مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح
قلت: بل هذا تأويل باطل مكذوب لا يصدر الا عمن حملته عصبيته على ليّ النّصوص ليّاً وبتكلّف يريد ان يجعل كل آية فيها مدح أومثلٌ حسن لمذهبه وبالعكس لأضداده، وكأن الدنيا ليس فيها أمرٌ أهم من ولاية أهل البيت، ولوكان صادقاً في ثبوت هذا التأويل لساق اسناده بالكامل ولم يكتف بقوله: (بالإسناد) فان هذا يصحّ حتى على الموضوع المكذوب، هذا أولاً، وثانياً: فان هذا التأويل منسوب إلى الكاظم فهولا يلزم أهل السّنّة بشيء، وهويسوقه اليهم يريد اقامة الحجة علهيم، افيصح مثل هذا؟ كحال اليهودي الذي يحتج على المسلّم بما في التوراة. وهذا من اصول المناظرة عن أهل العلم.
وثالثاً: فان ما ذكره من التأويل لا يستقيم حتى مع لفظ الآية وسياقها، فإنّه مرة يجعل المشكاة هي فاطمة رضي الله عنهما ومرة يجعل مثلها الزجاجة التي مثلها كوكب دري، وهذا تناف في نفس سياق الآية وفي المثل، فان المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل كما قال غير واحد، وهوشيء آخر غير الزجاجة التي تحيط بالمصباح التي كأنها كوكب دري، فلا يمكن الجمع بينهما، ثم ان المصباح هنا مفرد وهويدل على شيء واحد مفرد ايضاً، بينما يجعلها هوالحسن والحسين وهومن تحميل النص ما لا يحتمله، فلوكانا مرادين لقال (فيها مصباحان). يضاف إلى ذلك عدم تفسيره للزيتونة المذكورة وهوما لا يستطيعه مع هذا التأويل فاعرض عنه. وتفسيره {يكاد زيتها يضيء} بقوله (يكاد العلم ينطق منها) مما يبين جهله فان معناها ان العلم لم ينطق منها بل كاد. لكن المهم انه لم ينطق من شجرة فاطمة وذريتها، هذا هومعنى الفعل (كاد) في لغة العرب. ثم قوله {نور على نور} اي فيها إمام بعد إمام دعوى لا دليل عليها ولوكان صحيحا لقال (نور بعد نور) ولم يقل على، ومثلها تفسيره {يهدي الله لنوره من يشاء} يهدي الله لولايتنا من يشاء، فان النور هنا هونفسه في أول الآية في قوله {مثل نوره ... } ثم قال {يهدي الله لنوره} اي ذاك، فكيف يفسر مرة بفاطمة وذريتها ومرة بولاية أهل البيت، هذا تناقض واضح.
ورابعاً: ثبت تفسير هذه الآية تفسيرا واضحا وكافيا وشافيا عن حبر الامة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أعلم أهل اليت بعد عليّ رضي الله عنه. وثبت أيضاً عن غيره من الصحابة والتابعين بما يخالف هذا التأويل المزعوم وهوأيضاً مروي عن بعض أهل البيت، واسناده اصح مما ذكر على فرض ان ما ذكره له إسناد وهوالمستفيض عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة. اخرج ابن جرير (18/ 94) عن ابن عباس قوله: {الله نور السموات والارض} يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والارض. واخرج أيضاً عن أنس قال: ان الهي يقول نوري هداي. وهوالذي اختاره ابن جرير وبين وجه تناسبه مع سياق الآية قبلها وبعدها. {مثل نوره} أي مثل نوره في قلب المؤمن أومثل هداه أومثل من آمن به، وكلها متقاربة. وقد فسّره بما ذكرنا كل من عبد الله بن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وعكرمة وقتادة، أخرجه عنهم ابن جرير (18/ 94 - 95)، وعبد الرزاق وعبد بن حميد- (الدر المنثور) (6/ 199 - 2) - واخرج قول ابن عباس أيضاً الحاكم (2/ 398) - وصححه ووافقه الذهبي- وابن ابي حاتم- (الدر المنثور) (6/ 196) - ولفظ ابن عباس عند الحاكم صريح كل الصراحة في ربط هذا المثال مع الايات بعدها وهي التي قدمنا الكلام عليها أولا. إذ قال ابن عباس في قوله تعالى {في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ... } قال: (ضرب الله هذا المثل وهوقوله {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ... } لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا اتجر الناس وابيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله) إ. ه. راجع (مستدرك الحاكم) (2/ 398).
فالمثل اذا ضربه الله تعالى لقلب المؤمن وما فيه من الهدى إذ شبه قلب المؤمن بالمشكاة {فيها مصباح} وهوالنور في قلب المؤمن {المصباح في زجاجة} وهي صدر المؤمن {الزجاجة كأنها كوكب دري} اي من شدة اضاءتها {يوقد من شجرة مباركة} وهوالاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له- كما قال ابي بن كعب- {زيتونه لا شرقية ولا غربية} اي ان الزيت الذي يوقد هذا المصباح هوأفضل انواعه وهومن زيت الزيتون، ومن اجود انواعه أيضاً إذ ان شجرته في الصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهوأجود لزيتها- كما قال ابن عباس- اي ان الشمس اذا اشرقت اشرقت عليها واذا غربت غربت عليها فذلك اصفى ما يكون من الزيت- وهوقول مجاهد ايضا- {يكاد زيتها يضيء ولولم تمسسه نار} اي ان هذا الزيت لشدة صفائه يكاد يتوهج ولولم تمسسه نار، فكذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل ان يأتيه العلم فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور {نورٌ على نور} اي فكما ان هذا الزيت ازداد نوراً بالنار على نوره نفسه فكذلك المؤمن زاده الله نورا بالقرآن على ما جعل في قلبه من نور الحجج والبينات ونور الفطرة {يهدي الله لنوره من يشاء} اي يوفق الله سبحانه لاتباع نوره هذا من يشاء من عباده.
وهذا التأويل الذي ذكرناه هوالذي يفهم من اقوال الصحابة والتابعين وسلف الامة في هذه الآية، فراجعه في (تفسير الطبري) (18/ 94 - 99)، (تفسيرابن كثير) (3/ 289 - 291)، (الدر المنثور) (6/ 196 - 2)، والحمد لله الذي ميّز الخبيث من الطيب ...
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video