته أسرار رحمته للعالمين ولكن ليس يغشيها
وبين جنبيه في أوفى صرامته فؤاد والدة ترعى ذراريها
إن الذي برأ الفاروق نزهه عن النقائص والأغراض تنزيها
فذاك خلق من الفردوس طينته الله أودع فيها ما ينقيها
لا الكبر يسكنها لا الظلم يصحبها لا الحقد يعرفها لا الحرص يغويها([1])
ذاكم هو الفاروق، عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي أفضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
أسلم فكان إسلامه عزاً للمسلمين، وفتحاً مبيناً لهم، فأعلنوا شعائر دينهم بعدما كانوا يخفونها، وفرق الله بإسلامه بين الحق والباطل، ولقبه الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بـ (الفاروق)([2]).
كان قوياً في دينه، شديداً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثاقب الرأي، حاد الذكاء، نير البصيرة، جعل الله الحق على لسانه وقلبه.
تولى الخلافة بعد الصديق رضي الله عنه، فكانت ولايته فتحاً للإسلام، ونصراً مؤزراً، إذ تهاوت في أيامه عروش كسرى وقيصر، وقضى على أعظم دولتين في ذلك الزمان.
وقد بلغ عدل عمر رضي الله تعالى عنه الآفاق وأصبح مضرب المثل، فأحبه القاصي والداني، وودوا لو مد الله في عمره من أعمارهم، حتى تدوم ولايته، ويدوم ما يتفيؤونه في ظلالها من الأمن والعدل، وعز الإسلام ونصر المسلمين، إلا أن يد الغدر والحقد امتدت إليه لتضع حداً لحياة هذا العملاق العظيم، فقد قام المجوسي الخبيث أبو لؤلؤة بطعنه بخنجر له رأسان، نصابه في وسطه، كان قد شحذه وأشبعه بالسم، ثم غدر بعمر رضي الله عنه وهو يصلي صلاة الفجر، فطعنه في كتفه وخاصرته لينتقم لدولة المجوس التي أزالها، ولنارهم التي أطفأها، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
فرضي الله عن عمر، لقد كان إسلامه عزاً، وخلافته فتحاً، ووفاته فجيعة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا يزال المسلمون يذكرونه على مر العصور، وتتابع الأزمان، ويتحدثون عن فضائله ومناقبه، ويشيدون بعدله الذي صار مضرب المثل. إلا الشيعة الإثني عشرية فإنهم رغم فضل عمر رضي الله عنه وسابقته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سلقوه بألسنة حداد، ورموه بكل شين ونقيصة، ووجهوا إليه شتى المطاعن. وسأقتصر على بيان بعضها.
فمنها:
أولاً: زعم الشيعة أن عمر رضي الله عنه مصاب بداء دواؤه ماء الرجال:-
يزعم الشيعة أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه كان مصاباً بداء في دبره لا يهدأ إلا بماء الرجال.([3]).
ولم يكتف الشيعة بهذا التلميح، بل تعدوه إلى تصريح، إذ صرحت بعض رواياتهم أن عمر رضي الله عنه كان ممن ينكح في دبره:
فقد روى العياشي -الشيعي- أن من تسمى بـ (أمير المؤمنين) فهو ممن يؤتى في دبره([4]).
ومعلوم أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من تسمى بـ (أمير المؤمنين)([5]).
وهذا الإفك وجهه الشيعة إلى من أحب الإمام الأول -المعصوم عندهم-، علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يلقى الله بمثل عمله([6])، وزوجه ابنته أم كلثوم([7]). فهل يحب الإمام المعصوم عندهم أن يلقى الله بمثل عمل من يؤتى في دبره؟ وكيف زوج الإمام المعصوم عندهم ابنته لمن يؤتى في دبره -على حد زعمهم-؟. سؤال أترك الإجابة عليه للشيعة أنفسهم.
ومن المطاعن:
ثانياً: زعم الشيعة نفاق وكفر عمر بن الخطاب رضي الله عنه:-
يزعم الشيعة أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان كافراً يبطن الكفر ويظهر الإسلام([8]).
ويزعمون أن كفره مساوياً لكفر إبليس إن لم يكن أشد منه([9]).
ولا يكتفي الشيعة بمجرد القول بكفر عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ بل يلعنون كل من يشك في كفره، ويزعمون أنه لا يشك في كفره عاقل:
قال المجلسي -شيخ الدولة الصفوية ومرجع الشيعة المعاصرين-: (لا مجال لعاقل أن يشك في كفر عمر، فلعنة الله ورسوله عليه، وعلى كل من اعتبره مسلماً، وعلى كل من يكف عن لعنه)([10]).
ومن العجب أن هذه التهم يوجهها الشيعة جزافاً إلى من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان، بله الإيمان بالغيب في قوله لأصحابه، وليس عمر بينهم: {بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب، فقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟ وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكن خلقت للحرث، فلما سمع الصحابة منه ذلك، قالوا: سبحان الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أؤمن بذلك، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما}([11]).
وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر صلابة دينه في قوله: {بينما أنا نائم، رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، فقال له الصحابة رضي الله عنهم: ما أولت يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: الدين}([12]).
وذكر عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يهرب من عمر رضي الله عنه إذا رآه في طريق([13])، وما ذاك إلا بسبب قوة دينه وشدة يقينه رضي الله تعالى عنه.
فإذا كان أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ومن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقوة في الدين كافراً عند الشيعة، فماذا يقولون فيمن هو دونه في الفضل والدين وقوة الإيمان واليقين؟!.
ومن المطاعن:
ثالثاً: فرح الشيعة وابتهاجهم باستشهاد عمر رضي الله عنه، واعتبارهم يوم مقتله يوم عيد لهم:-
الشيعة الإثنا عشرية يفرحون ويبتهجون بمقتل عمر رضي الله تعالى عنه، ويعتبرون يوم مقتله عيداً من أكبر الأعياد، ويعتبرون قاتله أبا لؤلؤة المجوسي الخبيث مسلماً من أفضل المسلمين:
فقد روى محمد بن رستم الطبري -الشيعي- بسنده إلى الحسن بن الحسن السامري أنه قال: (كنت أنا ويحيى بن أحمد بن جريج البغدادي، فقصدنا أحمد بن إسحاق البغدادي([14]). -وهو صاحب الإمام العسكري عليه السلام- بمدينة قم. فقرعنا عليه الباب، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول وعياله، فإنه يوم عيد فقلنا: سبحان الله!!! الأعياد عندنا أربعة: عيد الفطر، وعيد النحر، والغدير، والجمعة؟ قالت: روى سيدي أحمد بن إسحاق عن سيده العسكري، عن أبيه علي بن محمد عليهما السلام أن هذا يوم عيد، وهو خيار الأعياد عند أهل البيت وعند مواليهم... -إلى أن ذكر خروج أحمد بن إسحاق إليهم، وروايته عن العسكري عن أبيه أن حذيفة بن اليمان دخل في يوم التاسع من ربيع الأول على رسول الله صلى الله عليه وآله، فذكر له عليه السلام بعض فضائل هذا اليوم، ومثالب من يقتل فيه- قال حذيفة: {قلت: يا رسول الله! في أمتك وأصحابك من يهتك هذا الحرم؟ قال صلى الله عليه وآله: جبت من المنافقين يظلم أهل بيتي، ويستعمل في أمتي الربا، ويدعوهم إلى نفسه، ويتطاول على الأمة من بعدي، ويستجلب أموال الله من غير حله، وينفقها في غير طاعة، ويحمل على كتفه درة الخزي، ويضل الناس عن سبيل الله، ويحرِّف كتابه، ويغير سنتي... -إلى أن قال-: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل بيت أم سلمة، فرجعت عنه وأنا غير شاك في أمر الشيخ الثاني...} -يقصد عمر([15]).-، {... حتى رأيته بعد رسول الله قد فتح الشر وأعاد الكفر والارتداد عن الدين، وحرف القرآن... واستجاب الله دعاء مولاتي – فاطمة - على ذلك المنافق وأجرى قتله على يد قاتله...} -إلى أن ذكر دخوله على علي بن أبي طالب رضي الله عنه يهنئه بمقتل عمر رضي الله عنه، وإخبار علي له عن هذا العيد أن له اثنين وسبعين اسماً، منها يوم تنفيس الكربة، ويوم الثارات، ويوم ندامة الظالم، ويوم فرح الشيعة... إلخ-)([16])..
ويترحم الشيعة الإثنا عشرية على أبي لؤلؤة المجوسي الخبيث، ويعدونه رجلاً مسلماً من أفاضل المسلمين، ويذكرون أنه إنما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتقاماً لظلم أصابه منه، وإهانة ألحقها به([17]).
ويصف الشيعة قاتل عمر بالشجاعة، ويلقبونه بـ (بابا شجاع الدين)([18]).
ويظهر الشيعة الإثنا عشرية فرحتهم وابتهاجهم باستشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإضافة لاعتبارهم يوم مقتله من أكبر الأعياد، نجدهم ينشدون الأناشيد فرحاً وابتهاجاً بما جرى له على يد قاتله المجوسي، فقد عقد صاحب كتاب: عقد الدرر في بقر بطن عمر، فصلاً وضع له عنواناً قال فيه: (الفصل الرابع في وصف حال سرور هذا اليوم على التعيين، وهو من تمام فرح الشيعة المخلصين، ثم ذكر الأناشيد التي تقال في هذا اليوم ووصفها بقوله: وهي كليمات رآئقة، ولفيظات شائقة، هو أنه لما طلع الإقبال من مطالع الآمال، وهب نسيم الوصال بالاتصال بالغدو والآصال، بمقتل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر: عمر بن الخطاب الفاجر الذي فتن العباد، ونتج في الأرض الفساد، إلى يوم الحشر والتناد، ملأت أقداح الأفراح، من رحيق راح الأرواح، ممزوجة بسحيق تحقيق السرور، وبماء رفيق توفيق الحبور...)([19]).
ثم عقب على هذه الكلمات بذكر الأشعار الطوال التي قيلت ابتهاجاً بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه([20]).
وهذا المعتقد الشيعي في عمر رضي الله عنه يشم منه رائحة الشعوبية الحاقدة، والانتصار للمجوسية أعداء الإسلام:
فمما لا شك فيه أن أبا لؤلؤة المجوسي كان كافراً، وأن قتله لأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه إنما كان ثأراً لدينه ووطنه، فعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان سبباً في إطفاء نار المجوس وإزالة ملكهم.
فاندفع أبو لؤلؤة المجوسي بحقده الشخصي -إن قلنا: إنه لم يكن مدفوعاً من أحد- فقتل عمر، وقتل معه بضعة عشر صحابياً. وعلى هذا فانتصار الشيعة له إنما يعد انتصاراً للكفار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حاكياً عن الشيعة: (ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي، ومنهم من يقول: اللهم ارض عن أبي لؤلؤة واحشرني معه. ومنهم من يقول في بعض ما يفعله من محاربتهم: واثارات أبي لؤلؤة. كما يفعلون في الصورة التي يقدرون فيها صورة عمر من الجبس وغيره، وأبو لؤلؤة كافر باتفاق أهل الإسلام كان مجوسياً من عباد النيران،... فقتل عمر بغضاً في الإسلام وأهله، وحباً للمجوس، وانتقاماً للكفار لما فعل بهم عمر حين فتح بلادهم، وقتل رؤساءهم، وقسم أموالهم).([21]).
وليست تقتصر مطاعن الشيعة على ما ذكر، بل ما ذكرته يعد غيضاً من فيض مما في كتب الشيعة من المطاعن المفتراة والموجهة إلى أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر وابنته.([22]).
----------------
([1]) من قصيدة طويلة للشاعر حافظ إبراهيم في الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه..
([2]) طبقات ابن سعد (3/270)..
([3]) انظر: الأنوار النعمانية للجزائري (1/63)، ومثل هذا الكلام مذكور في كتاب آخر من كتب الشيعة المعاصرين يعرف بكتاب (الزهراء في السنة والتاريخ والأدب) لمحمد كاظم الكفائي طبع الجزء الأول منه عام (1369هـ)، وأراد مؤلفه إلحاقه بأحد عشر جزءاً فخرج الجزء الثاني من الطبع عام (1371هـ) في (408) صفحات، ولم يتمكن المؤلف من إخراج الأجزاء الباقية، وقد عد آغا بزرك الطهراني الشيعي المعاصر هذا الكتاب من كتب الشيعة وذكره ضمن مصنفه: الذريعة إلى تصانيف الشيعة (12/67)، وقد رأى هذا الكلام الخبيث في هذا الكتاب الأستاذ البشير الإبراهيمي شيخ علماء الجزائر عند زيارته الأولى للعراق، (انظر: الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب (ص 7)، وسراب في إيران لأحمد الأفغاني (ص 25)..
([4]) نقله عنه الجزائري في الأنوار النعمانية (1/63)..
([5]) الاستيعاب لابن عبد البر (2/466 – 467)..
([6]) صحيح البخاري (5/77) كتاب المناقب باب مناقب عمر..
([7]) هذا الزواج ذكره الشيعة أنفسهم في مصنفاتهم (انظر على سبيل المثال: الفروع من الكافي للكليني (6/115)، والأشعثيات للأشعث الكوفي (ص: 109)، والشافي للمرتضى (ص: 216)، وأوائل المقالات للمفيد (ص: 200 – 202)، وبحار الأنوار للمجلسي (9/621- 625)، ومصائب النواصب للتستري (ص: 169)..
([8]) انظر: الصراط المستقيم للبياضي (ص: 3/129)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 49/ب - 52/أ، 68/ب)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 284)، وعقائد الإمامية للزنجاني (3/27)..
([9]) انظر: تفسير العياشي (2/ 223-224)، والبرهان للبحراني (2/310)، وبحار الأنوار للمجلسي (8/220)..
([10]) جلاء العيون للمجلسي (ص: 45)..
([11]) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (5/78) كتاب فضائل الصحابة باب: مناقب عمر، ومسلم في صحيحه (4/1857 – 1858) كتاب فضائل الصحابة باب: من فضائل أبي بكر الصديق..
([12]) صحيح البخاري (5/79) كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر..
([13]) صحيح البخاري (4/256) كتاب بدء الخلق باب: صفة إبليس..
([14]) عده الكشي الشيعي من ثقات أصحاب الحسن العسكري -الإمام الحادي عشر عند الشيعة- انظر: اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 557-558)..
([15]) وكنوا عنه بالثاني؛ لأنه ثاني الغاصبين للخلافة من علي -على حد زعمهم- راجع المصادر الشيعية التالية: دلائل الإمامة لابن رستم الطبري (ص: 257-258)، والصراط المستقيم للبياضي (2/26)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/570)، والبرهان للبحراني (4/187)، ومقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 171-249-260-270-341)..
([16]) نقله عن ابن رستم كل من: البياضي في الصراط المستقيم (3/29) –مختصراً، والمجلسي في بحار الأنوار (20/330)، ونعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (1/108-111)، وصاحب كتاب (عقد الدرر في بقر بطن عمر) (ق: 1-3)، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب (ص: 219)، ومحمد صادق الطباطبائي في مجالس الموحدين (ص: 691)، ومحمد رضا الحكيمي في شرح الخطبة الشقشقية (ص: 220 – 222)، وكل هؤلاء الشيعة أوردوا القصة مطولة..
([17]) عقد الدرر في بقر بطن عمر (ق: 2، 3، 4)..
([18]) الكنى والألقاب لعباس القمي (1/147)..
([19]) عقد الدرر في بقر بطن عمر (ق: 6)..
([20]) المصدر السابق نفسه (ق: 6-11)..
([21]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (6/370-371)..
([22]) صحيح البخاري (5/329) كتاب المغازي، باب غزوة ذات السلاسل..
---------------
المجلس السادس/ موقف الشيعة الإثني عشرية من الشيخين معاً، أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما
ثلاثة برزوا بسبقهم نضرهم ربهم إذ نشروا
عاشوا بلا فرقة حياتهم واجتمعوا في الممات إذا قبروا
فليس من مسلم له بصر ينكر من فضلهم إذا ذكروا
أتدرون من هؤلاء الثلاثة الذين عناهم حسان بن ثابت رضي الله عنه بقوله: (ثلاثة برزوا)؟
إنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحباه، وصفياه، وخليلاه، ووزيراه من أهل الدنيا، أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
وقد تقدمت نماذج من المطاعن التي وجهها الشيعة إلى هذين الصاحبين الجليلين كل منهما على حده، وللشيعة مطاعن أخرى مشتركة وجهوها إلى الشيخين معا، وسأقتصر على بعض منهما:
فمن هذه المطاعن:
أولاً: زعم الشيعة الإثني عشرية وجوب لعن الشيخين رضي الله عنهما والبراءة منهما:-
يوجب الشيعة الإثنا عشرية لعن الشيخين، أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ويزعمون أن بعض أئمتهم قد لعنهما:
فقد نسبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه -زوراً وبهتاناً- أنه لما قام إليه أحد الناس، وطلب منه أن يبايعه على ما عمل أبو بكر وعمر، قال: [[فمد يده، وقال له: اصفق، لعن الله الاثنين]]([1]).
وزعم سليم بن قيس -من الشيعة- أن علياً كان يلعن الشيخين دائماً([2]).
وذكر بعض الشيعة أن الإمام جعفر الصادق رحمه الله كان يلعنهما رضي الله تعالى عنهما في دبر كل مكتوبة([3]).
وقد أنشأ الشيعة أدعية عديدة في لعن الشيخين رضي الله تعالى عنهما، ذكروها في كتبهم، ووضعوا في فضلها أحاديث كثيرة، ترغيباً لشيعتهم في قراءتها، والإكثار من ترديدها والدعاء بها.
وسأذكر منها:
الدعاء المسمى بـ(دعاء صنمي قريش):-
هذا الدعاء اعتبره الشيعة من الأدعية الخاصة في لعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وابنتيهما عائشة وحفصة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والشيعة قد زعموا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وحاشاه مما نسبه إليه الشيعة - كان يقنت في صلاة الوتر بهذا الدعاء([4]). ونسبوا إليه -زوراً وبهتاناً- أنه قال عنه: [[إن الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر وحنين بألف ألف سهم]]، ونسبوا إليه كذلك قوله عنه: [[إنه من غوامض الأسرار وكرائم الأذكار]]([5]).
وقد زعم الشيعة أنه -حاشاه عما نسبوا إليه- كان يواظب عليه في ليله ونهاره، وأوقات أسحاره([6]).
ونسبوا إلى بعض أئمتهم -زوراً وبهتاناً أيضاً- في فضل هذا الدعاء:
أن من قرأه مرة واحدة: [[كتب الله له سبعين ألف حسنة، ومحى عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف درجة، ويُقضى له سبعون ألف ألف حاجة]]([7]). وأن من يلعن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في الصباح لم يكتب عليه ذنب حتى يمسي، ومن لعنهما في المساء لم يكتب عليه ذنب حتى يصبح([8]).
واهتم الشيعة بهذا الدعاء اهتماماً كبيراً، واعتبروه من الأدعية المشروعة([9]).، وعمدوا إلى شرحه، فبلغت شروحه أكثر من عشر شروح([10]).
وقد ذكر مصنفو الشيعة هذا الدعاء -بعضه أو كله- في مصنفاتهم، فممن ذكره كله: الكفعمي([11])، والكاشاني([12])، والنوري الطبرسي([13])، وأسد الله الطهراني الحائري([14])، وسيد مرتضى حسين([15])، ومنظور بن حسين([16])، وغيرهم كثير.
وممن ذكر مقتطفات من هذا الدعاء أو أشار إليه من مصنفي الشيعة:
الكركي في: نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت([17])، والكاشاني في قرة العيون([18])، والداماد الحسيني في شرعة التسمية في زمن الغيبة([19])، والمجلسي في مرآة العقول([20])، والتستري في إحقاق الحق([21])، وأبو الحسن العاملي في مقدمته على تفسير البرهان([22])، والحائري في إلزام الناصب([23])، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب([24])، وعبد الله شبر في حق اليقين([25])، وغيرهم.
وقد سمى الشيعة هذا الدعاء بـ (دعاء صنمي قريش) كما تقدم؛ لأن أوله: [[اللهم صل على محمد وآل محمد، والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما... إلخ]].
ومرادهم بصنمي قريش: أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما، وعامل بعدله من يبغضهما- كما صرح الشيعة بذلك في العديد من مصنفاتهم، منهم: الكفعمي في شرحه لهذا الدعاء([26])، والكركي في نفحات اللاهوت([27])، والمجلسي([28])، والداماد الحسيني([29])، والتستري في إحقاق الحق([30])، والحائري في إلزام الناصب([31])، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب([32]).
وبعض الشيعة لم يصرحوا بأن المراد بهما أبو بكر وعمر -وهذا من باب التقية التي يتعاملون بها مع أهل السنة - واكتفوا بالإشارة إلى ألقابهما، بحيث يدرك الشيعي الذي يعرف ألقابهما أنهما المرادان بهذا الدعاء، فالكاشاني مثلاً: ذكر أن المراد بهما: فرعون وهامان، فقال: (أرذل المخلوقات صنما قريش عليهما لعائن الله، وهما فرعون وهامان)([33]). وفرعون وهامان من الألقاب التي يطلقها الشيعة على الشيخين رضي الله تعالى عنهما كما سيأتي.
وأشار أبو الحسن العاملي إلى أن المراد بهما: فلان وفلان، أو الجبت والطاغوت([34])، وكلها من الألقاب التي يطلقها الشيعة على الشيخين.
والدعاء الذي وسمه الشيعة بـ (دعاء صنمي قريش) مليء باللعن والسب والشتم، والدعاء بالويل والنار على الشيخين رضي الله عنهما([35]).، وهو مليء أيضاً بالافتراءات المكذوبة، والإفك الواضح، والبهتان المبين، والاتهامات الباطلة الموجهة لأفضل الناس بعد النبيين، الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر، مثل: دعواهم أنهما أنكرا الوحي، وحرفا القرآن، وخالفا الشرع، وعطلا الأحكام، وخربا البلاد، وأفسدا العباد، وأخربا بيت النبوة، و...، و...، إلى آخر هذا الهذيان الكاذب، والإفك المفترى، الذي لا يسعفه برهان، ولا تؤيده حجة ولا دليل. وهو يكشف بوضوح عما يعتمل في صدور الشيعة من حقد دفين، وبغض شديد، وكراهية شنيعة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولأفضلهم على الإطلاق: اللذين أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نقتدي بهما بعد موته.
أما عن عقيدة الشيعة في البراءة من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:
فإن البراءة منهما ومن عثمان ومعاوية رضي الله عنهم تعد من ضروريات مذهبهم، فمن لم يتبرأ منهم فليس من مذهب الشيعة في شيء.
قال المجلسي -مرجع الشيعة المعاصرين-: (ومن ضروريات دين الإمامية البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية...)([36]).
بل والبراءة منهم تعتبر عند الشيعة من أسباب ذهاب الأسقام وشفاء الأبدان([37])، ومن تبرأ منهم ومات في ليلته دخل الجنة.
روى الكليني في كتابه الكافي -الذي يعد أحد الأصول الأربعة المعتبرة عند الشيعة - بسنده عن أحدهما([38]).- قال: [[من قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك المقربين وحملة عرشك المصطفين أنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأن فلاناً إمامي ووليي([39])، وأن أباه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلي والحسن والحسين وفلاناً وفلاناً -حتى ينتهي إليه([40]).- أوليائي على ذلك، أحيا عليه وأموت، وعليه أبعث يوم القيامة، وأبرأ من فلان وفلان وفلان، فإن مات في ليلته دخل الجنة]]([41]).
وفلان وفلان وفلان هم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم.
وليس الشيعة وحدهم الذين يلعنون الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ويتبرؤون منهما، بل هناك خلق آخر -على حد زعم الشيعة - خلقهم الله للعن الشيخين والتبرؤ منهما فقط:
فقد نسب الشيعة -زوراً وبهتاناً- إلى جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: [[إن من وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس فيها خلق كثير، وإن من وراء قمركم أربعين قمراً فيها خلق كثير لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه ألهموا إلهاماً لعنة فلان وفلان]].
وفي رواية الكليني صاحب الكافي: [[لم يعصوا الله طرفة عين يبرؤون من فلان وفلان]]([42]).
وقد علق المجلسي على هذه الرواية بقوله: (من فلان وفلان أي: من أبي بكر وعمر).([43]).
وخلاصة القول: أن الشيعة الإثني عشرية مجمعون على لعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما والتبرؤ منهما، بل ويوجبون ذلك كما تقدم آنفاً.
ولا ريب في مخالفة هذه الأقوال لما يعتقده أئمتهم في الشيخين رضي الله عنهما خصوصاً وفي الصحابة عموماً، وستأتي بعض أقوالهم في ذلك، ولا شك أن ما نسبوه إلى بعض أئمتهم من لعن الشيخين رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة والتبرؤ منهم، مكذوب على أولئك الأئمة، وقد ورد عنهم ما يخالف ذلك:
فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه ينهى بعض من كان في جيشه عن سب معاوية رضي الله عنه -مع كونه دون الشيخين في الفضل باعتراف الشيعة أنفسهم- ويقول لهم ما نسبه إليه الشيعة في كتبهم: [[كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين]]([44]) فما كرهه لهم يكرهه لنفسه، وهو الذي يعمل بما يقول وهو المعصوم -في نظرهم-.
وليس الأمر قاصراً على مجرد الكراهة، بل إن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه أمر بقتل من يلعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد روى أحمد والطبراني([45]) بسند حسن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: [[يأتي قوم بعدنا ينتحلون شيعتنا وليسوا بشيعتنا لهم نبز،([46]) وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون]]([47]).
ولما بلغه رضي الله تعالى عنه أن بعض الناس يتناولون الشيخين رضي الله تعالى عنهما بالسب توعد من تكلم فيهما بسوء بحد المفتري ثمانين جلدة، فقد روى الشيخ محمد بن عبد الواحد المقدسي بسنده أن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه بلغه أن نفراً من الناس يتناولون أبا بكر وعمر، فقال: [[لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل]]، ثم صعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة جاء فيها: [[ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش، وأبوي المسلمين؟ أنا مما قالوا بريء وعلى ما قالوا معاقب، ألا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر ردي]].
ثم ذكر كلاماً طويلاً أخبر فيه عن فضلهما، وعن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو راضٍ عنهما، وعن رضا الناس ببيعتهما، وعن سيرتهما الحميدة في خلافتهما، ثم ختم كلامه رضي الله تعالى عنه بقوله: [[ألا فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، ولكن لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أتيت به يقول هذا بعد اليوم، فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، ولو شئت لسميت الثالث، وأستغفر الله لي ولكم]]([48]).
فما أحوج الشيعة إلى تأمل هذا الكلام العظيم من هذا الإمام الكريم، إنه لم يكتف بالنهي عن سبهما وبغضهما، بل جعل حبهما رضي الله تعالى عنهما من علامات حبه رضي الله تعالى عنه، وجعل بغضهما من علامات بغضه، بل وفضلهما على نفسه الكريمة، بجعلهما خير الناس بعد رسول الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم.
وتفضيله لهما على نفسه رضي الله عنه متواتر مستفيض عنه، فقد تواتر عنه رضي الله عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال على منبر الكوفة، وأسمع من حضر: [[خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر]]([49]).
وروى الإمام البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية -وهو ابن علي رضي الله عنه من زوجته الحنفية - قال: [[قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر]]([50]).
وعندما أظهر ابن سبأ الطعن على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أمر علي بقتله، ثم شفع فيه بعض الناس، فعدل عن قتله ونفاه إلى المدائن -كما اعترف أحد الشيعة بذلك-([51]).
فرضي الله عن أمير المؤمنين وجزاه ربه خيراً عن وضعه الحق في نصابه ومعرفته الفضل لأهله، فإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.
وعلى معتقده في الشيخين كان معتقد شيعته الأوائل، فإنهم لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر عليه رضي الله عنهم أجمعين، وهذا ما اعترف به علماء الشيعة الأكابر، فقد ذكر أبو القاسم البلخي أن سائلاً سأل شريك بن عبد الله بن أبي نمر -من كبار أصحاب علي رضي الله عنه- فقال له: [[أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له شريك: أبو بكر، فقال السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم. إنما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى علي هذه الأعواد -يريد أعواد منبر مسجده في الكوفة - فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. أفكنا نرد قوله؟ أكنا نكذبه؟ والله ما كان كذاباً]]([52]).!!
أما الإمام محمد بن علي، أبو جعفر الباقر: فقد نهى عن اللعن والسب مطلقاً، وأخبر أن الله تعالى يبغض ذلك، فقال: [[إن الله يبغض اللعان السباب الطعان الفحاش المتفحش]]، وهذا ما اعترف به أحد الشيعة([53]). فهل يفعل الإمام المعصوم -عندهم- ما يبغضه الله؟
وقد أخبر عن نفسه -رحمه الله- أنه يتولى الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأخبر أيضاً أنه لم يكن أحد من أهل البيت يسبهما.
فعندما سأله جابر الجعفي عن الشيخين رضي الله تعالى عنهما: [[أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا. وأنا أحبهما، وأتولاهما وأستغفر لهما]]([54]).
أما الإمام جعفر الصادق رحمه الله -إمام القوم السادس- فلم يكن يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بتوليهما أيضاً: فقد روى الكليني -في كتاب الكافي الذي هو عند الشيعة بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة - بسنده عن الصادق أنه: [[قال لامرأة من الشيعة سألته عن أبي بكر وعمر، أتتولاهما وتحبهما؟ قال: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم.]]([55]).
وأخبر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أصحابه أنه لم يسمع أحداً من آبائه يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما نقل ذلك عن الشيعة([56]).
وآباؤه -رضوان الله عليهم- الذين لم يسمع أحداً منهم يتبرأ من الشيخين هم: زين العابدين، وعلي بن الحسين، وأبوه الحسين بن علي، وجده علي بن أبي طالب.
أفلا يسع الشيعة ما وسع أئمتهم من تولي الشيخين والترضي عنهما، وعدم التبرؤ منهما، ولعنهما؟!
ولم يكتف زيد بن علي رضي الله عنهما بقوله هذا، بل وافقه بفعله وذلك حين جاءه قوم ممن ينتحلون التشيع ومودة آل البيت، وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى يبايعوه -وذلك حينما خرج على الأمويين- فقال لهم كلمته الرائعة التي ألجمت أفواههم، وبينت لهم معنى التشيع الحق: [[أنا أتبرأ ممن يتبرأ منهما]]([57]). [[البراءة من أبي بكر وعمر براءة من علي]]([58]). [[فقالوا له: إذن نرفضك]]([59]).
فهذه أقوال من يزعم الشيعة أنهم أئمة لهم، وهذه حالهم، ويتولون أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، بل وسائر الصحابة، ويترحمون عليهم، ولا يتبرؤون منهم، بل ويأمرون الناس بتوليهم ومحبتهم، ويحذرونهم من بغضهم وسبهم. فكيف يدعي من يزعم الانتساب إليهم أن البراءة من الشيخين والصحابة واجبة؟!.
سؤال أترك الإجابة عليه للشيعة أنفسهم.
---------------
([1]) رواه الصفار في بصائر الدرجات الكبرى (ص: 412)، والمفيد في الاختصاص (ص: 312).
([2]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 194).
([3]) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 6/أ، 74/ب).
([4]) البلد الأمين للكفعمي (ص:511)، والمصباح له (ص: 551)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/701)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 221 – 222).
([5]) المصادر السابقة نفسها.
([6]) المصادر السابقة نفسها.
([7]) ضياء الصالحين (ص: 513).
([8]) ضياء الصالحين (ص: 513).
([9]) الذريعة لآغا بزرك الطهراني (8/192).
([10]) راجع المصادر الشيعية التالية: البلد الأمين للكفعمي (ص: 511)، والمصباح له (ص: 551)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 74/ب)، وعلم اليقين للكاشاني (2/701)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 221-222)، والذريعة إلى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني (8/192)، وأمل الآمل للحر العاملي (2/32).
([11]) في البلد الأمين (ص: 511-514)، وفي المصباح (الجنة الواقية) (ص: 548- 557).
([12]) في علم اليقين (2/701-703).
([13]) في فصل الخطاب (ص: 9-10).
([14]) في مفتاح الجنان (ص: 113-114).
([15]) في صحيفة علوية (ص: 200-202).
([16]) في تحفة العوام مقبول (ص 213-214).
([17]) (ق: 6/أ، 74/ب).
([18]) (ص:426).
([19]) (ق: 26/أ).
([20]) (4/356).
([21]) (ص: 58، 133-134).
([22]) (ص: 113، 174، 226، 250، 290، 294، 313، 339).
([23]) (2/95).
([24]) (ص: 221-222).
([25]) (1/219).
([26]) المصباح للكفعمي (ص: 552-554).
([27]) وكتابه: نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت، صنفه خصيصاً في لعن الشيخين الجليلين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما اللذان عناهما بقوله: الجبت والطاغوت، وقد ذكر في هذا الكتاب أن علياً -رضي الله عنه وحاشاه مما ينسبه إليه الشيعة- كان يقنت في الوتر يلعن صنمي قريش، ثم قال: يريد بهما أبا بكر وعمر، وقد ورد استحباب الدعاء على أعداء الله في الوتر، (نفحات اللاهوت للكركي (ق: 74/ب)).
([28]) في مرآة العقول (4/356).
([29]) الذي أشار إلى دعاء صنمي قريش، وقال: إن المراد بـ (صنمي قريش) الرجلان المدفونان مع رسول الله (شرعة التسمية في زمن الغيبة (ق: 26/أ)-.
([30]) (ص: 133-134).
([31]) (2/95) ومما قاله: صنما قريش هما: أبو بكر وعمر.. غصبا الخلافة بعد رسول الله..
([32]) (ص: 9-10) وقال نحواً من قول الحائري.
([33]) قرة العيون للكاشاني (ص: 432-433).
([34]) مقدمة البرهان للعاملي (ص: 113).
([35]) وقد ختموا هذا الدعاء بقولهم: (ثم قل أربع مرات: اللهم عذبهم عذاباً يستغيث منه أهل النار.).
([36]) الاعتقادات للمجلسي ق 17.
([37]) إلزام الناصب للحائري (2/9).
([38]) مصطلح يستعمله الشيعة ويريدون به أحد الإمامين جعفر الصادق أو أباه الباقر.
([39]) ويسمي إمام زمانه.
([40]) أي: إلى إمام زمانه.
([41]) الأصول من الكافي للكليني (2/389).
([42]) رواه الصفار والكليني بسنديهما بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص:510-513)، والروضة من الكافي للكليني (ص: 347)، وانظر: الخرايج والجرايح للراوندي (ص: 127)، ومختصر بصائر الدرجات لحسن الحلي (ص: 12)، وقرة العيون للكاشاني (ص: 433)، والبرهان للبحراني (1/48، 4/216)، ومرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (4/347)، وقد أورد رجب البرسي هذه الرواية وزاد على الشيخين عثمان بن عفان. انظر: مشارق الأنوار لرجب البرسي (ص: 42).
([43]) مرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (4/347).
([44]) انظر المصادر الشيعية التالية: وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ص: 102)، والأخبار الطوال للدينوري (ص: 1965)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (11/92)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 424).
([45]) قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن. مجمع الزوائد للهيثمي (11/22).
([46]) النبز بالتحريك: اللقب. الصحاح للجوهري (3/897). ويريد بذلك تلقيبهم بـ (الرافضة).
([47]) فضائل الصحابة لأحمد (1/441).
([48]) كتاب النهي عن سب الأصحاب وما ورد فيه من الإثم والعقاب (ق: 4/ب، 6/أ).
([49]) راجع منهاج السنة النبوية (1/11-12).
([50]) صحيح البخاري (5/7) كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب حدثنا الحميدي ومحمد بن عبد الله..
([51]) فرق الشيعة للنوبختي (ص: 44).
([52]) قال ابن تيمية في منهاج السنة (1/13-14): ذكر هذا أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي اعتراضه على الجاحظ، وقد نقله عنه القاضي عبد الجبار الهمداني في كتابه: تثبيت دلائل النبوة (1/549).
([53]) وهو اليعقوبي في تاريخه (2/321).
([54]) طبقات ابن سعد (5/236).
([55]) الروضة من الكافي للكليني (ص: 101).
([56]) الانتفاضات الشيعية لهاشم الحسيني (ص 497).
([57]) مرآة الجنان لليافعي (ص: 257).
([58]) الأنساب للبلاذري 3/241.
([59]) مرآة الجنان لليافعي (ص: 257)، وانظر المصادر الشيعية: مروج الذهب للمسعودي (3/220)، وروضات الجنات للخوانساري (1/324).
------------
تتمة المجلس السادس
ثانياً: زعم الشيعة أن الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يرجعان إلى الدنيا قبل يوم القيامة للاقتصاص منهما وإنزال أشد العقوبة بهما:-
يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يرجعان إلى الدنيا قبل يوم القيامة للاقتصاص منهما على يد قائم أهل البيت -مهدي الشيعة المنتظر - ويزعمون أن القرآن الكريم دل على رجعتهما، وأخبر عنهما أنهما يذوقان شتى ألوان العذاب في الرجعة:
فقد استدلوا بقوله تعالى حاكياً عن قوم موسى عليه السلام، وما وقع عليهم من فرعون وجنوده: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)) [القصص:5] * ((وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)) [القصص:6].
فزعموا أن المراد بـ (فرعون وهامان) في هذه الآية أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما وحاشاهما مما بهتهما به الشيعة -يحييهما القائم قبل يوم القيامة ليشفي صدور شيعته منهما.
فقد أسند محمد بن الحسن الشيباني في كتابه كشف نهج الحق إلى محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق - رحمها الله وحاشاهما مما نسبه إليهما الشيعة -قولهما في تفسير هذه الآية: [[إن فرعون وهامان هاهنا شخصان من جبابرة قريش([1]). يحييهما الله تعالى عند قيام القائم من آل محمد عليه السلام في آخر الزمان فينتقم منهما بما أسلفا]]([2]).
وقد صرح جمع من علماء الشيعة أن المراد بفرعون وهامان في هذه الآية: أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وزعموا أن قائمهم يحييهما ويصلبهما على جذع نخله، ويقتلهما كل يوم ألف قتلة جزاءً بما قدما من ظلم أهل البيت والاعتداء عليهم -على حد زعمهم-.
وممن صرح أن المراد بفرعون وهامان أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما، وعامل بعدله من يبغضهما-: البياضي([3])، وحسن بن سليمان الحلي([4])، والطبسي النجفي([5])، والبحراني([6])، والجزائري([7])، وأحمد الأحسائي([8])، وعلي الحائري([9])، وعبد الله شبر([10])، وغيرهم([11]).
وعلق المجلسي على رواية الكليني المسندة إلى جعفر الصادق وفيها القول المنسوب كذباً إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: [[وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم... وأمات هامان وأهلك فرعون]]([12])، بقوله: وأمات هامان أي: عمر، وأهلك فرعون أي: أبا بكر، ويحتمل العكس، ويدل على أن المراد هذان الأشقيان)([13]).
وبنحو قوله قال أبو الحسن العاملي([14]).. وكنى الكاشاني عنهما بـ (صنمي قريش)([15]).
أما دعوى الشيعة إحياء قائمهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وصلبهما، فالمزاعم المفتراة والأكاذيب الملفقة عليها كثيرة في كتبهم، وهم لا يتورعون عن الكذب على الله عز وجل الذي يقول سبحانه: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)) [الأنعام: 21، 93] [هود: 18] [العنكبوت: 68]، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في الحديث الصحيح المتواتر: {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}([16]).
فتراهم يزعمون كذباً أن الله تعالى قد أخبر نبيه بذلك ليلة الإسراء:
فقد أسند الصدوق إلى جعفر الصادق -زوراً وبهتاناً- قصة الإسراء والمعراج، وفيها زعموا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لأنوار الأئمة الاثني عشر وفي وسطهم محمد بن الحسن قائم الشيعة، وسؤال ربه عنهم: [[يا رب! ومن هؤلاء؟ قال: الأئمة، وهذا القائم الذي يحلل حلالي ويحرم حرامي، وبه انتقم من أعدائي وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس يومئذ بهما أشد من فتنة العجل والسامري]]([17]).
والمراد بـ (اللات والعزى) عند الشيعة: أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ويشهد لذلك تعليق أحد علماء الشيعة السيد الداماد الحسيني -الشيعي- على رواية إخراج القائم للات والعزى بقوله: (تنبيه: لا يخفين على بصيرتك أن اللات والعزى هما صنما قريش اللذان دعا عليهما أمير المؤمنين عليه السلام في دعائه المشهور، ودفنا في بيت رسول الله، وفي حريم قبره، ودون إذن منه ولا من أهل بيته المطهرين القائمين بأمره صلى الله عليه وآله وسلم)([18]).
ويزعم الشيعة –كذباً- أن علياً رضي الله عنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
فقد أسند ابن رستم الطبري إلى أبي الطفيل عامر بن واثلة([19]). أنه قال -وحاشاه أن يكون قال هذا الكذب المبين-: [[رأيت أمير المؤمنين وهو في بعض أزقة المدينة يمشي وحده فسلمت عليه واتبعته حتى انتهى إلى دار الثاني([20])، فاستأذن فأذن له فدخل فدخلت معه، فسلم على الثاني -عمر - وهو يومئذ خليفة وجلس، فحين استقرت به الأرض قال له: من علمك الجهالة يا مغرور؟ أما والله لو ركبت القفر ولبست الشعر لكان خيراً لك من المجلس الذي جلسته... إلى أن قال: والله لكأني بك وبصاحبك - أبي بكر - قد أخرجتما طريين حتى تصلبا بالبيداء.. - إلى أن قال له عمر.. -يا أبا الحسن! إني لأعلم أنك ما تقول إلا حقاً فأسألك بالله: إن رسول الله سماني وسمى صاحبي؟ فقال له: والله إن رسول الله سماك وسمى صاحبك... إلخ]]([21]).
وكتب الشيعة مملوءة بأخبار نسبوها -زوراً وبهتاناً- إلى عدد من الأئمة تدل على أنهم –أعني: الشيعة - يعتقدون أن الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يخرجان من قبريهما ويصلبان قبل يوم القيامة ويعذبان أشد العذاب.
فالروايات المنسوبة -كذباً- إلى أبي جعفر الباقر: زعموا أنها رواها عنه عدد من رواة الشيعة أمثال أبي بصير([22]). والمفضل بن عمر([23])، وسلام بن المستنير([24])، وعبد الأعلى الحلبي([25])، وغيرهم.
وكل هذه الروايات المكذوبة المفتراة تدور حول معنى واحد هو إخراج الشيخين رضي الله تعالى عنهما من قبريهما غضين طريين وصلبهما وافتتان الناس بهما.
والروايات المنسوبة -زوراً وبهتاناً- إلى أبي عبد الله الصادق زعموا أنها رواها عنه عدد من رواة الشيعة أمثال أبي الجارود([26]).
والمفضل بن عمر([27])، وبشير النبال([28])، وإسحاق بن عمار،([29]) وغيرهم.
وكلها تدور حول نفس المعنى الذي دارت عليه الروايات السابقة.
أما محمد بن علي الجواد المعروف بأبي جعفر الثاني: فقد روى عنه قصة صلب القائم للشيخين رضي الله عنهما -على حد زعم الشيعة - عبد العظيم بن عبد الله الحسني([30]).
وعن محمد بن الحسن العسكري -وهو قائم الشيعة الذي يصلب الشيخين كما يزعمون، وهو لم يولد أصلاً لعقم الحسن العسكري - زعم الشيعة أنه رواها علي بن إبراهيم بن مهزيار. وهي قصة طويلة مفتراة ذكروا فيها قول محمد بن الحسن -المهدي المزعوم-: [[... وأجيء إلى يثرب فأهدم الحجرة وأخرج من بها وهما طريان فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين فيصلبان عليهما فتورقان من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشد من الفتنة الأولى... إلخ]]([31]).
وهذا المعتقد الخبيث المخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين يعرف عند الشيعة بالرجعة، ويزعمون أنها –أي: الرجعة المزعومة- حشر للأبدان والأرواح تشبه حشر القيامة([32]).
والرجعة من عقائد الشيعة الأساسية، وقد استدلوا عليها بنحو مائة آية من كتاب الله أولوها بما لا يسعفه برهان ولا تقويه حجة.
ولا إيمان عند الشيعة لمن لم يعتقد بالرجعة، وليس من الشيعة في شيء من ينكرها-كما نسبوا ذلك إلى أئمتهم-([33]).
وهي خاصة بمن كان مؤمناً خالصاً أو منافقاً خالصاً فلا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو بلغ الغاية في الكفر والنفاق.
ومعلوم أن الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ليسا ممن محض الإيمان -عند الشيعة - فهما إذاً من الفريق الآخر بدليل:
إجماع الشيعة على أنهما يرجعان، ويذوقان شتى أنواع العذاب على يدي القائم -الذي بعث نقمة([34]) من صلبهما([35]). وضربهما بسياط من نار([36]) وقتلهما في كل يوم ألف قتلة([37]) وحرقهما([38]) ونسفهما في اليم نسفا كما فعل موسى عليه السلام بالعجل([39]) بل وقتل كل من أحبهما-([40]). على حد زعم الشيعة الذين أوردوا كل هذه المفتريات في كتبهم.
والمتصفح لكتب الأدعية عند الشيعة يجدها مليئة بدعاء القائم كي يخرج وينتقم من أعداء آل البيت، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما([41]). وحاشا أبا بكر وعمر أن يكون في قلبيهما بغض لآل بيت رسولهم صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما يكون دعاؤه شعراً، وذلك كقول قائلهم([42]):
يا حجة الله يا خير الأنام ويا نور الظلام ويا ابن الأنجم الزهر
أرجو من الله ربي أن يبلغني أرى اللعينين رؤيا العين بالنظر
ينبشان كما قال النبي لنا من بعد دفنهما في سائر الحفر
ويشهران بلا ريب ولا شبه على رؤوس الملا من سائر البشر
ويصلبان على جذعين من خشب ويحرقان بلا شك ولا نكر
هناك تشفى قلوب طال ما ملئت همّاً وتصبح بعد الهمِّ بالبشر
ولا يقتصر زمن صلب الشيخين رضي الله تعالى عنهما على وقت الرجعة -عند الشيعة- بل تراهم يزعمون أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يصلبان في كل عام أيضاً:
فقد روى الصفار والمفيد بسنديهما المسلسلين بالكذابين عن عيسى بن عبد الله بن أبي طاهر العلوي([43]). يروي عن أبيه عن جده: [[أنه كان مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر([44]). بمنى وهو يرمي الجمرات، وأن أبا جعفر عليه السلام رمى الجمرات قال: فاستتمها ثم بقي في يده بعد خمس حصيات، فرمى اثنتين في ناحية وثلاثة في ناحية، فقال له جدي: جعلت فداك لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعه أحد قط. رأيتك رميت الجمرات ثم رميت بخمسة بعد ذلك ثلاثة في ناحية واثنتين في ناحية؟ قال: نعم. إنه إذا كان كل موسم أخرجا الفاسقين الغاصبين ثم يفرق بينهما هاهنا، لا يراهما إلا إمام عادل، فرميت الأول - أبا بكر – اثنتين، والآخر – عمر – ثلاثة؛ لأن الآخر أخبث من الأول]]([45]).
وهكذا لا يتورع الشيعة عن توجيه مثل هذه الاتهامات إلى اللذين هما أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبيه وصفييه من أهل الدنيا، وأقرب الناس إليه قلباً وبدناً. ومن اطلع على سيرتهما أدرك شدة قربهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف مكانتهما ومنزلتهما عنده. وقد شهد لهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بذلك:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك. وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وإني كنت أظن أن يجعلك الله معهما}([46]).
ولا ريب أن عقيدة الرجعة التي يعتقدها الشيعة مخالفة لنصوص الكتاب والسنة تمام المخالفة:
فهناك آيات كثيرة تبطل هذه العقيدة تماما منها قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)) [المؤمنون:99] * ((لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) [المؤمنون:100] فالبقاء في البرزخ إلى يوم البعث الذي هو يوم القيامة بالاتفاق.
وهذه الآية قطعت كل أمل في الرجعة إلى الدنيا سواء أكانت للعمل الصالح أم لغيره؛ وقد بين الرب تبارك وتعالى فيها استحالة الرجوع إلى الدنيا، وعلل هذه الاستحالة بوجود برزخ لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، حجز بين الموت والبعث، وبين الدنيا والآخرة([47]).
أضف إلى ذلك وجود الأحاديث النبوية الكثيرة المصرحة بعدم الرجعة إلى الدنيا قبل يوم البعث، ولا يتسع المقام لإيرادها.
ولكن لما كانت النصوص القرآنية والنبوية غير ذات أثر أو اعتبار عند الشيعة ناسب أن أسوق لهم بعض أقوال من يعتقدون إمامته في إبطال عقيدة الرجعة، ليتبين بذلك كذب ما نسبوه إلى هؤلاء الأئمة الأبرار من أباطيل وترهات:
1/ فمنهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الذي أخبر في عدة مواطن باستحالة رجوع من مات إلى الدنيا. من ذلك القول الذي نسبه إليه الشيعة في كتاب نهج البلاغة: [[فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق]]([48]).
وكذا القول الذي نسبوه إليه أيضاً: [[ما بينكم وبين الجنة إلا الموت أن ينزل بكم]]([49]).
2/ ومنهم: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما الذي رد على من نقل إليه مزاعم القائلين برجعة علي رضي الله عنه إلى الدنيا فقال: [[كذب أولئك الكذابون لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه]]([50]).
3/ ومنهم: زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إمام الشيعة الرابع الذي قال: [[جاءني رجل من أهل البصرة فقال: ما جئت حاجاً ولا معتمراً. قال: قلت: ما جاء بك؟ قال: أسألك متى يبعث علي؟ قال: يبعث يوم القيامة وهمه نفسه]]([51]).
4/ ومنهم: محمد بن علي بن الحسين إمام الشيعة الخامس الذي نص صراحة على أن أهل البيت عليهم السلام مبرؤون من اعتقاد الرجعة، لم يقل أحد منهم بها، فقد أخرج ابن سعد بسنده عن زهير بن جابر قال: [[قلت لمحمد بن علي: أكان منكم أهل البيت أحد يقر بالرجعة؟ قال: لا. قلت: أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا، فأحبهما، وتولاهما واستغفر لهما]]([52]).
5/ ومنهم: أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، إمام القوم السادس الذي رد على من يزعم رجعة محمد بن الحنفية -وهو ابن علي بن أبي طالب من زوجته الحنفية، فقال: [[حدثني أبي: أنه كان فيمن عاده في مرضه، وفيمن أغمضه وفيمن أدخله حفرته. وتُزوّج نساؤه، وقُسم ميراثه]]([53]).
وهذا القول شبيه بقول الحسن بن علي رضي الله عنهما عن أبيه مكذباً من زعم رجعته: [[لو علمنا ذلك ما تُزوّج نساؤه ولا قسمنا ميراثه]]([54]).
6/ ومنهم: علي بن موسى بن جعفر، الملقب بـ (الرضا) إمام الشيعة الثامن الذي رد على من قال بغيبة أبيه -موسى الكاظم - ورجعته.
بقوله الذي نسبه الشيعة إليه: [[بلى والله لقد مات وقُسّمت أمواله ونُكحت جواريه]]([55]).
وغير هذه من الأقوال الكثيرة التي صدرت عن أولئك الأئمة الذين كذب عليهم الشيعة، وهم عن كذبهم غافلون.
وبعد: فهذه أقوال من يزعم الشيعة أنهم أئمة لهم، وقد نسب أكثرها إلى هؤلاء الأئمة: الشيعة أنفسهم، فكيف ينسبون إليهم ما يؤكد عقيدة الرجعة تارة، ثم ينسبون إليهم ما يبطلها أخرى؟! سؤال أترك الإجابة عليه للشيعة أنفسهم إن كان عندهم على هذا التناقض البين جواب.
ثالثاً: زعم الشيعة الإثني عشرية أن الشيخين الجليلين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يخلدان في النار يوم القيامة، ويعذبان فيها أشد العذاب:-
لا تقتصر مزاعم الشيعة الإثني عشرية على التصريح بكفر الشيخين رضي الله تعالى عنهما، وتعذيب قائم الشيعة لهما في الدنيا قبل يوم القيامة، بل يزعمون كذلك أن الشيخين رضي الله تعالى عنهما مخلدان في نار جهنم يوم القيامة، يعذبان فيها عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين حتى ولا إبليس اللعين.
فقد نسبوا في كتبهم -زوراً وكذباً- إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن إبليس اللعين أخبره أنه لما أهبط بخطيئته إلى السماء الرابعة نادى: [[إلهي وسيدي ما أحسبك خلقت خلقاً هو أشقى مني؟ فأوحى الله تبارك وتعالى: بلى قد خلقت من هو أشقى منك. فانطلق إلى (مالك) يريكه، فانطلقت إلى مالك، فقلت: السلام يقرأ عليك السلام ويقول: أرني من هو أشقى مني، فانطلق بي مالك إلى النار فرفع الطبق الأعلى، فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكاً، فقال لها: اهدئي، فهدأت، ثم انطلق بي إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشد من تلك سواداً وأشد حمى، فقال لها: اخمدي فخمدت، إلى أن انطلق بي إلى الطبق السابع وكل نار تخرج من طبق هي أشد من الأولى، فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكاً وجميع ما خلقه الله عز وجل فوضعت يدي على عيني وقلت: مرها يا مالك أن تخمد وإلا خمدت، فقال: إنك لن تخمد إلى الوقت المعلوم فأمرها فخمدت فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران معلقين بها إلى فوق وعلى رؤوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالك! من هذان؟ فقال: أو ما قرأت على ساق العرش؟ -وكنت قبل قد قرأته قبل أن يخلق الله الدنيا بألفي عام- لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته ونصرته بعلي، فقال: هذان من أعداء أولئك وظالميهم]]([56]).
وعلق المجلسي -شيخ الدولة الصفوية، ومرجع الشيعة المعاصرين على هذه الرواية بقوله: (إنهما اللذان ظلماه أي: أبي بكر وعمر)([57]).
وهذه الرواية فيها -مع انقطاعها وضعف رواتها- إزراء وانتقاص لإمامهم المعصوم حيث جعلوا شيخه في الرواية إبليس اللعين.
وأسند أيضاً الصفار الشيعي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه -زوراً وبهتاناً- أنه سأل من حضر مجلسه: [[إن كانوا رأوا ما يرى؟ ثم أخبرهم أنه رأى أبا بكر وعمر كل واحد على ترعة من ترع النار يقولان له: يا أبا الحسن! استغفر لنا، فلا يكلمهما وإنما يقول: لا غفر الله لهما]]([58]).
ونسب الشيعة أيضاً -كذباً- إلى بعض أئمتهم أنهم أخبروا عن الشيخين رضي الله تعالى عنهما أنهما يوضعان يوم القيامة في تابوتين من نار قد أحكم الرتاج عليهما في أحد أودية جهنم:
- فقد أسند الصدوق والشعيري إلى إسحاق بن عمار الصيرفي -أحد رواة الشيعة - يروي عن موسى بن جعفر الكاظم خبراً طويلاً، ملخصه: [[أن موسى الكاظم أخبره أن في النار وادياً يقال له: سقر، لو تنفس لأحرق ما على وجه الأرض، وفي ذلك الوادي جبل وفي الجبل شعب وفي الشعب قليب وفي القليب حية يتعوذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحية ونتنها وقذرها، وما أعد الله في أنيابها من السم لأهلها، وإن في جوف تلك الحية لسبعة صناديق فيها خمسة من الأمم السالفة، واثنان من هذه الأمة. قال: قلت: جعلت فداك ومن الخمسة؟ ومن الإثنان؟ قال: وأما الخمسة: فقابيل الذي قتل هابيل، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، فقال: أنا أحيي وأميت، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى ويهوذا الذي هود اليهود، وبولس الذي نصر النصارى، ومن هذه الأمة أعرابيان]]([59]).
وقد ذكر المجلسي أن المراد بالأعرابيين: أبو بكر وعمر([60]).
وهذه الأقوال المكذوبة التي نسبها الشيعة زوراً وبهتاناً إلى بعض الأئمة تخالف السنة الصحيحة التي أفادت أن الشيخين رضي الله عنهما لا يدخلان النار، وأنهما من أهل الجنة، بله الدرجات العالية الرفيعة فيها.
فلقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه: {لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة}([61]).
ومعلوم أن الشيخين رضي الله تعالى عنهما ممن بايع تحتها.
وبشر عليه السلام الشيخين رضي الله عنهما بالجنة بشارة عامة شاركهم فيها عدد من الصحابة: مثل حديث الحائط([62]). وغيره من الأحاديث الكثيرة الصحيحة.
وبشرهما بشارة خاصة بهما، مثل قوله عنهما: {هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين}([63]). ومثل قوله: {إن أهل الدرجات العلى يراهم من هو أسفل منهم كما ترى الكواكب في أفق السماء، وأبو بكر وعمر فيهما وأنعما}([64]).
والأحاديث في ذلك كثيرة جداً ولا يتسع المقام لذكرها، وكلها تدل دلالة قطعية على أن الشيخين رضي الله تعالى عنهما من أهل الجنة بل ومن أهل الدرجات العلى فيها، وهي بمجموعها تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.
وفي هذه الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل الشيخين رضي الله عنهما، وما تقدم من أقوال أئمة أهل البيت في حبهما رضي الله عنهما، وتوليهما والترضي عنهما إقامة للحجة على هؤلاء المبغضين لهما، وبيان لمحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبي صحابته، ومحبي أهل بيته أن لا يغتروا بقول الشيعة في الشيخين الجليلين رضي الله تعالى عنهما؛ لئلا يقعوا في بغض رسول الله صلى الله عليه وسلم دون شعور منهم، إذ من المعلوم أن مبغض أبي بكر وعمر مبغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاء أو أبى؛ إذ هما حبيباه وصفياه من أهل الدنيا ووزيراه وضجيعاه، وقد تقدم قوله -بأبي هو وأمي- فيهما وفي بقية أصحابه رضوان الله تعالى عنهم أجمعين: {فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم}.
فإياك إياك يا محب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبك بغض لواحد منهم، سيما سيدا المسلمين وحبيبا رسول رب العالمين.
اللهم يا إله الأولين والآخرين، ويا رب كل شيء ومليكه احفظ علينا حبنا لرسولك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه الأخيار البررة الأطهار كما ترضى يارب العالمين. آمين، آمين، آمين.
--------------
([1]) وضع الجزائري والحائري وشبر -من الشيعة-: أبا بكر وعمر بدل: (شخصان من جبابرة قريش)، وعزو هذا القول إلى الصادق فقط. الأنوار النعمانية للجزائري (2/89)، وإلزام الناصب للحائري (2/366-274)، وحق اليقين لشبر (2/10، 25، 28).
([2]) نقله عنه البحراني في البرهان (3/220)، وانظر: الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص 256، 342)، والأنوار النعمانية للجزائري (2/89)، وإلزام الناصب للحائري (1/81-82)، (2/266، 274، 338)، وحق اليقين لشبر (2/10، 25، 28).
([3]) في الصراط المستقيم (2/252).
([4]) في مختصر بصائر الدرجات (ص: 191).
([5]) في الشيعة والرجعة (ص: 139).
([6]) في البرهان (3/220).
([7]) في الأنوارالنعمانية (2/89).
([8]) في الرجعة (ص: 191).
([9]) في إلزام الناصب (2/266، 274، 337، 338).
([10]) في حق اليقين (2/10، 25، 28).
([11]) ويلاحظ أن هؤلاء المذكورين كلهم من متأخري الشيعة، ما بعد القرن التاسع الهجري، إلى وقتنا الحاضر، وقد نقل لاحقهم عن سابقهم، وتواطؤوا فيما بينهم على ذلك، ويجوز التواطؤ على الكذب -عقلاً- إذا كان المتواطئون ينقلون ما يقوي مذهبهم، وقد تبين لك أخي يا محب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحب أصحابه أن بغض الصحابة وسبهم من قواعد الشيعة وعقائدهم الأساسية، فلا تغتر بتواطئهم على نقل هذه الرواية الخبيثة، ونسبتها إلى أئمتهم الطاهرين المبرئين مما يزعمه الشيعة، إذ الشيعة قوم بهت، دينهم الكذب.
([12]) الروضة من الكافي للكليني (ص: 277).
([13]) مرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (4/277).
([14]) مقدمة البرهان للعاملي (ص: 263، س341).
([15]) قرة العيون للكاشاني (ص: 432-433).
([16]) ذكر الزبيدي في لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة (ص: 261- 282) أن تسعة وتسعين صحابياً رووا هذا الحديث، منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي أخرج له هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما.
([17]) إكمال الدين للصدوق (ص: 246)، وانظر: مقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 249).
([18]) شرعة التسمية في زمن الغيبة للداماد الحسيني (ق: 26/أ).
([19]) صحابي مات سنة نيف ومائة. راجع الاستيعاب لابن عبد البر (4/115-118)، والإصابة لابن حجر (4/113).
([20]) عند الأحسائي عمر بدل -الثاني- الرجعة (ص: 130-133) ويقصدون بالثاني: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ لأنه الثاني في الخلافة بعد الصديق رضي الله تعالى عنه.
([21]) دلائل الإمامة لابن رستم الطبري (ص: 257-258)، وانظر: حلية الأبرار لهاشم البحراني (5/598-606)، والرجعة للأحسائي (ص: 130-133)، وانظر من كتب النصيرية: الهداية الكبرى للحسين بن حمدان الخصيبـي (ص: 162-164).
([22]) سعد السعود لابن طاوس (ص: 116)، وانظر: من كتب النصيرية: الهفت الشريف -رواية المفضل بن عمر الجعفي (ص: 164).
([23]) انظر: مختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 189)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 286-288)، ومقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 361)، وإلزام الناصب للحائري (1/81-82).
([24]) إكمال الدين للصدوق (ص: 626).
([25]) تفسير العياشي (2/57-58)، والبرهان للبحراني (2/81-83)، وبحار الأنوار للمجلسي (13/188-189).
([26]) انظر: دلائل الإمامة لابن رستم الطبري (ص: 242)، والرجعة لأحمد الأحسائي (ص: 128-129).
([27]) انظر: إكمال الدين للصدوق (ص: 392)، وعيون أخبار الرضا له (1/58)، وحلية الأبرار لهاشم البحراني (2/652-676)، وبحار الأنوار للمجلسي (52/379،53/1-38) وحق اليقين له -فارسي- (ص: 527) والأنوار النعمانية للجزائري (2/85)، ومقدمة البرهان للعاملي (ص: 360-362)، والرجعة للأحسائي (ص: 182-200)، وحق اليقين لشبر (2/23)، وإلزام الناصب للحائري (2/262، 337)، وبيان غيبة حضرة إمام موعود لمحمد كرئلائي (ق: 48- ق:55)، والشيعة والرجعة للطبسي (ص: 139)، ودائرة المعارف الشيعية لمحمد حسن الأعلمي (1/350-351).
([28]) أسنده إليه الفضل بن شاذان في كتاب الرجعة كما ذكر ذلك المجلسي في بحار الأنوار (52/386).
([29]) أسنده إليه الفضل بن شاذان في كتاب الرجعة كما ذكر ذلك المجلسي في بحار الأنوار (52/386).
([30]) إكمال الدين للصدوق (ص: 361)، وإعلام الورى للفضل الطبرسي (ص: 409)، والاحتجاج لأحمد الطبرسي (ص: 446)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 269)، والبرهان للبحراني (1/165)، وبحار الأنوار للمجلسي (52/283)، والرجعة للأحسائي (ص: 128-129).
([31]) مختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 176-177)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 286).
([32]) حق اليقين لشبر (2/13).
([33]) راجع الاعتقادات للمجلسي (ق: 23/ ب).
([34]) أسنده الكليني إلى الصادق: الروضة من الكافي (ص: 347).
([35]) البرهان للبحراني (2/407)، ومقدمة البرهان للعاملي (ص: 361)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 269)، وإلزام الناصب للحائري (2/167).
([36]) الرجعة للأحسائي (ص: 214).
([37]) الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 287).
([38]) الإيقاظ للحر العاملي (ص: 269)، والرجعة للأحسائي (ص: 129).
([39]) مقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 239).
([40]) إلزام الناصب للحائري (1/146)، والرجعة للأحسائي (ص: 187).
([41]) راجع: المصباح للكفعمي (ص: 34، 305، 495)، ومفاتيح الجنان لعباس القمي (ص: 589).
([42]) وهو صاحب عقد الدرر في شرح بقر بطن عمر (ق: 11).
([43]) وهو شيعي يبغض الشيخين والصحابة، قال عنه المامقاني -من علماء الشيعة-: حسن. تنقيح المقال (2/362).
([44]) رحمه الله وحاشاه أن يكون قال شيئاً من هذا الإفك.
([45]) بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص: 306-307)، والاختصاص للمفيد (ص: 277)، وانظر: مختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 111)، وبحار الأنوار للمجلسي (8/214).
([46]) صحيح البخاري (5/77)، وصحيح مسلم (4/1859)، وكلاهما في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عمر.
([47]) تفسير ابن كثير (3/256)، وفتح القدير للشوكاني (3/499).
([48]) نهج البلاغة (1/226).
([49]) نهج البلاغة (1/110).
([50]) مسند الإمام أحمد (1/148)، وصحح إسناده أحمد شاكر في طبعة أخرى بتعليقه (1/312). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/22): رواه عبد الله وإسناده جيد.
([51]) السنة لابن أبي عاصم (2/482) وصحح الألباني سنده.
([52]) طبقات ابن سعد (5/321).
([53]) إكمال الدين للصدوق -الشيعي- (ص: 34-35).
([54]) تقدم.
([55]) إكمال الدين للصدوق (ص: 36-37)، وعيون أخبار الرضا له أيضاً (1/106).
([56]) نسبه المفيد إلى جعفر الصادق يرويه عن أبيه عن علي. وفيه انقطاع كبير بين محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب، أضف إلى ذلك ما تسلسل به من الرواة الكاذبين. الاختصاص للمفيد (ص: 108-109) وانظر: حق اليقين للمجلسي (ص: 509-510).
([57]) حق اليقين للمجلسي (ص: 510).
([58]) بصائر الدرجات الكبرى (ص: 441).
([59]) الخصال للصدوق (2/398-399)، وعقاب الأعمال له (ص: 483، 487-488)، وجامع الأخبار للشعيري (ص: 143-144)، وانظر: البرهان للبحراني (4/527-528)، وحق اليقين للمجلسي (ص: 502)، وحق اليقين لعبد الله شبر (2/171-172).
([60]) حق اليقين للمجلسي (ص: 502)، وجلاء العيون له (ص: 160).
([61]) رواه مسلم في صحيحه (4/1942)، كتاب فضائل الصحابة.
([62]) صحيح البخاري (5/72-74) كتاب فضائل الصحابة.
([63]) صحيح الجامع الصغير (2/75) والسلسلة الصحيحة للألباني (2/492).
([64]) قال الهيثمي أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، ورجاله رجال الصحيح إلا سلمة بن قتيبة وهو ثقة. مجمع الزوائد للهيثمي (9/54).
-------------
المجلس السابع/ موقف الشيعة الإثني عشرية من الخليفة الشهيد ذي النورين: عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
عثمان بن عفان من الرعيل الأول من الصحابة، ومن أفضلهم بعد الصديق والفاروق.
زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه الواحدة تلو الأخرى، فنال بذلك شرف مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف بـ (ذي النورين) بسبب ذلك.
كان حيياً شديد الحياء، رفيع التهذيب، عالي التربية، لين العريكة، سمح النفس، دمث العشرة، لطيف الطبع، كثير الإحسان والحلم، من أحكم قريش عقلاً وأفضلهم رأياً.
ولقد أحبه قومه بسبب أخلاقه الفاضلة وسيرته الحميدة وسلوكه المثلى، حتى صار حبهم له مضرب المثل، فقد كانت المرأة منهم تُرقص ولدها قائلة له:
أحبك والرحمن حب قريش عثمان
أسلم فكان من أتقى الناس، وأورع الناس، وأجود الناس، وأسخى الناس، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد وأبلى البلاء الحسن.
تولى الخلافة بعد أبي بكر وعمر فسار بالناس بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وتأسى بهم، فأجمعت الأمة عليه.
ونتيجة اتساع رقعة الفتوحات في عهده، ودخول طوائف شتى وأجناس مختلفة في حظيرة الدولة الإسلامية، جمعت بين صفوفها حثالة من الحاقدين على الأمة، بدأ أعداء الإسلام الداخليون يحيكون المؤامرات ضد المسلمين، وقد تولى كبر هذه المؤامرات اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ الذي أخذ يؤلب الناس على عثمان، زاعماً أنه غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فجمع حوله ثلة من الغوغاء من مطايا الشياطين، فوافوا المدينة النبوية وقتلوا الخليفة الراشد والصحابة ينظرون، ولكن لا يستطيعون له شيئاً بسبب قسمه عليهم أن يكفوا أيديهم، وأن لا يريقوا في سبيله قطرة دم. فبكته قلوبهم قبل عيونهم، وحزنوا عليه حزن من قُتل وحيدها بين يديها وهي تنظر إليه.
ولا يزال المسلمون كلهم منذ ذلك الحين يبكون على تتابع الأيام وتوالي الشهور ذلك الخليفة المظلوم الصابر الذي آثر أن يفدي المسلمين بنفسه، ويعصم دماءهم بدمه، ويترضون عنه ويترحمون عليه، ويشيدون بمآثره وفضائله ومناقبه فرضي الله عن عثمان وأرضاه.
إلا الشيعة فإنهم رغم ذلك كله تراهم يسلقونه بألسنة حداد، ويوجهون إليه العديد من المطاعن دون أن يرقبوا قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة اختصاصه به.
ومن المطاعن التي وجهوها إليه:
أولاً: طعنهم في أخلاقه رضي الله عنه:-
حسن خلق عثمان رضي الله عنه من الأمور التي تضافرت الأدلة على إثباته، فبلغت بمجموعها حد التواتر المعنوي، حتى إنه لو أنكر إنسان حسن خلقه وسيرته الحميدة ومآثره النبيلة لقام الناس كلهم عليه، وأشاروا بسباباتهم إليه: إن هذا القائل من الكاذبين.
ولست أدري كيف يستحل الشيعة الكذب ويأتون بما يناقض ما تواتر لفظاً أو معنى، مما يجعل من يقرأ ما كتبوه يصمهم بالكذب إلا أن يقولوا: إن ذلك من التقية، فلا أظن أن التقية تسوغ لهم معارضة الأمور المتواترة.
لذلك نجدهم قد وجهوا العديد من المطاعن إلى أخلاق الحيي الكريم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ووصفوه بأنه زان.. مخنث.. يلعب به.. همه بطنه وفرجه... إلخ.
فقد أطلقوا عليه اسم (نعثل)، وذكروا أنه من أسماء ذكور الضباع، وزعموا أنهم إنما أطلقوا عليه هذا الاسم لأوجه الشبه بينه وبين ذكر الضباع، فذكر الضباع -كما زعموا- (إذا صاد صيداً قاربه -جامعه- ثم أكله) وعثمان رضي الله عنه -وحاشاه أن يوصف بما رماه به الشيعة من الإفك- (أتي بامرأة لتحد، فقاربها -جامعها- ثم أمر برجمها) -على حد زعم الشيعة -([1]).
وليس الأمر قاصراً عند الشيعة على اتهام عثمان رضي الله عنه بالزنا، بل تعدوه إلى زعمهم أنه كان ممن يلعب به (وأنه كان مخنثاً)([2]).
وقد نسبوا إلى علي رضي الله عنه -زوراً وبهتاناً- أنه قال عن عثمان: همه بطنه وفرجه:
فقد روى الكليني بسنده -في كتاب الكافي أحد أصولهم المعتبرة- عن علي بن أبي طالب أنه قال في إحدى خطبه: [[سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه وفرجه، ويا ويحه لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيراً له]]([3]).
وذكر المجلسي في شرحها أن المراد بالثالث: عثمان بن عفان، وأن اللذين سبقاه هما أبو بكر وعمر([4]).
وزعم الشيعة أيضاً أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يكن يبالي أحلالاً أكل أم حراماً:
فقد أسند الكليني أيضاً -كذباً- إلى جعفر الصادق أنه قال: [[إن ولي عثمان لا يبالي أحلالاً أكل أو حراماً؛ لأن صاحبه كان كذلك]]([5]).
ومرادهم بـ (صاحبه): عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وهذه المطاعن التي وجهها الشيعة إلى أخلاق عثمان رضي الله عنه إنما وجهوها إلى من أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أن الملائكة تستحي منه([6]) وإلى من أخبر عن نفسه أمام جمع كبير من الناس -كان يمكنهم أن يردوا عليه لو كان كاذباً- بأنه ما زنى قط في جاهلية ولا إسلام([7]).
ثم الشيعة بعد هذا يزعمون أنه كان زانياً ومخنثاً ويلعب به و... و... إلخ ما أوردوه من الأكاذيب.
أما ما نسبوه إلى علي، زاعمين أنه قال عن عثمان: [[همته بطنه وفرجه]] فكذب كله، والثابت عنه رضي الله عنه مدح عثمان والثناء عليه فقد قال عنه مرة: [[إنه كان خيرنا وأوصلنا]]([8]). وقال عنه أخرى: [[هو من الذين آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم اتقوا]]([9]).
وأقواله في مدح عثمان والثناء عليه كثيرة جداً، وكلها تفند ما نسبه الشيعة إليه من قوله عن عثمان: [[همه بطنه وفرجه]] وتشهد بكذب الشيعة وافترائهم على من يزعمون أنه إمام لهم.
ويرد ذلك أيضاً ما ورد في سيرته رضي الله عنه في إمارته، فقد ذكر عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويأكل هو الخل والزيت([10]).
فهل يكون مهتماً ببطنه من كان طعامه الخل والزيت؟
ثانياً: زعم الشيعة الإثني عشرية أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان منافقاً كافراً وقولهم بوجوب لعنه والبراءة منه:-
يزعم الشيعة أن عثمان رضي الله عنه كان منافقاً يظهر الإسلام ويبطن النفاق:
قال نعمة الله الجزائري -الشيعي-: (عثمان كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله ممن أظهر الإسلام وأبطن النفاق)([11]).
وقال الكركي: (إن من لم يجد في قلبه عداوة لعثمان ولم يستحل عرضه ولم يعتقد كفره فهو عدو لله ورسوله، كافر بما أنزل الله)([12]).
إذا: ليس الأمر قاصراً على تكفير عثمان رضي الله عنه، بل تكفير كل من لم يبغضه ويكفره ويشتمه ويخوض في عرضه ويعنونكم أنتم أيها المسلمون.
ولم يكتف الشيعة بالحكم على عثمان رضي الله عنه بالكفر، بل أوجبوا لعنه والبراءة منه،([13])، ومن يتصفح كتبهم يجد العجب العجاب.
ولا ريب أن هذا الصنيع يعد مخالفة صريحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد توعد الله من يخالف أمره بالفتنة في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة قال تعالى: ((فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:63].
فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر عثمان رضي الله تعالى عنه بالجنة([14])، وزوجه ابنته رقية([15])، فلما توفيت زوجه ابنته الأخرى أم كلثوم([16])، فلما ماتت أم كلثوم وحزن عليها عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لو كانت عندي ثالثة زوجتها عثمان}([17]).
ومعلوم أن المنافق والكافر لا يدخل الجنة، بل هي محرمة عليه، فكيف يتفق حكم الشيعة على عثمان بالكفر والنفاق مع بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالجنة؟!
ثم كيف يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ابنتيه الواحدة تلو الأخرى وهو كافر منافق -كما زعم الشيعة -؟!
فدل هذا على أن دعوى الشيعة كفر عثمان قائمة على الهوى، ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، وأن الشيعة قد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بشر عثمان بالجنة، وزوجه ابنتيه الواحدة تلو الأخرى لما عرف عنه من دين وخلق وفضل، ومات عليه السلام وهو عنه راضٍ([18]).
ثالثاً: زعم الشيعة الإثني عشرية أن عثمان رضي الله تعالى عنه قتل زوجته: ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:-
يزعم الشيعة الإثنا عشرية أن عثمان رضي الله تعالى عنه قتل رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستدلون على هذه الفرية بآيات زعموا كذباً أنها نزلت فيه، والآيات هي: قوله تعالى: ((أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)) [البلد:5] * ((يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً)) [البلد:6] * ((أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)) [البلد:7] * ((أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)) [البلد:8] * ((وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ)) [البلد:9] * ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) [البلد:10].
فقد روى القمي بسنده عن أبي جعفر الباقر -رحمه الله وحاشاه أن يكون صدر عنه شيء من هذا البهتان المبين- في تفسير هذه الآيات أنه قال: [[قوله تعالى: ((أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)) [البلد:5] قال: يعني: عثمان في قتله ابنة النبي صلى الله عليه وآله. ((يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً)) [البلد:6] يعني: الذي جهز به النبي من جيش العسرة ((أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)) [البلد:7] قال: فساد كان في نفسه. ((أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)) [البلد:8] يعني: رسول الله صلى الله عليه وآله. ((وَلِسَاناً)) [البلد:9] يعني: أمير المؤمنين (ع). ((وَشَفَتَيْنِ)) [البلد:9]: يعني: الحسن والحسين عليهما السلام. ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) [البلد:10]: إلى ولا يتهما...]]([19]).
وأسند الكليني -في كتابه الكافي أحد المصادر الشيعية المعتبرة عند الشيعة - إلى أبي بصير قال: {قلت لأبي عبد الله (ع): أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ قال: نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر، إن رقية لما قتلها عثمان وقف رسول الله صلى الله عليه وآله على قبرها فرفع رأسه إلى السماء فدمعت عيناه، وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها واستوهبتها من ضغطة القبر فوهبها الله لي}([20]).
أما كيف قتلها -على حد كذبهم وافترائهم-: فقد زعم البياضي الشيعي أنه ضربها حتى ماتت([21]).
ويزعم الشيعة أن رقية كانت خائفة من عثمان وكانت تدعو الله أن ينجيها منه ومن عمله.
فقد روى شرف الدين النجفي بسنده أن أبا عبد الله جعفر بن محمد بن علي الصادق قال في تفسير قوله تعالى: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [التحريم:11] أنه قال: [[هذا مثل ضربه الله لرقية بنت رسول الله التي تزوجها عثمان بن عفان. قال: ((وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)) [التحريم:11]: يعني: من الثالث، عثمان]]([22]).
وقال هاشم معروف الحسيني -وهو من الشيعة المعاصرين-: (وتشير المرويات الكثيرة([23]). أن عثمان بن عفان لم يحسن صحبتها ولم يراع رسول الله فيها فتزوج عليها أكثر من امرأة وماتت على إثر ضربات قاسية منه أدت إلى كسر أضلاعها...)([24]).
فالشيعة إذاً سلفهم وخلفهم على أن عثمان رضي الله عنه قتل رقية.
ولا ريب أن مزاعم الشيعة هذه مزاعم باطلة تردها الأدلة الكثيرة:
1/ منها: ما عرف عنه رضي الله عنه من شدة وصدق حيائه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان..}([25]).
وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه بالحياء وأخبر أن الملائكة تستحي منه([26]).
{والحياء خير كله}([27]). كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، وهو لا يأتي إلا بخير([28]). وهو من الإيمان([29]). ما كان في شيء إلا زانه([30]). وهو –أي: الحياء- خلق يبعث على ترك القبيح([31]). وقد أخبر صلى الله عليه وسلم: {إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت}([32]).
فإذا فقد الإنسان الحياء فلا رادع يردعه عن فعل الفواحش وارتكاب المنهيات، وإذا من الله عليه بالاتصاف بهذه الصفة الحميدة فقد أعطاه خيراً كثيراً.
2/ والدليل الثاني: هو ما أخرجه أحمد والحاكم والدولابي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رقية رضي الله تعالى عنها قالت: {خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي آنفاً، فرجلت رأسه فقال: كيف تجدين أبا عبد الله -يعني: عثمان -؟ قالت: قلت: كخير الرجال، قال: أكرميه، فإنه من أشبه أصحابي بي خلقاً}([33]).
وورد في رواية أخرى أن أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي قالت هذه المقالة([34]).
فأين هذا من مزاعم الشيعة أن عثمان قتلها، وأنها كانت تدعو ربها جل وعلا أن ينجيها منه، وغير ذلك من الافتراءات الواضحات.
فهذا الحديث ذكر فيه ثناء رقية رضي الله عنها على خلق عثمان وأنه عندها من خير الرجال، وقد وافقها أبوها صلى الله عليه وسلم وضم إلى المزية التي ذكرتها مزية أخرى، هي تشابه أخلاق عثمان رضي الله عنه مع أخلاقه عليه الصلاة والسلام.
فمن طعن في أخلاق عثمان رضي الله تعالى عنه فقد طعن بمن أشبهه عثمان في خلقه في المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى -فداه روحي ودمي-صلى الله عليه وسلم.
3/ والدليل الثالث: هو تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ابنته الأخرى، أم كلثوم رضي الله عنها بعد موت أختها رقية رضي الله عنها، وصلى على أبيها وآله وسلم.
وبعض الشيعة يعترفون بهذا، أمثال الفضل بن الحسن الطبرسي الذي قال: (عثمان تزوج أم كلثوم بعد موت زوجته رقية)([35]).
وأشار الكفعمي وعباس القمي إلى ذلك([36]).
فإذا كان قد قتل واحدة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف زوجه الأخرى؟!
بل كيف قال له لما ماتت الثانية: {لو كن عشراً لزوجتهن عثمان وما زوجته إلا بوحي من السماء}([37]).
وأسوق إليك فيما يلي -أخي القارئ- هذه الواقعة التي ذكرها علماء الرجال عند أهل السنة في كتبهم، والتي تدلك على أن هذه المزاعم التي اختلقها الشيعة في عثمان رضي الله عنه -وحالها كحال بقية المطاعن التي ألصقوها بخيار عباد الله، صحابة نبيك محمد عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام- إنما هي من بنات أفكارهم وما تمليه عليهم معتقداتهم التي جبلت في قلوبهم فأشربتها، وأنتجت بغضاً لأفضل جيل عرفته البشرية. وحالها كحال بيت العنكبوت:
روى العقيلي، وابن عدي بسنديهما عن عباد بن عباد أن يونس بن خباب الأسيدي -وكان رافضياً- قال له: (إن عثمان قتل بنتي النبي صلى الله عليه وسلم) فقال له عباد: (قتل واحدة فلم أنكحه الأخرى؟!)([38]).
فبهت الرافضي ولم يجد جواباً.
وقد زعم بعض الشيعة أن التي قتلها عثمان كانت أم كلثوم، فلم يزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها، قال نعمة الله الجزائري: (وأما أم كلثوم فتزوج عثمان بها أيضاً بعد أختها رقية وتوفيت عنده، وذلك أنه ضربها ضرباً مبرحاً فماتت منه)([39]).
ولكن هذا القول غير مسلم عند الشيعة أنفسهم لمعارضته ما روي عن أئمتهم من أن التي قتلها عثمان هي رقية وليست أم كلثوم.
وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لو كن عشراً لزوجتهن عثمان}.
وهذا يبطل ما زعموه من أنه عليه السلام امتنع عن تزويجه بعد ما قتل ابنته.
4/ وأما الدليل الرابع: فكون هذه القصة لم ترد في أي كتاب من كتب أهل السنة، ولم يذكرها إلا الشيعة،..... ولو كانت قد وقعت على حد زعم الشيعة لتناقلها رواة التاريخ والسير سيما وأنها قد وقعت في حياته صلى الله عليه وسلم وأمام سمعه وبصره، ثم هو بعد ذلك تغافل عنها-كما يفهم من إيراد الشيعة لها-، ولم يقم حد القتل على القاتل، وهو الذي لا يتوقف في إمضاء الحدود ولا يخاف في الله لومة لائم، وهو القائل عليه الصلاة والسلام لما سرقت المخزومية، وشفع فيها من شفع: {لو كانت فاطمة لقطعت يدها}([40]).
5/ أما الآيات التي استدل بها الشيعة على هذه المزاعم فقد نحوا في تفسيرها منحى التأويل الباطني الذي لا يعقله عندهم إلا الملك المقرب أو النبي المرسل، أو العبد الذي امتحن الله قلبه للإيمان كما هو مسطور في كتبهم([41]) مع أن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب وبها يفهم، قال تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) [يوسف:2] ولكن تفسير الشيعة الباطني أبعد شيء عن عقول الرجال كما اعترفوا هم أنفسهم بذلك، ونسبوه إلى أئمتهم([42]).
والمنحى الباطني الذي نحوه في تأويل هذه الآيات واضح لمن تأمله، فقد قالوا في خبر الله تعالى عن جنس الإنسان: ((أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)) [البلد:8] * ((وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ)) [البلد:9] * ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) [البلد:10]: إن العينين هما رسول الله، واللسان علي بن أبي طالب، والشفتين الحسن والحسين، والنجدين ولايتهما.
وهذا أبعد شيء عن عقول الرجال كما أقروا بذلك في كتبهم، ولم ينزل القرآن الكريم بمثل هذه التأويلات الباطنية.
ولم يقل أحد من المفسرين عن هذه الآيات أنها نزلت في عثمان رضي الله عنه كما زعم الشيعة([43]).
وبهذا يتبين لك أخي المسلم، يا محب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحب أهل بيته عليهم السلام، ومحب صحابته عليهم من الله الرضوان أن ما يورده الشيعة من اتهامات موجهة إلى خيار الصحابة وساداتهم إنما تمليه عليهم عقيدتهم المبنية على بغض الصحابة وسبهم، والقول بوجوب لعنهم والبراءة منهم.
------------
([1]) الصراط المستقيم للبياضي (3/30)، وانظر: إحقاق الحق للتستري (ص: 306).
([2]) الصراط المستقيم للبياضي (3/30)، وانظر: إحقاق الحق للتستري (ص: 306).
([3]) الروضة من الكافي للكليني (ص: 277-279)، وانظر: الجمل للمفيد (ص: 62)، والطرائف لابن طاوس (ص: 417).
([4]) مرآة العقول -شرح الروضة- للمجلسي (4/278-279).
([5]) الروضة من الكافي للكليني (ص: 333).
([6]) صحيح مسلم (4/1866-1867) كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عثمان رضي الله عنه.
([7]) مسند أحمد (1/61، 62، 65)، وفضائل الصحابة له (1/464، 465، 466، 495، 496، 508)، وطبقات ابن سعد (3/67)، وتاريخ المدينة لابن شبّه (2/358).
([8]) فضائل الصحابة لأحمد (1/468).
([9]) نفس المصدر (1/474). وقد صححه محقق الكتاب.
([10]) ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة وقال: خرجه صاحب الصفوة والملائي والفضائلي. الرياض النضره (2/44)-.
([11]) الأنوار النعمانية للجزائري (1/81).
([12]) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 57/أ).
([13]) المصباح للكفعمي (ص: 37). وعلم اليقين للكاشاني (2/768)، والفصول المهمة للحر العاملي (ص: 170)، ومفاتيح الجنان لعباس القمي (ص: 212).
([14]) صحيح البخاري (4/64) كتاب الوصايا باب إذا وقف أرضاً.
([15]) صحيح البخاري (5/83) كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه.
([16]) الذرية الطاهرة النبوية للدولابي (ص: 59).
([17]) طبقات ابن سعد (3/56).
([18]) صحيح البخاري (2/213) كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر عمر رضي الله عنه.
([19]) تفسير القمي (2/423)، وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (2/819)، والبرهان للبحراني (4/463)، ومقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 74).
([20]) الفروع من الكافي للكليني (-ط حجرية-: (2/222)، وانظر: حق اليقين لعبد الله شبر (2/83).
([21]) الصراط المستقيم للبياضي (3/34).
([22]) نقله عنه البحراني في البرهان (4/358)، وقد وردت روايات أخرى أيضاً ذكرت صراحة أن المراد بالثالث عند الشيعة: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أطلقوا عليه هذا اللقب؛ لأنه ثالث الغاصبين بزعمهم. راجع: تفسير القمي (-ط حجرية.-ص: 266) (-ط حديثة-: 2/107)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/173، 820)، والبرهان للبحراني (3/133، 140-141، 4/463-464).
([23]) يقصد المرويات الكثيرة المتضافرة على الكذب عند الشيعة.
([24]) سيرة الأئمة الإثني عشرية لهاشم الحسيني (1/67).
([25]) أخرجه أحمد -بسند صحيح-، وابن ماجة وغيرهما، سنن ابن ماجة (1/55)، المقدمة، باب فضائل الصحابة، ومسند أحمد (1/74، 3/184،281)، وفضائل الصحابة له (1/494).
([26]) والحديث في صحيح مسلم (4/1866-1867) كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه.
([27]) صحيح مسلم (1/64) كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان.
([28]) صحيح البخاري (8/53) كتاب الأدب باب الحياء.
([29]) صحيح البخاري (8/53) كتاب الأدب باب الحياء.
([30]) جامع الترمذي -وحسنه- (4/346) كتاب البر.
([31]) فتح الباري لابن حجر (10/522).
([32]) صحيح البخاري (8/54) كتاب الأدب باب الحياء.
([33]) وقد صحح محقق كتاب فضائل الصحابة إسناد الروايتين اللتين أوردهما الإمام أحمد. فضائل الصحابة لأحمد (1/510، 514)، والمستدرك للحاكم (4/48)، والذرية الطاهرة النبوية للدولابي (ص: 55-56).
([34]) الذرية الطاهرة للدولابي (ص: 51).
([35]) إعلام الورى للفضل بن الحسن الطبرسي (ص: 148).
([36]) المصباح للكفعمي (37)، ومفاتيح الجنان لعباس القمي (212).
([37]) قال الهيثمي: رواه الطبراني في حديث طويل وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو لين وبقية رجاله ثقات، وذكر الهيثمي حديثا آخر هو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما زوجت أم كلثوم من عثمان إلا بوحي من السماء) وقال –أي: الهيثمي-: (وإسناده حسن لما تقدمه من الشواهد) مجمع الزوائد للهيثمي (9/83).
([38]) الضعفاء للعقيلي (4/458) والكامل لابن عدي (7/2629)، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي (4/479).
([39]) الأنوار النعمانية للجزائري (1/367).
([40]) صحيح البخاري (-ط سلفية- 3/28) كتاب فضائل الصحابة باب ذكر أسامة بن زيد.
([41]) راجع كتبهم التالية: بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص: 41-42)، ومعاني الأخبار للصدوق (ص: 188-189)، والأمالي له (ص: 4)، وتفسير فرات الكوفي (ص: 161-162).
([42]) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي (3/73).
([43]) راجع: جامع البيان للطبري (30/198-199)، وتفسير ابن كثير (4/512-513)، وفتح القدير للشوكاني (5/443-444).
-------------
المجلس الثامن/ موقف الشيعة الإثني عشرية من بقية الصحابة العشرة المبشرين بالجنة
فيا سائلي عن خيار العباد صادفت ذا العلم والخبرة
خيار العباد جميعاً قريش وخير قريش ذوو الهجرة
وخير ذوي الهجرة السابقون ثمانية وحدهم نصره
علي و عثمان ثم الزبير وطلحة واثنان من زهرة
وشيخان قد جاورا أحمدا وجاور قبراهما قبره
فمن كان بعدهما فاخراً فلا تذكروا عندهم فخره
وعامر من فهر ثم ابن زيد فقد أصبحوا يا أخي عشرة
بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أفاضل أصحابة بالجنة، بأنهم سيدخلونها بقوله: {عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة}([1]).
وقد أنكر الشيعة هذا الحديث -رغم ثبوته وصحته- ونسبوه إلى الوضع([2])، ولم يكتفوا بذلك، بل زعموا أن هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة -عدا علي - كانوا من المنافقين وفعلوا أفعالهم.
وقد تقدمت بعض الاتهامات التي وجهوها إلى الخلفاء الراشدين المهددين الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم.
وسأقتصر هنا على بيان نماذج يسيرة من أقوالهم في بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهم عدا الخلفاء الأربعة الراشدين: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
أولاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما:-
طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، والزبير بن العوام الأسدي القرشي من الرعيل الأول من الصحابة، ومن العشرة المبشرين بالجنة.
بل هما جارا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، كما أخبر عنهما بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: {سمعت أذني من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: طلحة والزبير جاراي في الجنة}([3]).
أسلما قديماً، ونصرا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللسان والسنان، وكلاهما شهدا المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبليا فيها البلاء الحسن، وكل واحد منهما اختص بمناقب لم يختص بها غيره من الصحابة:
فمما اختص به الزبير أنه كان أول من سل سيفاً في سبيل الله([4])، وأنه حواري النبي صلى الله عليه وسلم([5]).
ومما اختص به طلحة: أنه وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده حتى شلت([6])، وبرك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره حين انتهى إلى صخرة لم يستطع أن يصعدها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذاك: {أوجب طلحة}([7])، أي: فعل ما أوجب له الجنة. واستبسل في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقاه بنفسه، وحال بينه وبين سهام المشركين حتى أثخنته الجراح، وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إذا ذكر يوم أحد قال: {ذلك كله يوم طلحة}([8]).
ومناقبهما رضي الله تعالى عنهما كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها.
والشيعة كدأبهم مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيما سادتهم وكبارهم يحاولون طمس فضائلهم، وإلصاق النقائص بهم، وتوجيه المطاعن إليهم، وهكذا فعلوا مع طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما.
وسأقتصر على نماذج يسيرة توضح موقف الشيعة منهما بإيجاز:
زعم الشيعة أن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا إمامين من أئمة الكفر:-
يزعم الشيعة أن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا إمامين من أئمة الكفر، عاشا كافرين، وماتا كذلك.
وقد استدلوا على أنهما كانا كذلك بما نسبوه -كذباً- إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، زاعمين أنه قال: [[ألا إن أئمة الكفر في الإسلام خمسة: طلحة والزبير ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري]]([9]).
ولم يكتف الشيعة بهذه المزاعم المكذوبة، بل ذكر علماؤهم صراحة -ورموا بالتقية وراء ظهورهم- أن طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما -وحاشاهما مما نسبه الشيعة إليهما- عاشا كافرين وماتا كافرين:
قال المفيد - وهو من كبار علمائهم-: (إن القوم؛ طلحة والزبير وأشكالهما مضوا مصرين على أعمالهم، غير نادمين عليها، ولا تائبين منها)([10]).
وقال محمد علي الحسيني -وهو من الشيعة المعاصرين-: (إن الزبير باع دينه بدنياه، واستباح كل شيء في سبيل أطماعه وشهواته، ولم يكن لكلمة رسول الله عنده من قيمة...)([11]).
وزعم الشيعة -كذباً- أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال للزبير: [[أنا أشهد أني سمعت من رسول الله أنك من أهل النار]]([12]).
إلى آخر ما أورده الشيعة في ذلك من المطاعن، مخالفين بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر عن طلحة والزبير أنهما في الجنة([13])، بل وجاراه فيها([14]).
وهما رضي الله تعالى عنهما قد ماتا شهيدين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بذلك:
فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر و عثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد}([15]).
فالصديق أبو بكر والشهداء عمر و عثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وموت طلحة والزبير شهيدين يدل على أنهما من أهل الجنة، بله الدرجات العالية الرفيعة فيها، فالله تبارك وتعالى قد أخبر أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في أعلى درجات الجنة، فقال جل وعلا: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)) [النساء:69].
وطلحة والزبير رضي الله عنهما قد عاشا حميدين وماتا شهيدين، ولم يذكر عنهما أنهما خالفا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر من الأمور، بل لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راضٍ، فرضي الله عنهما وأرضاهما، وعامل بعدله من يبغضهما أو يضمر لهما غير الحسن الجميل.
زعم الشيعة أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كان ابن زنا -حاشاه من ذلك:-
يزعم الشيعة أن طلحة رضي الله عنه كان ولد زنا.
وقد نسبوا إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي قوله عن أم طلحة، الصعبة بنت الحضرمي: [[أنها كانت لها راية([16]) بمكة، وأنها استبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان، وتزوجت عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم -والد طلحة - فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر، فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمره إلى صعبة فألحقته بعبيد الله، فقيل لها: كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت: يد عبيد الله طلقة، ويد أبي سفيان تربة]] -ثم قال الكلبي -.
فاصدقونا قومنا أنسابكم وأقيمونا على الأمر الجلي
لعبيد الله أنتم معشري أم أبي سفيان ذاك الأموي([17])
ولا ريب أن هذه المزاعم الكلبية فرية بلا مرية، وإفك بلا شك، والشيعة لم يفتروا هذه الفرية على طلحة وحده، بل تعدوه إلى أكثر الصحابة، وزعموا أنهم كانوا أبناء زنا -حاشاهم من ذلك-.
ونسبتهم هذه الفرية إلى هشام الكلبي لا تبرؤهم منها:
فالكلبي شيعي باتفاق علماء الرجال عند الشيعة الذين قالوا عنه: (كان مختصاً بمذهبنا)([18])، وهو عند علماء أهل السنة: رافضي متروك، ليس بثقة، ولا يقبل قوله. قال الإمام أحمد: [[ما ظننت أن أحداً يحدث عنه]]([19]).
لذا لا يحتج بقوله، ولا بقول من نقلوا قوله، ولا كرامة.
ثانياً: موقف الشيعة الإثني عشرية من سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله تعالى عنه:-
سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم.
فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- بالأبوين، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: {ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي}([20]).
وأخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: {جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد}([21])..
وهو خال النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي وحسنه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: {أقبل سعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خالي فليرني امرؤ خاله}([22])..
وعقب الترمذي على هذا الحديث بقوله: (وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {هذا خالي}([23]).
وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاح، ودعا له([24]).
وفيه نزل قول الله تعالى: ((وَلا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الأنعام:52]([25]). فلا يحتاج بعد تزكية ربه إلى تزكية من أحد.
وفضائله رضي الله تعالى عنه كثيرة جداً، ولا يتسع المحل لذكرها.
بيد أن الشيعة وجهوا إليه المطاعن العديدة كدأبهم مع كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأذكر نماذج منها:
زعمهم أنه قارون هذه الأمة:-
قال أبو الحسن العاملي: (سعد بن أبي وقاص قارون هذه الأمة. وهذا ظاهر من جهة ارتداده وتكبره عن مبايعة أمير المؤمنين (ع)...)([26]).
وهذا من المزاعم الباطلة، ومن أدل الدلائل على بطلانه ما فيه من تناقض إذ أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- بايع علياً ولم يمتنع عن بيعته كما زعموا، بل قد جاء في كتبهم وعلى لسان علي ما يبطل ذلك، وهو قول علي لسعد ومن اعتزل القتال معه في الفتنة: [[كيف تخرجون من القتال معي وقد بايعتموني؟!]]([27]).
وقوله لهم: [[ألستم على بيعتي؟ قالوا: بلى]]([28]). وغير ذلك.
فهم قد بايعوه وبقوا على بيعته باعتراف الشيعة أنفسهم كما تبين من الأقوال التي ساقوها ونسبوها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكيف تتفق فريتهم عن سعد وتعليلها بالامتناع عن بيعة علي، مع إقرار علي -رضي الله عنه- ببيعته وثباته عليها في كتب الشيعة أنفسهم.
زعمهم أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أخبر سعداً -رضي الله عنه- أن على كل شعرة من لحيته شيطاناً جالساً:-
أسند الملقب بالصدوق وهو من علماء الشيعة إلى الإصبغ بن نباتة([29]). قوله: [[بينا أمير المؤمنين -عليه السلام- يخطب الناس وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلا نبأتكم به. فقام إليه سعد بن أبي وقاص فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟ فقال له: أما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله أنك ستسألني عنها، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس، وإن في بيتك لسخلاً يقتل ابني -وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه-]]([30]).
وعند التستري: [[إن في شعرك ملكاً يلعنك، وعلى كل طاقة من شعر لحيتك شيطاناً جالساً... إلخ]]([31]).
وهذه القصة واحدة من القصص الكثيرة المكذوبة على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وآفتها أصبغ بن نباتة، وهو كذاب متروك الحديث يقول بالرجعة. قال عنه أبو بكر بن عياش: كذاب. وقال ابن معين: ليس بثقة. وفي قول آخر: ليس بشيء. وقال النسائي وابن حبان: متروك. وزاد ابن حبان: فُتِن بحب علي فأتى بالطامات فاستحق من أجلها الترك. وقال ابن عدي: بيّن الضعف. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال العقيلي: كان يقول بالرجعة. وقال الدارقطني والساجي: منكر الحديث([32]). وهذه القصة إضافة إلى نكارتها فإنها تعارض ما ثبت من محبة علي -رضي الله عنه- لسعد وإشادته بفضائله ومآثره، فعلي -رضي الله عنه- قد روى فضائل لسعد تقدم بعضها، منها: إخباره أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فدى سعداً بأبيه وأمه يوم أحد وغيرها من الفضائل.
ولو كان سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يناقضها على -حد زعم الشيعة - ما رواها ولا غرر الناس به.
أضف إلى هذا ما في هذه القصة من تناقض مكاني، فهذه المقالة إنما قالها علي -رضي الله عنه- وهو على منبر الكوفة -كما زعم الشيعة - وسعد رضي الله عنه كان قد اعتزل في المدينة، ولم يلتق بعلي رضي الله عنه في الكوفة.
أما تمسكهم بكون عمر بن سعد شارك في قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وإيراد هذا المطعن في حق أبيه رضي الله عنه، فأي ذنب كان لسعد في هذا، وما حصل إنما حصل بعد موته رضي الله عنه، ولو علم أن ابنه سيشارك في قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنى أنه مات قبل أن يتزوج أو يكون له ولد، ولتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته وولده، ولتمنى أن لو كان نسياً منسياً لما عرف عنه من حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فلا ذنب لسعد ولا مسوغ للشيعة للطعن فيه، والله سبحانه وتعالى يقول: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [فاطر:18].
ثالثاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه:-
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.
والشيعة كدأبهم مع كبار أصحاب رسول الله وخيارهم يوجهون إليهم المطاعن المفتراة، ويسلقونهم بألسنة حداد.
وقد خصوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ببعض مطاعنهم، وافتروا عليه كما افتروا على غيره من الصحابة ما الله يعلم أنه منه بريء، وعباده المؤمنون يعلمون.
وسأذكر مثالاً واحداً من كتبهم يبين مدى الحقد الذي يعتمل في نفوسهم تجاه هذا الصحابي الجليل.
دعواهم أن لعبد الرحمن بن عوف باباً من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:-
وهو: ما ادعوه من أن له بابا من أبواب النار يدخل منه مع فرعون وهامان:
فقد أسند الملقب الصدوق -كذباً- إلى جعفر الصادق أنه قال: [[إن للنار سبعة أبواب؛ باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون...]]([33]).
وقد تقدم أن مرادهم بفرعون وهامان: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
أما المراد بـ (قارون): فقد ذكر الكاشاني أن عبد الرحمن بن عوف قارون هذه الأمة([34]).
وهذا الزعم من الشيعة -وهو قوله أن لعبد الرحمن رضي الله عنه باباً من أبواب النار يدخل منه- يعارض الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أخبر فيه عليه الصلاة والسلام أن عبد الرحمن بن عوف في الجنة([35]).
ويعارض أيضاً ما ذكر في بعض كتب الشيعة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لعبد الرحمن ويقول: {اللهم اسق عبد الرحمن من سليل الجنة}([36]).
مستدلاً بهذا الحديث على إثبات مادة لغوية. وقد عقب على هذا الحديث بقوله: (والسليل هو صافي شرابها... إلخ)([37]).
ولو علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عبد الرحمن بن عوف يدخل من باب من أبواب جهنم مع فرعون وهامان -كما زعم الشيعة - لما دعا الله له أن يسقيه من صافي شراب الجنة، ولما بشره عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبر أنه سيدخلها فهو عليه السلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
رابعاً: موقف الشيعة الإثني عشرية من أبي عبيدة عامر بن الجراح القرشي الفهري رضي الله تعالى عنه:-
أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من الرعيل الأول من الصحابة، أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض.
وفضائله رضي الله عنه كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها، ويكفيه فخراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبه بـ (أمين هذه الأمة):
فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح}([38]).
ولكن الشيعة لم يعترفوا بفضله، ولم يراعوا حق صحبته، بل أشرعوا سهامهم في وجهه، كما فعلوا مع إخوانه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجهوا إليه العديد من المطاعن والتهم، سأقتصر على ذكر أحدها:
وهو: زعمهم أن تلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عبيدة بـ(أمين هذه الأمة) مطعن، لا مدح فيه:
وذكروا في سبب إطلاق هذا اللقب عليه من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة مكذوبة، ملخصها:
أن جماعة من الصحابة تآمروا فيما بينهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعطوا الخلافة لبني هاشم أبداً -يريدون بذلك حرمان علي وذريته منها على حد مزاعم الشيعة - وكتبوا في ذلك صحيفة ودفنوها في جوف الكعبة، وكان كاتب هذه الصحيفة هو أبو عبيدة بن الجراح، وهو الذي ذهب بها إلى مكة ودفنها في جوف الكعبة، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم- على حد زعم الشيعة - على مؤامرتهم، فقال لأبي عبيدة: {أنت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم}([39]).
وتوجيه هذا القول -على حد زعمهم- أن المتآمرين ائتمنوه على الصحيفة، وأودعوها عنده، وأرسلوه إلى مكة نائباً عنهم كي يتولى دفنها في جوف الكعبة، لذا سمي -على حد زعم الشيعة - أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم، وليس أمين الأمة بأسرها، قال ذلك من الشيعة كل من: البياضي، الكاشاني، البحراني، التستري، الجزائري، الشيرازي،([40]).
ولم يكتف الشيعة بهذا، بل وصفوا أبو عبيدة بأنه من أعداء آل محمد([41])، وأحد المعينين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه على اغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه -على حد زعم الشيعة-([42]).
وقد أكد هذه المزاعم هاشم معروف الحسيني –وهو شيعي معاصر- واستشهد على صحتها بكلام المستشرق الصليبي -البلجيكي المولد، الفرنسي الجنسية- هنري لامنس حيث يقول: (إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وليد مفاجأة وارتجال، وإنما كان وليد مؤامرة سرية مجرمة حيكت أصولها، ورتبت أطرافها بإحكام وإتقان، وإن أبطال هذه المؤامرة أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، ومن أعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة... إلخ)([43]).
مناقشة هذه المزاعم:
لا ريب أن ادعاء الشيعة أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي عبيدة: {أمين هذه الأمة} طعن فيه: زعم باطل لا تساعدهم عليه اللغة، ولا المناسبة ولا واقع الحال:
1/ فالأمين لغة هو الثقة الرضي. وإضافته إلى الأمة تدل على أنه مرضي من الأمة جميعها ثقة عندهم.
وهذا لا يتماشى مع قصة الصحيفة التي افتروها، فإنها أفادت أنه ثقة عند جماعة قليلين هم المتواطئون على كتابة الصحيفة - على حد زعم الشيعة -.
وقد تنبه الشيعة إلى هذا التناقض البين، فعمدوا إلى تغيير لفظ الحديث الصحيح ليوافق أهواءهم ومعتقداتهم في الصحابة، فوضعوا بدل {أمين هذه الأمة}: {أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم}.
وهذا كذب متعمد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توعد بالنار من كذب عليه متعمداً، في قوله في الحديث المتواتر الذي تقدم معنا: {من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}.
2/ ثم إن المناسبة التي لأجلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، ولقب بسببها أبا عبيدة بهذا اللقب تبطل دعواهم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه: {أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة}([44]).
ولا يصح أن يرسل معهم ليعلمهم أمور الدين من هو عنده غير أمين، وهو الناصح لأمته صلى الله عليه وسلم الحريص عليها.
وكذا أخرج البخاري ومسلم أيضاً في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: {جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لأبعثن إليكم رجلاً أميناً، حق أمين، حق أمين. قال: فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح}([45]).
ويعني بالناس في قوله: (فاستشرف لها الناس): أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تطلعوا إلى الولاية ورغبوا فيها حرصاً على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي([46])، حتى إن عمر رضي الله تعالى عنه -مع فضله وتقدمه على غيره- قال: [[ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها]]([47]).
ولقد عرف الصحابة لأبي عبيدة هذا الفضل:
فقد روى أحمد بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [[لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح فاستخلفته وما شاورت فيه، فإن سئلت عنه، قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله]]([48]).
وفي رواية: [[لو استخلفت أبا عبيدة بن الجراح فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك وهو يقول: إنه أمين هذه الأمة]]([49]).
أما استشهاد هاشم الحسيني -الشيعي المعاصر- كلام المستشرق لامنس على إثبات هذه الدعوى فهو استشهاد باطل، فما كان لأعداء الإسلام أن يكونوا شهداء على المسلمين.
ولا ريب أن المستشرقين اعتمدوا على مصادر الشيعة اعتماداً كبيراً في إلقاء الشبه والتشكيك في الدين، ومن ثم إعطاء الفكرة المشوهة والمحرفة عن الفكر الإسلامي الأصيل.
خامساً: موقف الشيعة الإثني عشرية من سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه:-
سعيد بن زيد بن نفيل العدوي القرشي من الرعيل الأول من الصحابة، ابن عم عمر بن الخطاب وصهره، أسلم قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، وتوفي وهو عنه راض([50]).
كان مجاب الدعوة، وقصته مع أروى بنت أويس في ذلك مشهورة:
وهي ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عروة بن الزبير قال: {إن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها وكانت تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت}([51]).
والشيعة قد وجهوا إليه العديد من المطاعن:
فزعموا أنه من شر الأولين والآخرين([52])، وأنه قارون هذه الأمة([53]).
وزعموا أنه من أعداء آل محمد([54]).
وزعموا أنه كان يضع الحديث على رسول الله عليه السلام([55])، إلى غير ذلك من المزاعم الكثيرة والمطاعن المفتراة.
وزعم الشيعة أن سعيداً كان يضع الحديث كزعمهم كذب غيره من الصحابة المكثرين للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما يزعمون هذا لإبطال الكتاب والسنة اللذين نقلهما إلينا الصحابة رضي الله عنهم.
قال أبو زرعة الرازي رحمه الله: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)([56]).
وبهذا يتضح أن موقف الشيعة من العشرة المبشرين بالجنة واحد، من حيث إنكارهم أن يكونوا من أهل الجنة، ومن حيث القول بكفرهم ونسبتهم إلى الارتداد -كباقي الصحابة-، وإنكار عاداتهم، وتوجيه المطاعن المفتراة إليهم -وغير ذلك.
--------------
([1]) الحديث مروي من عدد من الصحابة منهم، سعيد بن زيد، وقد أخرج حديثه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه أحمد في مسنده، وصححه أحمد شاكر رحمه الله، سنن أبي داود (5/37-40) كتاب السنة وجامع الترمذي (5/651) كتاب المناقب.
([2]) كفاية الأثر للخزاز (ص: 115)، والاقتصاد للطوسي (ص: 364).
([3]) أخرجه الحاكم في مستدركه (3/364) وقال: صحيح الإسناد.
([4]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (2/735)، والاستيعاب لابن عبد البر (1/581)، والمستدرك للحاكم (3/360-361)، وانظر: در السحابة للشوكاني (ص: 241).
([5]) سنن الترمذي (5/646) كتاب المناقب باب مناقب الزبير وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفضائل الصحابة لأحمد (2/737 -738)، وطبقات ابن سعد (3/105-106)، والمعجم الكبير للطبراني (1/78)، والمستدرك للحاكم (3/367) وقال صحيح ووافقه الذهبي.
([6]) صحيح البخاري (5/94) كتاب فضائل الصحابة باب ذكر طلحة.
([7]) جامع الترمذي (5/643 -644) كتاب المناقب باب مناقب طلحة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، والمستدرك للحاكم (3/374)، ومسند أحمد (1/165)، وفضائل الصحابة له (2/744)، وطبقات ابن سعد (3/218).
([8]) الرياض النضرة للمحب الطبري (2/252).
([9]) الشافي في الإمامة للمرتضى (ص: 287)، وتلخيص الشافي للطوسي (ص: 462).
([10]) الجمل للمفيد (ص: 225).
([11]) في ظلال التشيع لمحمد علي الحسيني (ص: 112 -113).
([12]) إحقاق الحق للتستري (ص: 297).
([13]) تقدم تخريجه قبل صفحتين.
([14]) تقدم تخريجه قبل صفحتين.
([15]) صحيح مسلم (4/1880) كتاب الفضائل باب من فضائل طلحة.
([16]) كناية عمن كانت تسافح في الجاهلية.
([17]) الطرائف لابن طاوس (ص: 495)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 296)، والأنوار النعمانية للجزائري (1/65-66))..
([18]) الفهرست للنجاشي (ص: 306-307)، ورجال الحلي (ص: 179).
([19]) ميزان الاعتدال للذهبي (4/304) وديوان الضعفاء (ص: 419).
([20]) صحيح مسلم (4/1876) كتاب الفضائل باب من فضائل سعد.
([21]) صحيح البخاري (5/94) كتاب المناقب باب مناقب سعد، وصحيح مسلم (4/1876) كتاب الفضائل باب فضائل سعد.
([22]) سنن الترمذي (5/649) كتاب المناقب باب مناقب سعد، وانظر: فضائل الصحابة لأحمد (2/751)، والمستدرك للحاكم (3/498)، وصححه ووافقه الذهبي.
([23]) سنن الترمذي (5/649).
([24]) صحيح مسلم (4/1875) كتاب الفضائل باب فضائل سعد.
([25]) صحيح مسلم (4/1878) كتاب الفضائل باب فضائل سعد.
([26]) مقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 280).
([27]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 211)، والجمل للمفيد (ص: 45-46)، والأمالي للطوسي (2/327).
([28]) المصادر السابقة نفسها.
([29]) قال عنه الكشي الشيعي: كان من خاصة أمير المؤمنين علي (ع). اختيار معرفة الرجال للطوسي (ص: 5، 98، 103).
([30]) الأمالي للصدوق (ص: 133).
([31]) إحقاق الحق للتستري (ص: 205).
([32]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/319 -320)، وميزان الاعتدال للذهبي (1/271)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (1/362-363)، وتقريب التهذيب له (ص: 176).
([33]) الخصال للصدوق (2/361-362)، وانظر: حق اليقين لعبد الله شبر (2/169).
([34]) علم اليقين للكاشاني (2/732).
([35]) هو حديث العشرة المبشرين بالجنة، تقدم تخريجه.
([36]) إكمال الدين للصدوق (ص: 243).
([37]) إكمال الدين للصدوق (ص: 243).
([38]) صحيح البخاري (5/100) كتاب المناقب باب مناقب أبي عبيدة، وصحيح مسلم (4/1881) كتاب الفضائل باب فضائل أبي عبيدة.
([39]) الملاحظ أن لفظ الحديث الذي أوردوه مخالف تمام المخالفة للفظه الصحيح، (وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
([40]) انظر الصراط المستقيم للبياضي (1/296، 3/154)، وعلم اليقين للكاشاني (2/658)، وتفسير الصافي له (2/570)، والبرهان للبحراني (4/187)، والصوارم المهرقة للتستري: (ص: 77-78)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/340، 343)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 302-303).
([41]) الكشكول لحيدر الآملي (ص:160).
([42]) السقيفة لسليم بن قيس (ص: 76).
([43]) سيرة الأئمة الإثني عشر لهاشم الحسيني (ص: 281)، وانظر: كتاب المستشرق لامنس الذي نقل عنه هاشم الحسيني -الشيعي المعاصر- وهو بعنوان (الحكام الثلاثة: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة) منوعات الكلية الشرقية، (4، 1910).
([44]) صحيح مسلم (4/1881) كتاب الفضائل باب فضائل أبي عبيدة.
([45]) صحيح البخاري (5/100) كتاب المناقب باب مناقب أبي عبيدة، وصحيح مسلم (4/1882) كتاب الفضائل باب مناقب أبي عبيدة.
([46]) فتح الباري لابن حجر (7/93-94).
([47]) المصدر نفسه، وانظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري (2/347).
([48]) فضائل الصحابة لأحمد (2/742-743)، وانظر: مسند أحمد (1/18)، والمستدرك للحاكم (3/268).
([49]) فضائل الصحابة لأحمد (2/742-743)، وانظر مسند أحمد (1/18)، والمستدرك للحاكم (3/268).
([50]) الاستيعاب لابن عبد البر (2/2)، والإصابة لابن حجر (2/46).
([51]) صحيح مسلم (3/1230-1231) كتاب المساقاة باب تحريم الظلم.
([52]) الخصال للصدوق (2/457، 460).
([53]) الخصال للصدوق (2/457، 460).
([54]) الكشكول لحيدر الآملي (ص: 160).
([55]) الطرائف لابن طاوس (ص: 523).
([56]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 49).
-------------
المجلس التاسع/ موقف الشيعة الإثني عشرية من الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل
مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل
لا يخفى على المسلم فضل أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، وما خصهن الله به من نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن، وما تمتعن به من منزلة سامية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهن من أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم، وأعزهن عنده، وأعرفهن بمطارح أنظاره، وأسرعهن إلى التعلق بأسباب رضاه في كل ما تقر به عينه صلى الله عليه وسلم.
ولا ريب أن الصديقة بنت الصديق، والحبيبة بنت الحبيب، والطاهرة العفيفة المبرأة من فوق سبع سماوات، عائشة رضي الله عنها أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة:
فقد حازت قصب السبق إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر أزواجه، فهي الحبيبة المدللة، ابنت حبيبه وصدّيقه، ولم يتزوج بكراً غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه بقوله لزوجه أم سلمة رضي الله عنها: {يا أم سلمة.. لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها}([1]).
وكان لعائشة رضي الله عنها شرف خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وتمريضه في أيام حياته الأخيرة، فما إن نزل به مرضه الأخير الذي مات فيه حتى أخذ يسأل: {أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد أن يكون في بيت عائشة}([2])، ثم استأذن أزواجه أن يكون في بيتها، فأذن له، فبقي عندها ترعاه وتخدمه، وتسهر عليه في مرضه إلى أن قبضه الله إليه، وإن رأسه لفي حجرها بين سحرها ونحرها، وحاقنتها وذاقنتها([3])، وريقه قد خالط ريقها([4])، فكان موته في بيت أحب الناس إليه، كما ثبت عنه في الصحيح لما سئل: {أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة}([5]).
وقبض وهو راض عنها، وقبر في بيتها، فرضي الله عن عائشة وأرضاها.
فهي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرب الناس إلى قلبه وأحبهم إليه.
والمؤمن يحب ما يحبه الله ورسوله.
فهل يحب الشيعة أم المؤمنين عائشة ويحترمونها، وينزلونها المنزلة التي أنزل الله وأنزلها رسوله عليه السلام؟ المنزلة التي تستحقها لكونها زوجة سيد ولد آدم، وخير الأولين والآخرين، ولكونها أحب الناس وأقربهم إلى قلب هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم؟
والجواب: أن الشيعة يبغضون عائشة رضي الله عنها أشد البغض:
ويتجلى ذلك في سبها وإيذائها ونسبتها على ما برأها الله منه، وطمس فضائلها وتوجيه العديد من المطاعن إليها.
وليس الأمر تحاملاً على الشيعة أو تجنياً عليهم، فكتبهم هي الشاهد على صدق هذه الدعوى.
والمطاعن التي وجهها الشيعة إلى عائشة رضي الله عنها كثيرة، وسأقتصر على نماذج منها.
فمنها:
أولاً: ادعاء الشيعة كفرها وعدم إيمانها، وزعمهم أنها من أهل النار:-
أسند العياشي -وهو من علماء الشيعة - إلى جعفر الصادق -زوراً وبهتاناً- والقول في تفسير قوله تعالى: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً)) [النحل:92]، قال: [[التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً: عائشة هي نكثت إيمانها]]([6]).
وتبدو النزعة الباطنية في هذا التفسير جلية، فالشيعة قد نحوا منحى التأويل الباطني بتحريفهم معنى نقض الغزل إلى نقض الإيمان، وزعمهم أن التي نقضت غزلها –أي: إيمانها على حد قولهم- هي عائشة رضي الله عنها، بينما إجماع المفسرين على عكس ذلك، فإنهم أجمعوا على أن المرأة التي نقضت غزلها امرأة خرقاء من أهل الجاهلية، تسمى: ريطة، كانت تغزل هي وجوار لها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. وكانت معروفة عندهم، فضربها الله مثلاً لهم لئلا يتشبهوا بها فينقضوا العهود من بعد توكيدها، فشبه نقض العهود بنقض الغزل. ولم يقل أحد منهم: إن المرأة المعنية بهذه الآية هي الصديقة عائشة رضي الله عنها، ولم يؤول واحد منهم نقض الغزل بنقض الإيمان، ولم يشبهه به([7]).
وزعم الشيعة أيضاً أن لعائشة رضي الله عنها بابا من أبواب النار تدخل منه:
فقد أسند العياشي إلى جعفر الصادق -رحمه الله، وحاشاه مما نسبه الشيعة إليه- أنه قال: في تفسير قوله تعالى حكاية عن النار: ((لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ)) [الحجر:44]: [[يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب... والباب السادس لعسكر... إلخ]]([8]).
وعسكر كناية عن عائشة رضي الله عنها، كما زعم ذلك المجلسي([9]).
ووجه الكناية عن اسمها بعسكر، كونها كانت تركب جملاً -في موقعة الجمل- يقال له: عسكر. كما ذكر ذلك المجلسي أيضاً.
ولم يكتف الشيعة بذلك، بل لقبوا عائشة في كتبهم بـ(أم الشرور)([10])، وبـ (الشيطانة)([11]).
وزعموا أنها كانت تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم([12])، وأن لقبها (حميراء) من الألقاب التي يبغضها الله تعالى([13]).
فعائشة رضي الله عنها إذاً كافرة عند الشيعة، وليست من أهل الإيمان، وهي عندهم من أهل النار.
ومعلوم أن الشيعة يوجهون هذه المطاعن المفتراة المجردة عن الدليل إلى أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يحب إلا طيباً، والكافر خبيث لا يحب، فكيف تتفق مزاعم الشيعة مع ما تواتر -تواتراً معنوياً- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبه لعائشة الصديقة رضي الله عنها؟!
أخرج أحمد وأبو حاتم وغيرهما بأسانيدهم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه دخل على عائشة وهي تموت، فقال لها: [[كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طيباً]]([14]).
وسمع عمار بن ياسر رضي الله عنهما رجلاً ينال من عائشة رضي الله عنها، فزجره ووبخه وقال له: [[اغرب مقبوحاً منبوحاً، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم]]([15]).
وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: {من أحب الناس إليك؟ فقال: عائشة}([16]).
ثم الشيعة بعد هذا كله يزعمون أنها كانت كافرة حاشاها بل هي من أفضل المؤمنين، ومن عباد الله الصالحين.
وقد فضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر النساء بقوله: {فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام}([17]).
ويتناقض ما زعمه الشيعة عن عائشة بكونها من أهل النار مع ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بشارته لها رضي الله عنها بالجنة في قوله: {لقد رأيت عائشة في الجنة كأني أنظر إلى بياض كفيها، ليهون بذلك علي عند موتي}([18]).
ويتناقض أيضاً مع ما ثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، من قوله عنها رضي الله عنها: [[إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة]]([19]).
ثم الشيعة بعد هذه الأدلة الواضحة الصريحة قد خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا من زعموا أنه إمام لهم - علي بن أبي طالب رضي الله عنه-، وزعموا أن عائشة رضي الله عنها أنها كافرة، وأنها من أهل النار، حاشاها من ذلك، بل هي مؤمنة طاهرة، من أهل الفردوس الأعلى في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: الشيعة الإثنا عشرية ينسبون الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سموات إلى الفاحشة:-
لما رمى رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول الصديقة الطاهرة عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، غضب الله جل وعلا لانتهاك حرمة نبيه فنفى التهمة عن الصديقة، وأنزل تبرئتها من فوق سبع سموات آيات حوت الوعيد الشديد في الدنيا، والتوعد بالعذاب العظيم في الآخرة.
ولو فتشت في آيات القرآن، وتأملت الآيات التي أوعد الله فيها العصاة لما رأيته غلظ في عقوبة شيء تغليظه في عقوبة من رمى الصديقة عائشة رضي الله عنها بالإفك، فالآيات القوارع مشحونة بالوعيد الشديد، والزجر العنيف، واستعظام ما جاء به رأس النفاق ومن رددوا قوله من الإفك، واستفظاع ما أقدموا عليه من التلقي بالألسنة والقول بالأفواه، يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، فجعل القَذَفَةَ ملعونين في الدنيا والآخرة، وتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة، وأخبر أن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ستشهد عليهم بإفكهم وبهتانهم، وهذا ليس ظلماً لهم، بل هو جزاؤهم الحق الذي هم أهله بسبب خوضهم في عرض نبيه، وتكلمهم على زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنبيهاً لهم على علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنافة محله صلوات الله وسلامه عليه.
وقد انتهى ذلك الإفك بجلد الخائضين فيه، وتوبتهم، واعتذارهم إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم وزوجه الطاهرة العفيفة.
وبعد ذلك بقرون أحدث الشيعة إفكاً آخر اتهموا به العفيفة الطاهرة في عرضها مرة أخرى، ولم يحاسبهم أحد إلا الله فإنه مطلع عليهم وهو يدافع عن رسوله وحبيبه، ويذب عن عرض خليله صلى الله عليه وسلم.
فقد زعم الشيعة أن قوله تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)) [التحريم:10] مثل ضربه الله لعائشة وحفصة رضي الله عنهما.
وقد فسر بعضهم بالخيانة بارتكاب الفاحشة -والعياذ بالله تعالى-:
قال القمي في تفسير هذه الآية: والله ما عنى بقوله: (فخانتاهما) إلا الفاحشة([20])، وليقيمن الحد على (عائشة)([21]) فيما أتت في طريق (البصرة)([22])، وكان (طلحة)([23]) يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى (البصرة)([24]) قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم، فزوجت نفسها من (طلحة)([25]).([26]).
ووجه إقامة الحد عليها -على حد زعم الشيعة -: كونها زوجت نفسها من آخر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع حرمة ذلك، فالله تعالى قد حرم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده أبداً.
فمن هي التي ارتكبت الفاحشة وتزوجت طلحة من بين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في طريقها إلى البصرة -كما زعم الشيعة -؟.
المثل مضروب لعائشة وحفصة معاً -على حد زعم الشيعة المتقدم-.
وحفصة لم تخرج إلى البصرة، والتي خرجت هي عائشة رضي الله عنها بإجماع الشيعة، فهي إذن التي يقام عليها الحد -كما زعم الشيعة - لتزويجها نفسها من طلحة مع حرمة ذلك عليها.
- ولا بد أن يقام هذا الحد عند رجعة الأئمة وأعدائهم، حسب معتقد الشيعة الباطل في ذلك-.
ومما يؤكد أن الشيعة الذين لم يذكروا اسم (عائشة) صراحة، عنوا بـ(فلانة) عائشة رضي الله عنها -مع أن الآخرين ذكروا اسمها صريحاً كما تقدم-:
ما رواه الشيعة في كتبهم من المزاعم المكذوبة التي جاء فيها: أنه لما نزل قول الله تعالى: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6] وحرم الله نساء النبي صلى الله عليه وآله على المسلمين غضب طلحة، فقال: [[يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا، لئن أمات الله محمداً لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا]] -وفي رواية أخرى ذكروها: لأتزوجن عائشة -([27])، -وفي رواية ثالثة- (وكان طلحة يريد عائشة)([28])، فأنزل الله تعالى: ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً)) [الأحزاب:53].
ولم يكتف الشيعة بهذا، بل نسبوا إليها أقوالاً في غاية الخسة والبذاءة، وقد ترددت في ذكرها، وهممت أن لا أكتبها، لولا ما ألزمت به نفسي من إعطاء صورة واضحة مختصرة عن نظرة الشيعة إلى الصحابة رضي الله عنهم، لذا فإني أذكر بعضها، وأعرض عن بعضها الآخر:
فلقد ذكر رجب البرسي -وهو من علمائهم- أن عائشة جمعت أربعين ديناراً من خيانة وفرقتها على مبغضي علي([29]).
وذكر أحمد بن علي الطبرسي -وهو من علمائهم أيضاً- أن عائشة (زينت يوماً جارية كانت عندها، وقالت: لعلنا نصطاد بها شاباً من شباب قريش بأن يكون مشغوفاً بها)([30]).
فقاتلهم الله كيف حفظوا النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته وأحب الناس إليه، لقد رموها بأشد مما رماها به رأس المنافقين وأتباعه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مناقشة هذه المفتريات:
لا يشك عاقل في أن هذه المزاعم الشيعية من البهتان المبين والإفك المفترى، فالله سبحانه وتعالى لم يضرب امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لعائشة وحفصة رضي الله عنهما، بل هو مثل مضروب للذين كفروا مطلقاً، كما قال الله تعالى في رأس الآية: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ)) [التحريم:10]، والشيعة لما كانوا يحقدون على عائشة وحفصة رضي الله عنهما، ويعتقدون كفرهما قصروا المثل المضروب عليهما وخصوه بهما.
ولم يقل أحد من مفسري أهل السنة أن الخيانة من امرأة نوح وامرأة لوط هي الوقوع في الفاحشة، وإنما أولوها بأنها الخيانة في الدين([31])، وقد أولها بعض الشيعة بذلك([32]).
وفي ذلك يقول حبر هذه الأمة: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: [[ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه]]، وتبعه على ذلك جميع المفسرين([33]).
والقصة التي افتراها الشيعة لا شك في كذبها، وقد وقع واضعها في أخطاء تدل على كذبها، منها: ادعاؤه أن عائشة خرجت بدون محرم، ولما أخبرت أنه لا يجوز الخروج بغير محرم زوجت نفسها من طلحة -على حد زعمهم-.
ودعوى أنها خرجت بغير محرم يبطلها ما أجمع عليه أهل السنة وجمهور الشيعة من أن ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كان معها وفي عسكرها، وما رواه الشيعة من أنه –أي: ابن أختها- عبد الله هو الذي حرضها على المسير إلى البصرة، وحرض أباه على محاربة علي رضي الله عنه، وعندما عزم أبوه على الإقلاع عن حربه لما التقيا في البصرة أخذ يلح عليه حتى عاد إلى حربه، وهذه كلها مزاعم ذكرها الشيعة في كتبهم([34]).
فكيف يقال: إنها خرجت من غير محرم، وعبد الله بن الزبير ابن أختها هو محرمها؟
لاشك أن قول الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)) [الأحزاب:57].
وقوله جل وعلا: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58].
منطبق على من قذفها؛ لأن في قذفها من حيث كونها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقذفها من حيث كونها مؤمنة غافلة إيذاء لها، ولمن اتهموه بها رضي الله عنهما.
وينبغي أن يعلم أن سب عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه يعتبر مروقاً من الدين -حسبما تقرر في القواعد الشرعية- وسابها كافر، وعلى هذا إجماع علماء المسلمين، مستدلين بقوله تعالى: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17]، وبغيرها من آيات الكتاب الحكيم.
قال القاضي أبو يعلى: (من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف)([35]).
وروي عن محمد بن زيد بن علي بن الحسين أخي الحسن بن زيد [[أنه لما قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء! فقال: هذا سمى جدي([36]). قرنان، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل]]([37]).
وروي عن أخيه الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: [[أنه كان بحضرته رجلاً فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)) [النور:26]، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه، وأنا حاضر -على حد قول الراوي-]]([38]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين)([39]).
وقال ابن حجر الهيتمي بعد ما ذكر حديث الإفك: (علم من حديث الإفك المشار إليه أن من نسب عائشة إلى الزنا كان كافراً، وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم؛ لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية، ومكذبها كافر بإجماع المسلمين، وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض؛ لأنهم ينسبونها إلى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون)([40]).
وقال الشيخ محمد بن سليمان التميمي حاكياً عن عائشة رضي الله عنها: (والحاصل أن قذفها كيفما كان يوجب تكذيب الله تعالى في إخباره عن تبرئتها عما يقول القاذف فيها)([41]).
ويقول في موضع آخر: (ومن كذب الله فقد كفر)([42]).
ونقل قول بعض أهل البيت في ذلك: [[وأما قذفها الآن فهو كفر وارتداد، ولا يكفي فيه الجلد؛ لأنه تكذيب لسبع عشرة آية من كتاب الله كما مر، فيقتل ردة... ومن يقذف الطاهرة الطيبة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة كما صح ذلك عنه فهو من ضرب عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين..]]([43]).
وأقوال علماء المسلمين كثيرة في هذا الباب وكلها متضافرة في كفر من رمى الصديقة بما برأها الله منه، أو نسبها إلى الفاحشة -عياذاً بالله- وهم في ذلك متبعين لكتاب ربهم الذي قرر أن الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم التي دلت دلالة قطعية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الصديقة الطيبة عائشة حباً لم يساو بها فيه أحداً من الناس، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيباً.
ثالثاً: مطاعن مشتركة وجهها الشيعة إلى عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم:-
وجه الشيعة إلى عائشة وحفصة رضي الله عنهما العديد من المطاعن، أكتفي بذكر بعضها. فمنها:
التبرؤ منهما ولعنهما:-
ذكر الكركي والمجلسي - وهو من كبار علماء الشيعة [[أن جعفر الصادق - رحمه الله، وحاشاه من ذلك -كان يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعة من النساء: التيمي والعدوي - أبا بكر وعمر - وعثمان ومعاوية يسميهم، وعائشة وحفصة وهنداً وأم الحكم أخت معاوية]]([44]).
هذا في لعنهما، أما في التبرؤ منهما: فقد نقل ابن بابويه القمي -الملقب بالصدوق - والمجلسي إجماع الشيعة على ذلك، فقالا -واللفظ للمجلسي -: (وعقيدتنا في التبرؤ: أننا نتبرأ من الأصنام([45]). الأربعة: أبي بكر، وعمر، و عثمان، ومعاوية، ومن النساء الأربع: عائشة، وحفصة وهند، وأم الحكم، ومن جميع أتباعهم وأشياعهم، وأنهم شر خلق الله على وجه الأرض([46])، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبرؤ من أعدائهم)([47]).
فهم إذاً يلعنون أبا بكر وعمر و عثمان ومعاوية رضي الله عنهم، ويتبرؤون منهم ولا يكتفون بذلك، بل يلعنون ابنة أبي بكر عائشة، وابنة عمر حفصة، ويتبرؤون منهما، ويزعمون أنهم وأتباعهم وأشياعهم -يعنون أهل السنة - شر خلق الله على وجه الأرض.
ويعلم كل مسلم أن أبا بكر وعمر وعثمان خير خلق الله على وجه الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، وأن ابنتي أبي بكر وعمر عائشة وحفصة من خير خلق الله، وزوجتا خير خلق الله، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وأن معاوية رضي الله عنه صحابي من الصحابة الذين هم من خير خلق الله عز وجل. وأن أهل السنة القائمين بكتاب الله العاملين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم السائرين على منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير خلق الله. فكيف نجعل المسلمين كالمجرمين، بل وكيف نجعل المتقين كالفجار؟!
دعوى الشيعة أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما سقتا السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:-
يدعي الشيعة الإثنا عشرية أن عائشة وحفصة تآمرتا مع أبويهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذاعتا سره وهتكتا ستره، وسقتاه السم، فكان ذلك سبب موته صلى الله عليه وسلم -على حد مزاعمهم الكاذبة-.
والقصة المكذوبة التي ذكر فيها الشيعة تآمر أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة على وضع السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون -بالرغم من كذبها- أنها ثابتة، واستدلوا على إثباتها بآية من القرآن الكريم حملوها ما لا تحتمل من المعاني لتوافق أهواءهم ومعتقداتهم في الصحابة رضي الله عنهم، وهذه الآية هي قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] فقد أسند العياشي -بسنده المسلسل بالكذابين- إلى أبي عبد الله جعفر الصادق -رحمه الله وحاشاه مما نسبه الشيعة إليه- أنه قال: [[تدرون مات النبي صلى الله عليه وآله أو قتل؟ إن الله يقول: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] فسُم قبل الموت، إنهما سقتاه([48]). قبل الموت، فقلنا: إنهما وأبويهما شر من خلق الله]]([49]).
ووصف المجلسي -شيخ الدولة الصفوية، ومرجع الشيعة المعاصرين- سند هذه الرواية المكذوبة بأنه معتبر، وعلق عليها بقوله: (إن العياشي روى بسند معتبر عن الصادق (ع) أن عائشة وحفصة لعنة الله عليهما وعلى أبويهما قتلتا رسول الله بالسم دبرتاه)([50]).
وقد نقل هذه الحادثة المكذوبة عدد كبير من مصنفي الشيعة، وذكروا اسم عائشة وحفصة وأبويهما صراحة، وزعموا أنهم وضعوا السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات بسببه([51]).
وهذه القصة من القصص الباطلة التي افتراها الشيعة، وألصقوها بخيار الصحابة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومات راضياً عنهم -كما تقدم ذلك كله- ولم يقل بها أحد من أهل السنة، بل ولا غيرهم؛ عدا الشيعة الذين يريدون إظهار خيار الصحابة -بما يلصقونه بهم من مفتريات كاذبة- بمظهر الخائنين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن العجيب حقاً أنهم يلقون التهم جزافاً مجردة عن الدليل، مخالفة للنقل المتواتر الصحيح.
ومن عرف حال أبي بكر وعمر وخصالهما، وفضائلهما وشدة قربهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم واختصاصهما به، ويقول بملء فيه: هذا بهتان مبين.
وعائشة وحفصة رضي الله عنهما قد ثبت علو درجاتهما، وأنهما زوجتا نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة، فقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنهما يحلفان بالله أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة([52]).
وكذا أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فيما رواه عنه خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: {إن جبريل عليه السلام أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة وقال له: إن الله يقرئك السلام، ويقول: إنها لزوجتك في الدنيا والآخرة، فراجعها}([53]).
فعائشة وحفصة رضي الله عنهما من أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وأبواهما من أحب الناس إليه عليه السلام، ومن أقربهم إلى قلبه صلى الله عليه وسلم.
ومن له أدنى إلمام بسيرة هؤلاء الصحابة الأخيار يجد نفسه عند قراءة ما بهتهم به الشيعة، يقول: سبحانك هذا بهتان مبين.
---------------
([1]) صحيح البخاري (5/107) كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عائشة.
([2]) صحيح البخاري (5/107) كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عائشة.
([3]) كناية عن أن رأسه عليه السلام كان مسنداً إلى صدرها.
([4]) صحيح البخاري (6/31-36) كتاب المغازي باب ما جاء في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض الشيعة يعترف أن ريقه صلى الله عليه وآله وسلم خالط ريقها قبل وفاته، فقد أسند الأشعث في كتابه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما: أن أبا ذر أخبره أن رسول الله قبل أن يموت دعا بالسواك فأرسله إلى عائشة فقال: لتبلينه لي بريقك، ففعلت، ثم أتي به فجعل يستاك به ويقول بذلك: ريقي على ريقك يا حميراء، ثم شخص يحرك شفتيه كالمخاطب، ثم مات (الأشعثيات (ص: 212)) وهذا يدل بمفهومه -لما تقدم من رغبته في أن يكون في بيتها، تشرف عليه وترعاه، ومن إقباله عليها عند موته، ومخالطة ريقه الشريف لريقها- على موته صلى الله عليه وسلم وهو راض عنها.
([5]) صحيح البخاري (5/68) كتاب الفضائل باب فضائل أبي بكر.
([6]) تفسير العياشي (2/269)، وانظر: البرهان للبحراني (2/383)، وبحار الأنوار للمجلسي (7/454).
([7]) انظر: تفسير ابن كثير (2/583-584)، وفتح القدير للشوكاني (3/190)، وروح المعاني للألوسي (14/221-222).
([8]) تفسير العياشي (2/243)، وانظر: البرهان للبحراني (2/345)، وبحار الأنوار للمجلسي (4/378، 8/220).
([9]) بحار الأنوار للمجلسي (4/378، 8/220).
([10]) الصراط المستقيم للبياضي (3/161).
([11]) المصدر نفسه (3/135).
([12]) الخصال للصدوق (1/190).
([13]) الأصول من الكافي للكليني (1/247).
([14]) راجع السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين للمحب الطبري (ص: 30).
([15]) جامع الترمذي (5/707) كتاب المناقب باب فضل عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
([16]) صحيح البخاري (5/68) كتاب الفضائل باب فضائل أبي بكر.
([17]) أخرجه البخاري (6/340) كتاب الأنبياء باب قول الله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين).
([18]) مسند أحمد (6/138)، وفضائل الصحابة له (2/871)، وطبقات ابن سعد (8/65)، وانظر: السمط الثمين للمحب الطبري (ص: 29).
([19]) تاريخ الطبري (5/225).
([20]) وليس هذا القول بدعاً من القمي، فقد سبقه إليه الكليني -شيخ الاسلام عند الشيعة، ومرجعهم- ونسبه إلى أبي جعفر الباقر، راجع البرهان للبحراني (4/357-358).
([21]) عند القمي فلانة بدل عائشة، وهذا من باب التقية، وقد صرح غيره باسمها فكشف ما حظرت التقية كشفه بزعمهم.
([22]) في الطبعة الحديثة (..).
([23]) في نسخة أخرى فلان بدل طلحة، وهو من التقية كما أسلفنا.
([24]) في الطبعة الحديثة (..).
([25]) في نسخة أخرى فلان بدل طلحة.
([26]) تفسير القمي (ط حجرية ص: 341) (ط حديثة 2/377)، وانظر: البرهان للبحراني (4/358)، وتفسير عبد الله شبر (ص: 338)، وقد ساقاها موضحة كما أثبتها في المتن.
([27]) تفسير القمي (ط حجرية ص: 290)، (ط حديثة 2/195-196)، ومؤتمر علماء بغداد لمقاتل بن عطية (ص: 38)، والشافي للمرتضى (ص: 258)، والطرائف لابن طاوس (ص: 492-493)، والصراط المستقيم للبياضي (3/23، 35)، ومنار الهدى لعلي البحراني (ص: 452)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 36/ب)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/363)، والبرهان للبحراني (3/333- 334)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 260-261)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 58)، وعقائد الإمامية للزنجاني (3/56)، وسيرة الأئمة الإثني عشر لهاشم الحسيني (1/381)، والشيعة والحاكمون لمحمد جواد مغنية (ص: 36).
([28]) الطرائف لابن طاوس (ص: 492-493)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 36/ب)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص: 58).
([29]) مشارق أنوار اليقين لرجب البرسي (ص: 86).
([30]) الاحتجاج الطبرسي (ص: 82).
([31]) راجع: جامع البيان للطبري (28/169-171)، وتفسير ابن كثير (4/393)، وفتح القدير للشوكاني (5/255-256).
([32]) كالبياضي في الصراط المستقيم (3/165 -166)، والكاشاني في تفسير الصافي (2/720).
([33]) راجع: جامع البيان للطبري (28/ 169 – 171)، وتفسير ابن كثير (4/393)، وفتح القدير للشوكاني (5/255 – 256)، وغيرها من تفاسير أهل السنة فكلها أجمعت على ذلك.
([34]) الاختصاص للمفيد (ص: 119)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/ 167، 170، 4/ 480، 482- 483)، وأحاديث أم المؤمنين عائشة لمرتضى العسكري (1/227-268 -269).
([35]) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول (ص: 571).
([36]) يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
([37]) ذكرها ابن تيمية في الصارم المسلول (ص: 566 – 567).
([38]) ذكرها ابن تيمية في الصارم المسلول (ص: 566).
([39]) الصارم المسلول (ص: 568).
([40]) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي (ص:101).
([41]) رسالة في الرد على الرافضة لمحمد التميمي (ص: 24-25).
([42]) المصدر نفسه.
([43]) المصدر نفسه.
([44]) نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت للكركي (ق: 74/ب)، وعين الحياة للمجلسي (ص: 599).
([45]) وضع الملقب بالصدوق (الأوثان) موضع الأصنام.
([46]) زاد الملقب بالصدوق: ونعتقد فيهم أنهم أعداء الله وأعداء رسوله.
([47]) الهداية للصدوق (ق:110/أ)، وحق اليقين للمجلسي (ص: 519).
([48]) زاد الكاشاني: (يعني المرأتين لعنهما الله وأبويهما) تفسير الصافي (1/305).
([49]) تفسير العياشي (1/200)، وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/305)، والبرهان للبحراني (1/320)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/504، 8/6).
([50]) حياة القلوب للمجلسي (2/700).
([51]) راجع تفسير القمي ط حجرية (ص 340)، ط حديثة (2/375 – 376)، وانظر: الصراط المستقيم للبياضي (3/168- 169)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/457)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 308)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/716-717)، والبرهان للبحراني (1/320، 4/352- 353)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/336-337).
([52]) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (المستدرك 4/6)، وانظر: تاريخ الطبري (5/225).
([53]) أخرجه ابن سعد، والبزار، والطبراني في الأوسط والكبير، والحاكم –وصححه-، وابن عساكر في الأربعين -وحسنه-، وذكره ابن عبد البر، والمحب الطبري، وابن حجر وغيرهم. انظر: طبقات ابن سعد (8/84)، والاستيعاب لابن عبد البر (4/269)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (2/50)، والمستدرك للحاكم (4/15)، والأربعين في مناقب أمهات المؤمنين لابن عساكر (ص: 91)، والسمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين للمحب الطبري (ص 68)، ومجمع الزوائد للهيثمي (9/244)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 323)، وغيرها.
-----------
المجلس العاشر/ ذكر نماذج من المطاعن التي وجهها الشيعة الإثنا عشرية إلى بعض الصحابة الآخرين
موقف الشيعة الإثني عشرية من الصحابة متشابه من حيث نسبتهم جميعاً إلى الارتداد إلا ثلاثة، وذمهم، ولعنهم، والتبرؤ منهم، وإيراد المطاعن المفتراة وتوجيهها إليهم.
ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الشيعة من التعرض للصحابة بالذم والشتم.
ولكثرة المطاعن التي وجهها الشيعة إلى الصحابة الآخرين، أردت أن أقتصر على ذكر نماذج من تلك المطاعن يدرك القارئ عند قراءتها منزلة الصحابة رضي الله عنهم عند الشيعة الإثني عشرية، فيدين الشيعة من فيها.
وفيما يلي أورد نماذج من أقوالهم في معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد رضي الله عن الصحابة أجمعين.
أولاً: ذكر نماذج من المطاعن التي وجهها الشيعة الإثنا عشرية إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:-
طعنهم في صدق إسلامه، وزعمهم أنه كان كافراً منافقاً وأنه يخلد في النار يوم القيامة:-
يدعي الشيعة أن معاوية رضي الله عنه لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبي صلى الله عليه وآله بمدة طويلة([1])، وكان تظاهره بالإسلام قبل موت النبي بخمسة أشهر([2])، ولم يسلم إلا خوفاً من السيف([3])، لذلك لم يكن مسلماً إلا بالاسم([4])، إذ أنه بقي على جاهليته الأولى([5])، ولم يمت حتى علق الصليب في عنقه([6])، -كما زعم الشيعة ذلك كله-.
ويزعمون أيضاً أنه كان شراً من إبليس([7])، وأن زندقته أشهر من كفر إبليس([8])، وأنه كان رأساً من رؤوس الضلالة([9])، إماماً من أئمة الكفر([10])، فرعون هذه الأمة([11])، طليقاً، منافقاً، معانداً لله ولرسوله وللمؤمنين([12])، من أعداء آل محمد، وخاصة علي بن أبي طالب منهم([13]).
ويزعم الشيعة أيضاً أن معاوية رضي الله عنه مات كافراً، لذلك فإنه يخلد في النار يوم القيامة.
واستدلوا على خلوده في النار بما أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، -زوراً وبهتاناً- فزعموا -وكذبوا عليهم متعمدين- أنه قال: {إن الله عز وجل عرض علي في المنام مني القيامة وأهوالها، والجنة ونعيمها، والنار وما فيها وعذابها، فاطلعت في النار إذا أنا بمعاوية وعمرو بن العاص قائمين في جمر جهنم، يرضخ رؤوسهما الزبانية بحجارة من جمر جهنم، يقولان لهما: هلا آمنتما بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام..}([14]).
وأسند المفيد -كذباً- إلى جعفر الصادق أنه قال: [[معاوية وعمرو بن العاص لا يطمعان في الخلاص من العذاب]]([15]).
ومعاوية رضي الله عنه في معتقد الشيعة يعذب في النار منذ مات، وقد كذبوا على عدد من أئمتهم فنسبوا إليهم -كذباً- أنهم رأوه –أي: معاوية - مغلولاً في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً في واد من أودية جهنم:
فقد كذبوا على أبي جعفر الباقر، وزعموا أنه قال: [[كنت خلف أبي، وهو على بغلته، فنفرت بغلته، فإذا هو شيخ في عنقه سلسلة، ورجل يتبعه فقال: يا علي بن الحسين اسقني؟ فقال الرجل: لا تسقه، لا سقاه الله -وكان الشيخ معاوية -]]([16]).
وزعم الشيعة أن نفس الواقعة حصلت مع أبي عبد الله جعفر الصادق ومع أبيه محمد الباقر([17]).
وذكروا في الرواية التي نسبوها للباقر [[أن معاوية سأله أن يستغفر له، فقال له الباقر ثلاث مرات: لا غفر الله لك]]([18]).
ولأن معاوية رضي الله عنه ممن محض الكفر محضاً -عند الشيعة - فإنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ويُنتقم منه أشد الانتقام -على حد زعم الشيعة -([19]).
مناقشة هذه المزاعم:
لا شك أن زعم الشيعة تأخر إسلام معاوية رضي الله عنه، إلى ما قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر لا يصح. بل الثابت أنه أسلم في عام الفتح في السنة الثامنة الهجرية، أي قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من ثلاث سنين.
وعلى هذا القول جمهور علماء المغازي والسير([20])، وذكر بعضهم أنه أسلم قبل ذلك([21]).
وقد أسند ابن سعد إلى معاوية رضي الله عنه أنه أخبر عن وقت إسلامه بقوله: [[لقد أسلمت قبل عمرة القضية، ولكني كنت أخاف أن أخرج إلى المدينة؛ لأن أمي كانت تقول لي: إن خرجت قطعنا عنك القوت. ولقد دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته، فرحب بي]]([22]).
وقد ذكر البياضي -وهو من الشيعة- أن معاوية أظهر إسلامه في عام الفتح، فقال: (قد صح من التاريخ أنه أظهر الإسلام سنة ثمان من الهجرة)([23]).
فهذا شاهد منهم ينقل أنه قد صح إظهار معاوية لإسلامه في السنة الثامنة -عام الفتح-، وقوله حجة على من زعم تأخر ذلك.
وأقل أحوال معاوية أن يكون من الطلقاء أو المؤلفة قلوبهم، وكونه منهم لا يقدح به؛ لأن أكثر الطلقاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم، (وكان الرجل منهم يسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس)([24]).
ومعاوية رضي الله عنه ممن حسن إسلامهم، ولذلك استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي، وهذا أمر مجمع عليه عند أهل السنة([25]).
وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بقوله: {اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهد به}([26])، وقوله: {اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب}([27]).
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا ربه أن يهدي معاوية ويهدي به، وأن يقيه العذاب، والشيعة مع ذلك يزعمون أن معاوية رضي الله عنه كان كافراً، وأنه يخلد في النار دونما دليل صحيح، وإنما اتباعاً لأهوائهم وما تزينه لهم أنفسهم.
وما نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخباره عن معاوية أنه يخلد في النار، كذب متعمد عليه صلى الله عليه وسلم، ومن كذب عليه صلى الله عليه وسلم متعمداً فليتبوأ مقعده من النار -كما أخبر بذلك- صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث المتواتر.
والحق أنه لم تكن ثمة عداوة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين معاوية رضي الله عنه، فمعاوية كان صغيراً حين أسلم، ولم يحضر معركة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحاربه في أي موقعة، لكن الشيعة نقلوا عداوة أمه وأبيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفا عن أمه وأبيه، وهما ممن قد حسن إسلامه، وتابا توبة نصوحاً، والتوبة تجب ما قبلها.
زعم الشيعة وجوب بغض معاوية ولعنه والتبرؤ منه:-
قل أن يخلو كتاب من كتب الشيعة ذكر فيه معاوية رضي الله عنه من لعنه رضي الله عنه والتبرؤ منه([28]).
قال ابن أبي الحديد: (علي إذا برئ من أحد من الناس برئنا منه كائناً من كان، وقد برئ من المغيرة وعمرو بن العاص، ومعاوية)([29]).
وقال المجلسي: (من ضروريات دين الإمامية: البراءة من معاوية)([30]).
وكتب الأدعية عندهم من الشواهد على ذلك، وخاصة ما يقرأ من الأدعية عند زيارة الأئمة، سيما الحسين منهم، فعلى سبيل المثال: ذكر الكفعمي دعاء يقرؤه الشيعة عند زيارتهم الحسين في يوم مقتله -يوم عاشوراء- هو:
[[اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية، وابن آكلة الأكباد([31])، اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيك في كل موطن وموقف وقف فيه نبيك. اللهم العن أبا سفيان ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ومروان، وآل مروان...]]([32]).
وحكم لعن معاوية عند الشيعة كحكم لعن باقي الصحابة هو: الوجوب.
ولا شك أن سب معاوية رضي الله عنه، وغيره من الصحابة يعد من الموبقات.
وقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه ذكر عنده أن قوماً يشتمون معاوية، فقال: [[ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية]]، ثم قال: [[إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام]]([33]).
وقد نص رضي الله عنه على وجوب تعزير من يسبه واستتابته حتى يرجع بالجلد، وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع. وقال: ما أراه على الإسلام، وقال: (واتهمه على الإسلام، وقال: أجبن عن قتله).
وبنحو قوله قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله([34]).
وقال إبراهيم بن ميسرة([35]): (ما رأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ضرب إنساناً قط إلا رجلاً شتم معاوية فضربه أسواطاً)([36]).
فشتم معاوية رضي الله عنه، وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم لا يجوز، وهو من الموبقات كما نص على ذلك سلف هذه الأمة رضي الله عنهم، فكيف بمن ينسبه إلى الكفر والزندقة -عياذاً بالله تعالى-، وقد تقدم من أقوال الشيعة في ذلك، وهناك أشد من ذلك أيضاً مما يندى له الجبين، نسأل الله العافية.
أما تمسك الشيعة بما وقع بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وبين معاوية فلا ريب أن خصم معاوية -أعني: أمير المؤمنين- خصم كريم ومن درس سيرته لمس ذلك بوضوح، وهذا ما أكده الحافظ أبو زرعة الرازي رحمه الله لمن ادعى أنه يبغض معاوية:
فقد روى الحافظ ابن عساكر رحمه الله في كتابه تاريخ دمشق، في ترجمة معاوية رضي الله عنه أن رجلاً قال لأبي زرعة الرازي: (إني أبغض معاوية. فقال له أبو زرعة: ولم؟ قال: لأنه قاتل علياً. فقال له أبو زرعة: ويحك!! إن رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما رضي الله عنهما؟!).
ثانياً: ذكر نماذج من المطاعن التي وجهها الشيعة إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه:-
ومنها:
طعنهم في نسبه:-
زعم الشيعة أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ابن زنا([37]).
وذكروا أن أمه كانت من أصحاب الرايات في الجاهلية، وأنه قد وقع عليها خمسة نفر، فأتت بعمرو بن العاص -على حد قول بعضهم-([38]). وفي ذلك يقول محمد جواد مغنية - وهو من الشيعة المعاصرين ـ: النابغة أم عمرو بن العاص كانت بغياً، فوقع عليها أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن الحرب، والعاص بن وائل فأتت بعمرو وادعاه الأربعة فقالت أمه: هو من العاص. ولما قيل لها: لماذا اخترت العاص؟ قالت: كان ينفق علي وعلى أولادي أكثر منهم، وكان عمرو أشبه بأبي سفيان([39]).
ولم ينف الشيعة الآخرون هذه الفرية بل أكدوها إلا أنهم زعموا أنه قد وقع عليها ستة نفر لا خمسة، فولدت عمراً([40]).
قال من سمى نفسه عبد الواحد الأنصاري - وهو من الشيعة المعاصرين - عن عمرو بن العاص: لم يشك أحد من المؤرخين في أنه ولد سفاح، اشترك في إخراجه من أعماق أمه ستة نفر: أبو سفيان، وأمية بن خلف , والعاص بن وائل، وهشام بن المغيرة، وأبو لهب، وخلف الجمحي، وادعاه كلهم فحكموا أمه فحكمت فيه للعاص بن وائل وكان ينفق عليها كثيراً، وهيهات أن ينجب ابن الزنا. وقد ورث هذا المجرم -يقصد عمرو بن العاص - من آبائه الستة أخس الصفات وأرذل السمات؛ فقد ورث من أبي سفيان الغدر والتهتك، ومن أبي لهب الكفر والإلحاد، ومن العاص العداوة لله ولرسوله، ومن شابه أباه فما ظلم([41]).
وهذه الافتراءات من الشيعة ليس لهم على إثباتها دليل وهي مجرد إفك محض، وفرية بينة حملهم عليها حقد عظيم على الصحابة عموماً، وعلى سادتهم وكبارهم خصوصاً، وقد لحق عمرو من حقدهم وبغضهم ما لحق غيره من كبار الصحابة، وهو قد مات وانقطع عمله، ولكن الله لم يشأ أن يقطع عنه الثواب.
وهذه التهمة التي يوردها الشيعة جزافاً، يحاولون إلصاقها بأكثر الصحابة، بل قل ما ذكروا صحابياً إلا وحاولوا وصمه بهذه الفرية([42]). وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
نماذج من أقوال الشيعة في عمرو بن العاص:-
أطلق الشيعة الإثنا عشرية سيما المعاصرون منهم مجموعة من الألقاب على عمرو بن العاص رضي الله عنه تحمل في طياتها حقداً يعتمل في صدورهم، وسُمَّاً ينفثونه على هذا الصحابي الجليل.
ومن الأقوال الخبيثة التي أطلقوها عليه على سبيل الاتهام له: (العاصي ابن العاصي)([43])، (ابن العاهرة)([44])، (الماكر)([45])، (الخبيث)([46])، (المنافق)([47])، (ممن اشتهر نفاقهم، وظهر شكهم في الدين وارتيابهم)([48])، (المجرم)([49])، (من شر الأولين والآخرين)([50])، (يرفض الآخرة ويطلب الدنيا)([51])، (من الذين عادوا النبي وآذوه وكادوا له وكذبوه)([52]). إلى آخر ما أوردوه في ذلك من أقوال كثيرة مكذوبة.
والقارئ المنصف المتجرد يلاحظ أن هذه الأقوال مجردة عن الدليل، فالشيعة لم ينسبوها لأحد، حتى ولا لأئمتهم، كما جرت العادة عندهم في نسبة الأقوال المكذوبة إليهم، ويرجع السبب في ذلك إلى صدور هذه الأقوال عن أناس معاصرين لم يجدوا في الكتب السابقة أقوالاً مكذوبة منسوبة إلى الأئمة تطعن في بعض الصحابة، فاقتضت الضرورة أن يدلوا بدلوهم مقلدين سلفهم ومن سبقهم من علمائهم الوضاعين، فيخترعوا ما يرونه مناسباً من قصص ملفقة أو تهم مزورة، ثم يطلقونها جزافاً على الصحابة بمجموعهم أو بأعيانهم، كما حدث في اتهام الصحابة بأنهم أبناء زنا، وفي غير ذلك من الاتهامات.
وهذا يرشد القارئ اللبيب إلى أن أمثال هذه المطاعن قد صدرت عن هوى وأغراض شخصية، ومن هنا احترز أئمة الجرح التعديل في الرواية عن المبتدعة، سيما إذا رووا ما يقوي بدعتهم.
والشيعة -وخاصة المعاصرون منهم- والذين طعنوا في عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إنما وجهوا هذه المطاعن إلى من فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه عندما أسلم، وأخبر بصدق إسلامه، وأثنى عليه بعد ذلك ووصفه بالصلاح:
فقد روى الترمذي وأحمد وغيرهما بأسانيدهم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص}([53]).
وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن عمراً -رضي الله تعالى عنه- لما جاء مسلماً جاء مصدقاً بقلبه ولسانه، راغباً في العمل الصالح، طامعاً في المغفرة من ربه.
وقد طلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه ذات يوم فلما جاءه قال له: {يا عمرو! إني أريد أن أبعثك وجهاً فيسلمك الله ويغنمك، أرغب لك من المال رغبة صالحة. قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني لم أسلم رغبة في المال وإنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك. قال: يا عمرو! نعماً بالمال الصالح للمرء الصالح}([54]).
وهذا الحديث يدل على إيثار عمرو لما عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، ويبين أنه -رضي الله عنه- لم يسلم رغبة في حطام الدنيا الفانية وإنما رغبة في الثواب والأجر من الله، وطمعاً في مرضاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يرد على من زعم من الشيعة أن عمراً كان طالباً للدنيا رافضاً للآخرة.
ولقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته فقال فيه: {إن عمرو بن العاص من صالح قريش}([55]).
وفيه وفي ابنه عبد الله وفي أم ولده عبد الله قال صلى الله عليه وسلم: {نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله}([56]).
فرحم الله الصحابي الجليل عمرو بن العاص ورضي عنه، وعامل بعدله شانئيه ومبغضيه.
ثالثاً: الشيعة يقولون عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: إنه سيف الشيطان المشلول:-
ينكر الشيعة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصف خالداً -رضي الله عنه- بأنه سيف من سيوف الله، ويزعمون أن هذه التسمية أتته من قبل أهل السنة، ويقولون: لو أن أهل السنة أنصفوا لسموه سيف الشيطان المشلول:
فهذا مقاتل بن عطية، وهو من علمائهم يقول عن خالد: (إنه سيف الشيطان المشلول) ويزعم أن أهل السنة لقلة إنصافهم سموه بسيف الله المسلول، ثم يذكر سبب تسميتهم له بذلك فيقول: (حيث إنه كان عدواً لعلي بن أبي طالب... سماه بعض السنة بسيف الله)([57]).
وبنحو قول مقاتل هذا قال الحلي([58]). -وهو من علماء الشيعة أيضاً-.
ويرد عليهما بما يلي:
إن تسمية خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بسيف الله لم تأت من قبل أهل السنة، وأول من سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان بدء تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم له بذلك في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة([59]). فقد روى البخاري وغيره بأسانيدهم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: {إن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيداً، وجعفراً، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب –وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان-. حتى أخذ سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم} وفي رواية: - {حتى أخذها سيف من سيوف الله؛ خالد..}([60]).
ولقد كرر رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاق هذه التسمية على خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في غير ما موضع، فمن ذلك: قوله -عليه السلام-: {نعم عبد الله، وأخو العشيرة خالد بن الوليد، وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين}([61]). ولما بلغه -صلوات ربي وسلامه عليه- أن أحد الصحابة تكلم في خالد، قال صلى الله عليه وسلم: {لا تؤذوا خالداً، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار}([62]).
وهذا الحديث حجة على الشيعة الذين يطعنون على خالد، ويسبونه، ويؤذونه بشتى أنواع الأذى.
فأهل السنة لم يسموا خالداً بسيف الله ابتداءً، بل أول من سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أطلق أهل السنة هذا اللقب على سيف الله اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهناك مطاعن أخرى كثيرة مكذوبة نسجها الشيعة على منوال هذه المطاعن، ووجهوها إلى عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخيار، لكن التزامي الإيجاز في هذا الكتاب حال دون إيراد تلك المطاعن.
-----------------
([1]) منهاج الكرامة للحلي (ص: 116).
([2]) منهاج الكرامة للحلي (ص: 114)، وإحقاق الحق للتستري (ص: 266)، وعقائد الإمامية الإثني عشرية للزنجاني (3/61).
([3]) نفحات اللاهوت للكركي (ق: 14/ب-15/أ، 26/ب).
([4]) في ظلال التشيع لمحمد علي الحسني (ص: 286).
([5]) مقدمة مرآة العقول لمرتضى العسكري (1/38).
([6]) الصراط المستقيم للبياضي (3/50).
([7]) منهاج الكرامة للحلي ص: (116).
([8]) تنقيح المقال للمامقاني (3/222).
([9]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (20/15).
([10]) الشافي للمرتضى (ص: 287)، وتلخيص الشافي للطوسي (ص: 462).
([11]) الإيضاح للفضل بين شاذان (ص: 43)، والخصال للصدوق (2/457-460)، والملاحم لابن طاوس (ص: 90)، وسعد السعود له (ص: 133)، والصراط المستقيم للبياضي (3/50)، والكشكول لحيدر الآملي (ص: 200)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/740)، ومقدمة البرهان لأبي الحسن العاملي (ص: 263، 341)، وأصل الشيعة وأصولها لكاشف الغطاء (ص: 45-47).
([12]) المصباح للكفعمي (ص: 552)، والشيعة والحاكمون لمحمد جواد مغنية (ص: 39)، وأبو طالب مؤمن قريش للخنيزي (ص: 51).
([13]) الجمل للمفيد (ص: 49)، ومنهاج الكرامة للحلي (ص: 116)، والكشكول للآملي (160)، والشيعة في الميزان لمغنية (ص: 255).
([14]) نقله البحراني في البرهان (4/477-478).
([15]) الاختصاص للمفيد (ص: 344).
([16]) بصائر الدرجات الكبرى للصفار (ص: 304-307)، والاختصاص للمفيد (ص: 275-277)، وانظر: الخرايج والجرايح للراوندي (ق: 134)، ومختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 111)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/491، 740)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 203-204)، وحق اليقين لشبر (2/89).
([17]) المصادر الشيعية السابقة نفسها.
([18]) نفس المصادر.
([19]) مختصر بصائر الدرجات للحلي (ص: 29)، والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي (ص: 363 -364).
([20]) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (3/395)، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (4/428-429، 436-439)، والبداية والنهاية لابن كثير (8/ 118)، والإصابة لابن حجر العسقلاني (3/433)، وتطهير الجنان لابن حجر الهيتمي (ص: 8-11).
([21]) المصادر السابقة نفسها.
([22]) نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (8/118)، والحافظ ابن حجر في الإصابة (3/433).
([23]) الصراط المستقيم للبياضي (3/46).
([24]) منهاج السنة النبوية (4/384).
([25]) راجع في ذلك: تاريخ الطبري (6/179)، وتاريخ الخليفة (1/77)، والوزراء والكتاب للجهشياري (ص: 12)، وتجارب الأمم لابن مسكوية (1/291)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (4/385)، والبداية والنهاية لابن كثير (5/350)، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم للأعظمي (ص: 103-105).
([26]) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. جامع الترمذي (5/687) كتاب المناقب، باب مناقب معاوية.
([27]) روى الحديث بأسانيد متعددة يعضّد بعضها البعض وتصل بالحديث إلى درجة الحسن لغيره-كما ذكر ذلك محقق كتاب فضائل الصحابة-. (انظر: فضائل الصحابة لأحمد (2/913-915)، ومسند أحمد (4/127)، وتاريخ الفسوي (2/345)، والاستيعاب لابن عبد البر (3/401).
([28]) انظر مثلا: الاختصاص للمفيد (ص: 131)، والمصباح للكفعمي (ص: 484 – 485)، وكشف الغمة للإربلي (1/563)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق: 26 /ب)، والرجعة للأحسائي (ص: 195).
([29]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (20/35).
([30]) الاعتقادات للمجلسي (ق: 17).
([31]) مراده من آكلة الأكباد: هند بنت عتبة، أم معاوية؛ لأنها لاكت كبد حمزة يوم أحد..
([32]) المصباح للكفعمي (ص: 484).
([33]) الصارم المسلول لابن تيمية (ص: 568).
([34]) الصارم المسلول لابن تيمية (ص: 568).
([35]) الطائفي نزيل مكة. روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه نحواً من ستين حديثاً أو أكثر. قال فيه سفيان الثوري: -لم تر عيناك والله مثله- (كان من أوثق الناس وأصدقهم)، وقد أجمع العلماء على ثقته وعدله وضبطه. (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/133)، وتقريب التهذيب لابن حجر (1/172)).
([36]) الاستيعاب لابن عبد البر (3/403)، والصارم المسلول لابن تيمية (ص: 569).
([37]) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص: 43).
([38]) الشيعة والحاكمون لمحمد جواد مغنية (ص: 53)، وانظر: عقائد الإمامية للزنجاني (3/66).
([39]) الشيعة والحاكمون لمحمد جواد مغنية (ص: 53).
([40]) الدرجات الرفيعة للشيرازي (ص: 160).
([41]) أضواء على خطوط محب الدين للأنصاري (ص: 81).
([42]) من أراد الاطلاع على ذلك فليراجع كتابي: موقف الشيعة الإثني عشرية من الصحابة رضي الله عنهم.
([43]) أطلق عليه هذا اللقب: محمد جواد مغنية، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: الشيعة والحاكمون (ص: 39).
([44]) وصفه بهذه الصفة محمد علي الحسني، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: في ظلال التشيع (ص: 188).
([45]) سماه بهذا الاسم محمد علي الحسني، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه في ظلال التشيع (ص: 212).
([46]) سماه بهذا الاسم إبراهيم الموسوي الزنجاني، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: عقائد الإمامية الإثني عشرية (3/111).
([47]) وصفه بهذه الصفة الكفعمي في كتابه المصباح (ص: 552).
([48]) قال ذلك المرتضى في كتابه: الشافي في الإمامة (ص: 240).
([49]) أطلق عليه ذلك من سمى نفسه بالأنصاري، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: أضواء على خطوط محب الدين العريضة (ص: 112).
([50]) وصفه بهذا الوصف الملقب بالصدوق في كتابه: الخصال (2/457).
([51]) وصفه بهذه الصفة محمد علي الحسني، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: في ظلال التشيع (ص: 132).
([52]) اتهمه بذلك محمد جواد مغنية، وهو من الشيعة المعاصرين في كتابه: الشيعة والحاكمون (ص: 53).
([53]) قال محقق فضائل الصحابة إسناده صحيح. انظر: جامع الترمذي، (5/687) مناقب الصحابة باب: ومن مناقب عمرو بن العاص، وفضائل الصحابة لأحمد (2/912)، وأسد الغابة لابن الأثير (4/117).
([54]) أخرجه أحمد في المسند (4/202)، وفي الفضائل (2/912) - وقال محققه: إسناده صحيح، والحاكم في المستدرك (2/2) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
([55]) أخرجه الترمذي في جامعه (5/688) كتاب المناقب، باب ومن مناقب عمرو، وأحمد في المسند (1/161)، وفي فضائل الصحابة (2/911، 912، 913)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (9/354).
([56]) أخرجه الترمذي في جامعه (5/688) كتاب المناقب باب: ومن مناقب عمرو، وأحمد في المسند (1/161)، وفي فضائل الصحابة (2/911، 912، 913)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (9/354).
([57]) مؤتمر علماء بغداد لمقاتل بن عطية (ص: 60).
([58]) منهاج الكرامة للحلي (ص: 115).
([59]) مؤتة قرية بأرض الشام، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها بعثاً سنة ثمان من الهجرة -مغازي عروة بن الزبير (ص: 204)، ومراصد الاطلاع للبغدادي (3/1330)-.
([60]) صحيح البخاري (5/103) كتاب فضائل الصحابة باب مناقب خالد بن الوليد و(5/294) كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة، ومسند أحمد (3/113، 117- 118)، (5/299،300-301)، والحديث مروي أيضاً عن أبي قتادة الأنصاري وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. -انظر: مسند أحمد (ط الحلبي- 5/299 و300-301) -و (ط المعارف - 3/192-194)، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير (4/251-252)، ومجمع الزوائد للهيثمي (9/349).
([61]) الحديث مروي عن أبي بكر الصديق وأبي عبيدة بن الجراح وأبي هريرة رضي الله عنهم. فحديث أبي بكر أخرجه أحمد في المسند (1/8)، وفي فضائل الصحابة (2/ 815 -816) وقال المحقق: إسناده حسن، والطبراني في المعجم الكبير (4/120)، وابن سعد في الطبقات (7/418)، والحاكم في المستدرك (3/298)، وانظر: الاستيعاب لابن عبد البر (1/408)، والإصابة لابن حجر (1/474)، ومجمع الزوائد للهيثمي (9/348)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 433)، وحديث أبي عبيدة أخرجه أحمد في مسنده (4/90) بإسناد قال عنه الشوكاني: رجاله رجال الصحيح، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (9/348)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 433 – 434)، وحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي في جامعه وقال: حسن غريب (5/687) كتاب المناقب باب من مناقب خالد.
([62]) فضائل الصحابة لأحمد (2/815، 817، وطبقات ابن سعد (7/395)، والمعجم الكبير للطبراني (4/121)، والمستدرك للحاكم (3/298)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (9/349)، ودر السحابة للشوكاني (ص: 434).
-------------
وخلاصة ما تقدم
أن الشيعة الإثني عشرية سلفهم وخلفهم على عقيدة واحدة في الصحابة -رضي الله عنهم- من حيث القول بكفرهم، وارتدادهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حيث توجيه المطاعن المفتراة إلى ساداتهم وخيارهم:
فقد قالوا بكفر الشيخين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وكفر عثمان، وكفر بقية العشرة المبشرين بالجنة -عدا علي -.
ولم يكتفوا بهذا، بل نسبوا الصديقة بنت الصديق عائشة إلى الفاحشة، وأنكروا أن تكون آيات البراءة قد نزلت في شأنها.
واتهموا بقية الصحابة، وطعنوا في صدق إيمانهم، واستطالوا على أعراضهم، وزعموا أن بعضهم من أبناء الزنا، ومن يطالع كتبهم، ويطلع على ما كتبوه في ذلك يجد العجب العجاب.
ولا ريب أن أئمة أهل البيت الطيبين الطاهرين بريئون كل البراءة من كل ما ألصقه بهم الشيعة الإثنا عشرية من أكاذيب وترهات زعموا أنها صدرت منهم في حق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يحبون الصحابة ويحترمونهم وينزلونهم المنزلة التي أنزلهم الله تعالى إياها ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وينبغي على الشيعة علمائهم وعوامهم -إن كانوا يحبون أهل البيت- أن يحبوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان يحبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحبهم أهل بيته الطيبون الطاهرون -رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين-، فإنما تعلم المحبة بالاتباع.
قال الشاعر:
لو كان حبُك صادقاً لأطعته إن المحب لمن أحب مطيـع
وفي الختام: أنقل إلى كل شيعي غرر به، وهو في باطنه محب لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم نصيحة صادقة خاطب الإمام الشوكاني -رحمه الله- من خلالها العقول، بعد ما نقل إجماع أهل البيت من اثني عشر طريقاً على تحريم سب الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وتحريم التكفير والتفسيق لأحد منهم، يقول فيها -رحمه الله-: (فيا من أفسد دينه بذم خير القرون، وفعل بنفسه ما لا يفعله المجنون! إن قلت: اقتديت في سبهم بالكتاب العزيز. كذبت في هذه الدعوى؛ من كان له في معرفة القرآن أدنى تبريز، إنه مصرح بأن الله -جل جلاله- قد رضي عنهم، ومشحون بمناقبهم، ومحاسن أفعالهم، ومرشد إلى الدعاء لهم، وإن قلت: اقتديت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المطهرة قام في وجه دعواك الباطلة ما في كتب السنة الصحيحة من مؤلفات أهل البيت وغيرهم من النصوص المصرحة بالنهي عن سبهم، وعن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنهم خير القرون، وأنهم من أهل الجنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو راضٍ عنهم، وما في طي تلك الدفاتر الحديثية من ذكر مناقبهم الجمة كجهادهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيعهم نفوسهم وأموالهم من الله، ومفارقتهم الأهل والأوطان، والأحباب والأخدان طلباً للدين وفراراً من مساكنة الجاحدين، وكم يعد العاد من هذه المناقب التي لا تتسع لها إلا مجلدات، ومن نظر في كتب السير والحديث عرف من ذلك ما لا يحيط به الحصر، وإن قلت أيها الساب لخير هذه الأمة من الأصحاب: إنك اقتديت بأئمة أهل البيت في هذه القضية الفظيعة، فقد حكينا لك في هذه الرسالة إجماعهم على خلاف ما أنت عليه من تلك الطرق..)([1]). إلى آخر ما قال رحمه الله في ذلك المصنف القيم.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك عل سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والحمد لله رب العالمين.
(27-ذو القعدة-1410هـ).
----------
([1]) إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي (ق: 4/ب).
-----------
ثبت المصادر
ثبت المصادر السنية:-
- الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين: لابن عساكر الشافعي. دار الفكر، دمشق، سوريا، ط1، 1406هـ- 1986م.
- إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي صلى الله عليه وسلم: للشوكاني. مخطوط يوجد في جامعة الملك سعود، في الرياض.
- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر. ط مطبعة دار الفكر، بيروت، لبنان.
- أسد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الأثير الجزري. مطبعة الشعب بالقاهرة، مصر.
- الإصابة في تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلاني، ط دار الفكر، بيروت، لبنان.
- أنساب الأشراف: للبلاذري؛ أحمد بن يحيى بن جابر. نشر مكتبة المثنى، بغداد، العراق.
- البداية والنهاية: لابن كثير الدمشقي. تصوير مكتبة المعارف، بيروت، 1977م.
- بغية المرتاد: لابن تيمية. تحقيق: د/ موسى الدويش. نشر مكتبة العلوم والحكم، ط1، 1408هـ- 1988م.
- تاريخ خليفة بن خياط. ط دار القلم، دمشق، 1397هـ- 1977م، تحقيق: د/ أكرم ضياء العمري.
- تاريخ الطبري. نشر دار المعارف بمصر. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
- تاريخ دمشق: لابن عساكر. مخطوط مصور في الجامعة الإسلامية يحمل الرقم (1343).
- تاريخ الفسوي: محمد بن يعقوب الفسوي.
- تاريخ المدينة المنورة: لابن شبه. ط دار الأصفهاني للطباعة، جدة، السعودية، ط2، 1393م. تحقيق: فهيم شلتوت.
- التاريخ: ليحيى بن معين. طبع مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1399هـ- 1979م.
- تذكرة الحفاظ: للذهبي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان: لابن حجر الهيتمي. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1405هـ- 1985م.
- تفسير القرآن العظيم: لابن كثير. دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1380هـ- 1969.
- تقريب التهذيب: لابن حجر العسقلاني. ط دار الرشيد، حلب، سوريا، ط1، 1406هـ. قدم له وقابله بالأصل: محمد عوامة.
- تلخيص المستدرك للذهبي (بهامش كتاب المستدرك للحاكم) نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا.
- تهذيب التهذيب: لابن حجر العسقلاني. تصوير دار صادر بيروت عن ط1 بمطبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الدكن، 1327هـ.
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي. نسخة مصورة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية. تصوير: دار المأمون للتراث، دمشق- بيروت، ط1، 1402هـ- 1982م.
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن: للطبري. مطبعة البابي الحلبي، مصر، ط3، 1388هـ- 1968م.
- جامع الترمذي. ط مطبعة البابي الحلبي بمصر، ط2، 1977م. تحقيق: أحمد محمد شاكر.
- الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم. تصوير دار الفكر، بيروت. عن ط1 بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، 1361هـ- 1924م.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني. تصوير دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1387هـ- 1967م.
- الخطوط العريضة: لمحب الدين الخطيب. ط القاهرة- مصر.
- در السحابة في مناقب القرابة والصحابة: للشوكاني. ط دار الفكر، دمشق، ط1، 1404هـ- 1984م.
- ديوان الضعفاء: للذهبي. نشر مكتبة النهضة الحديثة. ط2، 1409هـ. تحقيق: الشيخ حماد الأنصاري.
- الذرية الطاهرة النبوية: للدولابي. ط الدار السلفية، الكويت، ط1، 1407هـ- 1986م. تحقيق: سعد المبارك الحسن.
- ذيل ديوان الضعفاء: للذهبي. نشر مكتبة النهضة الحديثة. ط1، 1406هـ. تحقيق: الشيخ حماد الأنصاري.
- رسالة في الرد على الرافضة: للشيخ محمد بن سليمان التميمي. ط مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ط2، 1400هـ. تحقيق: ناصر بن سعد الرشيد.
- الروض الأنيق في إثبات إمامة أبي بكر الصديق. مخطوط مصور عن المكتبة البلدية بالإسكندرية.
- الرياض النضرة في مناقب العشرة: للمحب الطبري. ط دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1405هـ- 1984م.
- سراب في إيران: للدكتور أحمد الأفغاني.
- سلسلة الأحاديث الصحيحة: للألباني. ط المكتب الإسلامي، ومكتبة المعارف.
- السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين: للمحب الطبري. مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1402هـ- 1983م.
- سنن أبي داود. الناشر: حمص، سوريا. ط1، 1388هـ- 1969م. تحقيق: عزت عبيد الدعاس.
- سنن ابن ماجة: ط عيسى البابي الحلبي، القاهرة. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
- سنن النسائي: نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا. مصورة عن الطبعة الأولى المصرية سنة 1348هـ- 1930م. طبعة أولى مفهرسة.
- السيرة النبوية لابن كثير ط دار الفكر، بيروت، لبنان. ط2 1398هـ- 1978م. تحقيق: مصطفى عبد الواحد.
- السيرة النبوية لابن هشام: ط مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط2، 1375هـ. تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي.
- شرح الكوكب المنير: للحنبلي. تحقيق: د محمد الزحيلي، و د نزيه حماد، دار الفكر، دمشق- سوريا.
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للقاضي عياض. ط دار الفكر، بيروت- لبنان.
- الصارم المسلول على شاتم الرسول: لابن تيمية. ط عالم الكتب، بيروت، 1402هـ- 1982م. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
- الصحاح: للجوهري. ط2، 1402هـ- 1982م. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار.
- صحيح البخاري: تصوير عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط2، 1402هـ- 1982. مصورة عن الطبعة المصرية المنيرية.
- صحيح الجامع الصغير: للألباني. ط المكتب الإسلامي، ط2، 1406هـ- 1986م.
- صحيح مسلم. ط دار إحياء التراث العربي. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
- الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: لابن حجر الهيتمي. ط دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1405هـ- 1985م.
- الضعفاء: للعقيلي. ط دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1404هـ- 1984م. تحقيق: عبد المعطي القلعجي.
- ضعف الجامع الصغير: للألباني. ط المكتب الإسلامي. ط3، 1406هـ- 1986م.
- طبقات خليفة بن خياط. ط مطبعة العاني، بغداد، العراق، ط1، 1387هـ- 1967م. تحقيق: د/ أكرم ضياء العمري.
- طبقات ابن سعد: ط دار صادر، بيروت، لبنان، 1376هـ- 1957م. نشر دار بيروت.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لابن حجر العسقلاني. ط المكتبة السلفية. تصحيح وتعليق: الشيخ عبد العزيز بن باز.
- الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني: لأحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي. ط1، مصر، 1371م.
- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: للشوكاني. تصوير بيروت. نشر محفوظ العلي.
- فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل. ط مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط1، 1403هـ- 1983م. تحقيق: وصي الله بن محمد عباس.
- القاموس المحيط: للفيروز آبادي. منشورات عالم الكتب، بيروت، لبنان.
- الكامل في التاريخ: لابن الأثير. ط دار صادر، بيروت، لبنان، 1385هـ- 1965م.
- كتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم: د/ محمد مصطفى الأعظمي. ط شركة الطباعة السعودية، الرياض، ط3، 1401هـ- 1981م.
- كشف الأستار عن زوائد البزار: للهيثمي. تصوير مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
- الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي. ط القاهرة، مصر.
- لسان العرب: لابن منظور الإفريقي. ط دار صادر، بيروت، لبنان، 1388هـ.
- لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني. تصوير مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان.
- لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة: للزبيدي. نشر دار الباز، مكة المكرمة.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي. نشر دار الكتاب، بيروت، لبنان. مصورة عن ط2= 1967م.
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي.
- المحكم والمحيط الأعظم: لابن سيده. نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، ط1، 1377هـ- 1958م. تحقيق: السقا، وحسين نصار.
- مرآة الجنان وعبر اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان: لليافعي. تصوير مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت، عن ط2، 1390هـ- 1970م.
- مراصد الإطلاع: لصفي الدين البغدادي. طبعة عيسى البابي الحلبي، 1373هـ- 1954م.
- المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري. نشر: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل: ط الحلبي، القاهرة، 1313هـ. نشر دار صادر، بيروت، لبنان.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل. ط المعارف، القاهرة، 1365- 1374هـ/ 1946- 1955م. تحقيق: الأستاذ أحمد شاكر.
- المعجم الكبير: للطبراني. ط وزارة الأوقاف العراقية بالدار العربية للطباعة ببغداد. ط1، 1399هـ- 1979م. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.
- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف: رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين. ونشره د. أ. ي. ونستك. ط 1936م، مكتبة بريل في مدينة ليدن.
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: وضعه محمد فؤاد عبد الباقي. نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
- المعجم الوسيط لمجموعة من الأساتذة. طبع مطابع دار المعارف بالقاهرة، 1392هـ- 1972م.
- المعرفة والتاريخ: ليعقوب بن سفيان الفسوي. مطبعة الإرشاد، بغداد، العراق، 1394هـ. تحقيق: د/ أكرم ضياء العمري.
- مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعروة بن الزبير. برواية الأسود عنه. نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض. تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي.
- منال الطالب: لابن الأثير الجزري. من مطبوعات جامعة أم القرى، مكة المكرمة.
- المنتقى من منهاج الاعتدال: للذهبي. ط المطبعة السلفية، القاهرة. تحقيق: الشيخ محب الدين الخطيب.
- منهاج السنة النبوية: لابن تيمية. ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط1، 1406هـ- 1986م. تحقيق د/ محمد رشاد سالم.
- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: للهيثمي. تحقيق: عبد الرزاق حمزة. ط دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان.
- الموطأ: للإمام مالك. ط عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1370هـ- 1951م. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
- ميزان الاعتدال: للذهبي. تصوير دار المعرفة، بيروت، لبنان، عن ط1، 1382هـ- 1963م.
- النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب: لمحمد بن عبد الواحد المقدسي. مخطوط يوجد في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري، ويحمل الرقم 540.
ثبت المصادر الشيعية:-
- أبو طالب مؤمن قريش: لعبد الله الشيخ علي الخنيزي. من منشورات المكتب العالمي للتأليف والترجمة، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ط1، 1381هـ- 1961م. قدّم له النصراني: بولس سلامة.
- أحاديث أم المؤمنين: لمرتضى العسكري. دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1405هـ- 1985م.
- الاحتجاج: لأبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي. مطبعة سعيد، مشهد، إيران، نشر المرتضى، 1403هـ. تعليقات محمد باقر الموسوي. قدم له: محمد بحر العلوم.
- إحقاق الحق: لنور الله التستري. المطبعة المرتضوية في النجف، العراق، 1273هـ. طبعة حجرية، منسوخة بخط أبي القاسم الخوانساري.
- الأخبار الطوال: للدينوري.
- الاختصاص: للمفيد؛ محمد بن محمد بن النعمان. من منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1402هـ- 1982م. صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري.
- اختيار معرفة الرجال: لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. دانشكا، مشهد، إيران.
- الإرشاد: للمفيد. انتشارات كتاب فروشي إسلامية. طهران، إيران، 1351هـ.
- الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار: لمحمد بن الحسن الطوسي. نشر دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، 1390هـ. مطبعة النجف في النجف 1375هـ. يقع في أربعة مجلدات. حققه وعلق عليه: حسن الموسوي الخراساني.
- الاستغاثة في بدع الثلاثة: لأبي القاسم علي بن أحمد الكوفي. خال من تاريخ الطبع، ومكانه.
- الأشعثيات: لأبي علي محمد بن محمد الأشعث الكوفي. إصدار مكتبة نينوى الحديثة، طهران، إيران.
- أصل الشيعة وأصولها: لمحمد حسين كاشف الغطاء. المطبعة العربية بالقاهرة، ط10، 1377هـ- 1958م. قدم له: مرتضى العسكري.
- الأصول من الكافي: للكليني. المطبعة الإسلامية، ط طهران – إيران، 1388هـ.
- أضواء على خطوط محب الدين العريضة: لعبد الواحد الأنصاري. خال من مكان الطبع، وتاريخه.
- الاعتقادات: لمحمد باقر المجلسي. مخطوط، يوجد في مكتبة رضا لايبراري، رامبور، الهند، يحمل الرقم 1915.
- إعلام الورى بأعلام الهدى: لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي. دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1399هـ- 1979م. صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري.
- الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: لمحمد بن الحسن الطوسي. مطبعة الآداب في النجف، العراق، 1399هـ- 1979م.
- إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة: لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقّب بالصدوق. المطبعة الحيدرية، النجف، العراق، ط1، 1389هـ- 1970م. قدّم له السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخراساني.
- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: لعلي اليزدي الحائري. مؤسسة مطبوعاتي حق بين، قم، إيران. من منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط4، 1397هـ- 1977م.
- الأمالي لابن بابويه القمي: المعروف بالصدوق. انتشارات كتاب خانه إسلامية، طهران، إيران، 1362هـ.
- الأمالي: لمحمد بن الحسن الطوسي. مطبعة النعمان، النجف، العراق، 1384هـ- 1964م.
- الأمالي: للمفيد. منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم، إيران، المطبعة الإسلامية، 1403هـ. تحقيق: الحسين أستاد ولي، وعلي أكبر الغفاري.
- أمل الآمل في تراجم جبل عامل: لمحمد بن الحسن الحر العاملي، مطبعة نمونة، قم، إيران. نشر دار الكتاب الإسلامي، قم، إيران.
- الانتفاضات الشيعية: لهاشم معروف الحسيني.
- الأنوار النعمانية: لنعمة الله الموسوي الجزائري. مطبعة شركة جاب، تبريز، إيران.
- أوائل المقالات في المذاهب والمختارات: للمفيد. مكتبة الداوري، قم، إيران، ط2، 1371هـ.
- الإيضاح: للفضل بن شاذان الأزدي. منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، ط1، 1402هـ- 1982م.
- الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: للحر العاملي. انتشارات نويد، إيران، 1362هـ. صححه هاشم الرسولي المحلاتي.
- بحار الأنوار الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار: لمحمد باقر المجلسي. دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط3، 1403هـ- 1983م. وقد طبع على نفقة: دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران.
- البرهان في تفسير القرآن: لهاشم بن سليمان الحسيني البحراني. المطبعة العلمية، قم، إيران، ط2 وط3، 1393هـ. يقع في أربع مجلدات.
- بصائر الدرجات الكبرى: لمحمد بن الحسن الصفار. طبع في مطبعة الأحمدي، طهران. من منشورات الأعلمي، طهران، 1342 ش – 1404ق.
- بيان غيبة حضرت إمام موعود: لمحمد علي كرئلائي – مخطوط – من مكتبة رضا – الهند -.
- تاريخ اليعقوبي: لأحمد بن أبي يعقوب. دار صادر، بيروت، لبنان.
- تجريد الاعتقاد: لنصير الدين الطوسي. منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط1، 1399هـ- 1979م.
- تحفة العوام مقبول: لمنظور بن حسين. مطبوعة حيدري بريس، لاهور، باكستان.
- تفسير الصافي: لمحسن الفيض الكاشاني. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط1، 1399هـ- 1979م.
- تفسير العياشي: لمحمد بن مسعود بن عياش. المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، إيران. صححه وعلق عليه: هاشم الرسولي المحلاتي.
- تفسير فرات الكوفي: لفرات بن إبراهيم الكوفي. المطبعة الحيدرية، النجف، العراق. من منشورات مكتبة الداوري، قم، إيران.
- تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي. مطبعة النجف، العراق. منشورات مكتبة الهدى. صححه وعلق عليه وقدم له: السيد طيب الموسوي الجزائري. يقع في مجلدين. وهذه التي أشرت إليها بـ (الطبعة الحديثة).
- تفسير القمي. ط حجرية بخط اليد، طهران، إيران، 1313هـ.
- تلخيص الشافي: لمحمد بن الحسن الطوسي. طبعة حجرية مكتوبة بخط اليد. نسخها مير أبو القاسم بن مير محمد صادق الخوانساري. فرغ من نسخها في شهر رجب، سنة 1301هـ. طهران، إيران.
- تنقيح المقال في علم الرجال: لعبد الله المامقاني. طبعة حجرية منسوخة بخط اليد. يقع في ثلاث مجلدات.
- جامع الأخبار: لمحمد بن محمد الشعيري. مطبعة أمير قم، ومنشورات الرضى، قم، إيران، ط2، 1363هـ.
- جلاء العيون: لمحمد باقر المجلسي –باللغة الفارسية-.
- الجمل = النصرة في حرب البصرة: للمفيد. منشورات مكتبة الداوري، قم، إيران، ط3.
- حق اليقين في معرفة أصول الدين: لعبد الله شبر. دار الكتاب الإسلامي. لبنان. ط1 1404هـ- 1983م. مجلدان.
- حق اليقين: لمحمد باقر المجلسي. انتشارات علمية إسلامية، بازار شيرازي، جنب نوروز خان، إيران.
- الحكومة الإسلامية: للخميني. منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى. إيران.
- حياة القلوب: للمجلسي.
- الخرايج والجرايح: للقطب الراوندي. مكتوبة على الحجر.
- الخصال: للصدوق. الناشر: مكتبة الصدوق، طهران، جنب مسجد سلطاني، إيران. 1389هـ. ق- 1348هـ. ش.
- دائرة المعارف الشيعية: لمحمد حسن الأعلمي. من مطبوعات إيران.
- الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: لصدر الدين علي خان الشيرازي الحسيني. منشورات مكتبة بصيرتي، قم، 1397هـ. قدّم له: محمد صادق بحر العلوم.
- دلائل الإمامة: لأبي جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري. منشورات المطبعة الحيدرية ومكتبتها في النجف- العراق. 1383هـ- 1963م.
- الذريعة إلى تصانيف الشيعة: لآغا بزرك الطهراني. دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط3، 1403هـ- 1983م. يقع في ثمانية وعشرين مجلداً.
- رجال الحلي: لابن المطهر الحلي. طبع مطبعة الخيّام، قم- إيران، الناشر: مكتبة الرضى، قم، إيران، والمطبعة الحيدرية في النجف، العراق، ط2، 1381هـ- 1961م. تحقيق: محمد صادق بحر العلوم.
- رجال الطوسي: لمحمد بن الحسن الطوسي. المطبعة الحيدرية، النجف، العراق، ط1، 1380هـ- 1961م.
- رجال النجاشي= فهرست أسماء مصنفي الشيعة.
- الرجعة: لأحمد زين الأحسائي. من مطبوعات إيران. نشر: مكتبة العلامة الحائري العامة، كربلاء، ط الثانية.
- روضات الجنات: للخوانساري. تحقيق: أسد الله إسماعيليان. ط دار المعرفة، بيروت- لبنان.
- الروضة من الكافي: للكليني. طبعة حجرية بخط اليد على هامش المجلد الرابع من مرآة العقول للمجلسي. طهران، إيران، كتبت سنة 1354هـ.
- سعد السعود: لأبي القاسم علي بن موسى المعروف بابن طاوس، مطبعة أمير، قم، الناشر: مكتبة الرضى، قم، إيران، 1363هـ.
- السقيفة= كتاب سليم بن قيس: لسليم بن قيس الكوفي الهلالي العامري. منشورات دار الفنون للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1400هـ- 1980م.
- سيرة الأئمة الاثني عشر: لهاشم معروف الحسيني. دار القلم، بيروت، لبنان، ط3، 1981م. يقع في مجلدين.
- الشافي في الإمامة: لأبي القاسم علي بن الحسين بن موسى، المعروف بالشريف المرتضى. طبعة حجرية بخط اليد، كتبت في طهران، سنة 1354هـ. كتبها عباس الحائري.
- شرح الخطبة الشقشقية: لمحمد رضا الحكيمي. مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط1، 1403هـ- 1983م.
- شرح نهج البلاغة: لعبد الحميد بن أبي الحديد. دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، ط2، 1387هـ- 1967م. يقع في عشرين جزءاً في عشر مجلدات. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
- شرعة التسمية في زمن الغيبة: للسيد الداماد الحسيني. مخطوط يوجد في مكتبة (رضا)، رامبور، الهند. ويحمل الرقم (1927).
- الشعائر الحسينية: لحسن الشيرازي. دار الصادق، بيروت، لبنان.
- الشيعة في الميزان: لمحمد جواد مغنية. دار الشروق، بيروت، لبنان.
- الشيعة والحاكمون: لمحمد جواد مغنية. دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.
- الشيعة والرجعة: للطبسي النجفي. من مطبوعات النجف، مطبعة الحيدرية، 1375هـ- 1956م.
- الصافي في تفسير القرآن: للفيض الكاشاني. من منشورات المكتبة الإسلامية، طهران، إيران، نسخة خطية كتبها محمد علي التبريزي الغروي، سنة 1374هـ.
- صحيفة علوية: سيد مرتضى حسين صاحب فضل. مطبعة غلام علي، لاهور، باكستان.
- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم: لأبي محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي. مطبعة الحيدري. نشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، ط1، 1384هـ. صححه وعلق عليه: محمد الباقر البهبودي.
- الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: للتستري. طبع كتاب جان خانه، شركت سهامي، إيران، ط1، 1367هـ. عني بتصحيحه: جلال الدين الحسيني.
- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: لابن طاوس. مطبعة الخيام، قم، إيران، 1400هـ.
- عقاب الأعمال: للصدوق. نشر كتبي نجفي، قم، إيران، ومكتبة الصدوق، طهران، إيران. صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري.
- عقائد الإمامية الإثني عشرية: لإبراهيم الموسوي الزنجاني. مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، 1402هـ- 1982م. يقع في ثلاث مجلدات.
- عقد الدرر في شرح بقر بطن عمر: (د.م). مخطوط يوجد في مكتبة (رضا)، رامبور، الهند، يحمل الرقم (2003).
- علم اليقين في أصول الدين: للفيض الكاشاني. خال من مكان الطبع وتاريخه.
- عين الحياة: لمحمد باقر المجلسي. انتشارات قائم، طهران، إيران.
- عيون أخبار الرضا: للصدوق. الناشر: رضا مشهدي، شهريور، إيران، 1363هـ.
- عيون المعجزات: لحسين عبد الوهاب. المطبعة العلمية في قم، إيران.
- الغارات = الاستنفار والغارات: لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي. دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط1، 1407هـ- 1987م. حققه وعلق عليه: عبد الزهراء الخطيب.
- الغيبة: لمحمد بن الحسن الطوسي. مطبعة النعمان، النجف، العراق، منشورات مكتبة بصيرتي، قم، إيران، 1385هـ.
- فرق الشيعة: لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي. المطبعة الحيدرية، النجف، العراق. علق عليه: محمد صادق آل بحر العلوم.
- الفروع من الكافي: للكليني. مطبوع على هامش مرآة العقول للمجلسي. طبعة حجرية مكتوبة بخط اليد سنة 1354، طهران، إيران.
- فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب: لحسين بن محمد تقي النوري الطبرسي. طبعة حجرية، مكتوبة بخط اليد سنة 1298هـ، إيران.
- الفصول المختارة من العيون والمحاسن: للمفيد. دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط4، 1405هـ- 1985م.
- الفصول المهمة في أصول الأئمة: للحر العاملي. منشورات مكتبة بصيرتي، قم، إيران، ط3.
- الفصول المهمة في معرفة الأئمة: لعلي بن محمد، الشهير بابن الصباغ. مطبعة العدل، النجف، العراق.
- الفهرست: لابن النديم. دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، لبنان، 1398هـ- 1978م.
- الفهرست: لمحمد بن الحسن الطوسي. منشورات المكتبة المرتضوية ومطبعتها، النجف، العراق، ومكتبة الشريف الرضي، قم، إيران. صححه وعلق عليه: محمد صادق آل بحر العلوم.
- فهرست أسماء مصنفي الشيعة: لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي. مكتبة الداوري، قم، إيران.
- في ظلال التشيع: لهاشم معروف الحسيني. مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط1، 1403هـ- 1983م.
- قرة العيون في المعارف والحكم: للفيض الكاشاني. الناشر: مكتبة الألفين، الكويت، ط2، 1399هـ.
- الكافي: للكليني. ويشتمل على الأصول، والفروع، والروضة. وهو مطبوع عدة طبعات، أشهرها طبعة دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران
- كشف الغمة في معرفة الأئمة: لأبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي. طبع المطبعة العلمية، قم، إيران، الناشر: مكتبة بني هاشم، تبريز، إيران، 1381هـ. علق عليه: هاشم الرسولي المحلاتي. يقع في مجلدين.
- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: لابن المطهر الحلي. منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، ط1، 1399هـ- 1979م. مع حواشي وتعليقات لإبراهيم الموسوي الزنجاني.
- الكشكول فيما جرى على آل الرسول: لحيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي. مطبعة أمير، قم، إيران، منشورات الرضى، قم، إيران، ط2، 1372هـ.
- كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: لأبي القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز القمي الرازي. مطبعة الخيام، قم، إيران، انتشارات بيدار، ط1، 1401هـ. حققه: عبد اللطيف بن علي أكبر الحسيني.
- الكنى والألقاب: لعباس القمي. المطبعة الحيدرية، النجف، العراق، ط2، 1389هـ- 1969م.
- مجمع البيان في تفسير القرآن: لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي. مطبعة العرفان، صيدا، لبنان، سنة 1333هـ، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، إيران، 1403هـ. يقع في خمس مجلدات.
- مختصر بصائر الدرجات: لحسن بن سليمان الحلي. انتشارات الرسول المصطفى، قم، خيابان، أرم باساز قدس. منشورات المطبعة الحيدرية في النجف، العراق، ط1، 1370هـ- 1950م.
- مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول؛ وهو شرح لكتاب الأصول والفروع والروضة من الكافي: لمحمد باقر المجلسي. طبعة حجرية مكتوبة بخط اليد سنة 1354هـ، طهران، إيران.
- مروج الذهب: للمسعودي. شرح وتقديم الدكتور: مفيد محمد قميحة. ط دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1406هـ- 1986م.
- مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين: لرجب البرسي. منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط10.
- مصباح الكفعمي= جنة الأمان الواقية، وجنة الإيمان الباقية لإبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الكفعمي. مطبعة أمير، قم، إيران. منشورات الرضى ومنشورات زاهدي. ط2، 1405هـ.
- معاني الأخبار: للصدوق. الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1399هـ- 1979م.
- معجم رجال الحديث: لأبي القاسم الموسوي الخوئي. منشورات مدينة العلم؛ آية الله العظمى الخوئي، قم، إيران، ط3، 1403هـ- 1983م. يقع في ثلاثة وعشرين مجلداً.
- مفاتيح الجنان: لعباس القمي. منشورات دار التربية، بغداد، العراق. عرَّبه: محمد رضا النوري النجفي.
- مفتاح الجنان. (د.م). نشر مكتبة الماخوزي، البحرين.
- المقالات والفرق: لسعد بن عبد الله القمي. مطبعة حيدري، طهران، إيران، 1963م. صححه وقدم له وعلق عليه: الدكتور محمد جواد مشكور.
- مقدمة تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار: لأبي الحسن بن محمد طاهر النباطي العاملي الفروي. وهي مقدمة على تفسير البرهان للبحراني. المطبعة العلمية، قم، إيران، ط3، 1393هـ.
- مقدمة مرآة العقول: لمرتضى العسكري. وهي مقدمة على مرآة العقول للمجلسي. طبع على نفقة مكتبة ولي العصر، طهران، إيران. الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران- إيران، 1398هـ. يقع في مجلدين.
- الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر: لابن طاوس. منشورات مطبعة الحيدرية، النجف، العراق، ط3.
- منار الهدى في النص على إمامة الأئمة الاثني عشر: لعلي البحراني. دار المنتظر، بيروت، لبنان، ط1، 1405هـ- 1985م. حققه وعلق عليه: عبد الزهراء الخطيب.
- مناقب آل أبي طالب: لمحمد بن علي بن شهر آشوب. المطبعة العلمية، قم، إيران. مؤسسة انتشارات علامة. يقع في ثلاث مجلدات.
- منهاج الكرامة في إثبات الإمامة: لابن المطهر الحلي. مطبوع مع منهاج السنة النبوية لابن تيمية. بتحقيق: محمد رشاد سالم.
- مؤتمر علماء بغداد: لمقاتل بن عطية. ط3، 1399هـ. وهو مخطوط في مكتبة راجا محمود آباد، بخط المؤلف. قام بطبعه ونشره: هداية الله المسترحمي الأصفهاني الجرقوني. قدّم لهذا الكتاب: شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي.
- الميزان في تفسير القرآن: لمحمد حسين الطباطبائي. ط مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، ط2، 1394هـ.
- النصرة في حرب البصرة: للمفيد= الجمل.
- نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت: لعلي بن عبد العالي العاملي الكركي. مخطوط يوجد في مكتبة (رضا) برامبور، الهند. تحمل الرقم (1998).
- نهج البلاغة: لأبي الحسن محمد بن الحسن، المعروف بالشريف الرضي. دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، ط3، 1983م. بتحقيق صبحي الصالح. (يقع في مجلد واحد).
- نهج البلاغة: للشريف الرضي، بتحقيق وشرح محمد عبده. ط دار الكتاب العربية. (يقع في مجلدين).
- الهداية: للصدوق. مخطوط يوجد في مكتبة الجمعية الآسيوية، كلكتا، الهند. ويحمل الرقم (22).
- الهداية الكبرى: للحسين بن حمدان الخصيبي. ط مؤسسة البلاغ، بيروت- لبنان، ط1، 1406هـ- 1986م.
- الهفت الشريف من فضائل مولانا جعفر الصادق (ع). رواية المفضل بن عمر الجعفي. دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط3، 1980م. تحقيق وتقديم: مصطفى غالب.
- وقعة صفين: لنصر بن مزاحم المنقري.
فضائل الصحابة وخطر الشيعة
الشيخ/ محمد حسان
** أسباب المقام الرفيع الذي اعتلاه الصحابة **
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فلا شك أن جيل الصحابة رضي الله عنهم أفضل الأجيال على الإطلاق، وأنهم خير الأمم بالنص القاطع من القرآن الكريم، حيث يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الصحابة رضي الله عنهم: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110].
والمتأمل في أسباب هذا المقام الرفيع الذي اعتلاه الصحابة رضي الله تعالى عنهم يجد أن هذا أمر يمكن في عظمة وجلالة المربي الذي رباهم صلى الله عليه وآله وسلم، فلك أن تتخيل! يعني: أي إنسان لو كان له شيخ عالم رباني يدله على الآخرة كيف يكون شعوره نحوه، فكيف إذا كان هذا المربي رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير من عبد الله، وخير من ربى؟! وهذا هو السبب الأول في تفضيل جيل الصحابة، أنهم ثمرة تربية وتنشئة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم، فهو خير النبيين، وأمته خير الأمم صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم.
أيضاً: ما كان يعلمه الصحابة رضي الله عنهم من الدين، كان يقترن في الواقع بالعمل بهذا العلم والثبات عليه، فمن ثم أثمر لهم ذلك، ما اتصفوا به من الصلاح والتقى والخير والفلاح.
ومن ذلك أيضاً أنهم آثروا الآخرة الرفيعة على هذه الدار الدنيا الوضيعة، فكانوا رضي الله تعالى عنهم في الآخرة راغبين، وفي الدنيا زاهدين، وأضف إلى هذا إيثارهم لبذل النفس لإعلاء كلمة التوحيد، ونشر هذا الدين الحميد، فكانوا رضي الله تعالى عنهم مؤثرين للجهاد، ونصبه على الراحة والدعة في حياتهم، ومؤثرين أنفسهم بشهادة الله عز وجل على الموت على فرشهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وقد امتدح الله تعالى أمة الصحابة قبل أن يخلقوا، وقبل أن يوجدوا في الكتب السابقة، وعلى ألسنة الأنبياء السابقين، فقال سبحانه وتعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ))[الفتح:29] فمدح ظاهرهم بقوله: (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) وامتدح وزكى باطنهم بأنهم يعبدون الله مخلصين لوجه الله لا رياء الناس: (( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ))[الفتح:29]، فهذه الآية وكذلك قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110] فهي بعمومها تشمل أمة المسلمين وأمة الإسلام كلهم، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم يدخلون فيها دخولاً أولياً؛ لأنهم هم المخاطبون أصالة بهذه الآيات الكريمات.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي الناس خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ...) إلخ الحديث، وهو حديث متفق عليه، وهو بلا شك نص في تفضيل الصحابة رضي الله عنهم على من جاء بعدهم، وكذا من سبقهم من غير الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي زمان يغزوا فئام من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح عليه، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح)، فهذا أيضاً مما يدل على فضيلة الصحابة رضي الله عنهم.
**من أصول أهل السنة تجاه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين**
ومن ثم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
وهذا هو محور كلامنا، أن هذا من أصول العقيدة، يعني: ضمن موقف أهل السنة من الصحابة رضي الله عنهم ذكر في جميع المتون أو المصنفات التي صنفت في العقيدة فهي تتناول أمهات مسائل الإيمان، فعقدوا في كل مؤلفات العقيدة فصولاً أو فصلاً حول مكانة الصحابة رضي الله عنهم، ومعلوم أن أصول أهل السنة والجماعة تعني أنه لا يخالفهم فيها إلا من كان من الفرق الضالة، من الفرق النارية، أما الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وأهل الحق فإنهم لا يحيدون عن هذا الأصل أبداً.
فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم رضي الله تعالى عنهم، كذلك يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: اتفق أهل السنة على أن الجميع –يعني: على أن جميع الصحابة- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. هذا مع إيماننا بأنهم ليسوا بمعصومين في الجملة من الذنوب والسيئات، وإنما الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم كلهم عدول كما هو معلوم من أصول أهل السنة والجماعة.
وقد أشرنا مراراً من قبل أن كتب العقيدة إنما تتناول المسائل التي حصل فيها تفرق في الجانبين عن الوسط الذي هو أهل السنة والجماعة، فمن انحرف عن السلف في أي قضية من القضايا التي تضمنتها كتب العقيدة أو متون العقيدة فيكون هو الخارج عن المنهج السوي والمعتدل والوسط وهو منهج أهل السنة والجماعة.
** موقف الرافضة من الصحابة والمسلمين **
ففي شأن الصحابة أيضاً هناك طرفان ووسط، فالوسط هو ما أسلفنا من مقام الصحابة وتعظيمهم، وإمساك الألسنة عن الخوض فيما شجر بينهم، وكذلك الاعتراف بفضلهم ومكانتهم، فإذا اتجهنا إلى أحد الطرفين نجد فرقة من الفرق الضالة هلكت في الصحابة، وهي فرقة الروافض وغلاة الشيعة قبحهم الله، يقول فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الرافضة أمة ليس لها عقل صريح ولا نقل صحيح -الرافضة هم الشيعة الهالكة- ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذباً وجهلاً، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة فيعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين فيوالونهم. وإذا استقرأنا التاريخ فسنأتي بشواهد كثيرة جداً من ذلك، ولذا كان الرافضة -قبحهم الله وخذلهم، ونكس راياتهم دائماً- في كل عداوة للمسلمين وأهل السنة كانوا ينضمون إلى أعدائهم من اليهود أو النصارى أو المشركين، والحديث يطول في ذلك، وله مقام آخذ، ولكن يكفي أن نعرف تآمرهم مع التتار من أ جل قتل الخليفة العباسي، وعلماء من علماء المسلمين وخيارهم، وتدمير الخلافة العباسية في بغداد وغير ذلك من جرائمهم، يكفي أن نشير إشارة عابرة إلى دور الحروب الصليبية، وتحالفهم مع الصليبيين ضد أهل السنة في الدولة الفاطمية هنا في مصر.
كذلك يكفي أن نراجع تاريخ الشيعة وتسببهم في منع انتشار الإسلام في أوروبا، فقد أوشك العثمانيون مرات ومرات على أن يفتحوا كل أوروبا، وعلى الأقل شرق أوروبا التي كانت تابعة لإمبراطورية النمسا، وكانوا قد تغلغلوا داخل قلب أوروبا حتى وصلوا النهر الذي هناك، وحصلت مقتلة عظيمة كاد المسلمون أن يغزوا عاصمة هذه الإمبراطورية، وفتحها كان سيكون تقريباً سبباً في دخول معظم أوروبا في الإسلام، فهم الذين تسببوا في تقهقر الخلافة وتراجعها فكانوا كلما وصل الخليفة العثماني بجيش إلى هذا الموقع الحساس يطعنونه في ظهره، ويهددون الاستانة مقر الخلافة، فيضطر إلى أن يقطع الجهاد للعودة إليهم ليطاردهم، فكانوا مستديمة دائماً في قلب أهل الحق، وفي قلب الإسلام.
والتاريخ يعيد نفسه، وشواهدهم ناطقة بذلك وصارخة.
يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والصحابة الذين تواليهم الرافضة نفر قليل بضعة عشر، وإما نحو ذلك، وأما العدد الأعظم من الصحابة فاستقدح فيهم الرافضة قبحهم الله؛ لأنهم يعتقدون أن عامة الصحابة قد ارتدوا، وصاروا مرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: يصفوا دين المسلمين بعبارات شنيعة جداً كزعمهم بأن أبا بكر وعمر هما صنما قريش وجبتاها وطاغوتاها، ويلعنون الصحابة ويعنون أبا بكر وعمر، ويلعنون أمهات المؤمنين، ويزعمون أن أبا بكر إنما صادف النبي عليه السلام؛ لأن كاهناً في الجاهلية أخبره بأنه سيخرج نبي، وأنك إن تقربت منه سوف تلي الحكم من بعده، إلى آخر هذه الأباطيل والخرافات التي يقوم عليها جل دينهم، فعامة دين النصارى قائم على خرافات وأكاذيب وأحقاد وزعم باطل وزائف!
يقول شيخ الإسلام: وأصل قول الرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه نصاً قاطعاً... وأنه –أي: علي- إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كفروا النص وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين، وغيروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفراً قليلاً، إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالوا منافقين، يعني: منذ البداية ما دخلوا في الإسلام مخلصين والعياذ بالله، إنما يزعمون أنهم كانوا من المنافقين.
بل ومنهم من قال: إنهم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وأكثرهم يكفر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفاراً. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فهم المؤمنون، أما نحن فتارة يسموننا الناصبة، وتارة يسموننا العامة، وغير ذلك من الألقاب، وفي كل الأحوال هم يعدوننا كفاراً، فنحن في نظرهم كفار لأننا لا نؤمن بالإمام بالأئمة ولا الإثني عشر.
** الرافضة يعادون المسلمين ويوالون أعداءهم **
ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة، أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى، فلهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومنهم من ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وغيره، ولا ريب أنهم أبعد الطوائف عن الكتاب والسنة، ثم يقول شيخ الإسلام: ولهذا ذكر العلماء أن الرفض أساس الزندقة، فهذا المذهب هو أساس الزندقة، وأن أول من ابتدع الرفض إنما كان منافقاً زنديقاً، أول من أسس هذا هو عبد الله بن سبأ، فإنه إذا قدح في السابقين والأولين فقد قدح بنقل الرسالة أو فهمها أو في اتباعها، لأن هدف الشيعة من الطعن في الصحابة هو التوصل إلى الطعن في الدين الذي نقله الصحابة؛ لأنه إذا كان الصحابة هم شهود الشريعة الذين نقلوها إلينا، فبتالي الطعن فيهم يعني: الطعن في الشريعة وعدم الوثوق بها، ولذلك قال الإمام الرضا رحمه الله تعالى: [[إذا رأيت الرجل يسب أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، فإنما أدى إلينا هذا الكتاب والسنة]] يعني: الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال: [[إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليعطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة]].
طبعاً: نحن نعلم جميعاً نعلم ما ورد في فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العموم، أو على الخصوص كالمهاجرين والأنصار، أو العشرة المبشرين بالجنة أو الخلفاء الراشدين، أو غيرهم من آحاد الصحابة رضي الله عنهم، لكن الذي نريد أن نلفت النظر إليه أنه حتى ولو لم يثبت في حق واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنه خصوصية له بذاته، فلا يعني هذا نفي الفضيلة عنه، فإننا كما نقول مثلاً في فضائل فلان، فلا يعني أن غيره ليس له فضيلة فعندما نقول: لم يصح شيء معين في فضل قراءة (يس) بخصوصها مثلاً، هل يعني ذلك أن سورة (يس) ليس لها فضيلة؟! هذا جهل، بالعكس لها فضائل كثيرة جداً، ثابتة في القرآن، تشير إليها كل آية فيها مدح وفضيلة من قرأ القرآن وتلا كتاب الله سبحانه وتعالى، كذلك فيها كل حديث ثبت فيه فضل قراءة القرآن عموماً، فأي حرف يقرؤه الإنسان من القرآن له أجر معلوم: (من قرأ آية من كتاب الله فله بكل حرف عشر حسنات ...) إلخ الحديث المعروف.
فعموم القرآن لا شك أن له هذه الفضائل، أما الخصوص فقد يفضل بعضه على بعض كبعض الفضائل الخاصة.
كذلك الصحابة: كون بعضهم لم يثبت فيه فضيلة معينة فهذا لا يعطي أحداً الحق في أن يسلبه فضيلة الصحبة، فإن فضيلة الصحبة لا تقاربها ولا تدانيها فضيلة على الإطلاق.
فهذه كانت مقدمة استعراض: نرى أنه لابد منه للفت النظر إلى هذه الظاهرة التي انفتحت، وهي ظاهرة انتشار مجموعة من الأشرطة: قصص من التاريخ الإسلامي للأخ الدكتور: طارق السويدان، فكثرت القصص وانتشرت الروايات عنه، ولكن في الحقيقة أن الأمر يحتاج إلى نوع من الفرملة، ونأخذ الأمر بحذر، حتى وإن كان في هذه الأشرطة كثير من الخير والتوضيح وكثير من البيان، لكن هناك مسألة مبدأ لابد أن يكون هو الأساس، والخروج عن هذا المبدأ ينبغي أن يكون هو الاستثناء.
** وقفات هادئة مع أشرطة قصص من التاريخ **
أحاول أن أتلو هذه الرسالة: وقفات هادئة مع أشرطة قصص من التاريخ الإسلامي. للشيخ خالد بن محمد الغيث، قسم التاريخ الإسلامي في جامعة أم القرى، يقول: استمعت إلى أشرطة قصص من التاريخ الإسلامي للداعية الفاضل الدكتور: طارق السويدان، فألفيتها قد خصصت للحديث عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مع أن السلف رحمهم الله قد أوصوا بالسكوت عما شجر بينهم، وقيدوا الحديث في هذه المسألة الشائكة بضوابط محددة ينبغي مراعاتها عند تناول هذا الموضوع.
فلما كانت أشرطة قصص من التاريخ الإسلامي قد انتشرت بين عامة الناس دون أن يراعى فيها ما قرره أهل العلم من ضوابط عند الحديث في هذه المسألة فإنه تحتم تقويمها، والرد عليها في وقفات هادئة تأتي من باب التواصي بالحق الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به، وختاماً لا أقول إلا كما علمنا إلهنا ومولانا: (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10] وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الوقفة الأولى: حول اختيار الموضوع، سوف نلاحظ أن بعض هذه الوقفات هي وقفات موضوعية، وبالذات موضوع الخروج عن الأصل وهو: السكوت عما شجر بين الصحابة، ثم بعد ذلك قضايا جزئية إن كانت تستحق تفصيلاً أكثر من هذا، لكن سأشير إلى الأمور المهمة في غاية الأهمية عند تناول هذا الأمر.
يقول: لم يوفق المحاضر في اختيار الموضوع الذي يتحدث عنه، حيث ترك جميع الصفات المشرقة من سير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، واختار الحديث عما شجر بينهم وطرحه على العامة في أشرطة سيارة. والحقيقة هذا هو لب الموضوع أن تطرح هذه القضايا بهذه التفاصيل على عموم الناس، وفي أشرطة سيارة تنتشر في كل مكان، وكلها تتناول فقط حوالي ثمانية أشرطة، كلها مخصصة في الكلام فيما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى أجمعين.
يعني: حتى لو كان لابد من الكلام في هذا الموضوع فله قيود وشروط، ويكون مع طلبة العلم أو المختصين، أما أن يطرح الموضوع وهذا الكلام طرحاً عاماً فقد لا تطيق قلوبهم كثيراً من الأشياء، وقد تحدث عند بعضهم نوعاً من البلبلة.
قلنا: الحقيقة أعتقد أن هذا الموضوع غير نافع؛ لأن الذي ينبغي أن نتكاتف من أجله هو نشر فضائل الصحابة رضي الله عنهم التي نطق بها القرآن الكريم، ونطقت بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونطقت بها أعمالهم وأمجادهم، وحسناتهم إلى البشرية كلها، عن طريق فتح البلاد والجهاد في سبيل الله والتضحية بكل نفيس وغير ذلك، فهذا هو الأصل أن يكون الكلام عن الصحابة، وأن يغلب تماماً على الكلام إشاعة فضائلهم ومناقبهم وحسناتهم رضي الله تعالى عنهم.
** منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة **
يقول: هذا ونظراً لأهمية هذه المسألة فلا بأس باستعراض طائفة من أقوال السلف رحمهم الله في هذا الموضوع المهم حتى يقف القارئ بنفسه على منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: سئل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال يوم الجمل ويوم صفين، فقال: دماء لم أغرس فيها يدي أغمس فيها لساني؟ وفي بعض الروايات أنه أتاه رجل وذكر أنه قد أرسل من لدن قومه يسألونه: ماذا يقول فيما شجر أو ما حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما؟
قال: تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أخضب بها لساني. ثم قال له: قل لهم: أقول فيهما قول الله تبارك وتعالى: (( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[البقرة:134].
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إلى أن قال الإمام أحمد: وترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم صغيرهم وكبيرهم، وحدث بفضائلهم وأمسك عما شجر بينهم. فهذه صفة من صفات المؤمن من أهل السنة والجماعة، الذين هم كما يقول شيخ الإسلام: نقاوة أهل الإسلام، وأفضل أهل الإسلام هم من كانوا محققين لمنهج أهل السنة والجماعة، فيقول: صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم صغيرهم وكبيرهم، وحدث بفضائلهم وأمسك عما شجر بينهم. فانظر إلى هاتين المتقابلتين: حدث بفضائلهم إيجاباً، وأمسك عما شجر بينهم سلباً، فلا بد أن يجمع بين هذين الأمرين: أن يشيع ويزين المجالس بذكر فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفي نفس الوقت يمسك عما شجر بينهم ولا يخوض في ذلك.
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10] ومناسبة هذه الآية الكلام في كيفية مال الفيء، (( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))[الحشر:7] ثم شرع عز وجل يبين من هم المستحقون من مال الفيء، فأول طائفة: (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ))[الحشر:8] بعد ذلك ذكر الطائفة الثانية وهم الأنصار بعد ما ذكر المهاجرين فقال: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ))[الحشر:9] ثم بين من هم الطائفة الثالثة الذين يستحقون من مال الفيء وهم من عدا المهاجرين والأنصار، ومن أتى بعد المهاجرين والأنصار بشرط، فإذا ما توفر هذا الشرط فلا يستحقون أن يعطوا من مال الفيء، فالذين يستحقون الفيء الصحابة: المهاجرون ثم الأنصار، ثم من يأتي بعدهما في الزمان إلى أن تقوم الساعة، لكن بشرط واحد: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) يشترط أن يكونوا محبين للصحابة، وأن يكونوا مجتهدين بالدعاء لهم: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ )) يعني: من صفتهم أنهم يقولون (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10].
إذاً: فمن وجد في قلبه غلاً لأحد من الصحابة فليتهم نفسه، ولا يستحق مال الفيء، كما قال الإمام مالك أيضاً رحمه الله تعالى حينما استدل بقول الله تعالى: (( وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ))[الفتح:29] فقال: من وجد في قلبه غيضاً للصحابة فهو كافر، وهذا رأي الإمام مالك وإن كان فيه نظر، التكفير مطلقاً في هذه القضية يحتاج إلى مزيد من الضوابط، ولذلك علق بعض المفسرين على عبارة الإمام مالك مستنكراً إياها فقال: إذا اشتد البياض صار برصاً، لكن ليس هذا موضوعنا الآن، إنما موضوعنا الاستدلال بهذه الآية.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، والمد: هو ما يملأ كفي الرجل المعتدل الكفين سواء كان حبوباً أو ذهباً أو كذا، فلو أن الرجل من غير الصحابة تصدق بمثل جبل أحد ذهباً، -جبل أحد طوله حوالي ستة كيلو متر- بكل كتلته من الذهب فلو تصدق به لوجه الله فلا يمكن أن ينال الثواب الذي كان يناله الصحابي بمقدار المد أو النصيف، لماذا؟
بفضل الصحبة التي شرفهم الله تبارك وتعالى بها.
يقول شيخ الإسلام: ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك -أي: أهل السنة والجماعة- لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، ولهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
فربما بعدهم من يعمل كبيرة لا تغفر لكن إذا فعلها واحد من الصحابة تغفر له، لماذا؟ لأن الصحابة عندهم من الحسنات المتوفرة ما يمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم خير القرون، وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو: بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟
إن أصابوا فلهم فيها أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم، ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جانب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم؛ لأنا لا نسأل عن ذلك، لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلابد من الذب عنهم وذكر ما ...... بعلم وعدل.
يعني: قد يضطر المسلم إلى الكلام في الذب عن الصحابة والدفاع عنهم رضي الله تعالى عنهم إذا اضطرهم المبتدعون إلى ذلك، فإذا أظهر المبتدعون ما يقدح في الصحابة بالباطل يجب أن يذب عن الصحابة ويرد عنهم هذا الباطل.
** أعداء الله وتشويههم لتاريخ المسلمين **
وأقبح من المبتدعين من يجبرون التلاميذ والطلاب على دراسة مناهج مشبعة بالتنقيص من قدر الصحابة أو من قدر بعضهم، وتزوير التاريخ الإسلامي، وهذا مناهج مفضلة لكل من أراد أن يسمم عقول الأجيال بقطع الصلة بينها وبين سيرة الصحابة وجهادهم كي لا يتخذوا مثلاً أعلى، وليس هذا في الحقيقة فقط في حق الصحابة، وإنما هو في حق التاريخ الإسلامي بعامته، فهناك بعض الناس من يقوم بتشويه هذا التاريخ؛ لأن هذا القدح هم قد أعلنوا عنه في مؤتمراتهم ومؤامراتهم، أنه كي نقضي على المسلمين لابد أن نقطع صلتهم بأسلافهم وبأمجاد أسلافهم، ويشوهون هذه السير بكل ممكن، حتى صار هذه الأشياء من الأمور المسلمة، فمثلاً زعمهم في قصة التحكيم التي لم يتثبت أن عمرو بن العاص كان داهية ماكراً، وأما أبو موسى فكان غراً يخدع به، وأن عمرو بن العاص خدع أبا موسى وقال له: أنا خالعت صاحبي، وقال: أنا ثبت صاحبي، يعني: هذه القصة باطلة، والكلام الذي فيها يشهد ببطلانها، وأنه إذا كان أبو موسى يقول: خلعت صاحبي، يعني: خلعت أمير المؤمنين هل هذا حصل؟ كيف.. ليس له أن يخلعه، والثاني يقول: ثبت صاحبي، معاوية أصلاً ما كان أمير المؤمنين ولا كان يطمح في ذلك، وما كان ينبغي له ذلك في وجود علي رضي الله عنه، وإنما تاق إلى الخلافة بعد وفاة علي رضي الله عنه، فهي نفسها تحمل ما يدل على كذبها، وعلى ضعف أسانيدها، وغير ذلك من أمثال هذه الروايات في سير الصحابة، وأنهم كانوا دمية، وكانوا يتقاتلون من أجل المال والسلطة والسياسة والسيادة والرئاسة وغير ذلك، تشويهاً لتاريخهم، يعني: يضعون الحواجز، وكل ذلك لأجل ألا يقتدي المسلمون بالصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
طبعاً! كتب التاريخ عموماً تشوه تاريخ الصحابة بالذات، وتشوه التاريخ الإسلامي بعامة، يعني: كثرة الطعن في التاريخ الإسلامي، وإظهاره أنه كله عبارة عن قتل وذبح وصراعات، هذا كله خلاف الحقيقة، بل إنما حتى الدولة الأموية والدولة العباسية لابد أن الناس في زمانهم أشبه منهم بآبائهم، وكلما بعدوا عن القرون المفضلة كلما حصل نوع من الانحراف عن المنهج السوي، لكنه انحراف درجته كانت خفيفة بالنسبة لما نحن عليه الآن، وأضعف مثال للخلافة الإسلامية هي الخلافة العثمانية المتأخرة، لاشك أنه كان لها من الآثار الإيجابية ومن الأمجاد ما لا نطمح إلى عشر أعشاره اليوم، حتى الخلافة الأموية أو الخلافة العباسية ليست بالصورة المشوهة التي يصورونها، لكنها صحيح تسلط الضوء على الصراعات التي لم تخل منها أمة ولا يخلو منها زمان، لكن هذا لا يصرف النظر عن الخيرات التي كانت موجودة كالنهضة العلمية، والجهاد في سبيل الله، وفتح الفتوح، وأخلاق المسلمين والتزامهم وغير ذلك من فوائد هذه الدول، أقيم فيها الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتطبيق شريعة الله، وقمع أهل البدعة والضلال، فضلاً عن مجاهدة الكفار في أطراف الأرض، كل هذا يجحد ولا يسلط عليه الضوء، وإنما يسلط على صورة ما يعلق في أذهان الناس كالجواري والغناء والمعازف وكل هذه الأشياء والأكاذيب والخمر وكل هذا كذب وطعن.
إذا رجعت إلى سيرة هارون الرشيد رحمه الله تعالى وجدت العجب في عبادته ودفاعه أو جهاده في سبيل الله تعالى، كان يحج سنة ويجاهد سنة، طوال عمره، تسليط الضوء فقط على السلبيات هذه مؤامرة مقصودة، وأما التاريخ فهو حافل بالإيجابيات، لكن لا يسلط الضوء على الإيجابيات.
يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: كما تقرر عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، فهذه فتوى الإمام الذهبي في عملية تفتيش وتنقيش من خلال التراث المنقول عما شجر بين الصحابة، يقول: وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه؛ لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة رضي الله عنهم والترضي عنهم، وكتمان ذلك –وتأملوا هذه العبارة لأنها في غاية الأهمية- وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء.
كتمان هذا الأمر وعدم الخوض فيه وعدم إشاعته، وكتمان ذلك متعين يعني: واجب.
قال: وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله حيث يقول: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ))[الحشر:10] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادته ممحصة.
وقال أيضاً: فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليهم، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد. الروافض بين أمرين عند نقل الأخبار: إما ترويج الأباطيل و الخرافات والأساطير والكذب المحض، فهم أكذب فرقة في التاريخ مطلقاً، فهم إما أنهم يعرضون الأباطيل والأساطير والخرافات والأكاذيب، وإما يردون الصحاح والمسانيد، لأنهم لا يعتدون بشيء من كتب السنة عندنا.
وقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: ويجب الإمساك عما وقع بينهم من الاختلاف صفحاً عن أكثر المؤرخين لاسيما الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم.
مما سبق نخلص إلى أن الأصل في منهج أهل السنة والجماعة هو السكوت عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن إن دعت الحاجة إلى الحديث في هذه المسألة الشائكة فينبغي مراعاة الضوابط التالية التي ذكرها أهل العلم في ثنايا حديثهم.
قبل أن نستطرد في مثل هذه الضوابط نشير أيضاً إلى قول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. هذا ما قاله الإمام الطحاوي في الفصل الخاص بعقيدة أهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم) هذه العبارة يشير بها الإمام الطحاوي رحمه الله إلى الرد على الروافض والنواصب، فرقتان على طرفي نقيض، فالروافض يلعنون الصحابة رضي الله عنهم، أو بصورة أخرى: يفرطون في حب بعض الصحابة كعلي مثلاً، ويكفرون باقي الصحابة رضي الله عنهم إلا قليل.
وقد أثنى الله ورسوله على الصحابة ووعدهم بالحسنى، فقال عز وجل: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ))[الفتح:29] وقال تبارك وتعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ))[التوبة:100] السابقون الأولون هم الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقيل: هم من صلى إلى القبلتين، ولا دليل عليه، والصلاة إلى القبلة منسوخة، وليس فيه فضيلة، لأن النسخ ليس من فعلهم، وقال تبارك وتعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ))[الحديد:10].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) وذلك لأن عبد الرحمن من السابقين الأولين، وهم أخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامه إلى فتح مكة، فسموا الطلقاء منهم أبا سفيان وابناه يزيد ومعاوية رضي الله عنهم، فالمقصود أنه نهى من له صحبة أخرى يعني: متأخرة أن يسب من له صحبة أولى الذي سبقه، فكيف بحال من ليس من الصحابة مع الصحابة؟! يعني: كان هذا الخطاب: (لا تسبوا أحداً من أصحابي) لمن وجهه النبي عليه السلام؟ وجهه إلى خالد بن الوليد حينما سب عبد الرحمن بن عوف، مع أن كلاهما من أصحابه، لكن فضل عبد الرحمن لأنه من السابقين الأولين، وأما خالد فهو ممن تأخر إسلامه، فإذا كان النبي نهى من له صحبة أخرى متأخرة عن أن يسب من له صحبة أولى، فكيف بحال من ليس له صحبة لا أولى ولا أخرى؟ لا شك أنه أولى أن ينزجر عن الخوض في شأن الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم. يعني: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما فعلت الشيعة فنكون من المعتدين، قال تعالى: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ))[النساء:171]، وقد غلت الشيعة في بعض الصحابة وبالذات أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنهم غلواً شديداً.
ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الروافض أيضاًَ، فعندهم لا ولاء إلا ببراء، يعني: لا يتولى أحد أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما أهل السنة فهم يوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، وهذا معنى قول بعض السلف من الصحابة والتابعين كأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإبراهيم النخعي والحسن البصري والضحاك: الشهادة بدعة والبراءة بدعة. يعني: الشهادة على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر بدون العلم بما ختم له سبحانه وتعالى له به.
** خدعة التقريب بين السنة والشيعة وتورط الداعين إليها **
ثم قال: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. طبعاً هذه المسألة كما قلنا هي من أصول الإيمان عند أهل السنة، ولم ينحرف عنها إلا من كان شاذاً خارجاً عن الجماعة، وعن إجماع الأمة، فعملية تهوين هذا الأمر هذه خدعة كبرى، ولا يتورط فيها في الغالب إلا جاهل بأشياء كثيرة، يعني: جاهل بعقيدة أهل السنة التي ينتمي إليها اسمياً، انتماء مسطحاً، ليس له أي أعماق، انتماء، اسمه فقط أنه سني، لكن في الحقيقة هذه من أصول الدين والإيمان، فبعض الناس حينما يتكلمون في موضوع التقريب بين السنة والشيعة، والكفار يتحدون علينا، فيقولون: ونحن ينبغي أن ننسى خلافاتنا فضلاً عن أن نذكر بعض الموغلين في الدس، فيورطون أنفسهم في كلام لا يدركون مغزاه، فيقولون: نتعاون مع الشيعة فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. مصيبة ولم يعرف ولا يدري ما يقول، إنما نطق بهذه العظيمة، لأن معنى تقول: نتعاون فيما اتفقنا فيه، لكن كيف تعذرهم فيما اختلفنا فيه؟! تعذرهم في سب أبي بكر وعمر وفي تكفير الصحابة، وفي الاعتقاد بأن القرآن الحقيقي خلاف القرآن الموجود بين أيدينا الآن! وفي عصمة الأئمة! وفي كذا وكذا من طاماتهم! فهذا نقول فيه: إنه جاهل بالإسلام، وجاهل بعقيدة أهل السنة، وجاهل بتاريخ الرافضة الذي يعجز أن يقدم دليلاً واحداً يبرئ الرافضة من خيانتهم لأمة المسلمين في كل العهود، وهذا الكلام يكون الشخص الذي يقع فيه ويتورط فيه في أحسن أحواله إنسان جاهل ساذج منخدع، وأما إن كان يعلم فهذه مصيبة.
إن كنت لا تدري فهذه مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فالمصيبة أعظم؛ لأن معناه أنه يخون الأمة، وكم جلب دعاة التقريب بين السنة والشيعة من مصائب وبنوا للشيعة جسراً عبروا عليه إلى جوار العالم الإسلامي! وكم جلبت لنا فكرة التقريب هذه من مصائب! لأن الشيعة ليس لهم غير مفهوم واحد للتقريب، وهو تقريب أهل السنة للشيعة على سبيل القطع والجزم يدل عليه بشواهد كثيرة جداً من أئمتنا، فهم قد حاولوا أن يحسنوا الظن بالشيعة، ثم انكشف لهم الأمر فرجعوا يحذرون المسلمين من خيانتهم.
فالذي نقطع به أن هؤلاء القوم التقريب عندهم له معنى واحد فقط لا ثاني له، وهو تقريب السنة إلى الشيعة، ولكن لا يعرفون على الإطلاق، أو لا يريدون بهذه الكلمة أبداً تقريب الشيعة إلى السنة، فالتقريب له معنى واحد هو أن يتنازل أهل الحق عن عقيدتهم ويتابعوهم على باطلهم، أما العدل فليس عند الشيعة كما كان عندنا، فلذلك عملنا وحدة وطنية مع الشيعة، وهذا كان زمان فكرة التقريب وانتعشت حتى أقحم المذهب الجعفري في دراسات الأزهر ويا أسفاه! وحتى صدرت فتوى مؤلمة موجعة من أكبر مرجع ديني في مصر، يقول فيها: إنه يجوز التعبد بمذهب الشيعة الإثني عشرية كسائر المذاهب الأربعة. ويجوز للإنسان أن ينتقل من مذهب إلى آخر بحيث يغير مذهبه من مذهب حنبلي أو شافعي مثلاً إلى جعفري فلا حرج، وهذه خطيئة تاريخية، ليس خطأ شخصياً، خطيئة تاريخية نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن من تورط وورط المسلمين فيها، وذلك كان في العام الذي قامت فيه -ثورتهم ثورة الخميني عليه من الله ما يستحقه- في نفس العام كانت هذه الفتوى أول ما صوروها توزع بملايين النسخ في موسم الحج، وهذه الفتوى صادرة من الأزهر بصورة رسمية حتى أنها توزع على أهل السنة وسهلوا لها الغزو الفكري للرافضة.
فعلينا أن ننتبه لهذا الأمر ولا نقبل أبداً من أي شخص كائناً من كان ممن ينادي على نفسه بالجهل الفاحش، وأنه ما تحكمه إلا العاطفة فقط، لكن لا تحكمه بصيرة ولا علم ولا وعي، وأما أهل السنة والجماعة ممن ما زالوا ينددون بالشيعة يعتبرون بمن قبلهم، يعني: حاولوا وحاولوا وفشلوا ابتداء من الشيخ رشيد رضا رحمه الله، وانتهاء بالأستاذ سعيد حوى في البداية أيضاً أثنى على الشيعة وكذا وكذا.. ثم في الآخر لما اكتشف الدجل والغش والخيانة أصدر كتابه الرائع: الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في الأحكام.
والتجارب كثيرة ومريرة أن الشيعة لا أمل فيهم، كما كنت أذكر فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عن الشيعة في التقريب فقال: هؤلاء لا يرجى منهم توبة إلا كما ترجى توبة اليهود، لا ترجى توبة الشيعة إلا كما ترجى توبة يهودي، لكن قليل جداً، يعني: حتى لما تنظر إلى أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام تجدهم نوادر قلة، وذلك من فمن قسوة قلوبهم يندر منهم الإسلام والتوبة، لكن يرجى توبة الله التي هي التوفيق الرباني والاختيار الإلهي، لكن هل لهم توبة كتوبة العصاة أو غيرهم من أهل البدع؟ لا، قال: هم كاليهود لا ترجى منهم توبة.
التنازل في هذا الموقف المحوري من أعمدة وعقيدة أهل السنة أنه غير قابل للتنازل وغير قابل أبداً لأن نعذرهم فيه، فأفضل عذر للشخص الذي يقول: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه مع الشيعة أنه جاهل، هذا أفضل عذر له، لأنه كيف نقول هذا نعذرهم؟ في سب الصحابة وتسمية كلابهم بأسماء الصحابة رضي الله عنهم ولعن الصحابة، وعندهم: لعن أبي بكر وعمر أفضل من التسبيح؟!!
وأنتم إذا طالعتم كتب شيخ الإسلام -وهو من أخبر الخلق بالشيعة قبحهم الله- ففيها عبارات لشيخ الإسلام كأنه يعيش فينا في كل عصر، من عبارات شيخ الإسلام يقول في شأن الشيعة يقول: يعظمون المشاهد ويهجرون المساجد. كلمة قالها منذ قرون، لكن أي إنسان يذهب لعمرة أو لحج ينظر الشيعة كيف يفعلون! وأنت خارج من المسجد النبوي من صلاة الفجر تراهم قادمين أفواجاً من جهة البقيع، يعني: البقيع أهم شيء عندهم، ويهجرون المساجد فلا يهتمون بصلاة الجماعة، أهم شيء يطلبونه، وأكثر ما ينكرونه على الوهابية هدم البنيان الذي كان على قبور الصحابة، وما زالوا إلى اليوم يشتمون الوهابية للسبب هذا.
الشاهد أنهم فعلاً يعظمون المشاهد ويخربون المساجد، لا يعمرون بيوت الله سبحانه وتعالى، إنما أهم شيء عندهم الذهاب إلى البقيع والبكاء فالمناديل مبتلة من شدة البكاء والصراخ، ثم بعد أن تنتهي المهمة انتهى الأمر ولا كأن شيئاً حصل وهذا يذكرنا بقول من قال من السلف رحمه الله تعالى: إن الفاجر إذا كمل فجوره ملك عينيه، فمتى شاء أن يبكي بكى أو كما قال، كأنها آلات يشغلها بواسطة زرار، يشتغل كله ويبكي ويخرج المناديل، وأول ما يكمل انتهى الأمر، والزرار انقفل، ويعود بصورة طبيعية.
فأكرر أن التنازل في موضوع الشيعة تنازل عن قضية أساسية ومحورية من صلب عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن الخداع بالتقريب، ونقول لدعاة التقريب: ائتونا بدليل واحد فقط على أنهم يقصدون بالتقريب شيئاً غير تقريب أهل السنة و الجماعة إليهم، والمصريون بالذات من الشعوب التي عندها قابلية لمرض التشيع؛ لأن المصريين بشؤم الدولة الفاطمية الملحدة الكافرة زرعت في عواطف المصريين الميل إلى الشيعة، لأن الشيعة كانوا خبثاء جداً حينما أرادوا أن يتقربوا من المصريين تقربوا عن طريق تعظيم أهل البيت، وتباع كثير من الكتب التي ما زالت باقية إلى اليوم، فهم فالشيعة عندهم أمل أن يستردوا مصر وتعود لهم الدولة الفاطمية الخبيثة حتى يقول بعض شيوخ الشيعة في المصريين لما قابلوه في أحد المؤتمرات قال له: نحن نعدكم في مصر مثل الشيعة. سهل جداً اللعب على هذا الوطن، وقد تشيع للأسف الشديد، وهذا أمر ما كنا نتخيله أن يتشيع بعض الشباب المصري، وأحدث شيعي مصري انتكس من أهل السنة والجماعة إلى عقيدة هؤلاء الضلال المجرمين رجل صحفي يدعى: صالح الورد... وهو يؤلف كتباً هي موجودة في الأسواق، وأخبثها على الإطلاق: أهل السنة والجماعة شعب الله المختار. يعني: يشبهنا باليهود، ويشتم أهل السنة والجماعة ويطيل سبه في حقهم، والكتاب موجود.
وهذا حديث نرجو إن شاء الله أن يكون له تفصيل فيما بعد- لكن هذه إشارات عابرة تتعلق بهذه القضية، فنحن لا نفرط بحب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم.
يقول الطحاوي رحمه الله تعالى: ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. فحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دين وإيمان؛ لأنه امتثال لأمر الله الذي أمر النبي في هذه النصوص، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله يوشك أن يأخذ).
** شروط وضوابط الإمساك عما بين الصحابة **
نعود إلى الشروط التي ذكرها الشيخ خالد بن محمد الغيث فيما يتعلق بشروط السكوت عما حصل بين الصحابة، يقول: الأصل في منهج أهل السنة والجماعة هو السكوت عما صدر بين الصحابة رضوان الله عليهم، لكن إن دعت الحاجة إلى الحديث في هذه المسألة الشائكة فينبغي مراعاة الضوابط التالية التي ذكرها أهل العلم في ثنايا حديثهم، ولم تأت ضرورة شرعية تستدعي مناقشة هذا الأمر، كالمنافحة عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار أمرهم، والرد على أهل البدع القادحين في أحد منهم. فهذا فعلاًَ مبرر أو مسوغ قوي للجهر في الكلام في هذه الأمور للدفاع عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مثل ذلك إذا كانت المناهج التعليمية مفعمة بالسموم التي تحاول أن تنال من مكانة الصحابة، فلا شك أن هذا من المسوغات للكلام والتوضيح لتبرئتهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثانياً: أن من يتصدى لهذا الأمر يجب عليه أن يتسلح بالحجة والبرهان حتى لا يفتي بغير علم، وبالذات علم الأسانيد وعلم الحديث، وتنقيح الروايات صحيحها من ضعيفها، وحقها من باطلها، الآن هذه آخر الأخبار كما يقولون: وما آفة الأخبار إلا رواتها.
لابد أن من يتكلم في هذا الموضوع ألا يقفز فوق الاعتبارات العلمية التي وضعها العلماء في قبول الأخبار، أما من يكون في ذلك حاطب ليل يحفظ كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة، لابد أن ينقش وأن يفتش وأن يكون متسلحاً بالطرق العلمية التي بها يمحص الصحيح من الضعيف، فمن يتصدى لهذا الأمر يجب عليه أن يلزم العدل والإنصاف حتى لا يظلم نفسه ولا يظلم غيره.
من شروط هذا الأمر الإمساك عن مناقشة هذا الأمر والتحدث به أمام العامة، فهذا ليس مما يعني العوام، فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فالخوض في تفصيل هذه المسائل، وتفاصيل كذا وكذا هي أحوال تصدم عواطف العوام، مع جهلهم بهذه الأصول التي ذكرناها، وأن الصحابة معظم ما روى عنهم من الأخباريين فيه كذب كثير، وإن صح منه شيء فهم كلهم ليسوا معصومين، ولكن يجب أن يحمل على أحسن المحامل، ويؤمن إيماناً جازماً أنهم كانوا مجتهدين، وأنهم يدورون بين التأويل وبين الخطأ، فلهم أجر واحد وخطؤهم مغفور لهم بجانب ما لهم من الفضائل والأعمال الصالحة والبلاء في سبيل الله وغيره، مما يمحو نحو هذه السيئات.
** مآخذ على طارق السويدان في أشرطته المتحدثة عن الصحابة **
فهذا مبدأ مهم جداً، وهذا هو الذي أخذه على المجموعة من الأشرطة كثير من العلماء، أن هذا ينافي منهج أهل السنة والجماعة، ليس المقياس أن يلقى الشريط رواجاً عند العوام، هذا غير صحيح، لأن بعض الناس يقول: قد انتشر وشاع وتلقته الأمة بالقبول، ليس هذا هو المقياس، ولكن المقياس هو أصول المنهج السلفي أن هذه الأمور مما لا ينبغي إثارتها أمام العوام على هذا المدى وعلى هذا النطاق الواسع إلا بالشروط التي ذكرنا.
• زعمه أن أوثق المراجع تاريخ الطبري:
ثم أخذ عليه في الوقفة الثانية: أنه قال: لعل من أوثق المراجع ما كتبه الإمام العظيم الطبري رحمه الله تعالى. فيقول: هذه المقولة لا يسلم له بها؛ لأن الطبري قد سار في تاريخه على منهج الجمع، فقيد فيه الغث والسمين من الأخبار دون اشتراط الصحة ذلك، بل إنه رحمه الله نبه إلى هذه المسألة في مقدمة تاريخه حيث قال: فلا يخلو كتابة هذا من خلل ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه؛ من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض الناقلين إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا، لأن الراوي متى ما ذكر الخبر بإسناده فقد برئت منه عهدته، لأنه سرد الخبر بالآلة والوسيلة التي تعين علي التثبت من صحة الحديث، فإذاً: لا عهدة عليه.
ثم يقول: فإن تلك المقولة التي ذكرها المحاضر عن تاريخ الطبري تبين المنهج الذي سار عليه في مناقشة ما صدر بين الصحابة رضي الله عنه، وهو منهج لا يصمد أمام المنهج العلمي، فإننا نبني المسائل على مجرد النقل من المصادر دون نقد أو تمحيص أمر لا تحمد عقباه، ولذلك حذر منه العلماء، وفي ذلك يقول ابن خلدون رحمه الله: وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمؤلفين وأئمة النقد من المغاليط في الحكاية والوقائع؛ لاعتمادهم على مجرد النقل غثاً أو سميناً.
يقول ابن خلدون: أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأجيال، إذ هو في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول، والسوابق والقرون الأول، تنمو فيها الأجيال وتضرب فيها الأمثال، وتطرق بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تخللت بها الأحوال، وقد تفعل الدول فيها ال........، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الامتحان وحان منهم الدوان، هذا في ظاهره، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليم للكائنات ........، وعلم بكيفيات الوقائع .........ز، فهو بذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يدع في علومها ......
• إثارة تولية عثمان لبعض أقاربه:
يقول في الوقفة الثالثة: إثارة المحاضر قضية تولية عثمان رضي الله عنه لأقاربه، هذا مما أخذه المتمردون على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، قام الشيخ خالد الغيث بسرد أسماء الولاة في خلافة عثمان رضي الله عنه، ذكر واحداً وخمسين من الولاة عمال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه على البلاد:
سعد بن أبي وقاص في الكوفة.
أبو موسى الأشعري في البصرة من الكوفة.
المغيرة بن شعبة، عمرو بن العاص، ثم وضع رمز (ق) أمام أي واحد من أقارب عثمان رضي الله عنه، ثم انتهى إلى أن قال: مما سبق نلاحظ أن عدة الولاة من أقرباء عثمان رضي الله عنه تقارب سبع الولاة الذين ولاهم، وحتى هذا السبع معظمهم من الصحابة الذين تولوا مناصب قبل خلافة عثمان رضي الله عنه مثل معاوية مثلاً وغيره، وهذه قضية ضئيلة قياساً على كثرة أقرباء عثمان رضي الله عنهم، مما يدل على أنه كان يختار من يتوسم فيهم الكفاءة الإدارية أو العسكرية منهم أو من غيرهم، وكذلك أن عهد عثمان رضي الله عنه كان عهد جهاد وفتوحات، مما يستوجب تجديد جميع طاقات الأمة وعدم تعطيلها، فتولية الأقارب لم ينفرد به عثمان رضي الله عنه، وكذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه إما بولاية وإما بمال.
وقال أيضاً: ونحن لا ننكر أن عثمان رضي الله عنه كان يحب بني أمية، كما أننا لا ننكر أن علياً ولى أقاربه. يقول شيخ الإسلام: فوجدنا علياً إذ ولى قد استعمل أقاربه، ابن عباس على البصرة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقثماً ومعبداً ابني عباس على مكة والمدينة، وجعل ابن هبيرة وهو ابن أخته أم هانئ بنت أبي طالب على خراسان، ومحمد بن أبي بكر وهو ابن امرأته وأخو ولده على مصر، فتولية عثمان رضي الله عنه لأقاربه لم تمنعه من إقامة الحدود عليهم أو عزلهم إن أهملوا، فقد أقام حد الخمر على الوليد بن عقبة رضي الله عنه وعزله عن الكوفة، كما أنه عزل سعيد بن العاص رضي الله عنه عن الكوفة حين أخرجه منها بعض أهلها، وعين عليها من يحبون. وبالتالي شيخ الإسلام لفطانته وبصيرته يعلق على هذا الأمر، فيقول: وهو من عزل سعيد بن العاص رضي الله عنه عن الكوفة حينما أخرجه منها بعض أهلها وعين عليهم من ارتضوه وأحبوه.
ويقول شيخ الإسلام: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذلك، فإن القوم كانوا يثورون على كل وال، أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق كما وصفهم الحجاج، فإن حدث أنه عزله عن الكوفة فليس معناه أنه يستحق العزل أو أنه أتى شيئاً سيئاً أو ذنباً، فإن القوم كانوا يقومون على كل وال، وقد قاموا على سعد بن أبي وقاص وهو الذي فتح البلاد، وكسر جنود كسرى، وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله، وقد شكو غيره مثل عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وغيرهم، ودعا عليهم عمر بن الخطاب فقال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فلبس عليهم.
فإذا قدر أنه قد أذنب ذنباً فمجرد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضياً بذنبه، ونواب علي قد أذنبوا ذنوباً كثيرة، بل كان غير واحد من نواب النبي صلى الله عليه وسلم يذنبون ذنوباً كثيرة، وإنما يكون الإمام مذنباً إذا ترك ما يجب عليه من إقامة حد أو استيفاء حق أو نحو ذلك.
• إيراد بعض روايات الإخباريين الضعيفة:
الوقفة الرابعة: يؤخذ عليه أيضاً إيراد ما جاء عن الأخباريين عما صدر بين الصحابة رضوان الله عليهم، الأخباريين جمع أخباري، وهو من يروي الحكايات والقصص والأخبار، لقد قرن المحاضر في تلك الأشرطة مزاعم الأخباريين عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم دون نقد أو تمحيص، مثلاً: أورد قصة استشهاد عثمان رضي الله عنه، وبيعة علي رضي الله عنه، وخروج عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة، وأخبار معركة الجمل كما وردت في تاريخ الطبري، ومن طريق الأخباري سيف بن عمر على وجه الخصوص، ومعظم ما نقله بالنقل عن روايات ضعيفة لم تصح.
• المراسلات بين علي ومعاوية والتحكيم:
بعد ذلك تحدث المحاضر عن المراسلات بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم القتال والتحكيم والخوارج وما واكب ذلك من أحداث حتى وفاة علي رضي الله عنه، معتمداً في ذلك على الروايات الضعيفة التي أوردها الطبري في تاريخه، من وجه خاص من طريق الأخباري أبي مخنف يقول فيما يتعلق بقضية المراسلات بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما فيها من مبالغات وإثارة، يقول ابن كثير: ثم ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر. كذلك قضية رفع أهل الشام للمصاحف وما فيها من مبالغات، واتهام علي رضي الله عنه برد التحاكم إلى كتاب الله، وحقيقة هذا الأمر ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن ...... قال: حدثني ابن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي في النهروان، وهي الوقعة التي قتل بها الخوارج: فيم استجابوا له؟ وفيم فارقوه؟ وفيم استحل قتلهم؟ قال: كنا في صفين، فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله، فإنه لم يأل عليه، فجاءه رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ))[آل عمران:23] فقال علي: نعم أنا أولى بذلك، بيني وبينكم كتاب الله، قال: فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذٍ ...... وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التل، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس! اتهموا أنفسكم -يعني: لا تعصوا علياً رضي الله عنه وأطيعوه في قضية التحاكم إلى كتاب الله مع أهل الشام- فلقد رأتينا يوم الحديبية ولو مضى قتال لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني أبداً، قال: فرجع وهو متغيض فلم يصبر حتى أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق وهم على الباطل، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب! إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله أبداً، قال: فنزلت سورة الفتح، قال: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأقرأها إياه، قال: يا رسول الله! وفتح مبين؟ قال: نعم).
• اتهام أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
وأيضاً: مما ذكره الدكتور طارق السويدان اتهام أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه بخلع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثناء التحكيم، وهذا الأمر غير صحيح، وذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم مجمعون على أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة، يعني: أصل لجنة التحكيم لم يكن عندهم نزاع على الخلافة، لأنه حتى معاوية ومن معه كلهم مقرون بأن علياً أحق بالخلافة بلا شك، ولم ينازعه أحد، فكانت هذه نقطة إجماع، فمن أين أتى بأن أبا موسى وعمرو بن العاص خلعا أمير المؤمنين أثناء التحكيم؟! فالصحابة كانوا مجمعين على أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة، وليس هذا محل شك أو خلاف بينهم حتى يثيروا هذه القضية أثناء التحكيم، بل إن معاوية رضي الله عنه وأهل الشام كانوا مقرين بأحقية علي رضي الله عنه بالخلافة وبأفضليته، يعني: قضية أن علي أولى بالخلافة هذه مفروغ منها، لكن اختلفوا مع علي في مطالبتهم في إقامة الحدود على قتلة عثمان رضي الله عنه، والتي من أجلها انعقد التحكيم.
يقول الحافظ ابن حجر: وذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع علياً في الخلافة، أوَ أنت مثله؟ قال: لا، فإني أعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنا ابن عمه ووليه أطالب بدمه، فائتوا علياً وقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان. فكان هذا هو محور الخلاف أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان هو الولي الشرعي لعثمان بن عمه، فكان يطالب بدمه لأنه قتل مظلوماً، فطلب منهم أن يكلموا علياً أن يسلمه قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه، فأتوه وتكلموا، فقال علي: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلي، أولاً: يدخل في البيعة ثم بعد ذلك يطالب بالقصاص، فامتنع معاوية، فسار علي بالجيوش من العراق حتى نزل بصفين، وسار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ......، فلم يتم لهم أمر فوقع القتال.
• اتهام معاوية بتنصيب نفسه خليفة للمسلمين:
أيضاً: من هذه الوقفات اتهام معاوية بتنصيب نفسه خليفة للمسلمين ومبايعة أهل الشام له على ذلك بعد التحكيم، وهذا من أباطيل الأخباريين، لأن معاوية رضي الله عنه لم يتطلع لخلافة المسلمين إلا بعد استشهاد علي رضي الله عنه، يقول الخطيب البغدادي رحمه الله: كانت بيعة أهل الشام لمعاوية عند مقتل علي، وذلك في سنة أربعين، لكن أهل الشام ما بايعوه في حياة علي، علق ابن كثير على ذلك بقوله: لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المسلمين؛ لأنه لم يبق له عندهم منازع، أما في حياة علي فما فيه شك أنهم كانوا يعرفون أن علياً أفضل وأحق بالخلافة من معاوية رضي الله عن الجميع.
• تخصيص السويدان علياً والحسين ببعض عبارات التكريم:
من المؤاخذات العابرة ولكن لا بأس من الاستفادة بها تخصيص الدكتور طارق السويدان علياً والحسين رضي الله تعالى عنهما ببعض عبارات التكريم، مثل قوله: كرم الله وجهه، أو قوله: عليه السلام، دون سائر الصحابة رضوان الله عليهم، نقول في هذه المسألة -مسألة التخصيص- قد أجاب عنها ابن تيمية رحمه الله تعالى حين سئل عمن يقول إذا ذكر علي: صلى الله عليه، هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره؟ فأجاب: ليس لأحد أن يخص أحداً بالصلاة عليه دون النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: مكن تصلي عليه فتقول: وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين يعني: تأتي بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من عداه تبع، لكن أن يخص شخص معين بقوله: صلى الله عليه أو عليه السلام فيقول: ليس لأحد أن يخص أحداً بالصلاة عليه دون النبي صلى الله عليه وسلم لا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، ومن فعل ذلك فهو مبتدع، بل إما أن يصلي عليهم كلهم أو يدع الصلاة عليهم كلهم، بل المشروع أن يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على على آل إبراهيم إنك حميد مجيد،وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وقال الإمام ابن كثير في هذه المسألة أيضاً: قد غلب هذا في عبارة كثير من المؤلفين للكتب أن يفرد علياً بأن يقال: عليه السلام من دون سائر الصحابة، أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحاً، ولكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين.
وقد علق فضيلة الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله على هذه المسألة فقال: أمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يرد تخصيصه بذلك -لم يرد أنه يخص بقوله: كرم الله وجهه أو عليه السلام- لكن هذا من فعلات الرافضة وسريانه إلى أهل السنة فيه هضم للخلفاء الثلاثة قبله رضي الله عنهم، فلنتنبه إلى مسالك المبتدعة وألفاظهم، فكم من لفظ ظاهره السلامة وباطنه الإثم.
• قضية تحريض عبد الله بن الزبير للحسين في الخروج على يزيد:
أيضاً أوغل المحاضر في مسألة زعم الأخباريين حول تحريض عبد الله بن الزبير للحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين على الخروج على يزيد بن معاوية، وحقيقة الأمر أن عبد الله بن الزبير كان من جملة الصحابة التابعين الذين نصحوا الحسين رضي الله عنه بعدم الخروج، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده عن بشر بن غالب قال: لقي عبد الله بن الزبير الحسين بن علي بمكة فقال: يا أبا عبد الله! بلغني أنك تريد العراق، قال: أجل، قال: فلا تفعل، فإنهم قتلة أبيك، الطاعنين بطن أخيك، وإن أتيتهم قتلوك. فهو لم يحرضه على الخروج، بل بالعكس حرضه على ألا يذهب إلى العراق.
ثم يختم الباحث هذه الرسالة اللطيفة بقوله: إن أبرز النتائج التي يمكن الخروج بها من هذا البحث ما يلي:
أولاً: ضرورة الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، وما فيه من الضوابط الشرعية والمنهجية العلمية.
ثانياً: أهمية اعتماد كتب السنة في دراسة تاريخ صدر الإسلام، بما فيها من الروايات المهمة عن هذه الفترة ........ بها في المصادر التاريخية.
ثالثاً: خطورة الركون إلى أحاديث الأخباريين فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم.
رابعاً: أهمية دراسة الروايات التاريخية التي تتحدث عن هذه الفترة دراسة نقدية لأسانيدها ومتونها قبل الاعتماد عليها ونشرها بين الناس.
خامساً: أهمية التناصح بين طلبة العلم مع لزوم العدل والإنصاف في ذلك.
وفي الختام أرجو من الله أن تكون هذه الوقفات حافزاً للأخ المحاضر نحو مزيد من الإتقان الذي هو أهل له، فالعلم .... بين أهله، والمسلم قليل بنفسه كثير بإخوانه، ونسأل الله إن يوفقنا وإياه وكل مسلم إلى ما يحبه ويرضاه.
ونذكر الإخوة بأنه مما لابد منه في هذا الموضوع بالذات مما ينبغي فعله الإشاعة بفضائل الصحابة ومكانتهم، وذكر مناقبهم ومآثرهم وأمجادهم في كل أبواب الخير التي قد حفل تاريخهم بنماذج كثيرة جداً منها، والإمساك عما شجر بينهم إلا لضرورة، وبالشروط التي أشرنا إليها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.