آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 09:02:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مقتل الحسين رضي الله عنه ..

قصة مقتل الحسين رضي الله عنه

كثر الكلام حول مقتل الشهيد السعيد السيد السبط الحسين بن علي واختلفت القصص في ذلك، ونورد في هذه الرسالة القصة الحقيقية لمقتل الحسين - رضي الله عنه -، ولكن قبل ذلك نذكر توطئة مهمة لا بد من معرفتها.

توطئة:

قال الحافظ ابن كثير: فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتل الحسين رضي الله عنه، فانه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وسخياً، ولكن لا يحسن ما يفعله الناس من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فان أباه قتل يوم الجمعة وهوخارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهومحصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب وهوأفضل من عثمان وعلي، قتل وهوقائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحدٌ يوم موتهم مأتماً، ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك.

مقتل الحسين:

بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 6هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة، وذلك أنهم لا يريدون يزيد ولا أباه ولا عثمان ولا عمر ولا أبا بكر، انهم لا يريدون إلا عليا وأولاده، وبلغت الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمائة كتاب.

عند ذلك أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور ويتعرف على حقيقة البيعة وجليتها، فلما وصل مسلم إلى الكوفة تيقن أن الناس يريدون الحسين، فبايعه الناس على بيعة الحسين وذلك في دار هانئ بن عروة، ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية في الشام أرسل إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة ليعالج هذه القضية، ويمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين ولم يأمره بقتل الحسين، فدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، وأخذ يتحرى الأمر ويسأل حتى علم أن دار هانئ بن عروة هي مقر مسلم بن عقيل وفيها تتم المبايعة.

فخرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وحاصر قصره بأربعة آلاف من مؤيديه، وذلك في الظهيرة. فقام فيهم عبيد الله بن زياد وخوفهم بجيش الشام ورغبهم ورهبهم فصاروا ينصرفون عنه حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً فقط. وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ليس معه أحد. فقبض عليه وأمر عبيد الله بن زياد بقتله فطلب منه مسلم أن يرسل رسالة إلى الحسين فأذن له عبيد الله، وهذا نص رسالته: ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي.

ثم أمر عبيد الله بقتل مسلم بن عقيل وذلك في يوم عرفة، وكان مسلم بن عقيل قبل ذلك قد أرسل إلى الحسين أن اقدم، فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرووأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم. وهذا ابن عمر يقول للحسين: (إني محدثك حديثا: إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة منه، والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها الله عنكم إلا للذي هوخير لكم، فأبى أن يرجع، فاعتنقه وبكى وقال: استودعك الله من قتيل)، وروى سفيان بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال للحسين في ذلك: (لولا أن يزري -يعيبني ويعيرني- بي وبك الناس لشبثت يدي من رأسك، فلم أتركك تذهب).وقال عبد الله بن الزبير له: (أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟) وقال عبد الله بن عمروبن العاص: (عجّل الحسين قدره، والله لوأدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني). (رواه يحيى بن معين بسند صحيح).

وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الذي أرسله مسلم، فانطلق الحسين يسير نحوطريق الشام نحويزيد، فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمروبن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن تميم فنزل يناشدهم الله والإسلام أن يختاروا إحدى ثلاث: أن يسيِّروه إلى أمير المؤمنين (يزيد) فيضع يده في يده (لأنه يعلم أنه لا يحب قتله) أوأن ينصرف من حيث جاء (إلى المدينة) أويلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله. (رواه ابن جرير من طريق حسن). فقالوا: لا، إلا على حكم عبيد الله بن زياد. فلما سمع الحر بن يزيد ذلك (وهوأحد قادة ابن زياد) قال: ألا تقبلوا من هؤلاء ما يعرضون عليكم؟ والله لوسألكم هذا الترك والديلم ما حلَّ لكم أن تردوه. فأبوا إلا على حكم ابن زياد. فصرف الحر وجه فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلّم عليهم، ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمة الله عليه (ابن جرير بسند حسن).

ولا شك أن المعركة كانت غير متكافئة من حيث العدد، فقتل أصحاب الحسين (رضي الله عنه وعنهم) كلهم بين يديه يدافعون عنه حتى بقي وحده وكان كالأسد، ولكنها الكثرة، وكان كل واحد من جيش الكوفة يتمنىَّ لوغيره كفاه قتل الحسين حتى لا يبتلي بدمه (رضي الله عنه)، حتى قام رجل خبيث يقال له شمر بن ذي الجوشن فرمى الحسين برمحه فأسقطه أرضاً فاجتمعوا عليه وقتلوه شهيداً سعيداً. ويقال أن شمر بن ذي الجوشن هوالذي اجتز رأس الحسين وقيل سنان بن أنس النخعي والله أعلم.

وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشاناً وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء. وما ثبت يغني. ولا شك أنها قصة محزنة مؤلمة، وخاب وخسر من شارك في قتل الحسين ومن معه وباء بغضب من ربه. وللشهيد السعيد ومن معه الرحمة والرضوان من الله ومنا الدعاء والترضي.

من قتل مع الحسين في كربلاء:

من أولاد علي بن أبي طالب: أبوبكر - محمد - عثمان - جعفر - العباس.

من أولاد الحسين: أبوبكر - عمر - عثمان - علي الأكبر - عبد الله.

من أولاد الحسن: أبوبكر - عمر - عبد الله - القاسم.

من أولاد عقيل: جعفر - عبد الله - عبد الرحمن - عبد الله بن مسلم بن عقيل.

من أولاد عبد الله بن جعفر: عون - محمد

وأضف إليهم الحسين ومسلم بن عقيل (رضي الله عنهم أجمعين)

وأما ما روي من أن السماء صارت تمطر دما، أوأن الجدر كان يكون عليها الدم، أوما يرفع حجر إلا ويوجد تحته دم، أوما يذبحون جزوراً إلا صار كله دماً فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة.

يقول ابن كثير عن ذلك: (((وذكروا أيضا في مقتل الحسين رضي الله عنه أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة وفي كل من ذلك نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هوأعظم من قتل الحسين رضي الله عنه ولم يقع شيء مما ذكروه فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهوأفضل منه بالإجماع ولم يقع شيء من ذلك وعثمان بن عفان رضي الله عنه قتل محصورا مظلوما ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل في المحراب في صلاة الصبح وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوسيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه ويوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم خسفت الشمس فقال الناس خسفت لموت إبراهيم فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته.)))

حكم خروج الحسين:

لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلوماً شهيداً. وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لوقعد في بلده، ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدره الله كان ولولم يشأ الناس. وقتل الحسين ليس هوبأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدّم رأس يحيى عليه السلام مهراً لبغي وقتل زكريا عليه السلام، وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى: "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين" آل عمران 183. وكذلك قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

كيف نتعامل مع هذا الحدث:

لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه رضي الله عنهم أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك، فقد ثبت عن النبي (ص) أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب) (أخرجه البخاري) وقال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم. والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع. وقال: (إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران) أخرجه مسلم. وقال (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة). وقال (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. وقال (النياحة من أمر الجاهلية وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعاً من لهب النار) رواه ابن ماجة.

والواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون". وما علم أن علي بن الحسين أوابنه محمداً أوابنه جعفراً أوموسى بن جعفر رضي الله عنهم ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أوشقوا أوصاحوا فهؤلاء هم قدوتنا. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.

إنّ النياحة واللطم وما أشبهها من أمور ليست عبادة وشعائر يتقرب بها العبد إلى الله، وما يُذكر عن فضل البكاء في عاشوراء غير صحيح، إنما النياحة واللطم أمر من أمور الجاهلية التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنها وأمر باجتنابها، وليس هذا منطق أموي حتى يقف الشيعة منه موقف العداء بل هومنطق أهل البيت رضوان الله عليهم وهومروي عنهم عند الشيعة كما هومروي عنهم أيضاً عند أهل السنة.

فقد روى ابن بابويه القمي في (من لا يحضره الفقيه) (39) أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (النياحة من عمل الجاهلية) وفي رواية للمجلسي في بحار الأنوار 82/ 13 (النياحة عمل الجاهلية) ومن هذا المنطلق اجتنب أهل السنة النياحة في أي مصيبة مهما عظمت، امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل بالمقابل هم يصومون يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من الغرق، وهم يرون أنّ دعوة مخلصة للحسين من قلب مؤمن صائم خير من رجل يتعبد الله بعمل أهل الجاهلية (النياحة واللطم)، ففي الصائم يحصل له الخيرين، خير صيام يوم فضيل وخير دعاء المرء وهوصائم والذي يمكن أن يجعل جزءاً منه أوكله إن أراد للإمام الحسين.

ومما ورد من روايات في فضل صيام هذا اليوم من روايات الشيعة ما رواه الطوسي في الاستبصار 2/ 134 والحر العاملي في وسائل الشيعة 7/ 337 عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أنّ علياً عليهما السلام قال: (صوموا العاشوراء، التاسع والعاشر، فإنّه يكفّر الذنوب سنة).

وعن أبي الحسن عليه السلام قال: (صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء)، وعن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: (صيام عاشوراء كفّارة سنة).

فما يفعله الشيعة اليوم من إقامة حسينيات أومآتم أولطم ونياحة وبكاء في حقيقتها إضافات لا تمت لمنهج أهل البيت ولا لعقيدة الإسلام بأي صلة، وإذا كان الشيعة يرددون عبارة (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة) فأين هذه العبارة من التطبيق حين يجعلون أموراً من الجاهلية التي نهى محمد عليه الصلاة والسلام عنها شعائراً لدين الإسلام ولأهل البيت!! والطامة الكبرى أن تجد كثيراً من مشايخ الشيعة بل من مراجعهم الكبار يستدلون بقوله تعالى {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} على ما يُفعل في عاشوراء من نياحة ولطم وسب وشتم لخلق الله ولصحابة رسول الله ويعتبرون هذا من شعائر الله التي ينبغي أن تُعظم ومن شعائر الله التي تزداد بها التقوى!!!

وما لا أكاد أفهمه تجاهل علماء الشيعة للروايات الواضحة في بيان فضل صيام عاشوراء بل وبالمقابل اتهام أهل السنة مراراً وتكراراً بأنهم حزب بني أمية وأنهم استحدثوا صيام هذا اليوم احتفالاً بمقتل الحسين - عياذاً بالله من ذلك - مع اتفاق أحاديث السنة والشيعة على فضل صيام هذا اليوم وأنّ نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم صامه!!! بل قل لي بربك: ألذي يصوم يوم عاشوراء ويحييه بالذكر والقرآن والعبادة في نظرك يحتفل ويفرح بمقتل الحسين أم من يوزع اللحم والطعام والشراب على الناس في هذا اليوم ويحيي الليل بإنشاد القصائد؟!! أليس هذا تناقضاً في حد ذاته؟ ألا ترى في اتهام أهل السنة بالفرح بموت الحسين والادعاء بأنّ صيامهم ليوم عاشوراء نكاية بالحسين وبأهل البيت ليس إلا دعاية مذهبية للتنفير منهم ومن مذهبهم وإبرازهم كعدولأهل البيت دون وجه حق؟!!

موقف يزيد من قتل الحسين:

لم يكن ليزيد يد في قتل الحسين ولا نقول هذا دفاعاً عن يزيد ولكن دفاعاً عن الحق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره ولم يسب لهم حريماً بل أكرم بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم، وأما الروايات التي تقول إنه أهين نساء آل بيت رسول لله وأنهن أخذن إلى الشام مسبيات وأُهِنّ هناك هذا كلام باطل بل كان بنوأمية يعظمون بني هاشم ولذلك لما تزوج الحجاج بن يوسف من فاطمة بنت عبد الله بن جعفر لم يقبل عبد الملك بن مروان هذا الأمر، وأمر الحجاج أن يعتزلها، وأن يطلقها فهم كانوا يعظمون بني هاشم ولم تسب هاشمية قط."

بل ابن زياد نفسه عندما جيء بنساء الحسين إليه وأهله، وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهن بمنزل من مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقاً وأمر لهن بنفقة وكسوة. (رواه ابن جرير بسند حسن). وقال عزت دروزة المؤرخ "ليس هناك ما يبرر نسبة قتل الحسين إلى يزيد، فهولم يأمر بقتاله، فضلاً عن قتله، وكل ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل". وقال ابن كثير: (والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لوقدر عليه قبل أن يُقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هوبه مخبراً عن نفسه بذلك).

من قتل الحسين؟

نعم هنا يطرح السؤال المهم: من قتلة الحسين: أهم أهل السنة؟ أم معاوية؟ أم يزيد بن معاوية؟ أم من؟

إن الحقيقة المفاجئة أننا نجد العديد من كتب الشيعة تقرر وتؤكد أن شيعة الحسين هم الذين قتلوا الحسين. فقد قال السيد محسن الأمين " بايع الحسين عشرون ألفاً من أهل العراق، غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه " {أعيان الشيعة 34:1}.

وكانوتعساً الحسين يناديهم قبل أن يقتلوه: " ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، وأنما تقدم على جند مجندة؟ تباً لكم أيها الجماعة حين على استصرختمونا والهين، فشحذتم علينا سيفاً كان بأيدينا، وحششتم ناراً أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم ألباً أوليائكم وسحقاً، ويداً على أعدائكم. استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الذباب، وتهافتم إلينا كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفهاً، بعداً لطواغيت هذه الأمة " {الاحتجاج للطبرسي}.

ثم ناداهم الحر بن يزيد، أحد أصحاب الحسين وهوواقف في كربلاء فقال لهم " أدعوتم هذا العبد الصالح، حتى إذا جاءكم أسلمتموه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه فصار كالأسير في أيديكم؟ لا سقاكم الله يوم الظمأ " {الإرشاد للمفيد 234، إعلام الورى بأعلام الهدى 242}.

وهنا دعا الحسين على شيعته قائلاً: " اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً (أي شيعاً وأحزاباً) واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا " {الإرشاد للمفيد 241، إعلام الورى للطبرسي 949، كشف الغمة 18:2و38}.

ويذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي في تاريخه أنه لما دخل علي بن الحسين الكوفة رأى نساءها يبكين ويصرخن فقال: " هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟ " أي من قتلنا غيرهم {تاريخ اليعقوبي 235:1}.

ولما تنازل الحسن لمعاوية وصالحه، نادى شيعة الحسين الذين قتلوا الحسين وغدروا به قائلاً:" ياأهل الكوفة: ذهلت نفسي عنكم لثلاث: مقتلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا وأطيعوا، فطعنه رجل من بني أسد في فخذه فشقه حتى بلغ العظم {كشف الغمة54، الإرشاد للمفيد19، الفصول المهمة 162، مروج الذهب للمسعودي 431:1}.

فهذه كتب الشيعة بأرقام صفحاتها تبين بجلاء أن الذين زعموا تشييع الحسين ونصرته هم أنفسهم الذين قتلوه ثم ذرفوا عليه الدموع، وتظاهروا بالبكاء، ولايزالون يمشون في جنازة من قتلوه إلى يومنا هذا، ولوكان هذا البكاء يعكس شدة المحبة لأهل البيت فلماذا لايكون البكاء من باب أولى على حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الفظاعة التي قتل بها لا تقل عن الطريقة التي ارتكبت في حق الحسين رضي الله عنه حيث بقر بطن حمزة واستؤصلت كبده، فلماذا لايقيمون لموته مأتماً سنوياً يلطمون فيه وجوههم ويمزقون ثيابهم، ويضربون أنفسهم بالسيوف والخناجر؟ أليس هذا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل لماذا لايكون هذا البكاء على موت النبي صلى الله عليه وسلم؟! فإن المصيبة بموته تفوق كل شيء؟ أم أن الحسين أفضل من جده لأنه تزوج ابنة كسرى الفارسية؟

رأس الحسين:

لم يثبت أن رأس الحسين أرسل إلى يزيد بالشام بل الصحيح أن الحسين قتل في كربلاء ورأسه أخذ إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة فذهب برأسه الشريف إلى عبيد الله بن زياد، فجعل في طست، فجعل ينكت عليه، وقال في حسنه شيئاً فقال أنس: " إنه كان أشبههم برسول الله". رواه البخاري. وفي رواية قال: (إرفع قضيبك فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث تضع قضيبك فانقبض) رواه البزار والطبراني. الفتح (7/ 96)، ولا يعلم قبر الحسين ولا يعلم مكان رأسه.

الجزاء من جنس العمل:

لما قُتل عبيد الله بن زياد على يد الأشتر النخعي، جيء برأسه. فنصب في المسجد، فإذا حية قد جاءت تخلل حتى دخلت في منخر ابن زياد وخرجت من فمه، ودخلت في فمه وخرجت من منخره ثلاثاً (رواه الترمذي ويعقوب بن سفيان).

والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


راس الحسين

ابتدأ الشيخ عبدالله زقيل - حفظه الله - قبل مدة بسلسلة علمية مهمة بعنوان " قبور ومشاهد مكذوبة " أراد منها التنبيه على بطلان ثبوت كثير من القبور والمشاهد التي يتعلق بها " القبوريون "، ويستغلونها لترسيخ لشركياتهم وبدعهم في بلاد المسلمين، واستغلال عواطف السذج والعوام بنهب أموالهم بهذه الأباطيل.

وقد تحدث الشيخ في الحلقة الأولى عن القبر المنسوب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، الموجود في " النجف "؛ وبين بطلان ثبوته بالأدلة العلمية والتاريخية. والبحث موجود في صفحته بموقع " صيد الفوائد ".

وقد أحببتُ المساهمة مع أخي عبدالله في هذه السلسلة النافعة المباركة - إن شاء الله - من خلال نقل علمي رصين للدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني - حفظه الله - من رسالته " مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية " بين فيه بطلان المشهد الشهير الموجود في مصر؛ والمسمى بـ (مسجد الحسين)!؛ وأثبتَ - بالأدلة العلمية والتاريخية - أنه مجرد أكذوبة رافضية من أيام الدولة العبيدية؛ ثم صدقها الجهال والمغفلون من المنتسبين لأهل السنة. وقد سبقه إلى هذا العلماء المحققون؛ وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في رسالته عن " رأس الحسين " - رضي الله عنه -؛ ولكن الدكتور أجاد في عرض المسألة وتلخيصها.

يقول الدكتور الشيباني: (إن منشأ الاختلاف في موضع رأس الحسين رضي الله عنه عند عامة الناس إنما هوناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين -التي أقيمت في عصور التخلف الفكري والعقدي- وكلها تدعي وجود رأس الحسين!

ثم إن الجهل بموضع رأس الحسين جعل كل طائفة تنتصر لرأيها في ادعاء وجود الرأس عندها.

وإذا أردنا التحقيق في مكان الرأس فإنه يلزمنا تتبع وجود الرأس منذ انتهاء معركة كربلاء.

لقد ثبت أن رأس الحسين حمل إلى ابن زياد، فجعل الرأس في طست وأخذ يضربه بقضيب كان في يده، فقام إليه أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال: "لقد كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم". (البخاري).

ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافاً بيّناً بشأن رأس الحسين رضي الله عنه.

ولكن بعد دراسة الروايات التي ذكرت أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد بن معاوية وجدتُ أن الروايات على النحوالتالي:

- هناك روايات ذكرت أن الرأس أرسل إلى يزيد بن معاوية، وأخذ يزيد ينكت بالقضيب في فم الحسين، الأمر الذي حدا بأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن ينكر على يزيد فعلته.

ولكن هذه الرواية التي ذكرت وصول الرأس وتعامل يزيد معه بهذا النحو، ضعيفة. (الطبراني وغيره بأسانيد منقطعة أوضعيفة).

ولعل هذه الأسانيد هي التي اعتمد عليها شيخ الإسلام في إنكاره أن يكون الرأس قد وصل إلى يزيد أصلاً.

وكان استدلال شيخ الإسلام على ضعف هذه الرواية "بأن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق".

ونحن نشارك شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده لمتن هذه الرواية؛ بل ونضيف أمراً آخر يدل على فساد متن هذه الرواية؛ وهوأنه مخالف لتلك الروايات الصحيحة التي بيّنت حسن معاملة يزيد لآل الحسين وتألمه وبكائه على قتل الحسين رضي الله عنه.

ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ورأس الحسين إنما حمل إلى ابن زياد وهوالذي ضربه بالقضيب كما ثبت في الصحيح".

"وأما حمله إلى عند يزيد فباطل، وإسناده منقطع".

وكان اعتماد شيخ الإسلام على نفس الرواية وعدم ثبوت سندها هواطلاعه -كما يبدو- على رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي التي قال فيها حصين فحدثني مولى ليزيد بن معاوية قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد رأيته يبكي ويقول: "ويلي على ابن مرجانة فعل الله به، أما والله لوكانت بينه وبينه رحم ما فعل هذا".

وهذه الرواية ذكرها البلاذري؛ والطبري، والجوزقاني.

وهذه الرواية إذا نظرنا إلى متنها نجد أنها متوافقة مع ما ثبت عن حسن تعامل يزيد مع أبناء الحسين، ومع ما أبداه يزيد من الحسرة والندامة على قتل الحسين.

وأما إسناد هذه الرواية فإن الرجل المبهم فيها هوالذي جعل شيخ الإسلام ينكر صحتها ويقول "في إسناده مجهول".

ولكن هناك رواية حسنة الإسناد في أنساب الأشراف، تفيد بأن ابن زياد قد حمل الرأس إلى يزيد بن معاوية.

ثم إن هناك رواية أخرى ذكرها الطبراني على الرغم من ضعفها إلا أنها تزيد رواية البلاذري قوة، إضافة إلى الروايات الحديثية والتاريخية الأخرى التي ذكرت حمل الرأس إلى يزيد.

وبإعادة النظر في الرواية التي ذكرها البلاذري والطبري والجوزقاني -رواية حصين- نجد أن الرجل المبهم يذكره البلاذري على أنه مولى يزيد بن معاوية.

وفي رواية الطبري والجوزقاني ذكر أنه مولى معاوية بن أبي سفيان، وهذا الاختلاف في نسبة ولائه بين معاوية وبين يزيد بن معاوية لا يضر، وهوالأمر الذي جعلني أميل إلى أنه القاسم بن عبدالرحمن الدمشقي مولى يزيد بن معاوية، وهوصدوق.

والدليل على ذلك أن أبا مخنف روى نفس الرواية مع قليل من الاختلاف، فقال أبومخنف: حدثني الصقعب بن زهير عن القاسم بن عبدالرحمن مولى يزيد بن معاوية قال: لما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد -رأس الحسين وأصحابه- قال:

نفلق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

أما والله يا حسين لوكنت صاحبك لما قتلتك".

وهذه الرواية تتفق مع الروايات الصحيحة في نظرة يزيد لمقتل الحسين وتألمه لما حدث له.

الأمر الذي يجعل من البعيد جداً أن يكون أبومخنف قد حرّف الرواية أوزاد فيها شيئاً من عنده.

فإذا ثبت أن المولى هوالقاسم بن عبد الرحمن الدمشقي فعندئذ تكون رواية الطبري والبلاذري والجوزقاني حسنة، ثم إذا أضفنا لها الروايات السابقة تجعلنا نؤكد أن الرأس قد حمل إلى يزيد، ولعل هذه الروايات هي التي جعلت ابن كثير يغيّر رأيه أخيراً بشأن رأس الحسين، فبعد أن كان يميل إلى رأي شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عندما قال والصحيح "إنه -أي ابن زياد- لم يبعث برأس الحسين إلى الشام". قال في مكان آخر: "وقد اختلف العلماء في رأس الحسين هل سيّره ابن زياد إلى الشام أم لا، على قولين الأظهر منها أنه سيّره إليه، فقد ورد في ذلك أثار كثيرة والله أعلم" وهوما ذهب إليه أيضاً الذهبي.

====================

وبعد أن ترجح لدينا الآن أن ابن زياد قد بعث برأس الحسين إلى يزيد وأن الرأس وصل إلى دمشق فإنا سنواجه باختلاف كبير حول المكان الذي قبر فيه رأس الحسين رضي الله عنه.

فالأماكن التي ذكر أن رأس الحسين مقبور بها ستة مدن؛ هي:

1 - دمشق 2 - الرقة 3 - عسقلان 4 - القاهرة 5 - كربلاء 6 - المدينة.

ولكي نصل إلى تحديد دقيق بشأن مكان رأس الحسين، فإنا سنعرض إلى كل هذه المدن التي ذكر بأن الرأس موجود بها، ثم نناقش الروايات التي ذكرت ذلك ومن ثم نحدد مكان الرأس بعد النقد والتمحيص لهذه الروايات.

أولاً: دمشق:

ذكر البيهقي في المحاسن والمساوئ (بدون سند!): أن يزيد أمر بغسل الرأس وجعله في حرير وضرب عليه خيمة ووكل به خمسين رجلاً".

وقال ابن كثير: "وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبدالرحمن، عن محمد بن عمر بن صالح -وهما ضعيفان- أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي، فأخذ من خزانته وكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق.

قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس".

وقد ذكر النعيمي: من مساجد دمشق: "مسجد الرأس ويقال بأن فيه رأس الحسين رضي الله عنه ".

وأما ابن عساكر فقد ساق بإسناده عن ريا حاضنة يزيد بن معاوية:" أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به فبقي عظماً فطيبه وكفّنه، فلما وصلت المسودة (أي العباسيين) سألوا عن موضع الرأس ونبشوه، فالله أعلم ما صُنع به".

قال الذهبي معقباً على هذه القصة: "وهي قوية الإسناد".

ويبدوأن الذهبي لم يتراجع عن تقويته لإسناد هذه القصة كما نقله عنه تلميذه ابن أبيك الصفدي. (شرح رسالة ابن زيدون، ص 2.5).

ولكن عند النظر في إسناد هذه القصة نجد أن ابن عساكر قد جاء بهذه القصة أثناء ترجمة "ريا" حاضنة يزيد، واعتمد في إسناده على طريق واحد فقط وهو: أحمد بن محمد بن حمزة الحضرمي، عن أبيه، عن جده، عن أبي حمزة ابن يزيد الحضرمي.

وسند ابن عساكر هذا سند ضعيف، ولا أعلم على أي شيء اعتمد الذهبي في تقويته لهذا السند؟! مع أنه سوف يضعف كما سنرى الراوي، فالراوي أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي البتلهي: ضعيف.

قال ابن حبان عن والده محمد بن يحيى: ثقة في نفسه، ويتقى حديثه ما روى عنه أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وأخوه عبيد فإنهما يدخلان عليه كل شيء.

وهذه القصة من رواية ابنه أحمد، فهومما يتقى ويترك.

وقال عنه الذهبي: له مناكير، وقال أبوأحمد الحاكم: فيه نظر ثم إن جد أبيه بن يزيد الحضرمي لم أعثر له ترجمة.

هذا من جهة السند، وأما بالنسبة للمتن، فإن هذه الرواية يبدوفيها الكذب واضحاً، وفي سياقها نكاره ظاهرة حيث مخالفتها للروايات الصحيحة التي تؤكد حسن معاملة يزيد لأبناء وأسرة الحسين.

ثم إن في المتن نزعة رافضية واضحة حيث ورد في الرواية "ولقد جاء رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له -أي يزيد- لقد أمكنك الله من عدوالله وابن عدوأبيك، فاقتل هذا الغلام أي علي بن الحسين ... فاقطع أصل هذا البيت .. "

وأخيراً فإن راوية القصة (ريا) هذه ذكرها ابن عساكر ولم يذكر فيها جرحاً ولا تعديلاً، وتكون بذلك مجهولة. وبهذا تكون رواية ابن عساكر التي قواها الذهبي رواية ساقطة لا يعتمد عليها بأي حال من الأحوال، وقد أورد الذهبي بإسناده عن أبي كريب قال: كنت فيمن توثب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطاً وقلت فيه غنائي، فركبت فرسي، وخرجت من باب توما، قال: ففتحه، فإذا فيه رأس مكتوب عليها، هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت فيه بسيفي، فدفنته؟. وهي رواية ضعيفة جداً، وفي سند هذه الحكاية من لم أعثر لهم على ترجمة، وقد علق المحقق على هذه الحكاية بقوله: "لا يصح فيه من لا يعرف".

ومن ناحية أخرى ما هي فائدة يزيد من احتفاظه برأس الحسين وجعله في خزائن سلاحه؟!

ثانياً: كربلاء:

لم يقل أحد بأن الرأس في كربلاء إلا الإمامية، فإنهم يقولون: بأن الرأس أعيد إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من القتل، ودفن بجانب جسد الحسين رضي الله عنه، وهويوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين.

ويكفي أن هذا القول إنما تفرد به الإمامية (الرافضة) هم أكذب الخلق على الإطلاق، ومن نظر في كتبهم عرف هذه الحقيقة، وقد أنكر أبونعيم (الفضل بن دكين) على من زعم أنه يعرف قبر الحسين رضي الله عنه.

وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه.

ثالثاً: الرقة:

لقد انفرد سبط ابن الجوزي بإيراد خبر يذكر أن الرأس قبر بالرقة وقال: إن الرأس بمسجد الرقة على الفرات، وأنه لما جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: "لأبعثن إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان" وكانوا بالرقة، فدفنوه في بعض دورهم، ثم دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، وهوإلى جانب سور هناك.

وهذا خبر مستبعد؛ فالرواية ليست مسندة، ولا نعلم أي مصدر اعتمد عليه سبط ابن الجوزي حينما نقل هذا الرأي، ثم إن سبط ابن الجوزي متأخر جداً عن الحدث (ت 654هـ)، ثم إضافة إلى ما سبق فإن الخبر فيه نكارة واضحة لمخالفته النصوص الصحيحة التي ثبت فيها حسن معاملة يزيد لأسرة الحسين وتحسرّه وندمه على قتله، ثم إن سبط ابن الجوزي هذا على علوقدره ومكانته قال عنه الذهبي "ورأيت له مصنفاً يدل على تشيعه".

رابعاً: عسقلان:

قال الشبلنجي: "ذهبت طائفة إلى أن يزيد أمر أن يُطاف بالرأس في البلاد فطيف به حتى انتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها". (نور الأبصار، ص 121).

ولعل الشبلنجي هوالوحيد الذي قدّم تفسيراً عن كيفية وصول الرأس إلى عسقلان، وأما غيره فقد ذكروا بدون مسببات أن الرأس في عسقلان فقط.

وتعتبر رواية الشبلنجي رواية منكرة، بعيدة عن التصور، فكيف بالواقع المحتم في تلك الفترة بالذات؟!

فهي بالإضافة إلى مخالفتها للروايات الصحيحة التي تفيد أن يزيد تعامل مع أسرة الحسين تعاملاً حسناً، فإن الرواية تعطي تصوراً بعيداً جداً عن واقع المسلمين في ذلك الحين.

فكيف يُعقل أن يُقدم يزيد على هذا العمل من أن يطوف برأس الحسين رضي الله عنه في بلاد المسلمين، والمسلمون لا يتأثرون من هذا الصنيع برأس الحسين رضي الله عنه؟

ثم أي غرض لهم في دفنه بعسقلان، وكانت إذ ذاك ثغراً يقيم بها المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية أثره، فعسقلان تُظهره لكثرة من ينتابها للرباط، وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يُقصد هذا ممن يقول: إنه عدوله -أي يزيد- مستحل لدمه، ساع في قتله".

وهكذا فقد ثبت من الجهة النظرية والعملية استبعاد بل استحالة دفن الرأس بعسقلان.

ولقد أنكر جمع من المحققين هذا الخبر فقال القرطبي: "وما ذكر أنه في عسقلان فشيء باطل".

وأنكر شيخ الإسلام ابن تيمية وجود الرأس بعسقلان، وتابعه على ذلك ابن كثير.

خامساً: القاهرة:

يبدوأن اللعبة التي قام بها العبيديون (الفاطميون) قد انطلت على الكثير من الناس.

فبعد أن عزم الصليبيون الاستيلاء على عسقلان سنة تسع وأربعين وخمسمائة (549هـ)، خرج الوزير الفاطمي طلائع بن زريك هووعسكره حفاة إلى الصالحية، فتلقى الرأس ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والعنبر والطيب، ودفن في المشهد الحسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف، وكان ذلك في يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.

وقد ذكر الفارقي أن الخليفة الفاطمي نفسه قد خرج وحمل الرأس، وذكر الشبلنجي أن الوزير طلائع افتدى الرأس من الإفرنج، ونجح في ذلك بعد تغلبهم على عسقلان وافتداه بمال جزيل.

ولقد حاول بعض المؤرخين أن يؤكدوا على أن الرأس قد نقل فعلاً من عسقلان إلى مصر، وأن المشهد الحسيني في مصر إنما هوحقيقة مبني على رأس الحسين رضي الله عنه.

والعجيب أن القلقشندي استدل على صحة وجود الرأس بمصر بالحادثة التالية: أن القاضي محب الدين بن عبد الظاهر ذكر في كتابه خطط القاهرة، أن السلطان صلاح الدين الأيوبي حين استولى على قصر الفاطميين أمسك خادماً من خدام القصر، وعذبه بأن حلق رأسه وكفى عليه طاساً، وجعل فيه خنافس فأقام ثلاثة أيام لم يتأثر بذلك، فدعاه السلطان وسأله عن شأنه، هل معه طلسم وقاه ذلك فقال: لا أعلم شيئاً، غير أني حملت رأس الحسين على رأسي حين أتي به إلى المشهد، فخلى سبيله وأحسن إليه"!!

وأما الصوفية فيرون أن رأس الحسين هوبالمشهد القاهري، ويذكرون سمجاً من الخرافة، حيث يرون أن القطب يزوره كل يوم بالمشهد القاهري!

وأما أحد المتأخرين وهوحسين محمد يوسف، فقد أثبت أن الرأس الموجود في المشهد الحسيني هوحقيقة رأس الحسين وخطّأ من يقول بغير ذلك؛

وكان الاستدلال الذي جاء به هو: تلك المنامات والكشوفات التي تجلت لبعض المجاذيب (الصوفية) التي جاء في بعضها أن الرأس هوفي الحقيقة رأس الحسين!!

ثم أورد تأييداً لهذا القول باستحداث قاعدة قال فيها "إن الرأس يوجد في القاهرة وذلك بسبب الشك الذي تعارض مع اليقين"، واليقين (هم أصحاب الكشف)!!

وكما يبدوفإن الوطنية لعبت دوراً كبيراً في هذا التأكيد على أن رأس الحسين موجودة في القاهرة. (انظر: التحفة اللطيفة، للسخاوي، 1/ 513).

وهكذا فإن الاستدلال على وجود الرأس في القاهرة كان مبنياً ومستندًا على أن الرأس كان في عسقلان، وقد أثبتنا قبل قليل بطلان وجود الرأس بعسقلان، وبالتالي يكون الرأس الذي حُمل إلى القاهرة، والمشهد المعروف اليوم والمقام عليه المسمى بالمشهد الحسيني كله كذب، وليس له أي علاقة برأس الحسين رضي الله عنه.

وإذا ثبت أن الرأس الذي كان مدفوناً بعسقلان ليس في الحقيقة رأس الحسين، فإذاً متى ادّعي أن رأس الحسين بعسقلان وإلى من يعود ذلك الرأس؟

يقول النويري: إن رجلاً رأى في منامه وهوبعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها، عُيّن له في منامه، فنبش ذلك الموضع، وذلك في أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالي، فابتنى له بدر الجمالي مشهداً بعسقلان. (نهاية الأرب،2./ 478).

وقام الأفضل بعد ذلك بإخراجه وعطّره ووضعه في مكان آخر من عسقلان وابتنى عليه مشهداً كبيراً.

ولعلك تعجب من إسراع العبيديين الرافضة لإقامة المشهد على هذا الرأس، لمجرد رؤية رجل فقط؟ ولكن إذا عرفت تاريخ العبيديين فإن الأمر لا يُستغرب.

فإحساسهم بأن الناس لا يصدقون نسبتهم إلى الحسين، جعلهم يلجؤون إلى تغطية هذا الجانب باستحداث وجود رأس الحسين بعسقلان، ويُظهرون من الاهتمام به وبناء المشهد عليه والإنفاق على ترميمه وتحسينه من الأموال الشيء الكثير؛ حتى يصدقهم الناس، ويقولون: إنه لولم يكن لهم نسب فيه لما اهتموا به إلى هذا الحد.

ثم إن هناك بعداً سياسياً آخر باستحداث وادعاء وجود رأس الحسين بعسقلان دون غيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، وهومحاولة مجابهة الدول السنية التي قامت في بلاد الشام، ومن المعروف أن حكومة المستنصر بالله العبيدي قد صادفت قيام دولة السلاجقة السنية التي تمكن قائدها طغرلبك السلجوقي من دخول بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة.

وأيضاً فإن العبيديين يَرْمُون من استحداث قبر الحسين بعسقلان حماية مصر بوضع أقصى خط لها في شمالها، ثم يكون قبر الحسين محفزاً لجنودهم للقتال والدفاع عنه، وذلك إذا انحسر نفوذهم من بلاد الشام وخاصة إذا تعرضوا لهجوم شامل من دولة السلاجقة السنية البالغة القوة في ذلك الحين.

ولما أن غزى الصليبيون بلاد الشام، واستطاعوا اكتساح الدويلات السنية، وسيطروا على فلسطين، واستولوا على القدس خشي العبيديون من استيلاء الصليبيين على عسقلان، فأرادوا أن يجعلوا من القاهرة المكان المناسب لهذا الرأس، وحتى يبدوا أمام الناس بأنهم حريصون على رأس جدّهم مما يدفع الشبهة عنهم أكثر فأكثر.

ومما يدل على أن استحداث وجود الرأس بعسقلان ونقله إلى مصر ما هوإلا خطة عبيدية؛ أنه لم يرد أن رأس الحسين وجد في عسقلان في أي كتاب قبل ولاية المستنصر الفاطمي. وهذا مما يعزز كذب العبيديين، وتحقيق أغراض خاصة لهم بذلك.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الرأس المزعوم في مصر ليس في الأصل سوى رأس راهب.

وأنكر عمر بن أبي المعالي أن يكون رأس الحسين قد وجد بعسقلان أومصر وذلك "لأنه لم يوجد في تاريخ من التواريخ أنه -أي الرأس- نقل إلى عسقلان أوإلى مصر، ويقوي ذلك أن الشام ومصر لم يكن فيهما شيعة علوية يُنقل إليهم ... ". (نهاية الأرب للنويري، 2./ 481).

وقد نقل ابن دحية في كتابه "العلم المشهور" الإجماع على كذب وجود الرأس بعسقلان أوبمصر، ونقل الإجماع أيضاً على كذب المشهد الحسيني الموجود في القاهرة وذكر أنه من وضع العبيديين، وأنه لأغراض فاسدة وضعوا ذلك المشهد.

وقد أنكر وجود الرأس في مصر كل من: ابن دقيق العيد، وأبومحمد بن خلف الدمياطي، وأبومحمد بن القسطلاني، وأبوعبد الله القرطبي وغيرهم.

وقال ابن كثير "وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين الذين ملكوا مصر قبل سنة أربعمائة إلى سنة ستين وخمسمائة أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية، ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر، الذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة.

وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم، قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم".

وقد كانت هذه المشاهد هي الطريق الموصلة إلى الشرك بالله؛ ولذا قال شيخ الإسلام: "وما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد والآثار فهومن البدع المحدثة في الإسلام، ومن فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله سبحانه، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم، وذلك يوجد في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم، لأنهم أجهل من غيرهم وأكثر شركاً وبدعاً، ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من المساجد ويخربون المساجد أكثر من غيرهم، فالمساجد لا يصلون فيها إن صلوا إلا أفذاذاً، وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد؛ حتى يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام، ويسمونها الحج الأكبر، وصنف ابن المفيد منهم كتاباً سماه (مناسك حج المشاهد) وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ما لا يوجد في سائر الطوائف، وإن كان في غيرهم أيضاً نوع من الشرك والكذب والبدع؛ لكنه فيهم أكثر…".

وبالفعل، فإن الذي يرى أولئك الناس الذين يطوفون بقبر رأس الحسين المزعوم في القاهرة، والذين يرجونه من دون الله ويستغيثون به من دون الله يعلم إلى أي حد بلغ الشرك في ديار المسلمين، ويعلم أيضاً إلى أي حد بلغ تقاعس العلماء عن تبيين الحق وتوضيحه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة مريم، ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسه".

سادساً: المدينة المنورة:

ذكر ابن سعد: أن يزيد بعث بالرأس إلى عمروبن سعد والي المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال البلاذري: حدثنا عمر بن شبه، حدثني أبوبكر عيسى بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه قال: إن الرأس بعث به يزيد إلى عمروبن سعيد والي المدينة.

وهذه الرواية عن واحد من أهل البيت، ولا شك أن أحفاد الحسين هم أعلم الناس برأس الحسين رضي الله عنه، وبذلك يكون كلامهم مقدماً على كلام غيرهم بشأن وجود الرأس.

ثم بالنظر إلى حسن تعامل يزيد مع آل الحسين وندمه على قتل الحسين رضي الله عنه يكون من المتمات لما أبداه يزيد تجاه آل الحسين هواحترام رأس أبيهم، فبإرسال رأس الحسين إلى والي المدينة وأمره بأن يدفن بجانب قبر أمه يكون يزيد قد أدى ما يتوجب عليه حيال رأس الحسين وحيال آل الحسين، بل وحيال أقارب الحسين في المدينة وكبار الصحابة والتابعين.

"ثم إن دفنه بالبقيع: هوالذي تشهد له عادة القوم، فإنهم كانوا في الفتن، إذا قتل الرجل منهم -لم يكن منهم- سلموا رأسه وبدنه إلى أهله، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلموه إلى أهله، وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير، وأن ما كان بينهما من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه". كما أننا لا نجد انتقاداً واحداً انْتُقِد فيه يزيد سواء من آل البيت أومن الصحابة أومن التابعين فيما يتعلق بتعامله مع الرأس، فظني أن يزيد لوأنه تعامل مع الرأس كما تزعم بعض الروايات من الطوفان به بين المدن والتشهير برأسه، لتصرف الصحابة والتابعين تصرفاً آخراً على أثر هذا الفعل، ولما رفض كبارهم الخروج عليه يوم الحرة ولرأيناهم ينضمون مع ابن الزبير المعارض الرئيس ليزيد. ويؤيد هذا الرأي قول الحافظ أبويعلى الهمداني: "إن الرأس قبر عند أمه فاطمة رضي الله عنها وهوأصح ما قيل في ذلك".

وهوما ذهب إليه علماء النسب مثل: الزبير بن بكار ومحمد بن الحسن المخزومي.

وذكر عمر بن أبي المعالي أسعد بن عمار في كتابه "الفاصل بين الصدق، والمَيْن في مقر رأس الحسين" أن جمعا من العلماء الثقات كابن أبي الدنيا، وأبي المؤيد الخوارزمي، وأبي الفرج بن الجوزي قد أكدوا أن الرأس مقبور في البقيع بالمدينة ".

وتابعهم على ذلك القرطبي. وقال الزرقاني: قال ابن دحية: ولا يصح غيره. وشيخ الإسلام يميل إلى أن الرأس قد بعث به إلى واليه على المدينة عمروبن سعيد وطلب منه أن يقبره بجانب أمه فاطمة رضي الله عنها، والذي جعل شيخ الإسلام يرى ذلك هو: "أن الذي ذكر أن الرأس نقل إلى المدينة هم من العلماء والمؤرخين الذين يعتمد عليهم مثل الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والإطلاع، وهم أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلونه من المجاهيل والكذابين، وبعض أهل التاريخ الذين لا يوثق بعلمهم، وقد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد، حتى يميز بين المقبول والمردود، أويكون سيئ الحفظ أومتهماً بالكذب أوبالتزيد في الرواية، كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين".

وبذلك يكون رأس الحسين مقبوراً بجانب أمه فاطمة رضي الله عنها، وهوالموافق لما ثبت في الروايات من حسن تعامل يزيد مع آل الحسين، ثم هوالأقرب إلى الواقع الذي يملي على يزيد إرساله إلى المدينة ليقبر بجانب أمه رضي الله عنهما) اهـ.

(مواقف المعارضة، ص 3.6 - 325 بتصرف يسير وتهذيب؛ مع ملاحظة حذف الهوامش إلا مالابد منه؛ ومن أراد المزيد فليرجع لأصل الرسالة).


من قتل الحسين

شيخنا الفاضل ,,

أجيبونا بارك الله فيكم ...

فبما أنكم تقولون بأن الشيعة يكذبون بسرد المقتل

فأنا أود أن أطرح بعض الأسئلة عليكم لعلي أجد إجابة شافية وهي:

ورد في كتب الحديث باتفاق الطوائف المسلمة أن الحسين عليه السلام هوسبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وورد أنه وأخاه الحسن هما سيدا شباب أهل الجنة

والقرآن في أكثر من آية يتحدث بأن من يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما

والحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة باتفاق، بالتالي فهوسيد المؤمنين، إذن من قتله جزاؤه جهنم بنص القرآن وعليه غضب الله ولعنته وأعد له العذاب الأليم

1 - من الذي قتل الحسين بن علي عليهم السلام؟ ومن الذي أمر بقتله؟

2 - كيف قتلوا الحسين عليه السلام؟ وهل مثلوا بجثمانه وحز نحره الشريف؟

3 - ألم يتم قتل جميع أصحابه بل جميع أولاده وأهله حتى رضيعه عبد الله؟

4 - ألم يأخذوا أخته السيدة زينب عليها السلام سبية مع أخواتها وبنات الحسين عليه السلام اللواتي هن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبابا يطاف بهن من بلد إلى بلد؟

الأسئلة كثيرة ولكن أكتفي بهذه الأسئلة لمن تبحث منكن عن الحقيقة

************

الجواب:

وبارك الله فيك.

أولاً: لا يجوز لأحد مُناظَرة ومجادلة أهل الباطل ما لم يكن لديه ما يكفي لإزالة الشُّبُهات بل وهدمها، ويكون على عِلْم بِما يُلقى إليه.

ثانيا: لا يجوز أن يُجعَل ما يُلقيه أمثال هؤلاء سَبَبًا للتشكيك في الدِّين، ولا أن يجعل الإنسان نفسه إسفنجة!

قال ابن القيم رحمه الله: وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه - وقد جَعَلْتُ أُورِد عليه إيرَادًا بعد إيرَاد -: لا تَجعل قَلْبَك للإيرَادات والشُّبُهَات مثل السفنجة فَيَتَشَرّبها، فلا يَنْضَح إلاَّ بها، ولكن اجْعَله كالزُّجَاجة الْمُصْمَتَة تَمُرّ الشُّبُهات بِظاهرها ولا تَسْتَقِرّ فيها، فَيَرَاها بِصَفائه، ويدفعها بِصلابته، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْتَ قلبك كل شبهة تَمُرّ عليها صار مَقَرًّا للشبهات. أوكما قال. فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.

ثالثا: ينبغي أن يُعلَم أن الرافضة أكذب الناس! فهم يكذبون في كل شيء، حتى فيما يقولون وفيما يَنْقُلُون! بل قد يخترعون أحاديث في حال الخصومة، ولا يترددون إلى نسبتها إلى كُتب أهل السنة! فقد كنت مرة أُجادِل رافضيا فأتى بحديث ونسبه إلى صحيح البخاري! فلما كذّبت نسبته إليه، قال: مع الأسف! أنك تعتبر نفسك شيخ ولا تعرف حديثا في البخاري!

رابعا: بخصوص هذه الشُّبْهَة، فالجواب عنها كما يلي:

في كُتُب الرافضة أنفسهم أن شيعة الحسين هم مَن تَسَبَّبُوا بِقَتْله! وهم مَن دعاه إلى العراق ثم خذلوه!

وقال الإمام الحسين رضي الله عنه في دعائه على شِيعته:

اللهم إن مَتّعتهم إلى حين فَفَرّقهم فِرَقا، واجعلهم طرائق قِددا، ولا تُرْض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عَدَوا علينا فَقَتلونا. (الإرشاد للمُفيد 241).

ودعا عليهم مرة أخرى، فقال:

لكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدّبا، وتهافتم كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها، وبُعْدًا وسُحْقا لطواغيت هذه الأمة وبَقية الأحزاب ونَبَذة الكتاب، ثم انتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنة الله على الظالمين. (الاحتجاج للطبرسي 2/ 24).

وقال السيد محسن الأمين:

بَايَع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا، غَدروا به وخَرَجُوا عليه، وبيعته في أعناقهم، وقتلوه. (أعيان الشيعة/القسم الأول 34).

وقال الإمام زين العابدين لأهل الكوفة:

هل تعلمون أنكم كَتبتم إلى أَبِي وخَدعتموه، وأعطيتموه مِن أنفسكم العهد والميثاق ثم قَاتلتموه وخذلتموه؟ بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهويقول لكم: قاتَلتم عِترتي وانتهكتم حرمتي، فلستم مِن أمتي. (الاحتجاج 2/ 32).

وقال أيضا:

إن هؤلاء يبكون علينا، فَمن قَتَلَنا غيرهم؟! (الاحتجاج 2/ 29).

وقالت فاطمة الصغرى في خطبة لها في أهل الكوفة:

يا أهل الكوفة، يا أهل الغَدْر والْمَكْر والخيلاء، إنا أهل البيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بِنا فجعل بلاءنا حسنا. فَكفرتمونا وكذّبتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهبا. كما قتلتم جدّنا بالأمس، وسيوفكم تَقْطُر مِن دمائنا أهل البيت. تَبًّا لكم! فانتظروا اللعنة والعذاب فكأن قد حلّ بكم ... ألا لعنة الله على الظالمين. تَبًّا لكم يا أهل الكوفة، كم قرأت لرسول الله صلى الله عليه وآله قبلكم، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب وجدي، وبنيه وعترته الطيبين.

فَرَدّ علينا أحَد أهل الكوفة [ممن يدّعون محبة آل البيت] فقال:

نحن قتلنا علياً وبني علي *** بسيوف هندية ورماحِ

وسبينا نساءهم سبي تركٍ *** ونطحناهمُ فأيُّ نطاحِ (الاحتجاج 2/ 28).

وقالت زينب بنت أمير المؤمنين لأهل الكوفة:

أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل. إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، هل فيكم إلاّ الصَّلَف والعجب والشنف والكذب؟ أتبكون أخي؟ أجل والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلاً فقد ابتليتم بِعارِها. وأنى ترخصون قتل سَليل خاتم النبوة. (الاحتجاج 2/ 29 - 3.).

وقد عَلِم الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه بأن الذين يدّعون محبة الحسين إنما هم كَذَبَة.

فقد قال الحسن رضي الله عنه لأخيه الحسين رضي الله عنه:

يا أخي إن أبَانَا رحمه الله تعالى لَمّا قُبِض رسول الله استشرف لهذا الأمر ورَجَا أن يكون صاحبه، فَصَرَفه الله عنه، ووليها أبوبكر، فلما حَضَرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضا فَصُرِفت عنه إلى عُمر، فلمّا احْتُضِر عُمر جعلها شورى بَيْن سِتة هوأحدهم، فلم يَشُكّ أنها لا تَعْدُوه فَصُرِفت عنه إلى عثمان، فلما هَلك عثمان بُويِع ثم نُوزِع حتى جَرّد السيف وطَلبها، فَما صَفَا لَه شيء منها، وإني والله ما أرى أن يَجْمَع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفّك سفهاء أهل الكوفه فأخرجوك!

وتهويل الرافضة وأكاذيبهم في قصة مَقْتَل الحسين رضي الله عنه كثيرة، ولذلك حرِص المؤرّخون على تقصّي الحقائق في مثل هذه الواقعة.

ومِن خير من ذَكَر قصة مَقْتَل الحسين رضي الله عنه بإنصاف وتمييز بين الأخبار: ابن كثير رحمه الله، وذلك في " البداية والنهاية ". فإنه عَقَد فصْلا في أحداث سنة إحدى وستين قال فيه: وهذه صِفَة مَقْتَلِه مأخوذة مِن كلام أئمة هذا الشأن، لا كما يَزعمه أهل التشيع مِن الكَذِب.

وذَكرها ابن حجر في " الإصابة "، حيث ذَكَر قصة مقتل الحسين رضي الله عنه، ثم قال: وقد صَنَّف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، وفي هذه القصة التي سقتها غِنَى. اهـ.

ولا يعني هذا إقرار قَتْل سِبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قَتْله جريمة شنيعة، إلاّ أنه لا يعني أن تُهدَر العقول - كما تفعله الرافضة في عاشوراء - وتُلْطَم الخدود وتُشقّ الجيوب وتُسال الدماء بصور بشعة في غاية البشاعة!

فإن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظَم مِن مقتل ابن بنته، ومقتَل عليّ رضي الله عنه أعظم؛ لأن عليًّا أفضل من ابنه بلا شك. إلا أن الرافضة تستغل مثل ذلك الحدث لإشعال نيران الحقد والبضغاء وإيقاد نيران الفِتن والثورات ضد أهل السنة الذين يُسمّونهم " النواصِب "! وتتنادى الرافضة: يا لِثَارَات الحسين! وكأننا نحن الذين قتلنا الحسين رضي الله عنه!

والله تعالى أعلم.


عدد مرات القراءة:
3336
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :