قوله صلى الله عليه وسلم : (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى)
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد .. فلا يخفى أن التفسير النبوي هو أوثق أنواع التفسير ، وأصحها ، ومن الأحاديث التي يمكن أن تندرج في هذا الباب هذا الحديث الذي نحن بصدده ، وقد وجه إليه صاحب كتاب ( نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث ) نقداً نابعاً من اتباع العقل والهوى ، كما هو شأن كثير ممن يقدح في أحاديث الصحيحين .. وقد أحببت بيان معنى هذا الحديث لتعلقه بالآيات الواردة في نصه ، والإجابة على ما طرحه صاحب الكتاب، وقد سبق أن ذكرت شبهاته والجواب عليها حول حديث آخر في موضوع : قوله صلى الله عليه وسلم : (خفف على داود القرآن ( اسأل الله أن يهدينا سواء السبيل ... نص الحديث : أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) [ البقرة : 260 ]، ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي"(1 ). الشبهات التي أوردها الكاتب : قال صاحب الكتاب : " أول بعضهم هذا الحديث بتأويلات مختلفة لأن ظاهره مرفوض، فالآية لا تدل على أن إن إبراهيم شكّ، بل تفيد أنه أراد رؤية معجزة الإحياء الكبرى بعيني رأسه، ليقوى إيمانه، وينتقل من علم اليقين لعين اليقين، بدليل أن الحقَّ لما سأله أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولا شك أنه صادق مصدَّقٌ في قوله، فكيف يُدّعى أنه شكّ؟ وهل يمكن أن يخفى فهم الآية لهذه الدرجة على سيدنا رسول الله وهو سيد الفصحاء ؟! والأنكى من ذلك أن الراوي(2 ) لم يكتف باتهام إبراهيم بالشك، بل نسب لرسول الله أنه أكثر وأحق بالشك منه!! فكيف يُنسَبُ لإبراهيم أبي الأنبياء وخليل الرحمن ولمحمد خاتم الأنبياء وحبيب الرحمن الشَّكُّ بوعد الله بالبعث أو بقدرته تعالى على إحياء الموتى في حين أن المؤمن العادي منا الذي لا يدنو من مقامهما مقدار أنملة ليس عنده ذرة شك في ذلك؟!. ثم كيف يجوز رمي لوط بأنه كان يجهل أن الله تعالى ركْنُه ومأواه؟ وكذلك لا يصح أن يكون سيدنا رسول الله أقل مقاماً من يوسف الذي رفض بكل وجه حق أن يخرج من السجن إلا بعد أن تثبت للجميع براءته، فينسب الراوي إليه أنه يقول: لو كنت مكانه لخرجت بسرعة ولم أنتظر!. إن في هذا الحديث انتقاصاً من قدر أنبياء الله عليهم السلام عموماً، ومن قدر خاتمهم سيدنا محمد، إنه حديث مظلمٌ بعيد عن نور النبوة، وهذه علة قادحة في متنه تكفي للحكم بعدم صحته . اللهم إلا أن يؤول تأويلات خلاف ظاهره. ولا ننسى أن هذه عادة شراح الأحاديث!!" (3 (. مدار الشبهات التي أوردها المؤلف أن الحديث ينتقص من قدر الأنبياء عليهم السلام فهو يفيد في نظره: إثبات الشك لأنبياء الله : إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، واتهام لوط عليه السلام بالجهل بأن الله ركنه ومأواه، كما يفيد ـ في نظره القاصر ـ أن يكون يوسف عليه السلام أفضل من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويجعل ما يفهمه المؤلف هنا ظلمة في الحديث وعلة قادحة في متنه تكفي للحكم بعدم صحته. ولا شك أن هذا الفهم؛ فهمُ من لا عِلْم عنده كما قال ابن كثير : " فليس المراد ههنا بالشك: ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف"(4 ). كما يتبين في نص كلامه طعنه أكثر من مرة لأبي هريرة رضي الله عنه كما في قوله: "والأنكى من ذلك أن الراوي لم يكتف باتهام إبراهيم بالشك، بل نسب لرسول الله أنه أكثر وأحق بالشك منه!! "، ولشراح الحديث النبوي كما في قوله: " اللهم إلا أن يؤول تأويلات خلاف ظاهره. ولا ننسى أن هذه عادة شراح الأحاديث!!" . ولا بد في الجواب على هذه الشبهات أن نقدم بهذا التمهيد : تمهيد إن سبب هذا الفهم عند الكردي هو الخطأ المركب من عدة أمور هي: الخطأ في تفسير الآية الكريمة المذكورة في الحديث، ومن ثمَّ الخطأ في مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من سياق الآية والاستدلال بها، ثم الخطأ في معرفة تفسير الآية في قصة لوط عليه السلام والتي بنى عليها الكاتب أن الحديث يدل على إنقاص قدر النبي لوط صلى الله عليه وسلم، والخطأ في فهم مقصود النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن يوسف عليه السلام. وحتى ينجلي الأمر ويتبين تهافت هذا الفهم الذي قرره صاحب الكتاب هنا لا بد من التمهيد بهذه النقاط : أولاً : معاني الشك في لغة العرب والقرآن العظيم : الشك في لغة العرب أوسع معنى منه في الاصطلاح، فهو في الاصطلاح ما تساوى فيه كلا الاحتمالين، ولم يترجح فيه أحد الطرفين( 5(. أما في لغة العرب واستخدامات القرآن فهو أوسع استعمالاً، إذ الشك خلاف اليقين، فيطلق على الظن، وعلى الجهل وعدم العلم بالشيء أيضاً. قال تعالى: ( وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علمٍ إلا اتباع الظن ) [ النساء: 157 ] . قال البيضاوي في تفسير هذه الآية : " الشك كما يطلق على ما لا يرجح أحد طرفيه، يطلق على مطلق التردد، وعلى ما يقابل العلم، ولذلك أكده بقوله (ما لهم بذلك من علم) ... ويجوز أن يفسر الشك بالجهل، والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزماً كان أو غيره "(6 (. وقال تعالى أيضاً عن الكافرين: ( بل ادراك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ) [ النمل ]. قال ابن جرير الطبري: " أي لم يتتابع بذلك ولم يعلموه، بل غاب علمهم عنه، وضل فلم يبلغوه ولم يدركوه. بل هم في شك منها يقول : بل هؤلاء المشركون الذين يسألونك عن الساعة في شك من قيامها لا يوقنون بها ولا يصدقون بأنهم مبعوثون من بعد الموت "(7 (. وكذا قوله تعالى في على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً المشركين: ( إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) [ يونس: 104 ] فليس الشك هنا بمعنى التردد فإنهم كانوا جاحدين كافرين به وبدينه. وكذا قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ) [يونس: 94] أي: إن كنت يا محمد لا علم عندك بما جاء في التوراة والإنجيل من صفاتك وشأنك، فاسأل أهل الكتاب عن ذلك، فإنهم على علم بك لما ورد في كتبهم من خبرك وصفاتك، فإنهم يعرفونك كما يعرفون أبناءهم، وهذا كقوله تعالى: ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . بالبينات والزبر ) [النحل: 43 ـ 44 ](8 (. ثانياً: بيان معنى الآية الواردة في الحديث: قال تعالى : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) [ البقرة : 260 ]: ليس المقصود هنا أن إبراهيم عليه السلام يشك في قدرة الله تعالى على الإحياء . ويظهر هذا من وجهين(9 (: الأول: أن إبراهيم عليه السلام قد قال ( بلى ) ، وهذا يزيل كل لبس، وينفي كل توهم في نسبة الشك في القدرة إلى إبراهيم عليه السلام. والاستفهام في قوله تعالى : ( أولم تؤمن ) للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى : ( ألم نشرح لك صدرك ) [ الشرح: 1 ] يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ( أولم تؤمن ): ألست قد آمنت. لتقرير إيمان إبراهيم عليه السلام(10 (. قال ابن عطية : " إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم به، يدلك على ذلك قوله: ( ربي الذي يحيي ويميت ) [ البقرة : 258 ]، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً"(11 ). الثاني : أن سؤال إبراهيم عليه السلام إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان كما هو صريح قوله: ( كيف تحيي الموتى ). قال ابن عطية : " وإذا تأملت سؤاله عليه السلام، وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول . نحو قولك : كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله ... و ( كيف ) في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر"(12 ). إذا علم ذلك فيبقى السؤال : ما سبب سؤال إبراهيم عليه السلام ؟ : والجواب : أنه قد اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال أهمها( 13): 1- أنه سأل عن كيفية الإحياء، ليزداد بذلك إيماناً ويقيناً، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك عندما يرى كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكاً في القدرة، ولا جاهلاً بمعنى الإحياء. وعلى هذا القول جمهور أهل العلم(14 ). ويكون معنى قوله: ( ليطمئن قلبي ): ليزداد إيماناً مع إيمانه، ويقيناً مع يقينه. 2- أنه عندما بُشّر بأن الله عز وجل قد اتخذه خليلاً؛ سأل ربه هذا السؤال، لتكون إجابة دعائه وإحياء الموتى بسؤاله دليلاً وعلامة على خلته، وعظيم منزلته عند الله تعالى، وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : ( ليطمئن قلبي ): أي: بالخلة وعلو المنزلة( 15). وإلى هذا القول ذهب الطحاوي( 16)، وهو مروي عن السدي( 17)، وسعيد بن جبير(18 )، وعبد الله بن المبارك(19 ). 3- أن سبب سؤاله عليه السلام : المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمرود، فطلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؛ ليتضح استدلاله عياناً بعد أن كان بياناً( 20). الشبهات التي أوردها المؤلف : الشبهة الأولى : أن في هذا الحديث اتهام للنبيين الكريمين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام بالشك : ركّب الكردي هذه الشبهة من مجموع مقدمات فاسدة وهي : أن الحديث يثبت الشك لإبراهيم، والشك المقصود في الحديث هو الشَّكُّ بوعد الله بالبعث أو بقدرته تعالى على إحياء الموتى، ثم زعم أن تسمية ما ورد في الآية شكاً لا يمكن أن يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو جهل بمعنى الآية . الجواب عن هذه الشبهة: قد سبق بيان معنى الآية، وأنه ليس المراد من السؤال في الآية الشك في القدرة، بل لم يكن السؤال عن القدرة وإنما كان عن الكيفية. ولكن ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ". ولماذا أورد صلى الله عليه وسلم الآية بعد هذا الكلام؟. والجواب: أن العلماء رحمهم الله قد بينوا معنى هذا الحديث بل وعدوه من فضائل إبراهيم عليه السلام(21 ). وقالوا المراد من الحديث: تنزيه إبراهيم عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال أقواها: القول الأول : أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يشك، ولو كان الشك متطرقاً إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم عليه السلام من باب أولى ألا يشك. قال ذلك صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع وهضم النفس. وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء كابن قتيبة(22 )، والطحاوي(23 )، والخطابي(24 )، والحميدي(25 )، وابن عطية( 26)، وابن حزم( 27)، والقاضي عياض( 28)، وابن الجوزي(29 )، والنووي(30 )، وصفي الرحمن المباركفوري(31 )، وابن عثيمين(32 )، وغيرهم(33 ). قال الخطابي: " مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم )؛ اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم عليه السلام، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما"( 34). وقال ابن الجوزي: " مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس"(35 ). القول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكاً، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم عليه السلام اسمَ الشك، وإلا فإبراهيم كان مؤمناً موقناً، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية(36 ) وابن القيم(37 ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمناً كما أخبر الله عنه بقوله: ( أولم تؤمن قال بلى ) ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: ( ولكن ليطمئن قلبي ) فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وسلم شكاً لذلك بإحياء الموتى"(38 ). الشبهة الثانية : أن في الحديث انتقاصاً من قدر لوط عليه السلام : وهنا يزعم الكردي أن هذا الحديث يدل على أن لوطاً عليه السلام " كان يجهل أن الله تعالى ركنه ومأواه". الجواب عن هذه الشبهة : وحتى يتبين المقصود بالحديث لا بد من بيان معنى الآية التي أشار إليها هذا الحديث وهي قوله تعالى : ( قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود: 80 ]. قال المفسرون: أراد لوط عليه السلام بقوله : ( أو آوي إلى ركن شديد ) أي: قبيلة قوية مانعة، تمنعكم من الوصول لأضيافي، وذلك أن الملائكة لما جاءت لوطاً عليه السلام في صورة شباب حِسان، في غاية الجمال والكمال ـ وهو لا يدري أنهم ملائكة ـ ( وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ) [ هود: 77 ] أي: شديدٌ حرجه، لأنه يعلم أن قومه لا يتركونهم، فكان ما خشي، حيث جاءه قومه ( يهرعون إليه ) [ هود : 78 ] أي: مسرعين مبادرين، يريدون أضيافه بعملهم الخبيث، فاشتد قلق لوط عليه السلام وخوفه على أضيافه، فقال : ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) [ هود: 80 ] أي قبيلة مانعة لمنعتكم، وعندها أخبرته الملائكة بحالهم، ليطمئن قلبه: ( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) [ هود : 81 ] ( 39). ولا شك أن العصبة والقبيلة منعت بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أعداءهم، قال تعالى في قصة هود عليه السلام: ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ]. قال الشيخ الأمين الشنقيطي: " بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن نبيه شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار . وهو دليل على المتمسك بدينه قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر. كقوله في صالح وقومه: ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله) [النمل: 49] الآية. ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءاً، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفاً من عصبته. فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار. وقد قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: ( ألم يجدك يتيماً فآوى ) [ الضحى: 6 ] أي: آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب . وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة ... لهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة. بدليل قوله تعالى عنه: ( قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود : 80] . وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية إخوانهم الكافرين"(40 ). فإذا كان هذا هو معنى الآية وله نظائر في كتاب الله تعالى، وقد استجار النبي صلى الله عليه وسلم بالمطعم بن عدي لما جاء من الطائف( 41)، فما المنكر في أن يتمنى لوطٌ عليه السلام أن يكون له عشيرة تحميه من قومه كما كان لغيره من الأنبياء عليهم والسلام، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ ليأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ إِذْ قَالَ لقومه: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود : 80] ومَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ من نبي إِلاَّ في ثروة مِنْ قَوْمِهِ"(42). وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد). فقد اختلف العلماء في معناه على عدة أقوال وهي كما يلي(43): القول الأول: أن المعنى : رحمه الله على هذا التمني الذي فرط منه في وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة، من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوي إلى أشد الأركان وأقواها، وهو الله تعالى . وإلى هذا القول ذهب ابن قتيبة(44 )، والبغوي( 45)، والقاضي عياض(46 )، وابن الأثير( 47)، والقرطبي(48 )، وهو ظاهر كلام الطحاوي(49 )، وجوّزه النووي(50 )، ورجحه ابن حجر(51 )، وغيره( 52). قال ابن قتيبة في معنى ترحمه صلى الله عليه وسلم على لوط: " يريد سهوه في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جزعه بما دهمه من قومه"(53 ). وقال ابن الأثير: " وإنما ترحم عليه؛ لسهوه حين ضاق صدره من قومه، حتى قال: (أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود : 80] أراد العشيرة الذين يُستند إليهم كما يستند إلى الركن من الحائط"(54 ). واستشهد هؤلاء بالحديث السابق والذي فيه: " ومَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ من نبي إِلاَّ في ثروة مِنْ قَوْمِهِ". القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط في قوله هذا، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطاً كان في نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك. قال رحمه الله : " لأن لوطاً عليه السلام إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش، من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط عليه السلام أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة، وأشد ركن، ولا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس فقد قال تعالى (ولولى دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ). فهذا الذي طلب لوط عليه السلام، وقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكر على لوط أمراً هو فعله عليه السلام، تالله ما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبر عليه السلام أن لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، يعني من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بذلك، ومن اعتقد أن لوطاً كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد؛ فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضاً ظن سخيف إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات وهو دائباً يدعو إليه؛ هذا الظن"(55 ). القول الثالث: ما ذهب ابن الجوزي من أن لوطاً عليه السلام لم يغفل عن الله تعالى، ولم يترك التوكل عليه، لكن لما كان ظاهر كلامه قد يفهم منه نسيانه لله تعالى؛ أراد النبي صلى الله عليه وسلم منا ألا نقول ما يوهم ذلك. قال رحمه الله : " أما قصة لوط؛ فإن لوطاً لم يغفل عن الله عز وجل، ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد نبينا عليه السلام ألا نقول ما يوهم هذا "(56 ). القول الرابع : ما ذهب إليه الأبيّ وهو : أن لوطاً عليه السلام قصد من قوله هذا؛ إظهار العذر لأضيافه، وتطييب نفوسهم، ولم يكن قط معرضاً عن الله تعالى، والاعتماد إليه، وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم هنا؛ فإنما أراد منه المدح والثناء(57 ). هذه أهم الأقوال في الحديث وحاصلها :- الاتفاق على أن لوطاً عني بقوله : (أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود : 80]: عشيرته وقومه. - وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عني بقوله: ( ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد ): الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها. - أنه لا خلاف في أن لوطاً عليه السلام؛ لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركنٌ شديد، كيف وهو يركن ويأوي إليه في كل وقت وحين، ولذا قال ابن حزم ـ كما سبق ـ : " ومن ظن أن لوطاً عليه السلام اعتقد أنه ليس له من الله ركنٌ شديد فقد كفر". وإنما موطن الخلاف في الآية هو : تلك اللحظة الحرجة التي تعرض لها لوط عليه السلام، هل نسي فيها ربه عندما قال ـ مشيراً إلى عشيرته وقبيلته ـ أو آوي إلى ركنٍ شديد ) [ هود : 80] أو لا؟ وعلى هذا ينبني معنى الحديث. فحرف المسألة في الحديث : هل قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لائماً للوط عليه السلام، وسائلاً له الرحمة، أم قاله منافحاً عنه، ومخبراً عن حاله، حتى لا يتوهم متوهم أن لوطاً في قوله هذا قد ترك الاعتماد على الله تعالى. أكثر أهل العلم قالوا بالأول، والثاني أليق بمقام النبوة، وعليه يدل السياق، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في سياق الثناء والمدح لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، ونفي ما قد يتوهم في حقهم من الباطل(58 ). الشبهة الثالثة : أن الحديث يدل على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أقل مقاماً من يوسف عليه السلام وهذا لا يصح: قال الكردي : " وكذلك لا يصح أن يكون سيدنا رسول الله أقل مقاماً من يوسف الذي رفض بكل وجه حق أن يخرج من السجن إلا بعد أن تثبت للجميع براءته، فينسب الراوي إليه أنه يقول: لو كنت مكانه لخرجت بسرعة ولم أنتظر!". والجواب على هذه الشبهة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا : الثناء على يوسف عليه السلام، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذِناً له بالخروج، لم يبادر إلى الخروج ـ كما هو مقتضى الطبيعة ـ مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال : ( ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) [ يوسف: 50 ]، قال ذلك: حتى تظهر براءته وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له حجة، لا خروج من قد عُفي عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وأدباً : ( لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف؛ لأجبت الداعي ) أي : لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة. هذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة(59 )، والطحاوي(60 )، والخطابي(61 )، والبغوي(62 )، وابن عطية(63 )، والمزري(64 )، والقاضي عياض(65 )، وابن الجوزي(66 )، والنووي( 67)، والأبيّ(68 )، وابن حجر( 69)، وابن عثيمين(70 )، وغيرهم( 71). قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) [ يوسف: 50 ]: " يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه، التي كان رآها، بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف عليه السلام، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ( ائتوني به ) أي: أخرجوه من السجن وأحضروه. فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلما وعدوانا، قال: (ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ) وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعُلُوّ قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه"(72 ). ثم ذكر هذا الحديث. وختاماً.. فإن الكردي يصف الحديث بأنه مظلمٌ ! فيقول : " إنه حديث مظلمٌ بعيد عن نور النبوة، وهذه علة قادحة في متنه تكفي للحكم بعدم صحته". وقد اتضح معنى الحديث ولله الحمد بما لا يتوهم معه الانتقاص من قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل هو من باب بيان فضائلهم عليهم السلام، وعلو منزلتهم عند الله تعالى. وهذا المعنى المذكور في هذا الحديث؛ مذكورٌ في عدد من الآيات التي هي نور من الله تعالى، قال تعالى : ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [الأنبياء: 87]. وقال تعالى : ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) [ هود: 46 ]. فأيهما أشد استبعاداً في عقل الكردي، ما جاء عن لوط عليه السلام في هذا الحديث أم ما ورد في هذه الآيات !!. وهل يجرؤ الكردي أن يصف ما ورد في هذه الآيات وأمثالها بأنه مظلم!، وقد قال تعالى : ( قد جاءكم من الله نورٌ وكتاب مبين ) [ المائدة: 15 ]. ولكننا نقول صدق الله إذ يقول : ( ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور ) [النور: 40]. فجر الخميس : 12 / 11 / 1428هـ ـــــ حواشي ــــــــــــ (1 ) رواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله عز وجل: ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم ) [ الحجر: 51 ]: (12/42): رقم (3372 )، وفي التفسير: باب قوله: ( فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ) [ يوسف: 50 ]: ( 15 / 337 ) رقم ( 4694 ) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: ( 1 / 481 ) رقم ( 399 ) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: ( 15 / 427 ) رقم (6291). (2 ) يلاحظ طعنه هنا في أبي هريرة رضي الله عنه. (3 ) نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث: ( 193 ـ 194 ). (4 ) تفسير القرآن العظيم: ( 1 / 698 ) . (5 ) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف: ( 436 )، التعريفات للجرجاني: ( 168 ). (6 ) تفسير البيضاوي: ( 1 / 167 ). (7 ) جامع البيان : ( 10 / 9 ). (8 ) البيان لمشكلات الحرية أو الطوفان: ( 5 ). (9 ) انظرهما في: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: ( 409 ـ 410 ) وقد استفدت من هذا الكتاب كثيراً. (10 ) تفسير القرآن لابن عثيمين: ( 3 / 299 ـ 300 ). (11 ) المحرر الوجيز : ( 2 / 303 ). (12 ) المحرر الوجيز : ( 2 / 303 ). (13 ) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: ( 403 ). (14 ) انظر: جامع البيان: ( 3 / 49 )، والمحرر الوجيز: ( 2 / 301، 303 )، وشرح صحيح البخاري لابن بطال: ( 9 / 525 )، والفصل لابن حزم: ( 2 / 292 )، ومعالم التنزيل للبغوي: ( 1 / 247، 248)، وكشف المشكل لابن الجوزي: ( 3 / 358 )، والجامع لأحكام القرآن: ( 3 / 297، 299 )، وشرح النووي على مسلم: ( 2 / 542 ـ 543 )، وفتح الباري: ( 6 / 413 )، وتفسير السعدي: ( 1 / 323 )، وتفسير القرآن لابن عثيمين: ( 3 / 303 ). (15 ) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ( 3 / 300 )، وشرح النووي على مسلم: ( 2 / 542 ـ 543 ). (16 ) شرح مشكل الآثار: ( 1 / 184 ). (17 ) جامع البيان: ( 3 / 50 )، والجامع لأحكام القرآن: ( 3 / 300 ). (18 ) أعلام الحديث للخطابي : ( 3 / 1546 )، وشرح السنة للبغوي: ( 1 / 116 ). (19 ) أعلام الحديث للخطابي: ( 3 / 1546 )، والأسماء والصفات للبيهقي: ( 2 / 488 )، وشرح السنة للبغوي: ( 1 / 116 ). (20 ) جامع البيان: ( 3 / 49 ـ 50 ). (21 ) ولذلك رواه مسلم كما سبق في كتاب الفضائل: باب من فضائل إبراهيم عليه السلام. (22 ) تأويل مختلف الحديث: ( 91 ـ 92 ). (23 ) شرح مشكل الآثار: ( 1 / 184 ). (24 ) أعلام الحديث : ( 3 / 1545 ـ 1546 ). (25 ) تفسير غريب ما في الصحيحين: ( 292 ). (26 ) المحرر الوجيز: ( 2 / 303 ). (27 ) الفصل: ( 2 / 292 ـ 293 ). (28 ) الشفاء: ( 310 ). (29 ) كشف المشكل : ( 3 / 358 ). (30 ) شرح النووي على مسلم: ( 2 / 542 ). (31 ) منة المنعم في شرح صحيح مسلم: ( 1 / 133 )، ( 4 / 63 ). (32 ) تفسير القرآن له: ( 3 / 305 )، والقول المفيد على كتاب التوحيد: ( 1 / 219 ). (33 ) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: ( 9 / 525 )، والأسماء والصفات للبيهقي: ( 2 / 488 )، ومعالم التنزيل: ( 1 / 248 )، وإكمال المعلم للقاضي عياض: ( 1 / 465 )، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ( 3 / 298 ـ 299 )، وشرح النووي على مسلم: ( 2 / 542 )، وفتح الباري: ( 6 / 412). (34 ) أعلام الحديث: ( 3 / 1545 ـ 1546 ). (35 ) كشف المشكل: ( 3 / 358 ). (36 ) مجموع الفتاوى: ( 15 / 178 ). (37 ) مدارج السالكين: ( 1 / 507 ). (38 ) مجموع الفتاوى: ( 15 / 178 ). (39 ) جامع البيان: ( 7 / 79 ـ 87 )، والمحرر الوجيز: ( 9 / 195 ـ 198 )، ومعالم التنزيل: ( 2 / 394 ـ 396 )، والجامع لأحكام القرآن: ( 9 / 73 ـ 79 )، وتفسير القرآن العظيم: ( 2 / 701 ـ 702)، وفتح القدير: ( 2 / 513 ـ 515 )، تيسير الكريم الرحمن: ( 3 / 444 ـ 445 )، وأحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: (414). (40 ) أضواء البيان: ( 2 / 311 ). (41 ) سيرة ابن هشام : ( 1 / 381 ). (42 ) رواه أحمد في المسند: ( 18 / 147 ) رقم ( 8616 )، والترمذي في تفسير القرآن: باب ومن سورة يوسف: ( 11 / 383 ) رقم ( 3404 )،، والحاكم في مستدره: ( 3 / 458 ) والبخاري في الأدب المفرد: ( 1 / 212 ) رقم ( 605 ) مختصراً، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: ( 1 / 138 )، وفي السلسلة الصحيحة: ( 14 / 152 ). (43 ) انظرها في: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: ( 415 ـ 418 ). (44 ) تأويل مختلف الحديث: ( 92 ). (45 ) شرح السنة: ( 1 / 117 ). (46 ) إكمال المعلم: ( 1 / 466 ). (47 ) النهاية في غريب الحديث: ( 2 / 260 ). (48 ) الجامع لأحكام القرآن: ( 9 / 78 ). (49 ) شرح مشكل الآثار: ( 1 / 185 ـ 187 ). (50 ) شرح النووي على مسلم: ( 2 / 543 ). (51 ) فتح الباري: ( 6 / 415 ). (52 ) انظر: تحفة الأحوذي: ( 8 / 541 )، ومنة المنعم: ( 1 / 133 )، و ( 4 / 63 )، والقواعد الحسان للسعدي: ( 157 ). (53 ) تأويل مختلف الحديث: ( 92 ). (54 ) النهاية في غريب الحديث: ( 2 / 260 ). (55 ) الفصل: ( 1 / 138 ). (56 ) كشف المشكل: ( 3 / 358 ـ 359 ). (57 ) انظر: إكمال إكمال المعلم: ( 1 / 436 )، وشرح النووي على مسلم: ( 2 / 543 ). (58 ) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين: ( 418 ـ 419 ). (59 ) تأويل مختلف الحديث: ( 93 ). (60 ) شرح مشكل الآثار: ( 1 / 187 ). (61 ) أعلام الحديث: ( 3 / 1546 ـ 1547 ). (62 ) شرح السنة: ( 1 / 116 ). (63 ) المحرر الوجيز: ( 9 / 316 ـ 318 ). (64 ) المعلم: ( 1 / 213 ). (65 ) إكمال المعلم: ( 1 / 465 ). (66 ) كشف المشكل: ( 3 / 359 ). (67 ) شرح مسلم: ( 2 / 543 ـ 544 ). (68 ) إكمال إكمال المعلم: ( 1 / 437 ). (69 ) فتح الباري: ( 6 / 413 ). (70 ) تفسير القرآن: ( 3 / 305 ). (71 ) انظر: جامع البيان: ( 7 / 232 ـ 233 )، وشرح صحيح الباخري لابن بطال: ( 9 / 524 )، وتفسير القرآن العظيم: ( 2 / 744 )، والجامع لأحكام القرآن: ( 9 / 206 ـ 207 )، وفتح القدير: (3 / 33)، وتحفة الأحوذي: ( 8 / 540 )، ومنة المنعم: ( 4 / 63 ). (72 ) تفسير القرآن العظيم: ( 2 / 744 ).
روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم} قال : "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : الله ( ) {تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى هذا الحديث طعن فيه أعداء السنة والسيرة قديماً من أهل الأهواء والبدع، وزعموا أن فيه طعناً فى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام( ) وتابعهم حديثاً أذيالهم إذا يقول عبد الحسين شرف الدين الموسوى : "إن ، ولسائر الظاهر من قوله : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ثبوت الشك لرسول الله الأنبياء، وأنهم جميعاً أولى به من إبراهيم، ولو فرض عدم إرادة الأنبياء جميعاً مما لابد منها…، والحديث نص صريح فى أنه أولى بالشك"( فإرادة رسول الله ) ويجاب عن ما سبق بما يلى : أولاً : إجماع الأمة على عصمة أنبياء الله عز وجل ورسله، من الكفر والشرك، والشك، ومن تسلط الشيطان عليهم، وأن تلك العصمة صفة أساسية فيهم، وشرطاً ضرورياً من شروط الرسالة، كما أنها جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله عز وجل به، حتى يبلغوا رسالة ربهم إلى أقوامهم، وقد سبق تفصيل ذلك فى من خلال القرآن والسنة( ) حقه ثانياً : اتفاق علماء المسلمين على أن ظاهر : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس مراداً، كما أنه ليس فى ظاهر هذ الشك فى قوله ، وعن إبراهيم وسائر أنبياء الله ورسله عليهم القول اعتراف بالشك، بل نفيه عن نفسه الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق واحد منهم يجور فى حق الجميع يقول : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" ليس المراد هاهنا بالشك م الحافظ ابن كثير : قوله قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف( ) وقال الإمام على القارى( ) : "ليس فى : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" اعترافاً منه بالشك لهما، بل نفى لأن يكون قوله إبراهيم عليه السلام شك"( ) "نحن أحق بالشك من ثالثاً : إن سبب قوله من قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم إبراهيم" على ما جاء فى الحديث ما ذكره ( ){رب أرنى كيف تحى الموت قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى}عليه السلام : وهذه الآية وما بعدها قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فأراد نفى هذا الشك عن سيدنا إبراهيم، وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا به عليه السلام ويؤكد ذلك أنه ليس فى سؤال سيدنا إبراهيم عليه السلام ما يدل على أنه شك، إذ السؤال وقع بـ "كيف" الدالة على حال شئ موجود مقرر عند السائل والمسئول، كما تقول : كيف علم فلان؟ فكيف فى الآية، سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر لدى سيدنا إبراهيم عليه السلام( ) وهو ما شهد به رب العزة لسيدنا إبراهيم رداً على سؤاله، بقوله عز وجل: "أولم تؤمن" والاستفهام هنا تقريرى للمنفى، وهو الشك، كأنه قال له : ألست مؤمناً بالبعث؟ فكان جوابه عليه السلام بـ "بلى" لإثبات المنفى وهو الشك، والمعنى : أنا مؤمن بالبعث كما علمت ما فى قلبى، لكننى أريد أن يطمئن قلبى برؤية الكيفية فقط، واعتبر بذلك فما شك إبراهيم عليه السلام، ولم يكن لديه أى شبهة فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، إذ لم يقل لله تعالى : أتستطيع أن تحى الموتى؟ وإنما أراد أن يرى الهيئة، كما أننا لا نشك فى وجود ، ثم يرغب من لم يرى ذلك منا، الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، ورسول الله فى أن يرى كل ذلك، ولا يشك فى أنه حق، لكن ليرى العجب الذى يتمثله فى نفسه، ولم تقع عليه حاسة بصره قط( ) فواضح فى السؤال والجواب، أنه عليه السلام، لم يسأل لشك أو شبهة أو تردد وهذا ظاهر من سؤاله، إذ لم يقل لله تعالى : "هل تقدر أن تحى الموتى، أم لا تقدر؟ وهذا يشبه قولك لرسام كبير : دعنى أنظر إليك وأنت ترسم لوحة، أو لخطاط فنان : خط أمامى لكى أرى كيف تخط مثل هذه الخطوط الجميلة فليس فى مثل هذا الطلب أى ناحية تعجيزية، بل هو تعبير عن الافتنان بفنه الجميل، واعتراف به، ولهفة على رؤية دقائق فنه، وسعادة كبيرة فى تأمل كيفية ظهور لوحة رائعة، مرحلة مرحلة. أجل : فالسؤال كان حول كيفية الإحياء، وليس حول إمكانيته أو عدم إمكانيته"( ) قلت : وكيف يشك من وصفه ربه عز وجل فى كتابه بقوله تعالى : وكذلك نرى}( ) وقوله سبحانه : {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} ( ) والرشد، والإيقان، اسمى{إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين مراتب العلم الذى لا يصح معه شك أو حتى شبهة! وكيف يصح الشك، وقد وصفه ربه ( ) فبين رب العزة كما{وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم}تعالى بقوله : ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد به، أنه كان سليماً من الشك، وخالصاً للمعرفة واليقين، ثم ذكر المولى عز وجل، أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال تعالى ( ) فسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل، ثم{ماذا تعبدون. أإفكاً آلهة دون الله تريدون}: ( ) وهذا قول عارف بالله تعالى غير شاك! {فما ظنكم برب العالمين}قال سبحانه : ( ) شك فى البعث وإحياء الموتى؟! {رب أرنى كيف تحى الموتى}فكيف يكون قوله الحديث حجة لنا لا علينا : : "نحن أحق بالشك من ومن هنا كان قوله ، وهذ إبراهيم" حجة لنا إذ فيه نفى للشك عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وعن نفسه ، "نحن أحق بالشك من إبراهيم" من أحسن الأقوال وأصحها وأرجحها عندى فى معنى قوله يقول : إن الشك مستحيل فى حق إبراهيم عليه السلام، فإن الشك فى إحياء فكأنه الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، لأن ما يجوز فى حق واحد من الأنبياء يجوز فى حقهم جميعهم، وقد علمتم أنى لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم عليه السلام لم يشك! بقوله : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أن أو أراد يقول : إن هذا الذى تظنونه شكاً، أنا أولى به، ولكنه ليس بشك، وإنما هو طلب لمزيد اليقين وهذا الكلام مما جرت به العادة فى المخاطبة، لمن أراد أن يدفع عن آخر لا تقل ذلك شيئاً، قال : مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لى، ومقصوده وإنما خص إبراهيم عليه السلام، لكون الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة، منها احتمال ، تواضعاً وأدباً، أو قبل أن يعلم الشك، وإنما رجح إبراهيم عليه السلام على نفسه أنه خير وسيد ولد آدم عليه السلام( ) هذا : وقيل غير ذلك من الأقوال فى توجيه : "نحن أحق بالشك من إبراهيم" لكنها أقوال ضعيفة( ) ومن هنا اقتصرت على ذكر قوله ما سبق منها، لكونها أصحها، وأوضحها، وأرجحها أهـ. والله تعالى أعلى وأعلم.
الطعن في حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم"(*)
مضمون الشبهة: يطعن بعض خصوم السنة المطهرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ إذ قال: )رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي( (البقرة: ٢٦٠)، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» زاعمين أن هذا الحديث ينفي عصمة الأنبياء؛ إذ إنه - على حد زعمهم - ينسب إلى إبراهيم - عليه السلام - ومحمد - صلى الله عليه وسلم - الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ويفيد أن لوطا - عليه السلام - لم يكن يلجأ إلى الله عز وجل، كما يرون أن في الثناء على يوسف - عليه السلام - ما ينقص من قدر محمد صلى الله عليه وسلم. وهم بذلك يهدفون إلى التشكيك في هذا الحديث الصحيح، وإثبات أن بالسنة النبوية ما ينفي العصمة عن الأنبياء. وجها إبطال الشبهة: 1) إن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» حديث صحيح، بل في أعلى درجات الصحة؛ فقد رواه الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما، وذهب جمهور العلماء إلى أن المراد من الحديث هو نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام، فكأنه قال: إن إبراهيم لم يشك، ولو كان الشك متطرقا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى ألا يشك، فالنبي نفى الشك عن إبراهيم وعن نفسه وسائر الأنبياء. 2) لم يكن قوله صلى الله عليه وسلم:«يرحم الله لوطا» لوما للوط - عليه السلام - أو نسبة الخطأ إليه كما يتوهمون، بل يدل على أنه - عليه السلام - كان يأوي إلى الله دائما، كما أن ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - على يوسف لا يعني انتقاصا من قدره - صلى الله عليه وسلم - بل هو على سبيل التواضع الذي يزيده قدرا وإجلالا. التفصيل: أولا. الحديث صحيح ثابت، وهو خير دليل يؤكد عصمة الأنبياء جميعا: إن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» الذي طعن فيه أعداء السنة قديما من أهل الأهواء والبدع، وزعموا أن فيه طعنا في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - وتابعهم في ذلك أذيالهم من المعاصرين - هذا الحديث صحيح، وثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل في أعلى درجات الصحة؛ إذ إنه قد ورد بأصح الأسانيد في أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فقد رواه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: )وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي(، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي»[1]. ومن ثم، فلا يحق لأحد أن يطعن في هذا الحديث - لا سندا ولا متنا؛ إذ إن الأمة قد أجمعت على قبول هذين الكتابين - صحيح البخاري وصحيح مسلم - وحصل لهما من الإجماع ما لم يحصل لغيرهما من كتب الحديث[2]. وإذا أضفنا إلى ذلك أن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» قد روي بأصح الأسانيد كما شهد بذلك أهل العلم من علماء الحديث، فقد سبق أن أشرنا إلى أن الإمام البخاري، والإمام مسلم، قد رويا الحديث من طريقين: الأول: عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه. الآخر: عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد قال الحاكم النيسابوري: وأصح أسانيد أبي هريرة، الزهري عن سعيد بن المسيب عنه[3]. ولقد أشار السيوطي إلى ذلك في ألفيته في الحديث عند حديثه عن أصح الأسانيد عن أبي هريرة، إذ يقول: ولأبي هريرة الزهري عن سعيد، أو أبو الزناد حيث عن[4] وهكذا يتبين أن هذا الحديث الشريف موطن الاشتباه، ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ إنه قد ورد في أصح كتب الحديث، وبأصح الأسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: فلا مجال للتشكيك في سنده ومن ثم متنه أيضا. أما ما يثيره الطاعنون حول متن الحديث، فجوابه فيما يأتي: بداية نشير إلى أن "علماء الأمة مجتمعون على عصمة أنبياء الله - عز وجل - ورسله أجمعين من الكفر والشرك، ومن تسلط الشيطان عليهم، وأن تلك العصمة صفة أساسية فيهم، وشرط ضروري من شروط الرسالة، كما أنها جزء من الكمال البشري الذي كملهم الله - عز وجل - به حتى يبلغوا رسالة ربهم إلى أقوامهم[5]. يقول ابن الوزير اليماني: "أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء - عليهم السلام - عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه، وعلى صحة عقائدهم فيما يتعلق بأفعال الله وحكمته وجلالته"[6]. ومن هذا المنطلق، فإن الذي يمكن الجزم به هنا أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى منفي عن آحاد الأنبياء - عليهم السلام - فضلا عمن بلغ مرتبة الخلة، وعظيم المنزلة عند الله تعالى، كإبراهيم - عليه السلام - ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل ذلك مستحيل في حقهم - باعتبار حالهم لا باعتبار بشريتهم؛ لأنهم أنبياء، والأنبياء أعلم الناس بربهم، وما يتصف به من صفات الحسن والكمال، والتي منها صفة القدرة، فهم يعلمون أن الله تعالى متصف بكمال القدرة والإرادة، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فتصور وقوع الشك منهم باطل؛ لأنه كفر والكفر لا يجوز في حق الأنبياء - عليهم السلام، كيف وهم الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم لتبليغ رسالاته وتحكيم شرعه؟[7]. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فليس فيه إثبات للشك لإبراهيم عليه السلام، ولا اعتراف من النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوع الشك منه كما قد يتوهم، وإنما المراد بالحديث - كما اتفق أهل العلم - خلاف ذلك، وهو نفي الشك عن إبراهيم - عليه السلام - وعن نبينا - صلى الله عليه وسلم - إذ إن معنى الحديث، كما ذهب جمهور العلماء: أن المراد به نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام، فكأنه قال: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يشك، ولو كان الشك متطرقا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم - عليه السلام - من باب أولى ألا يشك، قال ذلك - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التواضع وهضم النفس. وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم كابن قتيبة، والطحاوي، والخطابي، والحميدي، وابن عطية، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن الجوزي، والنووي، وصفي الرحمن المباركفوري، وابن عثيمين، وغيرهم[8]، ونستطيع أن نفصل بعض أقوالهم على النحو الآتي: o قال ابن قتيبة: "قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بالشك من إبراهيم عليه السلام " تواضعا منه، وتقديما لإبراهيم على نفسه، يريد: إنا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟" [9]. o قال الخطابي: "مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم عليه السلام، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه وأن لا يرتاب"[10]. o وقال ابن الجوزي: "مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس، وليس في قوله "نحن أحق بالشك" إثبات شك له ولا لإبراهيم، وإنما يتضمن نفي الشك عنهما؛ لأن قوما ظنوا في قوله تعالى: )رب أرني كيف تحيي الموتى( أنه شك، فنفى ذلك عنه، وإنما المعنى: "إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى ألا يشك، فكأنه رفعه على نفسه"[11]. o وقال ابن عطية عن هذا الحديث: "معناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم - عليه السلام - أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم"[12]. o وقال ابن حزم: "أما ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمن ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شك قط في قدرة ربه - عز وجل - على إحياء الموتى فقد كفر، وهذا الحديث حجة لنا، ونفي للشك عن إبراهيم، أي: لو كان هذا الكلام من إبراهيم - عليه السلام - شكا، لكان من لم يشاهد من القدرة ما شاهد إبراهيم - عليه السلام - أحق بالشك، فإذا كان من لم يشاهد من القدرة ما شاهد إبراهيم غير شاك، فإبراهيم - عليه السلام - أبعد من الشك. ومن نسب إلى الخليل - عليه السلام - الشك فقد نسب إليه الكفر، ومن كفر نبيا فقد كفر، وأيضا فإن كان ذلك شكا من إبراهيم عليه السلام، وكنا نحن أحق بالشك منه، فنحن إذا شكاك جاحدون كفار، وهذا كلام نعلم - والحمد لله - بطلانه من أنفسنا، بل نحن ولله الحمد مؤمنون مصدقون بالله تعالى، وقدرته على كل شيء يسأل عنه السائل"[13]. فالحديث إذن لا يثبت شكا لا لإبراهيم - عليه السلام - ولا لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما يتوهم الطاعنون، بل إنه - كما تبين لنا من أقوال جمهور العلماء - ينفي عنهما مظنة الشك. سبب قوله صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»: إن سبب قوله - صلى الله عليه وسلم - نحن أحق بالشك من إبراهيم على ما جاء في الحديث - ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: )رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي(، وهذه الآية الكريمة وما بعدها قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك، فأراد - صلى الله عليه وسلم - نفي هذا الشك عن سيدنا إبراهيم، وإبعاد الخواطر الضعيفة أن تظن هذا به عليه السلام [14]. الأدلة التي تؤكد ذلك: o الدليل الأول: أن إبراهيم - عليه السلام - مؤمن مصدق بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، يدل على ذلك أنه قال في محاجته للنمرود )ربي الذي يحيي ويميت( (البقرة: ٢٥٨)، وعندما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى قال الله تعالى له: )أولم تؤمن قال بلى(، فقوله "بلى" يزيل كل لبس وينفي كل توهم في نسبة الشك إليه عليه السلام [15]. والاستفهام هنا )أولم تؤمن( للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: )ألم نشرح لك صدرك (1)( (الشرح) يعني: قد شرحنا لك، فمعنى )أولم تؤمن( ألست قد آمنت، لتقرير إيمان إبراهيم عليه السلام [16]. قال ابن حزم: "وأما قوله: )رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي(، فلم يقرره ربنا - عز وجل - وهو يشك في إيمان إبراهيم عبده وخليله ورسوله، وتعالى الله عن ذلك، ولكن تقريرا للإيمان في قلبه، وإن لم ير كيفية إحياء الموتى، فأخبر - عليه السلام - عن نفسه أنه مؤمن مصدق"[17]. وقال ابن عطية: "إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم به، يدلك على ذلك قوله: )ربي الذي يحيي ويميت(، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا"[18]. o الدليل الثاني: أن سؤال إبراهيم - عليه السلام - إنما هو عن الكيفية لا الإمكان، كما هو صريح في قوله: )كيف تحيي الموتى(. قال ابن عطية: "وإذا تأملت سؤاله - عليه السلام - وسائر ألفاظ الآية رأيت أنها لم تعط شكا؛ وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود، مقرر الوجود عن السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك وكيف زيد، فإنما السؤال عن حال من أحواله، و"كيف" في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر[19]. وقال ابن جزم: "إنما أراد أن يرى الكيفية فقط، ويعتبر بذلك، وما شك إبراهيم - عليه السلام - في أن الله تعالى يحيي الموتى، وإنما أراد أن يرى الهيئة، كما أننا لا نشك في صحة وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، والخليفة، ثم يرغب من لم ير ذلك منا في أن يرى كل ذلك، ولا يشك في أنه حق، لكن ليرى العجب الذي يتمثله في نفسه، ولم تقع عليه حاسة بصره قط"[20]. إذن فإبراهيم - عليه السلام - لم يسأل شكا أو شبهة أو ترددا، وهذا ظاهر من سؤاله؛ إذ لم يقل لله تعالى: "هل تقدر أن تحيي الموتي، أم لا تقدر" وهذا يشبه قولك لرسام كبير: دعني أنظر إليك وأنت ترسم لوحة، أو لخطاط فنان: خط أمامي لكي أرى كيف تخط مثل هذه الخطوط الجميلة. فليس في مثل هذا الطلب أي ناحية تعجيزية، بل هو تعبير عن الافتنان بفنه الجميل، واعتراف به، ولهفة على رؤية دقائق فنه، وسعادة كبيرة في تأمل كيفية ظهور لوحة رائعة مرحلة مرحلة، أجل: فالسؤال كان حول كيفية الإحياء، وليس حول إمكانيته أو عدم إمكانيته. وأخيرا: كيف يشك من وصفه ربه - عز وجل - في كتابه بقوله تعالى: )ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51)( (الأنبياء)، وقوله سبحانه: )وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75)( (الأنعام)، والرشد والإيقان أسمى مراتب العلم الذي لا يصح معه شك أو شبهة. فكيف يصح الشك، وقد وصفه ربه تعالى بقوله: )وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84)( (الصافات)، فبين رب العزة كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم، وإنما أراد به أنه سليما من الشك، وخالصا للمعرفة واليقين، ثم ذكر المولى - عز وجل - أنه عاب قومه على عبادة الأصنام؛ فقال تعالى عنه: )إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86)( (الصافات) فسمى عبادتهم إفكا وباطلا، ثم قال عز وجل: )فما ظنكم برب العالمين (87)( (الصافات)، وهذا قول عارف بالله تعالى غير شاك. وصفوة القول: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» حجة لنا لا علينا؛ إذ فيه نفي للشك عن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وعن نفسه - صلى الله عليه وسلم - إذ المعني كما سبق أن قلنا: أن الشك مستحيل في حق إبراهيم - عليه السلام - فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم؛ لأن ما يجوز في حق واحد من الأنبياء يجوز في حقهم جميعا، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم - عليه السلام - لم يشك [21]. ثانيا. إن الحديث يدل على أن لوطا كان يأوي إلى الله تعالى دائما، الذي هو أقوى الأركان، وثناء النبي على يوسف - عليه السلام - هو من باب التواضع: أما قوله صلى الله عليه وسلم: «ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» فليس فيه ما يفيد نسبة الخطأ إلى لوط - عليه السلام - أو ينفي عصمته؛ إذ إنه إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى قول لوط - عليه السلام - لقومه: )قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80)( (هود). والمقصود بالركن هنا: القبيلة والعشيرة، قال ابن حجر: "يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوطا من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة، لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني"[22]. والمتأمل في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» يجد أن العلماء قد اختلفوا فيه على عدة أقوال، ليس من بينها نسبة الخطأ للوط - عليه السلام - أو ما يفيد إلى أنه توكل على غير الله عز وجل، ويمكن أن نستعرض هذه الأقوال على النحو الآتي: · أن المعنى: أي رحمه الله على هذا التمني الذي فرط منه في وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة، من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوي إلى أشد الأركان وأقواها، وهو الله تعالى. وإلى هذا ذهب ابن قتيبة، والبغوي، والقاضي عياض، وابن الأثير، والقرطبي، وهو ظاهر كلام الطحاوي، وجوزه النووي، ورجحه ابن حجر وغيره[23]. قال ابن قتيبة: وأما قوله: «رحم الله لوطا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» فإنه أراد قوله لقومه: )قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80)( يريد سهوه في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جذعه بما دهمه من قومه، حتى قال: أو آوي إلى ركن شديد، وهو يأوي إلى الله تعالى أشد الأركان"[24]. · ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط في قوله هذا، ولم يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطا كان في نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك. قال - رحمه الله: "إن لوطا - عليه السلام - إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش - من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه كان يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، فلا جناح على لوط - عليه السلام - في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: )ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض( (البقرة: ٢٥١) فهذا هو الذي طلب لوط عليه السلام. وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله صلى الله عليه وسلم، تالله ما أنكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما أخبر - عليه السلام - أن لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني: من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط - عليه السلام - علم بذلك، ومن ظن أن لوطا - عليه السلام - اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر؛ إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضا ظن سخيف؛ إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات - وهو دائبا يدعو إليه - هذا الظن"[25]. · ما ذهب إليه ابن الجوزي من أن لوطا - عليه السلام - لم يغفل عن الله تعالى، ولم يترك التوكل عليه، لكن لما كان ظاهر كلامه قد يفهم منه نسيانه لله تعالى، أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منا ألا نقول ما يوهم ذلك. قال - رحمه الله: " أما قصة لوط، فإن لوطا لم يغفل عن الله - عز وجل - ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبينا - صلى الله عليه وسلم - ألا نقول ما يوهم هذا"[26]. · أن لوطا - عليه السلام - التجأ إلى الله في باطنه، وهو ما يخبر عنه الحديث، وإنما قال: )أو آوي إلى ركن شديد (80)( أمام الأضياف اعتذارا وتطييبا لنفوسهم، فقد قدر لوط في نفسه في هذه اللحظة أن أضيافه - وهو لا يعلم أنهم ملائكة - يتساءلون - ولو في أنفسهم: أما لهذا الرجل ولد أو عشيرة تدفع عنه، فقال هذا القول اعتذارا لهم بأن لا ولد له ولا عشيرة تحميه، أما في الباطن فملتجئ إلى الله تعالى[27]. وقد نقل ابن حجر عن النووي قوله: "إنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذارا"[28]. وفي ذلك يقول الأبي المالكي: "لوط - عليه السلام - لم ينس اللجوء إلى الله تعالى في القضية، وإنما قال ذلك تطييبا لنفوس الأضياف، وإبداء العذر لهم، بحسب ما ألف في العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة أو عشيرة، وهذا في الحقيقة محمدة وكرم أخلاق، يستحق صاحبه الحمد، فقوله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله لوطا» ثناء لا نقد، وهو جار على عرف العرب في خطابها"[29]. هذه هي أهم أقوال أهل العلم في معنى الحديث الشريف، وحاصلها أنه لا خلاف في أن لوطا - عليه السلام - لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، كيف وهو يركن ويأوي إليه في كل وقت وحين؟ ولذا قال ابن حزم - رحمه الله - كما تقدم: "ومن ظن أن لوطا - عليه السلام - اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر". إذن لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لائما للوط - عليه السلام - وسائلا له الرحمة والتجاوز عن هذا الخطأ كما يتوهمون، بل قاله - صلى الله عليه وسلم - منافحا عنه، ومخبرا عن حاله، أنه كان يأوي إلى الله تعالى ويعتمد عليه، حتى لا يتوهم متوهم أن لوطا - عليه السلام - في قوله هذا قد ترك الاعتماد على الله، كما لا يلزم من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للوط - عليه السلام - بالرحمة أن يكون قد أخطأ ونسي الله تعالى كما قد يتوهم؛ لأن ذلك يجري على سبيل المدح وبيان الفضل، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - لما استغضب: «يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»[30] [31]. وعليه فلا حجة لمن يزعم أن الحديث الشريف يطعن في عصمة لوط عليه السلام. أما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» فلا يفهم منه أي انتقاص لقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان مكان يوسف - عليه السلام - فبادر بالخروج من السجن؛ إذ لا حرج على يوسف - عليه السلام - ولا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان مكانه وفعل ذلك؛ إذ لا إثم ولا نقص في ذلك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلا يفهم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك أنه كان يبادر بالخروج من السجن لو كان مكان يوسف، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا: الثناء على يوسف - عليه السلام -، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذنا له بالخروج، لم يبادر بالخروج - كما هو مقتضى الطبيعة - مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال: )ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن( (يوسف: ٥٠) قال ذلك حتى تظهر براءته، وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له الحجة، لا خروج من قد عفي عنه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تواضعا منه وأدبا: «لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي». هذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة، والطحاوي، والخطابي والبغوي، وابن عطية، والمازري، والقاضي عياض، وابن الجوزي، والنووي، والأبي، وابن حجر، وابن عثيمين، وغيرهم[32]. قال ابن قتيبة في بيان معنى الحديث: "يعني: حين دعي للإطلاق من الحبس بعد الغم الطويل، فقال للرسول: )ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن( ولم يخرج من الحبس في وقته، يصفه بالأناة والصبر، وقال: لو كنت مكانه، ثم دعيت إلى ما دعي إليه من الخروج من الحبس، لأجبت ولم أتلبث، وهذا جنس من تواضعه، لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول نقص ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله - عز وجل - له، فيبادر ويتعجل، ولكنه كان صابرا محتسبا"[33]. وقال البغوي بعد ذكره للحديث: "وصف يوسف بالأناة والصبر، حيث لم يبادر إلى الخروج حيث جاءه رسول الملك - فعل المذنب الذي يعفي عنه - مع طول لبثه في السجن، بل قال: )ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن(، أراد أن يقيم عليهم الحجة في حبسهم إياه ظلما، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك أيضا على سبيل التواضع، لا أنه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف. والتواضع لا يصغر كبيرا، ولا يضع رفيعا، ولا يبطل لذي حق حقا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلا، ويكسبه جلالا وقدرا"[34]. وعليه فلا مجال للطعن في هذا الحديث الشريف بأي وجه من الوجوه بدعوى أنه يطعن في عصمة بعض النبيين عليهم السلام، بل إنه يثبت لهم العصمة؛ لأن سياقه كما رأينا من آراء جمهور العلماء سياق مدح وثناء على الأنبياء، لا سياق لوم أو تخطئة. الخلاصة: · إن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم»حديث صحيح وثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل في أعلى درجات الصحة؛ فقد روي في صحيحي البخاري ومسلم، وقد اتفق علماء الأمة على قبول ما ورد فيهما، والقطع بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم. · إن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى منفي عن آحاد الأنبياء، فضلا عمن بلغ مرتبة الخلة، وعظيم المنزلة عند الله تعالى؛ كإبراهيم - عليه السلام - ومحمد صلى الله عليه وسلم. · إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» أي: لو كان الشك متطرقا إلى إبراهيم - عليه السلام - لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا لا نشك في قدرة الله، فإبراهيم - عليه السلام - من باب أولى، وهذا على سبيل التواضع منه - صلى الله عليه وسلم - وهضم النفس، وفي هذا نفي للشك عن إبراهيم - عليه السلام - وعن نفسه صلى الله عليه وسلم. · لقد ذهب العلماء في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم:«ويرحم الله لوطا»إلى عدة أقوال، ولكنهم اتفقوا جميعا على أن لوطا - عليه السلام - لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، كما اتفقوا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ذلك لائما للوط - عليه السلام - وإنما قاله منافحا عنه ومخبرا عن حاله. · إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي» هو وصف ليوسف - عليه السلام - بالأناة والصبر، فهو ثناء عليه، وهو من النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التواضع الذي لا يصغر كبيرا، ولا يضع رفيعا، ولا يبطل لذي حق حقا، بل يزيده - صلى الله عليه وسلم - جلالا وقدرا.
(*) تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ. [1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأنبياء، باب: قوله عز وجل: ) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) (، (6/ 473)، رقم (3372). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، (2/ 572)، رقم (375). [2]. انظر: مكانة الصحيحين والدفاع عن صحيح مسلم، عبد العزيز العتيبي، شركة غراس للنشر، الكويت، ط1، 1427هـ/ 2007م، ص13 وما بعدها. [3]. معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري، (1/ 92). [4]. شرح ألفية السيوطي في الحديث، محمد بن علي بن آدم الإتيوبي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط3، 1424هـ/ 2003م، (1/ 41). [5]. رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، د. عماد السيد الشربيني، مطابع دار الصحيفة، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص239. [6]. الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير اليماني، دار المعرفة، بيروت، 1399هـ/ 1979م، (2/ 79). [7]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص407. [8]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص400، 401. [9]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص91، 92. [10]. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، الخطابي، تحقيق: د. محمد بن سعيد آل سعود، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1409هـ/ 1988م، (3/1545، 1546). [11]. كشف المشكل من حديث الصحيحين، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق: علي حسن البواب، دار الوطن، الرياض، 1418هـ/ 1997م، (3/ 358). [12]. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1400هـ، (2/ 303). [13]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (4/ 18). [14]. رد شبهات حول عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، د. عماد الشربيني، مطابع دار الصحيفة، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص240. [15]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص409. [16]. تفسير القرآن الكريم، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، السعودية، ط1، 1423هـ، (3/ 299، 300). [17]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (4/ 18). [18]. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1400هـ، (2/ 303). [19]. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1400هـ، (2/ 303). [20]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (4/ 18). [21]. رد شبهات حول عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، د. عماد السيد الشربيني، مطابع دار الصحيفة، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م، ص241، 242. [22]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (6/ 478). [23]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص315. [24]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص92. [25]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (4/ 19، 20). [26]. كشف المشكل من حديث الصحيحين، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق: علي حسن البواب، دار الوطن، الرياض، 1418هـ/ 1997م، (3/ 358، 359). [27]. عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، مصر، 1399هـ/ 1979م، ص302، 303 بتصرف. [28]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (6/ 479). [29]. إكمال إكمال المعلم، محمد بن خليفة الأبي، (1/ 436)، نقلا عن: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص418. [30]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، (6/ 503)، رقم (3405). صحيح مسلم (بشرح النووي) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، (4/ 1691)، رقم (1062). [31]. انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص415: 422 بتصرف. [32]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص422، 423. [33]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص93. [34]. شرح السنة، البغوي، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1403هـ/ 1983م، (1/ 116، 117). موقع بيان الإسلام ..
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video