آخر تحديث للموقع :

الأثنين 16 شعبان 1445هـ الموافق:26 فبراير 2024م 10:02:07 بتوقيت مكة

جديد الموقع

فِرْية ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي هريرة بالدُّرَّة والرد عليها ..
الكاتب : د. محمد إبراهيم محمد الحلواني

فِرْية ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي هريرة بالدُّرَّة والرد عليها

الأستاذ في قسم الحديث وعلومه في كلية العلوم الإسلامية جامعة المدينة العالمية بماليزيا

من الشبهات التي يروج لها الشيعة الروافض ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي هريرة بالدُّرَّة بسبب افترائه على رسول الله صلى الله عليه , ونسبته له ما لم يقله , معتمدين على روايات واردة في بعض المصادر التاريخية وبعض كتب المصطلح , فهل هذه الروايات صحيحة ؟ وهل يعتد بها عند نقاد الحديث وجهابذته ؟ هذا ما سأبينه من خلال الأسطر القليلة القادمة.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بعدم النسيان.

إن أبا هريرة رضي الله عنه غصة في حلوق الملاحدة والزنادقة, يسعون سعيا حثيثا للطعن في أبي هريرة رضي الله عنه, وهدفهم الرئيسي هو الطعن في دين الله عز وجل , لأنهم يعلمون أن الثقة إذا زالت عن أبي هريرة رضي الله عنه زالت الثقة بمروياته, وأبو هريرة رضي الله عنه من المكثرين , فهدْمُ أبي هريرة رضي الله عنه هدْمُ لأصل عظيم من أصول ديننا , وهيهات هيهات , فإن الله عز وجل يدافع عن حفاظ دينه الذين أفنوا أعمارهم في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ونسي هؤلاء وتناسوا دعاء الرسول الكريم له بعدم النسيان حينما شكا له أبو هريرة رضي الله عنه كثرة نسيانه , فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله : إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه , قال :( ابْسُطْ رِدَاءَكَ) فَبَسَطْتُهُ قال: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ, ثم قال : (ضُمَّهُ), فَضَمَمْتُهُ, فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ[1], وتحققت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم , ولم ينس أبو هريرة شيئا مما حدثه به الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه بالحرص على طلب الحديث.

إن أبا هريرة رضي الله كان أحرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلب الأحاديث , يؤكد هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله قال: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ :مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ[2]), تخيل معي أيها القارئ موقف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يسمع هذا الثناء من أستاذ الأساتذة , وسيد الأولين والآخرين , حيث شهد له بحرصه الشديد على طلب الحديث , وتفوقه على أقرانه في هذا الميدان , مما دفعه لمزيد من الحرص والاجتهاد والعناية, فهل بعد شهادة المعصوم صلى الله عليه وسلم شهادة؟ وهل بعد هذه المنقبة العظيمة منقبة؟

الرد على تهديد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لأبي هريرة رضي الله عنه بنفيه لأرض دوس.

وردت رواية تهديد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما لأبي هريرة بنفيه لأرض دوس في بعض المصادر الحديثية مسندة وبدون إسناد :
رواية نفي عثمان بن عفان لأبي هريرة رضي الله عنهما والرد عليها.

أخرج الرامهرمزي في المحدث الفاصل قائلا: حدثنا عبيد الله بن هارون بن عيسى ينزل جبل رامهرمز ثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن محمد قال: أظنه ابن يوسف قال سمعت السائب بن يزيد يحدث قال: أرسلني عثمان بن عفان إلى أبي هريرة فقال: قل له يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد أكثرت لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس,  وَأْتِ كعبا فقل له يقول لك أمير المؤمنين عثمان: ما هذا الحديث ؟ قد ملأت الدنيا حديثا لتنتهين , أو لألقينك بجبال القردة[3].

علة الرواية:
جهالة حال عبيد الله بن هارون بن عيسى , وقد أكثر الرامهرمزي من الرواية عنه في المحدث الفاصل, ولم  يترجم له علماء الجرح والتعديل في مصنفاتهم , وهذا يشعر بجهالة حاله.

رواية نفي عمر بن الخطاب لأبي هريرة رضي الله عنهما والرد عليها.

ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية سند هذه الرواية قائلا: وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زُرْعَةَ الرُّعَيْنِيُّ ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن عبد اللَّهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ[4], قلت : وهذه الرواية رواية صحيحة , لا مطعن فيها فرواتها ثقات, ولا تقلل هذه الرواية من شأن أبي هريرة رضي الله عنه , ولا تؤثر على مكانته بين المسلمين , وقد أشار ابن عبد البر رحمه الله إلى أن عمر رضي الله عنه نهاهم عن الإكثار خشية الاشتغال عن القرآن الكريم بغيره قائلا: إنما كان هذا لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن , فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه, إذ هو الأصل لكل علم[5],ومراد عمر بذلك نهي أبي هريرة من الإكثار من التحديث بين عامة الناس , فإن فيهم العالم والجاهل وسيء الفهم والزائغ عن الحق, فيفضي ذلك إلى مساوئ كثيرة , وإلا فإنه لم يمنع أبا هريرة رضي الله عنه من التحديث بين أهل العلم ومن يعي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولذلك كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر يقبل منه ما يحدث به, ولم يثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله لما حدث بأحاديث بعد وفاة عمر : أفإن كنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي أما والله إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري[6].

فرية ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي هريرة رضي الله بالدُّرَّة.

أساء ابن أبي الحديد للصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه حينما زعم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ضربه بالدرة بسبب إكثاره من الرواية , وهذا افتراء محض لأنه لم يورد خبرا مسندا يؤكد قوله , ولم ترد روايته في مصدر من المصادر المعتمدة لدى أهل السنة, يقول ابن أبي الحديد: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ضربه عمر بالدرة[7].

الرد على هذه الفرية.
هذا الخبر واه إذ إن علته ابن أبي الحديد رافضي كذاب , وبالتالي فإن الاحتجاج بهذا الخبر غير صحيح , إليك أقوال العلماء في ترجمته :
قال ابن كثير:  عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد عز الدين المدائني الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي له شرح نهج البلاغة في عشرين مجلدا ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة ثم صار إلى بغداد فكان أحد الكتاب والشعراء بالديوان الخليفتي[8], فهذا الخبر ضعيف لا يعول عليه , لأنه ورد بدون إسناد , ولا يعتد بالأخبار التي ترد مجردة عن الأسانيد , وقد رواه أيضا الرافضي الغالي ابن أبي الحديد , ولا يعتد بالأخبار التي تأتي من طريقهم , إذ إنهم لا يتورعون عن الكذب لنصرة مذهبهم , وبهذا سقطت هذه الشبهة , وأصبحت هي والعدم سواء , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] - أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب العلم , باب حفظ العلم, رقم (119), دار طوق النجاة, ط: أولى, 1422هجرية.

[2] - أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب العلم, باب الحرص على الحديث, رقم (99).

[3] - الرامهرمزي, المحدث الفاصل ص554, دار الفكر, بيروت, ط: الثالثة, 1404هجرية, تحقيق: د: محمد عجاج الخطيب.

[4] - ابن كثير, البداية والنهاية 8/106, دار الفكر, 1986م.

[5] - ابن عبد البر, جامع بيان العلم وفضله 2/241, مؤسسة الريان, دار ابن حزم, ط: أولى, 2003م.

[6] - عبد السلام بن محسن آل عيسى, دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب2/817, عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية, المدينة المنورة, السعودية, ط: أولى, 2002م.

[7] - ابن أبي الحديد , شرح نهج البلاغة 1/1015, دار الكتب العلمية, بيروت , لبنان, 1998م, ط: الأولى.

[8] - ابن كثير , البداية والنهاية 13/199, مكتبة المعارف, بيروت.

عدد مرات القراءة:
5907
إرسال لصديق طباعة
الجمعة 5 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:10 ديسمبر 2021م 05:12:01 بتوقيت مكة
زين العابدين 
بارك الله بكم
الأربعاء 14 جمادى الآخرة 1440هـ الموافق:20 فبراير 2019م 11:02:09 بتوقيت مكة
محب ال النبي  

نقل ابن أبي الحديد عن الاسكافي: ((وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضى الرواية، ضربه عمر بالدرّة، وقال: قد أكثرت من الرواية، وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول الله(صلّى الله عليه) ))(1).
وهذا ليس فيه أنّه: أدمى ظهره؛ فإنّ الإدماء كان في قضية أُخرى، وذلك عندما عزله عن ولاية البحرين، وحاسبه على ما جمعه من مال.
فقد نقل ابن عبد ربّه: أنّ عمر بن الخطّاب دعا أبا هريرة، فقال له: ((هل علمت من حين أنّي استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين! ثمّ بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار؟!
قال: كانت لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت.
قال: قد حسبت لك رزقك ومؤونتك، وهذا فضل فأدّه.
قال: ليس لك ذلك!
قال - عمر -: بلى والله، وأوجع ظهرك! ثمّ قام إليه بالدرّة، فضربه حتّى أدماه، ثمّ قال له: إيت بها.
قال: احتسبتها عند الله.
قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأدّيتها طائعاً! أجئت من أقصى حجر بالبحرين يجبي الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أُميمة إلاّ لرعية الحمر (وأُميمة أُمّ أبي هريرة) ))(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة 4: 67 (56) فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذمّ عليّ.
(2) العقد الفريد 1: 44 كتاب اللؤلؤة في السلطان، ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم.
الأثنين 6 ربيع الآخر 1439هـ الموافق:25 ديسمبر 2017م 01:12:52 بتوقيت مكة
د/ محمد الشرقاوي 
أحسنتم سعادة الدكتور /محمد الحلواني ، بارك الله فيكم
 
اسمك :  
نص التعليق :