وكلام ابن حجر الذي أشار اليه في المتن وذكر موضعه في الهامش (56/ 74) يرد عليه بذلك أيضاً فقد شمل ابن حجر أزواجه بذكر الآل، وذكر رواية الصحيحين بخصوصه، وقال: (قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم ... ) فراجع كلام ابن حجر في (الصواعق) (ص87) إذ لم يكن هذا الموسوي أميناً في نقله كعادته ...
الصلاة على آل البيت جزء من الصلاة المفروضة
قوله: ((وحسبنا في إيثارهم على من سواهم إيثار الله عزّ وجلّ إياهم حتى جعل الصلاة عليهم جزءا من الصلاة المفروضة على جميع عباده، فلا تصح بدونها صلاة احد من العالمين صديقا كان أوفاروقا أوذا نور أونورين أوأنوار، بل لا بد لكل من عبد الله بفرائضه أن يعبده في اثنائها بالصلاة عليهم كما يبعده بالشهادتين، وهذه منزلة عنت لها وجوه الامة وخشعت أمامها أبصار من ذكرتم من الائمة) إ. هـ.
لي على كلامه هذا عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: قوله (فلا تصح بدونها صلاة احد من العالمين) من أين له هذا الحكم وكيف قطع به؟ وكان الأحرى به- لوكان من أهل العلم- أن يبين على الأقل أنّه مذهبه وان يشير إلى دليله في ذلك فليس ما قاله متفقا عليه، أعني وجوب الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله في الصلاة بعد التشهد بل الجمهور على خلافه منهم مالك وابوحنيفة واصحابه والثوري والأوزاعي وغيرهم.
وممن قال بعدم الوجوب الشوكان فراجع كلامه في ذلك في (نيل الأوطار) (2/ 321 - 324) فقد رد على جميع ادلة من قال بالوجوب ثم قال في اخرها: (والحاصل انه لم يثبت عندي من الادلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب. وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء لصلاة ولاسيما مع قوله صَلّى الله عليه وسلّم ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) قرينة صالحة لحمله على الندب) ثم قال: (وبعد هذا فنحن لا ننكر ان الصلاة عليه صَلّى الله عليه وسلّم من أجل الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق وانما نازعنا في اثبات واجب م واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه مخافة من التقول على الله بما لم يقل) أنتهى كلامه.
ثم ان حكمه بعدم صحة صلاة من لم يصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله معارض بحديث فضالة بن عبيد إذ قال: (سمع النبي صَلّى الله عليه وسلّم رجلا يدعوفي صلاته فلم يصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم فقال النبي صَلّى الله عليه وسلّم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أولغيره: اذا صَلّى احدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم ثم ليدع بعد ما شاء) - رواه الترمذي وصححه- وقال مجد الدين ابن تيمية في (المنتقى) (1/ 452) بعد هذا الحديث: (وفيه حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا حيث لم يأمر تاركها بالاعادة) إ. هـ. وليس هذا موضع البسط والتحقيق.
الملاحظة الثانية: قوله: (صديقاً كان أوفاروقاً أوذا نور أونورين أوأنوار) فيه تعريض وتجريح بالصحابة بل أجل الصحابة وأفضلهم وأفضل الامة بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وهم ابوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهماجمعين، فلا يغفلن احد عن سوء نيته في تعبيره هذا إذ هولم يرد وصف هؤلاء الصحابة بأوصافهم هذه مقراً بها، بل هذا من قبيل الاستهزاء والتحكّم، عامله الله بما يستحق، وهذا نقوله عنه لعلمنا بمذهبه الباطل في الطعن بهؤلاء الصحابة الأجلاء رضي الله عنه مما فصلناه في مقدمة كتابنا هذا، ولسنا متجنّين عليه في ذلك.
الملاحظة الثالثة: قوله: (بل لا بد لكل من عبد الله بفرائضه ان يعبده في اثنائها بالصلاة عليهم كما يعبده بالشهادتين) تقدم الرد عليه في الخلاف بوجوب الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم واله في الصلاة مع ملاحظة انه هنا يريد تعميم هذا الحكم لكل العبادات الاخرى- زاعماً- بل يريد تسوية الصلاة هذه مع الشهادتين، والحمد لله لم يقل ثلاث شهادات وهوما لا سبيل له ولا لأصحابه من أجل اثباته.
الملاحظة الرابعة: في معنى (آل النبي) صَلّى الله عليه وسلّم ومن هم المقصودون بها ومن الذين يشملهم هذا الاسم، وهذا الكلام ينطبق على كل ما جاء في الاحاديث والآثار التي ساقها هذا الرجل مما جاء فيه ذكر النبي وأهل بيت النبي، والذي يتبين به شمول هذا الاسم لأعم وأوسع من ال علي رضي الله عنه وذريته كما يريد هذا الموسوي ان يقرره ويوهم به، فنقول:
قبل بيان معنى (الآل) فقد جاء في بعض روايات الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم بعد التشهد في الصلاة بغير صيغة (الآل) وبغير ذكر (لآل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم) بل بلفظ اخر هو: ((اللهم صل على محمّد وعلى ازواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمّد وعلى ازواجه وذريته، كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد)) اخرجه البخاري (4/ 178)، ومسلّم (1/ 36) من حديث ابي حميد الساعدي رضي الله عنه. وهذا اللفظ يدفع ما قاله هذا الموسوي وما ادعاه ويهدم كل ما بناه على اساس وجوب الصلاة على ال النبي في الصلاة، فهومن الالفاظ الشرعية الصحيحة الثابتة عندنا في الصلاة وليس فيه ذكر للفظ (اهل البيت) أو(ال البيت) أو(ال محمّد) صَلّى الله عليه وسلّم الذين يريدهم هذا الموسوي بل فيه ذكر لمن يبغضهم وهم ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم، وهواقل ما يجيب به أهل السّنّة عن ادعاء هذا الموسوي. واما معنى (الآل) ومن تشمل فقد ذكر الامام ابن القيم في (جلاء الافهام) (ص119 - 126) اربعة اقوال لأهل العلم في معنى الآل: (القول الأول) انهم الذين حرمت عليهم الصدق، (القول الثاني) انهم ذريته وازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، (القول الثالث) انهم اتباعه إلى يوم القيامة، (القول الرابع) انهم الاتقياء من امته صَلّى الله عليه وسلّم .. وهذا ما جاء في تفسير (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) عن أهل العلم، وما ما ذهب اليه هذا الموسوي باختصاص آل النبي بعلي وذريته فهوفضلا عن ان احدا لم يقل به فليس هناك اي دليل عليه ولا اي دليل يومئ اليه ولوعن بعد. وعلى سبيل التنازل فلوفرضنا صحة ما ادعاه , بمعنى (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) فليس قوله أولى بالقبول من الاقوال الاخرى، ويلزم منه لاصحاب الاقوال الاخرى نظير ما استنتجه هومن وجوب الصلاة عليهم، خصوصا من يرى انهم ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم ثم يسترسل بالاستنتاج حتى يصل إلى
ما وصل اليه هذا الموسوي من أفضليتهم لكنّه يقول ذلك عن ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما لا يريده وما يرفضه هذا الموسوي نفسه لكنّه هوالذي فتح على نفسه هذا الباب بجهله وعدم دقته في النظر في الادلة.
واما ما يخص (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) فالاصح من الاقوال هوالقول الأول لوجود معنى احاديث تدل عليه، بل هوالذي صرح به الصحابي الجليل زيد بن ارقم رضي الله عنه رأوي حديث غدير خم إذ قال في نفس الحديث حين سأله حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: (إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده) قال: من هم؟ قال: (هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس) قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: (نعم) - راجع (صحيح مسلّم) (4/ 1873) - فهؤلاء كلهم هم ال محمّد صَلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته الذي نصلي عليهم في الصلاة، يضاف اليهم ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، بل هن الوحيدات اللواتي جاء الحديث في بعض الفاظه بذكرهن خاصة دون غيرهن، فهن أولى بالدخول من غيرهن.
فان كان ما وصل اليه هذا الموسوي وما أنتهى اليه صحيحا يلزم منه ان يحكم بكل ذلك على جميع أهل بيت محمّد صَلّى الله عليه وسلّم ازواجه وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وليس آل علي فقط، وهوما لا يستطيع هذا الرجل حتى ان يفكر فيه ويأنف منه فها نحن نلزمه الحجة من كلامه لبيان بطلان ما ذهب إليه ولله الحمد.
بقي ان نقول- من باب العدل والامانة- لربما يحتج هذا الموسوي وشيعته على مذهبهم من ان آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم آل علي فقط بحديث الكساء- وهوفي صحيح مسلّم- وقوله صَلّى الله عليه وسلّم فيه ((اللهم ان هؤلاء أهل بيتي)) مشيرا اليهم، لكننا نقول انه نظير الحديث الذي قدمناه في لفظ الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وفيه ذكر ازواجه وذريته فقط دون غيرهم، فإنّه يحتج به من يقول بأنّ آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم ازواجه وذريته فقط، وهولا يقل في الدلالة عن الأول لانه ذكرهم تخصيصا بدلا من آله في الالفاظ الاخرى، ومع هذا ليس هوصحيحا بل هومن باب تعيين البعض ومن باب ذكر بعض افراد العام، والأولى الاخذ باللفظ الأعم الأشمل جمعاً بين الاحاديث.
وبمثل هذا الجواب نجيب عن حديث الكساء لمن احتج به على ان ال النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم آل علي فقط بل ونعارض بالحديث الذي فيه ذكر الازواج والذرية، فما يقوله عنه نقوله نحن في حديث الكساء فلا اشكال عندنا- والحمد لله- ولا نُرد حديثا صحيحا ثبت عن المعصوم صَلّى الله عليه وسلّم كما يفعل هذا الموسوي وزمرته.
وللشوكاني كلام مهم في رد من اجتج بحديث الكساء على معنى الآل، فقال في (نيل الأوطار) (2/ 327 - 328): ( ... ولكنّه يقال ان كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أوغيره فغاية ما فيه اخراج من عداهم بمفهومه، والاحاديث الدالة على انهم أعمّ منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم، واقتصاره صَلّى الله عليه وسلّم على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي اخباره بعد ذلك بالزيادة لأن الإقتصار ربما كان لمزية البعض أوقبل العلم بان الآل أعمّ من المعينين، ثم يقال اذا كأنت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الال مع ان مفهوم هذا الحصر يخرجهم، فان كان ادخالهم بمخصص وهوالتفسير بالذرية وذريته صَلّى الله عليه وسلّم هم أولاد فاطمة فما الفرق بين مخصص ومخصص) إ. هـ.
وراجع أيضاً ما قاله الامام ابن القيم في (جلاء الإفهام في الصلاة والسّلام على خير الأنام) في معنى (الآل) والصحيح من ذلك.
الملاحظة الخامسة: ان اختصاصهم بالذكر في الصلاة ليس دليلا على الأفضلية بل دليل على الفضل، وان كان فليس المقصود اعيانهم وأفرادهم بل أهل البيت عموما لما اختصهم الله به من النبوة والرسالة. ثم ان لفظ الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله فيه تشبيه تلك الصلاة بالصلاة على ابراهيم عليه السّلام وآله، أفيقول أحدٌ إنّ إبراهيم وآله أفضل من محمّد صَلّى الله عليه وسلّم وآله اعتمادا ً على أنّ التشبيه يقتضي ان المشبه به أفضل من المشبه؟ هذا ما لا يقوله هذا الموسوي ولا غيره مع انه في الاستدلال نظير ما استدل هوبه. وإن كان ما قرره صحيحا من دلالته على الأفضلية فهولأهل البيت عموما- كما قلنا- وحتى وان كان لأفرادهم فرداً فرداً فيلزم منه ان يدخل معهم جميع أهل البيت الذين ذكرناهم في الملاحظة السابقة وبينا شمول اسم أهل البيت لهم ومنها أزواجه صَلّى الله عليه وسلّم، والحمد لله على توفيقه ..