[1] أنظر صحيح البخاري، 5/ 82، وصحيح مسلم، 5/ 154
[2] منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، للحلي، 70
[3] صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس حديث، 2944، وكتاب المغازي باب حديث بني النضير، حديث، 3827، صحيح ابن حبان، حديث، 6712، سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، حديث، 2589، وحديث، 2599، سنن الترمذي، باب ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، 1577، السنن الكبرى للنسائي، كتاب الفرائض ذكر مواريث الأنبياء، حديث، 6128 وغيرها
[4] صحيح البخاري، كتاب الفرائض باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، " لا نورث حديث، 6359، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم، حديث، 6896، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب حكم الفيء، حديث، 3389 وغيرها
[5] صحيح البخاري، كتاب الفرائض باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، " لا نورث حديث، 6358، وحديث، 6361، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، " لا نورث حديث، 3390 وغيرها
[6] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، " لا نورث حديث، 3394، السنن الكبرى للنسائي، كتاب الفرائض ذكر مواريث الأنبياء، حديث، 6131، مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث، 9781 وغيرها
[7] مصنف عبد الرزاق الصنعاني كتاب المغازي خصومة علي والعباس حديث، 9484، السنن الكبرى، للنسائي، كتاب الفرائض ذكر مواريث الأنبياء حديث، 6127، و6129، مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، حديث، 172، وحديث، 421، وحديث، 1358، وحديث، 1372، وحديث، 1508، وحديث، 1613، وحديث، 1728 وغيرها
[8] السنن الكبرى، للبيهقي، كتاب قسم الفيء والغنيمة باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث، 11923، البحر الزخار مسند البزار، لأبي مالك عن ربعي حديث، 2466 وغيرها
[9] المعجم الأوسط للطبراني، باب العين باب الفاء من اسمه، الفضل، حديث، 5036
[10] معجم الشيوخ، لابن جميع الصيداوي، حرف الياء يوسف بن مليح الطرائفي أبو الحسن، حديث، 357
[11] سنن الدارمي، 1 / 98، سنن ابن ماجة، 1 / 81، سنن أبي داود، 2 / 175، سنن الترمذي، 4 / 153، صحيح ابن حبان، 1 / 289 التاريخ الكبير، البخاري، 8 / 337
[12] معجم الرجال والحديث، لمحمد حياة الأنصاري، 2 / 84، موسوعة شهادة المعصومين، للجنة الحديث في معهد باقر العلوم، 1 / 76، الإمام الحسين، سماته وسيرته، لمحمد رضا الجلالي، 22، الإمام الحسين في أحاديث الفريقين، لعلي الأبطحي، 2 / 113
[13] أنظر مثلاً: بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار، 23، 31، الكافي، للكليني، 1 / 34، الأمالي، للصدوق، 116، ثواب الأعمال، للصدوق، 131، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 4 / 387، بحار الأنوار، للمجلسي، 1 / 164
[14] قرب الاسناد، للحميري، 91، بحار الأنوار، للمجلسي، 16 / 219، 100 / 144
[15] الأمالي، للصدوق، 427، بحار الأنوار، للمجلسي، 38 / 334
[16] تفسير الصراط المستقيم، لحسين البروجردي، 1 / 190، شرح رسالة الحقوق، للإمام زين العابدين، 496، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، للفيض الكاشاني، 1 / 26
[17] مر تخريج هذه الرواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
[18] الموطأ، للإمام مالك، 2 / 993، مسند أحمد، 2 / 376، صحيح البخاري، 3 / 197، 4 / 45، 8 / 4، صحيح مسلم، 5 / 156
[19] صحيح البخاري، 4 / 57، معرفة السنن والآثار، للبيهقي، 5 / 148
[20] أضواء البيان، للشنقيطي، 2/ 63
[21] مسند أحمد، 1 / 6، صحيح البخاري، 4 / 42، صحيح مسلم، 5 / 155، سنن أبي داود، 2 / 23، بحار الأنوار، للمجلسي، 29 / 204، معالم المدرستين، لمرتضى العسكري، 2 / 140، أحاديث فدك في مصادر الفريقين، لمحمد حياة الأنصاري 3، العترة والصحابة في السنة، محمد حياة الأنصاري، 1 / 126، المسانيد، لمحمد حياة الأنصاري، 1 / 173، 2 / 118، المسند الصحيح، لمحمد حياة الأنصاري 215
[22] كشف المشكل من حديث الصحيحين، لإبن الجوزي، 1/ 31
[23] الصراط المستقيم، علي النباطي البياضي، 2 / 282، كتاب الأربعين، لمحمد طاهر القمي الشيرازي، 512، الروض النضير في معنى حديث الغدير، لفارس حسون، 168
[24] حق اليقين في معرفة أصول الدين، 1/ 178
[25] منهاج السنة، لإبن تيمية، 4/ 228
[26] فتح الباريظ، 6/ 22
[27] منهاج السنة، لإبن تيمية، 4/ 22
[28] دلائل البيهقي، 7 / 281، البداية والنهاية، لابن كثير، 5 / 310، السيرة النبوية، لابن كثير، 4 / 575
[29] السقيفة وفدك، للجوهري 110، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، 16 / 220، تاريخ المدينة، لابن شبة النميري، 1 / 201، المحسن السبط مولود أم سقط، لمحمد مهدي الخرسان 360، الانتصار، للعاملي، 7 / 286
[30] المفهم، للقرطبي 3/ 564
[31] سنن أبي داود، 2 / 24، السنن الكبرى، للبيهقي، 6 / 301، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، 45 / 179، تهذيب الكمال، للمزي، 21 / 443، الصحيح من سيرة الإمام علي، لجعفر مرتضى العاملي، 10 / 183
[32] الشافي في الامامة، للشريف المرتضى، 4 / 76، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، 16 / 252، مناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي، لابن مردويه الأصفهاني 204، المحسن السبط مولود أم سقط، لمحمد مهدي الخرسان، 391، سفينة النجاة، لمحمد بن عبد الفتاح (سراب التنكابني)، 174
[33] الأنوار النعمانية، لنعمة الله الجزائري، 1/ 39
[34] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/ 483
[35] الخلاف، للطوسي، 4 / 184
[36] المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان، لابن إدريس الحلي، 2 / 165، 390، متشابه القرآن ومختلفه، لابن شهر آشوب، 1 / 250
[37] نهج الحق وكشف الصدق، للعلامة الحلي 518
[38] البداية والنهاية، لابن كثير، 2 / 22، قصص الأنبياء، لابن كثير، 2 / 284
[39] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 3 / 117
[40] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 4 / 36
[41] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 13 / 164
[42] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 11 / 78
[43] نيل الأوطار، للشوكاني، 6 / 197
[44] الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، لنور الله التستري 165
[45] الاستذكار، لابن عبد البر، 8 / 591
[46] التمهيد، لابن عبد البر، 8 / 174
[47] زبدة التفاسير، للملا فتح الله الكاشاني، 5 / 79
[48] التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4 / 60
[49] تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، لمحمد بن محمد رضا القمي المشهدي، 9 / 537
[50] التفسير المبين، لمحمد جواد مغنية 496
[51] بصائر الدرجات، للصفار، 155، انظر أيضاً: الكافي، للكليني، 1/ 225
[52] تفسير فرات، لفرات الكوفي، 227، الأمالي، للصدوق، 427، مناقب آل أبي طالب، لإبن شهرآشوب، 2/ 264
[53] الكافي، للكليني، 1/ 293، انظر أيضاً: كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 217، بصائر الدرجات، للصفار، 488
[54] مشارق أنوار اليقين، لرجب البرسي، 176
[55] الكافي، للكليني، 7 / 129، الاستبصار، للطوسي، 4 / 152، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 299
[56] المصادر السابقة
[57] الكافي، للكليني، 7 / 128، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 298
[58] الاستبصار، للطوسي، 4 / 153، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 300
[59] الكافي، للكليني، 7 / 127، الاستبصار، للطوسي، 4 / 151، 153، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 298
[60] الكافي، للكليني، 7 / 127، الاستبصار، للطوسي، 4 / 152، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 298
[61] الكافي، للكليني، 7 / 128، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 208
[62] بحار الأنوار، للمجلسي، 101 / 352
[63] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 4 / 348، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 211
[64] الكافي، للكليني، 7 / 129، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 208
[65] رسائل الشهيد الثاني، للشهيد الثاني، 275، الوافي، للفيض الكاشاني، 25 / 785، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 209
[66] الاستبصار، للطوسي، 4 / 154، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 301، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 211
[67] علل الشرائع، للصدوق، 2 / 572، الاستبصار، للطوسي، 4 / 153، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9 / 300، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 26 / 211
[68] جواهر الكلام، للجواهري، 39 / 209
[69] مسند أحمد، 1 / 10، سنن الترمذي، 3 / 82
[70] مسند أحمد، 1 / 9، صحيح البخاري، 4 / 210، 5 / 83، صحيح مسلم، 5 / 154
[71] صحيح البخاري، 4 / 210، المصنف، لابن أبي شيبة الكوفي، 7 / 507
[72] سنن أبي داود، 2 / 23، السنن الكبرى، للبيهقي، 7 / 59، الطبقات الكبرى، لابن سعد، 1 / 503
[73] كما قال شيخنا عثمان الخميس حفظه الله، وعليه يكون الزهري حدث بهذا الحديث أكثر من مرة وفي أكثر من مجلس، وكان يعلق ويشرح ويضيف فيظن البعض أنه من الحديث فيضيفه إلى عائشة
[74] شرح صحيح مسلم، للنووي، 12 / 73
[75] عمدة القاري، 15/ 20
[76] فتح الباري، لابن حجر، 6 / 139
[77] مسند فاطمة الزهراء، لجلال الدين السيوطي، 69
[78] صحيح البخاري، 4 / 42، بحار الأنوار، للمجلسي، 29 / 330، معالم المدرستين، لمرتضى العسكري، 2 / 139، السنن الكبرى، للبيهقي، 6 / 301، عمدة القاري، للعيني، 15 / 19، أضواء البيان، للشنقيطي، 2 / 100، أحاديث فدك في مصادر الفريقين، لمحمد حياة الأنصاري، 4، العترة والصحابة في السنة، لمحمد حياة الأنصاري، 1 / 127، المسانيد، لمحمد حياة الأنصاري، 1 / 173، 2 / 118، المسند الصحيح، لمحمد حياة الأنصاري 215(ه)، المنتخب من الصحاح الستة، لمحمد حياة الأنصاري 45
[79] شرح صحيح مسلم، للنووي، 12/ 73
[80] تاريخ المدينة، لإبن شبة، 1/ 197
[81] فتح الباري، لابن حجر، 6 / 139، ضعيف سنن الترمذي، لمحمد ناصر الألباني، 534، إمتاع الأسماع، للمقريزي، 13 / 158
[82] إقبال الأعمال، لابن طاووس، 1 / 266، بحار الأنوار، للمجلسي، 95 / 26
[83] بحار الأنوار، للمجلسي، 13 / 153
[84] بحار الأنوار، للمجلسي، 20 / 93، اسباب النزول (فارسي)، لمحمد باقر حجتي، 218، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (تفسير نمونه) (فارسي)، لناصر مكارم الشيرازي، 11 / 458
[85] التفسير المبين، لمحمد جواد مغنية 724
[86] صحيح البخاري، 6 / 193، فتح الباري، لابن حجر، 11 / 102، عمدة القاري، للعيني، 21 / 20، قادتنا كيف نعرفهم؟، لمحمد هادي الميلاني، 3 / 185، أهل البيت في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري 269، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ، لمحمد الريشهري، 9 / 212، شرح إحقاق الحق، للمرعشي، 25 / 340
[87] مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3/ 118
[88] شرح نهج البلاغة، لإبن ميثم البحراني، 5/ 107
[89] تاريخ المدينة، لابن شبة النميري، 1 / 200، السقيفة وفدك، للجوهري، 110، الرياض النضرة في مناقب العشرة، للمحب الطبري، 1 / 68، تشييد المطاعن لكشف الضغائن (فارسي)، لمحمد قلي كنتوري لكهنوي، 3 / 35، 41، المحسن السبط مولود أم سقط، لمحمد مهدي الخرسان 277، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، لابن حجر الهيتمي المكي، 37، 53
[90] الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة، لنور الله التستري 243
[91] صحيح البخاري، 4 / 210، 212، 219، 6 / 158، صحيح مسلم، 7 / 141، مسند أحمد، 4 / 5، سنن ابن ماجة، 1 / 644، سنن أبي داود، 1 / 460، سنن الترمذي، 5 / 359
[92] صحيح البخاري، 4 / 212. أنظر هذه القصة أيضاً في، صحيح مسلم، 7 / 142، سنن ابن ماجة، 1 / 644، سنن الترمذي، 5 / 360، المصنف، لابن أبي شيبة الكوفي، 7 / 527 وغيرها
[93] علل الشرائع، للصدوق، 1 / 185، بحار الأنوار، للمجلسي، 43 / 201، جامع أحاديث الشيعة، للسيد البروجردي، 3 / 388
[94] بحار الأنوار، للمجلسي، 43 / 143، 153، كشف الغمة في معرفة الأئمة، للإربلي، 2 / 101
[95] مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 3 / 114، بحار الأنوار، للمجلسي، 43 / 42
[96] علل الشرائع، للصدوق، 1 / 163، بحار الأنوار، للمجلسي، 43 / 147
[97] الكافي، للكليني، 3 / 252، بحار الأنوار، للمجلسي، 22 / 159، 161، 78/ 392
[98] الاحتجاج، للطبرسي، 1 / 145، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 2 / 50، بحار الأنوار، للمجلسي، 29 / 234، 312، أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، 1 / 318، 432، الصحيح من سيرة الإمام علي، لجعفر مرتضى العاملي، 10 / 125، 130
[99] كفاية الأثر، للخزاز القمي 63، 124، شرح الأخبار، للقاضي النعمان المغربي، 1 / 122، المسترشد، لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) 613(ه)، الصراط المستقيم، علي النباطي البياضي، 2 / 119، بحار الأنوار، للمجلسي، 22 / 536، 36 / 307، 328، 369، 51 / 79، الأنوار البهية، لعباس القمي 342، كشف الغمة في معرفة الأئمة، للإربلي، 3 / 267، سنن الإمام علي، للجنة الحديث معهد باقر العلوم، 154، 196، 224، موسوعة شهادة المعصومين، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم، 1 / 62، المسلك في أصول الدين، للمحقق الحلي، 274، غاية المرام، لهاشم البحراني، 2 / 157، 239، 5 / 7، 7 / 99
[100] بحار الأنوار، للمجلسي، 29 / 324
[101] أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، 1 / 318
[102] منهاج السنة، لإبن تيمية، 4/ 247
[103] الأسرار الفاطمية، لمحمد فاضل مسعود، 354، مكانة المرأة في فكر الإمام الخميني، 23
[104] الكافي، للكليني، 1/ 543
[105] تفسير العياشي، للعياشي، 2/ 287
[106] المصدر السابق، 7/ 47
[107] تفسير القمي، 2/ 271، أنظر أيضاً: بحار الأنوار، للمجلسي، 10/ 134، 16/ 146، 33/ 236
[108] بحار الأنوار، للمجلسي، 43/ 9
[109] الخصال، للصدوق، 511
[110] قرب الإسناد، للحميري، 226
[111] قرب الإسناد، للحميري، 223. وقال المجلسي: يدل على جواز إمامة المرأة للنساء بل استحبابها كما هو المشهور، و على استحباب جهرها بالقراءة بقدر ما تسمع المأمومات، ولعله محمول على عدم سماع الأجانب من الرجال. بحار الأنوار، للمجلسي، 85/ 126
[112] مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، لمحمد بن سليمان الكوفي، 2/ 211
[113] مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3/ 119، انظر أيضاً: بحار الأنوار، للمجلسي، 43/ 84
[114] النوادر، لفضل الله الراوندي، 119
أترث أباك ولا أرث أبي؟
قال علي بن يونس العاملي : " وأخرج البخاري أنها قالت : أترث أباك ولا أرث أبي ؟ " اهـ.[1]
وهذا من كذب الرافضة على الامام البخاري , فان البخاري لم يذكر هذا الاثر , فالعاملي هذا كذب في عزوه هذا الاثر للامام البخاري , ولقد استشهد بهذا الاثر ابن المطهر الحلي , وقد رد علي شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه , حيث قال : " قَالَ الرَّافِضِيُّ : " وَمَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا فَقَالَتْ. يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي ؟...........................
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ عَنْهَا، وَإِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ مِمَّنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ كَأَبِيهَا، وَلَا هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى مَحَبَّةِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ، كَمَا جَعَلَ أَبَاهَا كَذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْأَنْبِيَاءَ عَنْ أَنْ يُوَرِّثُوا دُنْيَا، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَخَلَّفُوهَا لِوَرَثَتِهِمْ. وَأَمَّا أَبُو الصِّدِّيقِ وَأَمْثَالُهُ فَلَا نُبُوَّةَ لَهُمْ يُقْدَحُ فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، كَمَا صَانَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا عَنِ الْخَطِّ وَالشِّعْرِ صِيَانَةً لِنُبُوَّتِهِ عَنِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ الصِّيَانَةِ " اهـ.[2]
ان لفظ اترث اباك ولا ارث ابي لم يرد , ولكن الوارد كلام اخر ورد عند الامام احمد في المسند , وعند الامام الترمذي في الشمائل : " 60 - حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ يَرِثُكَ إِذَا مِتَّ؟ قَالَ: وَلَدِي وَأَهْلِي. قَالَتْ: فَمَا لَنَا لَا نَرِثُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:" إِنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ "، وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُولُ، وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ (1).
________
(1) حديث صحيح لغيره، وأبو سلمة - وهو ابنُ عبد الرحمن بن عوف - لم يدرك أبا بكر، لكن سيأتي الحديث موصولاً برقم (79) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فانظر تخريجه هناك " اهـ.[3]
وعند الامام الترمذي نفس المتن موصولا وفيه تصريح ابو سلمة بالسماع من ابي هريرة رضي الله عنه : " 400- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.... " اهـ.[4]
فنرى ان الرواية واضحة بحوار دار بين الزهراء والصديق رضي الله عنهما , وانتهى باستشهاد الصديق رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( ان النبي لا يورث ) , فالذي يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه واله وسلم مأجور , ومتبع له صلى الله عليه واله وسلم.
58 - الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي - ج 2 ص 283.
59 - منهاج السنة النبوية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية - ج 4 ص 194 – 195.
60 - مسند الامام احمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 1 ص 226.
61 - الشمائل المحمدية – محمد بن عيسى بن سورة الترمذي - ج 1 ص 341 , ولقد قال الامام الالباني عن الرواية في مختصر الشمائل المحمدية – حسن – ص 203.
|
الطعن في حديث "لا نورث ما تركناه صدقة"(*)
مضمون الشبهة:
يطعن بعض المشككين في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأن وراثة الأنبياء، قال: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». زاعمين أنه من وضع الوضاعين أيام ولاية العباسيين بعد سقوط الدولة الأموية عام 132هـ. ويستدلون على طعنهم هذا بمخالفة الحديث للقرآن الكريم في هذه المسألة؛ فالحديث يؤكد عدم جواز وراثة الأنبياء، على حين أن القرآن قد نص على جواز ذلك صراحة؛ فقال الله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: )فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6)( (مريم)، وقال تعالى: )وورث سليمان داوود( (النمل: ١٦). كما أن هذا الحديث يتعارض مع ما صح عن فاطمة - رضي الله عنها - من أنها قد طالبت أبا بكر - رضي الله عنه - بميراث أبيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعطها إياه؛ فحلفت ألا تكلمه أبدا. رامين من وراء ذلك إلى بطلان الحديث ورده، ومن ثم تشكيك المسلمين فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وجوه إبطال الشبهة:
1) إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركناه صدقة»صحيح سندا، وليس من وضع الوضاعين، فقد رواه الشيخان عن أبي بكر رضي الله عنه، وله طرق أخرى عن أبي هريرة، وعائشة، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، والعباس، وعلي رضي الله عنهم.
2) لا تعارض بين الحديث والقرآن؛ فقد أجمع علماء الأمة على أن جميع الأنبياء لا يورثون، وليس المراد بالإرث في قصة زكريا وداود - عليها السلام - الإرث المادي أو إرث المال؛ وإنما المقصود هو إرث النبوة.
3) سبب منازعة فاطمة لأبي بكر - رضي الله عنهما - في إرث والدها - صلى الله عليه وسلم - هو عدم علمها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علمت به كفت وتراجعت عما طلبت، ولم تكلمه بشأن هذا الإرث حتى ماتت.
التفصيل:
أولا. حديث "لا نورث ما تركناه صدقة" سنده صحيح في أعلى درجات الصحة، وليس بموضوع:
إن حديث عدم توريث الأنبياء صحيح بالاتفاق؛ فقد رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكر رضي الله عنه: قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة»[1]، ورواه الشيخان - أيضا - عن عائشة - رضي الله عنها: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نورث، ما تركناه صدقة»[2]، ورواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا نورث، ما تركناه صدقة»[3].
وقد صح هذا الحديث عن عمرو، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، والعباس، وعلي - رضي الله عنهم - في الحديث الذي رواه الشيخان عن الزهري، أن مالك بن أوس حدثه قال: «أرسل إلي عمر بن الخطاب، فجئته حين تعالى النهار... فقال: هل لك، يا أمير المؤمنين! في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي؟ فقال: نعم، فأذن لهما، فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وأرحهم، فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قدموهم لذلك، فقال عمر: اتئد. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نورث، ما تركناه صدقة، قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نورث، ما تركناه صدقة؟ قالا: نعم...»[4].
ورواه الإمام مسلم أيضا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة»[5].
فالحديث صحيح متواتر النقل، فعلاوة على اتفاق الشيخين - البخاري ومسلم - على روايته بطرق متعددة، فقد تواترت رواية الحديث في أغلب كتب الحديث بأسانيد قوية، فقد رواه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، والترمذي في سننه، والنسائي في سننه، وابن ماجه في سننه... وغيرهم.
فالقول بأن هذا الحديث قد وضع أيام تولية العباسيين للسلطة بعد سقوط الدولة الأموية عام 132هـ - قول باطل لا يصح، فالحديث كما بينا متواتر النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق عدة في أغلب كتب الحديث الصحيحة.
فادعاؤهم هذا لا سند له من عقل أو نقل، فالمسألة طرحت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحسمها أبو بكر رضي الله عنه، ثم جددت في عهد عمر - رضي الله عنه - وحسمها أيضا، ولما تولى علي الخلافة لم يحاول أخذ شيء من تركة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر الذي يدل على أنه اقتنع بصحة الحديث، فمن أين جاء الوضع في الحديث إذن[6]؟!
كما أنه لا دليل على زعمهم هذا بأن العباسين في هذه الفترة قد استغلوا علماء الدين في وضع أحاديث تمكن الحكم لهم وتثبته.
ولو فرض أنه كان هناك صراع بين آل البيت والعباسيين على الخلافة، فلم يكن لهذا الصراع أي تأثير على علماء المسلمين فيما يحفظون، ويدونون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلم لم يغير أمراء بني العباس ما في الموطأ؟!
نعم، كان هناك من يتقرب إلى الملوك والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم، ولكن هؤلاء الأدعياء لم يكونوا يمتون إلى العلم بصلة، وهم غير العلماء الذين نهضوا لجمع الحديث وتدوينه ونقده، وفي الوقت نفسه لم يغفل الأمراء عن كذبهم، كما حدث من غياث بن إبراهيم النخعي مع الخليفة المهدي العباس، لما رآه يلعب بالحمام، فحدثه بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»[7]، وزاد فيه: "أو جناح"، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما قام قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بذبح الحمام فذبحت.
يقول د. عماد الشربيني: "إن ما وقع من وضع في السنة أيام الأمويين والعباسيين، وقع من غلاة الشيعة الرافضة، والزنادقة، وغيرهم ممن لا يمتون إلى العلم بصلة، وأمثال هؤلاء هم الذين كانوا في صراع دائم مع الدولة الأموية، والعباسية، أما ما يزعمه أعداء الإسلام والسنة المطهرة، بأن الوضع وقع من العلماء الذين رأبوا على نشر السنة المطهرة، وحفظها وتنقيتها أمثال الزهري، والأوزاعي، والثوري، وابن حنبل، والبخاري، وغيرهم من رواة السنة، فذلك كذب وافتراء يرده تاريخنا الإسلامي السالم من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"[8].
ومما يؤكد زيف ادعائهم بوضع الحديث أن الحديث صحيح سندا ومتنا - كما ذكرنا؛ فالحديث جاء مطابقا لما نص عليه القرآن صراحة، ففكرة عدم توريث الأنبياء ووراثتهم صحيحة اتفق عليها القرآن والسنة، وهذا ما سنبينه في الوجه الثاني.
ثانيا. لا تعارض بين الحديث وآيات القرآن؛ إذ المقصود بالإرث في الآيات إرث النبوة فقط:
لقد أجمع جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يورثون؛ لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه فهو صدقة»، قال العلماء: والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون أنه لا يؤمن في الورثة من يتمنى موته فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم، فيهلك الظان، وينفر الناس عنه[9]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» لا يتعارض مع قوله - سبحانه وتعالى - عن زكريا عليه السلام: )يرثني ويرث من آل يعقوب( (مريم: ٦)، كما لا يتعارض مع قوله سبحانه وتعالى: )وورث سليمان داوود( (النمل: ١٦)؛ لأن المراد من قصة زكريا وداود - عليهما السلام - هو وراثة النبوة، وليس المراد حقيقة الإرث، بل قيامه مقامه، وحلوله مكانه[10]، وفي قوله - سبحانه وتعالى - عن زكريا عليه السلام: )وإني خفت الموالي من ورائي( (مريم: ٥) قال ابن كثير: "إنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده؛ ليسوسهم بنبوته ما يوحى إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم، كما أنه لم يذكر أن زكريا كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا، ولا سيما الأنبياء؛ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا نورث، ما تركناه صدقة»، وفي رواية عن الترمذي بإسناد صحيح: «نحن معشر الأنبياء لا نورث»، وعلى هذا فتعين حمل قوله: )فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني( على ميراث النبوة، ولهذا قال: )ويرث من آل يعقوب( كقوله: )وورث سليمان داوود(؛ أي في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك فائدة كبيرة؛ إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة»، قال مجاهد في قوله: )يرثني ويرث من آل يعقوب(: كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وقيل المراد: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء"[11].
وقال القرطبي في قوله تعالى عن زكريا عليه السلام: )وإني خفت الموالي(: " )الموالي( هنا الأقارب وبنو العم والعصبة الذي يلونه في النسب. قيل: وإنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين من بعده، حكى هذا القول الزجاج.
وعليه فلم يسل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث. وهذا هو الصحيح في تأويل الآية، وأنه - عليه السلام - أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال؛ لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» وفي كتاب أبي داود: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم»[12]... وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله سبحانه وتعالى: )وورث سليمان داوود( وعبارة عن قول زكريا عليه السلام: )فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب( وتخصيص العموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه داود بعده، وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب... قال العلماء: دعاء زكريا - عليه السلام - في الولد إنما كان لإظهار دينه وإحياء نبوته، ومضاعفة لأجره لا للدنيا[13].
وفي قوله سبحانه وتعالى: )وورث سليمان داوود( قال الكلبي: كان لداود - عليه السلام - تسعة عشر ولدا، فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء، وقاله ابن العربي، قال: فلو كانت وراثة لانقسمت على العدد؛ فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة والنبوة، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.
قال ابن عطية: داود من بني إسرائيل، وكان ملكا، وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوة، بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمي ميراثا تجوزا، وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء»، ويحتمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث»أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وقيل: ورث سليمان أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وقوله سبحانه وتعالى: )علمنا منطق الطير( (النمل: ١٦) أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود العلم والنبوة والخلافة في الأرض - في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها[14].
قال الشعراوي في قوله تعالى: )وورث سليمان داوود(: "أي بقيت فيه النبوة، وحمل المنهج لا الملك؛ لأن الأنبياء لا تورث كما جاء في الحديث الشريف: «لا نورث، ما تركناه صدقة»، فالله - سبحانه وتعالى - يريد أن يكون الرسول بعيدا في رسالته وتبليغه عن أي نفع يجيئ له، أو لذريته"[15].
وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" عند تفسير قوله تعالى: )وورث سليمان داوود(: "الإرث هنا مستعمل في معناه المجازي، وتشبيه الأحوال الجليلة بالمال، وهو تشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال؛ لظهور أن ليس غرض الآية إفادة من انتقلت إليه أموال داود بعد قوله: )ولقد آتينا داوود وسليمان علما( (النمل: ١٥)، فتعين أن إرث المال غير مقصود فإنه غرض تافه.
وقد كان لداود أحد عشر ولدا، فلا يختص إرث ماله بسليمان، وليس هو أكبرهم، وكان داود قد أقام سليمان ملكا على إسرائيل؛ وبهذا يظهر أن ليس في الآية ما يحتج به لجواز أن يورث مال النبي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركنا صدقة»[16].
وفي قوله تعالى عن زكريا عليه السلام: )يرثني ويرث من آل يعقوب( قال الشعراوي: "إن العلة من طلبه دينية محضة، لا يطلبه لمغنم دنيوي؛ وإنما شغفه بالولد؛ لأنه لم يأمن من القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد. لذلك قوله: )يرثني( هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه صدقة»، وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم، فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: )ويرث من آل يعقوب( أي: النبوة التي تناقلوها، فلا يستقيم هنا أبدا أن نفهم الميراث على أنه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني.
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: )وورث سليمان داوود( ففي أي شيء ورثه؟! أورثه في تركته؟ إذن: فما موقف إخوته الباقين؟ لا بد أنه ورثه في النبوة والملك، فالمسألة بعيدة كل البعد عن الميراث المادي"[17].
وقد أجاب د. علي محمد محمد الصلابي عن هذا التعارض المزعوم فأحسن، فقال: "إن الإرث اسم جنس يدخل تحته أنواع، فيستعمل في إرث العلم والنبوة، والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال. قال سبحانه وتعالى: )ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا( (فاطر: ٣٢)، وقال سبحانه وتعالى: )أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11)( (المؤمنون)، وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الشأن، وإذا كان كذلك فقوله سبحانه وتعالى: )وورث سليمان داوود(، وقوله: )يرثني ويرث من آل يعقوب( إنما يدل على جنس الإرث، ولا يدل على إرث المال، وذلك أن داود - عليه السلام - كان له أولاد كثيرون غير سليمان، فلا يختص سليمان بماله، فدل على أن المراد بهذا الإرث إرث العلم والنبوة ونحو ذلك، لا إرث المال، والآية سيقت في بيان مدح سليمان وما خصه الله به من النعمة، وحصر الإرث في المال لا مدح فيه؛ إذ إرث المال من الأمور العادية المشتركة بين الناس، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: )يرثني ويرث من آل يعقوب( ليس المراد به إرث المال؛ لأنه لا يرث آل يعقوب شيئا من أموالهم، وإنما يرث ذلك منهم أولادهم وسائر ورثتهم لو ورثوا.
كما أن قوله سبحانه وتعالى: )وإني خفت الموالي من ورائي( لا يدل على أن الإرث مال؛ لأن زكريا لم يخف أن يأخذوا ماله من بعده إذا مات، فإن هذا ليس بمخوف، وزكريا - عليه السلام - لم يعرف له مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يده، كما في صحيح مسلم. ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله، فدل على أن المراد بالوراثة في هاتين الآيتين وراثة النبوة، والقيام مقامه[18].
فالأنبياء - عليهم السلام - لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا نورث، ما تركناه صدقة»، وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، لما سئل عن ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه - عليه السلام - غير واحد من الصحابة، فمنهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة رضي الله عنهم [19].
وتأسيسا على ما سبق يتضح جليا أنه لا تعارض في مسألة ميراث الأنبياء بين السنة والقرآن، فالمراد بالوراثة في الآيتين الكريمتين هو وراثة النبوة، والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركت فهو صدقة» أن جميع الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يورثون، وفي حديث أبي الدرداء: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك - صلى الله عليه وسلم - ما بين الدفتين يعني: القرآن، فالأنبياء لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها[20]، فأين التعارض الذي يدعونه بين الآيتين والحديث؟!
بذلك يتبين أنه لا تعارض في مسألة ميراث الأنبياء بين السنة والقرآن؛ إذ تبين أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نورث، ما تركناه فهو صدقة" أن جميع الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يورثون، كما أن المراد في قصة زكريا وداود - عليهما السلام - في القرآن هو وراثة النبوة، وليس وراثة المال كما يتوهمون، ومن ثم تسقط شبهتهم وتبطل.
ثالثا. مطالبة فاطمة - رضي الله عنها - بميراث والدها - صلى الله عليه وسلم - ليس بمستنكر؛ لعدم علمها بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فلما علمت كفت ورجعت عن ذلك:
أما عن منازعة فاطمة أبا بكر - رضي الله عنهما - في ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بمستنكر؛ لأنها لم تكن تعلم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم، فلما أخبرها أبو بكر الصديق بما قاله - صلى الله عليه وسلم - كفت[21]، والمسألة قد وردت في صحيح البخاري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها: «أن فاطمة والعباس - رضي الله عنهما - أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، قال أبو بكر: والله، لا أدع أمرا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنعه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة. فلم تكلمه حتى ماتت»[22].
قال ابن حجر: "وقوله فيه: «إنما يأكل آل محمد من هذا المال» كذا وقع، وظاهره الحصر، وأنهم لا يأكلون إلا من هذا المال، وليس ذلك مرادا؛ وإنما المراد العكس، وتوجيهه أن "من" للتبعيض، والتقدير: إنما يأكل آل محمد بعض هذا المال، يعني بقدر حاجتهم، وبقيته للمصالح"[23].
وقال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك - والله أعلم - أن الله بعثهم مبلغين رسالته، وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا كما قال: )قل لا أسألكم عليه أجرا( (الأنعام: ٩٠)، وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في أن لا يورثوا؛ لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم، قال: وقوله تعالى: )وورث سليمان داوود( حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا عليه السلام: )فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني( [24].
أما ما احتجوا به من منازعة فاطمة أبا بكر في ميراث أبيها - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت هذه المنازعة بسبب عدم علم السيدة فاطمة - رضي الله عنها - بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ذلك د. طه حبيشي، فقال: "فلما علمت بهذا الحديث كفت وتراجعت عما طلبت، أما ما قاله الراوي «فما كلمته حتى ماتت» فظن الظانون بذلك أنها قد خاصمته وهجرته، والأقرب أن فاطمة ما عادت تكلمه في شأن هذا الميراث حتى ماتت، ويؤيد ذلك أنها كانت على علاقة طيبة جدا بعائشة - رضي الله عنها، وأن عائشة كانت تسألها وتلح في السؤال عليها؛ لتعرف ما تريد من جانبها، وعائشة هي ابنة الصديق وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، والذي صنعه أبو بكر في هذا المال هو أنه قد أجراه على ما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصنع فيه ما كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يورثه لأحد، وفاطمة وعلي يريدان ويسمعان ويرضيان ولا يعارضان"[25].
وكيف يسوغ لأحد أن يظن بأبي بكر - رضي الله عنه - أنه منع فاطمة حقها من ميراث أبيها، وهو يعطي الأحمر والأسود حقوقهم؟
وكيف يركب مثل هذا ويستحله من فاطمة - رضي الله عنها، وهو يرد إلى المسلمين ما بقي من أموالهم منذ ولـي؟ وقد قال لعائشة - رضي الله عنها: انظري يا بنية، فما زاد في مال أبي بكر، منذ ولـي هذا الأمر، فرديه على المسلمين، فوالله ما نلنا من أموالهم إلا ما أكلنا في بطوننا من جريش[26] طعامهم، ولبسنا على ظهورنا من خشن ثيابهم. فنظرت فإذا بكر[27] وجرد[28] قطيفة، لا تساوي خمسة دراهم، وحبشية[29].
فهو لم يأخذ مال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ولا لولده، ولا لأحد من عشيرته، وإنما أجراه مجرى الصدقة، وكان دفع الحق إلى أهله أولى به[30].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة» [31]، وهذا ما فعله أبو بكر - رضي الله عنه - مع فاطمة، لذلك قال الصديق: لست تاركا شيئا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل به إلا عملت به، وقال: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته، وقد تركت فاطمة منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها، وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله صلى الله عليه وسلم، وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر - بعد احتجاجه عليها بالحديث - التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها، ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث، ثم ولـي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما.
وقال حماد بن إسحاق: والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر - رضي الله عنهم - إنما هو الميراث، حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق، ولو لم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لكان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة - رضي الله عنهما؛ فآثروا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنعوا عائشة وحفصة ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد صلى الله عليه وسلم [32].
وقد ثبت عن فاطمة - رضي الله عنها - أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، ويدل على ذلك ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: «لما مرضت فاطمة آتاها أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت - رضي الله عنها»[33].
قال ابن كثير: "وهذا إسناده جيد قوي، والظاهر أن عامرا الشعبي سمعه من علي، أو ممن سمعه من علي، كما ذكر العلماء أن فاطمة - رضي الله عنها - لم تتعمد هجر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أصلا، ومثلها منزه عن ذلك؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الهجر فوق ثلاثة، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك"[34].
وقال أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم" في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم: "ثم إنها - أي فاطمة - لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»[35]، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف لا يكون كذلك، وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدة نساء أهل الجنة"[36].
وقال ابن تيمية: "كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عموما فهو مخصوص؛ لأن ذلك لو كان دليلا لما كان إلا ظنيا، فلا يعارض القطعي؛ إذ الظني لا يعارض القطعي؛ وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق.
ولهذا لم يصر أحد من أزواجه - صلى الله عليه وسلم - على طلب الميراث، ولا أصر العباس على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئا فأخبر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير شيئا من ذلك، ولا قسم له تركة"[37].
وقد تولى علي بعد ذلك، ولم يعط شيئا لأحد من أولاد فاطمة، ولا من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ولد العباس، فلو كان ظلما، وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه، أفتراه يقاتل معاوية، مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطي هؤلاء قليلا من المال، وأمره أهون بكثير[38]؟
فكما رأينا أن القوم جميعا، فاطمة، وعليا، وأبا بكر الصديق، قد حرصوا جميعا على أن يقابلوا الله بوجه واحد فقابلوه به، وقد حرصوا جميعا على أن يسلكوا إليه سبيلا واحدة فسلكوا إليه، رضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجميع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم [39].
الخلاصة:
· إن حديث: «لا نورث، ما تركناه صدقة» صحيح سندا عن النبي صلى الله عليه وسلم، متواتر النقل في أغلب كتب الحديث بأصح الأسانيد، وقد روي عن كثير من الصحابة، فقد رواه الشيخان - البخاري ومسلم - عن كل من: أبي بكر الصديق، وعائشة، وأبي هريرة، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وعلي، والعباس - رضي الله عنهم - مما يبطل القول بوضع الحديث.
· لقد أجمع العلماء على أن جميع الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يورثون، والحكمة في ذلك أنه لا يؤمن في الورثة من يتمنى موته فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم؛ فيهلك الظان.
· إن المراد بالإرث في الآيتين: )يرثني ويرث من آل يعقوب(، و)وورث سليمان داوود(هو وراثة النبوة، لا وراثة المال؛ فالأنبياء لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها، ويرغبون فيها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه صدقة».
· إن في اختصاص سليمان - عليه السلام - بالإرث دون غيره من إخوته الآخرين دليلا قاطعا على أن المقصود بالإرث هو إرث النبوة، لا إرث المال ونحو ذلك.
· لم تكن فاطمة - رضي الله عنها - تعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركناه صدقة»، فطالبت أبا بكر - رضي الله عنه - بإرث والدها - صلى الله عليه وسلم - لأنها كانت تظن أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم، فلما أخبرها أبو بكر - رضي الله عنه - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كفت عن ذلك وتراجعت.
· إن المقصود من قول الراوي: «ولم تكلمه حتى ماتت» أنها لم تكلمه في شأن هذا الميراث حتى ماتت، وقد ثبت عن فاطمة أنها ماتت راضية عن أبي بكر - رضي الله عنه -، وكانت علاقتها طيبة مع ابنته السيدة عائشة - رضي الله عنها.
· لم يصر أحد من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على طلب الميراث، ولا أصر العباس على ذلك؛ بل من طلب من ذلك شيئا فأخبر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي - رضي الله عنه - فلم يغير شيئا من ذلك، ولا قسم لنفسه تركة، وفي ذلك دليل على اقتناعهم جميعا بما بلغه أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث، ما تركناه صدقة».
(*) دور السنة في إعادة بناء الأمة، جواد موسى محمد عفانة، جمعية عمال المطابع التعاونية، الأردن، ط1، 1419هـ/ 1999م. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م.
[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الفرائض، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة"، (12/ 7)، رقم (6726). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، (7/ 2748)، رقم (4501).
[2]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الفرائض، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة"، (12/ 8)، رقم (6730). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، (7/ 2746)، رقم (4498).
[3]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، (7/ 2748)، رقم (4504).
[4]. صحيح البخاري (بشر ح فتح الباري)، كتاب: الفرائض، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة"، (12/ 7)، رقم (6728). صحيح مسلم (بشر ح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: حكم الفيء، (7/ 2740)، رقم (4496).
[5]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، (7/ 2748)، رقم (4504).
[6]. كيف ولماذا التشكيك في السنة، أحمد عبد الرحمن، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1428هـ/ 2007م، ص18.
[7]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، (19/ 136)، رقم (10142). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
[8]. السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام: مناقشتها والرد عليها، د. عماد السيد الشربيني، دار اليقين، مصر، ط1، 1423هـ/ 2002م، ص441: 443 بتصرف.
[9]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (7/ 2749).
[10]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (7/ 2751).
[11]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (3/ 111) بتصرف.
[12]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: العلم، باب: في فضل العلم، (10/ 53)، رقم (3636). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (3641).
[13]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (11/ 78، 79) بتصرف.
[14]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (13/ 163: 165) بتصرف.
[15]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، مصر، د. ت، (17/ 10753: 10755) بتصرف.
[16]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، (18/ 235).
[17]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، مصر، د. ت، (15/ 9024، 9025).
[18]. أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شخصيته وعصره، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الإيمان، الأسكندرية، د.ت، ص156، 157 بتصرف.
[19]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، السعودية، ط2، 1420هـ/ 1999م، (1/ 57).
[20]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، السعودية، ط2، 1420هـ/ 1999م، (1/ 57).
[21]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص283.
[22]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الفرائض، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة"، (12/ 7)، رقم (6725، 6726).
[23]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (12/ 71).
[24]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (12/ 10).
[25]. ضلالات منكري السنة، د. طه حبيشي، مطبعة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص450 بتصرف.
[26]. الجريش: المجروش من الحبوب أو غيرها.
[27]. الكر: مكيال لأهل العراق يعادل أربعين إردبا.
[28]. الجرد: الترس، والبقية من المال.
[29]. الحبشية: ناقة شديدة السواد.
[30]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص283 بتصرف.
[31]. صحيح البخاري (بشر ح فتح الباري)، كتاب: الفرائض، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه صدقة"، (12/ 8)، رقم (6729). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، (7/ 2748)، رقم (4502).
[32]. الانشراح ورفع الضيق بسيرة أبي بكر الصديق، د. علي محمد الصلابي، دار الإيمان، الإسكندرية، 2002م، ص208: 210.
[33]. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب: قسم الفيء والغنيمة، باب: بيان مصرف أربعة الخمس، (6/ 301)، رقم (13113).
[34]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، (3/ 374).
[35]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأدب، باب: الكبر، (10/ 507)، رقم (6076). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، (9/ 3689)، رقم (6406).
[36]. المفهم شرح صحيح مسلم، أبو العباس القرطبي، (12/ 73)، نقلا عن: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، د. علي محمد الصلابي، دار الإيمان، الأسكندرية، د.ت، ص161، 162.
[37]. منهاج السنة النبوية في نفي كلام الشيعة والقدرية، ابن تيمية، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2004م، (4/ 100، 101).
[38]. منهاج السنة النبوية في نفي كلام الشيعة والقدرية، ابن تيمية، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2004م، (6/ 187).
[39]. ضلالات منكري السنة، د. طه حبيشي، مطبعة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص450، 451.
|
زعمهم ملكية فاطمة لفدك ورد الصديق شهادة شهود إثباتها
الشبهة:
روى الشيعة عدة روايات تذكر أن عليًّا وأم أيمن شهدا لفاطمة بملكية فدك، ومن ذلك ما رواه علي بن إبراهيم القمي في «تفسيره» قال: «حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى وَحَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: لَمَّا بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَاسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى جَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ بَعَثَ إِلَى فَدَكَ فَأَخْرَجَ وَكِيلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ (ص) مِنْهَا، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ (ع) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنَعْتَنِي عَنْ مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَأَخْرَجْتَ وَكِيلِي مِنْ فَدَكَ، فَقَدْ جَعَلَهَا لِي رَسُولُ اللهِ (ص) بِأَمْرِ اللهِ، فَقَالَ لَهَا: هَاتِي عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا، فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ فَقَالَتْ: لَا أَشْهَدُ حَتَّى أَحْتَجَّ يَا أَبَا بَكْرٍ عَلَيْكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)، فَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) قَالَ: إِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ (ص): }فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ{ فَجَعَلَ فَدَكَ لِفَاطِمَةَ بِأَمْرِ اللهِ، وَجَاءَ عَلِيٌّ (ع) فَشَهِدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ لَهَا كِتَابًا بِفَدَكَ وَدَفَعَهُ إِلَيْهَا، فَدَخَلَ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ فَاطِمَةَ ادَّعَتْ فِي فَدَكَ وَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَعَلِيٌّ فَكَتَبْتُ لَهَا بِفَدَكَ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْكِتَابَ مِنْ فَاطِمَةَ فَمَزَّقَهُ، وَقَالَ: هَذَا فَيْءُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ: يَشْهَدُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (ص) بِأَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ»، فَإِنَّ عَلِيًّا زَوْجُهَا يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ، وَأُمَّ أَيْمَنَ فَهِيَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، لَوْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا لَنَظَرْنَا فِيهِ»([1]).
وذكروا في ذلك روايات أخرى نتعرض لها خلال البحث.
([1]) تفسير القمي (2/ 156).
الرد علي الشبهة:
أولًا: الرواية التي ذكروها من تفسير القمي لا يصح الاحتجاج بها لا عند أهل السنة ولا عند الشيعة.
أما عند أهل السنة فالأمر واضح، وذلك أن الشيعة أكذب خلق الله على الإطلاق، فنحن لا نعلم أمة على وجه الأرض تجعل تسعةَ أعشار دينها في الكذب إلا الشيعة.
وأما عند الشيعة فالرواية ساقطة من أوجه كثيرة، أذكر منها على سبيل الاختصار:
* أنها واردة في تفسير نقلَه مجهول ومهمل عند الشيعة، ولا يعرف أحدٌ عنه شيئًا.
يقول حيدر حب الله عن تفسير القمي: «ناقل التفسير -كما يظهر من مطلعه- هو أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الإمام الكاظم، وهو رجل مُهمل تمامًا لا ذكر له في مصادر الرجال والجرح والتعديل، ومعه فلا يمكن الوثوق بهذه النسخة بتاتًا، ولم نجد المشايخ العظام قد نقلوا عنه، وهذا ما يذهب إليه الشيخ محمد هادي معرفة»([1]).
قلت: فأصل روايات ذلك التفسير من مجهول.
* أيضًا إبراهيم بن هاشم والد علي بن إبراهيم لم يوثقه أحدٌ من المتقدمين.
يقول الحلي عنه: «ولم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص»([2]).
والعبرة عند الشيعة إنما تكون بتوثيق المتقدمين فقط كما قال الحلي نفسه في ترجمة إسحاق بن يزيد بن إسماعيل الطائي: «ولا حجية لتوثيق المتأخرين ومدحهم»([3]).
وعليه تسقط رواية القمي، حتى عند الشيعة أنفسهم.
ثانيًا: ذكر الشيعةُ روايةً أخرى من كتاب السقيفةِ وفدك للجوهري، وإليك سياقها:
«أخبرنا أبو زيد قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثنا فضيل بن مرزوق قال: حدثنا البحتري بن حسان قال: قلت لزيد بن علي عليه السلام، وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة عليها السلام، فقال: إن أبا بكر كان رجلًا رحيمًا، وكان يكره أن يغير شيئًا فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك، فقال لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت بعلي عليه السلام فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت: ألستما تشهدان أني من أهل الجنة؟ قالا: بلى، قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر، قالت: فأنا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها فدك، فقال أبو بكر: فرجل آخر وامرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال أبو زيد: وايم الله، لو رجع الأمر إليَّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر»([4]).
قلت: والرواية ساقطة الإسناد -لو صح نسبة الكتاب لأبي بكر الجوهري- محمد بن عبد الله بن الزبير ذكره العجلي، ثم قال: «يكنى أبا أحمد، كوفي ثقة، وكان يتشيع»([5]).
وفضيل بن مرزوق، قال العجلي: «فضيل بن مرزوق جائز الحديث ثقة، وكان فيه تشيع، وهو كوفي، وفي موضع آخر كوفي ثقة»([6])، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ثم قال: «كان ممن يخطئ»([7]).
وقال ابن الجوزي: «فضيل بن مرزوق الرقاشي الكوفي يروي عن عطية، قال يحيى: ضعيف، وقال مرة: ثقة، وقال الرازي: لا يحتج به، وقال ابن حبان: يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات»([8]).
وفي «تهذيب التهذيب»: «قال معاذ بن معاذ: سألت الثوري عنه فقال: ثقة، وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت الشافعي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث، إلا أنه شديد التشيع، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيرًا، يكتب حديثه. قلت (أي: ابن أبي حاتم) يحتج به؟ قال: لا، وقال النسائي: ضعيف»([9]).
قلت: مما تقدم يتضح غلو فضيل في التشيع، وكذلك كان محمد بن عبد الله بن الزبير شيعيًّا، والرواية مؤيدة لبدعتهما، وبه ترد الرواية باتفاق أهل العلم.
قال في فتح المغيث: «يَنْبَغِي أَلَّا يُرْوَى عَنْ مُبْتَدِعٍ شَيْءٌ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ. قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ مَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ؛ حَيْثُ قَالَ: إِنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ هُوَ؛ إِخْمَادًا لِبِدْعَتِهِ، وَإِطْفَاءً لِنَارِهِ، يَعْنِي لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ كَمَا قَالَ رَافِعُ بْنُ أَشْرَسَ: مِنْ عُقُوبَةِ الْفَاسِقِ الْمُبْتَدِعِ أَلَّا تُذْكَرَ مَحَاسِنُهُ. وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ إِلَّا عِنْدَهُ، مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ صِدْقِهِ، وَتَحَرُّزِهِ عَنِ الْكَذِبِ، وَاشْتِهَارِهِ بِالتَّدَيُّنِ، وَعَدَمِ تَعَلُّقِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ بِبِدْعَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ مَصْلَحَةُ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَنَشْرِ تِلْكَ السُّنَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ إِهَانَتِهِ وَإِطْفَاءِ بِدْعَتِهِ»([10]).
وقال الحافظ الذهبي: «وينبغي أن يقيد قولُنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقًا ولم يكن داعية، بشرط ألَّا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشيدها، فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى»([11]).
وأما النميري: فلم نجدْ له ترجمة.
وأما زيد بن علي هو ابن الحسين، ولد بعد وفاة أبي بكر بأكثر من سبعين سنة؛ فالرواية منقطعة.
فاتضح بذلك أن في الخبر عدة علل:
-
انقطاع بين زيد وأبي بكر الصديق.
-
جهالة بعض رواته.
-
بعض رواته شيعة، وقد وافقوا بدعتهم مما يستلزم رد روايتهم.
وجميع ما ذكروه في ذلك لا يصح.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سياق رده لتلك الفرية: «فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْكَلَامِ الْفَاسِدِ مَا لَا يَكَادُ يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَلَكِنْ سَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوهًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ ادِّعَاءِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَدَاك، فَإِنَّ هَذَا يُنَاقِضُ كَوْنَهَا مِيرَاثًا لَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلَبُهَا بِطْرِيقِ الْإِرْثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ بِطْرِيقِ الْهِبَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ هِبَةً فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَرَسُولُ اللهِ r مُنَزَّهٌ، إِنْ كَانَ يُورث كَمَا يُورَثُ غَيْرُهُ، أَنْ يُوصَى لِوَارِثٍ أَوْ يَخُصُّهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي صِحَّتِهِ فَلَا بُدَّ أن تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا إذا وَهَبَ الْوَاهِبُ بِكَلَامِهِ وَلَمْ يَقْبِضِ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا حتى مَاتَ الْوَاهِبُ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يَهِبُ النَّبِيُّ r فَدَك لِفَاطِمَةَ وَلَا يَكُونُ هَذَا أَمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ أهل بيته والمسلمين، حتى تختص بِمَعْرِفَتِهِ أُمُّ أَيْمَنَ أَوْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ادِّعَاءَ فَاطِمَةَ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى فَاطِمَةَ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسُ بْنُ سُرَيْجٍ فِي الْكِتَابِ الَّذِي صنَّفه فِي الرَّدِّ عَلَى عِيسَى بْنِ أَبَانَ لَمَّا تكلَّم مَعَهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَاحْتَجَّ بِمَا احْتَجَّ، وَأَجَابَ عمَّا عَارَضَ بِهِ عِيسَى بْنَ أَبَانَ، قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ حسَّان عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ فَاطِمَةَ ذَكَرَتْ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r أَعْطَاهَا فَدَك، وَأَنَّهَا جَاءَتْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، فَقَالَ: رَجُلٌ مَعَ رَجُلٍ، وَامْرَأَةٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا! قَدْ سَأَلَتْ فَاطِمَةُ أَبَا بَكْرٍ مِيرَاثَهَا وَأَخْبَرَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ r أنه قال: لا نُورث، وما حُكِيَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ فَاطِمَةَ ادَّعَتْهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا شَهِدَ بِذَلِكَ»([12]).
ثالثًا: شهادة عليٍّ لفاطمة غير مقبولة على مباني الشيعة أنفسهم، وذلك لأن شهادته تجر له نفعًا، قال الحلي: «كل من يجر بشهادته نفعًا أو يستدفع بها ضررًا ترد شهادته تلك، وإن كان عدلًا، فلو شهد على من جرح مورثه ردت شهادته؛ لأن بدل الجرح وهو المال، يحصل له بالإرث، والجرح سبب للموت المفضي إلى الإرث»([13]).
رابعًا: ذكر الشيعة رواية أخرى ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء:26] دَعَا رَسُولُ اللهِ r فَاطِمَةَ، فَأَعْطَاهَا فَدَكَ»، وقد ضعفها الهيثمي، وقال: «رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ»([14])،
وقال الألباني: «موضوع، وأخرجه البزار (3/ 55/ 2223) من طريق أبي يحيى التيمي: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال: .. فذكره، وقال: « لا نعلم رواه إلا أبو سعيد، ولا حدث به عن عطية إلا فضيل، ورواه عن فضيل أبو يحيى، وحميد بن حماد وابن أبي الخوار».
قلت: وهذا إسناد ضعيف، عطية -وهو: العوفي- ضعيف مدلس تدليسًا خبيثًا، كما كنت بينته في المجلد الأول تحت الحديث، وأبو يحيى التيمي -اسمه: إسماعيل بن إبراهيم الأحول- شيعي، قال الذهبي في «المغني»: «مجمع على ضعفه»([15]).
ونجمل أسباب رد الرواية في الآتي:
-
في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف.
-
حتى لو قلنا -تنزلًا-: إنه غير ضعيف، فقد روى ما يؤيد بدعته، وهذا كافٍ لإسقاط حديثه كما سبق.
-
في سنده: أبو يحيى التيمي، وهو ضعيف، قال الذهبي في المغني: «مجمع على ضعفه»([16]).
-
متنُه ساقط؛ لأن فدك فتحت في السنة السابعة للهجرة والآية مكية، كما قال الطباطبائي في تفسيره: «قوله تعالى: }وآتِ ذَا القُرْبَى حقَّهُ والمسكينَ وابْنَ السبيلِ{ تقدم الكلام فيه في نظائره، وبالآية يظهر أن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل مما شرع قبل الهجرة؛ لأنها آية مكية من سورة مكية»([17]).
-
إذا عرضنا الحديث على كتاب الله لوجدناه ساقطًا؛ لأنه معارض لكتاب الله، قال الله تعالى موجها رسوله r أن يقول: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أعطى نحلة لإحدى بناته وترك الأخريات، فهذا عين الظلم.
هذا فضلًا عن نسبتهم الكذب والزور لفاطمة؛ كونها احتالت على أبي بكر لما استدلت بآيات الميراث على شيء ليس ميراثًا، فاستحلت الكذب لأجل أخذ فدك، وهذا لا يليق ببَضْعَة رسول الله r. وبه تكون كل رواياتهم في إعطاء فدك لفاطمة باطلةً واهيةً.
([1]) الدراسات في الفقه الإسلامي المعاصر، حيدر حب الله (١/ ٤٥٧).
([2]) رجال العلامة الحلي (1/ 4).
([3]) خلاصة الأقوال، الحلي (1/ 58).
([4]) السقيفة وفدك، أبو بكر الجوهري البصري البغدادي (1/ 107).
([5]) معرفة الثقات (2/ 242) ط مكتبة الدار.
([6]) معرفة الثقات (2/ 208).
([7]) الثقات (7/ 316) ط دار الفكر.
([8]) الضعفاء والمتروكين (3/ 9) ط دار الكتب العلمية.
([9]) تهذيب التهذيب، ابن حجر (8/ 268) ط دار الفكر.
([10]) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (2/ 64).
([11]) لسان الميزان (1/ 11).
([12]) مختصر منهاج السنة (ص175).
([13]) تحرير الأحكام (5/ 252).
([14]) ينظر: مجمع الزوائد (٤٩/ ٧).
([15]) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (14/ 157).
([16]) المغني في الضعفاء (1/ 77).
([17]) تفسير الطباطبائي (13/ 81).
زعمهم تفرد الصديق بحديث: «لا نورث...»
الشبهة:
قال محمد باقر الموسوي تحت عنوان: «تفرُّد أبي بكر بحديث «لَا نُورث»: قال الهيتمي في الفصل الخامس من «الصواعق المحرقة»: اختلفوا في ميراث النبي صلى الله عليه وآله، فما وجدوا عند أحد في ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»([1]).
وقال محمد باقر الحسيني الجلالي: «إنَّ من أعظم ما يقدح ويسقط ما زعمه أبو بكر في حديثه هو أنَّه على الرغم من وجود رواة وفقهاء من خيرة الصحابة، الذين رووا الكثير من سنَّة النبي صلّى الله عليه وآله وقوله وفعله، إلا أنَّنا لا نرى أحدًا منهم روى حديث أبي بكر الذي احتجَّ به على ردِّ دعوى الصدِّيقة الطاهرة عليها السلام، فقد انفرد أبو بكر بروايته، ولم يروه أحد غيره، لا من الصحابة، ولا من التابعين»([2]).
([1]) الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم (ع)، محمد باقر الموسوي (5/ 310).
([2]) فدك والعوالي أو الحوائط السبعة في الكتاب والسنة والتاريخ والأدب، محمد باقر الحسيني الجلالي (1/ 425).
الرد علي الشبهة:
أولًا: الرواية التي ذكرها ابن حجر الهيثمي التي تؤيد دعوى التفرد لا تصح، وإليك الرواية وبيان ضعفها:
جاء في «تاريخ دمشق» من طريق عبد الله بن عون الخراز، نا عبد الرحمن بن عبد الله العمري، أخبرني أبي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت، وأخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: لما توفي النبي r اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأبصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهامها، فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بعنانها وفضلها، فقالوا: أين يدفن رسول الله r؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله r يقول: «ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه»، قالت: واختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله r: «يقول إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»([1]).
وهذه الرواية ضعيفة منكرة، وآفتها عبد الرحمن بن عبد الله العمري، فقد ترجم له العقيليُّ في «الضعفاء» فقال: «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ قَطُّ. حَدَّثَنَــا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَــا عَبَّاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَ يَحْيَى الْقَطَّانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدِي ضَعْفٌ«([2]).
وقال ابن حبان: «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن دِينَار الْمدنِي، يروي عَن أَبِيه وَزيد بن أسلم، روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ، كَانَ مِمَّن ينْفَرد عَن أَبِيه بِمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ مَعَ فُحْشِ الْخَطَأ فِي رِوَايَته، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد، كَانَ يحيى الْقطَّان يحدث عَنهُ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعِيلَ الْجعْفِيُّ البُخَارِيُّ مِمَّن يحْتَج بِهِ فِي كِتَابه وَيتْرك حَمَّاد بن سَلمَة، أخبرنَا الْهَمدَانِي قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ قَالَ: لم أسمع عبد الرَّحْمَن يحدث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِشَيْء قطّ»([3]).
وقال الحافظ: «قال الدوري عن ابن معين: في حديثه عندي ضعف، وقد حدث عنه يحيى القطان، وحسبته أن يحدث عنه يحيى، وقال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط، وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال ابن عدي: وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء.
قلت: وقال السلمي عن الدارقطني خالف فيه البخاري الناس وليس بمتروك، وقال الحاكم عن الدارقطني إنما حدث بأحاديث يسيرة، وقال أبو القاسم البغوي: هو صالح الحديث، وقال الحربي: غيره أوثق منه، وقال ابن خلفون: سئل عنه علي بن المديني فقال: صدوق»([4]).
وعليه فالرواية لا تصح إسنادًا في ميزان المحدثين، وأما المتن فمخالف لما سيأتي تقريره من عدم التفرد بالحديث.
ثانيًا: ذكر عدد من أهل العلم بالحديث عدم تفرد الصديق برواية هذا الحديث، ومنهم:
-
أبو عبد الله محمد بن أبي الفيض جعفر بن إدريس الحسني الإدريسي، قال في «نظم المتناثر»: «لا نورث ما تركنا صدقة»، أورده في الأزهار من حديث (1) عمر (2) وعثمان (3) وعلي (4) وسعد بن أبي وقاص (5) والعباس (6) وأبي بكر الصديق (7) وعبد الرحمن بن عوف (8) والزبير بن العوام (9) وأبي هريرة (10) وعائشة (11) وطلحة (12) وحذيفة (13) وابن عباس، ثلاثة عشر نفسًا، قال: فقد رواه من العشرة المشهود لهم بالجنة ثمانية نظير حديث «من كذب علي».
(قلت:) لكن حديث «مَنْ كَذَب...» تقدم أنه رواه العشرة كلهُم، ثم هذا الحديث قال الحافظ ابن حجر أيضًا في «أماليه»: إنه حديث صحيح متواتر»([5]).
-
أبو عيسى الترمذي؛ حيث قال بعد روايته الحديث: «وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدٍ، وَعَائِشَةَ»([6]).
-
ابن حبان في «صحيحه» لما شعر بما قيل من التفرد أفرد بابًا بعنوان: «ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ r: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» تَفَرَّدَ بِهِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَدْ فَعَلَ»([7])، وساق ما يدحض التفرد.
-
ابن كثير في «البداية والنهاية»، قال: «وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ قَرِيبًا»([8]).
رابعًا: إليك بعض الروايات عن أصحاب النبي r في ذلك:
١- رواية حذيفة بن اليمان:
عن: «فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: نا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». قال الطبراني: «لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حُذَيْفَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: فُضَيْلٌ». وقال البزار: وقال: وَهَذَا الْكَلَامُ لَا نَعْلَمُ يُرْوَى عَنْ حُذَيْفَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ إِلَّا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ»([9]).
وقال الحافظ: «وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى فِي كِتَابٍ لَهُ اسْمُهُ «بَرَاءَةُ الصِّدِّيقِ»، مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْهُ، وَهَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ»([10]).
٢- ابن عباس له عنه طريقان:
الأول: أخرجه الطبراني في «الأوسط» قال: «حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ الْبُرْزَبَاذَانِيُّ قَالَ: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ قَالَ: نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «إِنَّا لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، وقال: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ إِلَّا لَيْثٌ، وَلَا عَنْ لَيْثٍ إِلَّا حَفْصٌ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو»([11]).
قلت: وله طريق آخر أخرجه الطبري في تفسيره([12]) قال: «حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: }واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين{ الآية، قال ابن عباس: فكانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: أربعة بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة: لله وللرسول ولذي القربى، يعني: قرابة النبي r، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي r، ولم يأخذ النبي r من الخمس شيئًا، فلما قبض الله رسوله r ردَّ أبو بكر رضي الله عنه نصيبَ القرابة في المسلمين، فجعل يحمل به في سبيل الله؛ لأن رسول الله r قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة».
قلت: المثنى هو ابن إبراهيم ولم أجد له ترجمة، وقد أكثر الطبري الرواية -في التاريخ والتفسير-، وعلي هو ابن أبي طلحة، ولم يسمع من ابن عباس، فالإسناد ضعيف، لكن الطريق السابق يعضده.
٣- عائشة:
أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ r حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ r أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ r، قَالَتْ عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»؟([13]).
4- أبو هريرة: وله طرق عنه:
الأولى: روى مسلم قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ»([14]).
الثانية: قال: وحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»([15]).
5- علي بن أبي طالب:
في «مسند البزار» بسنده: «عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَشَدَ النَّاسَ فِيهِمْ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ لِعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «نَعَمْ»، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ»([16]).
وهذا الحديث هو المخرج في الصحيح، لكن أوردناه من مسند البزار للفائدة في تعليقه أن هذا الحديث يرويه مالك عن أوس عن علي.
6- الزبير بن العوام:
روى البزار بسنده «عن مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: أَنْشُدُكَ اللهَ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»؟ قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ. قال البزار: وَلَا نَعْلَمُ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ»([17]).
٧- العباس بن عبد المطلب
في «مسند الروياني»: «نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أبنا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: اتَّئِدُوا، أُنَاشِدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: «لَا نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» يُرِيدُ نَفْسَهُ؟ قَالُوا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ ذَلِكَ؟، قَالَا: نَعَمْ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ»([18]).
٨- عبد الرحمن بن عوف:
أورده أحمد في مسند عبد الرحمن «عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ -وَقَالَ مَرَّةً: الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ- أَعَلِمْتُمِ أنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»؟ قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ»([19]).
9- سعد بن أبي وقاص:
أخرجه أحمد في «مسنده»، في (مسند سعد)([20]).
فهؤلاء بعضُ من روى الحديث من أصحاب النبي r غير الصديق.
رابعًا: لو تنزلنا جدلًا وقلنا بتفرد الصديق بالحديث فهذا لا يضره؛ إذ العلماء قد أجمعوا على أن تفرد الصحابي لا يضر؛ لأن النبي r لم يكن واجبًا عليه أن يبلغ كل فرد في الأمة كل شيء؛ ولذلك كان يوجد عند بعضهم ما ليس عند الآخر، فربما يتحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صحابي في خلوة، فليس من شرط التحديث أن يأتي النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صحابيٌّ آخر ليسمع!
وكم من حديث تفرَّد به صحابي وهو في أعلى درجات الصحة وتلقته الأمة بالقبول، وليس أشهر من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات»، يرويه الإمام البخاري عن شيخه الحميدي عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا من طريق عمر رضي الله عنه، ولا يثبت عن عمر إلا من طريق علقمة، ولا يثبت عن علقمة إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عنه سوى يحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه انتشر حتى قال بعضهم: إنه يروى عن يحيى بن سعيد من طريق من أكثر من سبعمائة وجه، يرويه عن يحيى بن سعيد أكثر من سبعمائة راوٍ، وإن كان الحافظ ابن حجر يشكك في هذا العدد ويقول: إنه يجمع الطرق لهذا الحديث منذ بداية الطلب إلى وقتِ تأليف فتح الباري، وقال: إنه لم يقدر على تكميل المائة فضلًا عن مائتين وثلاثمائة وسبعمائة، فالحديث كما سمعتم فردٌ مطلق، تفرده في أصل السند، لم يروه عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا صحابي واحد، ولم يروه عن هذا الصحابي إلا تابعي واحد، وهكذا في أربع طبقات.
ويشبهه آخر حديث في الصحيح: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، فهذا الحديث يرويه أبو هريرة لا يشركه في روايته أحد، ويرويه عنه أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ويرويه عنه عمارة بن القعقاع لا يرويه غيره، وتفرد بروايته عنه محمد بن فضيل لا يرويه غيره، وعن محمد بن فضيل انتشر.
فهذان حديثان من الأفراد من أفراد البخاري، وإن شئت فقل: من غرائب الصحيح، التفرد في أصل السند.
وأصل السند طرفه الذي فيه الصحابي، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الصحابي نفسه، أو من يرويه عن الصحابي، وجاء عند ابن حجر رحمه الله تعالى تنزيل الفرد المطلق على تفرد الصحابي، وجاء أيضًا في تعريف الفرد المطلق: أن يتفرد بروايته عن الصحابي شخصٌ واحد، وكأنه في هذا الموضوع رأى أن تفرد الصحابي لا يضر؛ لأن الواحد من الصحابة يعدل أمة([21]).
وهذان الحديثان من الأهمية بمكان في أصول الإسلام، ومع ذلك ففيهما تفرُّدٌ في طبقة الصحابي وقد تلقتهما الأمة بالقبول.
قال ابن القيم رحمه الله في مناقشة من يطعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثًا القائل بأنها كانت واحدة على عهد رسول الله r وأبي بكر وعمر ما نصه:
«وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله، فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله r إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاووس وحده.
قالوا: فأين أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذي الحاجة إليه شديدة جدًّا؟ فكيف خفي هذا على جميع الصحابة وعرفه ابن عباس وحده؟ وخفي على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاووس وحده؟
وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا، فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة، لم يروه غيره، وقبلته الأمة كلهم، فلم يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به من هو دون طاووس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة؟
ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك أقوال، لا يعرف لها قائل من الفقهاء»([22]).
فهذا ابن القيم رحمه الله يبين أن الطعن في الرواية بمثل هذا إنما هي طريقة أهل البدع، ولا يُطعن في الحديث بمثل هذا، مهما بلغت درجة أهميته، فليس في تفرد الصحابي بروايته ما يدل على كذبه كما زعم الرافضة. على أننا نسلك مسلك ابن كثير الذي قال: «وَلَوْ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ قَبُولُ رِوَايَتِهِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ فِي ذَلِكَ»([23]).
* أمر آخر وهو أن عمل الصديق بالحديث ليس من قبيل العمل بأخبار الآحاد؛ إذ إن الصديق سمعه من مصدر الخبر لا من راوٍ من الرواة، فالعمل به أقوى من المتواتر، ولو اجتمعت الأمة على تركه لما جاز للصديق عدم العمل به.
خامسًا: جاء مثل هذا الحديث عند الشيعة بطرق وأسانيد صحيحة.
ففي «الكافي»: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَاكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا أَوْرَثُوا أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَقَدْ أَخَذَ حَظًّا وَافِرًا»([24]).
فهنا الرواية تحصر الإرث في العلم فقط تأكيدًا على أن الأنبياء لا يورثون أبدًا، وقد صحح الرواية عندهم:
-
المازندراني في «شرح أصول الكافي»([25]).
-
جعفر السبحاني في «بحوث في الملل والنحل»([26]).
-
ناصر مكارم الشيرازي في «بحوث فقهية مهمة»([27]).
-
النراقي في «عوئد الأيام»([28]). [؟؟؟؟]
-
الخميني في «الحكومة الإسلامية»([29]).
-
هادي النجفي في «موسوعة أحاديث أهل البيت»([30]).
ومن الشواهد لتلك الرواية:
ما رواه الصدوق في «الخصال» بسنده « عنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّافِعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّتِهِ بِنْتِ أَبِي رَافِعٍ قَالَتْ: أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ (ص) بِابْنَيْهَا الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (ع) إِلَى رَسُولِ اللهِ (ص) فِي شَكْوَاهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَانِ ابْنَاكَ فَوَرِّثْهُمَا شَيْئًا، قَالَ: أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَسُؤْدُدِي، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي»([31]).
وفي قرب الإسناد: «عن جعفر، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يورّث دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا وليدة، ولا شاة ولا بعيرًا، ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعًا من شعير استسلفها نفقة لأهله»([32]).
فهذه شواهد قوية على صحة ما رواه الصديق، حتى عند الشيعة الإمامية أنفسهم، فلم يعد للطاعن قول بعد كل ما تقدم.
([1]) تاريخ دمشق، ابن عساكر (30/ 311).
([2]) الضعفاء الكبير، العقيلي (2/ 339).
([3]) المجروحين، ابن حبان، ت زايد (2/ 51).
([4]) تهذيب التهذيب (6/ 206).
([5]) نظم المتناثر (ص216) (ح 272).
([6]) «سنن الترمذي» (3/ 254) ت بشار.
([7]) صحيح ابن حبان (7/ 783).
([8]) البداية والنهاية (8/ 189 -190) ط هجر.
([9]) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (2/ 223) (۱۸۰٦)، والبزار في «مسنده» (7/ 262) (۲۸٤٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 493).
([10]) التلخيص الحبير، ابن حجر العسقلاني (3/ 216) ط قرطبة.
([11]) المعجم الأوسط (5/ 157).
([12]) تفسير الطبري (٦/ ۲٤٨).
([13]) صحيح مسلم (3/ 1379).
([14]) صحيح مسلم (3/ 1382).
([15]) صحيح مسلم (3/ 1383).
([16]) مسند البزار (2/ 153).
([17]) مسند البزار (3/ 189).
([18]) مسند الروياني (2/ 350).
([19]) مسند أحمد (3/ 197) ط الرسالة.
([20]) مسند أحمد (3/ 125) ط الرسالة.
([21]) شرح اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون، عبد الكريم الخضير (4/ 5 - 6).
([22]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 295).
([23]) «البداية والنهاية (8/ 189) ط هجر.
([24]) الكافي، الكليني (1/ 77).
([25]) شرح أصول الكافي (٢/ ٢٦).
([26]) بحوث في الملل والنحل (٨/ ٦٢).
([27]) بحوث فقهية مهمة (ص٤٦٧).
([28]) عوئد الأيام (٢/ ٢١).
([29]) الحكومة الإسلامية (ص١٤٤).
([30]) موسوعة أحاديث أهل البيت (7/ 264 - 267).
([32]) قرب الإسناد، أبو العباس الحميري (1/ 91).
زعمهم تعارض حديث: «لا نورث» مع القرآن.
الشبهة:
طعن الشيعة على رواية الصديق رضي الله عنه التي نقل فيها عن النبي r أنه قال: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأنبياءِ لَا نُورَثُ»، وأنها تعارض كتاب الله تعالى، فكان مما نقلوه -كذبًا- على لسان فاطمة بنت رسول الله r أنها قالت: «يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئًا فريًّا، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؛ إذ يقول: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ)، وقال فيما قص من خبر يحيى بن زكريا؛ إذ قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، وقال: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)، وقال: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، وقال: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا أرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم تقولون: أهل ملَّتين لا يتوارثان؟ أوَلست أنا وأبي من أهل ملَّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمِّي؟»([1]).
([1]) الأسرار الفاطمية، محمد فاضل المسعودي (ص٤٨٥).
الرد علي الشبهة:
أولًا: أجمع أهل العلم على أن المراد بتلك الآيات إنما هو وراثة العلم والنبوة، لا مجرد الإرث المتعلق بالمال، وقد نقل هذا الإجماع أحد أكابر الشيعة، وهو صاحب مستند الشيعة؛ حيث قال تعليقًا على قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي): «إنّما طلبه لأن يرث منه العلم والنبوة دون المال، بل لا بُدَّ وأن يكون هذا هو المراد من قوله: (يَرِثُنِي) عندهم، كيف وهم الذين يروون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث دينارًا ولا درهمًا، وما تركناه صدقة»؟! فكيف يمكن لهم حمل الإرث في الآية على إرث المال؟! ولذا ترى مفسّريهم بأجمعهم فسّروها بإرث العلم والنبوة، ويشهد لذلك قوله: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، فإنّه لو كان طلبه للولد لخوف توريث العصبة كيف لا يخافه على آل يعقوب؟! وأيضًا: الأنبياء أعظم شأنًا من أن يبخلوا على مواليهم من إرثه المال، ولأجل ذلك يطلبون من يمنعهم»([1]).
وإليك بعض كلام أهل السنة في ذلك:
قال القرطبي: «وَلَوْ كَانَ وِرَاثَةَ مَالٍ لَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِهِ فِيهِ سَوَاءً، وقال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَلَوْ كَانَتْ وِرَاثَةُ مَالٍ لَانْقَسَمَتْ عَلَى الْعَدَدِ، فَخَصَّ اللهُ سُلَيْمَانَ بِمَا كَانَ لِدَاوُدَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَزَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَاوُدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مَلِكًا، وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ مُلْكَهُ وَمَنْزِلَتَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، بِمَعْنَى صَارَ إِلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أبيه فسمى ميراثًا تجوزًا، وهذا نحو قول: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيرَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ وُرِثَ مَالُهُ كَزَكَرِيَّاءَ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ فِيهِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: إِنَّا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا شَغَلَتْنَا الْعِبَادَةُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْأَكْثَرِ، وَمِنْهُ مَا حَكَى سِيبَوَيْهِ: إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَقْرَى النَّاسِ لِلضَّيْفِ.
قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي «مَرْيَمَ» وَأَنَّ الصَّحِيحَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» فَهُوَ عَامٌّ وَلَا يخرج منه شَيءٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ سُلَيْمَانُ أَعْظَمَ مُلْكًا مِنْ دَاوُدَ وَأَقْضَى مِنْهُ، وَكَانَ دَاوُدُ أَشَدَّ تَعَبُّدًا مِنْ سُلَيْمَانَ. وقَالَ غَيْرُهُ: وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا بَلَغَ مُلْكُهُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالطَّيْرَ وَالْوَحْشَ، وَآتَاهُ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَوَرِثَ أَبَاهُ فِي الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، وَقَامَ بَعْدَهُ بِشَرِيعَتِهِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ بعه مُوسَى مِمَّنْ بُعِثَ أَوْ لَمْ يُبْعَثْ فَإِنَّمَا كَانَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى، إِلَى أَنْ بُعِثَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَسَخَهَا»([2]).
وقال العليمي: «{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} في النبوة والملك دون سائر أولاده، وكانوا تسعة عشر، قرأ أبو عمرو: (وَوَرِث سُّلَيْمَانُ) بإدغام الثاء في السين، و(ورث) بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمي ميراثًا تجوزًا، وهذا نحو قولهم: «العلماء ورثة الأنبياء»، وحقيقة الميراث في المال، والأنبياءُ لا تورث أموالهم؛ لأن النبي r قال: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة»، فأعطي سليمان ما أعطي داود عليهما السلام من الملك، وزيد له تسخير الجن والريح، وفهم منطق الطير، فثم اعترف بأنعم الله تعالى»([3]).
وهذا فيه رد على من اعترض على قولنا: إن الميراث هنا هو النبوة والعلم بأن ذلك لا يورث، فجوابه أن هذا إنما سمي ميراثًا تجوزًا، ومن حيث اللغة: فإن من خلف أحدا في شيء فإنه يكون وارثًا له.
قال ابن منظور في «لسان العرب»: «وأَوْرَثَه الشيءَ: أَعقبه إِياه. وأَورثه الْمَرَضُ ضَعْفًا والحزنُ هَمًّا، كَذَلِكَ. وأَوْرَث المَطَرُ النباتَ نَعْمَةً، وكُلُّه عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّشْبِيهِ بِوِراثَةِ الْمَالِ وَالْمَجْدِ»([4]).
وقال الزبيدي: «وَمن الْمجَاز أَيضًا: تَوَارَثُوه كابِرًا عَن كابِرٍ. والْمَجْدُ مُتَوارَثٌ بينَهُم.
وَقَول بَدْرِ بنِ عامِرٍ الهُذَلِيّ:
وَلَقَد تَوَارَثُنِي الحوادِثُ واحِدًا ضَرَعًا صِغِيرًا ثُمَّ لَا تَعْلُونِي
إيراد أَنَّ الحوادِثَ تَتَدَاوَلُه، كأَنّها تَرِثُه هذه عَن هذه.
وَمن الْمجَاز: وأَوْرَثَه الشيْءَ: أَعْقَبَه إِيّاه، وأَورَثَه المرضُ ضَعْفًا، وأَوْرَثَهُ كَثْرَةُ الأَكْلِ التُّخَمَ، وأَوْرَثَه الحُزْنُ هَمًّا، كلُّ ذلك على الِاسْتِعَارَة والتّشبيه بوِراثَةِ المالِ والْمَجْدِ»([5]).
وعليه يقال: ورث سليمان نبوة داود تجوزًا؛ لأنه خلفه فيها.
ثانيًا: جاء في كتب الشيعة تفسير الوراثة في الآيات بأنها وراثة العلم، وأقروا بأن العلم يسمى من أخذه وارثًا لصاحبه.
ففي «الكافي» بسنده: «عن ضريسٍ الكناسي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، وإن محمدًا صلى الله عليه وآله ورث سليمان، وإنا ورثنا محمدًا صلى الله عليه وآله، وإن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى، فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم، فقال: يا أبا محمد، ليس هذا هو العلم، إنما العلم ما يحدث بالليل والنهار، يومًا بيوم وساعة بساعة»([6]).
فهذا تفسير أهل البيت -عندهم- لميراث سليمان من داود عليهما السلام وأنه ميراث علم لا مال.
ولذلك فقد جاء عند الشيعة أن محمد بن علي كان يطلب من الحسن والحسين ميراث العلم لا المال،
فقد روى الحر العاملي عن يحيى بن محمد بن أبي زيد قال: «قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا وعن غيرهم من أرباب الحديث: أن عليًّا عليه السلام لما قبض أتى محمدٌ أخويه حسنًا وحسينًا عليهما السلام فقال: أعطياني ميراثي من أبي، فقالا له: قد علمت أن أباك لم يترك صفراء ولا بيضاء. فقال: قد علمتُ ذاك، وليس ميراث المال أطلب، وإنما أطلب ميراث العلم. قال: فروى أبان بن عثمان عمن روى ذلك له عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: فدفعا إليه صحيفة لو أطلعَاه على أكثر منها لهلك، فيها ذكر دولة بني العباس»([7]).
وقد لخص ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره «الأمثل» أدلة من قال بأن الوراثة هنا علم لا مال بقوله: «أمَّا الذين يعتقدون بأن الإرث هنا هو الإرث المعنوي، فقد تمسكوا بقرائن في نفس الآية، أو خارجة عنها، مثل:
1- يبدو من البعيد أن نبيًّا كبيرًا كزكريا، وفي ذلك السن الكبير، يمكن أن تشغل فكره مسألة ميراث ثروته، خاصَّة وأنَّه يضيف بعد جملة (يرثني ويرث من آل يعقوب) جملة (واجعله ربِّ رضيًا)، ولا شك أن هذه الجملة إِشارة إِلى الصفات المعنوية لذلك الوارث.
2- إِنَّ الله سبحانه لما بشره بولادة يحيى في الآيات القادمة، فإِنَّه ذكر صفات ومقامات معنوية عظيمة، ومن جملتها مقام النبوة.
3- إِن الآية (38) من سورة آل عمران بينت السبب الذي دفع زكريا إِلى هذا الطلب والدعاء، وأنّه فكر في ذلك عندما شاهد مقامات مريم؛ حيث كان يأتيها رزقها من طعام الجنَّة في محرابها بلطف الله: (هنا لك دعا زكريا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرية طبية إنّك سميع الدعاء).
4- ورد في بعض الأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يؤيد أن الإِرث هنا يراد به الارث المعنوي، وخلاصة الحديث أنَّ الإِمام الصادق عليه السلام روى عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ عيسى بن مريم مرَّ على قبرٍ كان صاحبه يعذب، ومرَّ عليه في العام الثَّاني فرأى صاحب ذلك القبر لا يعذب، فسأله ربَّه عن ذلك، فأوحى الله إِليه أنَّه لصاحب هذا القبر ولد صالح قد أصلح طريقًا وآوى يتيمًا، فغفر الله له بعمل ولده. ثمّ قال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ميراث الله من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده»، ثمَّ تلا الإِمام الصادق عند نقله هذا الحديث الآية المرتبطة بزكريا: (فهب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيًا).
فإِن قيل: إِن ظاهر كلمة الإِرث هو إرث الأموال، فيقال في الجواب: إِن هذا الظهور ليسَ قطعيًا؛ لأنَّ هذه الكلمة قد استعملت في القرآن مرارًا في الإِرث المعنوي، كالآية (32) من سورة فاطر، والآية (53) من سورة المؤمن.. إلخ»([8]).
ثم ذكر الخلاف في الآية.
وفي تفسير «نور الثقلين» قال: «في بصائر الدرجات علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمر الزيات، عن ابن بابا قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام وقد ولد أبو جعفر عليه السلام فقال: إن الله قد وهب لي من يرثني ويرث آل داود»([9]).
وهذا ظاهر في أنه العلم لا المال.
ثالثًا: الاعتراض على الصديق بآيات الميراث اعتراضٌ باطلٌ، وذلك أن الأنبياء قد خصهم الله تعالى بأحكام انفردوا بها، بل وخص النبي محمدًا r بأحكام انفرد بها عن باقي الأنبياء، وعليه فهذا استدلال بعام في مقابل خاص، ولا يفعله إلا جاهل، ونحن ننزه فاطمة رضي الله عنها من تلك الترهات.
ولا شك أن السنة تخصص عام الكتاب وتقيد مطلقه، كما اعترف بذلك الشيعة في كتبهم الأصولية.
يقول الشريف المرتضى: «وأما تخصيص الكتاب بالكتاب، فلا شبهة في جوازه، ومن خالف في ذلك من أهل الظاهر وسمى التخصيص بيانًا إنما هو مخالف في العبارة، وأما تخصيصه بالسنة فلا خلاف فيه، وقد وقع كثير منه؛ لأنه تعالى قال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وخصص عموم هذا الظاهر قوله عليه السلام: «لا يرث القاتل، ولا يتوارث أهل ملتين»([10]).
ولذلك هم خصصوا آيةَ ميراث الزوجة بأنه لا ترث من العقار شيئًا مشابهة لميراث الجاهلية.
فقد رووا: «عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ قَضَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يُورَثَ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ»([11]).
ووضع الكليني بابًا بعنوان: (باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئًا)، وروى فيه الرواية التالية: «عن أبي جعفر عليه السلام قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئا»([12]).
فهذا حكم مشابه لأحكام الجاهلية وقد خصصوا به كتاب الله تعالى!
رابعًا: مجرد استدلال فاطمة بآيات الميراث يبطل زعم الشيعة أن فدك لم تكن ميراثًا، وإنما كانت هبةً لها من رسول الله r في حياته، فيكون استدلالها بآيات المواريث من الكذب والتدليس والاستدلال بالباطل والتزوير لأجل أخذ المال، وهذا لا يليق ببَضْعة رسول الله r.
خامسًا: يلزم من مطالبة فاطمة لأبي بكر بذلك وخروجها من بيتها، بل وزعمهم أنها خطبت أمام الرجال يلزم من ذلك أنها ليست من خير النساء عند الشيعة، فقد رووا «عن علي عليه السلام أنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: أي شيء خير للمرأة؟ فلم يجبه أحد منَّا، فذكرت ذلك لفاطمة عليها السلام فقالت: ما من شيء خير للمرأة من أن لا ترى رجلًا ولا يراها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: صدقت، إنها بضعة مني»([13]).
([1]) مستند الشّيعة، النراقي (19/ 148).
([2]) تفسير القرطبي (13/ 164).
([3]) فتح الرحمن في تفسير القرآن (5/ 118).
([4]) لسان العرب (2/ 201).
([5]) تاج العروس (5/ 383).
([7]) كلمات الإمام الحسين، الشريفي (1/ 198).
([8]) تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي (9/ 405).
([9]) تفسير نور الثقلين، عبد علي العروسي الحويزي (3/ 323).
([10]) الزريعة للمرتضى (1/ 279).
([13]) جامع أحاديث الشيعة، البروجردي (20/ 264)، وانظر: الدعائم (2/ 215).