آخر تحديث للموقع :

الأحد 14 رجب 1444هـ الموافق:5 فبراير 2023م 10:02:20 بتوقيت مكة

جديد الموقع

لم يكذب ابراهيم الا ثلاث كذبات ..

قال الامام البخاري : " 3357 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلاَثًا»
3358 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ  بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]. وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ " اهـ . [1]
وفي حديث الشفاعة  : " 4712 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً، ثُمَّ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ....... فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ -....." اهـ . [2]
ان ما جاء في الاحاديث من ذكر الكذب عن ابراهيم عليه السلام هو من باب المعاريض , ولقد تكلم العلماء وبينوا ذلك , قال الامام ابن القيم : " الْكَلَام لَهُ نسبتان نِسْبَة إِلَى الْمُتَكَلّم وقصده وإرادته وَنسبَة إِلَى السَّامع وإفهام الْمُتَكَلّم إِيَّاه مضمونه فَإِذا أخبر الْمُتَكَلّم بِخَبَر مُطَابق للْوَاقِع وَقصد إفهام الْمُخَاطب فَهُوَ صدق من الْجِهَتَيْنِ وَأَن قصد خلاف الْوَاقِع وَقصد مَعَ ذَلِك إفهام الْمُخَاطب خلاف مَا قصد بل معنى ثَالِثا لَا هُوَ الْوَاقِع وَلَا هُوَ المُرَاد فَهُوَ كذب من الْجِهَتَيْنِ بالنسبتين مَعًا وَإِن قصد معنى مطابقا صَحِيحا وَقصد مَعَ ذَلِك التعمية على الْمُخَاطب وإفهامه خلاف مَا قَصده فَهُوَ صدق بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصده كذب بِالنِّسْبَةِ إِلَى إفهامه وَمن هَذَا الْبَاب التورية والمعاريض وَبِهَذَا أطلق عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام اسْم الْكَذِب مَعَ أَنه الصَّادِق فِي خَبره وَلم يخبر إِلَّا صدقا فَتَأمل هَذَا الْموضع الَّذِي أشكل على النَّاس وَقد ظهر بِهَذَا أَن الْكَذِب لَا يكون قطّ إِلَّا قبيحا وَأَن الَّذِي يحسن وَيجب إِنَّمَا هُوَ التورية وَهِي صدق وَقد يُطلق عَلَيْهَا الْكَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإفهام لَا إِلَى الْعِنَايَة " اهـ . [3]
وقال العلامة المباركفوري ان اطلاق ابراهيم الكذب على اقواله من باب الخوف والخشية لله تبارك وتعالى , حيث قال  : " قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْحَقُّ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ أَشْفَقَ مِنْهَا اسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ مَعَ وُقُوعِهَا لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاَللَّهِ وَأَقْرَبَ مَنْزِلَةً كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا " اهـ . [4]
وقال الامام ابن عثيمين : " ولكن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح وقال التورية قد تسمى كذبا كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين فيهن في ذات الله تعالى قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة الحديث وهو لم يكذب إنما ورى تورية هو فيها صادق " اهـ . [5]
وقال شيخ الاسلام : " وَالْخَلِيلُ يَذْكُرُ تَعْرِيضَاتِهِ الثَّلَاثَ الَّتِي سَمَّاهَا كَذِبًا وَكَانَتْ تَعْرِيضًا" اهـ . [6]
وقال : " وَأَمَّا قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ» . " فَتِلْكَ كَانَتْ مَعَارِيضَ ". فَكَانَ مَأْمُورًا بِهَا، وَكَانَتْ مِنْهُ طَاعَةً لِلَّهِ، وَالْمَعَارِيضُ قَدْ تُسَمَّى كَذِبًا لِكَوْنِهِ أَفْهَمَ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ: «لَمْ أَسْمَعِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَخِّصُ فِيمَا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: حَدِيثُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، وَإِصْلَاحُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الْحَرْبِ») . . قَالَتْ: فِيمَا . يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ، وَهُوَ الْمَعَارِيضُ " اهـ . [7]
وقال الامام ابن قتيبة : " فَمِنَ الْمَعَارِيضِ، قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَتِهِ "إِنَّهَا أُخْتِي" يُرِيدُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ . وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} . أَرَادَ: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ" فَجَعَلَ النُّطْقَ شَرْطًا لِلْفِعْلِ وَهُوَ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْعَلُ . وَقَوْلُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ} يُرِيدُ "سَأَسْقَمُ"؛ لِأَنَّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْقَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} .
وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيِّتًا فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّكَ سَتَمُوتُ، وَسَيَمُوتُونَ " اهـ . [8]
فكلام العلماء واضح على ان معنى الكذب في الحديث هو التورية والمعاريض .
واما معنى المعاريض , والتورية , فقد قال الزبيدي : " والجَمْع المَعَارِيضُ ، والمَعَارِضُ ، وهُوَ كَلامٌ يُشْبِهُ بَعْضُه بَعْضاً في المَعَانِي ، كالرَّجُل تَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ فُلاناً فيَكْرَهُ أَنْ يَكْذِبَ وقد رَآه ، فيَقُولُ : إِنَّ فُلاناً لَيُرَى ، ولهذَا المَعْنَى قال عَبْدُ الله بنُ عَبّاس : ما أُحِبُّ بمَعَارِيضِ الكَلامِ حُمْرَ النَّعَم . وفي الصَّحاح : المَعَارِيض في الكَلام هي التَّوْرِيَةُ بالشَّيْءِ عَن الشَّيْءِ ، وفي المَثَل ، قلتُ : وهو حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ عن عُمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ ، مَرْفُوعٌ إِن في المَعَاريض لَمَنْدُوحَةً عن الكَذِب ، أَي سَعَةً " اهـ . [9]
وقال ابن منظور : " والمَعارِيضُ التَّوْرِيةُ بالشيء عن الشيء وفي المثل وهو حديث مخرّج عن عمران بن حصين مرفوع إِنَّ في المَعاريضِ لَمَنْدُوحةً عن الكذب أَي سَعةً المَعارِيضُ جمع مِعْراضٍ من التعريضِ وفي حديث عمر رضي اللّه عنه أَمَا في المَعارِيض ما يُغْني المسلم عن الكذب ؟ وفي حديث ابن عباس ما أُحب بمَعارِيضِ الكلام حُمْر النعَم " اهـ . [10]
واما ما جاء في الحديث من قوله :(( ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك )) , فقد قال الحافظ ابن حجر : " قَوْلُهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ يَشْكُلُ عَلَيْهِ كَوْنُ لُوطٍ كَانَ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَآمَنَ لَهُ لوط وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَرْضِ الْأَرْضُ الَّتِي وَقَعَ لَهُ فِيهَا مَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوطٌ إِذْ ذَاكَ " اهـ . [11]
وقال الحافظ ابن كثير : " وَقَوْلُهُ لَهَا: " إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ " يَعْنِي زَوْجَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ غَيْرِي وَغَيْرَكِ " اهـ . [12]
ولقد جاء في كتب الرافضة بعض النصوص بما يتعلق بالكذب , قال محمد تقي المجلسي : " و في القوي كالصحيح، عن الحسن الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إنا روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف أيتها العير إنكم لسارقون فقال: و الله ما سرقوا و ما كذب، و قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون فقال: و الله ما فعلوا و ما كذب قال فقال أبو عبد الله عليه السلام ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال قلت: ما عندنا فيها إلا التسليم قال: فقال: إن الله أحب اثنين و أبغض اثنين، أحب الخطر فيما بين الصفين (أي التبختر) و أحب الكذب في الإصلاح و أبغض الخطر في الطرقات و أبغض الكذب في غير الإصلاح، أن إبراهيم قال: بل فعله كبيرهم هذا، إرادة الإصلاح و دلالة على أنهم لا يعقلون و قال يوسف إرادة الإصلاح " اهـ .[13]
لماذا ربط الكذب بالاصلاح ثم نسب فعل ابراهيم ويوسف عليهما السلام بارادة الاصلاح ؟ .
وقال الخوئي : " الأقوال الصادرة عن الأئمة ( عليهم السلام ) تقية : لا خلاف بين المسلمين بل بين عقلاء العالم في جواز الكذب لانجاء النفس المحترمة ، قال الغزالي : فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم فالكذب فيه واجب  . وقد تقدمت دلالة جملة من الآيات والروايات على هذا ، بل هو من المستقلات العقلية ومن الضروريات الدينية التي لا خلاف فيها بين المسلمين . وعلى ذلك فمن أنكره كان منكرا لإحدى ضروريات الدين ولحقه حكم منكر الضروري من الكفر ، ووجوب القتل وبينونة الزوجة وقسمة الأموال . وإذا عرفت ذلك فقد اتضح لك الحال في الأقوال الصادرة عن الأئمة ( عليهم السلام ) في مقام التقية ، فإنا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ أنفسهم وأصحابهم لم يكن بذلك بأس ، مع أنه يمكن حملها على التورية أيضا كما سيأتي . وبذلك يتجلى لك افتضاح الناصبي المتعصب أمام المشككين حيث لهج بما لم يلهج به البشر ، وقال في خاتمة محصل الأفكار حاكيا عن الزنديق سليمان بن جرير : إن أئمة الرافضة وضعوا القول بالتقية لئلا يظفر معها أحد عليهم ، فإنهم كلما أرادوا شيئا تكلموا به ، فإذا قيل لهم : هذا خطأ أو ظهر لهم بطلانه قالوا : إنما قلناه تقية . على أن التفوه بذلك افتراء على الأئمة الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، قال الله تعالى : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون  " اهـ . [14]
لقد حمل الخوئي التقية الصادرة عن الائمة على الكذب السائغ , ثم انه قال لا مانع من حملها على التورية ايضا . 
وورد في البصائر والارشاد : " حدثنا أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن معاوية بن وهب عن سعيد السمان قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا أفيكم امام مفترض طاعته فقال لا قال فقالا له فأخبرنا عنك الثقات انك تعرفه ونسميهم لك وهم فلان وفلان وهم أصحاب ورع وتشمير وهم ممن لا يكذبون فغضب أبو عبد الله عليه السلام وقال ما امرتهم بهذا فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا فقال لي أتعرف هذين قلت نعم هما من أهل سوقنا من الزيدية وهما يزعمان ان سيف رسول الله صلى الله عليه وآله عند عبد الله بن الحسن فقال كذبا لعنهما الله ولا والله ماراه عبد الله بعينيه ولا بواحد من عينيه ولا رآه أبوه الا أن يكون رآه عند علي بن الحسين بن علي " اهـ . [15]
وقد صحح هذه الرواية محمد تقي المجلسي في الروضة , حيث قال : " و رويا في الصحيح، عن سعيد الأعرج السمان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أ فيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: لا ......." اهـ .[16]
هل صدق ام كذب الصادق عندما نفى الامامة عن نفسه ؟ !! .
واذا قال احد ان هذه الرواية لا يوجد فيها تقية , وانما قالها الصادق للزيدية لانهم سألوا عن القائم , فأقول ان الشريف المرتضى قد اقر بأن الائمة كانوا ينفون الامامة عن انفسهم , قال الشريف المرتضى : " فإن قيل : إن كان الخوف أحوجه إلى الاستتار ، فقد كان آباؤه عندكم في تقية وخوف من أعدائهم ، فكيف لم يستتروا ؟ ! قلنا : ما كان على آبائهم عليهم السلام خوف من أعدائهم ، مع لزومهم التقية ، والعدول عن التظاهر بالإمامة ، ونفيها عن نفوسهم " اهـ . [17]
وقال المازندراني : " قوله ( قال : فقال : لا ) أجاب بذلك على سبيل التورية والمقصود أنه ليس في بني فلان من أولاد علي ( عليه السلام ) إمام مفترض الطاعة أو أنه ليس فينا إمام مفترض الطاعة بزعمكم فيخرج بذلك عن الكذب . قوله ( فغضب أبو عبد الله ( عليه السلام ) ) الغضب قد يكون من إبليس كما ورد « احذروا الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس » وقد يكون من الله لله تعالى ، وغضبه من هذا القبيل لأنه غضب لسوء أدب هذين الرجلين وقبح مخالفة هؤلاء المخبرين حيث أخبرو هما بما فيه مضرة عظيمة من غير اختبار وإيقان بأنهما من أهله . قوله ( وقال : ما أمرتهم بهذا ) أي بهذا الإخبار وهذا حق لأنه لم يأمرهم بالإخبار عنه ذلك مع إفادته في عرف التخاطب بأنه لم يقل ذلك وإن لم يقصده وإنما لم يقل ما أخبرتهم بهذا أي بأني إمام مفترض الطاعة تحرزا عن الكذب " اهـ .[18]
اذا كانت اجابة الصادق عليهما بانه ليس هو القائم كما سمعت من بعض الامامية , فلماذا حملها المازندراني على التورية ؟ !!! .
وفي الكافي للكليني : " عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قُلْتُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّا نُرْوَى بِالْعِرَاقِ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) جَعَلَهَا ثَلَاثاً فَقَالَ كَذَبُوا لَمْ يَجْعَلْهَا طَلَاقاً وَ لَوْ كَانَ لِي عَلَيْهِ سُلْطَانٌ لَأَوْجَعْتُ رَأْسَهُ ثُمَّ أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَلَّهَا لَكَ فَمَا ذَا حَرَّمَهَا عَلَيْكَ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ كَذَبْتَ فَقُلْتَ لِشَيْ ءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ إِنَّهُ حَرَامٌ " اهـ .[19]
في هذه الرواية يجعل الامام الباقر ان الذي يحرم ما احله الله تعالى له فانه كاذب , ولقد وردت رواية في الكافي تبين ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد حرم شيئا احله الله تعالى له ثم بعد ذلك كفر عن يمينه , قال الكليني : " عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فَجَعَلَهَا يَمِيناً وَ كَفَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) قُلْتُ بِمَا كَفَّرَ قَالَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ قُلْنَا فَمَا حَدُّ الْكِسْوَةِ قَالَ ثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ " اهـ .[20]
وفي تفسير القمي : " أخبرنا أحمد بن إدريس قال حدثنا أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن ابن سيار عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية ، قال اطلعت عائشة وحفصة على النبي صلى الله عليه وآله وهو مع مارية ، فقال النبي صلى الله عليه وآله والله ما أقربها ، فأمره الله ان يكفر يمينه " اهـ .[21]
فهل وقع النبي صلى الله عليه واله وسلم في الكذب والعياذ بالله تعالى عندما حرم على نفسه ما احله الله تعالى ؟ !!! .


1330 - صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} – ج 4 ص 140 .

1331 - صحيح البخاري - بَابُ {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} – ج 6 ص 84 .

1332 - مفتاح دار السعادة – ابو عبد الله محمد بن ابي بكر بن قيم الجوزية - ج 2 ص 36 – 37 .

1333 - تحفة الاحوذي – أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى – ج 7 ص 105 – 106 .

1334 - شرح رياض الصالحين – محمد بن صالح العثيمين – ج 1 ص 60 .

1335 - منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 423 .

1336 - منهاج السنة النبوية – احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 427 - 429 .

1337 - تأويل مختلف الحديث – محمد بن مسلم بن قتيبة - ص 86 .

1338 - تاج العروس – ابو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني الزبيدي – ج 18 ص 415 .

1339 - لسان العرب – محمد بن مكرم بن منظور- ج 7 ص 165 .

1340 - فتح الباري – احمد بن علي بن حجر - ج 6 ص 393 .

1341 - قصص الأنبياء – ابو الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير - ج 1 ص 197 , والبداية والنهاية – ابن كثير - ج 1 ص 175 .

1342 - روضة المتقين – محمد تقي المجلسي – ج 12 ص 7 .

1343 - مصباح الفقاهة - السيد الخوئي - ج 1 - ص 631 – 632 .

1344 - بصائر الدرجات - محمد بن الحسن الصفار - ص 194 – 195 , والارشاد – المفيد – ج 2 ص 187 .

1345 - روضة المتقين – محمد تقي المجلسي -  ج 13 ص 241 .

1346 - المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى - ص 54 .

1347 - شرح أصول الكافي - محمد صالح المازندراني - ج 5 ص 323 – 324 .

1348 - الكافي – الكليني - ج 6 ص 135 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 21 ص 227 .

1349 - الكافي – الكليني - ج 7 ص 452 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 24 ص 337 .

1350 - تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 2 - ص 375 .


عدد مرات القراءة:
7049
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :