آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 9 رجب 1444هـ الموافق:31 يناير 2023م 09:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ..

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

قلت: أفلا سأل نفسه عن معنى الفاء هنا وعن متعلقها؟ ولا يشك من له أدنى معرفة باللغة انها متعلقة بكلام قبلها، بل هي من تمام الآية وهي قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر} وإذا كان كذلك فقد فسر لنا هذه الآية حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فقال: (اللهم علمه التأويل) ولم يَدعُ بمثل هذا لأحد من أهل البيت غيره، عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عالم أهل البيت بالتأويل، فقد أخرج الطبري في تفسيره (14/ 68) عن الضحاك عن ابن عباس قال: (لما بعث الله محمّدا رسولا أنكرت العرب ذلك أومن أنكر منهم فقالوا الله أعظم من أين يكون رسوله بشراً مثل محمّد، قال: فأنزل الله {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزّبر} يعني أهل الكتب الماضية، أبشراً كأنت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً). وبمثله قال مجاهد والأعمش.

وعلى هذا فلا يصح أن يكون غير ما قدمنا سبباً لنزول هذه الآية فهوفضلاً عن مجيئه عن ابن عباس- من طريقين- هومقتضى سياق الآية ومدلولها.

لكن كون علماء أهل البيت وكذا سائر الصحابة وعلماء الأمة هم أهل الذكر فهذا صحيح لا ريب فيه. وعلى فرض ثبوت تسمية أهل البيت بأهل الذكر عن علي رضي الله عنه - كما عزاه في الهامش (15/ 63) من تفسير الثعلبي مع التحفظ في النقل من الثعلبي دون معرفة إسناده وصحته- أوعن أبي جعفر الباقر أوغيره من أئمة أهل البيت فهومحمول على ان الآية تشملهم كما تشمل غيرهم إذ لا دليل على تخصيصها بهم وحدهم، فقد روى ابن جرير أيضاً فيما رواه في تفسير هذه الآية عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلّم قال: الذكر القرآن فأهل الذكر هم أهل القرآن، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {إنا نحن نزّلنا الذكروإنا له لحافظون} فهذا يمكن أيضاً أن يحتج به أحد على أن أهل الذكر هم أهل القرآن ولكنا نقول أن لا تعارض بين ذلك أبداً إذ معنى كل هذا ان الآية تشمله لا انها سبب نزوله ومقصودها في سياق الآيات، وهذا مهم ويتكرر كثيراً في التفريق بين سبب نزول الآية وبين الأمور التي تدخل في لفظها وتشملها، والله الموفق للصواب.


}فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ{ (الأنبياء/7، النحل/43)

 
أول ما ينقض الاستدلال بالآية على (الإمامة) – بعد كونه فاقداً لشروط الاستدلال الأصولي- هو أنه لو كانت هذه الآية في (الإمامة) لكان أئمتنا هم أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم! وهذا يتبين من قراءة الآية من أولها :  }وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا…{. أي اسألوا أهل الذكر الذي هو الكتاب : هل أرسلنا إليهم ملائكة أو جنساً آخر غير الرجال ؟ ثم يقول: }وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ{ (الأنبياء/8).
وهذا كقوله تعالى: } فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَؤونَ الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكَ{ (يونس/94) الذي يأمر بالرجوع إلى أهل العلم بالكتاب (وهم الأحبار والرهبان)
لسؤالهم - على افتراض وجود الإشكال - وهم الفقهاء عموما كما هو الواقع.
ثم إن حصر السؤال بـ(الأئمة) المعصومين فقط يلزم منه عدم جواز سؤال فقهـاء الإمامية؛ لأنهم ليسوا (أئمة معصومين). فإما أن يسكتوا حتى يخرج (المعصوم) لنسأله. وإما جاز سؤال غير المعصوم فبطل الاستدلال بالآية على (الإمامة).
والآية ترشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى سؤال علماء أهل الكتاب، وهم غير معصومين ولا (أئمة). فلا وجه لحشر (الإمامة) هنا.
 بل فيها فائدة عظيمة وهي إرشاد الأعلم إلى سؤال من هو أقل علماً إذا حمله على ذلك سبب.
وبمثل الذي قلناه في معنى الآية قال عدد من مفسري الإمامية مثل محمد مغنية  والطباطبائي. يقول الأول : (المراد بأهل الذكر أهل العلم المنصفون. سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم. والمعنى: إن كنتم أيها المشركون في ريب من قولنا فاسألوا العارفين يخبروكم أن جميع الأنبياء بشر)([1]).
وقال الآخر بعد أن استعرض عدة أقوال: (وكيف كان فالآية إرشاد إلى أصل عام عقلاني وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة).([2])
والنتيجة أن الآية صارت - في أحسن أحوالها بالنسبة للإمامية – متشابهة ظنية الدلالة تحتمل هذا وهذا فلم تعد صالحة للاحتجاج على المراد. لأن الدليل إذا تطرق له الاحتمال بطل به الاستدلال.
د. طه الدليمي ..


([1]) التفسير الكاشف 4/517.

([2]) الميزان في تفسير القرآن 12/259.

عدد مرات القراءة:
1965
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :