باتت مسألة إنشاء أقاليم شبه مستقلة عن العاصمة العراقية بغداد مدار بحث في الوسط السياسي العراقي في الآونة الأخيرة، لكن موقف العديد من المراجع السياسية العراقية، والمسؤولين الرسميين يبقى متبايناً في هذا الشأن، في حين بدأت هذه المسألة تبدو أكثر ارتباطاً بعملية قتال تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ــ «داعش»، الذي فرض سيطرته على مناطق غرب ووسط العراق، ما دفع بعض القوى السياسية في هذه المناطق إلى وضع معادلة المساعدة على إخراج التنظيم المتشدّد منها، في مقابل مطالب سياسية لا تخفي الطابع التقسيمي، حتى أصبحت المطالبة بإقليم لـ»السنة» العراقيين أحد أركان هذه المعادلة، في وقت تبدو عمليات التسليح المباشر التي ترعاها الولايات المتحدة محفزاً أساسياً في هذا المجال.
وبعدما كان هذا النوع من المطالبات مرفوضاً سراً وعلانية، تحت عنوان رفض تقسيم العراق إلى كانتونات ودويلات طائفية وعرقية تماشياً مع مشروع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الشهير، يعود هذا الطرح إلى الواجهة بقوة اليوم، خصوصاً بعد موجة العصف الطائفي والفصل المناطقي التي كرّستها عملية «داعش» في حزيران الماضي، لتصبح الدعوة إلى تكوين إقليم أو أقاليم مطلباً مستساغاً ومقبولاً، بل ومدعواً إليه من قبل أطياف في المحافظات الغربية.
ويمثل تسليح العشائر من قبل الولايات المتحدة بشكل مباشر الموضوع الأكثر حساسية ونقطة اختلاف بين جهات عراقية عدة خوفاً من ربطه في سياق خلق استقلالية لفئات عراقية عن سلطة الدولة المركزية، حيث ينظر الكثيرون بعين الريبة إلى هذه الخطوة، بينما يلحّ عدد من الفعاليات المحلية وبعض أعضاء مجلس النواب على ضرورة السير في هذه الخطوة متذرعين بتأخر دعم الحكومة.
وتنص المادة 119 من الدستور الذي أقرّ في العام 2005 في ظل الاحتلال الأميركي للعراق على أنه «يحق لكل محافظة أو أكثر، تكوين إقليم بناءً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بإحدى طريقتين، إما بطلبٍ من ثلث الأعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلبٍ من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم».
وفي هذا السياق يؤكد المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء العراقي رافد الجبوري أن «إقامة الأقاليم حق كفله الدستور شريطة أن لا يتم ذلك على أساس طائفي، «سواء كان شيعياً أو سنياً»، مؤكداً أن «الحكومة العراقية ترفض أن تقام الأقاليم على أسس طائفية»، مشدداً على أن «طرح الفدرالية» على قابليته «لا يجب أن يتحوّل إلى تقسيم طائفي للبلاد».
من جهته، لم يبد النائب في كتلة «تحالف القوى العراقية» عن محافظة صلاح الدين مطشر السامرائي، في حديث إلى «السفير»، اعتراضه على إقامة «إقليم سني»، مستنداً في رأيه إلى الدستور العراقي. ورأى أن الحل يكمن في الذهاب بـ»اتجاه الأقاليم»، قائلاً: «ما الضير في أن يكون هناك إقليم سني، والدستور ينص عليه ويقرّه». وأضاف «لا يُخفى على أحد أن هناك شرخاً أوجده أعداء العراق بين الشيعة والسنة، ومن الصعوبة أن تعود المياه إلى مجاريها كما السابق، والحل التدريجي يكمن بالذهاب باتجاه الأقاليم وكل منطقة تُعطى صلاحياتها».
ولم ينف السامرائي اندفاع بعض الفعاليات العشائرية باتجاه الولايات المتحدة، معتبراً أن السبب يكمن في «نهج» الحكومة العراقية السابقة والحالية، ما «دفع شيوخ بعض العشائر إلى أميركا لتسليحهم، كونها تملك قدرة الضغط على الحكومة من أجل الاستجابة، خصوصاً أن هناك اتفاقية استراتيجية أمنية تربط العراق مع أميركا».
ويُعدّ محافظ نينوى أثيل النجيفي من أبرز الشخصيات العراقية التي تتبنى طروحات تتعلق بـ»السنة» كحالة مفصولة عن البنية الاجتماعية العراقية في خطاب يكرس الانقسام، وكان دعا في تموز الماضي بعيد عملية تنظيم «داعش» في مدينة الموصل إلى «تشكيل إقليم للسنة لإدارة مناطقهم بأنفسهم»، كما طلب، خلال زيارة له إلى واشنطن مؤخراً، تسليح ما أسماه «المنظومات السنية» من أجل الدفاع عن «أراضي السنة».
وفي هذا السياق تقول النائبة من كتلة «الوفاء للأنبار» نهلة الفهداوي لـ»السفير» إن تصريحات النجيفي في هذه الزيارة «تمثل وجهة نظره الشخصية»، مؤكدة أنها لا تلزم أحداً، ذلك أن «الإرهاب يستهدف الجميع وأن التجزئة ليست في مصلحة العراق».
ولفتت الفهداوي إلى أن السبب الرئيس وراء ذهاب بعض شيوخ العشائر إلى الولايات المتحدة لبحثهم عن الدعم ولتخليص المحافظات الغربية والعراق من «زمر داعش»، هو كون الميزانية العراقية «تعاني من التقشف والإرهاق والإفلاس الأمر الذي دعا العشائر إلى جمع المال والتبرعات من أبناء العشائر لشراء السلاح لمواجهة داعش».
وبعد الدعوة التي أطلقها نائب رئيس حكومة إقليم كردستان قوباد الطالباني من واشنطن أيضاً إلى إقامة «إقليم للسنة»، رأى النائب السابق عن «التحالف الكردستاني» محمود عثمان أن «السنة غير متفقين حول هذا الموضوع، فبعضهم يرفضه والبعض الآخر يدعو إليه، وبعضهم يطالب بإقليم وآخرون يطالبون بأقاليم».
وأشار عثمان إلى أن «الدستور يكفل لكل محافظتين أو ثلاث إقامة إقليم شريطة أن لا يكون الإقليم سنياً أو شيعياً أو كردياً، لكون هذه الأمور لا تنسجم بالأساس مع الدستور الذي يسمح بإقامة أقاليم جغرافية وإدارية فقط، وليس على أسس طائفية أو عرقية، كما أنه يجب أن يحظى بموافقة السكان عن طريق إجراء استفتاء على ذلك»، وهو ما يتنافى بطبيعة الحال مع نموذج إقليم كردستان الذي تشكل الاستقلالية التي يتمتع بها على مستوى العلاقات الخارجية وإدارة النفط والتسليح عامل إغراء أساسي لطروحات مشابهة.
وحول موقف الأكراد في العراق من هذه المسألة قال عثمان إن «الأكراد لا يؤيدون إقامة إقليم كهذا، فإذا ما تشكل إقليم سني، فقد يشمل بعض المناطق المتنازع عليها بنسبة لهم»، مؤكداً أن «المناطق السنية المحاذية لإقليم كردستان تشهد حالياً الكثير من العنف والقتال، وعند إنشاء إقليم للسنة سوف تثار مشاكل أخرى وسوف تزداد الأمور تعقيداً إذا لم يتم حسم ملف المناطق المتنازع عليها»، وهو ما أشار إليه رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري خلال زيارته الأخيرة إلى كركوك، حول تشكيل لجنة من أجل تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، التي تنصّ على حسم وضع المناطق المتنازع عليها في كركوك عبر الاستفتاء.
وعبر عثمان عن اعتقاده بأن «العشائر السنية قادرة على محاربة داعش في مناطقها، ولكنها غير مستعدّة أن تحارب تحت قيادة بغداد التي تعتبرها قوات شيعية»، مضيفاً أنهم «يسعون إلى تسليح وبإشراف أميركي متناسين أن أميركا تحاول أن تؤجج المشاكل الطائفية والعرقية، ولا تحب أن يكون العراق مستقراً، وتبحث عن مصالحها الإقليمية وهي لا تهتم للأكراد والشيعة والسنة وإنما تعد مصالحها فوق كل اعتبار»، مشدداً على ضرورة الاتفاق مع الحكومة العراقية تجنباً لـ»تعقد الأمور».
إلى ذلك، برزت مؤخراً مطالبة من قبل نواب عن محافظة البصرة الجنوبية بإقامة إقليم مستقل في المحافظة أيضاً، لتتسع بذلك رقعة هذا النوع من المطالب، وضمن سياق تقابل هذه الطروحات لم يخفِ النائب عن «التحالف الوطني» موفق الربيعي تأييده لإقامة «إقليم سني» لكونه دستورياً وقال إن «قضية الأقاليم لأي من المحافظات الغربية منفردة أو مجتمعة تبقى مسألة دستورية».
ولكن الربيعي حذّر من الإقدام على هذه الخطوة «في الوقت الحاضر» لكون الظروف الأمنية لا تسمح بذلك، وأضاف أن هذا الأمر مرتبط بـ»تحرير المناطق من داعش وإعطاء الحرية الكاملة لأهلها في أن يصوتوا عليه بعد ذلك، لوجود شروط ينبغي توفرها في هذا الشأن، أولها تنظيم استفتاء في المحافظات الغربية».
ويربط الربيعي «تحرير المناطق» بضرورة «تسليح العشائر السنية وتجهيزها لتنظيف المحافظات السنية»، معتبراً أنها «قضية في غاية الأهمية حيث لا يمكن تحرير المناطق السنية إلا من خلال أهلها»، ولكنه أكد أن هذا التسليح «يجب أن يتم من خلال الحكومة الاتحادية في بغداد أي أن الدعم الأميركي للعشائر السنية يجب أن يكون حصراً من خلال الحكومة الاتحادية»، ولفت إلى أن «هناك مخاوف من إقامة الإقليم السني من بعض المكونات العراقية ولكن هذه المخاوف يمكن تبديدها من خلال الحكومة التي تعد الفيصل بين الأقاليم والمحافظات إذا ما وقعت خلافات بين محافظتين أو إقليمين». السفير