آخر تحديث للموقع :

الأربعاء 12 ربيع الأول 1445هـ الموافق:27 سبتمبر 2023م 06:09:26 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أصالة البراءة والأحوط لزوماً ..
الكاتب : فيصل نور ..

أصالة البراءة والأحوط لزوماً

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ما المقصود بمصطلحي  "الأحوط لزوماً" و"أصالة البراءة" اللذان يتكرران كثيراً في كتب الشيعة؟


الأحوط لزوماً
     ويقال أيضاً "الأحوط وجوباً" و"الأحوط الأقوى". مصطلح يعني أن المجتهد الشيعي لم يتمكن من معرفة حكم الله في ذلك الموضوع الخاص وبعبارة أخرى يكون جاهلا بالحكم الشرعي ولذلك يجوز للمقلِد الرجوع الى مجتهد آخر جزم القول في تلك المسألة مع مراعاة كونه أعلم.
 
أما "أصالة البراءة"
     فهي قاعدة فقهية ( أصولية ) مفادها أن المرء برئ من أي ذنب ( عديم الذنب ) حتى يشغله تكليف شرعي[1].
     وبصورة مفصله : أصالة البراءة من الأصول العملية التي مفادها براءة ذمّة المكلّف من التكليف وعدم انشغالها بشي‏ء ما لم يثبت ذلك بدليل. وهذا الأصل يبحث في علم الأصول مفصّلًا، وله تطبيقاته الفقهية الكثيرة.
     ينقسم أصل البراءة باعتبار الدليل الدالّ عليه إلى البراءة العقلية والنقلية- أو الشرعية- والعقلية هي المعبّر عنها بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، والشرعية هي المستفادة من الأدلّة الشرعيّة من الآيات والأخبار على ما سيأتي بيانه في أدلّة البراءة.
     حجية البراءة : لا خلاف بين علماء الإماميّة - الاصوليّين والأخباريّين- في حجّية ومرجعيّة أصل البراءة في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة الوجوبيّة، وإنّما وقع الخلاف بينهم في الحكميّة التحريميّة، فذهب الاصوليّون منهم إلى البراءة، والأخباريون إلى أصالة الاحتياط ، ولكلّ منهم دليله.
     أدلة البراءة : استدلّ الاصوليون على البراءة بالأدلّة الأربعة - الكتاب و السنّة و العقل والإجماع- من هنا جاء تقسيم البراءة إلى عقلية وشرعيّة، فإنّ المراد بالاولى ما كان الدليل المؤمّن عن التكليف والنافي له عند عدم بلوغ حكم الشارع هو العقل؛ استناداً إلى القاعدة العقلية (قاعدة قبح العقاب بلا بيان)، بينما المراد بالثانية حكم الشرع ببراءة ذمّة الإنسان من التكليف عند الشكّ فيه و اليأس من تحصيله. وبعبارة اخرى: إذن الشارع في ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك استناداً إلى بعض الآيات والروايات، وبهذا يتّضح اختلاف الاستدلال على البراءة، ومجمل الدليل ما يلي :
     البراءة العقلية : أمّا البراءة العقلية فمجمل دليلها هو أنّ العقل يستقلّ بقبح عقاب المكلّف ومؤاخذته قبل وصول التكليف إليه ولو بالفحص، إمّا بتقريب أنّ هذه القاعدة من الوجدانيات العرفية والعقلائية في باب المولويات العقلائية، حيث إنّهم لا يؤاخذون على ارتكاب مخالفة التكليف الواقعي في موارد الجهل وعدم العلم بالحكم الواقعي، ولا الظاهري الإلزامي ، فيكون هذا منبّهاً على ارتكازيّة قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعقليّتها.
     وقد اورد عليه بأنّه مبنيّ على إلحاق حقّ الطاعة والمولويّة الحقيقيّة الثابتة للَّه تعالى بحقّ الطاعة الثابت في ارتكاز أهل العرف للموالي العرفية، بادّعاء أنّ حقّ الطاعة والمولوية أمر واحد لا درجات لها ولا مراتب، مع أنّه محلّ الكلام؛ إذ للقول بالفرق بين الموالي العرفيّة والحقيقية مجال واسع. وإمّا لما ذكره المحقّق النائيني من أنّ العقاب على ترك التحرّك ممّا لا مقتضى للتحرّك فيه قبيح، وقد عدّها من القضايا التي قياساتها معها.
     واورد عليه أيضاً بأنّ ذلك إنّما يصدق في المحرّك التكويني حيث تكون المحركيّة فيه تحتاج إلى الشعور به وإرادته ، وهذا لا يمكن مع عدم الوصول ، وأمّا المحرّك التشريعي فيكفي في محركيّته مجرّد التفات المكلّف إلى المولى الحقيقي، وإلى أنّ له حقّ الطاعة والمولويّة حتى في دائرة التكاليف المحتملة بناءً على القول به هناك. أو لغير ذلك من التقاريب المذكورة في علم الاصول.
     في قبال هؤلاء ذهب محمد باقر الصدر إلى إنكار البراءة العقليّة؛ مدّعياً أنّ ما يدركه العقل في دائرة التكاليف المشكوكة إنّما هو حقّ الطاعة للمولى الحقيقي؛ حيث قال: نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للَّه سبحانه وتعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالًا، وهذا من مدركات العقل العملي، وهي غير مبرهنة ، فكما أنّ أصل‏ حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدركٌ أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعةً وضيقاً، وعليه فالقاعدة العمليّة الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع، فلابدّ من الكلام عن هذا الترخيص و إمكان إثباته شرعاً، وهو ما يسمّى بالبراءة الشرعيّة.
     البراءة الشرعية : أمّا الأدلّة الشرعية للبراءة فعمدتها آيات وأخبار، كقوله تعالى: (لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا). وقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى‏ نَبْعَثَ رَسُولًا). وقوله: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى‏ يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ)، وغيرها.
     وحديث الرفع المروي عن حريز بن عبد اللَّه عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : رفع عن امّتي تسعة أشياء: الخطأ ، و النسيان ، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون.
     وما روي عنه أيضاً: كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي، وغيرها ممّا ذكر في محلّه.
     الاستدلال على البراءة بالاستصحاب :
     وقد يستدلّ على البراءة بالاستصحاب أيضاً، وإن كان رجوعه إلى الاستدلال بالشرع، وذلك بإحدى صيغ ثلاث :

  1. استصحاب عدم التكليف الثابت قبل البلوغ .

  2. استصحاب عدم جعل التلكيف الثابت قبل الشرع أو في أوّل الشريعة وقبل التشريع .

  3. استصحاب عدم التكليف الثابت قبل تحقّق موضوع التكليف بأصله أو بقيوده.

     وتفصيل الكلام في مدى دلالة الآيات والأخبار، وما اورد عليها من الإشكال والاعتراض، وكيفيّة جمعها مع ما يدلّ على الاحتياط عقلًا أو نقلًا متروك إلى علم الاصول.
 
مورد البراءة :
في الأحكام التكليفية : لا خلاف في جريان البراءة في موارد الشكّ في التكليف الإلزامي الوجوبي، بلا فرق بين أن يكون الشكّ في أصل التكليف الإلزامي أو في التكليف الزائد المسمّى عندهم بالأقلّ والأكثر، على خلاف بينهم في الارتباطي، حيث ذهب بعضهم فيه إلى لزوم الاحتياط. كما لا خلاف في عدم جريان البراءة- بل مطلق الاصول المؤمّنة دون المنجّزة- في أطراف العلم الإجمالي بالشبهة المحصورة التي يكون أصل التكليف فيها معلوماً، وإنّما الشكّ في المكلّف به بالشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة؛ لرجوع الشكّ فيها إلى الشكّ في الامتثال أو محصّل الغرض اللزومي، فيجب فيها الاحتياط عقلًا بإتيان جميع الأطراف في الوجوبي وترك الجميع في التحريمي ؛ إمّا لعدم شمول أدلّة الاصول- ومنها: البراءة- لأطراف العلم الإجمالي؛ لفرض وجود العلم- ولو إجمالًا - وإمّا لتعارض الاصول و تساقطها ، على خلاف بينهم في ذلك.
     نعم، وقع الخلاف بينهم في خصوص الحكمي التحريمي، حيث حكم الاصوليّون بجريان البراءة، و الأخباريون بالاحتياط على ما فصّل في محلّه.
     لبراءة العقلية في التكاليف غير الإلزامية  :
     أمّا التكاليف غير الإلزامية- أي الكراهة و الاستحباب - فلا كلام عندهم في عدم جريان البراءة العقلية فيها؛ إذ بناء البراءة العقليّة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والعقاب منفيّ في هذه الموارد قطعاً؛ لفرض عدم إلزام في محلّ الكلام، فلا موقع لهذه القاعدة. نعم، وقع الكلام في جريان أدلّة البراءة الشرعية فيها، وقد يقال بالعدم؛ لفرض قطعيّة استحباب الاحتياط فيها شرعاً، فلا معنى بعد ذلك للتمسّك بأدلّة البراءة في رفع هذا الاستحباب. وقد اجيب عن قطعيّة الاستحباب المزبور شرعاً.
     واستدلّ لعدم جريان البراءة بأنّ أدلّة البراءة الشرعية ناظرة إلى نفي الكلفة والإلزام، وأيضاً هو وارد في سياق الامتنان ، ولا امتنان في رفع الحكم غير الإلزامي الذي في امتثاله ثواب وليس في عصيانه عقاب محتمل. وقد يفصّل في ذلك بين الاستقلاليّة والضمنيّة، فيقال بالجريان في الثانية دون الاولى.
 
في الأحكام الوضعية :
     هذا كلّه في الأحكام التكليفية، وأمّا الوضعيّة فالظاهر عدم الخلاف بينهم في جريان الاصول العمليّة من البراءة والاستصحاب في المستقلّة منها كالملكية و الزوجيّة ونحوهما؛ إذ هي كسائر الأحكام التكليفيّة مجعولة للشارع مستقلّاً، وقابلة للتعبّد بثبوتها أو بقائها أو عدمها، وقابلية كونها تابعة للأحكام التكليفية غير كونها كذلك حقيقية وبحسب الأدلّة، بل مقتضى الأدلّة عدم التبعيّة . نعم، بناءً على مسلك مثل الشيخ الأنصاري القائل بتبعيّة حتى مثل هذه الأحكام الوضعيّة لا يبقى مجال لجريان البراءة في نفس هذه الامور، لفرض انتزاعيّتها في هذا المسلك، إلّاأنّ هذا المسلك لا يساعده ظاهر الأدلّة كما ثبت في محلّه. نعم، الأحكام الوضعيّة غير المستقلّة غير القابلة للجعل مستقلّاً كالجزئيّة والشرطيّة والمانعية للأمر والتكليف أو للمأمور به قد وقع الكلام في جريان البراءة- وكذا الاستصحاب- فيها وعدمه، فقد يقال بالعدم؛ نظراً إلى أنّها حيث كانت من الامور الانتزاعية ولا تنالها يد الجعل مستقلّاً فلا مجال للتعبّد فيها كذلك.
     وقد يجاب عنه بأنّها وإن كانت غير قابلة للجعل مستقلّاً وبلا واسطة إلّاأنّها تكون كذلك مع الواسطة وبالعرض، وهذا المقدار من القدرة على الشي‏ء كافٍ في صحّة التعبّد به على ما يستفاد من بعض عبارات الكفاية. ولكن اجيب عنه بأنّ ذلك إنّما يكفي في خروج التعبّد الممكن ذاتاً وعقلًا عن اللغويّة ومنشأيّة الأثر ، ولكن من الواضح أنّ الامور الانتزاعيّة غير قابلة للجعل بما هي كذلك، وإنّما الممكن جعل منشأ انتزاعها- وهو تعلّق الأمر بالجامع من الأجزاء والشرائط وعدم الموانع- ثمّ هي منتزعة من ذلك، وبعد جعل منشأ الانتزاع يُحكَم بتحقّق الأثر الانتزاعي لا محالة؛ لأنّها من آثاره العقلية، فلا حاجة حينئذٍ إلى التعبّد بها ثانياً.
 
شروط البراءة :
     قد تُذكر لجريان البراءة شروط، وعمدتها- إن لم نقل أنّه الشرط الوحيد - هو الفحص عن الحجّة على الإلزام واليأس عنها، ولكن هذا الشرط أيضاً شرط لجميع الاصول العملية المؤمّنة، ولا يختص بالبراءة منها، إلّاأنّ العادة جرت بذكره في مبحث البراءة. ولعلّ الوجه فيه أنّها أوّل الاصول المطروحة في كتب الاصول عادة، أو أهمّها لما يترتّب عليها من نفي الإلزام الشرعي.وكيف كان، فيقع الكلام في شرطيّة الفحص للبراءة تارة في الشبهات الحكمية، واخرى في الموضوعية:
 
الفحص في الشبهات الحكمية :
الفحص في البراءة العقلية : لا كلام عند المشهور القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في اشتراطها به؛ إذ موضوع هذه القاعدة إنّما هو عدم البيان، وما دام لم يحرز ذلك بالفحص لا يستقلّ العقل بالقبح المزبور، فالمعذورية العقلية إنّما هي بعد الفحص عن التكليف بمقدار يمكن معه وصوله إليه عادة.
     وقد يستدلّ له بوجه آخر، وهو أنّ الاقتحام في المشتبه - مع أنّ أمر المولى ونهيه لا يعلم عادة إلّابالفحص عنه- خروجٌ عن زي الرقيّة ورسم العبوديّة، وظلم للمولى. ويفرّق بين الوجهين بأنّ العقوبة في الأوّل على مخالفة التكليف الذي عليه حجّة واقعيّة، وفي الثاني على مجرّد الإقدام بلا فحصٍ، وهو بنفسه ظلم.
 
الفحص في البراءة النقلية :
     وأمّا البراءة النقلية فقد استدلّ لاعتبار الفحص فيها بوجوه عديدة، بعضها راجع إلى قصور المقتضي قبل الفحص وعدم إطلاق أدلّتها بالنسبة لحالة قبل الفحص، إمّا ذاتاً أو بعد ملاحظة مجموع أدلّة البراءة، أو ملاحظة حكم العقل البديهي بالفحص بحيث يكون كالقرينة المتّصلة المانعة عن انعقاد أصل الظهور في الإطلاق.
     وبعضها راجع إلى وجود المانع عن الأخذ بالإطلاق المفروض، كادّعاء العلم الإجمالي ضمن دائرة الشبهات قبل الفحص أو العلم الإجمالي بوجود أمارات معتبرة إلزاميّة. أو ادّعاء ظهور نفس أدلّة الأحكام الواقعية في اهتمام الشارع بالأحكام الواقعية، فيجب مراقبتها في الظاهر في القدر المعلوم- ولو علماً إجمالياً بنحو الشبهة المحصورة- فينعقد حينئذٍ للخطاب الدال على الحكم الواقعي دلالة التزامية عرفية على إبراز الاهتمام و إيجاب الاحتياط تجاه الواقع، فمع احتمال وجود خطاب كذلك لم يجز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص عنها. أو ادّعاء ظهور بعض الآيات والأخبار في وجوب التعلّم، فهي مقيّدة لإطلاق أدلّة الاصول بالفحص؛ إذ التعلّم لا يمكن إلّا بالفحص عن الشي‏ء. وقد يستدلّ لذلك بالإجماع وحاله واضح.
 
الفحص في الشبهات الموضوعية :
     لا خلاف بينهم في عدم اشتراط البراءة بالفحص في الشبهات الموضوعيّة، بل قد يدّعى عليه الإجماع، وكأنّه من المسلّمات عندهم حيث يرسلونه من دون إشارة إلى خلاف فيه، بل في بعضها التعبير بقاعدة عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة، وصريح بعضهم عدم وجوبه وإن أمكن بسهولةٍ.
     وعمدة الوجه فيه إطلاق أدلّة الاصول- ومنها: أدلّة البراءة- حيث لم تقيّد بالفحص. مضافاً إلى ما ورد في بعض موارد الشبهات الموضوعية وصرّح فيه بعدم لزوم الفحص، فيتعدّى منه إلى مطلق الشبهات الموضوعية؛ لعدم احتمال الفرق، مثل: صحيحة زرارة الواردة في أخبار الاستصحاب، وفيها: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شي‏ء أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك.
     وقول أمير المؤمنين عليه السلام في رواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: ما ابالي أبولٌ أصابني أو ماء إذا لم أعلم.
     ورواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فرا، لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة، أيصلّي فيه؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك.
     فإنّها ظاهرة في عدم لزوم الفحص مطلقاً حتى بمثل النظر وفتح العين الذي قد لا يعدّ فحصاً عرفاً وعند العقلاء . نعم، لو كان المستند فيه حكم العقل فهو يحكم بلزوم الفحص بالمقدار الذي لا يصدق معه التهرّب عن الحكم الشرعي و إغماض العين عنه؛ إذ يعتبر في التأمين العقلائي أو حكم العقل بقبح العقاب هذا المقدار من الفحص قطعاً، وبدونه لا يحكم العقل بمعذورية العبد ولو في الشبهات الموضوعيّة. بل المحكي عن بعضهم لزوم الفحص عن الموضوع بأكثر من ذلك؛ إذ ليس على الشارع إلّابيان الحكم و إبلاغه إلى المكلّف، وأمّا موضوع الحكم فليس من شأن الشارع بيانه، فحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنّما هو بالنسبة إلى الأحكام لا الموضوعات.
     هذا في أصل اشتراط الفحص، وأمّا الكلام في مقدار الفحص اللازم في الشبهات الحكميّة، وما يترتّب على تركه من العقاب، وأنّه هل على ترك الواقع أو على مجرّد ترك الفحص- كالتجرّي - وكذا الكلام في الشبهات الحكمية التي حكموا فيها بصحّة العمل المخالف للواقع- ولو وقع عن تقصير ومن دون فحص- كالجهر و الإخفات و القصر و الإتمام ، والموضوعات التي حكموا فيها بلزوم الفحص على خلاف القاعدة في الشبهات الموضوعية، كبلوغ المال الزكوي حدّ النصاب ، وتحقّق الاستطاعة ، وقدر الدين ونحوها[2].


[1] معجم ألفاظ الفقه الجعفري، لأحمد فتح الله، 55

[2] الموسوعة الفقهية، لموسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي، 20 /220

عدد مرات القراءة:
1835
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :