معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

شبهة بناء أبي جندل مسجداً على قبر أبي بصير رضي الله عنهما ..

هكذا روي الأثر، لا كما قالوا: (على قبره مسجداً)، وقوله: (عند) لا يلزم منه أن يكون عليه، بل قد يكون القبر في ناحية والمسجد في الناحية الأخرى وبينهما جدار وحاجز أوطريق واسع ويقال هذا عند هذا، ولا يلزم منه أن يكون في حريم القبر وفنائه، وقد جاء في البخاري: عن عائشة أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن أولئكِ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئكِ شرار الخلق عندالله يوم القيامة" (متفق عليه).

فتلك الكنيسة كانت على القبر تحيط به من كل ناحية كالأضرحة الموجودة الآن، فالبناء على القبور محرم.

وأما كون المسجد عندها، بمعنى قربها لكن بفاصل من طريق ونحوه، لا بكونه ضمن سورها أوناحية قبلتها فذلك لا يظهر فيه بأس.

ثم إن الأثر مرسل أرسله الزهري، والمرسل من أنواع الضعيف فلا يحتج به، وأبوجندل استشهد في خلافة عمر رضي الله عنه، وعلى ذلك فليس في الأثر جواز البناء على القبور، ولوفرضنا جدلاً أن الصحابي فعل ذلك فلا يقر عليه، وليس في الأثر أن النبي أقره كما زعموا، كما أن النبي لم يقر حديثي العهد بكفر على اتخاذ ذات أنواط، جاء في حديث أبي واقد الليثي: " خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله: الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل: (إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون)، لتركبن سنن من كان قبلكم".

فانظر كيف جعل عليه الصلاة والسلام اتخاذ الشجرة للتبرك كاتخاذ إله آخر، وهومثل ما يقوله هؤلاء عن القبور وتعظيم الموتى يتبين لك خطر هذه الدعوة.

فكل حديث فيه تعظيم شأن القبر بالبناء عليه وتزيينه والتعبد عنده فهوحديث ضعيف أوموضوع مثل: " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور". فهذا حديث مفترى لم يروه أحد من أهل العلم، ولايوجد في شئ من الكتب المعتمدة. والله أعلم.


بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على شبهة قبوري متمسِّك بقصة بناء أبي جندل مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنهما



بقلم : فضيلة الشيخ الدكتور محمد علي فركوس - حفظه الله -

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين ، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين ، أمّا بعد :

فقد تمسَّك من يحارب السنة وأهلها في موضع شبهة أخرى لا تشفع له زعمه بجواز بناء المساجد على قبور الصالحين ، واستحباب الصلاة فيها حيث احتجَّ بحديث أبي بصير - رضي الله عنه - الذي رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم قالا : « إنَّ أبا بصير انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية ، وذهب إلى سيف البحر ، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، انفلت من المشركين أيضًا ، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أبو بصير ، وكان يقول : « الله العلي الأكبر من ينصر الله يُنصر » . فلمَّا لحق به أبو جندل ، كان يؤمُّهم ، وكان لا يمر بهم عير لقريش إلاَّ أخذوها ، وقتلوا أصحابها ، فأرسلت قريش إلى النبيِّ - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - تناشده الله والرحم ، إلا أرسل إليهم ، فمن أتاك منهم فهو آمن ، وكتب رسول الله - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم ، فقدم كتاب رسول - صلى الله عليه وآله وسلم - على أبي جندل ، وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب رسول الله - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - بيده يقرأه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وبنى على قبره مسجدًا » .

ثم عَلَّقَ على الحديث بأنه ذكره ابن عبد البر في « الاستيعاب » (4/1614) ، وصاحب « الروض الأنف » (4/59) ، وابن سعد في « الطبقات الكبرى » (4/134) ، وصاحب « السيرة الحلبية » (2/720) ، ورواه - أيضًا - موسى بن عقبة في « المغازي » ، وابن إسحاق في « السيرة » ، ومغازي موسى بن عقبة من أصح كتب السيرة ، فكان يقول الإمام مالك عنها : عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة ، فإنها أصحّ المغازي ، وكان يحيى بن معين يقول : كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب .

فالجواب عن هذه الشبهة الثانية من السُّنة في قصة بناء أبي جندل - رضي الله عنه - مسجدًا على قبر أبي بصير - رضي الله عنه - في عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - من الحيثيتين التاليتين :

الحيثية الأولى من حيث السند: فإنَّ القصةالتي أوردها ابن عبد البر في « الاستيعاب »بدون زيادة « وَبَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا » ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة لكونها مرسلة ؛ لأنَّ مدار هذه القصة على الزهري على اعتبار أنه تابعي صغير سمع من أنس بن مالك - رضي الله عنه - وإلاَّ فهي معضلة .

أمَّا الزيادة في موضع الشاهد في قوله : « وبنى على قبره مسجدًا » فهي زيادة منكرة لعلتين :

العلة الأولى :

كونها مُعضلة فقد صرَّح ابن عبد البرّ بأنها من رواية موسى بن عقبة (1) ، وليس من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه ، ولا نشك في أنَّ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي ثقة فقيه إمام في المغازي ، إلاَّ أنَّه من صغار التابعين ولم يسمع أحدًا من الصحابة (2) ، وقد قال الإسماعيلي في كتاب « العتق » إنه لم يسمع موسى بن عقبة من الزهري شيئًا (3) .

العلة الثانية :

أنَّ تلك الزيادة لم يروها الثقات ، فقد روى البخاري في كتاب « الشروط » من صحيحه ، باب الشروط في الجهاد ، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/329) ، وأحمد في « مسنده » (4/328) وغيرهما هذه القصة موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر ، قال : أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة .

قال المحدِّث محمَّد ناصر الدِّين الألباني - رحمه الله - : « وكذلك أوردها ابن إسحاق في " السيرة " عن الزهري مرسلاً كما في " مختصر السيرة " لابن هشام (3/331-339) ووصله أحمد (4/323-326) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم ، وليس فيها هذه الزيادة ، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (3/271-285) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة فدلَّ ذلك كُلّه على أنها زيادة منكرة لإعضالها، وعدم رواية الثقات لها » (4) .

لذلك فالحديث ليس له إسناد تقوم به الحجة ، ولم يروه أصحاب « الصحاح » و « السنن » و « المسانيد » وغيرهم ، وإنما أورده ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير - رضي الله عنه - مرسلاً والزيادة فيه منكرة - كما تقدم - .

الحيثية الثانية:

من حيث فرض صحة الزيادة موضع الشاهد في القصة المذكورة ، والتي استُدلَّ بها على إقراره - صلى الله عليه وآله وسلم - على بناء أبي جندل - رضي الله عنه -مسجدًا على قبر أبي بصير - رضي الله عنه - فيمكن الجواب عنها من جهتين :

الجهة الأولى :

عدم التسليم بأنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أقرَّ هذا البناء ؛ لأن الفعل - في ذاته - لم يكن واقعًا بين يديه ، وإنما وقع في زمانه ، وهو خفي غير مشتهر حتى يعلم به ، إذ من شرط الإقرار الذي هو حُجَّة هو أن يعلم به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ويكون قادرًا على الإنكار ، وأن لا يكون قد بَيَّن حكمه قبل ذلك بيانًا شافيًا يسقط عنه وجوب الإنكار كما قرَّره أهل الأصول (5) .

قلت : فإن لم يعلم أنّه بيَّن حكمه قبل العلم به والسكوت عنه فقد بيَّن - صلى الله عليه وآله وسلم - حكمه بعد ذلك بيانًا شافيًا في الأحاديث الصحيحة المحكمة التي تقدم ذكرها في شبهته بآية سورة الكهف .

الجهة الثانية :

في حالة التسليم - جدلاً - بأنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - علم ببناء أبي جندل - رضي الله عنه -المسجد على قبر أبي بصير - رضي الله عنه - وأقرَّه على ذلك فإنه يتعارض - حتمًا - مع النصوص الحديثية الصريحة في تحريم البناء على القبور ، والمعلوم - حال التعارض - أنَّ من طُرُق دفعه إذا تعذَّر وجود ناسخ بالنصِّ صار الناظر إلى الجمع والتوفيق بين الدليلين المتعارضين فإن تعذَّر الجمع صار إلى النسخ الاحتمالي ، وإلاَّ دَفَع التعارض بترجيح أقوى الدليلين (6) .

وفي هذا المقام - وعلى فرض صحة الزيادة موضع الشاهد - فإنه يظهر جليًّا قَبول مدلولهما للنسخ الاحتمالي للعلم بتاريخهما وتفاوت المدة بينهما ، إذ أنَّ الأحاديث الصريحة في تحريم البناء على القبور ثبتت في آخر حياته بخلاف الزيادة المذكورة فكانت متقدِّمة عنها ، ونسخ المتقدم بالمتأخر متحقق بمعرفة تاريخ كل منهما ، وعليه فلا يصح ترك النص المتأخر للمتقدم عند حصول التعارض بينها على ما تقرر أصوليًّا .

هذا ، وعلى تقدير عدم معرفة التاريخ أو عدم الأخذ بمبدإ النسخ الاحتمالي فإنه يصار إلى الترجيح بين الدليلين المتعارضين ، وبغض النظر عن مآل ترجيح الأحاديث الصحيحة والصريحة في النهي والحظر بقوة سندها ، فإنها ترجح أيضًا من جهة مدلولها ومتنها ، ويظهر ذلك من الجهتين الأصوليتن الآتيتين :

1-من جهة المدلول :

إذا تعارض حاظر ومبيح يُقدَّم الحاظر على المبيح ، والأحاديث الصحيحة والصريحة في بناء المساجد على القبور تفيد التحريم والحظر ، بينما زيادة « وبنى على قبره مسجدًا » يفيد الإقرار عنه الجواز والإباحة ، وقد تقرَّر عند الأصوليين أنَّ الدليل الحاظر مُقدَّم على المبيح ؛ لأنَّ في التحريم دفعَ مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها بخلاف الجواز والإباحة فقد تحصل بها مصلحة أو تكمّلها ، ولا يخفى اهتمام الشريعة وعنايتها بدرء المفاسد وآكديتها من جلب المصالح ، ومن جهة أخرى إذا كان الوجوب مُقدَّمًا على الإباحة ، والحظر مقدمًا على الوجوب على أرجح الأقوال ، فمن بابٍ أولى تقديم الحظر على الإباحة والجواز ، إذ ترك المباح لاجتناب المحرم أولى من العكس ؛ ولأنَّ في التحريم مفسدة وعقابًا بخلاف الإباحة .

2-من جهة المتن :

إذا تعارض القول مع الإقرار يقدَّم القول عليه ؛ لأنه أقوى وأبلغ في البيان من الإقرار والسكوت ، ولأنه إذا كان قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أوكد من فعله إذ طاعته - صلى الله عليه وآله وسلم -في أمره أولى من موافقته في فعل لم يأمرنا بموافقته فيه ، وتقرير هذا الحكم في تقديم القول على الفعل يقع من باب أولى على إقراره وسكوته .

فالحاصل أنَّ التمسُّك بقصة بناء أبي جندل - رضي الله عنه - على قبر أبي بصير - رضي الله عنه - مسجدًا شبهة غاية في الضعف والسقوط من المناحي السالفة البيان ، والاستدلال بها إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين برد النصوص المحكمات بالمتشابهات ، نعوذ بالله من الخذلان .

والعلمُ عند اللهِ - تعالى - ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين ، وسَلَّم تسليمًا .

الجزائر في : 20 صفر 1430
الموافق ﻟ : 15 فبراير 2009 م


(1) « الاستيعاب » لابن عبد البر (4/1613) .
(2) « ميزان الاعتدال » للذهبي (4/214) ، « تهذيب التهذيب » لابن حجر (10/362) ، « تقريب التهذيب » لابن حجر (2/286) .
(3) « تهذيب التهذيب » لابن حجر (10/362) .
(4) « تحذير الساجد » للألباني (119) .
(5) انظر : « مفتاح الوصول » للشريف التلمساني (437) بتحقيقي . دار تحصيل العلوم .
(6) انظر : « الإنارة شرح كتاب الإشارة » للمؤلف على الموقع: تحت عنوان « طرق دفع التعارض »( http://www.ferkous.com/rep/C8.php ) .

المصدر : http://ferkous.com/rep/M37.php


الشبهة: 
 
قالو في بناء مسجد على قبر أبي بصير الصحابي دليل على بناء المساجد على القبور قلنا لهم
 
الـجـواب: 
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يستدل الصوفية لبدعتهم في البناء على القبور برواية جاءت أن أبا جندل الصحابي قد بنى مسجداً على قبر أبي بصير الصحابي ـ رضي الله عنهما ـ على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد روى موسى بن عقبة كما في "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/1613-1614)، و"الاكتفاء" للكلاعي (2/184)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (2/400)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/351).

ومن طريق موسى بن عقبة أخرج البيهقي في "دلائل النبوة" (4/172- 175) فقال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتَّاب العَبْدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة.

(ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فُلَيح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث القطان -، قال: ولما رجع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين...، فذكر قصة أبي جندل وأبي بصير -رضي الله عنهما- المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبي – صلى الله عليه وسلم-، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بِعِيرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- تناشده أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه...، وفي آخره قال: "وكتب رسول اللهصلى الله عليه وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها، فقدم كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- زعموا -على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا".

وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (25/299-300) من طريق البيهقي السابق، ومن طريق الخطيب البغدادي، عن أبي الحسين بن الفضل القطان شيخ البيهقي ، به.

والشاهد من هذه القصة: قوله: "وجعل عند قبره مسجدًا".

وهذا ليس فيه دلالة على جواز بناء المساجد على القبور؛ لأمرين:

الأول: أن هناك فرقًا بين قوله: «على قبره»، وقوله: «عند قبره»، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور»، وليس «عند القبور
» ؛ لما جاء في حديث عائشة – رضي الله عنها-: أن أم حبيبة وأم سلمة – رضي الله عنها- ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي - صلى الله عليه وسلم-، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
(أخرجه البخاري)، ومسلم (528).

ومن المعلوم أن قبر النبي – صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضي الله عنهما- عند مسجده، ولو كان ذلك غير جائز لما قُبِروا هناك، فكان الأولى بهذا الْمُسْتَدِلِّ أن يستدِلَّ بهذا الذي هو أقوى وأصرح !!

ولكن الذي يظهر لي أنه وقع على خطأ جاء في الموضع السابق من "الاستيعاب" لابن عبد البر، فإن اللفظ عنده هناك جاء هكذا: «فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا».

وطريقة أهل السنة في مثل هذه المواضع أنهم يأخذون بالمحكم، ويردون إليه المتشابه، فقد نقل هذا النص عن موسى بن عقبة عدد من أهل العلم، وكلهم قالوا: «عند قبره»، ومنهم الكلاعي، والذهبي، وابن حجر، وكذا رواه عنه البيهقي وابن عساكر بإسناديهما كما سبق، ولم أجد من ذكر أن موسى بن عقبة قال في روايته: «على قبره»، سوى ما جاء في كتاب ابن عبد البر، وهذا يحتمل أن يكون خطأً من الطباعة، فلا بُدَّ من مراجعة نسخ الكتاب الخطِّيَّة، فإن وجد فيها كذلك فلَعَلَّه تصحيف من النُّسَّاخ، وربما كان من ابن عبد البر نفسه ؛ فإنه ليس معصومًا من الزلل، وقد ذكر هو في "كتاب الاستذكار" (1/521): حديث سهو النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، ثم قال: «وفي هذا الحديث بيانُ أن أحدًا لا يسلم من الوهم والنسيان؛ لأنه إذا اعتَرَى ذلك الأنبياء، فغيرُهم بذلك أحرى».

ونبَّه في "كتاب التمهيد" (1/366) على خطأ وقع فيه ابن شهاب الزهري بقوله: «لا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المصنِّفين فيه عوَّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين ؛ لاضطرابه فيه، وأنه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحدٌ، والكمال ليس لمخلوق، وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويُترَك، إلا النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم-».

الأمر الثاني: أن موسى بن عقبة رواه عن الزهري مرسلاً، والمرسل ضعيف كما هو مقرر عند أهل الحديث، فلا تقوم بهذه الرواية حجة.

ويزداد ضعف هذه الرواية بكونها من مراسيل ابن شهاب الزهري، فإنها رديئة عند طائفة من أهل العلم بالحديث.

قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص3): "حدثنا أحمد بن سنان ؛ قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح".

وقال أيضًا: «قرئ على عباس الدوري، عن يحيى بن معين قال: مراسيل الزهري ليس بشيء».

وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (55/368) عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد قال: سمعت يحيى بن سعيد [ يعني: القطان ] يقول: « مرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره ؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يُسَمِّيَ سَمَّى، وإنما يترك من لا يحسن أو يستجيز أن يُسَمِّيَه».

وروى أيضًا هو والخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص386) من طريق أحمد بن أبي شريح الرازي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الذَّابَّ عن أهل السنة، والمنكر على أهل البدعة - رضوان الله عليه ورحمته - يقول: «إرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنَّا نجده يروي عن سليمان بن أرقم».

وفي لفظ؛ قال: سمعت الشافعي يقول: «يقولون: نُحابي، ولو حابَيْنا لحابينا الزهري! وإرسال الزهري ليس بشيء، وذاك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم».

وسليمان بن أرقم هذا متروك الحديث، كما قال أبو داود وأبو حاتم والترمذي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم، وقال البخاري: تركوه. انظر "تهذيب التهذيب" (4/148).

وروى ابن عساكر أيضًا (55/369) عن علي بن المديني ويعقوب بن شيبة أنهما قالا: «مرسلات الزهري رديئة».

ولما أورد الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (5/339) بعض هذه الأقوال ؛ قال: «قلت: مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم-، ومن عَدَّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يَدْرِ ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه».

هذا، وقد روى البخاري في "صحيحه" (2731 و2732) أصل قصة أبي بصير وأبي جندل ومن معهم رضي الله عنهم، ولم يذكر هذه اللفظة أصلاً، لا بلفظ «عند قبره»، ولا غيره، ورواه متصلاً، فقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان - يُصَدِّقُ كُلُّ واحد منهما حديثَ صاحبه - قالا: خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية...، فذكر حديث صلح الحديبية بطوله، وفيه قصة أبي جندل وأبي بصير -رضي الله عنهما- المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبيصلى الله عليه وسلم-، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بِعِيرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- تناشده بالله والرحم أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم- إليهم، فأنزل الله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} حتى بلغ: {الحمية حمية الجاهلية} [الفتح: 26]، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.

هكذا رويت هذه القصة بالإسناد المتصل، ولم تذكر فيها وفاة أبي بصير -رضي الله عنه- ولا أنه بني على قبره مسجد.

ثم إن البخاري روى الحديث (2733) عقب هذه الرواية تعليقًا، فقال: وقال عقيل عن الزهري. قال عروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر: أن عمر طلق امرأتين. وما نعلم أحدًا من المهاجرات ارتدَّت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبيصلى الله عليه وسلم- مؤمنًا مهاجرًا في المدَّة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبيصلى الله عليه وسلم- يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. اهـ، وانظر (4182).

وأوضح الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (5/351) مراد البخاري بصنيعه هذا فقال: «قوله: "قال عقيل، عن الزهري" تقدم موصولاً بتمامه في أول الشروط. وأراد المصنف بإيراده: بيان ما وقع في رواية معمر من الإدراج. قوله: "وبلغنا" هو مقول الزهري، وصله ابن مردويه في تفسيره من طريق عقيل. وقوله: "وبلغنا أن أبا بصير..." إلخ، هو من قول الزهري أيضًا، والمراد به: أن قصة أبي بصير في رواية عقيل من مرسل الزهري، وفي رواية معمر موصولة إلى المسور، لكن قد تابع معمرًا على وصلها ابن إسحاق كما تقدَّم، وتابع عقيلاً الأوزاعي على إرسالها، فلعل الزهري كان يرسلها تارة، ويوصلها أخرى، والله أعلم». وانظر "فتح الباري" (7/455) أيضًا.

وبالنظر إلى هذا المتن الوارد في القصة تظهر عليه علة قادحة وهي:
"وكتب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها، فقدم كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا". فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا جندل وأبا بصير بالقدوم عليه وأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها" فلمن بنى أبو جندل المسجد والجميع سوف يغادر المكان؟

ألا يقدح هذا النظر في القصة من ناحية مضمون المتن إضافة إلى ما تقدم من القدح من ناحية السند .!!

ثم إن بناء المسجد يحتاج إلى وقت ولا شك أن المسلمين القاطنين في هذا المكان كانوا تواقين للرجوع إلى أهليهم بعد هذه الغربة فما الذي يجعلهم يتأخرون ليبنوا مسجدا لن يصلوا فيه؟

وخلاصة ما تقدَّم:
 أنه لم يثبت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ذكر وفاة أبي بصير – واسمه: عُتْبَة بن أَسيد بن جارية - رضي الله عنه بسيف البحر، وأنه بُني عند قبره مسجد، وورد في طريق مرسلة ضعيفة أرسلها الزهري – وانفرد بها عن الزهري موسى بن عقبة -: «فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا»، وهذه اللفظة لو ثبتت لم يكن فيها حُجَّة، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور»، وليس «عند القبور»، فكيف وهي لم تثبت ؟!!

وكيف وقد وجد ما يخالفها من النصوص الصحيحة الصريحة كما تقدم.

والله أعلم.

بتصرف وزيادة.

د. سعد بن عبد الله الحميد


قصَّة بناء مسجِدٍ على قبرِ أبي بَصير في ميزان النّقدِ العلميّ

من جملة ما استدل به مجيزو الصلاةَ في المساجد التي يوجد بها أضرحَة الأولياءِ والصالحين وأنها صحيحةٌ ومشروعة، بل تصِل إلى درجة الاستحباب([1]=ما نُسب إلى أبي جندل رضي الله عنه: أنه بنى على قبر أبي بصير مسجدًا.

ولا شكَّ أنَّ الحكمَ بصحَّة العمل ومشروعيَّته -فضلًا عن استحبابه- حكم شرعيّ يلزم إثباتُه بالأدلة الشرعية الصحيحة؛ لذا كان من الواجب التثبّت من صحة هذه القصَّة -أعني: بناء المسجد على قبر أبي بصير-، ثم الاستدلال بها، هذا هو مقتضى المنهج العلمي السديد.

وهنا نناقش هذه القصة من جهة الثبوت، ثم من جهة الاستدلال بها على المطلوب.

أولًا: ذكر القصَّة:

أوردَ أصحابُ الشّبهة([2]) القصةَ هكذا: حديث أبي بصير رضي الله عنه الذي رواه عبد الرزاق عن معمر، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في مغازيه -وهي أصحّ المغازي كما يقول الإمام مالك- ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم: أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو دفن أبا بصير رضي الله عنه لما مات، وبنى على قبره مسجدًا بسيف البَحر، وذلك بمحضر ثلاثمائة من الصحابة.

ثمّ قال بعضُهم: “وهذا إسنادٌ صَحيح، كلُّه أئمَّة ثقات، ومثل هذا الفِعل لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فلم يرِد أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإخراج القبر من المسجد أو نبشه”([3]).

ثانيًا: نقد القصَّة من حيث الثبوتُ:

هذه القصَّة لا تثبت في ميزان النّقد العلمي؛ وذلك لعلَّتين، الأولى: الانقطاع، والثانية: النكارة، وسنبيِّن ذلك فيما يلي:

1- حاول أصحابُ الشّبهة أن يوهموا القارئ أن القصَّة بكاملها -وفيها دفن أبي جندل لأبي بصير والبناء على قبره مسجدًا- متصلةٌ من طريق الصحابيَّين المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم.

والجوابُ عن ذلك: أن موضعَ الشاهد من القصة -وهو بناء المسجد على قبر أبي بصير- غير متَّصل، وإنما هو معلول بالإِعضال([4])، فقد أوردها الحافظ ابن عبد البر عن موسى بن عقبة معضلًا، وفيها: “فدفَنه أبو جندل مكانه، وصلَّى عليه، وبنى على قبره مسجدًا([5]).

فمع أنَّ موسى بن عقبة إمام ثقة، عداده في صغار التابعين، إلا أنَّه لم يرو عن أحدٍ من الصحابة إلا أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص([6])؛ وعليه يكون حديثه مُعضلًا، فقد سقط من الإسناد هنا -على الأقل- الصحابيُّ والتابعيُّ الذي حدَّثه، وهذا يقتضي تضعيفَ الحديث.

أو يكون الحديث ضعيفًا بسبب الإرسال؛ فقد أسنده البيهقيّ عن موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا بلفظ: “فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا([7]).

والزّهريُّ فقيهٌ حافِظ، متَّفق على جلالته وإتقانه وثبته([8])، ولكن روايته هنا مرسَلة؛ فقد سقط من الرواية الصحابيُّ الذي حدَّثه، وقد تكونُ معضَلَة أيضًا.

ومع أن المرسَل من أنواع الحديث الضعيف، إلا أن مراسيل الزهري قد عدَّها كبار المحدثين من أردَأ أنواع المراسيل وشرِّها؛ فقد روى ابن عساكر عن يحيى بن سعيد قال: “مرسَل الزهريِّ شرٌّ من مرسل غيره؛ لأنه حافِظ، وكل ما قدر أن يسمِّي سمى، وإنما يترك من لا يحسن -أو: يستجيز- أن يسمِّيَه”([9])، ويقول الحافظ الذهبي: “مراسيل الزهري كالمعضَل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظنَّ به أنه أسقط الصحابيَّ فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحَه، ولما عجز عن وصله”([10]).

وعليه فإنَّ الادِّعاء بأن موضعَ الشاهد متَّصل عن الصحابيين -المسور ومروان بن الحكم- ادعاءٌ باطل، غير صحيح في ميزان النقد العلميّ، وهو بعيد عن واقع الحال.

والسبب في وقوع هذا الوهم: هو أن عبد الرزاق روى القصةَ بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم، وليس فيها ذكر لوفاةِ أبي بصير، ولا لدَفنه، ولا البناء على قبره مسجدًا([11]).

فأوردها ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق، ثم قال عقبها: “وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتمّ ألفاظ وأكمل سياقة”([12])، وفي آخره موضع الشاهد: “وبنى على قبره مسجدًا([13]).

فإذا بأصحاب الشبهةِ يُسقطون قولَ ابن عبد البر: “وذكر موسى بن عقبة…”، ويجعلون الكلامَ متَّصلًا من رواية عبد الرزاق، فتوهَّموا -أو أوهموا القارئ- أنَّ بناء المسجد على قبر أبي بصير موصولٌ من طريق عبد الرزاق عن الصحابيين الجليلين المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.

وبهذا يتَّضح جليًّا أن قصةَ دفن أبي جندل لأبي بصير وبنائه على قبره مسجدًا ليست موصولة، وإنما هي رواية ضعيفة ذكرها موسى بن عقبة معضلة، أو مرسلة عن الزهري.

أضِف إلى ذلك أنَّ في تلك الزيادةِ اختلافًا مؤثِّرًا في لفظِها، ففي بعضِها: “وبنى على قبره مسجدًا“، وفي أكثر الروايات التي ذكرت القصة: “وجعل عند قبره مسجدًا“، وبين اللفظين بونٌ كبير من جهة الدلالة؛ وسيأتي بيان ذلك.

2- أن قضيَّة بناء أبي جندل المسجدَ على قبر أبي بصير زيادةٌ منكرة في القصَّة؛ فإن القصةَ رواها الإمام البخاري في صحيحه وغيرُه([14]) مسندةً موصولةً عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهم دون ذكر هذه الزيادة.

ومقتضى المنهج العلميّ في أصول الحديث أن تكون هذه الزيادة منكرة؛ إذ هي في ذاتها ضعيفة بسبب الإعضال أو الإرسال، إضافةً إلى أن الرواةَ الثقات لم يعتَمدوها، كما لم يروها أصحابُ الصّحاح والسنن في كتبهم؛ ولهذا يقول الشيخ الألباني: “فدلَّ ذلك كلُّه على أنها زيادةٌ منكرة؛ لإعضالها، وعدم رواية الثقات لها”([15]).

ثالثًا: نقدُ القصَّة من حيث الدلالة:

وعلى سبيل التنزُّل وفرض التَّسليم بثبوت تلك الزيادة فإنها مع ذلك لا تدلُّ على دعواهم: “أن الصلاة في المساجد التي يوجد بها أضرحة الأولياء والصالحين صحيحةٌ ومشروعة، بل إنها تصل إلى درجة الاستحباب”([16])، وبيان ذلك من وجهين:

الوجه الأول: أنها معارَضة بالأدلة الصحيحة الثابتة في النهي عن بناء القبور على المساجد:

فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عن بناء المساجد على القبور؛ ومنها:

  • عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا»، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يُتَّخذ مسجدًا([17]).

  • وعن عائشة أم المؤمنين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصوَر، فأولئك شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة»([18]).

قال الحافظ ابن رجب: “هذا الحديث يدلُّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كلَّ واحد منهما محرَّم على انفراد، فتصوير صوَر الآدميين محرَّم، وبناء القبور على المساجدِ بانفراده محرَّم، كما دلت عليه النصوص”([19]).

وقال الحافظ ابن حجر: “[قوله:] «أولئك شِرار الخلق عند الله» فإن ذلك يشعر بأنه لو كان ذلك جائزًا في ذلك الشرع ما أطلق عليه صلى الله عليه وسلم أنَّ الذي فعله شرُّ الخلق”([20]).

  • وأصرح مما تقدَّم ما رواه جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتَّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك»([21]). وفيه أنه آخر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؛ وهو قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بخمس ليال فقط، كما أنَّ فيه التصريحَ بالنهي عن ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم، وليس من تقريره، ومعلومٌ أنَّ القول أقوى منَ التقرير.

يقول النووي: “قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدَّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية”([22]).

وتأمَّل قول الإمام الشافعي: “وأكره أن يُبنى على القبر مسجدٌ، وأن يسوّى أو يصلّى عليه، وهو غير مسوّى، أو يصلّى إليه”([23])، وقال أيضًا: “وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره -والله تعالى أعلم- أن يعظَّم أحد من المسلمين –يعني: يتَّخذ قبره مسجدًا- ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد”([24]).

فتأمَّل -يا رعاك الله -كلامَ هؤلاء العلماء المعتبرين في تحريم بناء المساجد على القبور وكراهته، وقارنه بما زعمه هؤلاء من مشروعيَّة الصلاة أو استحبابها في المساجد التي يوجَد بها أضرحةُ الأولياء والصالحين؛ لتقف على الصواب، وتعلم بطلان تلك الدعاوى وزيفها.

الوجه الثاني: اعتمادُهم على اللَّفظ الأضعف:

المنهج العلمي يقتضي الاعتمادَ على أصحِّ الألفاظ في الرواية؛ وذلك بعد جمع الطرق وسبرها؛ وبالنظر إلى ألفاظ تلك الزيادة نجد أنها جاءَت بلفظَين مختلِفين في المعنى والدلالة:

اللفظ الأول: “وبنى على قبره مسجدًا”، وهذا اللفظُ هو الذي نقله ابن عبد البر عن موسى بن عقبة معضلًا، كما نقله ابن الأثير عن ابن عبد البر -مصدِّرًا له بما يفيد تضعيفه- فقال: “وقيل: إن أبا جندل بن سهيل بن عمرو كان ممن لحق بأبي بصير، وكان عنده”، وفي آخره: “فمات، فدفنه أبو جندل وصلَّى عليه، وبنى على قبره مسجدًا”([25])، كما ذكره الواقدي في المغازي بلا إسناد، ولم يعزه إلى موسى بن عقبة([26]).

اللفظ الثاني: “وجعل عند قبره مسجدًا”، وهذا اللفظ هو الوارد في أكثر الكتب التي ذكرت تلك الزيادة، وهو اللفظ المثبت في الرواية المسندَة عند البيهقي وابن عساكر من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا، وفيه: “فدفنه أبو جندل مكانَه، وجعل عند قبره مسجدًا”([27]).

وهو الذي اعتمده الحفاظ وأصحاب السير -ابن سيِّد الناس([28])، والذهبي([29])، وابن حجر([30])، وغيرهم([31])– في نقلهم لتلك الواقعة.

وبين العبارتين بون كبير من جهة الدلالة؛ ففي العبارة الأولى دلالةٌ على بناء المسجد على القبر، بينما العبارة الثانية لا تدلّ على ذلك، بل غاية ما تدلّ عليه هو بناء المسجد قرب القبر لا فوقه.

ومما سبق نخلُص إلى: أنَّ قصة بناء المسجد على قبر أبي بصير ضعيفةٌ لا تثبت في ميزان النقد العلمي؛ وذلك لضعفِها من جهة السند؛ لعِلَّتَي الانقطاع والنكارة، كما أنها مردودة أيضًا من جهة الدلالة؛ لمخالفتها ما ثبت من نهيه صلى الله عليه وسلم على بناء القبور على المساجد.

فاللهم اهدِنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: موسوعة الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية (28/ 232-233).

([2]) ومنهم د. علي جمعة في الموسوعة السابقة.

([3]) إلى هنا انتهى محلّ استدلال د. علي جمعة من هذه القصة.

([4]) الإعضال: ما كان السقطُ في إسناده باثنين فصاعدًا مع التوالي. ينظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر لابن حجر (ص: 102).

([5]) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1614).

([6]) ينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي (29/ 115)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (10/ 362).

([7]) دلائل النبوة (4/ 172-175).

([8]) ينظر: تقريب التهذيب لابن حجر (ص: 506).

([9]) تاريخ دمشق (55/ 368).

([10]) سير أعلام النبلاء (5/ 339).

([11]) مصنف عبد الرزاق (9720).

([12]) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1613).

([13]) المرجع السابق (4/ 1614).

([14]) أخرجها البخاري (2731)، وأبو داود (2765)، وعبد الرزاق (9720)، وأحمد (31/ 257)، وابن حبان (4872).

([15]) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص: 70)، وفيه توسّع في تخريج تلك الزيادة.

([16]) هكذا قال أصحاب الشبهة، كما تقدم.

([17]) أخرجه البخاري (1330)، ومسلم (529).

([18]) أخرجه البخاري (427)، ومسلم (528).

([19]) فتح الباري (3/ 202).

([20]) فتح الباري (10/ 382).

([21]) أخرجه مسلم (532).

([22]) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 13).

([23]) الأم (1/ 317).

([24]) المرجع السابق.

([25]) أسد الغابة (6/ 32).

([26]) المغازي (2/ 629).

([27]) دلائل النبوة (4/ 172-175)، تاريخ دمشق (25/ 299-300).

([28]) عيون الأثر (2/ 170)، ذكره عن موسى بن عقبة معضلًا.

([29]) تاريخ الإسلام (1/ 269)، نقله عن موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا.

([30]) فتح الباري (5/ 351)، عن موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا.

([31]) كالكلاعي في الاكتفاء (1/ 476)، والصالحي في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (5/ 63)، وابن طولون في إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين (ص: 145)، والديار بكري في تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (2/ 25).
المصدر: سلف للبحوث والدراسات ..

عدد مرات القراءة:
3022
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :