فرار الكثير من الصحابة يوم أحد ويوم حنين ونزول قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)
شبهة فرار الكثير من الصحابة يوم أحد ويوم حنين ونزول قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران : 155] والجواب: § أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي، ولئن قلنا: كان بعده فهو معفو عنه، بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران : 155]. فالله قد عذرهم وعفا عنهم، وهو الذي زكاهم وأثنى عليهم فهل لأحد أن يعترض على الله؟! وأما الفرار يوم حنين فقد أخبر تعالى أنه كان ابتلاء لهم وتربية لهم حتى لا يعتمدوا على كثرتهم، بل الاعتماد يكون على الله وحده، فقال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ)[التوبة:25-26ٍ]. ولم يحصل الفرار من الجميع، وأن من فر منهم لم يكن على نية الاستمرار في الفرار لما رواه مسلم (3 /1398) من حديث كثير بن عباس بن عبد المطلب، قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال عباس -وكان رجلاً صيتاً- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها...» الحديث(. قال النووي (شرح النووي: (12 /115): قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا فانقلبت أولاهم على أخراهم، إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن).
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video