آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 06:02:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

إن لعلي والأئمة المعصومين من بنيه مذهبا في مؤازرة أهل السلطة الاسلامية معروفا، وهوالذي ندين الله به ..

إن لعلي والأئمة المعصومين من بنيه مذهبا في مؤازرة أهل السلطة الاسلامية معروفا، وهوالذي ندين الله به

وأنا أذكره لك جوابا عما قلت، وحاصله .. )، فهذا نرد عليه من وجوه:

أحدها: قوله عن علي وبنيه بأنهم (أئمة معصومون) من الضلال الذي لم تقله إلا الرافضة _ قبحهم الله _ فكيف يمكن أن يخاطب به أهل السنة، بل هم عند أهل السنة كغيرهم سواء، أوأن في غيرهم من هم أفضل منهم منزلة عند الله وأعلم منهم بأمور الشرع حتى قال شيخ الاسلام _ (المنتقى) (ص191) _: (ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء).

الوجه الثاني: نسبته هذا القول في مؤازرة السلطة الاسلامية إلى أئمته ومذهبه بما يشعر اختصاصهم به دون غيرهم باطل قطعا بل هوقول أهل السنة والجماعة، قال شيخ الاسلام في (العقيدة الواسطية) وهي لبيان مذهب أهل السنة والجماعة _ (مجموعة الرسائل الكبرى) (1/ 41) _: (ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أوفجارا ويحافظون على الجماعات) ويدل على ذلك أيضا إخراجهم الأحاديث الكثيرة في ذلك ومنها تلك التي ذكرها هذا الموسوي في مراجعته هذه _ أحاديث ابن مسعود وأبي ذر وسلمة الجعفي وحذيفة بن اليمان وأم سلمة رضي الله عنه أجمعين _ بل هذه التي ذكرها مما تبين تناقضه القبيح فإنه رغم أنه مذهب اختص به أئمته ثم عزاه في التخريج في الهوامش لكتب أهل السنة، أليس هذا تناقضاً واضحا فاضحا من قبل هذا المدعوعبد الحسين؟ وفوق ذلك لا نشك في كذبه في ادعائه أن هذا مذهب أئمته من الرافضة إذ لوكان صادقا لعزا قوله وتقريره هذا لموضع واحد من كتب أئمته، لكنه يعلم ببطلان هذا وما هي إلا تقية يستعملها في وجه أهل السنة الذين يعلمون أن أبعد الناس عن طاعة الأمراء ومؤازرتهم هم الرافضة هؤلاء، وهوما يتبين بالوجه الآتي:

الوجه الثالث: وهوما سبق بيانه خلال الرد على المراجعة (64) من نظرة الرافضة إلى الحكومات الاسلامية جميعا من عهد الصديق رضي الله عنه إلى عصرنا الحاضر _ عدا مدة خلافة علي رضي الله عنه _ بأنها باطلة لأنها اغتصبت الأمر وحالت دون تولي الأئمة المعصومين ونوابهم زمام الحكم _ بزعمهم _، وهوما صرح به إمامهم الذي يسمونه (آية الله الخميني) في كتابه (الحكومة الاسلامية) (ص33)، حتى إن الكليني الذي يمجده هذا الموسوي كثيرا في مراجعاته هذه وقال عن كتابه بأنه من الكتب المقدسة ومستودع علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم _ كما في المراجعة (14) _ روى في (الأصول من الكافي) (باب اختلاف الحديث) (1/ 67): (عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أوميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حق أوباطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).

ولهذا ترتب عند الشيعة وجوب مقاطعة كل تلك الحكومات على جميع المستويات، وهاهم في زماننا هذا في أبسط المسائل مثل عقود النكاح لا يصححون فعل كل القضاة والحكام الذين تنيبهم الدولة _ مهما كانت _ على ذلك بل لابد من أن يقيم لهم أحد أئمتهم، وهذا أمر معلوم من حالهم بالضرورة الذي حاول إخفاءه وإظهار خلافه هذا المدعوعبد الحسين في هذه المراجعة، ونحن لا نشك أبدا أن هذا القول منه ليس إلا تقية فمثله لا يجهل هذا الأمر من مذهبه مع امتلاكه القدرة على مثل هذا التمويه العجيب.

ولولا أننا لا نحكم بالظن لقلنا أن مذهب هؤلاء الرافضة _ ومنهم عبد الحسين هذا _ في تبرير موقف علي رضي الله عنه وباقي ذريته _ سوى الحسين رضي الله عنه _ أن ذلك كان منهم رغبة في تقويض كل تلك الدول وتخريبها من داخلها بالتظاهر بالموافقة لهم والدخول معهم، ومع أننا نقطع ببراءة علي وذريته من هذا النفاق إلا أننا نظن إن هذا جواب هؤلاء الرافضة فيما لوسئلوا عن موقف أئمتهم هؤلاء من حكوماتهم، لكننا كما قلنا لا نحكم بالظن حتى نتيقن، ولا سبيل إلى تيقننا إلا بكلفة نحن الآن في غنى عن بذلها.

وسبب ظننا هذا ما تأكدنا منه من مذهب الرافضة بأنهم لا يجيزون الدخول في أي عمل لكل تلك الحكومات ولكنهم مع ذلك يستثنون من ذلك إذا كان الدخول معهم من أجل تخريب دولهم وتقويضها، بل وإعانة أهل الكفر والضلال عليهم كما قدمناه في الرد على المراجعة (64) من موقف كل من نصير الدين الطوسي وابن العلقمي وإعانتهما للمغول الكفرة على أهل الاسلام. وقد جاء مذهبهم هذا صريحا فيما قرره إمامهم المقبور الخميني في كتابه (المكاسب المحرمة) (2/ 123): (عن أبي الحسين علي بن محمد عليه السلام إن محمد بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العباس _ فكان مما قاله: إن مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل في إدخال المكروه على عدوه وانبساط اليد في التشفي منهم بشيء أتقرب به إليهم، فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل أجرا وثوابا).

ثم قال هذا الموسوي: (وإن تعذر ذلك فاستولى على سلطان المسلمين غيره، وجبت على الأمة مؤازرته في كل أمر يتوقف عليه عز الاسلام ومنعته .. ) وادعى إنهم يفعلون ذلك من باب تقديم الأهم الذي هووحدة دولة الإسلام على المهم الذي هوالخلافة، وقد صرح بذلك بعد أسطر فقال: (وقياما بالواجب شرعا وعقلا من تقديم الأهم _ في مقام التعارض _ على المهم في المشورة)

ثم ادعى بعد ذلك سكوت علي رضي الله عنه عن حقه في الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم _ فيما زعم _ وتنازله عنه تقديما لمصلحة قمع الفتن الحاصلة بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم على استحقاقه _ المزعوم _ للخلافة حتى قال: (فكان من الطبيعي له أن يقدم حقه قربانا لحياة الإسلام وإيثارا للصالح العام) في كلام يتبين إن شاء الله خلال ردنا عليه في الوجوه الآتية:

الوجه الأول: لوكان ما ادعاه صحيحا من سكوت علي رضي الله عنه عن حقه في الخلافة لأبي بكر، رغبة منه في الحفاظ على وحدة الأمة رغم استيلاء أبي بكر عليها فلم لم يفعل ذلك أيضا مع معاوية؟ مع إن افتراق الأمة في خلافة علي كان أعظم افتراق إذ صاروا ثلاثة أحزاب حزب مع علي وحزب مع معاوية وحزب اعتزلهما.

وهذا ما يبين بطلان قول الموسوي من أن مذهب أئمته تقديم الأهم الذي هووحدة دولة الاسلام على المهم الذي هوالخلافة. فهل تنازل علي رضي الله عنه عن هذا الأصل ولم يعد يراعي تقديم الأهم على المهم؟ وهل تنازل عنهمابنه الحسين رضي الله عنه حين خرج على يزيد؟ أم هل غفلوا عنه وتنبه له هذا الدجال عبد الحسين؟

ونحن إذ نقول هذا لا نخطئ عليا ولا الحسين رضي الله عنهما في موقفهما ذاك بل هما عندنا مصيبان، ومعارضهما مخطئ، لكننا نقوله حتى نبرهن أن لم يكن عند علي ولا عند الحسين مثل هذا الموقف في التنازل عن حقهما في الخلافة حفاظا على وحدة الصف بل كانا يريدان _ مثل كثير غيرهما _.

إن الخلافة حين تكون حقا لهما فلهما أن يقاتلا من أجلها، بخلاف الحسن رضي الله عنه فإنه فقط الذي يقال عنه أنه تنازل عن حقه، وهوالذي اختصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدح بين سائر أهل البيت فقال عن موقفه النبيل في التنازل لمعاوية _ (البخاري) (274) _ (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين).

ولا يمكن أن يكون دليل عبد الحسين هذا فيما زعمه من مذهبهم السابق هوموقف الحسن هذا من معاوية، فإنه إنما يتكلم عن علي لا عن الحسن، فعلي لم يكن عنده مثل هذا الموقف، إذ لوصح لكان أدعى أن يلتزم به مع معاوية ولا يكون تمسكه بحقه سببا في فرقة الأمة، فلما لم يكن ذلك علم أنه لم يكن ليتنازل عما رآه حقا فلوكان يرى خلافته للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتنازل عنها إذن، فإذ قد علم هذا علمنا ببطلانه من أساسه. فإن قال أحد: إن معاوية يفرق كثيرا عن أبي بكر، وإن مثل معاوية لا يحق لأحد أن يتنازل له، كما هوالمنتظر من هؤلاء الروافض، عارضناهم بموقف الحسن مع معاوية وتنازله له، فإن صححوا موقفه لزمهم ما سبق من موقف علي مع معاوية، وإن أبطلوه فقد نقضوا أصلا عظيما من أصولهم الفاسدة ألا وهوعصمة الأئمة _ بزعمهم _.

الوجه الثاني: لوصحت دعوى هذا الموسوي من مراعاة علي لظروف وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وما أتبع ذلك من الفتن الطاغية _ على حد تعبيره _ وارتداد بعض العرب وترصد الكفار بالاسلام وأهله لكان الواجب إذن أن يصرح علي رضي الله عنه بحقه في الخلافة فور انتفاء تلك الأسباب المزعوم تسببها في سكوته وذلك في آخر خلافة أبي بكر رضي الله عنه، أوبعد وفاته ولا يدع الأمر يصير إلى عمر، إذ من المعلوم بالضرورة أنه لم يكن هناك _ حين توفي أبوبكر _ فتن طاغية _ كما سماها عبد الحسين هذا _ تنذر بانتفاض الجزيرة وانقلاب العرب واجتياح الإسلام، ولم يكن هناك مسيلمة ولا طليحة ولا سجاح ولا أي من أصحابهم إذ قد أبادهم الله تعالى على أيدي جنود أبي بكر رضي الله عنه، ولم يكن هناك أحد من الكفار _ الروم أوالفرس _ يترصد بالإسلام سوءا بل كانوا هم المترصد بهم. وهذه كلها هي الأحوال التي جعلها هذا الموسوي متكئا لما زعمه من سبب سكوت علي رضي الله عنه عن حقه، فحتى لوجاريناه فيها فإنها قد انتفت تماما قبل وفاة الصديق رضي الله عنه فما الذي منع عليا رضي الله عنه من تصريحه بحقه حين ولي الأمر عمر لولا علمه وتيقنه بعدم استحقاقه لها مع وجود مثل هذين العلمين الشامخين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما.

بل أكثر من ذلك وأوضح حين طعن عمر رضي الله عنه وجعل الأمر شورى بين ستة نفر كان علي ضمنهم، فلوكانوا _ وحاشاهم من ذلك _ يريدون غضبه حقه لما أدخله عمر معهم، بل لأخرجه، كما أخرج سعيد بن زيد ولما اعترض عليه أحد في ذلك بكلمة، هذا أولا. وثانيا: فقد كانت لعلي رضي الله عنه فرصة تامة وكاملة في الوصول إلى الخلافة لوإن كانت له مزية على غيره من هؤلاء الستة فضلا عمن سبقه _ الصديق والفاروق _ إذ لم يكن في تلك الأيام الثلاثة سلطان يخاف ولا رئيس يتوقى ولا مخافة من أحد ولا جند معد للتغلب، أفترى لوكان لعلي رضي الله عنه حق ظاهر يختص به من نص عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أومن فضل بائن على من معه ينفرد به عنهم اما كان من الواجب عليه أن يقول: أيها الناس كم هذا الظلم لي وكم هذا الكتمان بحقي وكم هذا الجحد لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وكم هذا الاعراض عن فضلي البائن على هؤلاء المقرونين لي؟ فإذ لم يفعل علم أنه باطل وزور وبهتان. ولا ينقض قولنا هذا ما جاء في بعض الأخبار المكذوبة الساقطة من مخاطبة علي لباقي الستة معه في الشورى، مثل الحديث الذي ذكره هذا الموسوي في الهامش (35) صفحة (67 - 68) إذ قد تقدم جوابنا عليه خلال الرد على المراجعة (12) في موضعه ذاك وبينا سقوطه عن الاحتجاج، فليراجع ..

ومن المعلوم بالضرورة أن أمر الستة هؤلاء قد خلص إلى عثمان وعلي وكان الحكم بينهما الصحابي الجليل الأمين عبد الرحمن بن عوف وقد رضيا به، أنظر تفصيل ذلك في (البداية والنهاية) (7/ 145 - 147) وكان مما جاء فيه قول عبد الرحمن لعلي وعثمان: (أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض هذا الأمر إليه والله عليه والاسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين، فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله علي والاسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، فقال كل منهما: نعم: ثم تفرقوا)

وهذا صريح كل الصراحة في رضا علي عن جعل عبد الرحمن حكما بينه وبين عثمان، فلوكان عنده نص في الخلافة _ كما يزعمه هؤلاء الكذبة _ لما سكت حينها فضلا عن تفريطه في السكوت قبل هذا الموضع. ثم قال الحافظ ابن كثير أيضا: (ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى ومجتمعين، سرا وجهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن وحتى سأل الولدان في المكاتب وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب) وهذا يبين أن دعوى نص النبي صلى الله عليه وسلم على علي خرافة لا أساس لها من الصحة وهي من نسج الرافضة هؤلاء، إذ كيف يعقل تواطؤ مثل هذا العدد الهائل من المسلمين داخل المدينة وخارجها، رجالا ونساءا، كبارا وصغارا، مجتمعين ومنفردين كل على حدة، يتواطؤن على نسيان حق علي ثم تقديم غيره عليه، أوأنهم فعلوا ذلك عمدا، وهوما يتضح الجواب عليه في الوجه الآتي.

الوجه الثالث: وهوأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وجمهور أصحابه متوافرون فما منهم أحد أشار إلى علي رضي الله عنه بكلمة يذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليه ولا ادعاه له أحد في ذلك الوقت ولا بعده، ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن ولا يجوز البتة اتفاق أكثر من عشرين ألف إنسان على كتمان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، رغم أن عليا قد بايع أبا بكر طائعا غير مكره _ كما قدمنا _ وهوعندهم إنما بايع رجلا كافرا أوفاسقا جاحدا لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانه على أمره وجالسه إلى أن مات ثم بايع بعده عمر بن الخطاب مبادرا غير متردد ساعة فما فوقها وصحبه وأعانه على أمره وأنكحه من ابنته، ثم قبل إدخاله في الشورى أحد ستة رجال، فكيف حل لعلي عند هؤلاء الجهال أن يشارك بنفسه في شورى ضالة وكفر ويغر الأمة هذا الغرور، وهذا الأمر بهذه القباحة المزعومة أدى بقوم إلى تكفير علي رضي الله عنه لأنه بزعمهم أعان الكفار على كفرهم وأيدهم على كتمان النص، منهم أبوكامل وأصحابه كما نقله عنهم الإمام ابن حزم في (الفصل) (4/ 183). والمقصود هنا بيان استحالة اتفاق هذا العدد الهائل من البشر على كتمان نص النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة علي، أما كان في هؤلاء من يتقي الله ولا تأخذه في الحق لومة لائم؟ أما كان في بني هاشم أحد له دين يصرح بذلك؟ خصوصا وفيهم العباس الذي اتفق الجميع على توقيره وتعظيمه حتى إن عمر توسل به إلى الله تعالى في الاستسقاء، وكذلك بنوالعباس عبد الله وعبيد الله وقثم، وكذلك عقيل أخوعلي، وكذلك بنوأخيه جعفر وغيرهم. فإذا لم يكن في بني هاشم أحد، أما كان في جميع أهل الاسلام من المهاجرين والأنصار وغيرهم واحد يصرح بذلك؟ فهذا من المحال الذي لا يماري فيه عاقل إلا أن يدعي هؤلاء الروافض أنهم كلهم قد اتفق لهم نسيان ذلك العهد، وهذا _ كما قال ابن حزم (4/ 98) _ أعجوبة من المحال

غير ممكنة ولوأمكنت لجاز لكل أحد أن يدعي أي أمر يريده من المحالات أنه قد كان وأن الناس كلهم قد نسوه، وفي هذا إبطال للحقائق كلها.

ثم إن كان جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جحد ذلك النص فمن أين علم به هؤلاء الرافضة الضلال؟ ومن بلغه إليهم؟ ثم إن كانوا كذلك قد كتموه _ وحاشاهم _ فما الذي حملهم على المسارعة في بيعة علي رضي الله عنه لما دعا إلى نفسه بعد مقتل عثمان رضي الله عنه؟ أما كان لهم مندوحة في كتم النص في ثلاثة أحوال مضت عن كتمه في هذا الموضع أيضا؟ وهل ذكر أحد من الناس أن أحدا من هؤلاء الذين بايعوه بعد مقتل عثمان قد اعتذر إليه مما سلف من بيعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان؟ أوهل تاب أحد منهم من جحده النص على إمامته وخلافته للنبي صلى الله عليه وسلم؟ أوهل قال أحد منهم: قد ذكرت هذا النص الذي كنت نسيته في أمر علي؟ إن عقولا خفي عليها هذا الظاهر اللائح لعقول مخذولة لم يرد الله أن يهديها. وهذا الوجه الذي قلناه هومما استفدناه من كلام الامام ابن حزم في (الفصل) (4/ 96، 98، 1 - 11).

ثم ما أشار إليه هذا الموسوي خلال كلامه ذاك من الفتن المنذرة بانقلاب العرب واجتياح الاسلام، وقوله بعد ذلك: (وقد قويت بفقده صلى الله عليه وآله وسلم شوكتهم إذ صار المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب عادية ووحوش ضارية، ومسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد وسجاح بنت الحرث الدجالة، وأصحابهم قائمون _ في محق الاسلام وسحق المسلمين _ على ساق، والرومان والأكاسرة وغيرهما كانوا بالمرصاد)

كل كلامه هذا فيه من الأدلة على صحة تقدم أبي بكر وعمر وعثمان على علي رضي الله عنه جميعا في الخلافة، إذ كل هذه الفتن التي ذكرها محيطة بالإسلام وأهله كمسيلمة وطليحة وسجاح وأصحابهم المرتدين ومن سواهم من أهل الكفر كالروم والفرس لم يتصد لهم ويدرأ شرها عن الإسلام ويكسر شوكتهم ويعز الإسلام والمسلمين عليهم غير أبي بكر الصديق ومن بعده عمر الفاروق ثم عثمان ذوالنورين رضي الله عنه أجمعين.

ونحن نسأل هذا الموسوي وأشياعه: من قمع هذه الفتن الطاغية المنذرة بانتفاض الجزيرة وانقلاب العرب واجتياح الاسلام غير أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن تصدى لشر هؤلاء المنافقين من الأعراب وغيرهم وكسر شوكتهم غير أبي بكر؟ ومن ثبت الأمة وعزز لها دينها حين أرادت أن تنقلب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر؟ وهومصداق قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) فكان أبوبكر رضي الله عنه هوسيد الشاكرين بمقتضى هذه الآية، الذي عصم الله به الأمة من الانقلاب على أعقابهم. ونسأل أيضا: من فتح البلاد وكسر شوكة الروم والفرس وغيرهما غير أبي بكر ومن بعده عمر ثم عثمان؟ من فتح العراق والشام ومصر وعبر البحر نشرا لدين الله غير هؤلاء الأئمة المهديين؟ وكل هذا وأمثاله قد كان من غير خلافة علي رضي الله عنه وكثير منه من غير حتى مشاركته كما قدمنا ذلك في آخر الرد على المراجعة (74)، وكذلك في المراجعة (12) عند الكلام على ما أسماه بآية الولاية (ج1/ 142 - 143) من أحقية خلافة الصديق بدلالة واقع الحال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم إنا والله لنتعجب من جرأة هذا الموسوي بذكره مثل هذه الفتن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض تبريره سكوت علي عن حقه في الخلافة، بينما هي عند كل عاقل منصف من أدل الأمور على صحة خلافة الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم.

ومع فضل علي رضي الله عنهمالعظيم الذي ثبت بالأدلة الصحيحة فإنه في هذه الأحوال التي ذكرها هذا الموسوي لا فضل له يتميز به البتة على غيره، بل الفضل المميز فيها للصديق رضي الله عنه، رغم أن عليا رضي الله عنه كان أبعد الخلفاء الراشدين الأربعة عن مقاتلة المرتدين ومناجزة الكافرين من الروم والفرس وغيرهم، ونحن أهل السنة نعذره في ذلك ولا نطعن فيه من أجله لكن هذا لوظفر بأقل منه هؤلاء الروافض في أحد ممن يبغضونهم لطاروا به كل مطار ولطبلوا له وزمروا، فمن أين للشيعة الاحتجاج على فضل علي رضي الله عنه بمثل ما ذكره هذا الموسوي؟ ثم قال عبد الحسين بعد ذلك: (لكن سيد الأنصار سعد بن عبادة لم يسالم الخليفتين أبدا ولم تجمعه معهما جماعة في عيد أوجمعة وكان لا يفيض بإفاضتهم ولا يرى أثرا لشيء من أوامرهم ونواهيهم حتى قتل غيلة بحوران على عهد الخليفة الثاني، فقالوا: قتله الجن، وله كلام يوم السقيفة وبعده لا حاجة بنا إلى ذكره).

قلت: قد تقدم تفصيل موقف سعد بن عبادة رضي الله عنه في تخلفه عن بيعة الصديق رضي الله عنه، وذلك خلال ردنا على المراجعة الماضية، وبينا هناك أن سببه أنه كان يطلب الأمر لنفسه وأن يقسم صف المسلمين إلى قسمين مهاجرين وأنصار، وهذا مطلب غير شرعي أبدا، فلذا لا يلتفت أحد إلى تخلفه أويحتج به إلا من في قلبه مرض مثل هؤلاء الرافضة، وقد قدمنا هناك أيضا أن تخلف سعد عن البيعة هذا لا حجة فيه للشيعة أبدا، بل هومما ينغص عليهم كذلك، فراجعه. وقلنا هناك أيضا إن هذا هوالسبب في عدم ذكر أئمة الرافضة هؤلاء لسبب تخلف سعد عن البيعة لعلمهم أنه دليل عليهم كذلك، وقد أعاننا الله أيضا على إثبات هذا بصنيع هذا المدعوعبد الحسين هنا إذ تراه قد أشار إلى تخلفه عن البيعة ولم يذكر سببه بالنص رغم أنه من المفترض أنه يؤيد قوله، ولكنه لا يستطيع ذلك ولا يبيحه له أشياعه لأنه ينغص عليهم كما قلنا، فالحمد لله على توفيقه في كشف مواقفهم هذه.

عدد مرات القراءة:
1863
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :