آخر تحديث للموقع :

الخميس 3 ربيع الأول 1444هـ الموافق:29 سبتمبر 2022م 01:09:18 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الميليشيات الطائفية خطر على سنّة العراق ..

كانت حركة السير خفيفة على طريق طوز خورماتو، البلدة الواقعة على مسافة ساعة جنوب كركوك، صبيحة يوم قريب حيث اتفقنا على لقاء مسؤولين رفيعي المستوى من قوات الأمن الكردية، «البشمركة». قرب قواعدهم الحصينة، ترتفع أعلام ميليشيات شيعية وتنتشر مخيمات اللاجئين الشيعة على جانب الطريق السريع. مسؤولو قوات الأمن العراقية كانوا غائبين عن المشهد، حتى على حواجز الطرق.

في مكتب يعلوه الغبار داخل قاعدة للبيشمركة، يروي قائد ميداني ما شهده في الأسابيع القليلة الماضية من القتال، ويقول: «إنهم لا يحترمون حقوق الإنسان ويوقفون أياً كان. يقتلون ويقطعون الرؤوس ويحرقون المنازل». ولم يكن يشير في كلامه إلى «الدولة الإسلامية» بل إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من الحكومة، والتي يقاتل البيشمركة إلى جانبها ضد المجموعة السنية المتطرّفة في زواج مصلحة صعبٍ.

على مرّ الأعوام، زاد غموض الحد الفاصل بين الميليشيات الشيعية وقوات الأمن الرسمية، ولكن مع اقتراب الجيش العراقي من انهياره الكامل الصيف الماضي، ازدادت قوة الميليشيات. وأبلغ منظمة «هيومان رايتس ووتش» سياسيون وعناصر من أجهزة الأمن ومدنيون أن الميليشيات تلك «تسيطر على الأمن» في أجزاء واسعة من العراق، وهو ما تصاعد مع تعيين السياسي الشيعي محمد الغبان الذي تربطه صلات قوية بـ «فيلق بدر» الميليشيا الشيعية السيئة السمعة، وزيراً للداخلية. في بعض المناطق العراقية التي يحاصرها تنظيم «الدولة الإسلامية»، تابعت الميليشيات القتال حتى بعدما تحوّلت الضربات الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى أهداف أخرى. ويهاجم عناصر الميليشيات خصوصاً السنّة الذين لم يفرّوا أمام تقدم «الدولة الإسلامية»، معتبرين كل العائلات الباقية من «المتعاملين»، فيخرّبون ويحرقون بل يدمرون اعداداً من القرى السنية. وفي بعض الحالات، يتنقلون بين القرى بسيارات «الهامفي» الأميركية التي حصلوا عليها على الأرجح من الحكومة العراقية.

حملة إضرام الحرائق والنهب هذه أفضت إلى حالات موت ودمار وتهجير أكثر من سبعة آلاف عائلة وفقاً لمصادر محلية، في الأشهر القليلة الماضية. وعندما وقفنا إلى جانب الطريق السريع للتحدث إلى عائلة تقيم في متجر مهجور، قال لي رجل في أواخر الأربعينات من عمره: «لم أعد خائفاً من داعش بمقدار خوفي من الميليشيات الشيعية والحكومة العراقية». هذا السلوك المتفلّت من القانون ليس ظاهرة جديدة، بل جزءٌ شديد الحضور من عراق ما بعد صدام حسين، وفي 2007، خلص تقرير مقدّم إلى الكونغرس إلى أن «الميليشيات الطائفية أمر واقع في الحياة في العراق، وتمثل خطراً لا يقل عن خطر القاعدة بل ربما تشكل تهديدًا أكبر على استقرار البلد على المدى البعيد».

في2013، زادت الميليشيات المدعومة من الحكومة عمليات خطف مدنيين سنّة وقتلهم في مناطق بغداد وديالى وبابل ما صعّد العنف الطائفي. في المناطق التي ما زالت فيها قوات الأمن العراقية سليمة إلى حد ما، تخضع هذه القوات لقيادة الميليشيات خصوصاً «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق».

التقيت في أربيل إماماً سابقاً، رجل أعمال فرّ أخيراً من الفلوجة بسبب الحملة المناهضة لـ «الدولة الإسلامية». ورسم صورة حيّة للمدنيّين المحاصرين: منذ تموز (يوليو)، انقطعت المياه والكهرباء في محافظة الأنبار، فأرغم الناس على الشرب من مياه النهر الملوثة ما أوقعهم في المرض. نتيجة ذلك، انتهى أمر كثر من سكان الفلوجة في المستشفى، لكنهم لم يبقوا فيه سوى فترة وجيزة بسبب تحوّل المستشفى إلى هدف للجيش العراقي الذي ما زالت قواته الجويّة تستخدم «قنابل البراميل»، رغم تعليمات من بغداد بوقف استخدامها.

وفي الوقت الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة وغيرها من البلدان في حملة قال الرئيس باراك أوباما إنها ترمي «إلى تقليص قوة (الدولة الإسلامية) والقضاء عليها في نهاية المطاف»، أفضت وحشيّة الجماعة ومكاسبها الميدانيّة السريعة إلى نشوء معايير مزدوجة لدى أعضاء التحالف. فالتغاضي عن الانتهاكات التي ترتكبها قوات الحكومة العراقية والميليشيات التابعة لها، قد يدفع السنّة المتردّدين إلى الانضمام إلى معسكر «الدولة الإسلامية».

ستقرّ مقاربة أكثر توازناً بالفظائع التي ارتكبتها الأطراف بالتزامن مع فرض ضغط أشد على الحكومة العراقية لإجراء إصلاحات تأخرت كثيراً، بما فيها سياسات تشمل الجميع وخطوات لإصلاح نظام العدالة الجنائية. ويعني ذلك حض الحكومة العراقية على اتخاذ خطوات واضحة وعلنية للتخلي عن التكتيكات الميدانية التي تنتهك قوانين الحرب، وعلى أن تلتزم إصلاحاً عاماً للقطاع الأمني، بما في ذلك خطة محاسبة ذات معنى.

سارة مورغان - مديرة مكتب واشنطن في منظمة «هيومان رايتس ووتش»، عن «واشنطن بوست» الأميركية، 24/10/2014، إعداد حسام عيتاني - الحياة.

عدد مرات القراءة:
1779
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :