من سبّ عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سبّ عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله أكبه الله على منخريه في النار. هذا الحديث غير صحيح ولا ثابت عند أهل السنة فقد أخرجه الحاكم في مستدركه وفيه ثلاث علل:
وقد تقرر عند علماء الحديث أن المبتدع إذا روى حديثا في نصرة بدعته رُدّ وإن كان ثقة. قال الحافظ ابن حجر: تقبل رواية المبتدع إن لم يكن داعية إلا إن روى ما يُقوي بدعته فيرد على المختار. فهل مثل هذا الحديث يقال عنه ثابت عند أهل السنة؟ هذا الحديث رُوي عن أم سلمة رواه الإمام أحمد والحاكم وضعفه العلامة الألباني انظر ضعيف الجامع (5618) وانظر السلسلة الضعيفة (231) والله أعلم (الناسخ). وقال الحافظ في التقريب ثقة مكثر عابد وكان اختلط في آخره. قال ابن حبان: كان مدلسا وذكره في المدلسين حسين الكرابيسي وأبوجعفر الطبري وغيرهم (التهذيب 4/ 342) وجعل الألباني هذا الحديث من الأحاديث التي حدث بها بعد الاختلاط وللتفصيل انظر الضعيفة (231). وما رواه الطبراني عنها قالت: أيُسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكم على رؤوس الأشهاد؟ فقلت: سبحان الله وأنَّى يُسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالت: أليس يُسب على بن أبي طالب ومن يحبه فأشهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه. الجواب من وجوه:
حكم سب الصحابة من القضايا التي اختلفت فيها الأنظار. فمن العلماء من يرى أنَّ الساب لأحد من الصحابة لا يُكفَّر إذا كان الساب لآحاد الصحابة كأن يسب أبا بكر رضي الله عنه أو يسب عليًّا رضي الله عنه وإنَّما يفسق ويُجلد ولا يُقتَل ويرون أنَّ السب كبيرة من الكبائر. ... ومنهم من يرى أنَّه يُكفَّر أويُقتَل عقابًا. ... وفيما يلي عرض ذلك بإيجاز. من قال: إنَّ السَّاب لا يُكفَّر وإنَّما يُؤدَّب: روى اللالكائي بسنده أنَّ الإمام أحمد سُئِل عمَّن سبَّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أرى أن يُضرَب ضربًا نكالاً. فهولم يُفتِ بقتل من سبَّ وإنَّما أفتى بالضرب ولوكان عنده كافرًا لحكم بقتله. قال إسحاق بن راهويه: من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعاقَب ويُحبَس. وفي الرسالة التي رواها الإصطخري عن الإمام أحمد قال فيها: خير الأمَّة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أبوبكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ـ ووقف قوم ـ وهم خلفاء راشدون مهديون. ثمَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئًا من مساويهم ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيبٍ ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته. وهذا ورد عن عمر بن عبدالعزيز وإسحاق بن راهويه ومشهور مذهب مالك وابن المنذر. وعقد القاضي أبويعلى في بعض كتبه مبحثًا في حكم سب الصحابة قال في أوله: سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرام بالكتاب والسنَّة. ثمَّ أورد الأدلة. وقال سحنون: من كفَّر أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : عليًّا أوعثمان أوغيرهما يُوجَع ضربًا. عن مغيرة وأبي إسحاق الهمداني: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. ومن قال بكُفر أوقتل من سبَّ الصحابة: روى اللالكائي بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه أنَّه قيل له: لوأتيت برجل يسب أبا بكر عليه السلام ما كنت صانعًا؟ قال: أضرب عنقه. قال: فعمر؟ قال: أضرب عنقه. وعن سحنون فيمن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنَّهم كانوا على ضلال وكفر قُتِل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نُكِّل النكال الشديد. قال ابن تيمية: وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من: علي وعثمان وبكُفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم. مذهب من فصَّل في ذلك: قال ابن حجر: اختلف في ساب الصحابي فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنَّه يُعزَّر وعن بعض المالكية يُقتَل. وخصَّ بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين، فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين وقواه السبكي في حق من كفَّر الشيخين وكذا من كفَّر من صرَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه أوتبشيره بالجنَّة إذا تواتر الخبر بذلك لما تضمن من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذه بعض نصوص أهل السنَّة وليس فيها التفريق بين علي وبين غيره رضي الله عنهم أجمعين. والطريف أن الشيعة يروي ما يناقض هذا الحديث، من ذلك قوله رضي الله عنه : "من سبني فهو في حل من سبي" (بحار الأنوار34/ 19). وكذلك يناقض القول المنسوب إليه حول معاوية: " ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني! أما السب فسبوني، فإنه لي زكاة ولكم نجاة" (نهج البلاغة ص1.6). فكيف يأمر علي الناس أن يسبوه وهو يعلم أن سبه يؤدي إلى سب الله؟ وإذا كان عليا يعلم أن سب معاوية يجعله سابا لله فكيف يجعل إيمانه مساوياً لإيمانه كما قال: "وكان بدء أمرنا أنّا تلاقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد وديننا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا شيئاً إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان" (نهج البلاغة3/ 114).
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video