وهم رجال الاعراف الذين قال: على الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم
قلت: استلاله بهذه الآية من افسد الاستدلالات، ذلك انه يحط من قدر علي رضي الله عنه وأهل البيت حين يقول انهم هم اصحاب الاعراف، فالأعراف جمع عرف وكل مرتفع عن الارض عند العرف يسمى عرفا ً، كما قال ابن جرير (8/ 127). واصحاب الاعراف اختلفت عبارات المفسرين فيهم ومن هم لكنّها ترجع إلى معنى واحد وهوأنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك إلى ان يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته اياهم وقد ورد التصريح بذلك في بعض الاحاديث المرفوعة إلى رسول صلّى الله عليه وسلّم مثل ما اخرجه ابن جرير (8/ 128) وابوبكر بن مردويه وابن ابي حاتم- (تفسير ابن كثير) (2/ 216)، (الدر المنثور) (3/ 463 - 465) - والبيهقي في (البعث والنشور) (111)، من طرق وان كان في اسانيدها ما فيها لكنا احسن حالا مما يستشهد به هذا الموسوي. وقد نص علىهذا المعنى في اصحاب الاعراف ابن عباس وحذيفة وابن مسعود وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله أجمعين فيما اخرجه الطبري (8/ 127 - 128) وابن ابي حاتم- (ابن كثير) (2/ 217) - والبيهقي في (البعث والنشور) (18، 19، 11، 118، 119، 12)، وذكر آثارا ً اخرى السيوطي في (الدر المنثور) (3/ 461 - 466) .. وهناك اقوال اخرى لكنّها مرجوحة مثل من قال انهم ملائكة أوانهم انبياء أوانهم علماء صالحون أواهم من الجن وغير ذلك، لكن الصواب هوالقول الأول، وليس هناك ذكر لما زعمه هذا الموسوي أبدا ً.
ثم إنّ سياق الآية مما يؤيد القول الأول الذي ذكرناه، قال الله تعالى: {وبينهما حجابٌ وعلى الاعراف رجالٌ يعرفون كلا بسيماهم ونادوا اصحاب الجنة ان سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون واذا صُرفت أبصارهم تلقاءَ اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فهم اذاً لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها ويستعيذون بالله من النار، فقط نجتهم حسناتهم من النار وقصرت بهم عن دخول الجنة ... وواضح من سياق الآيات تلك إنّ من هم في الجنة في تلك الساعة وهم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى قبل ثلاث آيات من هذه الآية فقال: {ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق ونُودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون} هؤلاء خير وأفضل ممن لم يدخل الجنة بعد وان كان سيدخلها بإذن الله، فالسبق إلى الجنة دليل على الأفضلية، الا ترى ان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هوأول من يُفتَح له بابُ الجنة كما ثبت ذلك في أحاديث متواترة وأمته أول الأمم دخولاً؟ فلوصحّ ما ادّعاه من ان علياً وأهل البيت هم اصحاب الأعراف وانهم في تلك الساعة لم يدخلوا الجنة بعد وقد دخلتها امم كثيرة فهوبهذا ينتقص من مرتبتهم ويحطّ من قدرهم، كما أسلفنا وهذا ما يفعله الجهل بأصحابه ..
قال القرطبي (7/ 136): (وقال ابن عطية: واللازم من الآية ان على الأعراف رجالا ً من أهل الجنة يتأخر دخولهم وتقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين) إ. هـ.
وبعد أن قررنا من هم أصحاب الأعراففيما بينأ ثبوته عن الصحابة والتابعين، ورددنا ما سوى ذلك فهذا أوان الكلام على ما زعمه هذا الموسوي فيما ساقه في الهامش (35/ 67) فنقول:
أما قول ابن عباس الذي زعمه من تفسير الثعلبي فهوشبه الريح لم يبين مخرجه ولا اسناده ولا موضعه، واني له ذلك وهولم ينقله من نفس التفسير، هذا مع معارضته لما ثبت من قول ابن عباس نفسه فيما اخرجه الطبري والبيهقي وغيرهما مما اشرنا اليه قبل قليل، ونحن نذكر اسنادا لما ننسبه إلى ابن عباس لا كما يفعل هذا الموسوي خصوصا وقد مر بنا التنبيه على تفسير الثعلبي هذا. واما قول علي وقول سلّمان الفارسي رضي الله عنهما اللذان عزاهما للحاكم فتلفيق واضح لكل من راجع (مستدرك الحاكم) عند تفسير هذه الآية، وهولا يستحي من مثل هذا فليس عند الحاكم أياُ من ذلك ولا شبيهه، لذا تراه لم يذكر موضعا في ذلك. كل ما عند الحاكم ان روى (2/ 32) باسناده عن حذيفة قال: (اصحاب الاعراف قوم تجأوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة فإذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك قال قوموا ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. فأين هذا مما ادعاه هذا الموسوي؟ اهذه هي امأنته في النقل؟ ابمثل هذا يصبح الرجل إماما ً؟ فمن فعل مثل هذا- وهوكثير- لا يستبعد منه ان يختلق هذه المراجعات من اساسها، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وها هوالحاكم الذي يعول عليه هذا الموسوي واشباهه كثيرا ً يروي في تفسيره هذه الآية ما يدحض حجتهم ويؤيد ما ذهبنا اليه قبلا ً، ولله الحمد والمنة.
ثم باقي ما جاء في هامش هذا الموسوي نقله من (الصواعق المحرقة) فليس له فضل فيه. وقبل الكلام على ما أورده تفصيلاً أحب أن اذكر بمنهج ابن حجر الهيثمي في صواعقه، فلم يلتزم هوالصحة إطلاقا ً ولم يدّع ذلك بل ربما يضعّف هونفسه ما يورده هناك، فعلى هذا لا يكفي للإحتجاج بما يورده ابن حجر هناك مجرد ذكره بل لا بد من معرفة إسناده ومخرجه ومن ثم ثبوته حتى يصح الإحتجاج به، وهوأمر معدوم هنا بالكلية مع ما تحقق لنا من كذب تلك الأحاديث التي ساقها ابن حجر هناك ونقلها هذا الموسوي في هذا الهامش واليك التفصيل:
اما حديث الدارقطني الأول الذي فيه كلام علي رضي الله عنه للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، وهوحديث طويل فقد امكننا معرفة مخرجه واسناده، إذ ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة) (1/ 358 - 359) وساق بطوله من حديث أبي الطفيل عامر بن وائلة الكناني قال: (كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الاصوات بينهم فسمعت عليا يقول ... وذكره). وعزاه للعقيلي في الضعفاء من طريق زافر بن سليمان عن رجل الحارث بن محمّد، قال: وشيخ زافر لا يُدرى من هو، وكذا الحارث بن محمّد، قال العقيلي: ورواه محمّد بن حميد الرازي فقال ثنا زافر ثنا الحارث بن محمّد، واسقط الرجل المبهم، وهذا عمل ابن حميد ولا أصل لهذا الحديث عن علي إ. ه. وقال ابن الجوزي: زافر مطعونٌ فيه، ثم انه رواه عن مبهم، ولعله الذي وضعه. ثم الحديث الذي اشار اليه ابن حجر- ونقله الموسوي في هامشه- فقال: معناه ما رواه عنترة عن علي الرضا ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: يا علي أنت قسيم الجنة والنار ... فلم يبين من أخرجه ولم نجده في أي من الكتب ونحن نسأل هل يمكن ان يصح ويوجد مثل هذا الاسناد: (علي الرضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم)؟ فعلي هذا هوابن موسى بن جعفر بن محمّد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من كبار الطبقة العاشرة مات سنة ثلاث ومائتين ولم يكمل الخمسين- كما في ترجمته من (التهذيب) و(التقريب) - وعلى هذا يكون قد ولد بعد وفاة النبي صَلّى الله عليه وسلّم بمائة وثلاث واربعين سنة تقريبا، فهل هذه هي أسانيد الشيعة؟
بقي الحديث الأخير الذي ذكره ابن حجر- ونقله هذا الموسوي أيضاً - ان أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: لا يجوز احد الصراط الا من كتب له عليّ الجواز إ. هـ.
وقد ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/ 366) وعزاه للخطيب البغدادي من طريق عمر بن واصل، ونقل قول الخطيب: هذا من عمل القصّاص وضعه عمر أووضع عليه إ. هـ. وعمر بن واصل هذا ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: اتهمه الخطيب بالوضع إ. ه. فالحديث اذا موضوع مكذوب وقد عده من الموضوعات أيضاً كلّ من ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/ 398)، والسيوطي في (اللالئ المصنوعة) (1/ 197)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة) (381) وذكروا له أيضاً ألفاظا ً أخرى في معناه كلها موضوعة مكذوبة مردودة، مثل: (اذا جمع الله الأولين والآخرين ونصب الصراط على جسر جهنم لم يجزه أحدٌ الا من كانه معه براءة بولاية علي) ومثل: (على الصراط عقبة لا يجوزها أحد الا بجواز من علي بن ابي طالب) فقبّح الله من وضعها ...