آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 09:01:13 بتوقيت مكة

جديد الموقع

حكم مرتكب الكبيرة ..
الكاتب : أحمد بن عبدالله البغدادي ..

ان الكلام في الكبائر يتعلق بالمعاصي التي لا تؤدي بالعبد الى الخروج من الملة كالشرك , والكفر , والنفاق الاكبر , فان الشرك الاكبر , وكذلك الكفر الاكبر , والنفاق الاكبر مخرج من الملة , ولا علاقة بكلامنا عنه في هذا المبحث .
قال العلامة المناوي : " (الكبائر) جمع كبيرة وهي كل ما كبر من المعاصي وعظم من الذنوب واختلف فيها على أقوال والأقرب أنها كل ذنب رتب الشارع عليه حدا وصرح بالوعيد عليه " اهـ .[1]
وقال الامام ابن عثيمين : " إذاً كبائر الإثم: كل ذنبٍ رتب الشارع عليه عقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما ما حرمه وسكت ولم يذكر له عقوبة خاصة بل دخل في العموم فهذا من الصغيرة، ولكن الصغائر إذا أصر عليها صارت كبيرة من حيث الإصرار " اهـ .[2]
وقال الامام محمد بن عبد الوهاب : " وقول الله تعالى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } الآية [سورة النساء ، الآية : 31] . وقوله تعالى { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ } الآية [سورة النجم ، الآية : 32] . روى ابن جرير. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب . وله  . عنه قال : هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع ، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار . ولعبد الرزاق عنه ، هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع " اهـ .[3]
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي في تعريف الكبيرة : " ولكن أرجح ما قيل في تعريف الكبيرة كما بين ذلك المحققون هو أن الكبيرة: كل ذنب توعد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب في الآخرة، أو ترتب عليه حد في الدنيا، وألحق بعضهم إذا نفي عن صاحبه الإيمان، أو قيل فيه ليس منا، أو برئ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: من حمل علينا السلاح فليس منا من غشنا فليس منا ومثل السرقة فيها حد فهي من الكبائر، ومثل الزنا فيه حد فهو من الكبائر، والقتل من الكبائر، والنميمة من الكبائر - لحديث: لا يدخل الجنة قتات أي: نمام. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا توعد الله بالنار من أكل مال اليتيم فهو كبيرة " اهـ .[4]
ومن الادلة على عدم خروج مرتكب الكبيرة من الايمان قول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) : البقرة } , فقد جعل الله سبحانه وتعالى القاتل اخا للمقتول , والقتل من الكبائر , فلو كان القتل مخرجا من الملة لما جعل الله تعالى القاتل اخا للمقتول .
وفي صحيح مسلم : " حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ " اهـ .[5]
وقال الامام النووي : " فِي الْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ الْحَدِيثَ) وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَفِي رِوَايَةٍ وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى نَفْيِ الشَّيْءِ وَيُرَادُ نَفْيُ كَمَالِهِ وَمُخْتَارِهِ كَمَا يُقَالُ لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ وَلَا مَالَ إِلَّا الْإِبِلُ وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا وَلَا يَعْصُوا إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَبْ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مع نظائرهما فى الصحيح مع قوله اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ غَيْرِ الشِّرْكِ لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُو الْإِيمَانِ إِنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتُهُمْ وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِرِ كَانُوا فِي الْمَشِيئَةِ فان)
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَفَا عَنْهُمْ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ أَوَّلًا وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ثُمَّ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّة " اهـ .[6]
وقد ورد في الحديث النبوي الشريف ان شفاعته صلى الله عليه واله وسلم  تكون لاهل الكبائر من الامة , قال الامام ابن حبان : " ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الْقِيَامَةِ إِنَّمَا تَكُونُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ
6433 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (شَفَاعَتِي لأهل الكبائر مِن أمتي)
[تعليق الشيخ الألباني] صحيح ـ ((المشكاة)) (5599)، ((الروض)) (45 و 65)، ((الظلال)) (830 - 832) " اهـ .[7]
واما في كتب الرافضة فقد ثبت عدم خروج مرتكب الكبيرة من الايمان , ففي الكافي : " 18 -  يُونُسُ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ الْكَبَائِرَ فَمَا سِوَاهَا قَالَ قُلْتُ دَخَلَتِ الْكَبَائِرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ نَعَمْ " اهـ .[8]
لقد اثبتت الرواية ان مرتكب الكبيرة تحت المشيئة ( اي ان شاء الله عذبه , وان شاء غفر له ) فلو كان كافرا لما دخل تحت المشيئة , ومما يؤكد ذلك ما جاء في كتاب سليم بن قيس : " قلت : أصلحك الله ، فمن لقي الله مؤمنا عارفا بإمامه مطيعا له ، أمن أهل الجنة هو ؟ قال : نعم إذا لقي الله وهو مؤمن من الذين قال الله عز وجل : ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ، ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ، ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) . قلت : فمن لقي الله منهم على الكبائر ؟ قال : هو في مشيته ، إن عذبه فبذنبه وإن تجاوز عنه فبرحمته " اهـ .[9]
وفي الكافي : " 6 -  عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ سَجِيَّتُهُ الْكَذِبَ وَ الْبُخْلَ وَ الْفُجُورَ وَ رُبَّمَا أَلَمَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً لَا يَدُومُ عَلَيْهِ قِيلَ فَيَزْنِي قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْ تِلْكَ النُّطْفَةِ " اهـ .[10]
فهذه الرواية صريحة في ان المؤمن قد يقع منه الزنى .
وقال البحراني : " وقد دل صحيح هشام بن سالم المروي في الفقيه  على أن شارب الخمر والزاني والسارق يصلي عليهم إذا ماتوا . وبالجملة من حيث عدم الخروج عن الايمان تدركهم الشفاعة ويكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه قوله صلى الله عليه وآله ( إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) هذا مع عدم حصول التوبة وإلا فيسقط البحث . والله العالم " اهـ .[11]
فلو كانت الكبيرة مخرجة من الملة لما جازت الصلاة على شارب الخمر , والزاني , والسارق .
وقال الطوسي : " 617 - محمد بن مسعود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني أبو داود المسترق، عن عبد الله بن راشد، عن عبيد بن زرارة قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده البقباق، فقلت له: جعلت فداك رجل أحب بني أمية أهو معهم ؟ قال: نعم، قلت رجل أحبكم أهو معكم ؟ قال: نعم، قلت: وان زنى وان سرق ؟ قال: فنظر إلى البقباق فوجد منه غفلة، ثم أومى برأسه نعم " اهـ .[12]
فلو كانت الكبيرة مخرجة من الجنة لما كان الزاني , والسارق المحب لاهل البيت معهم .
وفي نهج البلاغة : " ومن كلام له (عليه السلام) للخوارج أيضاً
فإنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَاتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلونُ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله) بِضَلاَلِي، وَتَاخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوِبي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ البَراءةِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ [الْمُحْصَنَ] ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ; فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِذُنُوبِهمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاسْلاَمِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ." اهـ .[13]
لقد اجرى النبي صلى الله عليه واله وسلم احكام الاسلام كاملة على اصحاب الكبائر , بل وصلى على الزاني المحصن , فلو كانت الكبيرة تُخرج العبد من الملة لما اجريت على اصحاب الكبائر احكام الاسلام .
وقال الشريف المرتضى : " المسألة السابعة [ حكم مرتكب الكبائر من المعاصي ] وسأل ( أحسن الله توفيقه ) عن شارب الخمر والزاني ومن جرى مجراهما من أهل المعاصي الكبائر ، هل يكونوا كفارا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله إذا لم يستحلوه أما فعلوه ؟ الجواب : وبالله التوفيق . إن مرتكبي هذه المعاصي المذكورة على ضربين : مستحل ، ومحرم فالمستحل لا يكون إلا كافرا ، وإنما قلنا إنه كافر ، لإجماع الأمة على تكفيره ، لأنه لا يستحل الخمر والزنا مع العلم الضروري بأن النبي صلى الله عليه وآله حرمهما ، وكان من دينه ( ص ) حظرهما ، إلا من هو شاك في نبوته وغير مصدق به ، والشك في النبوة كفر ، فما لا بد من مصاحبة الشك في النبوة له كفر أيضا . فأما المحرم لهذه المعاصي مع الإقدام عليها فليس بكافر ، ولو كان كافرا لوجب أن يكون مرتدا ، لأن كفره بعد إيمان تقدم منه ، ولو كان مرتدا لكان ماله مباحا ، وعقد نكاحه منفسخا ، ولم تجز موارثته ، ولا مناكحته ، ولا دفنه في مقابر المسلمين ، لأن الكفر يمنع من هذه الأحكام بأسرها . وهذه المذاهب إنما قال به الخوارج ، وخالفوا فيه جميع المسلمين ، والاجماع متقدم لقولهم ، فلا شبهة في أن أحدا قبل حدوث الخوارج ما قال في الفاسق المسلم أنه كافر ولا له أحكام الكفار " اهـ .[14]
وقال جعفر السبحاني : " حكم مرتكب الكبيرة : إن الخوارج كانوا يحبون الشيخين ويبغضون الصهرين ، بمعنى أنهم كانوا يوافقون عثمان في سني خلافته إلى ست سنين ، ولما ظهر منه التطرف والجنوح  إلى النزعة الأموية ، واستئثار الأموال أبغضوه ، وأما علي عليه السلام فقد كانوا مصدقيه إلى قضية التحكيم ، فلما فرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك المخطط عن ضرورة واضطرار ، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة ، - فعند ذاك - نجمت مسألة كلامية وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة ؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور ، وسفك الدماء وغصب الأموال ، فكان الخوارج يحاربونهم بحجة أنهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر . وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال : ألف . مرتكب الكبيرة كافر . ب . مرتكب الكبيرة فاسق منافق . ج . مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق . د . مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين . فالأول خيرة الخوارج ، والثاني مختار الحسن البصري ، والثالث مختار الإمامية والأشاعرة ، والرابع نظرية المعتزلة " اهـ .[15]
بل ان الخوئي يطلق لقب المؤمن على الشيعي الذي يشرب الخمر ويحرم لعنه , ففي صراط النجاة : " 1220 : هل يجوز لعن شارب الخمر المتجاهر حتى لو كان مواليا ؟ الخوئي : لا يجوز لعن من هو مؤمن " اهـ .[16]
 
بل انه يطلق لقب الايمان على تارك الواجبات ومنها الصلاة , ففي صراط النجاة : " سؤال 1375 : لقب المؤمن خاص لشيعة أهل البيت عليهم السلام هل يقال للشيعي مؤمن حتى لو ترك الواجبات ، كالصلاة مثلا ؟ الخوئي : نعم يقال له مؤمن " اهـ .[17]
ولقد ورد في كتب الرافضة ان شفاعة النبي صلى الله عليه واله وسلم لاهل الكبائر من الامة , فلو كانت الكبائر مخرجة من الملة لما جازت الشفاعة لاصحابها , قال الصدوق : " 4963 -  وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " . 4964 - وقال الصادق عليه السلام : " شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا ، وأما التائبون فإن الله عز وجل يقول : " ما على المحسنين من سبيل " اهـ .[18] "
وقال المرتضى : " ومما يدل على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله إنما هي في إسقاط العقاب دون إيصال المنافع ، الخبر المتضافر المجمع على قبوله وإن كان الخلاف في تأويله من قوله عليه السلام ( أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي  ) فهل تخصيص أهل الكبائر بالشفاعة إلا لأجل استحقاقهم للعقاب . ولو كانت الشفاعة في المنافع لم يكن لهذا القول معنى ، لأن أهل الكبائر كغيرهم في الانتفاع بدون النفع  ، هذا واضح لمن تأمله " اهـ .[19] .
وقال ابو صلاح الحلبي : " ويدل على ذلك ما نقله محدثو الشيعة وأصحاب الحديث ولم ينازع في صحته أحد من العلماء من قوله صلى الله عليه وآله : " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " اهـ .[20] "
وقال الطوسي : " أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي . وفي خبر آخر : أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي  . وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول ، فلا يمكن أن يقال أنه خبر واحد " اهـ .[21] .
 


913 - فيض القدير – محمد عبد الرؤوف المناوي - ج 5 ص 77 .

914 - لقاء الباب المفتوح – محمد بن صالح العثيمين - ج 172 ص 5 .

915 - الكبائر - محمد بن عبد الوهاب - ص 27 .

916 - أجوبة مفيدة عن أسئلة عديدة – عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - ج 1 ص 2 .

917 - صحيح مسلم - بَابُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ – ج 1 ص 95 .

918 - شرح صحيح مسلم – يحيى بن شرف النووي – ج 2 ص 41 – 42 .

919 - التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان – الامام محمد ناصر الدين الالباني – ج 9 ص 204 , وفي مسند الامام احمد – ج 20 ص 439 -  بسند صحيح عن انس رضي الله عنه كما قال العلامة شعيب الارناؤوط .

920 - الكافي – الكليني - ج 2 ص  284 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق كالصحيح – ج 10 ص 41 .

921 - كتاب سليم بن قيس - تحقيق محمد باقر الأنصاري - ص 172 .

922 - الكافي – الكليني - ج 2 ص  442 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن كالصحيح – ج 11 ص 320 .

923 - الحدائق الناضرة - يوسف البحراني - ج 10 - ص 366 – 367 .

924 - اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي - ج 2 - ص 627 .

925 - نهج البلاغة – الشريف الرضي  - ج 2  ص 7 – 9 .

926 - رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 1 - ص 155 – 156 .

927 - رسائل ومقالات - جعفر السبحاني - ص 288 – 289 .

928 - صراط النجاة - الميرزا جواد التبريزي - ج 1 - ص 442 .

929 - صراط النجاة - الميرزا جواد التبريزي - ج 2 - ص 438 .

930 - من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج 3 - ص 574 .

931 - رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 1 - ص 151 .

932 - الكافي في الفقه - ابو صلاح تقي الدين بن نجم الدين الحلبي - ص 469 .

933 - الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 127 – 128 .

عدد مرات القراءة:
3717
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :